— Bagian 46 · الباب الثالث عشر في معرفة بعض طغاة المنافقين الذ… —
Bagian 46
الباب الثالث عشر في معرفة بعض طغاة المنافقين الذين انضافوا إلى اليهود وبعض أمور دارت بين رسول الله ﷺ وبينهم سرد ابن إسحاق وجماعة أسماء المنافقين، وأنا ذاكر هنا بعض من نزل القرآن الكريم بكشف حاله، وأقدّم قبل ذلك معنى النّفاق. النفاق: اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو فعل المنافق الذي يستر كفره ويظهر إيمانه كما يتستّر الرجل بالنّفق الذي هو السّرب [ (١) ] ، فقيل هو اشتقاقه من هذا. وقيل من قولهم نافق اليربوع إذا دخل في قاصعائه وخرج من نافقائه وبالعكس. وذلك أن اليربوع له جحرة أربعة: النافقاء والقاصعاء والرّاهطاء والدّامّاء، فهو يرقّق أقصى النافقاء ويكتمها ويظهر غيرها. فإذا قصد من غيرها من الجحر ضرب النافقاء برأسه فانتفق منها أي خرج. وقيل: إنها نافذة بعضها إلى بعض، فمن أيّها قصد خرج من الأخرى. فكذلك المنافق يدخل في الإيمان من جهة ويخرج من جهة أخرى فاشتقاقه من فعل اليربوع. وقيل: اشتقاقه من صورة النافقاء لا من فعل اليربوع، وذلك أن النافقاء ظاهره مدخل وباطنه مخرج ومهرب، فكذا المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر، ومحل النفاق القلب. ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم بشر كثير ممّن أراد الله ﷿ هدايته. وانضاف إلى اليهود أناس من الأوس والخزرج ممن كان عسا في الجاهلية، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشّرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره، واجتماع قومهم عليه، فتظاهروا بالإسلام واتخذوه جنّة من القتل ونافقوا في السّرّ، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم برسول الله ﷺ وجحودهم الإسلام.
هرهم بظهوره، واجتماع قومهم عليه، فتظاهروا بالإسلام واتخذوه جنّة من القتل ونافقوا في السّرّ، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم برسول الله ﷺ وجحودهم الإسلام. وقد ذكر الله أخبارهم في سورة براءة وغيرها. فمن المنافقين: الجلاس- بجيم مضمومة فلام مخفّفة فألف فسين مهملة- ابن سويد بن الصامت. قال ابن إسحاق: وكان ممّن تخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. وروى ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعبد الرزاق، وابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عروة قالوا: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس: «والله لئن كان هذا الرجل صادقا [على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا] لنحن شر من الحمير» . فسمعها عمير بن سعد ﵁، وكان في حجر جلاس خلف على أمه بعد أبيه. فقال له عمير: «والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنه عندي يدا وأعزّه عليّ أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة
لئن رفعتها عليك- لأفضحنّك ولئن صمت ليهلكنّ ديني ولإحداهما أيسر عليّ من الأخرى» . فمشى إلى رسول الله ﷺ فذكر ما قال له جلاس. فأرسل رسول الله ﷺ إليه فحلف جلاس بالله لرسول الله ﷺ: «لقد كذب عليّ عمير وما قلت ما قال عمير. فقال عمير: «بل والله قلته فتب إلى الله تعالى، ولولا أن ينزل قرآن فيجعلني معك ما قلته» . فجاء الوحي إلى رسول الله ﷺ، فسكتوا لا يتحرك أحد. وكذلك كانوا يفعلون لا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن رسول الله ﷺ فقال: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة ٧٤] فقال [جلاس] : «قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب» . فقبل ذلك منه، وكان همّ أن يلحق بالمشركين. [وقال ابن سيرين لما نزلت هذه الآية:
التوبة ٧٤] فقال [جلاس] : «قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب» . فقبل ذلك منه، وكان همّ أن يلحق بالمشركين. [وقال ابن سيرين لما نزلت هذه الآية: أخذ النبي ﷺ بأذن عمير وقال] : «يا غلام وفت أذنك وصدّقك- ربّك» .
تنبيهات الأول: ذكر في سبب نزول هذه الآية شيء آخر: وهو قول عبد الله بن أبيّ في غزوة المر يسيع: «والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ» . فسعى بها زيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ. فأرسل خلف ابن أبيّ فحلف بالله ما قاله، فانزل الله تعالى الآية. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. وسيأتي بيان ذلك في غزوة المريسيع إن شاء الله تعالى. الثاني: روى محمد بن عمر عن عبد الحميد بن جعفر، أن الجلاس تاب وحسنت توبته، ولم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير، وكان ذلك مما عرفت به توبته. ومن المنافقين: نبتل- بنون مفتوحة فموحدة ساكنة ففوقية مفتوحة فلام- ابن الحارث، وكان رجلا جسيما، أدلم، ثائر شعر الرأس أحمر العينين، أسفع الخدّين، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث» . وروى ابن إسحاق عن بعض بني العجلان أنه حدّث أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال له: «إنه يجلس إليك رجل أدلم ثائر شعر الرأس أسفع الخدّين أحمر العينين كأنهما قدران من صفر، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين فأحذره» . وكانت تلك صفة نبتل بن الحارث يأتي رسول الله ﷺ فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين. وهو الذي قال لهم: «إنما محمد أذن، من حدّثه بشيء صدّقه» . فانزل الله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة ٦١] . تنبيه: في بيان غريب ما سبق: «الأدلم» [ (١) ] بدال مهملة: الأسود الطويل. «ثائر شعر الرأس» : منتشر الشعر. «أسفع الخدّين» [ (٢) ] : السّفعة- بالضّمّ: سواد مشرب بحمرة أو زرقة. «الصّفر» بضم الصاد المهملة وبالفاء: النّحاس. ومنهم: مربع- بميم مكسورة فراء ساكنة فموحدة مفتوحة فعين مهملة- ابن قيظيّ بقاف فتحتية فظاء معجمة مشالة- وهو الذي قال لرسول الله ﷺ حين أجاز في حائطه، ورسول الله ﷺ عامد إلى أحد: «لا أحل لك يا محمد إن كنت نبيا أن تمرّ في حائطي» . وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: «والله لو أعلم أني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به» . فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ: «دعوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» [ (٣) ] . ومنهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، وسلول هي أم أبيّ وهو أبيّ بن مالك العوفي أحد بني الحبلى. وكان رأس المنافقين وإليه يجتمعون، وهو الذي قال: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ» في غزوة بني المصطلق. وفي قوله ذلك نزلت سورة المنافقين بأسرها. وقدم النبي ﷺ المدينة وعبد الله بن أبيّ سعيد أهلها لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان، لم يجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين غيره حتى جاء الإسلام. وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ثم يملّكوه عليهم، فجاءهم الله ﷿ برسوله ﷺ وهم على ذلك فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن، ورأى إن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكا. فلما أن رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرّا على نفاق وضغن. وروى ابن إسحاق، والإمام أحمد، والشيخان عن أسامة بن زيد ﵄. قال: ركب رسول الله ﷺ حمارا عليه إكاف فوقه قطيفة فدكيّة مختطمة بحبل من ليف. قال: وأردفني رسول الله ﷺ خلفه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر،
ل الله ﷺ حمارا عليه إكاف فوقه قطيفة فدكيّة مختطمة بحبل من ليف. قال: وأردفني رسول الله ﷺ خلفه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر،
فمر بعبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم وهو في ظلّ أطم وفي مجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود في مجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمّر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه وقال: لا تغبّروا علينا. فسلّم رسول الله ﷺ ووقف فنزل فدعاهم إلى الله فقرأ عليهم القرآن وحذّر وبشّر وأنذر فقال له عبد الله بن أبي: «يا أيها المرء إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقّا فلا تؤذونا به في مجلسنا، وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه» . قال: فقال ابن رواحة: «بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فهو والله مما نحبّ» . فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتى سكتوا. فركب رسول الله ﷺ دابته حتى دخل إلى سعد بن عبادة، فقال له: «أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب» ؟ يريد عبد الله بن أبيّ. فقال سعد: «يا رسول الله اعف عنه واصفح فلقد أعطاك الله ما أعطاك، ولقد اجتمع أهل البحيرة على أن يتوّجوه فيعصبوه، فلما ردّ ذلك بالحق الذي أعطاك شرق، فذلك الذي فعل به ما رأيت» [ (١) ] . وعن أنس ﵁ قال: قلت: يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ؟ فانطلق إليه النبي ﷺ، فركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة. فلما أتاه رسول الله ﷺ، قال: إليك عنّي فوالله لقد أذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد- وفي لفظ بالحديد- والأيدي والنّعال، فبلغنا أنه أنزل فيهم وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما [الحجرات ٩] . رواه الشيخان. قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن أبيّ حين رأى من خلاف قومه ما رأى: متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذلّ ويصرعك الّذين تصارع وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وإن جذّ يوما ريشه فهو واقع
أبيّ حين رأى من خلاف قومه ما رأى: متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل ... تذلّ ويصرعك الّذين تصارع وهل ينهض البازي بغير جناحه ... وإن جذّ يوما ريشه فهو واقع ومنهم أبو عامر الفاسق واسمه: عبد عمرو بن صيفي بن النعمان الأوسي أحد بني ضبيعة بن زيد، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة. وكان أبو عامر قد ترهّب في الجاهلية ولبس المسوح، فكان يقال له الراهب. وكان شريفا مطاعا في قومه فشقي بشرفه وضرّه. ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه أبو عامر قبل أن يخرج إلى مكة فقال: يا محمد ما
هذا الدين الذي جئت به؟ فقال رسول الله ﷺ: «جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم» . قال: فإني عليها. فقال رسول الله ﷺ: «لست عليها [لأنك أدخلت فيها ما ليس منها] . قال: بل أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها. قال: «ما فعلت بل جئت بها بيضاء نقيّة» . فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب [منا] طريدا وحيدا. وإنما قال ذلك يعرّض برسول الله ﷺ حيث خرج من مكة. فقال رسول الله ﷺ: «نعم أمات الله الكاذب منا كذلك» . فكان ذلك هو عدوّ الله فخرج إلى مكة. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، خرج إلى الطائف فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات بها طريدا غريبا وحيدا [ (١) ] .
