— Bagian 42 · يعقلون من شدة الحمى، فنظر إلى السماء —
Bagian 42
يعقلون من شدة الحمى، فنظر إلى السماء وقال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكة» - وفي لفظ للجندي ورزين «وأشدّ» ، بالواو بدلا من «أو» - «وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها، ثم انقل وباءها إلى مهيعة [ (١) ]- وهي الجحفة» ، وإنه ليتقي شرب الماء من عينها التي يقال لها عين خمّ. وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة ومحمد بن الحسن المخزومي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة. وروى الزبير بن بكّار عن عروة بن الزبير مرسلا قال: «أصبح رسول الله ﷺ يوما، فجاء إنسان قدم من ناحية طريق مكة، فقال له: «هل لقيت أحدا» ؟ قال: لا يا رسول الله إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشّعر. فقال رسول الله ﷺ: «تلك الحمّى ولن تعود بعد اليوم أبدا» . وروى أيضا عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أصحابه، وقدم رجل فتزوج امرأة كانت مهاجرة، فجلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال: يا أيها الناس «إنما الأعمال بالنيات» - ثلاثا- «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يطلبها أو امرأة يخطبها فإنما هجرته إلى ما هاجر إليه» [ (٢) ] ، ثم رفع يديه وقال: «اللهم انقل عنا الوباء» - ثلاثا- فلما أصبح قال: أتيت الليلة بالحمّى فإذا عجوز سوداء ملبّبة في يدي الذي جاء بها فقال: هذه الحمّى فما ترى فيها؟ فقلت: «اجعلوها بخمّ» . وروى البيهقي عن هشام بن عروة قال: كان وباء المدينة معروفا في الجاهلية، وكان إذا كان الوادي وبيئا فأشرف عليه إنسان فقيل له: انهق نهيق الحمار، فإذا فعل ذلك لم يضرّه، قال الشاعر: لعمري لئن عشرت من خشية الردى ... نهيق الحمار إنّني لجزوع قال هشام: وكان المولود إذا ولد بالجحفة لم يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمّى. وقال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمّى المدينة حتى جهدوا مرضا، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ حتى ما كانوا يصلون إلا وهم قعود، قال:
بن العاص أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمّى المدينة حتى جهدوا مرضا، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ حتى ما كانوا يصلون إلا وهم قعود، قال: فخرج رسول الله ﷺ وهم يصلّون كذلك فقال لهم: «اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» [ (٣) ] ، فتجشّم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماسا للفضل.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» [ (١) ] ، رواه الشيخان. وعن عبد الله بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ودعوت لها في مدّها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة» ،
- حديث متّفق عليه- وعن عبد الله بن الفضل بن العباس ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ: «أدعوك لأهل المدينة بمثل مكة» ، قال عبد الله: إنا لنتعرف ذلك، إنا ليجزئ المدّ عندنا والصاع بمثلي ما يجزئ بمكة، رواه البخاري في تاريخه. وروى الزبير بن بكار عن إسماعيل بن النعمان قال: «دعا رسول الله ﷺ لغنم كانت ترعى بالمدينة فقال: «اللهم اجعل نصف أكراشها مثل ميلها بغيرها من البلاد» . وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعا لأهل مكة بالبركة وأنا محمد عبدك ورسولك وأنا أدعو لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدّهم مثلما باركت لأهل مكة واجعل مع البركة بركتين» [ (٢) ] ، رواه الترمذي وصححه والطبراني برجال الصحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كأن الناس إذا رأوا أول الثّمر جاءوا به إلى النبي ﷺ، فإذا أخذه رسول الله- زاد الطبراني: وضعه على عينيه- قال: «اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدّنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيّك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» . قال ثم يدعو أصغر وليد فيعطيه ذلك الثّمر [ (٣) ] . رواه مسلم والترمذي والطبراني.
ّك وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه» . قال ثم يدعو أصغر وليد فيعطيه ذلك الثّمر [ (٣) ] . رواه مسلم والترمذي والطبراني.
تنبيهات الأول: اقتضى هذا الحديث تكرير الدعاء بتكرير ظهور الثمرة والإتيان بأولها. الثاني: تكرير دعائه ﷺ بتحبيبه المدينة، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول والتكرير لطلب المزيد. الثالث: الوباء عموم الأمراض، وهو أعم من الطاعون، ولا يعارض قدومهم المدينة- وهي وبيئة- نهيه ﷺ عن القدوم على الطاعون، لأن ذلك كان قبل النهي، أو أن النّهي يختصّ بالطاعون ونحوه من الموت الذّريع، لا المرض ولو عمّ. الرابع: هذه البركة المذكورة في الحديث في أمر الدين والدنيا، لأنها النّماء والزيادة،
فالبركة حاصلة لها في نفس الكيل، بحيث يكفي المدّ بها من لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها. الخامس: تحويل الوباء عن المدينة من أعظم المعجزات إذ لا يقدر عليه جميع الأطباء، قال النووي: وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ، فإن الجحفة من يومئذ وبيئة ولا يشرب أحد من مائها إلا حمّ، وقال الخطّابي: كان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا. السادس: في بيان غريب ما سبق: «الجدر» : جمع جدار ككتاب وكتب، والجدار الحائط. «الدّوحات» [ (١) ] : بالدال والحاء المهملتين: جمع دوحة مثل تمرة وتمرات، والدّوحة الشجرة العظيمة. «الدّرجات» : جمع درجة وهي هنا الطّرق. «الأرواح» : جمع ريح بمعنى رائحة وهي عرض يدرك بحاسة الشّمّ. «أوضع راحلته» [ (٢) ] : أوضع بالضاد المعجمة والعين المهملة، أي حثّها على السرعة. «القرار» : بالقاف: المستقرّ من الأرض. «بطحان» : بضم الموحّدة فسكون الطاء المهملة وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه: واد من أودية المدينة. روى ابن شبّة والبزّار عن عائشة ﵂ مرفوعاً أن بطحان على ترعة من ترع الجنّة. «نجلا» [ (٣) ] : بفتح النون وسكون الجيم أي أن واديها كان نزّا. قال: النّجل: الماء حين يسيل، وفسّره البخاري ماء آجنا. قال القاضي: «وهو خطأ» ، وقال الحافظ: «وليس كما قال فإن عائشة قالت ذلك في مقام التعليل لكون المدينة كانت وبيئة، ولا شك أن النّجل إذا فسّر بكونه الماء الحاصل من النّزّ، فهو بصدد أن يتغيّر، وإذا تغيّر كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة» . «وعك» : الوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة الحمّى.
لماء الحاصل من النّزّ، فهو بصدد أن يتغيّر، وإذا تغيّر كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة» . «وعك» : الوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة الحمّى.
«كيف تجدك» : أي تجد نفسك أو جسدك «مصبّح» : بميم مضمومة وصاد مهملة فموحّدة، وزن محمّد، أي مصاب بالموت صباحا، وقيل: المراد يقال صبّحك الله بالخير، وقد يفجأه الموت في بقية النهار وهو مقيم بأهله، ويروى بالخاء المعجمة وهو أيضا مكان بمكة. «شراك النّعل» : بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء: السير الذي يكون في وجه النّعل، والمعنى أن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله برجله. «بطوقه» [ (١) ] : الطّوق هنا الطاقة والعدّة. «الرّوق» بالراء والقاف: القرن. «عقيرته» : أي صوته، قال الأصمعي: إن رجلا عقرت رجله فرفعها على الأخرى وجعل يصيح فصار كل من رفع صوته يقال رفع عقيرته وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها. «بواد» : أي بوادي مكة. «الإذخر» [ (٢) ] : بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال معجمة: نبت طيّب الرائحة. «جليل» : بالجيم واللام: والثّمام بضم الثاء المثلثة: نبت ضعيف له خوص أو ما يشبهه. «مجنّة» : بكسر الميم وفتحها: سوق بأسفل مكة. «يبدون» : أي يظهرن. «شامة» : بالشين المعجمة «وطفيل» بطاء مهملة مفتوحة وفاء مكسورة فمثناة تحتية: جبلان. قال البكري: جبلان مشرفان على مجنّة على بريد من مكة. «يهذون» : بالذال المعجمة: يخلطون ويتكلمون بما لا ينبغي. «مهيعة» [ (٣) ] : بفتح الميم وسكون الهاء وفتح المثنّاة التحتية والعين المهملة. «الجحفة» : بجيم مضمومة فحاء مهملة ساكنة ففاء مفتوحة: قرية جامعة لأن السيول اجتحفتها.
