— Bagian 47 · ا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقف على شي… —
Bagian 47
ا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ: «إذا أخبرتنا أخبرناك» قال: أذاك بذاك؟ قال: «نعم» ، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بكذا وكذا، للمكان الذي فيه رسول الله ﷺ، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قريش، فلما فرغ من خبره قال: ممّن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ: «نحن من ماء» ، ثم انصرفا عنه، والشيخ يقول: ما من ماء، أمن ماء العراق؟ قال ابن هشام: ويقال ذلك الشيخ سفيان الضّمريّ. قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء ببدر، يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم، غلام بني الحجاج، وعريض- بفتح العين المهملة وكسر الراء ثم مثناة تحتية ساكنة ثم ضاد معجمة- كذا في النور، أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوا بهما، فسألوهما ورسول الله ﷺ قائم يصلّي، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان (وأصحاب العير) فضربوهما. فلمّا أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان (ونحن في العير) فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه ثم سلّم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنّهما لقريش، أخبراني عن قريش» ؟ قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى- والكثيب: العقنقل- فقال لهما رسول الله ﷺ: «كم القوم؟» قالا: كثير- قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال رسول الله ﷺ: القوم ما بين التّسعمائة والألف، ثم قال لهما رسول الله ﷺ: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا:
عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختريّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنّضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها. قال ابن عائذ: وكان مسيرهم وإقامتهم حتى بلغوا الجحفة عشر ليال. وكان بسبس بن عمرو، وعديّ بن أبي الزّغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى [تلّ] قريب من الماء، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، ومجديّ بن عمرو الجهنيّ على الماء، فسمع عديّ وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي لك. قال مجديّ: صدقت، ثم خلّص بينهما. وسمع ذلك عديّ وبسبس فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ، فأخبراه بما سمعا.
ذكر وصول أبي سفيان إلى قرب المدينة وحذره من رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق وغيره: وأقبل أبو سفيان بالعير وقد خاف خوفا شديدا، حتى دنوا من المدينة، واستبطأ ضمضم بن عمرو النّفير حتى ورد بدرا وهو خائف، فلما كانت الليلة التي يصبحون فيها على ماء بدر جعلت العير تقبل بوجوهها إلى ماء بدر، وكانوا باتوا من وراء بدر، آخر ليلتهم، وهم على أن يصبحوا بدرا، إن لم يعترض لهم، فما انقادت العير لهم حتى ضربوها بالعقل وهي ترجّع الحنين، فتواردا إلى ماء بدر وما بها إلى الماء من حاجة، لقد شربت بالأمس، وجعل أهل العير يقولون: هذا شيء ما صنعته معنا منذ خرجنا، وعشيتهم ظلمة تلك الليلة حتى ما يبصر أحد منهم شيئا. وتقدّم أبو سفيان أمام العير حذرا حتى ورد الماء فرأى مجديّ- بفتح الميم وإسكان الجيم فدال مهملة فياء ممدودة كياء النسب- ابن عمرو الجهنيّ فقال له: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره غير إني قد رأيت راكبين- يعني بسبسا وعديّا- قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتتّه فإذا فيه النّوى، فقال: هذه والله علائف يثرب.
خا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتتّه فإذا فيه النّوى، فقال: هذه والله علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع فسار ليلا ونهارا فرقا من الطلب. ولمّا رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش قيس بن امرئ القيس: إنكم إنما
خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجّاها الله، فارجعوا، فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا- وكان بدر موسما من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام- فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزر، ونطعم الطّعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها. وكره أهل الرأي المسير، ومشي بعضهم إلى بعض، وكان ممّن أبطأ بهم عن ذلك الحارث بن عامر، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وحكيم بن حزام، وأبو البختريّ، وعليّ بن أمية بن خلف، والعاص بن منبّه، حتى بكّتهم أبو جهل بالجبن، وأعانه عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث بن كلدة. وأجمعوا المسير. وقال الأخنس بن شريق- وكان حليف بني زهرة-: يا بني زهرة قد نجّى الله أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم أن تخرجوا في غير ضيعة، لا ما يقول هؤلاء، فرجعوا، وكانوا نحو المائة، ويقال: ثلاثمائة، فما شهدها زهريّ إلا رجلين هما عمّا مسلم بن شهاب الزهري، وقتلا كافرين. قال ابن سعد: ولحق قيس بن امرئ القيس أبا سفيان فأخبره مجيء قريش، فقال: وا قوماه! هذا عمل عمرو بن هاشم، يعني أبا جهل، واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعا معظّما، وأرادت بنو هاشم الرّجوع فاشتدّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
جهل، واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعا معظّما، وأرادت بنو هاشم الرّجوع فاشتدّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. قال ابن سعد: وكانت بنو عدي بن كعب مع النّفير، فلما بلغوا ثنيّة لفت عدلوا في السّحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا بني عديّ، كيف رجعتم، لا في العير ولا في النفير؟ قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع ويقال: بل لقيهم بمر الظّهران، ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي، ونزل رسول الله ﷺ والمسلمون بينهم وبين الماء رحلة، وغلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمىء المسلمون، وأصابهم ضيق شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس إليهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسول الله وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلّون مخبتين، فانزل الله تعالى تلك الليلة مطرا كثيرا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلّا طهّرهم الله به، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلّب الرمل، وثبّت الأقدام، ومهّد به المنزل،
وربط به على قلوبهم، ولم يمنعهم من السير، وسال الوادي فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الرّكاب، واغتسلوا من الجنابة، كما قال تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال ١١] . وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم فناموا، حتى إن أحدهم ذقنه بين يديه وما يشعر حتى يقع على جنبه. وروى أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ يصلّي تحت شجرة حتى أصبح. وروى عبد بن حميد عن قتادة قال: كان النعاس أمنة من الله، وكان النعاس نعاسين: نعاس يوم بدر ونعاس يوم أحد، وكانت ليلة الجمعة، وبين الفريقين قوز من الرمل. وبعث ﷺ عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود ﵄، فأطافا بالقوم، ثم رجعا فأخبراه أنّ القوم مذعورون، وأن السماء تسحّ عليهم وسار رسول الله ﷺ عشاء، يبادرهم الماء فسبقهم إليه، ومنعهم من السّبق إليه المطر، أرسله الله تعالى عليهم حتى جاء أدنى ماء من بدر، فنزل، فقال الحباب بن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل [أمنزلا] أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخرّ عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله، ليس هذا المنزل فانهض بالنّاس، حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء [ثم نقاتل القوم] فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرّأي» . وذكر ابن سعد أن جبريل نزل على النبي ﷺ فقال: الرأي ما أشار به الحباب،
أه ماء [ثم نقاتل القوم] فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرّأي» . وذكر ابن سعد أن جبريل نزل على النبي ﷺ فقال: الرأي ما أشار به الحباب، فنهض ﷺ ومن معه من الناس، حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه نصف الليل، ثم أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملأه ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله تعالى وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فلقد تخلّف عنك أقوام، يا نبي الله، ما نحن بأشدّ حبّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله ﷺ عريش على تلّ مشرف على المعركة، فكان فيه هو وأبو بكر وليس معهما غيرهما، وقام سعد بن معاذ ﵁ على بابه متوشّحا بالسّيف، ومشى رسول الله ﷺ في موضع المعركة، وجعل
يشير بيده: «هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، إن شاء الله، فما تعدّى منهم أحد موضع إشارته» . رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما [ (١) ] . وأصبح رسول الله ﷺ ببدر، وارتحلت قريش حين أصبحت، فأقبلت بحدّها وحديدها تحادّ الله ﷿، وتحادّ رسوله، وجاءوا على حرد قادرين، وعلى حميّة وغضب وحنق على رسول الله ﷺ وأصحابه، لما يريدون من أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرميّ وأصحابه والعير التي كانت معه، فجمعهم الله تعالى علي غير ميعاد، كما قال تعالى: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الأنفال ٤٢] فلما رآها رسول الله ﷺ تصوّب من العقنقل- وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي- فكان أول من طلع زمعة بن الأسود على فرس له يتبعه ابنه، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوّأ للقوم منزلا، فقال ﷺ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة» .