[المجلد الرابع] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
جماع أبواب المغازي التي غزا فيها رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة
الباب الأول في الإذن بالقتال ونسخ العفو عن المشركين وأهل الكتاب قال العلماء ﵃: أول ما أوحى إليه ربه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوّته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر ١، ٢] فبدأه بقوله: «اقرأ» . وأرسله بيا أيها المدثر، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم إنذار قومه، ثم إنذار من حولهم من العرب قاطبة، ثم إنذار من بلغته الدعوة من الجن والإنس إلى آخر الدهر، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكفّ والصّبر والصّفح، ثم أذن له في الهجرة، فلما استقرّ ﷺ بالمدينة، وأيّده الله تعالى بنصره وبعباده المؤمنين، وألّف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام: الأوس والخزرج، من الأسود، والأحمر، وبذلوا أنفسهم دونه، وقدّموا محبّته على محبّة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم. عادتهم العرب واليهود. روى البيهقيّ وغيره عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمّروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا في السّلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا الله ﷿، فأنزل الله ﵎: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور ٥٥] .
قال البيهقىّ: وفي مثل هذا المعنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل ٤١، ٤٢] ذكر بعض أهل التّفسير أنها نزلت في المعذّبين بمكة حين هاجروا إلى المدينة بعد ما ظلموا، فوعدهم الله تعالى في الدّنيا حسنة، يعني بها الرزق الواسع، فأعطاهم ذلك. فيروى، عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كان إذا أعطى الرجل عطاءه من المهاجرين يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله ﵎ في الدنيا، وما ادّخر لك في الآخرة أفضل. انتهى. وكانت اليهود والمشركون من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه فأمرهم الله ﵎ بالصّبر والعفو والصّفح، فقال ﵎: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران ١٨٦] أي قطعه قطع إيجاب وإلزام، وهو من التّسمية بالمصدر، أي من معزومات الأمور. وقال ﷿: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة ١٠٩] أي أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التَّوراة والإنجيل، فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، أي الإذن بقتالهم وضرب الجزية عليهم. وروى أبو داود وابن المنذر والبيهقي عن كعب بن مالك ﵁، قال: «كان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أشد الأذى، فأمرهم الله تعالى بالصبر على ذلك والعفو عنهم. وروى الشيخان وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن أسامة بن زيد ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب» [ (١) ] ، يتأوّل في العفو ما أمره الله تعالى به حتى أذن الله تعالى فيهم، فقتل من قتل من صناديد قريش.
ول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب» [ (١) ] ، يتأوّل في العفو ما أمره الله تعالى به حتى أذن الله تعالى فيهم، فقتل من قتل من صناديد قريش. قال العلماء: فلمّا قويت الشوكة واشتدّ الجناح أذن لهم حينئذ في القتال ولم يفرضه عليهم، فقال ﵎: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً. وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج ٣٩، ٤٠] .
أذن: رخّص وفي قراءة بالبناء للفاعل وهو الله. للذين يقاتلون المشركين وهم المؤمنون، والمأذون فيه محذوف، لدلالته عليه. وفي قراءة بفتح التاء، أي للذين يقاتلهم المشركون. بأنهم ظلموا: بسبب أنهم ظلموا أي بظلم الكافرين إيّاهم. وإنّ الله على نصرهم لقدير: وعدهم بالنّصر كما وعد بدفع أذى الكفّار عنهم. الّذين أخرجوا من ديارهم- يعني مكّة- بغير حقّ في الإخراج، ما أخرجوا إلّا أن يقولوا ربّنا الله وحده. وهذه القول حقّ في الإخراج بغير حق. ولولا دفع- وفي قراءة: دفاع- الله النّاس بعضهم- بدل بعض من النّاس- ببعض، بتسليط المؤمنين، على الكافرين. لهدمت- بالتّشديد للتكثير، وبالتّخفيف- صوامع للرّهبان وبيع للنّصارى وصلوات كنائس لليهود، وهي بالعبرانية «صلواتا» وقيل فيه حذف مضاف تقديره: مواضع صلوات، وقيل: المراد بتهديم الصّلوات تعطيلها. ومساجد للمسلمين يذكر فيها، أي في المواضع، اسم الله كثيرا وتنقطع العبادات بخرابها وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠] أي دينه. إنَّ الله لقويّ على خلقه، عزيز: منيع في سلطانه وقدرته.
الله كثيرا وتنقطع العبادات بخرابها وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج: ٤٠] أي دينه. إنَّ الله لقويّ على خلقه، عزيز: منيع في سلطانه وقدرته. قال العلماء: ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم. قال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة ١٩٠] يعني في قتالهم فتقاتلوا غير الذين يقاتلونكم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة حتى يكون الدين كله لله. وقال الله ﷿: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة ٣٦] أي جميعا كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً . وقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة ٢١٦] وكان محرّما، ثم صار مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، إمّا فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور. روى الإمام أحمد والترمذي، وحسنه، والنسائي وابن ماجة وابن حبان، عن ابن عباس وابن أبي شيبة: وعبد بن حميد، والبيهقي، عن مجاهد وابن عائذ وعبد الرزاق وابن المنذر عن الزهريّ، والبيهقيّ عن السدّيّ أن أول آية نزلت في القتال قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج ٣٩] . وروى الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطنيّ وتمّام عن أنس والأئمة عن أبي هريرة، وأبو داود الطيالسي والنسائي، وابن ماجة، والضياء عن أوس بن أوس الثّقفيّ، عن أبيه- قال الحافظ في الإصابة: والصواب أنه غير الذي قبله- والطبرانيّ عن جابر والنّسائيّ والبزار والطبراني عن النعمان بن بشير، وعن ابن عباس، وعن ابن مالك الأشجعيّ، عن أبيه، وعن أبي بكرة وعن سمرة، والإمام أحمد والخمسة عن عمر، والشيخان عن ابن
عمر، ومسلم والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة، وابن ماجة عن معاذ، ﵃ أجمعين: إن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويؤتوا الزّكاة، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وحسابهم على الله، قيل: وما حقها؟ قال: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس فيقتل بها» [ (١) ] . ثم كان الكفار معه ﷺ بعد الهجرة ثلاثة أقسام: قسم صالحهم، ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه. ثم من هولاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنه من كان يحب ظهور عدوّه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظّاهر وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن على نفسه من الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون، فعامل ﷺ كلّ طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه ﵎، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع وبني النّضير وبني قريظة، فنقض العهد الجميع، وكان من أمرهم ما سيأتي في الغزوات، وأمره الله ﷾ أن يقيم لأهل العقد والصلح بعدهم، وأن يوفّي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنبذ العهد، وأمره أن يقاتل من نقض عهده.