: بفتح الميم وسكون الهاء وفتح المثنّاة التحتية والعين المهملة. «الجحفة» : بجيم مضمومة فحاء مهملة ساكنة ففاء مفتوحة: قرية جامعة لأن السيول اجتحفتها.
«ثائرة الرأس» : بالمثلثة: منتشرة شعر الرأس. «ملبّبة» [ (١) ] : بضم الميم وفتح اللام والموحدة الأولى المشددة وتخفيف الثانية، يقال: لبّبته بالتشديد إذا جمعت ثيابه عند نحره ثم جررته. «خمّ» : بخاء معجمة مضمومة فميم مشدّدة: غدير على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق. «جهدوا» : بالضم مبني للمفعول: أي حصل لهم الجهد وهو بالفتح المشقّة فتجشّم المسلمون القيام أي تكلّفوه. «التماس الفضل» : أي طلبه. «الأكراش» [ (٢) ] : جمع كرش بكسر الكاف يذكّر ويؤنّث وهو لذي الخفّ والظّلف كالمعدة للإنسان.
الباب الخامس في عصمتها من الدجال والطاعون ببركته ﷺ عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الطاعون ولا الدّجّال» [ (١) ] رواه الشيخان. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق» [ (٢) ] ، حديث متّفق عليه. وعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان» [ (٣) ] ، رواه البخاري. وعن تميم الداري ﵁ في حديثه الطويل في رؤية الدّجّال في اليقظة أن الدّجّال قال: يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، هما محرّمتان عليّ، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا، يصدني عنها، وأن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها» قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: «هذه طيبة، هذه طيبة» [ (٤) ] ، رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المدينة يأتيها الدّجّال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى» ،
(٤) ] ، رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المدينة يأتيها الدّجّال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى» ، قوله: إن شاء الله تعالى للتبرك وللجزم به في بقية الأحاديث. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» [ (٥) ] ، رواه البخاري.
تنبيهات الأول: صح في أحاديث كثيرة أن الطاعون شهادة. قيل: وإذا كان كذلك فيكف قرن
بالدّجّال، وكيف مدحت المدينة الشريفة بأنه لا يدخلها؟ والجواب أنه كونه شهادة ورحمة ليس المراد بوصف ذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتّب عليه وينشأ عنه، وأنه سببه، فإذا تقرر ذلك واستحضر ما ورد في الأحاديث من أن طعن الجنّ ظهر به مدح المدينة بأنه لا يدخلها إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة الشريفة، ومن اتفق دخوله إليها منهم لا يتمكن من آحاد أهلها بالطعن حماية من الله تعالى لهم منهم. فإن قيل: طعن الجنّ لا يختص بوقوعه من كفّارهم في مؤمني الإنس، بل يقع من مؤمني الجنّ في كفّار الإنس، فإذا سلم منع الجنّ الكفار من المدينة لم يمنع من آمن منهم من دخولها فالجواب: إن دخول كفار الإنس المدينة غير مباح، فإنه إذا لم يسكن المدينة إلا من أظهر الإسلام، جرت عليه أحكام المسلمين، وصار من لم يكن خالص الإسلام تبعا للخالص، فحصل الأمن من دخول الجنّ إليهم، فلذلك لا يدخلها الطاعون أصلا. قال الحافظ في بدل الطاعون في أخبار المدينة: وهذا الجواب أحسن من جواب القرطبي في المفهم حيث قال: «المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي في غيرها كطاعون عمواس [ (١) ] والجارف» . وهو جواب صالح على تقدير التّنزّل أن لو وقع شيء من ذلك بها. وقال غيره: سبب الرحمة لم ينحصر في الطاعون وقد قال ﷺ: «غير أن عافيتك أوسع لي» ، فإن ذلك من خصائص المدينة الشريفة، ولوازم دعاء النبي ﷺ لها بالصحة. وأجاب المنبجي بأجوبة منها أنها صغيرة، فلو وقع بها الطاعون أفنى أهلها، ومنها أنه عوّضهم عن الطاعون بالحمّى لأن الطاعون يأتي بعد مدة والحمى تتكرر في كل مدة فتعادلا. قال الحافظ: «ويظهر لي جواب أخص من هذه الأجوبة بعد استحضار حديث أبي عسيب أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام» ،
جواب أخص من هذه الأجوبة بعد استحضار حديث أبي عسيب أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام» ، الحديث، وهو أن الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا من زاد وغيره، وكانت المدينة وبيئة كما سبق، فناسب الحال الدعاء بتصحيح المدينة لتصحّ أجساد المقيمين بها ليقووا على جهاد الكفار، وخيّر النبي ﷺ في أمرين، يحصل لمن أصاب كلّا منهما عظيم الثواب، وهما الحمّى والطاعون، فاختار الحمّى بالمدينة لأن أمرها أخف من أمر الطاعون لسرعة الموت به غالبا. فلما أذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمّى ضعف الأجساد التي تحتاج إلى القوة في الجهاد، فدعا حينئذ بنقل الحمى إلى الجحفة فأجيب دعاؤه، وصارت المدينة من أصحّ بلاد الله، فإذا شاء الله موت أحد منهم، حصل له التي كانت من الطاعون بالقتل في
سبيل الله الذي هو أعلى درجة، ومن فاته ذلك منهم مات بالحمّى التي هي حظ المؤمن من النار، كلّ يوم منها يكفّر سنة. واستمر ذلك بالمدينة بعده ﷺ تحقيقا لإجابة دعائه ﷺ. نعم شاركتها في ذلك مكة المشرّفة فلم يدخلها الطاعون فيما مضى من الزمان كما يرويه ابن قتيبة في المعارف، ونقله جماعة من العلماء عنه وأقروه إلى زمان الإمام النووي ﵀. ذكر ذلك في كتاب الأذكار وغيره، لكن قد قيل إنه دخلها بعد ذلك في الطاعون العام الذي وقع في سنة تسع وسبعين وسبعمائة، صرّح بذلك غير واحد من أهل ذلك الزمان. الثاني: منع الطاعون عن المدينة معجزة عظيمة لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد من البلاد بل عن قرية من القرى وقد امتنع الطاعون، عن المدينة بدعائه ﷺ هذه المدة الطويلة. الثالث: ظاهر الأحاديث أن الدّجّال يدخل جميع البلاد، وبذلك قال الجمهور، وشذّ ابن حزم فقال: «المراد أن يدخله بغتة هو وجنوده. وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدّته، وغفل عمّا ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السّنة. الرابع: في بيان غريب ما سبق:
وجنوده. وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدّته، وغفل عمّا ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر السّنة. الرابع: في بيان غريب ما سبق: «الأنقاب» : بالقاف جمع نقب بفتح النون والقاف بعدها موحدة، والنّقاب بالكسر جمع نقب بالسكون وهما بمعنى والمراد الطريق في الجبل وغيره. «السّبخة» : بفتح السين المهملة والباء الموحدة والخاء المعجمة: موضع بالمدينة بين موضع الخندق وبين جبل سلع. «ترجف المدينة» : أي يحصل بها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من ليس مخلصا في إيمانه، ويبقى بها الدين الخالص فلا يسلّط عليها الدّجّال، ولا يعارض هذا ما في حديث أبي بكر: «لا يدخل المدينة رعب الدّجّال» لأن المراد بالرّعب ما يحدث من الفزع من ذكره، والخوف من عتوّه، لا الرّجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص. «صلتا» : أي مجرّدا من غمده. «المخصرة» : بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة، وهي العصا أو نحوها، يأخذها الرجل بيده. «يوشك» : أي يقرب.