رسه يريد أن يتبوّأ للقوم منزلا، فقال ﷺ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة» . وقال ﷺ لما رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل أحمر: «إن يك في أحد من القوم خير فعند صاحب هذا الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا، يا عليّ ناد حمزة- وكان أقربهم من المشركين- من صاحب الجمل الأحمر؟» فقال: هو عتبة وهو ينهى عن القتال، ويأمر بالرجوع ويقول: يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة، وأبو جهل يأبى. وبعث خفاف- بضم الخاء المعجمة وفاءين- ابن إيماء- بهمزة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة وميم ممدودة- ابن رحضة- بفتح الراء والحاء المهملتين والضاد المعجمة- أو أبوه [إيماء بن رحضة الغفاريّ]- وأسلم الثلاثة بعد ذلك- إلى قريش بجزائر أهداها لهم مع ابنه وقال: إن أحببتم أن نمدّكم بسلاح ورجال فعلنا، فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك رحم، وقد قضيت الذي عليك، فلعمري لئن كنّا إنما نقاتل النّاس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله- كما يزعم محمد- فما لأحد بالله من طاقة. فلما نزل النّاس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ، منهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله ﷺ: «دعوهم، فما شرب منهم أحد إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل» ، وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجّاني يوم بدر. فلما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ- وأسلم بعد ذلك- فقالوا له: احزر لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا
أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر: أللقوم كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن رأيت- يا معشر قريش- البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما في العيش خير بعد ذلك فروا رأيكم. فبعثوا أبا سلمة الجشميّ فأطاف بالمسلمين على فرسه، ثم رجع فقال: والله ما رأيت جلدا ولا عدادا ولا حلقة ولا كراعا، ولكن رأيت قوما لا يريدون أن يؤوبوا إلى أهليهم، قوما مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، زرق العيون كأنّها الحصا تحت الحجف، فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فكلّمه ليرجع بالناس، وقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر فيه بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالنّاس، وتحتمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنما هو حليفي، فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظليّة فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره، يعني أبا جهل بن هشام، ثم قام عتبة خطيبا في الناس فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النّظر إليه، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون، إنى أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم، وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة، وأنتم تعلمون أني لست بأجبنكم.
تعرّضوا منه ما تريدون، إنى أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم، وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة، وأنتم تعلمون أني لست بأجبنكم. قال حكيم: فانطلقت حتى أتيت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيّئها- وعند ابن هشام يهنئها- فقلت له: يا أبا الحكم إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال، فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أنّ محمدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه، فقد تخوّفكم عليه، ثم بعث إلي عامر بن الحضرميّ فقال: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك، فقام عامر بن الحضرميّ فكشف عن استه، ثم صاح: وا عمراه وا عمراه؟ فحميت الحرب، وحقب أمر النّاس، واستوسقوا علي ما هم عليه من الشّر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة.
ولمّا بلغ عتبة قول أبي جهل: «انتفخ والله سحره» ، قال: سيعلم مصفّر استه من انتفخ سحره: أنا أم هو؟. ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر ببرد له على رأسه. وسلّ أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال له إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا؟. وذكر محمد بن عمر الأسلميّ والبلاذريّ وصاحب الإمتاع: أن قريشا لما نزلت بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ إليهم، يقول لهم: ارجعوا فإنه أن يلي هذا الأمر منّي غيركم أحب إلي من أن تلوه منيّ، وأن أليه من غيركم أحب إلي من أن أليه منكم فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصحا فاقبلوه، فو الله لا تنتصرون عليه بعد ما عرض من النّصح، فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن مكّننا الله منهم.
أليه منكم فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصحا فاقبلوه، فو الله لا تنتصرون عليه بعد ما عرض من النّصح، فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن مكّننا الله منهم. قال ابن عائذ: وقال رجال من المشركين لمّا رأوا قلة أصحاب رسول الله ﷺ: غرّ هؤلاء دينهم، منهم أبو البختريّ بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وذكر غيرهم لما تقالّوا أصحاب رسول الله ﷺ ظنّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، فانزل الله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٤٩] لا يغالب، ينصر من يستحق النصر وإن كان ضعيفا، فعزّته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه، أخبر تعالى أن النصر بالتوكّل عليه لا بالكثرة. وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذا فاربطوهم في الحبال ولا تقتلوا منهم أحدا فنزل: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [القلم ١٧] يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.
ذكر ابتداء الحرب وتهييج القتال يوم بدر ولما أصبح رسول الله ﷺ صفّ أصحابه قبل أن تنزل قريش، وطلعت قريش ورسوله الله ﷺ يصفّ أصحابه ويعدّلهم، كأنما يقوّم بهم القدح ومعه يومئذ قدح، يشير إلى هذا: تقدّم، وإلى هذا: تأخّر، حتى استووا، ودفع رايته إلى مصعب بن عمير، فتقدم حيث أمره رسول الله ﷺ أن يضعها، ووقف رسول الله ﷺ ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغرب، وجعل الشمس خلفه، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس، ونزل رسول الله ﷺ بالعدوة الشاميّة، ونزلوا بالعدوة اليمانية، فجاء رجل فقال: يا رسول الله: إني أرى أن نعلو الوادي، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى الوادي، وإني أراها بعثت بنصرك، فقال رسول الله ﷺ: «قد صففت صفوفي ووضعت رايتي، فلا أغيّر ذلك» ، ولما عدل
رسول الله ﷺ الصفوف تقدّم سواد بن غزيّة أمام الصف فدفع رسول الله ﷺ في بطنه وقال: «استو يا سواد» ، قال: يا رسول الله أوجعتني والذي بعثك بالحق، أقدني. فكشف ﷺ عن بطنه وقال: «استقد فاعتنقه وقبله» فقال: ما حملك على ما صنعت، فقال: حضر من أمر الله ما قد ترى، وخشيت أن أقتل فأردت أن أكون آخر عهدي بك، وأن أعتنقك. وخطب ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإني أحثّكم على ما حثّكم الله ﷿ عليه وأنهاكم عمّا نهاكم الله ﷿ عنه، فإن الله ﷿ عظيم شأنه، يأمر بالحقّ، ويحبّ الصّدق، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغي به وجهه وإن الصّبر في مواطن البأس ممّا يفرّج الله ﷿ به الهمّ، وينجّي به من الغمّ، وتدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبيّ الله يحذّركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطّلع الله ﷿ على شيءٍ من أمركم يمقتكم عليه، فإن الله ﷿ يقول: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر ١٠] انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته وأعزّكم بعد الذّلّة، فاستمسكوا به يرض به ربّكم عنكم، وأبلوا ربّكم في هذه المواطن أمرا، تستوجبوا الّذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإنّ وعده حقّ، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحيّ القيّوم، إليه ألجأنا ظهورنا وبه اعتصمنا، وعليه توكّلنا، وإليه المصير، يغفر الله لنا وللمسلمين» . وتعبّت قريش للقتال، والشّيطان لا يفارقهم.