لصلح بعدهم، وأن يوفّي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنبذ العهد، وأمره أن يقاتل من نقض عهده. ولمّا نزلت سورة «براءة» نزلت ببيان هذه الأقسام كلّها، فأمره الله تعالى أن يقاتل عدوّه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في دين الإسلام، وأمره بجهاد الكفّار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسّنان، والمنافقين بالحجة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسم أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسم لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدّتهم، وقسم لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، وكان لهم عهد مطلق، فأمره أن يؤجّلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت الأربعة قاتلهم، وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[التوبة ٥] فالحرم هنا هي أشهر التّسيير، أولها يوم الأذان وهو العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر وليست هي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة ٣٦] فإِنَّ تلك واحد فرد وثلاثة سرد: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ولم يسيّر المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يمكن، لأنها غير متوالية وإنما هو أجّلهم أربعة أشهر. ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم، فقاتل الناقض لعهده، وأجّل من لا عهد له- أو له عهد مطلق- أربعة أشهر، وأمره أن يتمّ للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلّهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذّمة الجزية، فاستقرّ أمر الكفّار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:
عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلّهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل الذّمة الجزية، فاستقرّ أمر الكفّار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمّة، ثم آلت حال أهل العهد والصّلح إلى الإسلام، فصار الكفار قسمين: أهل ذمّة آمنون وأهل حرب وهم خائفون منه، وصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب. وأمر في المنافقين أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله ﵎، وأن يجاهدوهم بالعلم والحجّة، وأمره أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهي أن يصلّي عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر لهم فلن يغفر الله لهم. تنبيه: قال بعض الملحدين: إنما بعث ﷺ بالسّيف والقتل، والجواب: أنه ﷺ بعث أولا بالبراهين والمعجزات، فأقام يدعو الناس أكثر من عشر سنين فلم يقبلوا ذلك، وأصروا على الكفر والتكذيب، فأمر بالقتال وهو عوض العذاب الذي عذّب الله تعالى به الأمم السابقة لمّا كذّبت رسلهم.
الباب الثاني اختلاف الناس في عدد المغازي الذي غزا فيها النبي ﷺ بنفسه الكريمة، وفي كم قاتل فيها روى ابن سعد عن ابن إسحاق وابن عقبة وأبي معشر وعن شيخه محمد بن عمر الأسلمي عن جماعة سمّاهم قالوا: كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا فيها بنفسه سبعا وعشرين، وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ستّ وعشرون، ومن قال بذلك جعل غزوة خيبر ووادي القرى غزوة واحدة. وقيل: خمس وعشرون، وزعم الحافظ عبد الغني المقدسيّ أنه المشهور، وعزاه لابن إسحاق وابن عقبة وأبي معشر، والذي رواه عنهم ابن سعد ما سبق، وهو الصواب الذي جزم به أبو الفرج في «التّلقيح» والدّمياطيّ والعراقيّ وغيرهم. قال في المورد:
سحاق وابن عقبة وأبي معشر، والذي رواه عنهم ابن سعد ما سبق، وهو الصواب الذي جزم به أبو الفرج في «التّلقيح» والدّمياطيّ والعراقيّ وغيرهم. قال في المورد: وهذا الذي نقله المؤلف، أي الحافظ عبد الغني عن هؤلاء الأئمة الثلاثة لم يقع لي من نقله عنهم غير المؤلف، سرد أسماء الغزوات، وهي غزوة الأبواء ويقال لها: ودّان، ثم غزوة بواط، ثم غزوة سفوان، وهي بدر الأولى لطلب كرز بن جابر، ثم غزوة العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بني سليم بالكدر، ويقال لها: قرقرة الكدر، ثم غزوة السّويق، ثم غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمرّ ثم غزوة الفرع، من بحران بالحجاز، ثم غزوة بني قيقاع، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النّضير، ثم غزوة بدر الأخيرة وهي غزوة بدر الموعد، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بني المصطلق وهي المريسيع، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب وبني ثعلبة ثم غزوة عمرة القضاء، ثم غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطّائف، ثم غزوة تبوك، وفي بعض ذلك تقديم وتأخير عند بعض المحدثين، وسيأتي بيان ذلك مفصّلا مع ضبطه. قال ابن إسحاق، وابن سعد وابن حزم، وابن الأثير ﵏: قاتل النبي ﷺ في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق وهي المريسيع وخيبر والفتح وحنين والطّائف، ويقال: أنه ﷺ قاتل أيضا في بني النّضير ووادي القرى، والغابة. وقال ابن عقبة: قاتل في ثماني مواطن وأهمل عدّ قريظة، لأنه ضمهّا إلى الخندق لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره، عدّ الطائف وحنينا واحدة لكونها كانت في إثرها.
وروى مسلم عن بريدة بن الحصيب [ (١) ] رضي الله تعالى عنه قال: قاتل رسول الله ﷺ في ثمان غزوات قال النّوويّ: لعل بريدة أسقط غزوة الفتح ويكون مذهبه أنها فتحت صلحا- كما قال الشافعيّ وموافقوه- قلت: والتوجيه السابق أقعد. قال الحافظ أبو العباس الحراني ﵀ في الرد على ابن المطهر الرافض: لا يفهم من قولهم أنه ﷺ قاتل في كذا وكذا أنه قاتل بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله ﷺ، ولا يعلم أنه قاتل بنفسه في غزوة إلا في أحد فقط. قال: ولا يعلم أنه ضرب أحدا بيده إلا أبي بن خلف، ضربه بحربة في يده. انتهى. قلت: وعلى ما ذكره يكون المراد بقولهم: قاتل في كذا وكذا أنه ﷺ وقع بينه وبين عدوّه في هذه الغزوات قتال قاتلت فيها جيوشه بحضرته ﷺ، بخلاف بقيّة الغزوات، فإنه لم يقع فيها قتال أصلا، لكن نقل الحافظ في الفتح عن ابن عقبة أنه قال: قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان غزوات، وراجعت نسخة صحيحة في مغازي ابن عقبة ونصّه: ذكر مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها، قاتل في بدر إلى آخر ما ذكره ثم قال: وغزا رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة لم يكن فيها قتال. انتهى. ولم يذكر فيها أنه ﷺ قاتل بنفسه، فكأنها في بعض النسخ. وسيأتي في غزوة أحد إن رسول الله ﷺ رمى بقوسه حتى صارت شظايا، وأنه أعطى ابنته فاطمة ﵂ يوم أحد سيفه فقال: اغسلي دمه عنه، وفي حديث.... كنا إذا التقينا، كتيبة أو جيشا، أول من يضرب رسول الله ﷺ، رواه ... والغزوات الكبار الأمهّات سبع: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك.
.... كنا إذا التقينا، كتيبة أو جيشا، أول من يضرب رسول الله ﷺ، رواه ... والغزوات الكبار الأمهّات سبع: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن، ففي بدر كثير من سورة الأنفال، وفي أحد آخر آل عمران من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران ١٢١] إلى قبيل آخرها بيسير. وفي قصة الخندق وقريظة صدر سورة الأحزاب، وفي بني النّضير سورة الحشر. وفي قصة الحديبية وخيبر سورة الفتح، وأشير فيها إلى الفتح، وذكر الفتح في سورة النّصر، وتبوك في سورة براءة. وجرح منها رسول الله ﷺ في غزوة أحد فقط، وقاتلت معه الملائكة منها في بدر وحنين وأحد على خلاف في الثالثة يأتي تحقيقه في غزوتها. ونزلت الملائكة يوم الخندق فزلزلوا المشركين وهزموهم. ورمى بالحصباء في وجوه المشركين
فهربوا، فكان الفتح في غزوتين: بدر وحنين. وقاتل بالمنجنيق في غزوة واحدة وهي الطّائف. وتحصّن بالخندق في واحدة وهي الأحزاب، أشار به عليه سلمان الفارسي ﵁.
تنبيهات الأول: روى الخطيب البغداديّ في الجامع وابن عساكر في تاريخه عن زين العابدين علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي ﵁، قال: كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلّم السّورة من القرآن. ورويا عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزّهري المدنيّ قال: كان أبي يعلّمنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدّها علينا وسراياه، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. ورويا أيضاً عن الزهري قال: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة.