الباب السادس في الحث على الإقامة والموت بها والصبر على لأوائها ونفيها الخبث والذنوب واتخاذ الأصول بها والنهي عن هدم بنيانها عن الصّميتة- بصاد مهملة فميم مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فهاء تأنيث- اللّيثيّة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استطاع منكم ألّا يموت إلا بالمدينة فليمت بها، فإن من يمت بها يشفع أو يشهد له» [ (١) ] . رواه ابن حبان والبيهقي. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها» [ (٢) ] . رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه ابن حبان. وعن سفيان بن أبي زهير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يفتح اليمن فيخرج قوم من المدينة بأهليهم ومن أطاعهم يبسّون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ويفتح العراق، فيخرج قوم بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» [ (٣) ] . رواه الشيخان. وروى الإمام أحمد والبزار برجال الصحيح عن جابر بن عبد الله، ومسلم عن أبي هريرة، والطبراني برجال ثقات عن أبي أيوب وزيد بن ثابت، والطبراني برجال ثقات عن أبي أسيد الساعدي [ (٤) ] ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «سيأتي على الناس زمان يفتح فيه فتحات الأرض فيخرج إليها دجّال- وفي لفظ: فيخرج الناس إلى الأرياف يلتمسون الرّخاء، فيجدون رخاء، وفي لفظ: مطعما وملبسا ومركبا، فيقال لهم: هلم إلينا فإنكم بأرض حجاز جدوبة والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وفي لفظ: فيكتبون إلى أهليهم هلموا إلينا، فإنكم بأرض حجاز جدوبة، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وفي لفظ: فيمرون على إخوان لهم حجّاجا أو عمّارا، فيقولون: ما يقيمكم في لأواء العيش وشدة الجوع؟ قال رسول الله ﷺ: فذاهب وقاعد، حتى قالها مرارا والمدينة خير لهم، لا يثبت فيها أحد فيثبت للأوائها وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيدا أو شفيعا، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة
الها مرارا والمدينة خير لهم، لا يثبت فيها أحد فيثبت للأوائها وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيدا أو شفيعا، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة
عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» [ (١) ] . وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدّتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا يوم القيامة» ، رواه مسلم [ (٢) ] . وعن عمر ﵁ أنه قال: «اللهم ارزقني قتالا في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك» ، رواه البخاري [ (٣) ] . وعن يحيى بن سعيد مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «ما على الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها منها» ، ثلاث مرات، يعني المدينة، رواه الإمام مالك في الموطأ. وعن أبي سعيد مولى المهري- بالراء- أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرّة فاستشاره في الجلاء عن المدينة وشكا إليه أشعارها وكثرة عياله، وأخبره ألّا صبر له على جهد المدينة ولأوائها. فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، الزم المدينة فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما» [ (٤) ] . وفي حديث أخرجه مسلم: «لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» [ (٥) ] . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» [ (٦) ] . رواه مسلم. وعن أبي هريرة بنحوه، رواه الترمذي. وعن سهل بن سعد ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «من كان له بالمدينة أصل فليتمسّك به، ومن لم يكن له بها أصل فليجعل له بها أصلا، فليأتينّ على الناس زمان يكون الذي ليس له بها أصل كالخارج منها المجتاز إلى غيرها» [ (٧) ] ، وفي رواية: «فليجعل له بها أصلا ولو قصرة» ، رواه الطبراني وابن شبّة بسند لا بأس به. وروى ابن شبّة عن الزهري مرسلا: «لا تتخذوا الأموال بمكة واتخذوها بدار هجرتكم، فإن المرء مع ماله» . وعن أبي هريرة رضي الله
ي وابن شبّة بسند لا بأس به. وروى ابن شبّة عن الزهري مرسلا: «لا تتخذوا الأموال بمكة واتخذوها بدار هجرتكم، فإن المرء مع ماله» . وعن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد» . وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن أعرابيا بايع رسول الله ﷺ، فأصاب الأعرابيّ وعك فسأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أقلني بيعتي. فأبى. ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. فأبى. فخرج الأعرابي. فقال رسول الله ﷺ: «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها» [ (١) ] رواه الشيخان. وعن زيد بن ثابت ﵁ إن النبي ﷺ قال: «إنها طيبة- يعني المدينة- وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الفضّة» [ (٢) ] ، رواه مسلم. والمراد هنا الإقالة من الإسلام وقيل من الهجرة [كأنه كان قد بايع على هجرة الإقامة] . وعن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ نهى عن آطام المدينة أن تهدم. وروى البزار بسند حسن عن عمر ﵁ قال: غلا السعر بالمدينة فاشتد الجهد، فقال رسول الله ﷺ: «اصبروا وأبشروا فإني قد باركت على صاعكم ومدّكم، وكلوا ولا تنفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الخمسة والستة، وإن البركة في الجماعة، فمن صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة، ومن خرج رغبة عنها أبدل الله به من هو خير منه فيها، ومن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» [ (٣) ] . وروى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنها أي المدينة طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة» [ (٤) ] .
وب الملح في الماء» [ (٣) ] . وروى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنها أي المدينة طيبة تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة» [ (٤) ] .
تنبيهات الأول: قال القاضي ﵀» . «سئلت قديما عن معنى قوله ﷺ: «كنت شهيدا أو شفيعا» ، ولم خص ساكن المدينة بالشفاعة هنا مع عموم شفاعته وادّخاره إياها لأمته؟ وأجيب بأن «أو» ليست هنا للشك، خلافا لمن ذهب إليه، إذ قد رواه جابر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وصفية بنت أبي عبيد، وأسماء بنت عميس ﵃ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق الكل واتفاق رواياتهم على الشك، ووقوعه بصيغة واحدة، بل الظاهر أنه ﷺ قال كذلك هكذا، فإما أن يكون هو أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن تكون «أو» للتقسيم، ويكون النبي ﷺ شفيعا لبعض أهل المدينة وشهيدا لبعضهم الآخر، إما شهيدا
للطائعين وشفيعا للعاصين، أو شهيدا لمن مات في حياته، شفيعا لمن مات بعده، أو غير ذلك مما الله أعلم به، وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة لكافة المذنبين، وعلى الشهادة لكافة الأمة، وقد قال ﷺ في شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء» ، فيكون في تخصيصهم زيادة منزلة، وقد تكون «أو» بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شهيدا وشفيعا بالشفاعة العامة. وإن جعلنا «أو» للشك كما ذهب إليه بعضهم، فإن كانت اللفظة الصحيحة فلا إشكال، إذ هي زائدة على الشفاعة المدّخرة، وإن كانت الصحيحة شفيعا فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء في عمومها وادخاره لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لإخراج أمته من النار وإخراج بعضهم منها بشفاعته ﷺ يوم القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة زيادة في الدرجات أو تخفيف الحساب بما شاء الله من إكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة. الثاني: قوله ﷺ: «تنفي الناس» ، وفي لفظ «الرجال» ، قال القاضي: «كان هذا يختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه» . وقال النووي: «ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد، وهذا والله أعلم زمن الدّجّال» . قال الحافظ: «ويحتمل أن يكون المراد كلّا من الزمانين، وكان الأمر في حياته ﷺ السبب المذكور، ويؤيّده قصّة الأعرابي الذي استقاله فإنه ﷺ ذكر هذا الحديث معلّلا به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة من البيعة، ثم يكون ذلك أيضا آخر الزمان، عند ما ينزل الدّجّال فترجف الأرض بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه» .
خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة من البيعة، ثم يكون ذلك أيضا آخر الزمان، عند ما ينزل الدّجّال فترجف الأرض بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه» . وقال السيد: «وقد أبعد الله عنها أرباب الخبث الكامل وهم الكفّار، وأما غيرهم فقد يكون إبعاده إن مات بها بنقل الملائكة له كما أشار إليه الأقشهري أو المراد إبعاد أهل الخبث الكامل فقط وهم أهل الشقاء والكفر لا أهل السعادة والإسلام لأن القسم الأول ليس قابلا للشفاعة ولا للمغفرة، أو المراد فيما عدا قصّة الأعرابي والدّجّال أنها تخلّص النفوس من شرّها وظلمات ذنوبها، بما فيها من اللأواء والمشقات ومضاعفة المثوبات وتوالي الرحمات، وقد قال تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود ١١٤] ، ويحتمل أن يكون بمعنى أنه لا يخفى حال من انطوى فيها على خبث بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، ولم أر إلى الآن من نصّ على هذا الاحتمال وهو في حفظي قديما ويؤيده ما في غزوة أحد في الصحيح من أنه ﷺ لما خرج إلى أحد رجع ناس من أصحابه أي وهم المنافقون فقال ﷺ: «المدينة كالكير» (الحديث) ، والذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة» .
م المنافقون فقال ﷺ: «المدينة كالكير» (الحديث) ، والذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة» .