الله الحيّ القيّوم، إليه ألجأنا ظهورنا وبه اعتصمنا، وعليه توكّلنا، وإليه المصير، يغفر الله لنا وللمسلمين» . وتعبّت قريش للقتال، والشّيطان لا يفارقهم. قال ابن سعد: وكان معهم ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، وكلهم من عبد الدار، وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، وكان رجلا شرسا سيّء الخلق فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضكم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطنّ قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض يريد بزعمه أن تبرّ يمينه- وفي لفظ: في جوف الحوض- فاتّبعه حمزة حتى قتله دون الحوض، حتى وقع فيه فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه. قال ابن سعد: وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على حقهم، ولم يزولوا، وشدّ عليهم عامر بن الحضرميّ، ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع- بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- ابن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرميّ. وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال: قتله حبّان بن عرقة- بفتح
عين مهملة- ابن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرميّ. وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال: قتله حبّان بن عرقة- بفتح
العين وكسر الراء، ويقال: بفتحها، فقاف مفتوحة- ويقال: عمير بن الحمام- بضم الحاء المهملة- قتله خالد بن الأعلم العقيلي- بضمّ العين. وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم فارموهم بالنّبل، ولا تسلّوا السيوف حتى يغشوكم واستبقوا نبلكم» . فقال أبو بكر: يا رسول الله قد دنا القوم وقد نالوا منّا، فاستيقظ رسول الله ﷺ وقد أراه الله تعالى إيّاهم في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، وكان ذلك تثبيتا لهم. وروى ابن إسحاق وابن المنذر عن حبّان بن واسع عن أشياخ من قومه: إن رسول الله ﷺ عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، ورجع إلى العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النّقع» . وخرج عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فضل من الصفّ دعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم: عوف ومعاذ ابنا الحارث- وأمهما عفراء- وعبد الله بن رواحة. قال ابن عقبة وابن سعد وابن عائذ: ولما طلب القوم المبارزة وقام إليهم الثلاثة استحى رسول الله ﷺ من ذلك، لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله ﷺ شاهد معهم، فأحبّ رسول الله ﷺ أن تكون الشوكة لبني عمه وقومه فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ما لنا بكم من حاجة، ثم نادوا، يا محمد أرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فناداهم رسول الله ﷺ: «ارجعوا إلى مصافّكم وليقم إليهم بنو عمّهم» . قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ- وكان عليّ معلما بصوفة بيضاء- فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيّكم إذ جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله» ، فلما قاموا ودنوا معهم قالوا: من أنتم؟ تكلّموا، فقال عبيدة: أنا عبيدة، وقال حمزة: أنا حمزة، وقال علي: أنا عليّ.
م إذ جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله» ، فلما قاموا ودنوا معهم قالوا: من أنتم؟ تكلّموا، فقال عبيدة: أنا عبيدة، وقال حمزة: أنا حمزة، وقال علي: أنا عليّ. قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة- وكان أسنّ القوم- عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة، بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه. وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا عليه واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه، ولما جاءوا به رسول الله ﷺ أضجعوه إلى جانب موقف النبي ﷺ، فأفرشه رسول الله ﷺ قدمه الشريفة، وقال عبيدة: يا رسول الله لو أن أبا طالب حيّ لعلم أني أحق بقوله: كذبتم وبيت الله نبزى ... محمّدا ولمّا نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله ﷺ: «أشهد أنك شهيد» . رواه الإمام الشافعي [ (١) ] وعن قيس بن عباد- بضم العين وتخفيف الموحدة- فقال: سمعت أبا ذرّ يقسم قسما: أن هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج ١٩] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، رواه الشيخان. وعن علي ﵁ قال: نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. قال عليّ: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله ﷿ يوم القيامة. وروى البخاري عن علي ﵁ قال: فينا نزلت هذه الآية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [ (٢) ] . قال أبو العالية: ولما قتل هؤلاء ورجع هؤلاء قال أبو جهل وأصحابه: لنا العزّى ولا عزّى لكم، نادى منادي رسول الله ﷺ: «الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» . رواه ابن أبي حاتم، وقلّل الله تعالى المشركين في أعين المسلمين، وقلّل المسلمين في أعين المشركين، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكلة جزور. قال ابن عتبة: وعجّ المسلمون إلى الله تعالى بالدعاء حين رأوا القتال قد نشب.