مغازي رسول الله ﷺ ويعدّها علينا وسراياه، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. ورويا أيضاً عن الزهري قال: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. الثاني: روى ابن إسحاق والإمام أحمد والشيخان عن عبد الله بن بريدة- بضم الموحدة وسكون التحتية- قال: قلت لزيد بن أرقم: كم غزا رسول الله ﷺ؟ قال: تسع عشرة، قلت: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة غزاة، قال الحافظ: تسع عشرة، والمراد الغزوات التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى بسند صحيح عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ أن عدد الغزوات إحدى وعشرون. وأصله في مسلم. فعلى هذا فات زيد بن أرقم ثنتان منها، ولعلهما الأبواء وبواط. وكان ذلك خفي عليه لصغره، ويؤيّد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ ذات العشيرة أو العسيرة اهـ. والعسيرة: الغزوة الثالثة. وأما قول ابن كثير: يحمل قول زيد على أنّ العشيرة أول ما غزاه هو، أي زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزاة غزاها وأنت معه؟ قال: العشيرة، فهو يحتمل أيضا، ويكون، قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك، أو عدّ الغزوتين واحدة كما سبق لموسى بن عقبة، وكذا وقع لغيره، عدّ الطائف وحنينا واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر: وتوسع ابن سعد فبلغ عدد المغازي التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه سبعا وعشرين، وتبع في ذلك شيخه محمد بن عمر، وهو مطابق لما عدّه ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السّهيليّ. وكأنّ الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيب قال: غزا رسول الله ﷺ أربعا وعشرين، ورواه يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق فزاد فيه أن سعيدا قال أولا: ثماني عشرة، ثم قال: أربعا وعشرين. قال الزهري: فلا أدري أوهم الشيخ أو كان شيئا سمعه. قال الحافظ ﵀: وحمله على ما ذكر يرفع الوهم ويجمع الأقوال.
الثالث: أول من صنّف في المغازي عروة بن الزبير أحد أئمة التّابعين، ثم تلاه تلميذاه: موسى بن عقبة، ومحمد بن شهاب الزهري. قال الإمام مالك ﵀: مغازي موسى بن عقبة أصحّ المغازي. وقول السهيليّ: إن مغازي الزّهريّ أول ما صنّف في الإسلام ليس كذلك. وأجمع الثلاثة، وأشهرها مغازي أبي بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطّلبيّ مولاهم المدني نزل العراق رحمه الله تعالى، وقد تكلم فيه جماعة وأثنى عليه آخرون. والمعتمد أنه صدوق يدلّس، وإذا صرح بالتحديث فهو حسن الحديث. قال الإمام الشافعي ﵀: من أراد أن يتبحّر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق، وقد اعتمد عليه في هذا الباب أئمة لا يحصون، ورواها عن جمع، ويقع عند بعضهم ما ليس عند بعض، وقد اعتمد أبو محمد عبد الملك بن هشام ﵀ على رواية أبي محمد زياد بن عبد الله بن الطفيل العامريّ البكّائيّ، بفتح الموحدة وتشديد الكاف- وهو صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، فرواها ابن هشام عنه وهذّبها ونقحها، وزاد فيها زيادات كثيرة، واعترض أشياء سلم له كثير منها، بحيث نسبت السيرة إليه.
ازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، فرواها ابن هشام عنه وهذّبها ونقحها، وزاد فيها زيادات كثيرة، واعترض أشياء سلم له كثير منها، بحيث نسبت السيرة إليه. وقد اعتنى بكتاب ابن هشام أئمة من العلماء، فشرح الإمام الحافظ أبو ذر الخشنيّ ﵀ غريب لغاته، وهو على اختصاره مفيد جدّا، وشرح الإمام أبو القاسم السّهيلي كثيرا من مشكلها، واختصره الحافظ الذهبيّ وسماه بلبل الرّوض، وأجحف في اختصاره الشمس محمد بن أحمد بن موسى الكفيريّ الدّمشقيّ والتّقيّ يحيى بن شيخ الإسلام الشّمس الكرمانيّ، وسماه كل منهما زهر الروض، والعلامة الشيخ عز الدين بن جماعة، وسماه «نور الرّوض» والعلامة جمال الدين محمد بن مكرّم صاحب «لسان العرب» ، ورأيت لبعض المحققين من السادة الحنفيّة حواشي مفيدة على هوامش نسخة من الروض نكّت عليه فيها كثيرا، وعلّق الحافظ علاء الدّين مغلطاي رحمه الله تعالى على الروض والسيرة كتابا في مجلدين رأيته بخطه تعقّب فيه السهيليّ كثيرا في النّقل، وذكر شرح كثير من غريب السيرة الذي أخلّ به، وهو شيء كثير، واختصره العلامة المرجانيّ وسماه روائح الزهر. ولأبي أحمد محمد بن عايذ- بالتحتية، والذال المعجمة- القرشيّ الدمشقيّ الكاتب كتاب كبير في ثلاثة مجلدات، فيه فوائد ليست في كتاب ابن هشام. ولأبي عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي البغدادي كتاب جليل جمع فيه غالب الروايات عن ابن إسحاق مع زوائد كثيرة، ولأبي عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلميّ الواقدي رحمه الله تعالى كتاب كبير في المغازي أجاد فيه، وهو وإن وثّقه جماعة وتكلم فيه آخرون، فالمعتمد أنه متروك، ولا خلاف
حمد بن عمر بن واقد الأسلميّ الواقدي رحمه الله تعالى كتاب كبير في المغازي أجاد فيه، وهو وإن وثّقه جماعة وتكلم فيه آخرون، فالمعتمد أنه متروك، ولا خلاف
أنه كان من بحور العلم ومن سعة الحفظ بمكان، وقد نقل عنه في هذا الباب أئمة من العلماء، منهم الحافظان: أبو نعيم الأصفهانيّ وأبو بكر البيهقي رحمهما الله تعالى في دلائلهما. ومن المتأخرين الحافظ ابن كثير ﵀ في السيرة النبوية من تاريخه، والحافظ ﵀ في الفتح وغيره، وشيخنا ﵀ في الخصائص الكبرى، فاقتديت به، ونقلت عنه ما لم أجده عند غيره. ثم رأيته ذكر في غزوة الحديبية عن المقداد بن الأسود ﵁ شيئا، والمشهور أنّ المقداد قاله في غزوة بدر، ولم أر أحدا من أصحاب المغازي التي وقفت عليها ذكره في غزوة الحديبية فأعرضت عن النقل عنه، ثم بعد ذلك رأيت أبا بكر بن أبي شيبة رواه في المصنّف من غير طريق الواقديّ، عن عروة بن الزبير، فاستخرت الله تعالى في النقل عنه، وذكر بعض فوائده فإنه كما قال الحافظ أبو بكر الخطيب: ممّن انتهى إليه العلم بالمغازي في زمانه، وليس في ذلك شيء يتعلق بالحلال والحرام، بل أخبار عن مغازي رسول الله ﷺ وسرايا أصحابه ترتاح لها قلوب المحبين، وألّف العلماء في هذا الباب كتبا لا يحصيها إلا الله تعالى سأذكر النقل ممّا وقفت عليه النقل منها. الرابع: قال الشيخ رحمه الله تعالى في فتاويه: الغالب على سيرة أبي الحسن البكريّ البطلان والكذب، ولا تجوز قراءتها. انتهى. قلت: والبكريّ هذا اسمه أحمد بن عبد الله بن محمد. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في كتابه الميزان، والحافظ ابن حجر في اللسان: إنه كذّاب دجّال، واضع القصص التي لم تكن قطّ، فما أجهله وما أقلّ حياءه، وما روى حرفا من العلم بسند، ويكرى له في سوق الكتبيّين كتاب انتقال الأنوار، ورأس الغول، وسرّ الدّهر، وكتاب كلندجه، وحصن الدّولاب، وكتاب الحصون السبعة وصاحبها هضام بن الحجاف وحروف الإمام عليّ معه. ومن مشاهير كتبه: الذّروة في السيرة النبوية، ما ساق غزوة منها على وجهها، بل كل ما يذكره لا يخلو من بطلان، إما أصلا، وإما زيادة. انتهى.
