— Bagian 43 · حصى أفواها —
Bagian 43
حصى أفواها حكم الشّفاعة في يديه وأمرها ... وغزالة نادته أذهب ضرّها والرّوح حين أتته شرّف قدرها ... كثرت محاسنه فأعجز حصرها فغدت وما نلقى لها أشباه ا
الله أرسله بكلّ هداية ... وحباه في الدّارين كلّ عناية فلقد حوى في المجد أبعد غاية ... إنّي اهتديت من الكتاب بآية فعلمت أنّ علاه ليس يضاهي ... فشهدت أنّ الله خصّ محمّدا فغدا بأملاك السّماء مؤيّدا ... وعلى لسان الأنبياء ممجّدا ورأيت فضل العالمين محدّدا ... وفضائل المختار لا تتناهى أمداحه تبقى على مرّ الزّمن ... كم آية فينا له مدح حسن أعيت مدائحه الحسان ذوي اللّسن ... كيف السّبيل إلى تقصّي مدح من قال الإله له وحسبك جاها ... ما ضلّ صاحبكم فخصّ وكرّما وبقول ما كذب الفؤاد لقد سما ... وكفاه ما قد قاله ربّ السّما إن الذين يبايعونك إنّما ... فيما يقول يبايعون الله شهدت جميع الأنبياء بفضله ... فلأجل ختمهم أتوا من قبله وله لواء الحمد خصّ بحمله ... هذا الفخار فهل سمعت بمثله واها لنشأته الكريمة واها ... يا أمّة الهادي ومن كمثالكم فجلال أحمد شاهد بكمالكم ... هو ستركم هو ذخركم لمآلكم صلوا عليه وسلموا فبذلكم ... تهدى النّفوس لرشدها وغناها ما في عباد الله مثل محمّد ... فمقامه المحمود يعرف في غد ولحوضه المورود أكرم مورد ... صلى عليه الله غير مقيّد وعليه من بركاته أنماها ... أن الصلاة عليه تنجينا غدا فإذا همو ذكروا لديك محمّدا ... غظ بالصّلاة عليه أكباد العدا وعلى الأكابر آله سرج الهدى ... أكرم بعترته ومن والاها أعزز بآل محمّد فلديهم ... يعطى المنى فالجود ملك يديهم وإليه صرف ثنائنا وإليهم ... وكذا السّلام عليه ثمّ عليهم وعلى عصابته الّتي زكّاها
كانوا إذا التمس السّماح سحابه ... ولقد أتوا عند الحوائج بابه ملكوا من المجد الأثيل لبابه ... أعني الكرام أولي النّهى أصحابه فئة التّقى ومن اهتدى بهداها ... مدحي لأحمد لا حمى كملاذه فإن ارتضاه وجاد لي بنفاذه ... فلنعم ما أنا عائذ بمعاذه والحمد لله الكريم وهذه ... نجزت وظنّي أنّه يرضاها زاد مخمّسها الشيخ أبو عبد الله محمد، عفا الله تعالى عنه بمنّه ولطفه وكرمه آمين: منحت قصيد البشكريّ قبولا ... وسئلت في تخميسها لتطولا فأردت في باب الثّواب دخولا ... وأطلت في نسج الكلام ذيولا قيل الرّياض نمت فزاد شذاها ... غفر الإله له ولي ولمن قرا وأعدّ في دار النّعيم لنا القرى ... وحباه أجر المخلصين لنا القرى فعلى قصيدته سنا صدق يرى ... وكفته رؤيا في المنام رآها قال الرّسول له رضيت فيا لها ... بشرى بنيّته الجميلة نالها فإن ارتضيت بأن أنال مثالها ... فهي السّعادة قد منحت نوالها وهناك تظفر مهجتي بمناها ... يا ربّ بالمختار يسّر أمرنا واغفر خطايانا وأذهب ضرّنا ... واجزل عطايانا وأجمل سترنا واجعل بطيبة في حماه مقرّنا ... وأجب سؤال نفوسنا ودعاها يا ربّ صلّ على النبي محمّدٍ ... والآل والصحب الكرام المحتد القائمين الرّاكعين السّجّد ... بحماة دينك باللّسان وباليد والمال حبّا للرّسول وجاها تنبيه: سيأتي في المعجزات وفي الخصائص أشياء تتعلق بالمدينة الشريفة الكريمة إن شاء الله تعالى.
جماع أبواب بعض حوادث من السنة الأولى والثانية من الهجرة
نبيه: سيأتي في المعجزات وفي الخصائص أشياء تتعلق بالمدينة الشريفة الكريمة إن شاء الله تعالى.
جماع أبواب بعض حوادث من السنة الأولى والثانية من الهجرة
الباب الأول في صلاته ﷺ الجمعة ببني سالم بن عوف وهي أول جمعة صلّاها وأوّل خطبة في الإسلام كما جزم به [ أبو سلمة بن عبد الرحمن] في العيون [نقلا عن] ابن إسحاق، والبيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: «كان أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: « [أما بعد] : أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله [ليصعقن] أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربّه، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام [عليكم] وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته» . ثم خطب رسول الله ﷺ مرة أخرى فقال: «إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله ﵎، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، أنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبّوا من أحبّه الله، أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي قد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً واتّقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
شيئاً واتّقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» . وروى ابن جرير عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة رسول الله ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف: «الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، [وانقطاع من الزمان] ، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله ﷿، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك ذكرا، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح [الذي] بينه وبين الله تعالى من [أمره في] السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره [وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم. وما كان مما سوى ذلك يودّ لو أنّ بينه وبينه أمدا بعيدا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [آل عمران: ٣٠] هو الذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول ﷿ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق ٢٩] فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنّه وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق ٥] ومن يتّق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه وإن تقوى الله تبيّض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدّرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علّمكم كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
الله تبيّض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدّرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علّمكم كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال ٤٢] ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله تعالى واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» [ (١) ] .
تنبيهات الأول: قال في الروض: قوله ﷺ: «أحبوا الله من كل قلوبكم» ، يريد أن تستغرق محبة الله تعالى جميع أجزاء القلب، فيكون ذكره وعمله خارجا من قلبه خالصا لله. وتقدم الكلام على محبّته لعبده، ومحبة العبد لربه في اسمه ﷺ: «حبيب الله» . وقوله ﷺ: «ولا تملوا كلام الله وذكره. فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفى» قال السهيلي: الهاء في قوله: (فإنه) لا يجوز أن تكون عائدة على كلام الله تعالى، ولكنها
ضمير الأمر والحديث، فكأنه قال: إن الحديث من كل ما يخلق الله يختار، فالأعمال إذا كلها من خلق الله، قد اختار منها ما شاء، قال سبحانه: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ. وقوله: «قد سماه الله خيرته من الأعمال» ، يعني الذكر وتلاوة القرآن [لقوله سبحانه: «ويختار» فقد اختاره من الأعمال] . وقوله: «والمصطفى من عباده» : أي سمّى المصطفى من عباده بقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج ٧٥] ويجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده أي العمل الذي اصطفاه منهم واختاره من أعمالهم، فلا تكون «من» على هذا للتبعيض، إنما تكون لابتداء الغاية، لأنه عمل استخرجه منهم لتوفيقه إياهم، والتأويل الأول أقرب مأخذا. والله أعلم بما أراد رسوله» . وقوله في أول الخطبة: «إن الحمد الله أحمده» ، هكذا برفع الدال [من قوله: الحمد لله] وجدته مقيدا مصححا عليه، وإعرابه ليس على الحكاية، ولكن على إضمار الأمر، كأنه قال: «إن الأمر الذي أذكره» ، حذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدم شيئاً في اللفظ من الأسماء على قوله: «الحمد لله» . وليس تقديم «إن» في اللفظ من باب تقديم الأسماء لأنها حرف مؤكد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن والتيمن به والله أعلم. الثاني: اختلف في تسمية اليوم بذلك، مع أنه كان اتفاقا يسمى في الجاهلية: «العروبة» - بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة- قلت: قال أبو جعفر النّحّاس في كتابه: «صناعة الكتابة» : لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام إلا شاذا، ومعناه اليوم المبيّن المعظم من أعرب إذا بين. فقيل: سمي بذلك لأن الخلائق جمعت فيه، ذكره أبو حذيفة البخاري في المبتدأ عن ابن عباس، وإسناده ضعيف. وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه. وروى الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن أبي حاتم عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدري ما يوم الجمعة؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قالها ثلاث مرات. قال في الثالثة: «هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم» .
م عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتدري ما يوم الجمعة؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قالها ثلاث مرات. قال في الثالثة: «هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم» . الحديث، وله شاهد عن أبي هريرة ﵁، رواه ابن أبي حاتم بإسناد قوي، والإمام أحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف. قال الحافظ: «وهذا أصحّ. ويليه ما رواه عبد الرزاق عن ابن سيرين بسند صحيح إليه، في قصة تجميع الأنصار، مع أسعد بن زرارة. وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، صلّى بهم فيه وذكّرهم فسمّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه» . وقيل: «سمي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه» . وبهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية وإنما كان يسمى العروبة. وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية، وقالوا: الجمعة هو يوم العروبة. والظاهر أنهم غيّروا الأيام السبعة بعد أن كانت: أوّل وأهون وجبار ودبار ومؤنس وعروبة وشيار.
وقال الجوهري: وكانت العرب تسمي يوم الاثنين «أهون» في أسمائهم القديمة. فهذا يشعر بأن لها أسماء وهي هذه المتعارفة إلى آخرها الآن. وقيل: إن أول من سمى العروبة «الجمعة» كعب بن لؤي، فيحتاج من قال إنهم غيّروها إلى الجمعة، فأبقوها على تسمية العروبة إلى نقل خاص. الثالث: تقدم أن صلاة الجمعة صلتها الصحابة بالمدينة قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، فقيل ذلك بإذن من النبي ﷺ لما رواه الدارقطني عن ابن عباس، قال: أذن رسول الله ﷺ بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله ﷺ إن يجمع بمكة ولا [يبدي] لهم، فكتب إلى مصعب بن عمير ﵁: «أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله تعالى بركعتين» .
ليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله تعالى بركعتين» . قال: فأول من جمع مصعب بن عمير حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فجمّع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك. وفي سنده أحمد بن محمد بن غالب الباهلي، وهو متهم بالوضع. قال في الزهر: «والمعروف في هذا المتن الإرسال، رويناه في كتاب الأوائل لأبي عروبة الحراني» قال: «حدّثنا هاشم بن القاسم حدثنا ابن وهب حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب به» . وقيل باجتهاد الصحابة، روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجمّعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك فهلمّوا فلنجعل يوما تجمّع فيه فنذكر الله ونصلي ونشكر. فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة ٩] قال الحافظ: وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن، رواه أبو داود وابن ماجة، وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: «كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم النبي ﷺ المدينة أسعد بن زرارة» ، الحديث وقد تقدّم، فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة باجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها كما في حديث ابن عباس والمرسل بعده، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بخبر نبيّ البيان والتوفيق. وقيل: الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، وكان الله تعالى أكمل فيه الموجودات وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر الله على ذلك بالعبادة فيه، ولهذا تتمة تأتي في الخصائص أن شاء الله تعالى.
الباب الثاني في بناء مسجده الأعظم وبعض ما وقع في ذلك من الآيات تقدّم أن ناقته ﷺ بركت عند باب مسجده، فقال رسول الله ﷺ: «هذا المنزل إن شاء الله» ، ثم أخذ في النزول، فقال: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون ٢٩] . وكان مربدا ليتيمين هما: سهل وسهيل، قال يحيى بن الحسن، والبلاذري وغيرهما: «ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وبذلك صرح ابن حزم، وأبو عمر ورجّحه، وكانا في حجر أسعد بن زرارة كما في صحيح البخاري عند أكثر رواته. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ أرسل إلى بني النجار بسبب موضع المسجد، فقال: «يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا» [ (١) ] ، فقالوا: «والله لا نطلب ثمنه إلا من الله» وفي رواية: فدعا بالغلامين وساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا. فقالا. بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا. وكان أسعد بنى المربد مسجدا قبل أن يقدم النبي ﷺ. وروى يحيى بن الحسن عن النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم النبي ﷺ، يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويجمّع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ قالت: «كأني أنظر إلى رسول الله- ﷺ لما قدم صلى بهم في ذلك المسجد، وبناه فهو مسجده» ، وذكر البلاذري نحوه. وروى الشيخان والبيهقي عن أنس ﵁ قال: كان المسجد جدارا ليس له سقف، وقبلته إلى القدس، فأمر رسول الله- ﷺ بالنخل بالغرقد أن يقطع، وكان فيه قبور جاهلية، فأمر بها فنبشت وأمر بالعظام أن تغيّب، وكان في المربد ماء فسيّره حتى ذهب، وكان فيه خرب فأمر بها فسويت، فصفوا النخل قبلة له، أي جعلت سواري له في جهة القبلة فسقّف عليها وجعلوا عضادتيه حجارة. وروى ابن عائذ إن النبي ﷺ صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما ثم سقف، وروى محمد بن الحسن المخزومي، ويحيى بن الحسن عن شهر بن حوشب قال: «لما أراد رسول الله- ﷺ أن يبني المسجد قال: «ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك» . قيل: وما ظلة موسى؟ قال: «كان إذا قام أصاب رأسه
- ﷺ أن يبني المسجد قال: «ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك» . قيل: وما ظلة موسى؟ قال: «كان إذا قام أصاب رأسه
السّقف. وعمل رسول الله ﷺ مع الصحابة في بناء المسجد، بنفسه الكريمة، كما في الصحيح أنه طفق ينقل معهم اللبن ترغيبا لهم في العمل» ويقول: اللهمّ إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره [ (١) ] ويذكر أن هذا البيت لعبد الله بن رواحة، وعن الزهري إن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخره فارحم المهاجرين والأنصار. وكان لا يقيم الشّعر. وروى محمد بن الحسن المخزومي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: «بنى رسول الله ﷺ مسجده فقرّب اللّبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله ﷺ فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون: لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلّل [ (٢) ] وروى البيهقي عن الحسن قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبرّ صدره. وكان عثمان بن مظعون رجلا متنطّعا وكان يحمل اللبنة فيجا في بها ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب ﵁ فأنشد يقول: لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها وهو لا يدرى من يعني بها. فمرّ بعثمان فقال: يا بن سميّة، ما أعرفني بمن تعرّض، ومعه جريدة، فقال: لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك. فسمعه رسول الله- ﷺ، فغضب ثم قال: «إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عينيّ وأنفي فإذا بلغ ذلك من المرء فقد أبلغ» . ووضع يده بين عينيه. فكفّ الناس عن عمّار، ثم قالوا لعمّار: إن النبي- ﷺ قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن. فقال: أنا أرضيه كما غضب. فقال:
فقد أبلغ» . ووضع يده بين عينيه. فكفّ الناس عن عمّار، ثم قالوا لعمّار: إن النبي- ﷺ قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن. فقال: أنا أرضيه كما غضب. فقال: يا رسول الله ما لي ولأصحابك؟ قال: «ما لك ولهم» ؟ قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة ويحملون عليّ لبنتين لبنتين. فأخذ بيده وطاف به في المسجد، وجعل يمسح وفرته بيديه من التراب ويقول: «يا بن سميّة، ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار» ، ويقول عمّار: أعوذ بالله من الفتن.
وروى عبد الرزاق بسند على شرط الشيخين عن أم سلمة، والبخاري والبيهقي [ (١) ] عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لما كان رسول الله ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، جعل أصحاب رسول الله ﷺ يحمل كل رجل منهم لبنة لبنة، وعمّار يحمل لبنتين: لبنة عنه ولبنة عن رسول الله- ﷺ، فمسح رسول الله ﷺ ظهره وقال: «يا بن سميّة للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار» ، وعمّار يقول: «أعوذ بالله من الفتن» . وروى أبو يعلى برجال الصحيح إلا أن التابعي لم يسمع عن عائشة ﵂ قالت: «لما أسس رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه، وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول الله- ﷺ عن ذلك فقال: «هذا أمر الخلافة من بعدي» [ (٢) ] . وروى البيهقي بسند قوي جيّد عن سفينة [ (٣) ] ﵁ نحوه، وفيه قال: «هؤلاء ولاة الأمر من بعدي» . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا يحملون اللّبن إلى بناء المسجد ورسول الله ﷺ، قال: «فاستقبلت رسول الله- ﷺ وهو عارض لبنة على بطنه فظننت أنها شقّت عليه، فقلت: «يا رسول الله ناولنيها» . فقال: «خذ غيرها، لا عيش إلا عيش الآخرة» . وهذا كان في بنائه المرّة الثانية، لأن أبا هريرة لم يسلم في الأولى. وروى يحيى بن الحسن عن أسامة بن زيد ﵄ عن أبيه، قال: «خرج رسول الله ﷺ، ومعه حجر، فلقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله أعطنيه. فقال: «اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى الله مني» [ (٤) ] .