ذكر دعاء رسول الله ﷺ يوم بدر ونزول الملائكة لنصره قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى العريش، ومعه أبو بكر الصديق ﵁ ليس معه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربّه ما وعده من النصر، يقول فيما يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض» [ (٣) ] وأبو بكر ﵁ يقول: «يا رسول الله بعض مناشدتك ربّك، فإن الله منجز لك ما وعدك» . وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن عبد الله بن رواحة قال: «يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك، ورسول الله ﷺ أعظم من أن يشار عليه، وإن الله ﵎ أجلّ وأعظم من أن ينشد وعده» فقال رسول الله ﷺ: «يا بن
ن رواحة قال: «يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك، ورسول الله ﷺ أعظم من أن يشار عليه، وإن الله ﵎ أجلّ وأعظم من أن ينشد وعده» فقال رسول الله ﷺ: «يا بن
رواحة لأنشدنّ الله وعده، إن الله لا يخلف الميعاد» [ (١) ] . وروى ابن سعد وابن جرير عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا إلى النبي ﷺ لأنظر ما فعل، فإذا هو ساجد يقول: «يا حي يا قيّوم» ، لا يزيد عليهما، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثم ذهبت إلى القتال. ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك [ففتح الله عليه] [ (٢) ] . وروى البيهقي بسند حسن عن ابن مسعود ﵁ قال: ما سمعت مناشدا ينشد مقالة أشدّ مناشدة من رسول الله ﷺ لربّه يوم بدر، جعل يقول: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» ، ثم التفت كأنّ وجهه شقّه قمر، فقال: «كأنما أنظر إلى مصارع القوم العشية» [ (٣) ] . وروى البيهقي، عن ابن عباس وحكيم بن حزام، وإبراهيم التيميّ قالوا: لما حضر القتال رفع رسول الله ﷺ يديه يسأل الله النصر وما وعده، ويقول: «اللهمّ إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشّرك، وما يقوم لك دين» . وأبو بكر يقول له: «والله لينصرنّك الله وليبيّضنّ وجهك» . وخفق رسول الله ﷺ خفقة وهو في العريش، ثم انتبه فأنزل الله ﷿ ألفا من الملائكة مردفين عند أكناف العدوّ وقال رسول الله ﷺ: «أبشر يا أبابكر، هذا جبريل متعمّم بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيّب عني ساعة، ثم طلع على ثناياه النقع يقول: «أتاك نصر الله إذ دعوته» . [ (٤) ] . وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان في يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف، بربّه يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ،
بلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف، بربّه يقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ، فما زال يهتف بربّه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه وألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ردائه، فقال: يا نبي الله كفاك تناشد ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك» فانزل الله تعالى:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٩] فأمدّه الله تعالى بالملائكة [ (١) ] . وروى سعيد بن منصور عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلّهم، فركع ركعتين، وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله ﷺ في صلاته: «اللهم لا تودّع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم أنشدك ما وعدتني» [ (٢) ] . وروى البخاري والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم» ،
وروى البخاري والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم» ، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، لقد ألححت على ربّك [ (٣) ] . فخرج وهو يثب في الدّرع وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [القمر ٤٥، ٤٦] وأنزل الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال ٩] أي متتابعين يتبع بعضهم بعضا، وأنزل الله ﷿: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران ١٢٤] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [الأنفال ١٢] ، قال ابن الأنباري: وكانت الملائكة لا تعلم كيف تقتل الآدميّين فعلّمهم الله تعالى بقوله: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي الرّؤوس وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي مفصل. وروى أبو يعلى والحاكم والبيهقي عن علي رضي الله قال: بينما أنا أمتح من قليب بدر جاءت ريح شديدة ما رأيت مثلها قطّ، ثم ذهبت، ثم جاءت ريح شديدة لم أر مثلها قطّ إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، قال: فكانت الريح الأولى جبريل ﷺ، نزل في ألف من الملائكة، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله ﷺ، وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ﷺ، وأنا في الميسرة، فلما هزم الله تعالى أعداءه حملني رسول الله ﷺ على فرسه، فجمزت بي، فلما جمزت خررت على عنقها فدعوت ربّي فأمسكني، فلما استويت عليها طعنت بيدي هذه في القوم حتى خضبت هذا، وأشار إلى إبطه.
وروى البخاري والبيهقي عن ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه أداة الحرب» [ (١) ] . وروى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس عن رجل من بني غفار قال: حضرت أنا وابن عمّ لي بدرا ونحن على شركنا فإنا لفي جبل ننظر الوقعة على من تكون الدّبرة فننتهب، فأقبلت سحابة، فلما دنت من الجبل سمعنا فيها حمحمة وسمعنا فيها فارسا يقول: أقدم حيزوم، فأما صاحبي فانكشف قناع عليه، فمات، وأما أنا فكدت أهلك، ثم انتعشت بعد ذلك. وروى محمد بن عمر الأسلمي، عن أبي رهم الغفاريّ [ (٢) ] ، عن ابن عم له قال: بينا أنا وابن عمّ على ماء ببدر فلما رأينا قلّة من مع محمد وكثرة قريش قلنا: إذا التقت الفئتان عمدنا إلى عسكر محمد وأصحابه فانطلقنا نحو المجنّبة اليسرى من أصحابه، ونحن نقول: هؤلاء ربع قريش، فبينا نحن نمشي في الميسرة إذ جاءت سحابة فغشيتنا فرفعنا أبصارنا إليها، فسمعنا أصوات الرجال والسلاح، وسمعنا رجلا يقول لفرسه: أقدم حيزوم، وسمعناهم يقولون: رويدا تتامّ أمراكم. فنزلوا على ميمنة رسول الله ﷺ، ثم جاءت أخرى مثل ذلك، فكانت مع النبي ﷺ وأصحابه، فإذا هم على الضّعف من قريش، فمات ابن عمّي، وأما أنا فتماسكت، وأخبرت النبي ﷺ، وأسلمت. وروى مسلم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتدّ في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسّوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط فاخضرّ ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاريّ فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة» [ (٣) ] . وروى ابن إسحاق وإسحاق بن راهويه، عن ابن أسيد الساعديّ أنه قال بعد ما عمي: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشكّ فيه ولا أتمارى.
بن راهويه، عن ابن أسيد الساعديّ أنه قال بعد ما عمي: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشكّ فيه ولا أتمارى.
وروى الإمام أحمد والبزّار والحاكم برجال الصحيح، عن علي قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر، قيل لأحدنا: معك جبريل، وقيل للآخر: معك ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل يكون في الصف. روى إبراهيم الحربيّ، عن أبي سفيان بن الحارث قال: لقينا يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض وروى الحاكم وصححه البيهقي وأبو نعيم، عن سهيل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك، فيقع رأسه قبل أن يصل إليه. وروى البيهقي عن الرّبيع بن أنس قال: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممّن قتلوه بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق. وروى البيهقي وابن عساكر عن سهيل بن عمرو ﵁ قال: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، معلمين، يقتلون ويأسرون. وروى البيهقي عن خارجة بن إبراهيم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: من القائل يوم بدر من الملائكة: أقدم حيزوم؟ فقال جبريل: ما كل أهل السماء أعرف. وروى البيهقي عن حكيم بن حزام قال: لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بوادي خلص بجاد من السّماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا فوقع في نفسي إن هذا شيء أيّد به محمد ﷺ، فما كانت إلا الهزيمة، وهي الملائكة. وروى محمد بن عمر الأسلمي: أن رسول الله ﷺ قال يومئذ: «هذا جبريل يسوق الريح كأنّه دحية الكلبيّ، إنّي نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدّبور» . وروى محمد بن عمر الأسلمي وابن عساكر، عن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت يوم بدر رجلين: عن يمين النبي ﷺ أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشدّ القتال، ثم ثلّثهما ثالث من خلفه، ثم ربّعهما رابع أمامه. وروى ابن سعد عن حويطب بن عبد العزّى، قال: لقد شهدت بدرا مع المشركين فرأيت عبرا، رأيت الملائكة تقتتل وتأسر بين السماء والأرض.