لإمام عليّ معه. ومن مشاهير كتبه: الذّروة في السيرة النبوية، ما ساق غزوة منها على وجهها، بل كل ما يذكره لا يخلو من بطلان، إما أصلا، وإما زيادة. انتهى. وقال الذهبي في «المغني» : البكريّ هذا لا يوثق بنقله وهو مجهول الحال، والقلب يشهد بأنه كذاب، لإتيانه بتلك البلايا الواضحة التي لا تروج على صغار الطلبة. الخامس: المغازي جمع مغزى، والمغزى يصلح أن يكون مصدرا، فقول: غزا يغزو غزوا ومغزى، ومغزاة، ويصلح أن يكون موضع الغزو. وكونه مصدرا متعيّن. هنا. والغزوة مرّة من الغزو وتجمع على غزوات. وقال ابن سيده رحمه الله تعالى في المحكم: غزا الشيء غزوا إذا أراده وطلبه. والغزو: السّير إلى القتال مع العدو. عن ثعلب ﵀: الغزوة المرّة، والغزاة: عمل سنة وقال الجوهري ﵀: غزوت العدوّ غزوا والاسم الغزاة، ورجل غاز والجمع غزاة، مثل قاض
وقضاة، وغزّى مثل سابق وسبّق. وغزيّ مثل حاجّ وحجيج، وقاطن وقطين وغزّاء مثل فاسق وفسّاق، وأغزيت فلانا: جهّزته للغزو، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام: مقصده. اهـ. والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبي ﷺ بنفسه، أو بجيش من قبله، وقصدهم أعمّ من أن يكون إلى بلادهم، أو إلى الأماكن التي حلّوها، حتى دخل، مثل أحد والخندق.
الباب الثالث في غزوة الأبواء وهي ودان قال أبو عمرو: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة باقي ربيع الأول، الشهر الذي قدم فيه، وباقي العام كله إلى صفر، من سنة اثنتين من الهجرة، ثم خرج غازيا في صفر، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء أبيض، واستعمل على المدينة فيما قال أبو سعد وأبو عمر: سعد بن عبادة، وخرج بالمهاجرين ليس منهم أنصاريّ يعترض عيرا لقريش فلم يلق كيدا، ووادع بني ضمرة بن عبد مناة بن كنانة وعقد ذلك معه سيدهم. قال ابن إسحاق وابن سعد وأبو عمرو: جمع محشي بن عمرو الضّمري، وقال ابن الكلبي: عمارة بن محشيّ بن خويلد بن عبد فهم بن يعمر بن عوف بن جديّ بن ضمرة، كذا ذكر الأمير أبو نصر في جديّ- بضم الجيم وفتح الدال- وكذ قال ابن حزم في الجمهرة إنه عمارة بن محشيّ، فالله أعلم- ووادعهم على ألا يغزوا بني ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعا ولا يعينوا عليه عدوّا، وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النّصرة على من رامهم إلّا أن يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة. وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله، ولهم النصر على من برّ منهم واتّقى» . ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة وهي أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة.
سوله، ولهم النصر على من برّ منهم واتّقى» . ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة وهي أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة.
تنبيه في بيان غريب ما سبق: الأبواء- بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمدّ- قرية بين مكة والمدينة، قيل سميت بذلك لما فيها من الوباء ولو كان كما ذكر لكانت الأوباء، أو يكون مقلوبا منه، والصحيح أنها سميت بذلك لتبوئ السيول بها، قاله ثابت بن قاسم. ودّان- بفتح الواو وتشديد الدال المهملة في آخره نون- وهي قرية جامعة من عمل الفرع. وادعته: صالحته. مخشيّ- بفتح الميم وإسكان الحاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة كياء النسّب- لم أر من ذكر له إسلاما. لم يلق كيدا: أي حربا. ما بل بحر صوفة، أي ما دام في البحر ما يبلّ الصّوفة. ذمّة الله- بكسر الذال المعجمة- أمانة.
الباب الرابع في غزوة بواط خرج إليها رسول الله ﷺ في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره- قاله ابن سعد وغيره، وقال أبو عمرو وابن حزم: في ربيع الآخر- في مائتين من المهاجرين، وحمل لواءه- وكان أبيض- سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة- قال ابن سعد- سعد بن معاذ وقال ابن هشام، وأبو عمرو: السّائب بن عثمان بن مظعون، وتابعهما على ذلك في العيون والإشارة والمورد، يعترض عيرا لقريش وكان فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطا، ولم يلق كيدا، فرجع إلى المدينة. بواط- بضم الموحدة وفتحها وتخفيف الواو وبالطاء المهملة-: جبل من جبال جهينة من ناحية رضوى- بفتح الراء وسكون الصاد المعجمة- جبل بينبع، بينه وبين المدينة أربعة برد. تنبيه: قال في الروض: ذكر ابن هشام استخلاف رسول الله ﷺ على المدينة السائب بن مظعون، وهو أخو عثمان بن مظعون بن حبيب، ثم قال: وأما السائب بن عثمان وهو ابن أخي هذا فشهد بدرا ... إلخ. فاقتضى كلامه أن المستخلف السّائب بن مظعون لا السائب بن عثمان بن مظعون، وفيه نظر، لأن الموجود في نسخة السّيرة: السائب بن عثمان بن مظعون.
درا ... إلخ. فاقتضى كلامه أن المستخلف السّائب بن مظعون لا السائب بن عثمان بن مظعون، وفيه نظر، لأن الموجود في نسخة السّيرة: السائب بن عثمان بن مظعون.
الباب الخامس في غزوة سفوان ... وهي بدر الأولى قال ابن إسحاق: لم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشرة. وقال ابن حزم: بعدها بعشرة أيام خرج رسول الله ﷺ في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا ... من مهاجره، في إثر كرز بن جابر الفهري، لإغارته على سرح المدينة، وكان يرعى بالجماء ونواحيها، وحمل لواءه ﷺ علي بن أبي طالب ﵁، وكان أبيض، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، فطلب ﷺ كرزا حتى بلغ سفوان من ناحية بدر، فلم يدركه، فرجع ولم يلق كيدا.
تنبيهان الأول: ذكر ابن سعد وزرّ بن حبيش وغيرهما هذه الغزوة قبل العشيرة، وذكرها ابن إسحاق بعدها. الثاني: كرز- بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي- كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، ثم أسلم بعد ذلك واستشهد في غزوة الفتح. الفهريّ بكسر الفاء. سفوان- بفتح السين المهملة والفاء وفي آخره نون-: واد معروف. السّرح- بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات-: الإبل والمواشي التي تسرح للرّعي بالغداة. الجمّاء- بجيم مفتوحة فميم مشدّدة فألف تأنيث-: موضع بالمدينة.
الباب السادس في بيان غزوة العشيرة خرج إليها رسول الله ﷺ فيما قال ابن سعد في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره. وقال ابن إسحاق وابن حزم وغيرهما: في جمادى الأولى، وحمل لواءه- وكان أبيض- حمزة بن عبد المطلب ﵁، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وخرج في مائة وخمسين، ويقال في مائتين، ممّن انتدب، ولم يكره أحدا على الخروج. وخرجوا في ثلاثين بعيرا يعتقبونها، يعترض عيرا لقريش، وكان قد جاءه الخبر بفصول العير من مكة تريد الشّام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير فبلغ العشيرة ببطن ينبع، فوجد العير قد مضت قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام، وكان سببها وقعة بدر الكبرى. قال أبو عمرو: أخذ ﷺ على طريق ملل إلى العشيرة، فأقام هناك بقيّة جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم، من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، قالوا: وفيها كنى رسول الله ﷺ عليّا أبا تراب، ويأتي الكلام على ذلك مبسوطا في الحوادث. العشيرة: بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وسكون التحتية وبالهاء ويقال العسيرة بإهمال السين، وذات العشيرة والعشير، وهو موضع ببطن ينبع، وهو منزل الحاج المصريّ.
العين المهملة وفتح الشين المعجمة وسكون التحتية وبالهاء ويقال العسيرة بإهمال السين، وذات العشيرة والعشير، وهو موضع ببطن ينبع، وهو منزل الحاج المصريّ.