وقوله ﷺ: «لو كانوا يعلمون» أي بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي أو ثواب الإقامة فيها وغير ذلك. ويحتمل أن «لو» بمعنى «ليت» ولا يحتاج إلى تقدير، وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها. قالوا: والمراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها. وأما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث. قال الطيب: «الذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل أولئك الذين «لا يعلمون» منزلة اللازم لتنتفي عنهم المعرفة بالكلية، ولو ذهبوا مع ذلك التّمنّي لكان أبلغ لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله، أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا» . قال البيضاوي: «المعنى أنه يفتح اليمن، فيعجب قوما بلادها، وعيش أهلها، فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهليهم حتى يخرجوا من المدينة، والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم النبي ﷺ وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الأخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها» . وقوّاه الطيبي لتنكير قومه ووصفهم بكونهم يبسون، ثم توكيده بقوله: لو كانوا يعلمون، لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني، وأعرض عن الإقامة في جوار النبي ﷺ، ولذلك كرّر قوما» ووصفهم في كل مرتبة بقوله يبسّون بسبب اتخاذهم لتلك الهيئة القبيحة. الثالث: في بيان غريب ما سبق: «يبسّون» [ (١) ] : بمثناة تحتية فموحدة مضمومة وتكسر، قال أبو عبيدة: معناه يسوقون دوابّهم والبسّ سوق الإبل بقول بس بس عند السّوق وإرادة السرعة. «الأرياف» : جمع ريف بكسر الراء، موضع الخصب- بكسر الخاء المعجمة- والسعة في المطعم. «الّلأواء» : بالفتح والمد: الشدة وضيق المعيشة. «تنفي الخبث» : أي بإظهاره وإخراجه.
ع ريف بكسر الراء، موضع الخصب- بكسر الخاء المعجمة- والسعة في المطعم. «الّلأواء» : بالفتح والمد: الشدة وضيق المعيشة. «تنفي الخبث» : أي بإظهاره وإخراجه. «الكير» : بكسر الكاف وسكون التحتية وهو المعروف بين الناس أنه الزّقّ الذي ينفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير كانون الحدّاد والصائغ، وقيل: الكير هو الزّقّ والكانون هو الكور.
«خبث الحديد» : بضم الخاء المعجمة والموحدة فمثلثة: وسخه الذي تخرجه النار، والمراد هنا: لا يترك فيها من في قلبه دغل وغشّ ونفاق يميّزه عن القلوب الصادقة ويخرجه منها كما يميز الحدّاد ردىء الحديد من جيّده، وينسب التمييز للكير لكونه السبب الأكيد في اشتعال النار التي يقع التمييز بها. «تنصع» : بمثناة فوقية فنون ساكنة فصاد فعين مهملتين: من النصوع وهو الخلوص، والمعنى أنها إذا نفت الخبث تميّز الطّيب، واستقر بها طيبها. رواه الأكثر بالنصب على المفعولية أي تنصع طيبها وذكر بعض رواة الصحيح ينصع طيبها على الفاعلية. «الآطام» : بالمدّ جمع أطم بضمتين وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطّح.
الباب السابع في وعيد من أحدث بها حدثا أو آوى محدثاً أو أرادها وأهلها بسوء أو أخافهم والوصية بهم روى الطبراني برجال الصحيح عن أبي أمامة، وعن علي ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في مدينتي هذه حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» . وعن السائب بن خلّاد أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله ﷿، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» [ (١) ] ، رواه الإمام أحمد. وعن أبي سعيد ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أرادها- يعني المدينة- بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» [ (٢) ] ، رواه الإمام أحمد والشيخان. وعن معقل بن يسار [ (٣) ] ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المدينة مهاجري وفيها مضجعي ومنها مبعثي، حقيق على أمّتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، ومن حفظهم كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال» ، قيل لمعقل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار [ (٤) ] ، رواه أبو عمرو بن السّمّاك، وابن الجوزي في «مثير الغرام السّاكن» . وروى الجندي إن رسول الله ﷺ قال: «أيما جبّار أراد المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» [ (٥) ] .
ك، وابن الجوزي في «مثير الغرام السّاكن» . وروى الجندي إن رسول الله ﷺ قال: «أيما جبّار أراد المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» [ (٥) ] . وروى البزار بسند حسن عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم اكفهم من دهمهم ببأس- يعني المدينة- ولا يريدها أحد بسوء إلاّ أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» [ (٦) ] . وروى محمد بن الحسن المخزومي عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم من أرادني وأهل بلدي بسوء فعجّل بهلاكه» . وروى الإمام أحمد برجال الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله» [ (٧) ] ، رواه ابن حبّان. وعن عبادة بن الصامت
رضي الله عنه إن رسول الله ﷺ قال: «اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا [ (١) ] ، رواه الطبراني بإسناد حسن. وفي المدارك للقاضي قال محمد بن مسلمة: سمعت مالكا يقول: دخلت على المهدي فقال: أوصني، فقلت: أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «المدينة مهاجري ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني، وحقيق على أمتي حفظ جيراني، فمن حفظهم فيّ كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة، ومن لم يحفظ وصيّتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال» . وقال مصعب: «لما قدم المهدي المدينة استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك انحرف المهدي إليه فعانقه وسلّم عليه وسايره فالتفت إليه مالك فقال: يا أمير المؤمنين إنك تدخل الآن المدينة، فتمر بقوم عن يمينك ويسارك، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسلّم عليهم، فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة، ولا خير من المدينة قال: ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: لأنه لا يعرف قبر نبيّ اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد ﷺ، ومن كان قبر محمد ﷺ عندهم فينبغي أن يعرف فضلهم على غيرهم. ففعل المهدي ما أمره به، وفيه إشارة إلى التفضيل بمجاورة قبر رسول الله ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ،
يرهم. ففعل المهدي ما أمره به، وفيه إشارة إلى التفضيل بمجاورة قبر رسول الله ﷺ، وقد قال رسول الله ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ، ولم يخصّ جارا دون جار. ومن تأمّل هذا الفضل لم يرتب في تفضيل سكنى المديند على مكة، مع التسليم بمزيد المضاعفة لمكة، [إذ جهة الفضل غير منحصرة في ذلك] فتلك لها مزيد العدد، وهذه تضاعف البركة والمدد ولتلك جوار بيت الله، ولهذه جوار حبيب الله وأكرم الخلق على الله.
تنبيهات الأول: قوله ﷺ: «لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» . قال القاضي: اختلفوا فيه فقيل: هو مختصّ بمدة حياته ﷺ، وقال آخرون: هو عامّ أبدا، وهذا أصح. وقال المحب الطبري: أنه الأظهر لقوله ﷺ في الحديث الآخر: «سيأتي على الناس زمان يفتح فيه فتحات الأرض فيخرج الناس إلى الأرياف يلتمسون الرخاء» . . إلى آخر ما تقدّم. الثاني: قوله ﷺ في حديث: «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ... » إلى آخر الحديث، قال القاضي عياض: قوله: «في النار» يدفع إشكال الأحاديث التي
لم تذكر فيها هذه الزيادة، ويبين أن هذا حكمه في الآخرة. وقال: قد يكون المراد به أن من أرادها في حياته ﷺ، كفي المسلمون شرّه واضمحلّ كيده كما يضمحل الرصاص في النار، قال: «ويحتمل أن يكون المراد من كادها اغتيالا وطلبا لغرّتها فلا يتم له أمر بخلاف من أتى ذلك جهارا» . قال: «وقد يكون في اللفظ تقديم وتأخير أي أذابه الله كذوب الرصاص في النار ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكّن له سلطانا، بل يهلكه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة فأهلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية الذي أرسله على إثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما. الثالث: في بيان غريب ما سبق: «الحدث» بالتحريك: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعروف في السّنّة. «المحدث» : بكسر الدال اسم فاعل: أي من نصر جانيا وأواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتصّ منه، وبفتحها الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء الرّضا، فإنه إذا رضي به وأقرّ فاعله من غير إنكار فقد آواه. والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد من رحمة الله تعالى، والمراد باللّعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر، وليس هو كلعن الكافر. «الصّرف والعدل» : بفتح أولهما: اختلف في تفسيرهما فيعدّ الجمهور الصّرف الفريضة، والعدل النافلة. وعن الأصمعي الصّرف: التوبة، والعدل: الفدية، وقيل غير ذلك. «انماع» [ (١) ] : ذاب وسال.
ختلف في تفسيرهما فيعدّ الجمهور الصّرف الفريضة، والعدل النافلة. وعن الأصمعي الصّرف: التوبة، والعدل: الفدية، وقيل غير ذلك. «انماع» [ (١) ] : ذاب وسال.
الباب الثامن في تفضيلها على البلاد لحوله ﷺ فيها نقل أبو الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضمّ الأعضاء الشريفة حتى على الكعبة كما قاله أبو اليمن بن عساكر في تحفته، وجزم بذلك أبو محمد عبد الله بن أبي عمر البسكري [ (١) ]- بموحدة مكسورة وقيل بفتحها وسين مهملة ساكنة فكاف مفتوحة وكسرها فراء، ﵀. جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفى وحواها ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنّفس حين زكت زكا مأواها بل نقل القاضي تاج الدين السبكي [ (٢) ] عن ابن عقيل [ (٣) ] الحنبلي أنها أفضل من العرش، وجزم بذلك أبو عبد الله محمد بن رزين البحيري الشافعي أحد السادة العلماء الأولياء فقال في قصيدته في الوفاة النبوية: ولا شك أن القبر أشرف موضع ... من الأرض والسّبع السّموات طرّة وأشرف من عرش المليك وليس في ... مقالي خلاف عند أهل الحقيقة وصرّح التاج الفاكهي بتفضيلها على السموات، قال: بل الظاهر المتعيّن تفضيل جميع الأرض على السماء لحلوله ﷺ بها، وحكاه الشيخ تاج الدين إمام الفاضلية عن الأكثرين
لتاج الفاكهي بتفضيلها على السموات، قال: بل الظاهر المتعيّن تفضيل جميع الأرض على السماء لحلوله ﷺ بها، وحكاه الشيخ تاج الدين إمام الفاضلية عن الأكثرين
لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها. وقال النووي: «المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، أي ما عدا ما ضمّ الأعضاء الشريفة. وأجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا فيهما، فذهب عمر بن الخطاب ﵁ وبعض الصحابة وأكثر المدنيين، كما قال القاضي إلى تفضيل المدينة، وهو مذهب الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، والخلاف في غير الكعبة الشريفة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا. وإيراد حجج الفريقين ممّا يطول به الكتاب. ويدل لما ذكر من أن النفس تخلق من تربة الدّفن ما رواه الحاكم وصححه عن أبي سعيد ﵁ قال: مر النبي ﷺ بقبر، فقال: «قبر من هذا» ؟ فقالوا: قبر فلان الحبشيّ يا رسول الله. فقال: «لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه إلى التّربة التي منها خلق» . وتقدم في أول باب من هذا الكتاب أثر كعب: «إن النبي ﷺ خلق من القبضة التي أخذت من قبره الشريف» . وروى [يزيد الجريري قال: سمعت ابن سيرين يقول: «لو حلفت لحلفت صادقا باراّ غير شاكّ ولا مستثن أن الله تعالى ما خلق نبيه ﷺ ولا أبا بكر ولا عمر إلا من طينة واحدة، ثم ردّهم إلى تلك الطينة» . وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه، والطبراني والحاكم عن مطر بن عكامس- بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وكسر الميم فسين مهملة- والترمذي وصححه عن أبي عزّة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة» [ (١) ] . قال الحكيم الترمذي: «إنما صار أجله هناك لأنه خلق من تلك البقعة وقد قال الله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه ٥٥] قال: فإنما يعاد المرء من حيث بدئ منه» . وروى ابن الجوزي في الوفا عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لما قبض النبي ﷺ وسلّم اختلفوا في دفنه» فقال علي ﵁: «أنه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيه ﷺ» .
ي الوفا عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لما قبض النبي ﷺ وسلّم اختلفوا في دفنه» فقال علي ﵁: «أنه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيه ﷺ» . وروى أبو يعلى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه» [ (٢) ] . قال السيد: «وأحبّها إليه أحبّها إلى ربّه لأن حبّه تابع لحبّ ربّه. وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل؟ قال: ولهذا سلكت هذا المسلك في تفضيل المدينة فقد صحّ
قوله ﷺ: «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشدّ، أي «بل أشدّ» أو «وأشدّ» ، كما روي به. وأجيبت دعوته حتى كان يحرّك دابّته إذا رآها من حبّها» . تنبيه: قال سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام: «معنى التفضيل بين مكة والمدينة أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من ثواب العمل في الأخرى، فيشكل قول القاضي: «أجمعت الأمة على أن موضع القبر الشريف أفضل» ، إذ لا يمكن لأحد أن يعبد الله فيه. وأجاب غيره بأن التفضيل في ذلك للمجاورة ولذا حرّم على المحدث مسّ جلد المصحف لا لكثرة الثواب وإلا فلا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف أفضل من غيره لتعذر العمل فيه. وقال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي: قد يكون التفضيل بكثرة الثواب وقد يكون لأمر آخر، وإن لم يكن عملا، فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه وليس ذلك لمكان غيره فكيف لا يكون أفضل الأماكن؟ وليس محلّ عمل لنا فهذا معنى غير تضعيف الأعمال فيه، وأيضا فباعتبار ما قيل: أن كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه، [وأيضا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيها باعتبار إن النبي ﷺ حيّ وأن أعماله مضاعفة] أكثر من كل أحد فلا يختصّ التضعيف بأعمالنا نحن. قال السيد: « [وهذا من النفاسة بمكان على أني أقول] الرحمات والبركات النازلة بذلك المحلّ يعمّ فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته ﷺ [وما تناله الأمة بسبب نبيها هو الغاية في الفضل ولذا كانت خير أمة بسبب كون نبيها خير الأنبياء، فكيف لا يكون القبر الشريف أفضل البقاع مع كونه] منبع فيض الخيرات، [ألا ترى أن الكعبة على رأي من] منع الصلاة فيها ليست محل عملنا أفيقول عاقل بتفضيل المسجد حولها عليها لأنه محل العمل مع أن الكعبة هي السبب في إنالة تلك الخيرات؟ ... وسيأتي أن المجيء المذكور في قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [النساء ٦٤] الآية، حاصل بالمجيء إلى قبره الشريف، وكذا زيارته ﷺ وسؤال الشفاعة منه والتوسّل به إلى الله والمجاورة عنده من أفضل القربات، وعنده تجاب الدعوات أيضا، فكيف لا تكون أفضل وهو السبب في هذه الخيرات؟
زيارته ﷺ وسؤال الشفاعة منه والتوسّل به إلى الله والمجاورة عنده من أفضل القربات، وعنده تجاب الدعوات أيضا، فكيف لا تكون أفضل وهو السبب في هذه الخيرات؟ وأيضا فهو روضة من رياض الجنة بل أفضل رياضها، وفي الحديث: «لقاب قوس أحدكم [في الجنة] خير من الدنيا وما فيها» .
الباب التاسع في تحريمها عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: «إني حرّمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يقتل صيدها» [ (١) ] ، رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني حرمت ما بين لابتي المدينة، وفي رواية: ما بين مأزميها، ألّا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف» [ (٢) ] وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال في المدينة: «لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمن أشادها ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره» [ (٣) ] رواه الإمام أحمد وأبو داود. وعن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المدينة حرام ما بين عير إلى ثور» [ (٤) ] ، رواه الخمسة. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه، اللهم أن إبراهيم حرم مكة وإني أحرّم ما بين لابتيها» [ (٥) ] ، يعني المدينة، رواه الشيخان.
تنبيهات الأول: قوله ﷺ: «إني حرّمت المدينة» ، حجّة في أنها حرم، وبه قال الجمهور، ونقله عن النبي ﷺ أكثر من عشرة من الصحابة خلافا لمن قال بخلاف ذلك. وذكر دليل وروده مما يطول به الباب. الثاني: في بيان غريب ما سبق: «لابتي المدينة» [ (٦) ] : تثنية لابة وهي الحرّة: أرض ذات حجارة سود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما، ويقال: لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات، وجمع اللّابة في القلّة لابات وفي الكثرة لاب ولوب.
ذات حجارة سود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما، ويقال: لابة ولوبة ونوبة بالنون ثلاث لغات، وجمع اللّابة في القلّة لابات وفي الكثرة لاب ولوب.
«العضاه» : بالقصر وكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة: كلّ شجر فيه شوك، واحدتها عضاهة وعضيهة. «المأزمان» : بهمزة بعد الميم وبكسر الزاي تثنية مأزم: الطريق بين جبلين، أي حرم ما بين جبلي المدينة. «يهراق» : يصبّ. «يخبط» : يضرب. «العلف» بسكون اللام مصدر علفت وأما العلف بالفتح فهو اسم للحشيش والتّبن ونحوهما. «يختلى» : يجزّ ويقطع. «الخلا» : بالقصر: الرّطب من الحشيش الواحدة خلاه. «لا ينفّر» : بمثناة تحتية فنون ففاء: أي لا يزجر ويمنع من الرّعي. «أشاد» : بشين معجمة ودال مهملة: أي أشاعها والإشادة رفع الصوت والمراد به تعريف اللّقّطة. وإنشادها. «عير» [ (١) ] : بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالراء: الحمار، ويقال عير جبل يسمى باسمه، ويمين الأوّل بالوارد والثاني بالصادر. «ثور» : بالمثلثة: مرادف فحل البقر، جبل صغير خلف أحد، قال المطري بعد أن ردّ على من أنكر كون ثور بالمدينة وقال إنه خلف أحد من شماليّه مدوّر صغير يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف. وقال القطب الحلبي: «حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل أي من عرب المدينة، فكان يذكر له الأماكن والجبال» . قال: «فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه فقال: هذا يسمّى ثورا، فعلمت صحّة الرواية» . وقال المحب الطبري: «أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد، عن يساره، جانحا إلى ورائه جبلا صغيرا يقال له ثور، وأخبرني أنه تكرر عنه سؤاله لطوائف من الأعراب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك» ،: «فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به [هو] لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه» ، قال: «وهذه فائدة جليلة» .
الباب العاشر في ذكر بعض خصائصها وهي تزيد على المائة فقد امتازت بتحريمها على لسان أشرف الأنبياء بدعوته ﷺ. وكون المتعرّض لصيدها وشجرها يسلب كقتيل الكفار، وهو أبلغ في الزّجر مما في مكة، وعلى القول بعدمه هو أدلّ على عظيم حرمتها حيث لم يشرع له جزاء. ويجوز نقل ترابها للتداوي، واشتمالها على أشرف البقاع وهو محل القبر الشريف، ودفن أفضل الخلق بها وأفضل هذه الأمة وكذا أكثر الصحابة والسلف الذين هم خير القرون، وخلقهم من تربتها، وبعث أشراف هذه الأمة يوم القيامة منها على ما نقله [عياض] في المدارك عن الإمام مالك، قال: «وهو لا يقول من عند نفسه» . وكونها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك أيضا، وبها أفضل الشهداء الذين بذلوا أنفسهم في ذات الله بين يدي نبيهم ﷺ، فكان شهيدا عليهم، واختيار الله تعالى إياها لأفضل خلقه وأحبّهم إليه، واختيار أهلها للنّصرة والإيواء، وافتتاحها بالقرآن وسائر البلاد بالسيف والسّنان، وافتتاح سائر بلاد الإسلام منها، وجعلها مظهر الدين، ووجوب الهجرة إليها قبل فتح مكة والسكنى بها لنصرته ﷺ ومواساته بالأنفس على ما قاله القاضي عياض أنه متفق عليه، قال: «ومن هاجر قبل الفتح فالجمهور على منعه من الإقامة [بمكة] بعد الفتح، ورخّص له ثلاثة أيام بعد قضاء نسكه، والحث على سكنى المدينة وعلى اتخاذ الأصل بها وعلى الموت بها، والوعد على ذلك بالشفاعة أو الشهادة أو هما، واستحباب الدعاء بالموت بها، وتحريضه ﷺ على الموت بها وشفاعته أو شهادته لمن صبر على لأوائها وشدّتها، وطلبه لزيادة البركة بها على مكة ودعاؤه بحبها وأن يجعل الله لديها قرارا ورزقا حسنا، وطرح الرداء عن منكبيه إذا قاربها، وتسميته لها طيبة» وغيرها مما سبق. «وطيب ريحها، وللعطر بها رائحة لا توجد في غيرها» قاله ياقوت.
يها قرارا ورزقا حسنا، وطرح الرداء عن منكبيه إذا قاربها، وتسميته لها طيبة» وغيرها مما سبق. «وطيب ريحها، وللعطر بها رائحة لا توجد في غيرها» قاله ياقوت. وطيب العيش بها وكثرة أسمائها، وكتابتها في التوراة مؤمنة وتسميتها فيها بالمحبوبة والمرحومة وإضافتها إلى الله تعالى في قوله تعالى أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء ٩٧] ، وإلى النبي بلفظ البيت في قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال ٥] وإقسام الله تعالى في قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد ١] والبداءة بها في قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [الإسراء ٨٠] ، مع أن المخرج مقدّم على المدخل. ودعاؤه ﷺ لها خصوصا بالبركة، ولثمارها ومكيالها وأسواقها وأهلها. ولقوله إنها تنفي الذنوب وتنفي خبثها، وأنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها خيرا منه ومن أرادها وأهلها بسوء أذابه الله، الحديث، فرتّب الوعيد فيها على الإرادة، كما قال
نفي خبثها، وأنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها خيرا منه ومن أرادها وأهلها بسوء أذابه الله، الحديث، فرتّب الوعيد فيها على الإرادة، كما قال
تعالى في حرم مكة. وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج ٢٥] والوعيد الشديد لمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا. والحدث يشمل الصغيرة فهي بها كبيرة، أي يعظم جزاؤها لدلالتها على جرأة مرتكبها بحرم سيّد المرسلين وحضرته الشريفة. والوعيد الشديد لمن ظلم أهلها أو أخافهم، ووعيد من لم يكرم أهلها وأن إكرامهم وتعظيمهم حقّ على الأمة، وأنه ﷺ شفيع أو شهيد لمن حفظهم فيه، وقوله: «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ» . واختصاصها بملك الإيمان والحياء، ويكون الإيمان يأرز إليها، واشتباكها بالملائكة وحراستهم لها، وإنها دار الإسلام أبدا لحديث: «إن الشياطين قد أيست أن تعبد ببلدي هذا» [ (١) ] ، وأنها «آخر قرى الإسلام خرابا» ، رواه الترمذي، وحسنه، ويأتي بسطه في المعجزات إن شاء الله تعالى، وعصمتها، من الدّجال وخروج الرجل الذي هو خير الناس أو من خير الناس منها للدّجّال ليكذّبه، ونقل وبائها وحمّاها والاستشفاء بترابها وبتمرها كما سيأتي في الخصائص. وقوله في حديث للطبراني: «وحقّ على كل مسلم أن يأتيها» ، وسماعه ﷺ لمن صلّى عليه بها عند قبره الشريف، ووجوب شفاعته لمن زاره بها، وغير ذلك مما سيأتي في باب فضل زيارته. وكونها أوّل مسجد اتخذه بها لعامة المسلمين في هذه الأمة، وتأسيس مسجدها على يده ﷺ، وعمل فيه بنفسه، ومعه خير الأمة، وأن الله ﷾ أنزل في شأنه لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة ١٠٨] وكونه آخر مساجد الأنبياء، والمساجد التي تشدّ إليها الرّحال، وكونه أحقّ المساجد أن يزار وما يذخر لزائره من الثواب المضاعف كما سيأتي وأن من صلّى فيه أربعين صلاة كتب له براءة من النار وبراءة من العذاب، وأنه بريء من النفاق، وأن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجّة، وما ثبت من أنّ إتيان مسجد قباء والصلاة فيه تعدل عمرة وغير ذلك مما ثبت في فضلها.
من النفاق، وأن من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حجّة، وما ثبت من أنّ إتيان مسجد قباء والصلاة فيه تعدل عمرة وغير ذلك مما ثبت في فضلها. وأن بين بيته وقبره روضة من رياض الجنة، مع ذهاب بعضهم إلى أن ذلك يعمّ مسجده ﷺ، وأنه المسجد الذي لا تعرف بقعة في الأرض من الجنة غيره، وأنه على حوضه ﷺ، وما جاء في أن «ما بين منبره الشريف والمصلّى روضة من رياض الجنة» [ (٢) ] وسيأتي ما يقتضي أن المراد مصلّى العيد وهو جانب كبير من هذه البلدة. وقوله في أحد [هذا جبل] يحبّنا ونحبّه، وأنه على ترعة من ترع الجنة. وفي وادي
بطحان أنه على ترعة من ترع الجنّة. ووصفه لواديها العقيق بالوادي المبارك، وأنه يحبّنا ونحبّه. وقوله في ثمارها: «إن العجوة من الجنة» . وسيأتي في بئر غرس أنه ﷺ رأى أنه أصبح على بئر من آبار الجنّة فأصبح عليها. ورؤيا الأنبياء حق. واختصاص مسجدها بمزيد الأدب. ويكتب لمن صلّى بمسجدها صلاة براءة من النار وبراءة من العذاب وأنه بريء من النّفاق، رواه الإمام أحمد والطبراني برجال ثقات. وخفض الصّوت في تأكيد التّعلّم والتعليم به. والحديث: أنه «لا يسمع النّداء في مسجدي، ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق» [ (١) ] واختصاصه عند بعضهم بمنع آكل الثّوم من دخوله لاختصاصه بملائكة الوحي والوعيد الشديد لمن حلف يمينا فاجرة عند منبرها ومضاعفة سائر الأعمال بها كما صرح به الإمام الغزالي. وأن صلاة الجمعة بها كألف جمعة فيما سواها إلا المسجد الحرام. وأن صيام شهر رمضان بها كصيام ألف شهر في غيرها، كما رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله، والطبراني في الكبير عن بلال بن الحارث، وابن الجوزي عن ابن عمر ﵄. وكون أهلها أول من يشفع لهم النبي ﷺ، واختصاصهم بمزيد الشفاعة والإكرام. وجاء بعث الميّت بها من الآمنين، وأنه يبعث من بقيعها سبعون ألفا على صورة القمر يدخلون الجنة بغير حساب، وتوكل الملائكة بمقبرة بقيعها كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفئوها بالجنّة وبعثه ﷺ منها وبعث أهلها من قبورهم قبل سائر الناس واستحباب الدعاء بها في الأماكن التي دعا بها ﷺ وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى ويقال إنه يستجاب بها عند الأسطوانة المخلّقة، وعند المنبر وفي زاوية دار عقيل بالبقيع وبمسجد الفتح. [واختصاصها] بكثرة المساجد والمشاهد بها، واستخباث من عاب تربتها، وأفتى الإمام مالك إنه من قال: تربتها رديئة أن يضرب ثلاثون درة، وأمر بحبسه وكان له قدر، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها رسول الله ﷺ يزعم أنها غير طيبة.
مالك إنه من قال: تربتها رديئة أن يضرب ثلاثون درة، وأمر بحبسه وكان له قدر، وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها رسول الله ﷺ يزعم أنها غير طيبة. واستحباب الدخول لها من طريق والرجوع من أخرى، والاغتسال لدخولها، واختصاص أهلها بأبعد المواقيت، وذهب بعض السلف إلى تفضيل البداءة بها قبل مكة، وأن نفرا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يبدءون بالمدينة إذا حجّوا ويقولون: نبدأ من حيث أحرم رسول الله ﷺ. وعن علقمة، والأسود، وعمرو بن ميمون أنهم بدءوا بالمدينة وعن العبدي من المالكية أن المشي لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة. وسيأتي أن من نذر زيارة قبر النبي ﷺ لزمه الوفاء قولا واحدا. وفي وجوب الوفاء في زيارة قبر غيره وجهان [قاله ابن كجّ
وأقره عليه الرافعي والنووي وغيرهما] والاكتفاء بزيارة قبر رسول الله ﷺ لمن نذر إتيان مسجد المدينة كما قال الشيخ أبو علي تفريعا على القول بلزوم إتيانه كما قاله الشافعي والبويطي، على أنه لا بد من [ضمّ] قربة إلى الإتيان كما هو الأصحّ [تفريعا على اللزوم وعلّله الشيخ أبو علي بأن زيارته ﷺ من أعظم القربات، وتوقف في ذلك الإمام من جهة أنها لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه، قال: وقياسه أنه لو تصدّق في المسجد أو صام يوما كفاه، وفيه نظر، على أن الصحيح ما نص عليه في المختصر من] عدم لزوم الإتيان. وجاء في سوقها أن الجالب إليه كالمجاهد في سبيل الله، وأن المحتكر كالملحد في كتاب الله تعالى. واختصّت بظهور نار الحجاز المنذر بها من أرضها ومن انطفائها عند حرمها كما سيأتي في المعجزات، لما تضمّنه حديث الحاكم وغيره. [وفي حديث النسائي والبزار والحاكم واللفظ له:] «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» . وكان سفيان بن عيينة يقول: نرى هذا العالم مالك بن أنس. وقيل غير ذلك. وما نقل عن مالك من أن إجماع أهلها يقدّم على خبر الواحد، لسكناهم مهبط الوحي ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ.
يقول: نرى هذا العالم مالك بن أنس. وقيل غير ذلك. وما نقل عن مالك من أن إجماع أهلها يقدّم على خبر الواحد، لسكناهم مهبط الوحي ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ. واختصاص أهلها في قيام رمضان بست وثلاثين ركعة على المشهور عند الشافعية. قال الإمام الشافعي: رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة منها ثلاث للوتر. ونقل الروياني وغيره عن الشافعي أن سببه إرادة أهل المدينة مساواة أهل مكة فيما كانوا يأتون به من الطواف وركعتين بين الترويحات فجعلوا مكان كل أسبوع [ (١) ] ترويحة. قال الإمام الشافعي: «لا يجوز لغير أهل المدينة أن يباروا أهل مكة ولا ينافسوهم لأن الله فضّلهم على سائر العباد» . وشاركتها مكة في تحريم قطع الرطب من شجرها وحشيشها وصيدها واصطياده وتنفيره، وحمل السلاح للقتال بها، ولا تحل لقطتها إلا لمن أشاد بها، ونقل ترابها ونحوه منها أو إليها، ونبش الكافر إذا دفن بها. وأن كلا من مسجد الرسول والمسجد الحرام يقوم مقام المسجد الأقصى لمن نذر الصلاة أو الاعتكاف فيه، ولو نذرهما بمسجد المدينة لم يجزه الأقصى وأجزاه المسجد الحرام بناء على زيادة المضاعفة، وإذا نذر المشي إلى بيت المقدس يخيّر بين المشي إليه أو إلى أحدهما، والذي رجّحوه ما اقتضاه كلام البغوي من عدم لزوم المشي في غير المسجد الحرام. وإذا نذر تطييب مسجد المدينة والأقصى ففيه تردد لإمام الحرمين، واقتضى كلام الغزالي اختصاصه بالمسجدين لأنا إن نظرنا إلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة أو إلى امتياز الكعبة
بالفضل فلا. قال السيد: فينبغي الجزم في نذر تطييب القبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة والسلام. ورحم الله الإمام مالك أبي عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي المالكي الأعمى حيث قال: هنا وكم يا أهل طيبة قد خفى ... فبالقرب من خير الورى خرتم السّبقا فلا يتحرّك ساكن ثوى بربوعها ... إلى سواها وإنّ جار الزّمان ولو شقّا فكم ملك رام الوصول لمثل ما ... وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا فبشراكم نلتم عناية ربّكم ... فها أنتم في بحر عنايته غرقى ترون رسول الله في كلّ ساعة ... ومن يره فهو السّعيد به حقّا متى جئتم لا يغلق الباب دونكم ... وباب ذوي الإحسان لا يقبل الغلقا فيسمع شكواكم ويكشف ضرّكم ... ولا يمنع الإحسان ضرّ ولا رقّا بطيبة مثواكم وأكرم مرسل ... يلاحظكم فالدّهر يحري لكم وفقا وكم نعمة لله فيها عليكم ... فشكرا ونعم الله بالشّكر تستبقى أمنتم من الدّجّال فيها فحولها ... ملائكة يحمون من دونها الطّرقا كذاك من الطّاعون أنتم بمأمن ... فوجه التّلالي لا يزال لكم طلقا فلا تنظروا إلّا لوجه حبيبكم ... وإن حادت الدّنيا ومرّت فلا فرقا حياة وموتا تحت رحماه أنتم ... وحشرا فستر الجاه فوقكم ملقى فيا راحلا عنها لدنيا تريدها ... أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى؟ أتخرج عن حوز النّبيّ وحرزه ... إلى غيره تسفيه غيرك قد حقّا لئن سرت من فيض المكارم عنده ... فأكرم من خير البريّة ما تلقى هو الرّزق مقسوم فليس بزائد ... ولو سرت حتّى كدت تخترق الأفقا فكم قاعد قد وسّع الله رزقه ... ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا فعش في حمى خير الأنام ومت به ... إذا كنت في الدّارين تطلب أن ترقى إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أين خير لك الأرقى لقد أسعد الرّحمن جار محمّد ... ومن حال في ترحاله فهو الأشقى
كنت في الدّارين تطلب أن ترقى إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أين خير لك الأرقى لقد أسعد الرّحمن جار محمّد ... ومن حال في ترحاله فهو الأشقى ومن أعظم ما نظم في ذلك وأعجبه قصيدة الإمام الولي العارف بالله أبي محمد عبد الله بن أبي عمر البشكريّ. قال العلامة بدر الدين فرحون أحد أصحاب ناظمها: إن بعض الصالحين رأى النبي ﷺ في المنام، قال البدر: «وأشك هل كان الشيخ أو غيره؟ وأنشد هذه القصيدة، فلما بلغ آخرها قال رسول الله ﷺ: رضيناها رضيناها» . وخمّسها الإمام أبو عبد الله التونسي ﵀. وقد رأيت إيراد ذلك هنا:
أعلام طيبة لا تهم بسواها ... فحبيب ربّ العالمين ثواها واعمر فؤادك دائما بهواها ... دار الحبيب أحق أن تهواها وتحنّ من طرب إلى ذكراها ... لا تخل خدّ ترابها من قبلة وبكلّ عام قم إليه برحلة ... لا تقنّعن من المزار بمرّة وعلى الجفون متى هممت بزورة ... يا ابن الكرام عليك أن تغشاها اقطع زمانك إن سعدت ببلدة ... حوت الرّسول فتلك أطيب تربة جاوره تأمن أن تصاب بشدة ... فلأنت أنت إذا حللت بطيبة وظللت ترتع في ظلال رباها ... هي جنّتي ممّا أخاف وجنّتي وبجاه من فيها تخلّص مهجتي ... وإذا نظرت لها فذلك بغيتي معنى الجمال منى الخواطر والّتي ... سلبت عقول العاشقين حلاها تلك المنازل لا نعيم كتربها ... تلك المياه لنا الشّفاء بشربها يا طيب نفحتها وحسن مهبّها ... لا تحسب المسك الذّكيّ كتربها هيهات أين المسك من ريّاها ... لم لا تطيب ثنا ونكرم منبتا والمصطفى حيّا حوته وميّتا ... فنسيمها يحكي العبير إذا أتى طابت فإن تبغ التّطيّب يا فتى ... فأدم على السّاعات لثم ثراها لو لم تكن أزكى البلاد وأطهرا ... ما اختارها لرسوله لمّا سرى فبطيبها أيقن وخلّ من افترى ... وابشر ففي الخبر الصّحيح مقرّرا أنّ الإله بطابة سمّاها ... دار الحبيب لنا فلذ برحيبها فالنّفس مولعة بدار حبيبها ... الله شرفها به لنصيبها واختصّها بالطّيّبين لطيبها ... واختارها ودعا إلى سكناها مدّت بها رحمي الإله ظلالها ... من أجل من منع النّفوس ضلالها جل في البلاد فلن تصيب مثالها ... لا كالمدينة منزل وكفى لها شرفا حلول محمّد بفناها
سكناها مدّت بها رحمي الإله ظلالها ... من أجل من منع النّفوس ضلالها جل في البلاد فلن تصيب مثالها ... لا كالمدينة منزل وكفى لها شرفا حلول محمّد بفناها
من لي بأن ألقى الحبيب وأظفرا ... وأشمّ من مثواه مسكا أذفرا وأرى التي شغفت بها مهج الورى ... خصّت بهجرة خير من وطئ الثّرى وأجلّهم قدرا فكيف تراها؟ ... كلفي بها طبع بغير تكلّف صفت القلوب لها لأجل من اصطفي ... وجلال تلك الأرض ما هو بالخفي كلّ البلاد إذا ذكرت كأحرف ... في اسم المدينة لا خلا معناها هي للقلوب الصّافيات حبيبة ... ولأهلها والنّازلين رحيبة فاقت جميع الأرض فهي غريبة ... حاشا مسمّى القدس فهي قريبة منها ومكّة إنّها إياها ... فاجعل مزارك للثّلاث وظيفة وأمن بمكّة والمدينة خيفة ... فكلاهما تدع القلوب نظيفة لا فرق إلّا أنّ ثمّ لطيفة ... مهما بدت يجلو الظّلام سناها فافهم وأرجو أن تفيق وتفهما ... أمر الّذي هو قد سما فوق السّما إنّ الفضيلة حيث أصبح منهما ... جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها ... فمن العجائب مهجتي عنها سلت وهي الّتي بضريح أحمد فضّلت ... مثل العقود بقدر جوهرها غلت ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنّفس حين زكت زكا مأواها إنّي أقول فلا تكن ذا غيبة ... قف عند حجرته بموقف هيبة فاسأل فإنّك لن ترى ذا خيبة ... وبهذه ظهرت مزيّة طيبة فغدت وكلّ الفضل في معناها ... منها بدا للخلق واضح سنّة فعلى البلاد لها عظيمة منّة ... ولها خصائص فضلها ذو مكنة حتّى لقد خصّت بروضة جنّة ... الله شرّفها بها وحباها هي غير خافية لقلب مبصر ... فاغسل من الأهواء قلبك وانظر وابسط هناك الخدّ منك وعفّر ... ما بين قبر للنبيّ ومنبر حيّا الإله رسوله وسقاها
محروسة من كلّ رجز طارق ... ودخول دجّال وطعن لاحق فالمرء فيها ذو فؤاد واثق ... هذي محاسنها فهل من عاشق كلف شحيح باخل بنواها ... ربّي أدمني في حماية صونها ومتى هممت بغيبة عن عينها ... فاجعل مماتي قبل ساعة كونها إنّي لأرهب من توقّع بينها ... فيظلّ قلبي موجعا أوّاها يا خير مسئول وأكرم من دعي ... لا تقص عنها رحلتي وتودّعي فمن الخسار فراق ذاك الموضع ... ولقلّما أبصرت حال مودع إلّا رثت نفسي له وشجاها ... لا تجعلوا عنها الرّحيل صناعة إنّي أرى ذاك الرّحيل إضاعة ... وإذا أقمتم كان ذلك طاعة فلكم أراكم قافلين جماعة ... في إثر أخرى طالبين ثواها فيم التّرحّل في المدينة صونكم ... وبجاه خير الخلق يحصل عونكم فالخير مكثكم هناك وكونكم ... قسما لقد أذكى فؤادي بينكم جزعا وفجّر مقلتي ميّاها ... ضيّعتم والله كلّ جميلة عودوا فما خيراتها بقليلة ... ما لي إذا لم يقبلوا من حيلة إن كان يزعجكم طلاب فضيلة ... فالخير أجمعه لدى مثواها أو كان يدعوكم إلى أن ترحلوا ... جاه ينال فجاء أحمد أكمل أو نالكم ظلما فهذا المنهل ... أو خفتم ضرّا بها فتأمّلوا بركات بلغتها فما أزكاها ... فإذا امرؤ لكم يرتحل من شدّة فيها وعاش بها بأيسر بلغة ... فاقنع هناك ولو بأدنى لقمة أف لمن يبغي الكثير لشهوة ... لرفاهة لم يدر ما عقباها لا ترحلنّ لشهوة وتلذّذ ... وانظر إلى ذاك الحمى وتلذّذ وبما يقيم النّفس فاقنع واغتذ ... فالعيش ما يكفي وليس هو الذي يطغي النّفوس ولا خسيس مناها
قباها لا ترحلنّ لشهوة وتلذّذ ... وانظر إلى ذاك الحمى وتلذّذ وبما يقيم النّفس فاقنع واغتذ ... فالعيش ما يكفي وليس هو الذي يطغي النّفوس ولا خسيس مناها
لله من لم يكترث بمجاعة ... فيها وعاش بها ملازم طاعة ورأى المقام بها سنين كساعة ... يا ربّ أسأل منك فضل قناعة بيسيرها وتحصّنا بحماها ... هي نعمة فأفض عليّ نعيمها وتولّ زائرها وأرض مقيمها ... وأنا السّعيد إذا رزقت قدومها ورضاك عنّي دائما ولزومها ... حتّى توافي مهجتي أخراها سهّلت يا ربّي عليّ وصولها ... وحثثت نفسي أن تنال دخولها والنّفس تسأل يا كريم قبولها ... فأنا الّذي أعطيت نفسي سؤلها وقبلت دعوتها فيا بشراها ... إن كنت ذا صدق وصاحب همّة فاخدم حماه فليس ضائع خدمة ... وأقم فإنك لا تزال بنعمة بجوار أوفى العالمين بذمّة ... وأعزّ من بالقرب منه يباهى مع كلّ ركب أمّ طيبة فانفذ ... وبملء كفّ إن تيسّر فاغتذ وبكلّ عام في زيارته خذ ... من جاء بالآيات والنّور الّذي داوى القلوب من العمى فشفاها ... وله من الإسراء أشرف رتبة وهو الشّفيع لنا الكريم المنية ... وهو المكرّم باختصاص الرّؤية أولى الأنام بخطّة الشّرف الّتي ... تدعى الوسيلة خير من يعطاها كلّ المكارم هنّ طيّ بروده ... ولقد أضاء الكون عند وروده والبحر يقصر عن مواهب جوده ... إنسان عين الكون سرّ وجوده ياسين إكسير الحياة طاها ... كانت حمام الغار بعض حماته والذّئب في البيداء بعض دعاته ... ماذا أعدّد من جلالة ذاته حسبي فلست أفي ببعض صفاته ... ولو أن لي عدد الحصى أفواها حكم الشّفاعة في يديه وأمرها ... وغزالة نادته أذهب ضرّها والرّوح حين أتته شرّف قدرها ... كثرت محاسنه فأعجز حصرها فغدت وما نلقى لها أشباه ا