أبيه، قال: «خرج رسول الله ﷺ، ومعه حجر، فلقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله أعطنيه. فقال: «اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى الله مني» [ (٤) ] . وروى الإمام أحمد ويحيى بن الحسن عن طلق بن علي ﵁ قال: أتيت رسول الله- ﷺ وهو يبني المسجد، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنت صاحب علاج وخلط طين، فأخذت المشحاة أخلط الطين والنبي- ﷺ ينظر إليّ ويقول: «إن هذا الحنفيّ لصاحب طين» . وكان يقول: «قرّبوا اليماميّ من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدّكم منكبا» [ (٥) ] .
وروى يحيى بن الحسن من طريق عبد العزيز بن عمر، عن يزيد بن السائب، عن خارجة بن زيد بن ثابت ﵁، قال: «بنى رسول الله ﷺ، مسجده سبعين في ستين ذراعا أو يزيد، ولبن لبنة من بقيع الخبخبة وجعله جدارا وجعل سواريه خشبا شقّة شقّة، وجعل وسطه رحبة، وبنى بيتين لزوجتيه» . وروى يحيى أيضاً عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله- ﷺ بالسميط لبنة على لبنة، ثم بالسعيد لبنة ونصف أخرى، ثم كثر الناس فقالوا: «يا رسول الله لو زيد فيه» ففعل، فبنى بالذّكر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، وكانوا رفعوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخّره مائة ذراع، وكذا في العرض، وكان مربّعا. وفي رواية جعفر: ولم يسطّح فشكوا الحرّ، فجعلوا خشبة وسواريه جذوعا وظلّلوه بالجريد ثم بالخصف، فلما وكف عليهم طيّنوه بالطين، وجعلوا وسطه رحبة، وكان جداره قبل أن يسقّف قامة وشيئا. وروى يحيى عن [أسامة بن] زيد بن حارثة عن أبيه ﵄ أن رسول الله- ﷺ جعل قبلته إلى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب في مؤخّره: باب أبي بكر وهو في جهة القبلة اليوم، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه رسول الله ﷺ، وهو باب آل عثمان اليوم، وهذان البابان لم يغيّرا بعد أن صرفت القبلة، ولما صرفت القبلة سدّ النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه، وفتح هذا الباب، وحذاه هذا الباب أي ومحاذيه هذا الباب الذي سدّ. وروى ابن زبالة عن جعفر بن محمد إن النبي- ﷺ بنى مسجده مرتين: بناه حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد عليه مثله في الدور. وروى الزبير بن بكّار عن أنس ﵁ أنه قال: بنى رسول- الله- ﷺ مسجده أول ما بناه بالجريد، وإنما بناه باللّبن بعد الهجرة بأربع سنين. وروى الطبراني عن أبي المليح أنه قال: «قال رسول الله- ﷺ لصاحب البقعة التي زيدت في مسجد المدينة، وكان صاحبها من الأنصار، فقال النبي- ﷺ: «لك بها بيت في الجنة» .
براني عن أبي المليح أنه قال: «قال رسول الله- ﷺ لصاحب البقعة التي زيدت في مسجد المدينة، وكان صاحبها من الأنصار، فقال النبي- ﷺ: «لك بها بيت في الجنة» . قال: فجاء عثمان، فقال له: لك بها عشرة آلاف درهم، فاشتراها منه، ثم جاء عثمان إلى النبي- ﷺ فقال: يا رسول الله اشتر مني البقعة التي اشتريتها من الأنصاري، فاشتراها منه ببيت في الجنة. فقال عثمان: إني اشتريتها بعشرة آلاف درهم، فوضع رسول الله- ﷺ لبنة، ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة، ثم دعا عمر فوضع لبنة، ثم دعا
عثمان فوضع لبنة، ثم قال للناس: «ضعوا» ، فوضعوا [ (١) ] . وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه في حديث قصّة إشراف عثمان يوم الدار، عن ثمامة بن حزن القشيري، والإمام أحمد والدارقطني عن الأحنف بن قيس، إن عثمان ﵁، أشرف على الناس فقال: «أهاهنا علي» ؟ قالوا: نعم. قال: «أهاهنا طلحة» ؟ قالوا: نعم. قال: «أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله- ﷺ قال: «من يبتاع بقعة بني فلان فليزيدها في المسجد بخير منها في الجنة» ؟ وفي رواية: «غفر الله له» . فاشتريتها من صلب مالي بعشرين ألفا فأتيت النبي- ﷺ فقلت: قد ابتعتها. فقال: «اجعلها في مسجدنا ولك أجرها» . قالوا: «اللهم نعم» [ (٢) ] . وروى الزبير بن بكّار عن نافع بن جبير، وداود بن قيس، وابن شهاب وإسماعيل بن عبد الله الأزدي عن رجل من الأنصار، والطبراني بسند رجاله ثقات، عن الشّموس بنت النعمان ﵂، ويحيى بن الحسن عن الخليل بن عبد الله الأسدي عن رجل من الأنصار، عن ابن عجلان والغرافي- بالغين المعجمة والفاء في ذيله- عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن ابن عمر إن رسول الله- ﷺ أقام رهطا على زوايا المسجد ليعدّل القبلة، فأتاه جبريل، فقال: «يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة» ، ثم قال بيده هكذا فانماط كلّ جبل بينه وبينها فوضع تربيع المسجد، وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء. فلما فرغ قال جبريل بيده فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت قبلته إلى الميزاب، فقال رسول الله ﷺ: «ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت لي الكعبة فوضعتها أمامها» [ (٣) ] .
أعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت قبلته إلى الميزاب، فقال رسول الله ﷺ: «ما وضعت قبلة مسجدي هذا حتى رفعت لي الكعبة فوضعتها أمامها» [ (٣) ] . وقال الإمام مالك ﵀ كما في العتبيّة: «سمعت أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله- ﷺ قبلة مسجد المدينة» . وروى البخاري وأبو داود عن نافع، وأبو داود عن طريق ابن عطية، كلاهما عن ابن عمر ﵄ أن مسجد رسول الله- ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله- ﷺ من جذوع النّخل وأعلاه مظلّل بجريد النّخل، ثم أنها نخرت في خلافة أبي بكر فبناه بجذوع النخل وبجريد النخل، ولم يزد فيه، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللّبن والجريد وأعاد عمده خشبا، ثم أنها نخرت في خلافة عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة، وجعل عمده من حجارة
منقوشة وسقّفه بالسّاج. زاد في العيون: ونقل إليه الحصباء من العقيق. وأول من اتخذ فيه المقصورة مروان بن الحكم بناها بحجارة منقوشة [وجعل لها كوى] ، ثم لم يحدث فيه شيئا إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد أبيه، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة يأمره بهدم المسجد وبنائه، وبعث إليه بمال وفسيفساء ورخام وثمانين صانعا من الروم والقبط من أهل الشام ومصر، فبناه وزاد فيه، وولى القيام بأمره والنفقة عليه صالح بن كيسان وذلك في سنة سبع وثمانين ويقال: من سنة ثمان وثمانين. ولم يحدث فيه أحد من الخلفاء شيئا حتى استخلف المهدي. قال محمد بن عمر: بعث المهدي عبد الملك بن شبيب الغسّائي ورجلا من ولد عمر بن عبد العزيز إلى المدينة لبناء مسجدها والزيادة فيه، وعليها يومئذ جعفر بن سليمان بن علي، فمكثا في عمله سنة، وزاد في مؤخّره مائة ذراع فصار طوله ثلاثمائة ذراع وعرضه مائتي ذراع. وقال علي بن محمد المدائني: «ولّى المهدي جعفر بن سليمان مكة والمدينة واليمامة فزاد في مكة ومسجد المدينة، وتمّ بناء مسجد المدينة في سنة اثنتين وستين ومائة. وكان المهدي أتى إلى المدينة في سنة ستين ومائة قبل الحج فأمر بقلع المقصورة وتسويتها مع المسجد، ويقال إن المأمون عمره أيضا وزاد فيه. والله أعلم.