الباب السابع في بيان غزوة بدر الكبرى ويقال لها: العظمى، وبدر القتال، ويوم الفرقان، كما رواه ابن جرير وابن المنذر، وصحّحه والحاكم عن ابن عباس، قال: لأن الله تعالى فرّق فيه بين الحق والباطل. وهي الوقعة العظيمة التي أعزّ الله ﵎ بها الإسلام، ودفع الكفر وأهله، وجمعت الآيات الكثيرة والبراهين الشهيرة، وليحقق الله تعالى ما وعدهم من إحدى الطائفتين، وما أخبرهم به من ميلهم إلى العير دون الجيش، ومجيء المطر عند الالتقاء، وكان للمسلمين نعمة وقوة، وعلى الكفار بلاء ونقمة. وإمداد الله تعالى المؤمنين بجند من السماء حتى سمعوا أصواتهم حين قالوا: أقدم حيزوم، ورأوا الرؤوس تتساقط من الكواهل من غير قطع ولا ضرب، وأثر السّياط في أبي جهل وغيره، ورمى رسول الله ﷺ المشركين بالحصا والتّراب حتى عمّت رميته الجميع، وتقليل المشركين في أعين المسلمين، ليزيل عنهم الخوف، ويشجعهم على القتال، وإشارة المصطفى ﷺ إلى مصارع المشركين بقوله: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فرأى المسلمون ذلك على ما أشار إليه ﷺ وذكره، وقوله لعقبة بن أبي معيط: إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرا، فحقق الله تعالى ذلك، وإخبار عمه العباس بما استودع أم الفضل من الذهب، فزالت شبهة العباس في صدقه وحقيقة نبوته، فازداد بصيرة ويقينا في أمره، وتحقيق الله ﵎ وعده للمؤمنين، إذ يقول: إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال ٧٠] فأعطى العبّاس بدل عشرين أوقية عشرين غلاما يتّجرون له بماله. واطلاع الله تعالى رسوله على ائتمار عمير بن وهب وصفوان بن أمية بمكة على قتله ﷺ، فعصمه الله تعالى من ذلك وجعله سببا لإسلام عمير بن وهب، وعاد إلى مكة داعيا إلى الإسلام. إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسول الله ﷺ، وأراها من معه من المؤمنين فزادتهم بصيرة ويقينا.
ن وهب، وعاد إلى مكة داعيا إلى الإسلام. إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات التي أعطاها الله لرسول الله ﷺ، وأراها من معه من المؤمنين فزادتهم بصيرة ويقينا. وردّ عين قتادة بعد ما سالت عن خدّه، والصحيح أن ذلك كان في أحد. وكانت غزوة بدر الكبرى أكرم المشاهد. والسبب في خروج النبي ﷺ إليها أنه سمع إن أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في ألف بعير لقريش، فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشيّ ولا قرشيّة له مثقال فصاعدا إلا بعث به في العير، فيقال: إن فيها خمسين ألف دينار، ويقال أقلّ. وفيها سبعون رجلا كما ذكر ابن عقبة وابن عائذ. وقال ابن إسحاق: ثلاثون أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص، وأسلما بعد ذلك، وهي التي خرج لها حتى بلغ العشيرة فوجدها قد مضت. وندب المسلمين
للخروج معه وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا، لعل الله تعالى أن يغنمكموها، فانتدب الناس، فخفّ بعض، وثقل بعض، وتخلف عنه بشر كثير، وكان من تخلف لم يلم، وذلك أنهم لم يظنّوا إن رسول الله ﷺ يلقى حربا، ولم يحتفل لها رسول الله ﷺ احتفالا بليغا، فقال: من كان ظهره حاضرا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علوّ المدينة، قال: لا، ألا من كان ظهره حاضرا، وحمل سعد بن عبادة ﵁ على عشرين جملا، وبعث رسول الله ﷺ قبل خروجه من المدينة بعشر ليال طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام، يتحسّسان خبر العير، فبلغا أرض الخوار، بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة وبالراء- فنزلا على كثيّر بن مالك الجهني ﵁ فأجارهما، وأنزلهما وكتم عليهما حتى مرّت العير، ثم خرجا، وخرج معهما كثيّر خفيرا، حتى أوردهما ذا المروة، فقدما ليخبرا رسول الله ﷺ فوجداه قد خرج. ولما أخذ رسول الله ﷺ ينبع أقطعها لكثيّر، فقال: يا رسول الله، إنّي كبير ولكن اقطعها لابن أخي، فأقطعه إياها، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. رواه عمر بن شبة.
لله ﷺ ينبع أقطعها لكثيّر، فقال: يا رسول الله، إنّي كبير ولكن اقطعها لابن أخي، فأقطعه إياها، فابتاعها منه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. رواه عمر بن شبة. وأدرك أبا سفيان رجل من جذّام بالزّرقاء من ناحية معان، فأخبره أن رسول الله ﷺ قد كان عرض لعيره في بدايته، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير، وقد خالف عليهم أهل الطريق ووادعهم، فخرج أبو سفيان ومن معه خائفين للرّصد. ولما دنا أبو سفيان من الحجاز جعل يتحسّس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: إن محمدا قد استنفر لك ولعيرك، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ بعشرين مثقالا، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يجدع بعيره، ويحول رحله، ويشقّ قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، ويأتي قريشا، ويستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا ﷺ قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وفعل ما أمره به أبو سفيان.
ذكر منام عاتكة بنت عبد المطلب روى ابن إسحاق والحاكم والبيهقي من طريق عكرمة، عن ابن عباس وموسى بن عقبة، وابن إسحاق عن عروة، والبيهقي، عن ابن شهاب، قالوا: رأت عاتكة بنت عبد المطلب فيما يرى النائم- قبل مقدم ضمضم على قريش بثلاث ليال- رؤيا. فأصبحت عاتكة فأعظمتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، ليدخلنّ على قومك منها شرّ وبلاء! فقال: وما هي؟ قالت: لن أحدّثك حتى تعاهدني أنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحبّ، فعاهدها العبّاس، فقالت: رأيت أن رجلا أقبل على بعير فوق الأبطح، فصاح بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر، لمصارعكم في ثلاث، وصاح ثلاث صيحات فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم إن بعيره دخل به المسجد،
واجتمع إليه الناس، ثم مثل به بعيره فإذا هو علي رأس الكعبة، فصاح ثلاث صيحات فقال: انفروا يا آل غدر، لمصارعكم في ثلاث، ثم أرى بعيره مثل به على رأس أبي قبيس فقال: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم أخذ صخرة عظيمة، فنزعها من أصلها فأرسلها من رأس الجبل، فأقبلت الصخرة تهوي لها حسّ شديد، حتى إذا كانت في أسفل الجبل ارتضّت فما بقيت دار من دور قومك ولا بيت إلا دخل فيه فلقة، فقال العبّاس: والله إن هذه لرؤيا فاكتميها. قالت: وأنت فاكتمها، لئن بلغت هذه قريشا ليؤذوننا، فخرج العباس من عندها فلقي الوليد بن عتبة فتحدث بها، وفشا الحديث بمكّة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها. قال العبّاس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدثون لرؤيا عاتكة، فلما رآني قال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب: متى حدّثت فيكم هذه النّبيّة؟ قلت: وما ذاك؟ قال: رؤيا عاتكة. قلت: وما رأت؟ قال: ما رضيتم يا بني عبد المطلب أن يتنبّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم. ولفظ ابن عقبة: أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، إنا كنا وإياكم كفرسي رهان، فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الرّكب قلتم: منا نبيّ، فما بقي إلا أن تقولوا: منا نبيّة، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجلا منكم- وآذاه أشدّ الأذى- قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثّلاث ولم يكن من ذلك شيء كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العبّاس: فو الله ما كان منّي إليه كبير شيء، إلا أنّي جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئا. وعند ابن عقبة في هذا الخبر أنّ العبّاس قال لأبي جهل: هل أنت منته؟ فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك، فقال من حضرها: ما كنت جهولا يا أبا الفضل ولا خرقا، وكذلك قال ابن عائذ، وزاد: فقال العباس: مهلا يا مصفّر استه. ولقي العباس من عاتكة أذّى شديدا حين أفشى حديثها لهذا الفاسق.