، ثم ربّعهما رابع أمامه. وروى ابن سعد عن حويطب بن عبد العزّى، قال: لقد شهدت بدرا مع المشركين فرأيت عبرا، رأيت الملائكة تقتتل وتأسر بين السماء والأرض. وروى البيهقي عن السّائب بن أبي حبيش ﵁ إنه كان يقول: والله ما أسرني أحد من الناس، فيقال: فمن؟ فيقول: لمّا انهزمت قريش انهزمت معها فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباطا، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا، فنادى في العسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، حتى انتهى بي
إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا بن أبي حبيش من أسرك؟» فقلت: لا أعرفه، وكرهت أن أخبره بالذي رأيت، فقال: «أسرك ملك من الملائكة» . وروى محمد بن عمر الأسلمي والبيهقي، عن أبي بردة بن نيار ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ يوم بدر بثلاثة رؤوس فقلت له: يا رسول الله، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلاً أبيض طويلاً ضربه فأخذت رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك فلان من الملائكة» [ (١) ] . وروى البيهقي، عن ابن عباس قال: كان الملك يتصوّر في صورة من يعرفون من الناس يثبّتونهم، فيقول: إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيء، إلى غير ذلك من القول. وروى ابن راهويه وأبو نعيم والبيهقي بسند حسن عن ابن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون، مثل البجاد الأسود مبثوث، حتى امتلأ الوادي، فلم أشكّ أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم. وروى الإمام أحمد وابن سعد وابن جرير عن ابن عباس، والبيهقي عن علي ﵄، قال: كان الذي أسر العبّاس أبو اليسر [ (٢) ]- بالمثناة التحتية والسين المهملة- وكان رجلا مجموعا وكان العبّاس رجلا جسيما، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا اليسر كيف أسرت العبّاس؟» قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أعانك عليه ملك كريم» .
يسر كيف أسرت العبّاس؟» قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أعانك عليه ملك كريم» . وروى ابن سعد وأبو الشيخ عن عطية بن قيس قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من قتال بدر جاء جبريل على فرس أنثى أحمر، عليه درعه، ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك وأمرني ألّا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: «نعم، رضيت، فانصرف» [ (٣) ] . وروى أبو يعلى عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في غزوة بدر إذ تبسّم في صلاته، فلما قضى صلاته قلنا يا: رسول الله رأيناك تبسمت، قال: «مر بي ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إليّ فتبسّمت إليه» [ (٤) ] .
وروى البخاري عن رفاعة بن رافع الزّرقيّ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟» قلنا: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها. قال جبريل: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة [ (١) ] . وروى ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدرى من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربه. وروى ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى: مُرْدِفِينَ وقال: وراء كل ملك ملك. وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: متتابعين، أمدّهم الله تعالى بألف ثم بثلاثة، ثم أكملهم خمسة آلاف. وروى ابن إسحاق والبيهقي عن أبي واقد الليثيّ قال: إني لأتبع يوم بدر رجلا من المشركين لأضربه فوقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قتله. وروى البيهقي عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال: ما أدري كم يد مقطوعة أو ضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر، وقد رأيتها. وروى أبو نعيم عن أبي دارة قال: حدثني رجل من قومي من بني سعد بن بكر قال: إني لمنهزم يوم بدر إذ أبصرت رجلا بين يديّ منهزما، فقلت: ألحقه. فأستأنس به، فتدلّى من جرف ولحقته، فإذا رأسه قد زايله ساقطا، وما رأيت قربه أحدا. وروى الطبراني عن رفاعة بن رافع، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس قال: أمدّ الله تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين بألف، فكان جبريل في خمسمائة مجنّبة، وميكائيل في خمسمائة مجنّبة، وجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإنّي جار لكم، وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه- وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزع إبليس يده. ثم ولّى مدبرا وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، ألست تزعم أنك جار لنا، فقال: إني أرى ما لا ترون، إنّي أخاف الله، والله شديد العقاب، فذلك حين رأى الملائكة، فتشبّث به الحارث بن هشام، وأسلم بعد ذلك، وهو يرى أنه سراقة لما سمع كلامه، فضرب الشيطان في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يلوي، حتى سقط في البحر، ورفع يديه وقال: يا ربّ، موعدك الذي وعدتني، اللهم إني أسألك نظرتك
مه، فضرب الشيطان في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يلوي، حتى سقط في البحر، ورفع يديه وقال: يا ربّ، موعدك الذي وعدتني، اللهم إني أسألك نظرتك
إيّاي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فقال أبو جهل: يا معشر النّاس لا يهمّنّكم خذلان سراقة، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة وشيبة، فإنهم قد عجلوا. فو الّلات والعزّى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه بالحبال، ولا ألفينّ رجلا منكم قتل رجلا منهم، ولكن خذوهم أخذا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. ويروى أنهم رأوا سراقة بمكة بعد ذلك فقالوا له: يا سراقة أخرمت الصفّ، وأوقعت فينا الهزيمة، فقال: والله ما علمت بشيء من أمركم حتى كانت هزيمتكم، وما شهدت وما علمت، فما صدّقوه حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله تعالى فيه. فعلموا أنه كان إبليس تمثّل لهم. وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: بلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين فشقّ ذلك عليهم، فانزل الله تعالى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران ١٢٤، ١٢٥] فبلغ كرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم فلم يمددهم الله بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدّوا بألف من الملائكة. وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله مُرْدِفِينَ قال: متتابعين، أمدّهم الله تعالى بألف، ثم بثلاثة، ثم أكملهم بخمسة آلاف.
وا بألف من الملائكة. وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله مُرْدِفِينَ قال: متتابعين، أمدّهم الله تعالى بألف، ثم بثلاثة، ثم أكملهم بخمسة آلاف.
ذكر سيماء الملائكة يوم بدر وروى ابن سعد عن عباد بن حمزة بن الزبير قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يوم بدر ريطة صفراء قد اعتجر بها. وروى البيهقي عن ابن عباس قال: كان سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها على ظهورهم، ويوم خيبر عمائم حمرا. وروى الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً في قوله تعالى: مُسَوِّمِينَ قال: معلّمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم أحد عمائم حمر. وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر. وروى الطبراني بسند صحيح، عن عروة قال: نزل جبريل يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتجر بعمامة صفراء. وروى ابن إسحاق: حدثني من لا أتّهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.
وروى أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير إنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر وهم طير بيض عليهم عمائم صفر، وكان على رأس الزبير يومئذ عمامة صفراء من بين الناس، فقال النبي ﷺ: نزلت الملائكة على سيما أبي عبد الله، وجاء رسول الله ﷺ وعليه عمامة صفراء [ (١) ] . قال ابن سعد: وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر من نور، والصّوف من نواصي خيلهم، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إن الملائكة قد سوّمت فسوّموا، فأعلموا بالصّوف في مغافرهم وقلانسهم وكانت الملائكة على خيل بلق» .. وروى ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصّوف ليوم بدر، قال رسول الله ﷺ: «تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت، فهو أول يوم وضع الصوف» [ (٢) ] . وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن علي ﵁ قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنّا بها [ (٣) ] . وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: مُسَوِّمِينَ قال: بالعهن الأحمر. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتوا- أي الملائكة- مسوّمين فسوّم النبي ﷺ وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف. وروى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن سيماهم- أي الملائكة- يومئذ الصوف بنواصي خيلهم، وأذنّا بها، وأنهم على خيل بلق.