ومائة. وكان المهدي أتى إلى المدينة في سنة ستين ومائة قبل الحج فأمر بقلع المقصورة وتسويتها مع المسجد، ويقال إن المأمون عمره أيضا وزاد فيه. والله أعلم. ثم لم يزد فيه شيئا أحد من الخلفاء بعد المأمون، ولم يعمّروا إلا مواضع يسيرة، إلى أن حصل الحريق [في المسجد النبوي] في أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أول الليل لدخول أبي بكر بن أوحد الفرّاش الحاصل الذي في الزاوية الغريبة لاستخراج قناديل لمنائر المسجد. وترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل وفيه مشاق فاشتعلت النار فيه وأعجزه إطفاؤها وعلقت ببسط وغيرها مما في الحاصل وتزايد الالتهاب حتى اتصلت بالسقف بسرعة [ثم دبّت في السقوف] آخذة قبلة فأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة واجتمع معه غالب أهلها، فلم يقدروا على قطعها، وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد الشريف وما احتوى من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والمقاصير والصناديق ولم تبق خشبة واحدة، وكذا الكتب، وكسوة الحجرة الشريفة. قال القطب القسطلاني: وكان عليها حينئذ إحدى عشرة ستارة، وأزالت النار تلك الزخارف التي لا ترضي، وشوهد من هذه النار صفة القهر والعظمة الإلهية مستولية على الشريف والمشروف. وكان هذا الحريق عقب ظهور نار الحجاز المنذر بها من أرض المدينة، وحماية أهلها منها لما التجأوا إلى مسجدها، فانطفأت عند وصولها لحرمها. قلت: وسيأتي بيان ذلك في المعجزات إن شاء الله تعالى.
المنذر بها من أرض المدينة، وحماية أهلها منها لما التجأوا إلى مسجدها، فانطفأت عند وصولها لحرمها. قلت: وسيأتي بيان ذلك في المعجزات إن شاء الله تعالى.
وربما خطر ببال العوام أن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة، مع اقتراف الأوزار، فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال. والنار مطهّرة لأدناس الذنوب وقد كان [ذلك] لاستيلاء الروافض حينئذ [على المسجد النبوي والمدينة] وكان القاضي والخطيب منهم، وأساءوا الأدب كما بسط ذلك ابن جبير في رحلته، ولذا وجد عقب الحريق على جدران المسجد: لم يحترق حرم النّبيّ لريبة ... يخشى عليه وما به من عار لكنّها أيدي الرّوافض لامست ... تلك الرّسوم فطهّرت بالنّار ووجد أيضا: قل للرّوافض بالمدينة ما بكم ... لقيادكم للذّمّ كلّ سفيه ما أصبح الحرم الشّريف محرّقا ... إلّا لسبّكم الصّحابة فيه ولم يسلم من الحريق سوى القبّة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم. قال المؤرخون: وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النّخل إذا هبّت الرياح تتمايل، وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السّقف الذي كان على أعلى الحجرة الشريفة على سقف بيت رسول الله ﷺ، فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة.
الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السّقف الذي كان على أعلى الحجرة الشريفة على سقف بيت رسول الله ﷺ، فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة. وفي صبيحة الجمعة عزلوا موضعا للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله [أبي أحمد عبد الله] بن المستنصر بالله [في شهر رمضان] ، فوصلت الآلات صحبة الصّنّاع مع ركب العراق في الموسم وابتدئ بالعمارة أول سنة خمس وخمسين وستمائة، وقصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة، فلم يجسروا على ذلك. واتفق رأي [صاحب المدينة يومئذ وهو] الأمير منيف بن شيحه [بن هاشم بن قاسم بن مهنئ الحسيني] مع رأي أكابر الحرم الشريف أن يطالع الإمام المستعصم بالله بذلك فيفعل ما يصل إليه أمره. فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج التتار لهم واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة. فتركوا الرّدم على حاله ولم ينزل أحد هناك. زاد المجد اللغوي: ولم يجسر أحد على التّعرّض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزلّ الأقدام ولا يتأتى من كل أحد بادئ بدئه الدخول فيه والإقدام. ووصلت الآلات من صاحب اليمن [يومئذ وهو الملك] المظفّر شمس الدين يوسف بن المنصور عمر بن رسول. ثم عزل صاحب مصر، وتولى مكانه مملوك أبيه المظفر سيف الدين قطز المعزّي واسمه الحقيقي محمود بن ممدود، وأمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وأبوه ابن عمّه، أسر عند غلبة التتار، فبيع بدمشق، ثم [انتقل بالبيع إلى] مصر،
وتملّك في ثامن عشر ذي القعدة من سنة سبع [وخمسين وستمائة] . وفي شهر رمضان من سنة ثمان أعز الله تعالى الإسلام على يده بوقعه عين جالوت. ثم قتل بعد الموقعة بشهر وهو داخل إلى القاهرة. وكان العمل بالمسجد الشريف في تلك السنة من باب السّلام إلى باب الرحمة [المعروف قديما بباب عاتكة] ومن باب جبريل إلى باب النساء. وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري، فحصل منه اهتمام بأمر المسجد فجهّز الأخشاب والحديد والرصاص، ومن الصّنّاع ثلاثة وخمسين صانعا، وما يمونهم، وأنفق عليهم قبل سفرهم وأرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي وغيره، ثم صار يمدّهم بما يحتاجون إليه من الآلات والنفقات. فعمل في أيامه باقي سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف إلا السقف الشمالي فإنه جعل سقفا واحدا. ولم يزل المسجد على ذلك حتى جدّد السّقف الشرقي والسّقف الغربي اللذان عن يمين صحن المسجد وشماله وذلك في سنتي خمس وست وسبعمائة في أوائل دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، فجعلا سقفا واحدا شبه السقف الشّمالي [أي سقف الدّكاك] . ثم في سنة تسع وعشرين وسبعمائة أمر الملك الناصر محمد المذكور بزيادة رواقين [في المسقّف القبلي] متصلين بمؤخّره فاتسع مسقّفه بهما وعمّ نفعهما. ثم حصل في هذين الرواقين خلل فجدّدهما الملك الأشرف برسباي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة من مال جوالي قبرص. وجدّد الأشرف أيضا شيئا من السقف الشامي [مما يلي المنارة السنجارية] .
ن خلل فجدّدهما الملك الأشرف برسباي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة من مال جوالي قبرص. وجدّد الأشرف أيضا شيئا من السقف الشامي [مما يلي المنارة السنجارية] . ثم حصل خلل في سقف الروضة الشريفة وغيرها من سقف المسجد في دولة الظاهر جقمق، فجدّد ذلك في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ثم جدّد السلطان الملك الأشرف قايتباي كثيرا من سقف المسجد، ثم احترق المسجد النبوي ثانيا في الثلث الأخير من ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، سنة ست وثمانين وثمانمائة، وذلك أن رئيس المؤذّنين وصدر المدرسين شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلّل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرّيّسيّة، وصعد المؤذّنون بقيّة المنائر وقد تراكم الغيم وحصل رعد قاصف، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة فسقط شرقيّ المسجد لهب كالنار وانشقّ رأس المئذنة، وتوفي الرّيّس لحينه صعقا. وأصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئسية وقبة الحجرة النبوية فثقبه ثقبا كالترس فعلقت النار فيه وفي السقف الأشفل، ففتحت أبواب المسجد ونودي بأن الحريق في المسجد. فاجتمع أمير المدينة قسطل بن زهير الجمّازي وأهلها بالمسجد الشريف، وصعد أهل
النار فيه وفي السقف الأشفل، ففتحت أبواب المسجد ونودي بأن الحريق في المسجد. فاجتمع أمير المدينة قسطل بن زهير الجمّازي وأهلها بالمسجد الشريف، وصعد أهل
النّجدة منهم بالمياه لإطفاء النار وقد التهبت سريعا في السّقفين، وأخذت في جهة الشمال والغرب، فعجزوا عن إطفائها وكادت أن تدركهم فهربوا. وسقط بعضهم فهلك، ونجا بعضهم مع من حالت النار بينه وبين الأبواب إلى صحن المسجد. وجملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا. وعظمت النار جدا حتى صارت كبحر لجّيّ من نار، ولها زفير وشهيق وألسن تصعد في الجو، وصارت ترمي بشرر كالقصر ويسقط بالبيوت المجاورة ومع ذلك فلا تؤثر فيها. وحمل بعض خزائن الكتب والربعات والمصاحف غير ما بادروا بإخراجه، وذلك كله في نحو عشرة أدراج فأصابها الشرر فأحرقها. وأخبر أمير المدينة قسطل الجمّازي أن شخصا من العرب الصادقين رأى في المنام قبل ذلك بليلة أن السماء فيها جراد منتشر ثم أعقبته نار عظيمة، فأخذ النبي- ﷺ النار وقال: «أمسكها عن أمتي» . قال السيد: وأخبرني جماعة أنهم شاهدوا أشكال طيور بيض تحوم حول النار كالذي يكفها عن بيوت الجيران، مع هرب كثير منهم لما رأوا تساقط الشّرر. وخرج بعضهم من باب المدينة لعظم ما شاهدوه من الهول وظنوا أنهم قد أحيط بهم، ثم خمدت النار ثاني يوم وأرسلوا للسلطان قايتباي يعلمونه بذلك فاهتم بذلك رحمه الله تعالى الذي أهّله لهذا الأمر وعمر المسجد الشريف والحجرة الشريفة العمارة المحكمة الموجودة في زماننا.