جهولا يا أبا الفضل ولا خرقا، وكذلك قال ابن عائذ، وزاد: فقال العباس: مهلا يا مصفّر استه. ولقي العباس من عاتكة أذّى شديدا حين أفشى حديثها لهذا الفاسق. قال العباس: فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب ألا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول نساءكم وأنت تستمع، ثم لم يكن عندك كبير شيء مما سمعت، قلت: قد والله فعلت، ما كان منّي إليه كبير شيء، وأيم الله لأتعرّضنّ له، فإن عاد لأكفيكنّه قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنّي قد فاتني من عدو الله أمر أحبّ أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إني لأمشي نحوه أتعرّضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه
حديد اللسان حديد النّظر، قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ قال: فقلت في نفسي: ما له لعنه الله أكلّ هذا فرق من أن أشاتمه: قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت، ضمضم بن عمرو الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدّع بعيره، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش يا آل لؤي بن غالب، اللّطيمة اللّطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، والله ما أرى أن تدركوها، ففزعت قريش أشدّ الفزع، وأشفقوا من رؤيا عاتكة، فشغله ذلك عني، وشغلني عنه ما جاء من الأمر. وقالت عاتكة: ألم تكن الرؤيا بحقّ وجاءكم ... بتصديقها فلّ من القوم هارب فقلتم- ولم أكذب-: كذبت وإنّما ... يكذّبنا بالصّدق من هو كاذب
ما جاء من الأمر. وقالت عاتكة: ألم تكن الرؤيا بحقّ وجاءكم ... بتصديقها فلّ من القوم هارب فقلتم- ولم أكذب-: كذبت وإنّما ... يكذّبنا بالصّدق من هو كاذب فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ- أي الآتي في السّرايا- كلّا والله ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وكان جهازهم في ثلاثة أيام، ويقال: في يومين، وأعان قويّهم ضعيفهم وقال سهيل بن عمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عديّ، وحنظلة بن أبي سفيان يحضّون الناس على الخروج. وقال سهيل: يا آل غالب أتاركون أنتم محمدا والصّباة معه من شبّانكم، وأهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم، من أراد مالا فهذا مالي ومن أراد قوة فهذه قوّتي، فمدحه أمية بن أبي الصّلت بأبيات، ومشى نوفل بن معاوية إلى أهل القوة من قريش، فكلمّهم في بذل النفقة والحملان لمن خرج، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت، وأخذ من حويطب بن عبد العزّى مائتي دينار، ويقال: ثلاثمائة دينار، وقوي بها في السلاح والظهر، وحمل طعيمة بن عديّ على عشرين بعيرا، وقوّاهم وخلفهم في أهلهم بمعونة، ولم يتركوا كارها للخروج يظنون أنه في صفّ محمد وأصحابه، ولا مسلما يعلمون إسلامه، ولا أحدا من بني هاشم، إلا من لا يتّهمون، إلا أشخصوه معهم، وكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وطالب بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب في آخرين. وكان لا يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثا، ومشوا إلى أبي لهب فأبى أن يخرج أو يبعث أحدا. ويقال: إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة- وأسلم بعد ذلك- وكان قد ليط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره، على أن يجزي عنه بعثه، فخرج عنه وتخلف أبو لهب، منعه من الخروج رؤيا عاتكة فإنه كان يقول: رؤيا عاتكة كأخذ باليد، واستقسم أمية بن خلف، وعتبة، وشيبة، وزمعة بن الأسود، وعمير بن وهب، وحكيم بن حزام، وغيرهم، عند هبل بالآمر والنّاهي من الأزلام فخرج القدح النّاهي عن الخروج، فأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل بن هشام. ولما أجمع أمية بن خلف القعود وكان شيخا جليلا
جسيما ثقيلا- أتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا عليّ استجمر: فإنما أنت من النّساء، فقال: قبّحك الله وقبّح ما جئت به، ثم تجهّز وخرج مع الناس، وسبب تثبّطه ما سيأتي عند ذكر مقتله.
ذكر تبدي إبليس لقريش في صورة سراقة بن مالك قال ابن إسحاق وغيره: ولمّا فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، وخرجوا على الصّعب والذّلول، معهم القيان والدّفوف، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الدّماء، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، وكان ذلك يثنيهم فتبدّى لهم عدو الله إبليس لعنه الله في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني، وكان من أشراف بني كنانة فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعا في خمسين وتسعمائة مقاتل، وقيل: في ألف، ولم يتخلّف عنهم من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلّف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عديّ، فلم يخرج معهم منهم أحد، خرجوا من ديارهم كما قال الله ﵎: بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال ٤٧] . قال ابن عقبة وابن عائذ: وأقبل المشركون، ومعهم إبليس يعدهم أنّ بني كنانة وراءه قد أقبلوا لنصرهم، وأنّه لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال ٤٨] ، فلم يزل حتى أوردهم، ثم سلّمهم. وفي ذلك يقول حسان بن ثابت ﵁ من أبيات: سرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا دلّاهم بغرور ثمّ أسلمهم ... إنّ الخبيث لمن والاه غرّار وقال: إنّي لكم جار فأوردهم ... شرّ الموارد فيه الخزي والعار ثمّ التقينا فولّوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا
.. إنّ الخبيث لمن والاه غرّار وقال: إنّي لكم جار فأوردهم ... شرّ الموارد فيه الخزي والعار ثمّ التقينا فولّوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا قال في الإمتاع: فلما نزلوا بمرّ الظّهران نحر أبو جهل جزورا فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، ورأى ضمضم بن عمرو إن وادي مكة يسيل دما من أسفله وأعلاه، وكان مع المشركين مائتا فرس يقودونها وست مائة درع، ومعهم القيان يضربن بالدّفوف، ونحر لهم أول يوم خرجوا من مكة أبو جهل عشر جزائر، ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا- وأسلم بعد ذلك- ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر، فظلوا فيها وأقاموا بها، فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم منبّه ونبيه ابنا الحجّاج عشرا، ثم أكلوا من أزوادهم فلما وصلوا إلى الجحفة عشاء نزلوا هناك.
ذكر رؤيا جهيم بن الصلت روى البيهقي عن ابن شهاب وابن عقبة وعروة بن الزبير قالوا: لما نزلت قريش بالجحفة [ (١) ] كان فيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال: جهيم بن الصلت بن مخرمة- وأسلم بعد ذلك في حنين- فوضع جهيم رأسه فأغفى، ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف عليّ آنفا؟ قالوا: لا، إنك مجنون قال: قد وقف عليّ فارس آنفا، فقال: قتل أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وزمعة، وأبو البختري وأمية بن خلف، وعدّد رجالا ممّن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب في لبّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه، فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان، ورفع الحديث إلى أبي جهل فقال: قد جئتم بكذب المطّلب مع كذب بني هاشم.
بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمه، فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان، ورفع الحديث إلى أبي جهل فقال: قد جئتم بكذب المطّلب مع كذب بني هاشم.
ذكر خروج رسول الله ﷺ خرج رسول الله ﷺ من المدينة في رمضان. قال ابن سعد: يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت، وقال ابن هشام: لثمان ليال خلون من شهر رمضان، وضرب عسكره ببئر أبي عنبة- بكسر العين وفتح النون بلفظ اسم المأكول- وهي على ميل من المدينة. فعرض أصحابه، وردّ من استصغر منهم، فردّ عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن حضير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعمير بن أبي وقاص، فقال: ارجع، فبكى فأجازه، فقتل ببدر هو ابن ست عشرة سنة، وأمر أصحابه أن يستقوا من بئر السّقيا، وشرب من مائها، وصلّى عند بيوت السّقيا، ودعا يومئذ للمدينة فقال: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيّك دعاك لأهل مكة، وإنّي محمد عبدك ونبيك أدعوك لأهل المدينة، أن تبارك لهم في صاعهم ومدّهم وثمارهم، اللهم حبّب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخمّ، اللهم إني حرمت ما بين لا لابتيها كما حرّم إبراهيم خليلك مكة. وكان خبيب بن إساف ذا بأس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج منجدا لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة، فقال له رسول الله ﷺ: لا يصحبنا ألا من كان على ديننا فأسلم وأبلى بلاء حسنا، وراح عشيّة الأحد من بيوت السّقيا. وقال ﷺ حين فصل منها: اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك.