ذكر شعار المسلمين يومئذ روى البيهقي عن عروة قال: كان شعار المهاجرين يومئذ: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. وسمّى خيله خيل الله، وكذا قال ابن سعد، ويقال: كان شعار الجميع يومئذ: يا منصور أمت. وروى الحارث بن أبي أسامة، عن زيد بن علي، قال: كان شعار النبي ﷺ: «يا منصور أمت» ، ويقال: أحد أحد، ولما تنزّلت الملائكة للنصر، ورآهم رسول الله ﷺ حين أغفى إغفاءة، خرج رسول الله ﷺ من العريش في الدّرع، فجعل يحرّض الناس على القتال،
» ، ويقال: أحد أحد، ولما تنزّلت الملائكة للنصر، ورآهم رسول الله ﷺ حين أغفى إغفاءة، خرج رسول الله ﷺ من العريش في الدّرع، فجعل يحرّض الناس على القتال،
ويبشّر الناس بالجنة، ويشجّعهم بنزول الملائكة- والناس بعد على مصافّهم لم يحملوا على عدوّهم- حصل لهم السكينة والطّمأنينة، وقد حصل النّعاس الذي هو دليل على الطّمأنينة والثبات والإيمان، كما قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال ١١] . ولهذا قال ابن مسعود ﵁: النّعاس في المصافّ من الإيمان، والنّعاس في الصلاة من النّفاق.
ذكر التحام القتال ومقتل عمير بن الحمام ﵁ قال ابن إسحاق وغيره: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرّضهم فقال: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» . فقال- كما في صحيح مسلم [ (١) ] وغيره- عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهنّ: بخ بخ يا رسول الله، عرضها السموات والأرض؟! قال: «نعم» . قال: أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ وفي رواية قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قذف التّمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. وذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول: ركضا إلى الله بغير زاد ... إلّا التّقى وعمل المعاد والصّبر في الله على الجهاد ... وكلّ زاد عرضة النّفاد غير التّقى والبرّ والرّشاد قال ابن عقبة: فكان أول قتيل قتل من المسلمين، وقال ابن سعد: مهجع مولى عمر بن الخطاب.
على الجهاد ... وكلّ زاد عرضة النّفاد غير التّقى والبرّ والرّشاد قال ابن عقبة: فكان أول قتيل قتل من المسلمين، وقال ابن سعد: مهجع مولى عمر بن الخطاب.
مقتل عوف بن الحارث قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال: يا رسول الله: ممّ يضحك الربّ من عبده؟ قال: «غمسه يده في العدوّ حاسرا؟» فنزع درعا كانت عليه فألقاها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل ﵁. وقاتل رسول الله ﷺ يومئذ بنفسه قتالا شديدا، وكذلك أبو بكر ﵁، كما كانا في العريش يجاهدان بالدّعاء والتّضرع، ثم نزلا فحرّضا وحثّا على القتال، وقاتلا بأبدانهما، جمعا بين المقامين. روى ابن سعد، والفريابيّ، عن علي ﵁ قال: لما كان يوم بدر وحضر البأس أمّنا رسول الله ﷺ واتّقينا به، وكان أشدّ الناس بأسا يومئذ. وما كان أحد أقرب إلى المشركين
منه. وروى الإمام أحمد بلفظ: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ» . والنسائي بلفظ: «كنّا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ» .
ذكر دعاء أبي جهل على نفسه روى ابن إسحاق والإمام أحمد، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير- بالمهملتين مصغّرا- العذريّ وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل: «اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحن الغداة، اللهم من كان أحبّ إليك وأرضى عندك فانصره اليوم» . فكان هو المستفتح على نفسه، فانزل الله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال ١٩] .
ن كان أحبّ إليك وأرضى عندك فانصره اليوم» . فكان هو المستفتح على نفسه، فانزل الله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال ١٩] .
ذكر مقتل عدو الله أمية بن خلف روى البخاري عن ابن مسعود ﵁ عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا نزل بالمدينة مرّ على سعد، وكان سعد إذا مرّ بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة انطلق سعد معتمرا، فنزل على أميّة بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلّي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، وقد آويتم الصّباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنّك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنّك ما هو أشد عليك منه، طريقك إلى المدينة، فقال له أميّة: لا ترفع صوتك على أبي الحكم سيّد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة: فو الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه قاتلك» وفي لفظ: إنهم قاتلوك. قال: إيّاي؟! قال: نعم. قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعا شديدا وقال: والله ما يكذب محمد إذا حدّث. فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم ترى ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدا أخبرهم أنّهم قاتليّ. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية: والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال: أدركوا عيركم، فكره أميّة أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى يراك النّاس قد تخلّفت- وأنت سيّد أهل الوادي- تخلّفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني لأشترينّ أجود بعير بمكة. وعن ابن إسحاق أن عقبة بن أبي معيط أتى أمية بن خلف لمّا أجمع القعود، وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار وبخور، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا عليّ استجمر فإنما أنت من النساء، قال: قبّحك الله وقبّح ما جئت به، ثم
قال أمية: يا أمّ صفوان جهّزيني، قالت: يا أبا صفوان، أنسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟ قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا. فلما خرج أخذ لا يترك منزلا إلا عقل بعيره، فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر. وروى البخاري وابن إسحاق واللفظ له عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسمّيت حين أسلمت عبد الرحمن، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سمّاك به أبوك؟ فأقول: نعم، فيقول: إني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: وكان إذا دعاني عبد عمرو لم أجبه. قال: فقلت له: يا أبا عليّ اجعل بيني وبينك ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجيبه، فأتحدث معه، فلما هاجرت إلى المدينة كاتبته ليحفظني في ضائقتي، وأحفظه في ضائقته بالمدينة، فلما كان يوم بدر خرجت لأحرزه من القتل، فوجدته مع ابنه عليّ بن أمية، أخذ بيده، ومعي أدراع [قد استلبتها فأنا أحملها] ، فلما رآني قال: يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم. قال: هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قلت: نعم بالله إذا، فطرحت الأدراع من يدي فأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ، أما لكم حاجة في اللّبن، ثم خرجت أمشي بهما، فقال لي ابنه: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلّم بريشة نعامة في صدره، قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرحمن: فو الله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي. وكان هو الذي يعذّب بلالا بمكة حتى يترك الإسلام فلما رآه قال:
ب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرحمن: فو الله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي. وكان هو الذي يعذّب بلالا بمكة حتى يترك الإسلام فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، ثم نادى: يا معشر الأنصار، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا أطلقت لهم ابنه لأشغلهم به، وكان أمية رجلا ثقيلا، فقلت: ابرك، فبرك، فألقيت نفسي عليه لأمنعه، فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل الدّسكرة- وفي لفظ المسكة- وأنا أذبّ عنه، فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت: انج بنفسك ولا نجاء بك، فو الله ما أغني عنك شيئا، قال: فهبروه بأسيافهم وأصاب أحدهم ظهر رجلي بسيفه، فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيريّ.
ذكر رمي رسول الله ﷺ الكفار بالحصباء قال الله ﷾: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال ١٧] قال محمد بن عمر الأسلميّ: وأمر رسول الله ﷺ فأخذ من الحصباء كفّا، فرمى به المشركين،
وقال: «شاهت الوجوه، اللهمّ أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم» ، فانهزم أعداء الله لا يلوون على شيء، وألقوا دروعهم، والمسلمون يقتلونهم. وروى ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، أن رسول الله ﷺ أخذ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، فقال رسول الله ﷺ: «شاهت الوجوه» ، فانهزم القوم. وروى الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم بسند حسن، عن حكيم بن حزام، قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ بتلك الحصاة وقال: «شاهت الوجوه» فانهزمنا. وروى أبو الشيخ وأبو نعيم وابن مردويه، عن جابر ﵁ قال: سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فلما اصطفّ الناس أخذهنّ رسول الله ﷺ فرمى بهن وجوه المشركين فانهزموا. وروى الطبراني وأبو الشيخ برجال الصحيح، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال لعليّ: «ناولني قبضة من حصباء» ، فرمى بها رسول الله ﷺ في وجوه الكفار، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء [ (١) ] .
س: أن رسول الله ﷺ قال لعليّ: «ناولني قبضة من حصباء» ، فرمى بها رسول الله ﷺ في وجوه الكفار، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء [ (١) ] . وروى ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس والأمويّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: إن رسول الله ﷺ قال: «يا ربّ إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا» . فقال له جبريل: خذ قبضة من تراب فارم بها في وجوههم، فما بقي من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه، فولّوا مدبرين، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «احملوا» ، فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديدهم وأسر من أسر، وأنزل الله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال ١٧] قال ابن عقبة وابن عائذ: فكانت تلك الحصباء عظيما شأنها، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم. وبادر كل رجل منهم منكبّا على وجهه لا يدري أين يتوجّه، يعالج التراب ينزعه من عينيه [ (٢) ] . قال ابن إسحاق: فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أشرافهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى العريش متوشّحا بالسيف، في نفر من الأنصار يحرسونه
يخافون كرّة العدوّ، وسعد بن معاذ ﵁ قائم على باب العريش متوشّح بالسيف. وقال ﷺ فيما رواه البيهقي عن الزهريّ: «اللهم اكفني نوفل بن خويلد» [ (١) ] ، فأسره جبّار بن صخر، ولقيه عليّ فقتله، وقتل عليّ أيضا العاص بن سعيد، ثم قال: من له علم بنوفل؟ فقال علي: أنا قتلته، فقال: «الحمد الله الذي أجاب دعوتي منه» . وقال النبي ﷺ يومئذ- فيما ذكر ابن إسحاق- لبعض أصحابه: «إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا. فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختريّ فلا يقتله» - وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتله لأنه كان أكفّ القوم عن رسول الله ﷺ بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممّن قام في نقض الصحيفة- «ومن لقي منكم العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما خرج مكرها» ، فقال أبو حذيفة ﵁: «أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العبّاس، والله لئن لقيته لألجمنّه السيف» ، فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟!» . فقال عمر: «يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف- يعني أبا حذيفة ﵁ فو الله لقد نافق» . فكان أبو حذيفة يقول: «ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ ولا أزال خائفا منها، إلّا أن تكفّرها عني الشهادة» . فقتل يوم اليمامة شهيدا، قال عمر: «والله إنه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص» [ (٢) ] . ولقي المجذر بن زياد البلويّ أبا البختريّ. فقال له: «إن رسول الله ﷺ قد نهانا عن قتلك» ، ومع أبي البختريّ زميل له خرج معه من مكّة وهو جنادة بن مليحة، وقال: وزميلي؟ فقال له المجذّر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله ﷺ إلا بك وحدك، قال: لا والله إذا لأموتنّ أنا وهو جميعا، لا تحدّث عنّي نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة، فقال أبو البختريّ حين نازله المجذّر وأبي إلّا القتال: لن يسلم ابن حرّة زميله ... حتّى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا فقتله المجذر، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقتلته.
. حتّى يموت أو يرى سبيله فاقتتلا فقتله المجذر، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقتلته. قال ابن عقبة: ويزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البختريّ، ويأتي عظم الناس إلا أن المجذّر هو الذي قتله، بل الذي قتله غير شك أبو داود المازنيّ وسلبه سيفه وكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض ولد أبي البختري.
ذكر مقتل فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام وغيره روى الإمام أحمد والشيخان وغيرهم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: إني لواقف في الصفّ يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما فتمنّيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما سرّا من صاحبه فقال: أي عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسبّ رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: وغمرني الآخر سرّا من صاحبه فقال مثلها، فعجبت لذلك. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس وهو يرتجز: ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين حديث سنّي لمثل هذا ولدتني أمّي فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى برد، وانصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. قال: «مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، فنظر رسول الله ﷺ إلى السّيفين فقال: «كلاكما قتله» ، وقضى رسول الله ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوّذ بن عفراء [ (١) ] .
الله ﷺ إلى السّيفين فقال: «كلاكما قتله» ، وقضى رسول الله ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوّذ بن عفراء [ (١) ] . وروى الإمام أحمد، والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ وابن إسحاق عن معاذ بن عمرو، والبيهقي عن ابن عقبة، والبيهقي عن ابن إسحاق. قال معاذ: سمعت القوم وأبا جهل في مثل الحرجة وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أظنّت قدمه بنصف ساقه، فو الله ما شبهتها حين طاحت إلّا بالنّواة تطيح من تحت مرضخة النّوى، حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة- وأسلم بعد ذلك- على عاتقي فطرح يدي بجلده من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامّة يومي هذا، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها، ثم تمطّيت بها عليها حتى طرحتها. قال ابن إسحاق: وعاش بعد ذلك إلى زمن عثمان. قال القاضي: زاد ابن وهب في روايته: «فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ فلصقت» . كذا نقله عن القاضي في العيون.
والذي في الشفاء: وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله ﷺ، وألصقها فلصقت، رواه ابن وهب. انتهى. قال ابن إسحاق: ثم مرّ بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته وبه رمق، وقاتل معوّذ حتى قتل، ثم مرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل فذكر ما سيأتي. قال ابن إسحاق: وأقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى، فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ، فقال: «اللهم لا يعجزني فرعون هذه الأمة» [ (١) ] . وقال ﷺ: «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ وإن خفي عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلامان، وكنت أشفّ منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره به» . قال عبد الله بن مسعود: فأتيته فوجدته بآخر رمق فعرفته، وكان مقنّعا بالحديد، واضعا سيفه على فخذيه، ليس به جرح، ولا يستطيع أن يحرّك منه عضوا وهو منكبّ ينظر إلى الأرض، فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله، فأراد أن يضربه بسيفه، فخشي أن لا يغني سيفه شيئا، فأتاه من ورائه، قال: ومعي سيف رثّ ومعه سيف جيّد، فجعلت أنقف رأسه بسيفي، وأذكر نتفا كان برأسي حتى ضعفت يده، فأخذت سيفه، فرفع رأسه فقال: على من كانت الدّبرة وفي رواية: لمن الدّائرة؟ قلت: لله ورسوله، فأخذت بلحيته وقلت: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله، وفي لفظ: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: بماذا أخزاني؟ قال: هل أعمد، وفي لفظ: هل عدا رجل قتلتموه. أو غير أكّار قتلني، فرفعت سابغة البيضة عن قفاه، فضربته فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبته. قال ابن عقبة: فلما نظر عبد الله إلى أبي جهل إذا هو ليس به جراح، وأبصر في عنقه خدرا وفي يديه وكفّيه كهيئة آثار السياط، فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فقال: «ذلك ضرب الملائكة» .
ر عبد الله إلى أبي جهل إذا هو ليس به جراح، وأبصر في عنقه خدرا وفي يديه وكفّيه كهيئة آثار السياط، فأتى النبي ﷺ فأخبره بذلك، فقال: «ذلك ضرب الملائكة» . قال ابن مسعود: ثم حززت رأسه، ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، فقال رسول الله ﷺ: «الله الذي لا إله إلا هو؟» وفي لفظ: الذي لا إله غيره، فاستحلفني ثلاث مرات فألقيت رأسه بين يديه، فقال: «الحمد لله الذي أعزّ الإسلام وأهله» ، ثلاث مرات، وخرّ رسول الله ﷺ ساجدا. وفي رواية: صلى ركعتين. قال القاضي: إن ابن مسعود إنما جعل رجله على عنق أبي جهل ليصدّق رؤياه، فإن ابن قتيبة ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود: لأقتلنّك، فقال: والله لقد رأيت في النوم أني أخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيك بنعلي، ولئن صدقت لأطأنّ رقبتك، ولأذبحنّك ذبح الشاة.
وروى ابن عائذ عن قتادة إن رسول الله ﷺ قال: «إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل، قتله الله شرّ قتلة، قتله ابنا عفراء، وقتلته الملائكة، وتدافّه ابن مسعود» ، يعني أجهز عليه. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت» : عن الشعبي أن رجلا قال للنبي ﷺ: إني مررت ببدر فرأيت رجلاّ يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه، حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك. ففعل ذلك مرارا، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك أبو جهل بن هشام، يعذّب إلى يوم القيامة كذلك» [ (١) ] . وروى الطبراني وابن أبي الدنيا في كتاب القبور، واللالكائي في السنة، وابن منده، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينما أنا سائر بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة فناداني: يا عبد الله اسقني فلا أدري عرف اسمي أو دعاني بدعاية العرب، وخرج رجل من تلك الحفرة في يده سوط فناداني: يا عبد الله: لا تسقه فإنه كافر، ثم ضربه بالسوط فعاد إلى حفرته، فأتيت النبي ﷺ مسرعا فأخبرته فقال لي: «قد رأيته؟» قلت: نعم، قال: «ذاك عدوّ الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة» [ (٢) ] .
بالسوط فعاد إلى حفرته، فأتيت النبي ﷺ مسرعا فأخبرته فقال لي: «قد رأيته؟» قلت: نعم، قال: «ذاك عدوّ الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة» [ (٢) ] .
مقتل أبي ذات الكرش روى البخاري عن الزبير بن العوام قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجّج لا يرى منه إلا عيناه، وكان يكنى أبا ذات الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات. قال هشام بن عروة: فأخبرت الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت، فكان الجهد أن نزعتها وقد انثني طرفها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إيّاها، فلما قبض أبو بكر أخذها، ثم سألها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت عند آل عليّ، وطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل [ (٣) ] .
ذكر انقلاب العرجون سيفا روى ابن سعد عن زيد بن أسلم ويزيد بن رومان، وغيرهما، والبيهقي وابن إسحاق: أن عكاشة بن محصن ﵁ قاتل يوم بدر بسيفه حتى انقطع، فأتى
رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا من حطب وقال: «قاتل بهذا يا عكّاشة» . فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزّه فعاد سيفا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل في أيام الرّدّة، قتله طلحة بن خويلد الأسديّ. وروى البيهقي عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل عدة، قالوا: انكسر سيف سلمة بن الحريش- بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبالشين المعجمة- يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله ﷺ قضيبا كان في يده من عراجين نخل ابن طاب فقال: اضرب به، فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة [ (١) ] .
ذكر بركة أثر ريقه ويده ﷺ روى البيهقي عن ابن إسحاق قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن قال: ضرب خبيب- يعني بن عديّ- يوم بدر، فمال شقّه، فتفل فيه رسول الله ﷺ ولأمه وردّه فانطبق. وروى البيهقي عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا رسول الله ﷺ فقال: «لا» ، فدعا به فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت. وروى أيضا عن رفاعة بن رافع بن مالك قال: لما كان يوم بدر رميت بسهم ففقئت عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء. قال ابن إسحاق: ووضع المسلمون أيديهم يأسرون، ورسول الله ﷺ في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش في نفر من الأنصار، يحرسون رسول الله ﷺ، يخافون عليه كرّة العدوّ، ورأى رسول الله ﷺ في وجه سعد الكراهة لما يصنع الناس، فقال له رسول الله ﷺ: «والله لكأنيّ بك يا سعد تكره ما يصنع القوم» . قال: أجل يا رسول الله، كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشّرك، فكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال.
ذكر انهزام المشركين قال ابن سعد: ورجعت قريش إلى مكة منهزمين، ورئي رسول الله ﷺ في إثرهم مصلتا بالسيف، يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر ٤٥] .
ابن سعد: ورجعت قريش إلى مكة منهزمين، ورئي رسول الله ﷺ في إثرهم مصلتا بالسيف، يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر ٤٥] .
وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن عكرمة- زاد ابن جرير في رواية عنه: عن ابن عباس، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن أبي هريرة ﵃: أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ بمكة قبل يوم بدر سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، أيّ جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم، مصلتا بالسيف وهو يثب ويقول: «سَيُهزم الجمع ويولّون الدّبر» فعرفت تأويلها، وكان انهزام القوم حين زالت الشمس من يوم الجمعة. وروى الفريابيّ وابن أبي شيبة والإمام أحمد والترمذي وحسّنه ابن سعيد عن عكرمة قال: قيل لرسول الله ﷺ لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: إنه لا يصلح ذاك لك، قال: «لمه؟» قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، فقد أعطاك ما وعدك، قال: «صدقت» . وذكر الأمويّ إن رسول الله ﷺ طاف هو وأبو بكر بالقتلى ورسول الله ﷺ يقول: نفلّق هاما ... فيقول أبو بكر: ... من رجال أعزّة ... علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما وروى البخاري عن جبير بن مطعم إن رسول الله ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيّا، ثم كلّمني في هؤلاء النّتني لتركتهم له» ، أى تركتهم أحياء، ولما قتلتهم من غير فداء، إكراما له وقبولا لشفاعته، فإنه كان ممنّ قام في نقض الصّحيفة [ (١) ] .