للسلطان قايتباي يعلمونه بذلك فاهتم بذلك رحمه الله تعالى الذي أهّله لهذا الأمر وعمر المسجد الشريف والحجرة الشريفة العمارة المحكمة الموجودة في زماننا.
تنبيهات الأول: اختلف في اسم أبي اليتيمين اللذين كان المسجد لهما فقال [موسى بن عقبة: هما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو] ، وقال الزهري وابن إسحاق هما ابنا عمرو. قال في العيون: إنه الأشهر. وحاول السهيلي التوفيق بين القولين فقال: «هما ابنا رافع بن عمرو» ، فعلى هذا نسبا إلى جدّهما. قال الحافظ: «والأرجح هو قول الزهري وابن إسحاق» . الثاني: ذكر ابن إسحاق أنهما كانا في حجر معاذ بن عفراء، وقال أبو ذر الهروي أحد رواة الصحيح: أسعد بن زرارة بإثبات الألف في أسعد. قال الحافظ والسيد: «وهو الوجه» . وقال ابن زبالة ويحيى أنهما كانا في حجر أبى أيوب وقد يجمع باشتراك من ذكر في كونهما في حجورهم، وبانتقال ذلك بعد أسعد بن زرارة إلى من ذكر واحدا بعد واحد، سيما وقد روى محمد بن الحسن المخزومي عن ابن أبي فديك قال: «سمعت بعض أهل العلم يقولون إن أسعد توفي قبل أن يبني رسول الله المسجد، فباعه رسول الله من سهل وسهيل» . الثالث: في الصحيح أن رسول الله ﷺ أرسل إلى ملأ بني النّجّار بسب موضع المسجد، فقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» ، فقالوا: «والله لا نطلب ثمنه إلا من الله» . وفي رواية: «فدعا بالغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا» . ووقع في رواية ابن
عيينة: «فكلم عمهما، أي الذي كانا في حجره، أن يبتاعه منهما» ، فقال: «ما تصنع به» ؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما، فأخبرهما أن رسول الله ﷺ أراده، فقالا: «نحن نعطيه» ، فأعطياه رسول الله ﷺ فبناه. أخرجه الجندي. وذكر ابن زبالة، ويحيى، أن أبا أيوب قال: يا رسول الله أنا أرضيهما. وذكر ابن عقبة أن أسعد عوضهما عنه نخلا، قال: وقيل: ابتاعه منهما رسول الله ﷺ. وطريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ أنهم لما قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا من الله» سأل عمن يختص بملكه منهم، فعيّنوا الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما إن كانا غير بالغين، وحينئذ فيحتمل أن الذين قالوا: «لا نطلب ثمنه إلا من الله تحملوا عنه للغلامين بالثمن. فقد نقل ابن عقبة أن أسعد بن زرارة عوّض الغلامين عنه نخلا له في بياضة. وتقدم أن أبا أيوب قال: أنا أرضيهما، فأرضاهما، وكذلك معاذ بن عفراء، فيكون بعد الشراء. ويحتمل أن كلا من أسعد، وأبي أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم. وقد روى أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض، فيحتمل ذلك على بدء الأمر، ولكن قال الواقدي: أنه ﷺ اشتراه من بني عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر الصديق ﵁، فلعله رغب في الخير، فدفع العشرة مع أولئك، أو أنه ﷺ أخذ أولا بعض المربد في بنائه الأول سنة قدومه، ثم أخذ بعضا آخر لما سبق أنه بناه مرتين وزاد فيه فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما ومن الآخرين في الأخرى. الرابع: ذكر السيد أن قول النبي ﷺ لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية» . كان في البناء الثاني، لأن البيهقي روى في الدلائل عن أبي عبد الرحمن السّلمي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه عمرو: «قد قتلنا هذا الرجل، وقد قال رسول الله ﷺ فيه ما قال» . قال: «أي رجل» ؟ قال: «عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسول الله ﷺ المسجد، وكنا نحمل لبنة لبنة، وعمّار يحمل لبنتين لبنتين،؟ فمرّ على رسول الله ﷺ [فقال «تحمل لبنتين لبنتين وأنت ترحض؟ أما إنك ستقتلك الفئة الباغية، وأنت من أهل الجنة» . فدخل عمرو بن العاص على معاوية: فقال: «قتلنا هذا الرجل، وقد قال فيه رسول الله ﷺ ما قال» فقال معاوية:
ما إنك ستقتلك الفئة الباغية، وأنت من أهل الجنة» . فدخل عمرو بن العاص على معاوية: فقال: «قتلنا هذا الرجل، وقد قال فيه رسول الله ﷺ ما قال» فقال معاوية: «اسكت فوالله ما تزال تدحض [ (١) ] في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله عليّ وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا. قال السمهودي] : «وهو يقتضي أن هذا القول لعمّار كان في البناء الثاني للمسجد، لأن إسلام عمرو بن العاص كان في السنة الخامسة للهجرة» .
الخامس: في بيان غريب ما سبق: «المربد» [ (١) ]- بكسر الميم- الموضع الذي يجعل فيه التّمر. «الملأ» - بفتح الميم واللام-: أشراف الناس ورؤساؤهم ومقّدموهم الذين يرجع إلى قولهم. «النّجّار» : بالنون والجيم. «ثامنوني» : أي بايعوني وقاولوني. «الحائط» هنا: البستان، وتقدّم أنه كان مربدا فلعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا، ويؤيده قوله: ليتّخذ مسجدا. «النّوّار» : بفتح النون وتشديد الواو بعد الألف راء. «عايذ» : بالمثناة التحتية والذال المعجمة. «الجدار» ككتاب: الحائط. «الغرقد» [ (٢) ] بالغين المعجمة والراء والقاف والدال المهملة: ضرب من شجر العضاه، واحده غرقدة. «خرب» بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وبالموحّدة [جمع خربة وهي الموضع الخراب] ، وفي لفظ بالحاء المهملة وسكون الراء والمثلثة: [حرث] . «العريش» : السّقف وما يستظلّ به، وهو المراد هنا. «ثمامات» [ (٣) ] : جمع ثمام بضم المثلثة: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، وربما حشي به أو سدّ به خصاص [ (٤) ] البيوت الواحدة ثمامة. «العضادتان» : تثنية عضادة- بكسر العين المهملة والضاد المعجمة وبعد الألف دال مهملة-: جانب الباب. «طفق» : جعل. «الحمال» : بكسر الحاء المهملة من الحمل، والذي يحمل من خيبر: التّمر. أي أن هذا
المهملة والضاد المعجمة وبعد الألف دال مهملة-: جانب الباب. «طفق» : جعل. «الحمال» : بكسر الحاء المهملة من الحمل، والذي يحمل من خيبر: التّمر. أي أن هذا
في الآخرة أفضل من ذاك وأحمد عاقبة، كأنه جمع حمل أو حمل ويجوز أن يكون مصدر حمل أو حامل. «خيبر» : يأتي الكلام عليها في غزوتها. «أرديتهم» : جمع رداء. «متنطّعا» [ (١) ]- بميم مضمومة فمثناة فوقية فنون مفتوحتين فطاء مهملة مكسورة فعين مهملة: من تنطّع إذا تعمّق وتغالى وتأنّق. «الوفرة» : بواو مفتوحة ففاء فراء: الشّعر المجتمع على الرأس، أو ما مال على الأذنين منه أو ما جاوز شحمة الأذنين ثم الجمة ثم اللّمّة. «ويح» : كلمة ترحّم وتوجّع، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر. «الحبحبة» [ (٢) ] : بحاءين مهملتين بعد كل موحّدة وهي في الأصل جري الماء قليلا قليلا كالحبحب والحبحبة الضعف وسوق الإبل ومن النّار اتقادها والبطيخ الشامي الذي يسميه أهل العراق الرّقّي والفرس تسمّيه الهندي. «بالسّميط» : أي على لبنة واحدة، والسّميط من النّعل: الطّاق الواحد لا رقعة فيها. «السّواري» : جمع سارية وهي الاسطوانة. «السّعد» : ثلث اللّبنة والسّعيد كزبير ربعها. «وكف» : سال ماؤه. «الخّصف» بخاء معجمة فصاد مهملة مفتوحتين: المنسوج من الخوص. «الشّموس» - بفتح الشين المعجمة وضم الميم وبالواو والسين: [بنت النعمان بن عامر بن مجمع] من الأنصار. «الرّحبة» - بالراء والحاء المهملة والموحدة المفتوحات، قال في الصحاح: رحبة المسجد بالتحريك ساحته والجمع رحب ورحبات ورحاب. «الزوايا» جمع زاوية: الناحية.
«أنماط» [ (١) ] : بالنون والميم والطاء المهملة بعد الألف: أي تنحّى. «نخرت» [ (٢) ]- بالنون المفتوحة والخاء المعجمة المكسورة والراء: يبست وتفتّتت. «المنقوشة» - بميم مفتوحة فنون فقاف فواو فشين معجمة: الملّونة بلونين أو ألوان. «السّاج» - بسين مهملة وجيم مخففة: نوع من الشجر. «القصّة» - بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة فتاء تأنيث: [الحجارة من الجص] . «الفسيفساء» [ (٣) ] قال في النور: بضم الفاء الأولى وفتح السين المهملة فتحتية ساكنة ففاء مكسورة ثم سين مهملة أخرى ممدودة، هكذا سمع الناس ينطقون به وكذا رأيته محرّرا بخط كمال الدين بن العديم في تاريخه في غير موضع، وكذا رأيته مضبوطا بالقلم في مطالع ابن فرفود، وهو فصوص صغار من ألوان الزجاج تلصق بالحائط وتطلى بماء الذهب، وهي كثيرة بجامع دمشق وبيت المقدس [وهي غاية] في الحسن والبهجة.
الباب الثالث في بنائه ﷺ حجر نسائه ﵅ قال في الروض: «كانت بيوته ﷺ تسعة: بعضها من جريد مطين بالطين وسقفها من جريد، وبعضها من حجارة مرضومة بعضها فوق بعض، وسقفها من جريد أيضا» . قال الحافظ الذهبي في «بلبل الروض» : «لم يبلغنا أنه ﷺ بني له تسعة أبيات حتى بنى المسجد ولا أحسبه فعل ذلك، إنما كان يريد بيتا واحدا لسودة أم المؤمنين ﵂. ولم يحتج إلى بيت آخر حتى بنى لعائشة ﵂ في شوال سنة اثنتين، وكان ﷺ بناها في أوقات مختلفة» . انتهى. وتقدم في الباب الثاني أنه ﷺ بني لزوجيه: سودة وعائشة ﵄، على نعت بناء المسجد، لأن عائشة كانت زوجه حينئذ، وإن تأخّر الدخول بها، ثم بنى بقيّة الحجر عند الحاجة إليها.
اب الثاني أنه ﷺ بني لزوجيه: سودة وعائشة ﵄، على نعت بناء المسجد، لأن عائشة كانت زوجه حينئذ، وإن تأخّر الدخول بها، ثم بنى بقيّة الحجر عند الحاجة إليها. قال محمد بن عمر الأسلمي: «كانت لحارثة بن النعمان ﵁ منازل قرب المسجد وحوله، وكلما أحدث رسول الله ﷺ أهلا نزل له حارثة عن منزل، أي محل حجرة حتى صارت منازله كلها لرسول الله ﷺ وأزواجه» . «قال محمد بن عمر: «حدثنا عبد الله بن يزيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد بن عبد الملك، كانت بيوتا من اللّبن، ولها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها، وهي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ إلى منزل أسماء بنت حسن اليوم. قال: ورأيت بيت أم سلمة زوج النبي ﷺ وحجرتها من اللّبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول الله ﷺ دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن. فلما قدم النبي ﷺ نظر إلى اللّبن ودخل عليها أول نسائه فقال: «ما هذا البناء» ؟ فقالت: «أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس» . فقال: «يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان» [ (١) ] . قال محمد بن عمر: فحدثت بهذا الحديث معاذ بن محمد الأنصاري فقال: «سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو فيما بين القبر الشريف والمنبر المنيف: أدركت حجر أزواج النبي ﷺ [من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمرنا بهدم حجر أزواج النبي ﷺ] ، فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء: «فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ:
اب الوليد بن عبد الملك يقرأ، يأمرنا بهدم حجر أزواج النبي ﷺ] ، فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم. قال عطاء: «فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ:
«والله لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناشئ من أهل المدينة ويقدم القادم من الآفاق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التفاخر والتكاثر» قال معاذ: «فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: كان فيها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الساتر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع وعظم الذراع أو أدنى من العظم. فأما ما ذكر من البكاء يومئذ فلقد رأيتني في المسجد وفيه نفر من أبناء أصحاب النبي ﷺ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت [ (١) ] ، وإنهم ليبكون حتى أخضلوا لحاهم من الدمع. وقال يومئذ أبو أمامة: «ليتها تركت فلم تهدم حتى يفصل الناس عن البناء ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده» وروى ابن سعد، والبخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن الحسن البصري قال: «كنت وأنا مراهق أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي» وروى البخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا، والبيهقي عن داود بن قيس قال: «رأيت الحجر من جريد النخل تغشّى من خارج بمسوح من الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحوا من ستّ أو سبع أذرع، وأحرز البيت من الداخل عشر أذرع، وأظنّ سمكه بين الثّمان والسّبع» . وروى محمد بن الحسن المخزومي عن محمد بن هلال قال: «أدركت بيوت أزواج النبي ﷺ، كانت من جريد مستورة بمسوح الشعر، مستطيرة في القبلة وفي المشرق وفي الشام، ليس في غربي المسجد منها شيء، وكان باب عائشة يواجه الشام وكان بمصراع واحد من عرعر أو ساج» . وروى ابن منده عن بشر بن صحار العبدي قال: «كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ فأنال سقفها» . وروى ابن سعد عن عمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي مرثد قالا:
ج» . وروى ابن منده عن بشر بن صحار العبدي قال: «كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ فأنال سقفها» . وروى ابن سعد عن عمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي مرثد قالا: «لم يكن على عهد النبي ﷺ على بيته من حائط، فكان أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطاب ﵁» . قال عبيد الله: «كان جداره قصيرا ثم بناه عبد الله بن الزبير» .
تنبيهان الأول: روى البخاري في تاريخه وفي الأدب عن أنس ﵁، والبيهقي في المدخل عن المغيرة بن شعبة قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير تأدبا
وإجلالا، وقيل إن بابه لم يكن له حلق يطرق بها. قال السهيلي: الأول أولى. الثاني: في غريب ما سبق: «الرّضم» [ (١) ]- بفتح الراء والضاد المعجمة وتسكّن-: حجارة مجتمعة بعضها فوق بعض، الواحدة رضمة. «بنى» بفلانة: دخل عليها، وقال ابن السّكيت زفّت إليه، وأصله أن الرجل إذا تزوج بنى للعروس بيتا وجهزه بما يحتاج إليه، أو بني له تكريما، ثم كثر حتى كفي به عن الجماع. «الحجر» : غرف البيوت. «المسوح» : جمع مسح وهو البلاس. «مستطيرة» في القبلة: أي منتشرة. «المصراع» من الباب: الشطر، وهما مصراعان. «العرعر» بفتح العينين وبالرّائين المهملتين- قال في الصحاح: شجر السّرو. «السّاج» بالسين المهملة والجيم: ضرب من الخشب، عظيم من الشجر، يجلب من الهند، وجمعها ساجات. قال الزمخشري: الساج خشب أسود رزين يجلب من الهند ولا تكاد الأرض تبليه، والجمع سيجان مثل نار ونيران. «مطرورة» [ (٢) ] بالطين- بالطاء المهملة المشالة- أي مطينة به. «دومة الجندل» دومة- بضم الدال المهملة، والجندل بالجيم والنون والدال المهملة [حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلي طيّء على سبع مراحل من دمشق] . «الأفق» بضمتين: الناحية. «ينشأ» : يحدث ويتجدّد. «اخضل» لحيته، بخاء فضاد معجمتين: بلّها. «مراهق» : مقارب الاحتلام. «أنال» : أدرك وأبلغ. «المغشى» : المغطى المستور.
ن: الناحية. «ينشأ» : يحدث ويتجدّد. «اخضل» لحيته، بخاء فضاد معجمتين: بلّها. «مراهق» : مقارب الاحتلام. «أنال» : أدرك وأبلغ. «المغشى» : المغطى المستور.
الباب الرابع في بدء الأذان وبعض ما وقع فيه من الآيات روى الشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر، وابن إسحاق، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود بسند صحيح صحّحه النووي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، عن أبيه، وأبو داود بسند صحيح عن ابن عمر عن أنس بن مالك عن عمومة له من الأنصار ﵃، وإسحاق بن راهويه عن الشعبي مرسلا بسند حسن، وعبد الرّزّاق وأبو داود عن عبيد ابن عمير أحد كبار التابعين، وابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن خزيمة، وأبو الشيخ، والدارقطني، والبيهقي، والطحاوي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «حدّثنا أصحابنا- ولفظ ابن أبي شيبة وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي: حدثنا، أصحاب رسول الله ﷺ حين قدم المدينة إنما كان يجمع للصلاة حين مواقيتها بغير دعوة، فلما كثر الناس اهتم النبي ﷺ كيف يجمع الناس للصلاة؟ فاستشار الناس، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة إذا رأوها أعلم بعضهم بعضا، وذكر له القنع [ (١) ] يعني شبّور [ (٢) ] اليهود، وفي لفظ: البوق، وفي لفظ: القرن الذي يدعون به لصلاتهم، فلم يعجبه ذلك وقال: «هو من أمر اليهود» ، فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى» ، فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: «ذلك للمجوس» [ (٣) ] . وفي حديث عمر عند الشيخين وغيرهما: فقال عمر: «أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة» ؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا بلال قم فناد بالصلاة» . فانصرف عبد الله بن زيد، وهو مهتمّ لهم رسول الله ﷺ، فأري الأذان في منامه. قال: طاف بي وأنا نائم رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. فقال:
في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى. فقال:
تقول: «الله أكبر، الله أكبر- وفي لفظ الشعبي: ايت رسول الله ﷺ فمره أن يقول: - الله أكبر، الله أكبر- أشهد ألّا إله إلا الله، أشهد ألّا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» - وفي رواية إسحاق بن راهويه: فقام على جذم حائط [ (١) ] ، وفي رواية: فقام على المسجد فأذّن- قال: ثم استأخر عنّي غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله» . وفي رواية: «فأذّن ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، ولولا أن يقول الناس، لقلت إني كنت يقظانا غير نائم» . وفي حديث ابن عمر ﵁ عند ابن ماجة إن عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ ليلا. وفي حديثه أيضا عند ابن سعد «إن رسول الله ﷺ أراد أن يجعل شيئا يجمع به الناس للصلاة فذكر عنده البوق وأهله فكرهه، وذكر الناقوس، وأهله فكرهه، حتى أري رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد الأذان، وأريه عمر بن الخطاب تلك الليلة فأما عمر ﵁ فقال: إذا أصبحت أخبرت رسول الله ﷺ، وأما الأنصاري فطرق رسول الله ﷺ ليلا فأخبره. فقال رسول الله ﷺ: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى» [ (٢) ] . وفي رواية: «لقد أراك الله خيرا، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت» . وفي رواية «فمر بلالا فليؤذّن فإنه أندى منك صوتا» فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذّن به. فسمع عمر بن الخطاب ﵁، فخرج يجرّ رداءه وهو يقول: «والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي رأى» .
وتا» فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذّن به. فسمع عمر بن الخطاب ﵁، فخرج يجرّ رداءه وهو يقول: «والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي رأى» . وفي حديث أبي عمير بن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ كان رآه فكتمه عشرين يوما. وفي حديث عبيد بن عمير: «فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام: «لا تجعلوا الناقوس بل أذّنوا» ، فذهب عمر ليخبر النبي ﷺ بالذي رأى، وقد جاء الوحي فما راع عمر إلا بلال يؤذّن. قال عبد الله بن زيد: فقال رسول الله ﷺ لعمر: «ما منعك أن تخبرني» ؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت. فقال رسول الله ﷺ: «فلله الحمد فذلك ثبت» [ (٣) ] . قال الزهري، ونافع بن جبير، وابن المسيّب: وبقي
ينادي في الناس: «الصلاة جامعة» . للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به وإن كان في غير وقت صلاة. وروى ابن ماجة عن شيخه أبي عبيد محمد بن عبيد، بن ميمون المدني قال: أخبرني أبو بكر الحكمي إن عبد الله بن زيد قال في ذلك شعراً أحمد الله ذا الجلال والإ ... كرام حمدا على الأذان كثيرا إذ أتاني به البشير من الل ... هـ فأكرم به لديّ بشيرا في ليال والى بهنّ ثلاث ... كلّما جاء زادني توقيرا قال الحافظ ابن كثير: «وهذا الشّعر غريب، وهو يقتضي أنه رأى ذلك ثلاث ليال حتى أخبر به رسول الله ﷺ» . قلت: سنده منقطع وأبو بكر الحكمي مجهول. وروى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان رجل من اليهود تاجرا إذا سمع المنادي ينادي بالأذان قال: «أحرق الله الكاذب» . فبينما هو كذلك إذ دخلت جارية بشعلة من نار فطارت شرارة منها في البيت فأحرقته. وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السّدّي قال: «كان رجل من النصارى إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله قال: أحرق الله الكاذب: فدخلت خادمة ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام فأحرقت البيت واحترق هو وأهله» . وروى مسلم عن سهيل بن أبي صالح قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا [أو صاحب لنا] فناداه مناد من حائط باسمه، فأشرف [الذي معي] على الحائط، فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي، فقال: [لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك ولكن] إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة، فإنّي سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولّى وله حصاص» [ (١) ] . وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «إذا تغوّلت لأحدكم الغيلان فليؤذّن فإن ذلك لا يضرّه» . وروى البيهقي عن الحسن أن عمر بعث رجلا إلى سعد بن أبي وقّاص، فلما كان ببعض الطريق عرضت له الغول، فأخبر سعدا فقال: «إنا كنّا نؤمر إذا تغوّلت لنا الغول أن ننادي بالأذان» . فلما رجع إلى عمر عرض له أن يسير معه، فنادى بالأذان، فذهب عنه، فإذا سكت عرض له، فإذا أذّن ذهب عنه.
تنبيهات الأول: الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة ٣]
ذان، فذهب عنه، فإذا سكت عرض له، فإذا أذّن ذهب عنه.
تنبيهات الأول: الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة ٣]
واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، وشرعا: الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة. الثاني: في بعض أسرار الأذان وبدائعه، قال القاضي: «الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات، فأوّله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: «الله أكبر» ، وهذه اللفظة مع اختصارها دالة على ما ذكرناه، ثم صرّح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه ﷾، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدّمة على كل وظائف الدين ثم صرّح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبيه ﷺ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات. وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه ﷾. ثم دعاهم إلى ما دعاهم الله إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة، وعقّبها بعد إثبات النبوّة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي ﷺ لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. ثم كرّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمّن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلّي فيها على بيّنة من أمره وبصيرة بإيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظمة حق من يعبده وجزيل ثوابه» . انتهى كلام القاضي. قال النووي: «وهو من النفائس الجليلة» وبالله التوفيق. قلت: قد ألّف الإمام الحافظ برهان الدين البقاعي [ (١) ] ﵀ جزءا لطيفا في أسرار الأذان سمّاه «الإيذان بفتح أسرار التشهّد والأذان» . وأنا مورد هنا ما ذكره في الأذان ليستفاد فإنه نفيس جداً.
دين البقاعي [ (١) ] ﵀ جزءا لطيفا في أسرار الأذان سمّاه «الإيذان بفتح أسرار التشهّد والأذان» . وأنا مورد هنا ما ذكره في الأذان ليستفاد فإنه نفيس جداً. قال ﵀ بعد أن أورد أحاديث بعض الأذان والتشهد: «مقصوده- أي الأذان- الإعلام بأوقات الصلاة تنبيها على أن الدين قد ظهر، وانتشر علم لوائه في الخافقين واشتهر، وسار في الآفاق على الرؤوس فبهر، وأذلّ الجبابرة وقهر وأعلم أنه لما كان الدين المحمدي دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره، قد علا على كل دين، فظهر كلّ مخالف،
وخفقت راياته بعد أن كانت خفيّة، وانتشرت أعلام ألويته بعد أن كانت ملويّة، وبعتاة أهل الأباطيل مطويّة. وقد كان الشّرك منذ أزمان في غاية الظهور، والباطل هو المعمول به والمشهور، فناسب أن يصرّح بأذانه، ويشدى به على غاية إعلانه، ولما كانوا يشركون به سبحانه، ويتعبّدون بسواه، كان نسب الأمور البدائه بالتنبيه على تفرّده بالكبرياء، وتوحّده بالعلاء، فقال بادئا بالاسم الأعظم، الدّالّ على الذّات، المستجمع لجميع الكمالات: «الله» أي الملك الذي لا كفء له ولا سمّي، ولا ضدّ ولا نظير، وأتى بالخبر نكرة ليدلّ على إسناده إليه على الإطلاق، وأنه لا خفاء في انفراده بذلك، فقال: «أكبر» ، ولم يذكر متعلّقا، ذهابا بالتعميم إلى أعلى الغايات وأنهى النهايات ولما كان قد طال ما قرّر الشّرك في الأذهان، وصال به أهل الطّغيان، اقتضى الحال تأكيد ذلك، ولأجل هذا ثنّى التكبير في الإقامة مع أنها فرادى. «ولما كان المراد من جميع كلمات الأذان مجرّد الإعلام بالوقت وبهذه المقاصد المراد بها نسخ ما عداه، قال مؤكّدا من غير عطف لشيء من الجمل: «الله أكبر» . ولما كان الحال من جميع الأكوان شديد الاقتضاء، لم يذكر التأكيد لتطاول أزمان الشّرك قال ملذّذا لأسماع الموجودات، ومرويا لعطاش أكباد الكائنات: «الله أكبر» . ولما تمّ تقرير ذلك في الأذهان، وعلم علما تاما أن التوحيد قد علا، وقهر جميع الأديان، ارتقب كلّ سامع ما يقال بعده، فقال مبتدئا دورا جديدا من هذا الإعلام لمزيد التقرير عند جميع الأنام: «الله أكبر» .
أن التوحيد قد علا، وقهر جميع الأديان، ارتقب كلّ سامع ما يقال بعده، فقال مبتدئا دورا جديدا من هذا الإعلام لمزيد التقرير عند جميع الأنام: «الله أكبر» . «فلما علم أن ذلك إلى غير نهاية، ولا حدّ تقف عنده كلّ غاية، قال مترجما لما أنتجه، ملقّنا لكل سامع ما وجب عليه من الجواب، مسرّا بذلك بعض الأسرار، إعلاما بما كان من حال هذا الدّين في أول الأمر، برهانا على حسن هذا التأكيد: «أشهد» أي أعلم علما قطعيّا أنّي في مريد بصري كالناظر إلى محسوس هو في غاية الجلاء: «ألّا إله إلا الله» . ولما كان المقام كما مضى شديد الاقتضاء للتأكيد قال ثانيا: «أشهد ألّا إله إلا الله» . «فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد، ولم يحتج إلى مزيد، فتلقّى ذلك بالقبول العبيد، فثبتت رسالة الذي أتى بهذا الدّين، وجاهد به الجاحدين، حتى قهرهم وحده صاغرين أجمعين، قال على طريق النتائج المسلّمة: «أشهد أن محمدا» - ذاكرا أشهر أسمائه وأطيبها وأظهرها- «رسول الله» ، مخصّصا وصف الرّسالة الذي هو بين الحقّ والخلق، لأن المقام داع إليه، ومقصور عليه، ثم أتبع ذلك ما اقتضاه الحال من تأكيده في تعظيمه وتمجيده فقال: «أشهد أن محمدا رسول الله» . فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد للإعلام، بما كان فيه للإسلام من الشدائد والآلام، أتبعه ما اقتضاه الحال، من رفع الصّوت بهذا المقال مشيرا مع ذلك إلى أن باطن الدّين وظاهره سواء. ليس فيه حقيقة تخالف شريعة، وخاصة أن المتشرّع به يجب
عليه أن يكون مثل الشّرع، ظاهره وباطنه سواء، لا نفاق فيه بوجه أصلا، فقال: «أشهد ألا إله إلا الله» . «فلما استقرّ في الأذهان سرّ هذا الإعلان، أتبعه ما اقتضى الحال من الشهادة للآتي بهذا الدّين من صدق المقال، في دعوى الإرسال، فقال: «أشهد أن محمدا رسول الله» ، ثم أكدّه كما مضى فقال: «أشهد أن محمدا رسول الله» . ولما ثبت ذلك، وانجلت دياجير تلك الأمور الحوالك، فتيسّر السّلوك لكل سالك، في أشرف المسالك، قال ذاكرا لما آثرته الرسالة من الخلاص من أشراك الضلالة، والرّدّ على طرقها الميّالة، وأوديتها المغتالة: «حيّ على» - أي هلمّوا أقبلوا جهارا غير خائفين من أحد- إلى «الصلاة» ، بادئا بما هو نهاية الدّين، الجامع لشمله، المميّز لأهله. «ولما كان الناظر لذلك الحال، يستدعي عجبا من الوصول إلى هذا المآل، قال مؤكّدا: «حي على الصلاة» . فلما تقرّر ذلك كان كأنه قيل: هل من عمل غيرها؟ فقال: «حي على الفلاح» ، فكان ذلك، مع أنه دعاء إلى كل عمل يوجب الفوز والظّفر بكل مراد مؤكدا للدّعاء إلى الصلاة على أبلغ وجه. «ولا شك أنه أحسن مما ورد في بعض الآثار الموقوفة في الموطّأ، رواية محمد بن الحسن، وجاء مع عبد الرزاق عن ابن عمر ﵄، وصرّح الحفّاظ بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ قوله: «حيّ على خير العمل» ، لأنه مع كونه لم يثبت عن النبي ﷺ فقد صار شعار الرّوافض لا يشمل جميع الأعمال الصالحة، وكان الوارد في الصحيح أبلغ من وجهين: من جهة أنه شامل لكل خير، ومن جهة التعبير عن ذلك باللازم الذي هو الغاية المترتبة على العمل تحبيبا فيه، وتشويقا إليه، مع أنه كان يقوله بعد: حي على الفلاح» . «ولما كان تطاول الصّولة بالإذلال والقهر، موجبا لاستبعاد الإقبال على كل عمل من أعمال الشّرع على سبيل القهر، أكّد هذا الكلام الدّاعي إلى كل خير لهذا وللإشارة إلى أنه لحسنه جدير «بالتأكيد، وأهل لأن يعرف بمقدار لجلالة آثاره، فقال: «حي على الفلاح» ، وفيه إشارة إلى أن الأمر خطير، والطريق صعب، فلا بد من التّأهّب له بأعظم الزّاد، لتحصل الراحة في المآل والمعاد.
ر لجلالة آثاره، فقال: «حي على الفلاح» ، وفيه إشارة إلى أن الأمر خطير، والطريق صعب، فلا بد من التّأهّب له بأعظم الزّاد، لتحصل الراحة في المآل والمعاد. «ولما كان المدعو قد يكون نائما، وكان النوم قد يكون خيرا، إما بأن يكون القصد به راحة البدن للتّقوي على الطاعة، أو أن يكون للتّخلّي عن المعصية، وكان أكثر ما يكون ذلك في آخر الليل، كان التثويب خاصّا بأذان الصبح، فقال فيه: «الصلاة» - التي هي أعظم الفلاح، ومن أعظم مقاصد هذا الأذان الإعلام بوقتها والدّعاء إليها- «خير من النوم» . ولما كان من يغلبه
النوم محتاجا إلى الإزعاج، أكّد ذلك بالتكرير، فقال: «الصلاة خير من النوم» . ولما كان للصبح أذانان كان التثويب ربما كان في الأول، فكان دعاء إلى قيام الليل الذي شرّع له ذلك الأذان، كما بيّن سرّه في بعض الروايات في قوله: «ليرجع قائمكم وينبّه نائمكم» . وربما كان في الثاني، فكان دعاء إلى فرض الصبح، وهو بالأول أنسب، لأن الفرض له حاث يحثّ عليه، وداع ملحّ يدعو إليه، وهو الوجوب الذي من أخلّ به عوقب، ومن جاوز حدّه ليم وعذّب. «ولما تمّ الدّين بجملته، وكمل أصلا وفرعا، قولا ونية وعملا، برمّته، علّل الدّعاء إليه مرغّبا مرهّبا، بقوله، مذكّرا بما بدأ الأمر به، لاستحضار عظمته التي أظهر بها الدّين، وأذلّ بها المعتدين، بعد أن كانوا على ثقة من أنه لا غالب لهم، «الله أكبر» ، ثم أكّد بمسيس الحاجة إلى ذلك في الترغيب والترهيب، فقال: «الله أكبر» . فلما تمّ الأمر، وجلا التشويق والزّجر، لم تدع حاجة إلى تربيع التكبير هنا كما كان في الأول، فختم بما بدأ به من التوحيد إعلاما بأنه لا يقبل شيء من الدّين إلا به مقارنا له من ابتدائه إلى انتهائه، فقال: «لا إله إلا الله» .