قال ابن إسحاق: ودفع الّلواء إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض، وبين يدي رسول الله ﷺ رايتان سوداوان: إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها: العقاب، وكان سنّه إذ ذاك عشرين سنة، وكانت الأخرى مع بعض الأنصار. وقال ابن سعد: كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب ابن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجزم بذلك في الهدى. قال أبو الفتح: والمعروف أن سعد بن معاذ كان يومئذ على حرس رسول الله ﷺ في العريش، وأن لواء المهاجرين كان بيد عليّ. قلت: العريش كان ببدر، والذي ذكره ابن سعد: كان في الطريق. واستخلف ابن أم مكتوم على الصلاة، وردّ أبا لبابة من الرّوحاء واستخلفه على المدينة، وكان عليه ﷺ درعه ذات الفضول، وتوشّح بسيف أهداه له سعد بن عبادة يقال له: العضب، وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرا فاعتقبوها، وكان رسول الله ﷺ وعلي وزيد بن حارثة- ويقال مرثد بن أبي مرثد- يعتقبون بعيرا، وقيل: وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة مولى النبي ﷺ على بعير، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا، ورفاعة وخلاد ابنا رافع بن مالك بن العجلان وعبيد بن يزيد بن عامر بن العجلان الأنصاريّون يعتقبون بعيرا، حتى إذا كانوا بالرّوحاء برك بعيرهم وأعيا، فهمّ بهم رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله برك علينا بكرنا، فدعا رسول الله ﷺ بماء فتمضمض وتوضّأ في إناء، ثم قال: «افتحا فاه» ففعلا فصبّه في فيه، ثم على رأسه وعنقه، ثم على حاركه وسنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه ثم قال: «اركبا» ، ومضى فلحقاه، وإن بكرهم لينفر بهم حتى إذا كانوا بالمصلّى في المدينة، وهم راجعون من بدر، برك عليهم فنحره خلّاد فقسم لحمه، وتصدّق به. رواه البزّار والطبراني. وروى الإمام أحمد وابن سعد عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعليّ زميلي رسول الله ﷺ، وكان إذا كانت عقبة رسول الله ﷺ قالا: اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما»
رسول الله ﷺ، وكان إذا كانت عقبة رسول الله ﷺ قالا: اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» قال في البداية والعيون: وهذا قبل أن يرد رسول الله ﷺ أبا لبابة من الرّوحاء. ثم كان زميلاه عليّا وزيدا. وقال ابن عقبة وابن إسحاق والذهبيّ وابن القيّم: كان زميلاه مرثد بن أبي مرثد الغنويّ، وعليّا وجعلوا زيدا مع حمزة كما تقدم، وكان معهم فرسان: فرس للمقداد بن الأسود يقال له: سبحة- بفتح السين المهملة وإسكان الموحدة وبالحاء المهملة ثم تاء تأنيث- وقيل: يقال له بعرجة- بموحدة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فراء فجيم مفتوحتين فتاء تأنيث- والبعرجة: شدّة
جري الفرس، وفرس الزبير بن العوام يسمى: السّيل ويقال: اليعسوب- بفتح المثناة التحتية فعين ساكنة مهملة فسين مضمومة مهملة كذلك فواو ساكنة فموحدة- ولابن سعد في رواية عن يزيد بن رومان قال: كان معهم ثلاثة، وزاد فرسا لمرثد بن أبي مرثد الغنويّ، يقال له: السّيل، واستعمل رسول الله ﷺ على المشاة- وهم في الساقة- قيس بن أبي صعصعة- واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول- وأمره حين فصل من بيوت السّقيا أن يعدّ المسلمين فوقف بهم عند بئر أبي عنبة فعدّهم، ثم أخبر رسول الله ﷺ بأنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، ففرح بذلك وقال: عدة أصحاب طالوت.
صل من بيوت السّقيا أن يعدّ المسلمين فوقف بهم عند بئر أبي عنبة فعدّهم، ثم أخبر رسول الله ﷺ بأنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، ففرح بذلك وقال: عدة أصحاب طالوت. وقال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص وهم بتربان: يا سعد انظر إلى الظبي ففوّق له بسهم، وقام رسول الله ﷺ فوضع ذقنه بين منكبي سعد وأذنيه، ثم قال: ارم، اللهم سدد رميته، فما أخطأ سهم سعد عن نحر الظبي، فتبسم رسول الله ﷺ، وخرج سعد يعدو فأخذه وبه رمق، فذكّاه وحمله، فأمر به رسول الله ﷺ، فقسّم بين أصحابه، وسار رسول الله ﷺ، حتى إذا كان بعرق الظّبية لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقالوا له: سلّم على رسول الله ﷺ، فقال: أوفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم، فسلّم عليه، ثم قال: إن كنت رسول الله ﷺ فأخبرني عمّا في بطن ناقتي هذه، فقال سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله ﷺ وأقبل عليّ فأنا أخبرك عن ذلك، قد نزوت عليها ففي بطنها منك سخلة. فقال رسول الله ﷺ: «مه، أفحشت على الرجل» ، ثم أعرض عن سلمة. ونزل رسول الله ﷺ سجسج وهي بئر الرّوحاء، ثم ارتحل منها حتى إذا كان بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النّازية، يريد بدرا، فسلك في ناحية فيها حتى إذا جزع واديا يقال له: الرّحقان بين النّازية وبين مضيق الصّفراء، ثم على المضيق، ثم انصبّ منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنيّ حليف بني ساعدة، وعديّ بن أبي الزغباء حليف بني النجار، إلى بدر يتحسّسان له الأخبار عن أبي سفيان. ولما سار رسول الله ﷺ صام يوما أو يومين، ثم نادى مناديه: يا معشر العصاة إني مفطر فأفطروا، وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذلك: أفطروا، فلم يفعلوا. ثم ارتحل رسول الله ﷺ، وقد قدمهم، فلما استقبل الصّفراء- وهي قرية بين جبلين- سأل عن جبليها:
فطروا، وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذلك: أفطروا، فلم يفعلوا. ثم ارتحل رسول الله ﷺ، وقد قدمهم، فلما استقبل الصّفراء- وهي قرية بين جبلين- سأل عن جبليها: ما اسماهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما: مسلح، وقالوا للآخر: مخرئ، وسأل عن أهلها فقيل: بنو النّار وبنو حراق، بطنان من بني غفار، فكرههما رسول الله ﷺ والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما، فتركهما رسول الله ﷺ والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له: ذفران، وجزع فيه ثم نزل، وأتاه الخبر بمسير قريش، ليمنعوا عيرهم، فاستشار
الناس، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم، وفي رواية: فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله ما نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة ٢٤] ولكن اذهب أنت ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، عن يمينك وشمالك، وبين يديك وخلفك، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه، فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وقال له خيرا ودعا له. وذكر موسى بن عقبة وابن عائذ: أن عمر قال: يا رسول الله: إنها قريش وعزّها، والله ما ذلّت منذ عزّت ولا أمنت منذ كفرت، والله لتقابلنّك، فأهّب لذلك أهبته، وأعدّ لذلك عدّته. انتهى. ثم استشارهم ثالثا ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، وذلك أنهم عدد الناس، فقام سعد بن معاذ، ﵁ وجزاه خيرا، فقال: يا رسول الله، كأنك تعرّض بنا. قال: أجل، وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فاستشارهم ليعلم ما عندهم، فقال سعد: يا رسول الله قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السّمع والطاعة، فامض لما أردت، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها ألّا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان- وفي رواية: برك الغماد من ذي يمن- لنسيرنّ معك، والله لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقي عدوّنا غدا، إنّا لصبر في الحرب، صدق في اللّقاء، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّبه عينك، ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك وشمالك، وبين يديك وخلفك،
ب، صدق في اللّقاء، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّبه عينك، ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك وشمالك، وبين يديك وخلفك، ولا نكوننّ كالذين قالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا معكما متّبعون فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسرّ بقول سعد، فقال رسول الله ﷺ: «سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» ، وكره جماعة لقاء العدو [ (١) ] . وروى ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان الله تعالى وعدهم إحدى الطائفتين، وكان أن يلقوا العير أحبّ إليهم وأيسر شوكة. وأحصى نفرا، فلما سبقت العير وفاتت
رسول الله ﷺ، سار رسول الله ﷺ بالمسلمين، يريد القوم، فكره القوم، مسيرهم لشوكتهم. وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لمّا سرنا يوما أو يومين قال لنا رسول الله ﷺ: «ما ترون في القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم» ؟ فقلنا: والله ما لنا طاقة بقتال القوم، ولكن أردنا العير، ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك، وذكر الحديث فانزل الله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال ٥] ثم ارتحل رسول الله ﷺ من ذفران فسلك ثنايا يقال لها: الأصافر، ثم انحطّ منها إلى بلد يقال له: الدّبّة، وترك الحنّان بيمين، وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟



