— Bagian 48 · لّمني في هؤلاء النّتني لتركتهم له» ، —
Bagian 48
لّمني في هؤلاء النّتني لتركتهم له» ، أى تركتهم أحياء، ولما قتلتهم من غير فداء، إكراما له وقبولا لشفاعته، فإنه كان ممنّ قام في نقض الصّحيفة [ (١) ] .
ذكر سحب كفار قريش إلى بدر وما وقع في ذلك من الآيات روى مسلم والنسائي عن عمر بن الخطاب، والشيخان عن أبي طلحة، وابن إسحاق، والإمام أحمد، ومسلم عن أنس، والشيخان من طريق عروة، عن ابن عمر، والطبراني برجال الصحيح، عن ابن مسعود، والإمام أحمد برجال ثقات، عن عائشة: إن رسول الله ﷺ كان يريهم مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله- ووضع يده بالأرض- وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله. قال عمر: فو الذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدّها رسول الله ﷺ، وجعلوا يصرعون عليها فجعلوا في طويّ من أطواء بدر، خبيث مخبث بعضهم على بعض.
قال أبو طلحة: وكانوا بضعة- وفي رواية أربعة- وعشرين. قالت عائشة: إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحرّكوه فتزايل، فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّبه من التراب والحجارة. وقال أبو طلحة: وكان رسول الله ﷺ إذا أظهره الله على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال. وقال أنس: ترك رسول الله ﷺ قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم. قال أبو طلحة: فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر رسول الله ﷺ براحلته فشدّ عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفا البئر، وفي لفظ على شفير الرّكيّ. وفي بعض الروايات عن أنس: أن ذلك كان ليلا، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان،
على شفير الرّكيّ. وفي بعض الروايات عن أنس: أن ذلك كان ليلا، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، وفي رواية: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقّا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقّا، بئس عشيرة النّبيّ كنتم لنبيّكم، كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فجزاكم الله عني من عصابة شرّا، خوّنتموني أمينا، وكذّبتموني صادقا» . فقال عمر: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ وفي لفظ: كيف يسمعون أو أني يجيبون وقد جيّفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا علينا شيئا» [ (١) ] . قال قتادة: أحياهم الله تعالى حتى أسمعهم قوله، توبيخا لهم، وتصغيرا ونقمة وحسرة وندامة. قال عروة: فبلغ عائشة قول ابن عمر، فقالت: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ، إنما قال: «إنهم ليعلمون الآن الذي كنت أقول لهم حقّا، إنهم تبوّؤوا مقاعدهم من جهنم» [ (٢) ] أن الله تعالى يقول: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل ٨٠] وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر ٢٢، ٢٣] وفي رواية عند الإمام أحمد من طريقين رجالهما ثقات، عن عائشة: فقال رسول الله ﷺ: «ما أنتم بأفهم لقولي منهم» ، أو «لهم أفهم لقولي منكم» [ (٣) ] . وروى البزار والطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: لما جيء بأبي جهل يجرّ إلى القليب قال رسول الله ﷺ: «لو كان أبو طالب حيّا لعلم أنّ أسيافنا قد التبست
بالأنامل» [ (١) ] ، ولفظ الطبرانيّ وغيره. ولذلك يقول أبو طالب: كذبتم وبيت الله نخلي محمّدا ... ولمّا نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الرّوايا تحت ذات الصّلاصل وحتّى يرى ذا الضّغن يركب درعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل وإنّا لعمر الله إن جدّ ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت: عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخطّ الوحي في الورق القشيب تداولها الرّياح وكلّ جون ... من الوسميّ منهمر سكوب فأمسى رسمها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التّذكّر كلّ يوم ... وردّ حرارة الصّدر الكئيب وخبّر بالّذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النّصيب غداة كأنّ جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب فلاقيناهم منّا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب أمام محمّد قد وازروه ... على الأعداء في لفح الحروب بأيديهم صوارم مرهفات ... وكلّ مجرّب خاظي الكعوب بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النّجّار في الدّين الصّليب فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب يناديهم رسول الله لمّا ... قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا كلامي كان حقّا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأي مصيب قال ابن إسحاق: ولما أمر رسول الله ﷺ بهم أن يلقوا في القليب أخد عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ فيما بلغني- في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغيّر فقال: «يا أبا حذيفة، لعلك قد داخلك من شأن أبيك شيء»
- أو كما قال رسول الله ﷺ لا، والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكن كنت
أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرا.
جو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرا.
ذكر إرسال رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين لأهل المدينة بوقعة بدر: الأول لأهل السافلة والثاني لأهل العالية روى الحاكم عن أسامة بن زيد، والبيهقي عن محمد بن عمر الأسلمي، والبيهقيّ أيضاً، عن ابن إسحاق: قال أسامة بن زيد ﵁: خلف رسول الله ﷺ عثمان بن عفان وأسامة بن زيد على رقية بنت رسول الله ﷺ أيام بدر، وقالوا: وقدّم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الأثيل فجاءا يوم الأحد حين اشتد الضحى، وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة بالعقيق، فجعل عبد الله ينادي على راحلته: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجّاج، وأبو جهل، وزمعة بن الأسود، وأميّة بن خلف. وأسر سهيل بن عمرو. قال عاصم بن عدي: فقمت إليه فنحوته، فقلت: أحقّا ما تقول يا ابن رواحة؟ فقال: إى والله، وغدا يقدم رسول الله ﷺ بالأسرى مقرّنين، ثم اتّبع دور الأنصار بالعالية يبشّرهم دارا دارا والصبيان يشتدّون معه ويقولون: قتل أبو جهل الفاسق، حتى انتهى إلي بني أمية بن زيد. وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله ﷺ القصواء- قال الواقديّ: وقال أسامة: العضباء- يبشّر أهل السافلة، فلما أن جاء المصلّى صاح على راحلته: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وقتل أبو جهل، وأبو البختري، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير، فجعل [بعض] الناس لا يصدّقون زيد بن حارثة ويقولون: ما جاء زيد إلّا فلّا، حتى غاظ ذلك المسلمين وخافوا.
خلف، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير، فجعل [بعض] الناس لا يصدّقون زيد بن حارثة ويقولون: ما جاء زيد إلّا فلّا، حتى غاظ ذلك المسلمين وخافوا. قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فإذا زيد على العضباء جاء بالبشارة، فو الله ما صدّقته حتى رأيت الأسارى، وقدم زيد حين سوّوا على رقية بنت رسول الله ﷺ التراب بالبقيع، فقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر: قد تفرّق أصحابكم تفرّقا لا يجتمعون بعده أبدا، وقد قتل علية أصحابه، وقتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرّعب، وجاء فلّا. قال أبو لبابة: يكذّب الله تعالى قولك. وقالت اليهود: ما جاء إلا فلّا. قال أسامة بن زيد: فجئت حتى خلوت بأبي، فقلت: يا أبه، أحق ما تقول؟ قال: إي والله حقّا ما أقول يا بنيّ، فقويت في نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت: أنت المرجف برسول الله ﷺ وبالمسلمين، لنقدّمنّك إلى رسول الله ﷺ إذا قدم فليضربنّ
عنقك، فقال: يا أبا محمد إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه. قال: فجيء بالأسرى وعليهم شقران مولى النبي ﷺ.
ذكر اختلاف الصحابة ﵃ في الفيء روى سعيد بن منصور والإمام أحمد وابن المنذر وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن عن عبادة بن الصامت ﵁: «فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدوّ فانطلقت طائفة في آثارهم يأسرون ويقتلون، وأكبّت طائفة على الفيء يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ خوفاً من أن يصيب العدوّ غرّة، حتى إذا كان الليل وافي الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحقّ بها منا، نحن نفينا عنها العدوّ وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: لستم بأحق بها منّا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة، فاشتغلنا به. فنزلت: يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَنْفالِ: الغنائم، لمن هي؟ قُلِ لهم: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يجعلانها حيث شاءا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي حقيقة ما بينكم بالمودّة وترك النزاع وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال ١] حقّا [ (١) ] . وروى ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن حبان وعبد الرزاق في المصنّف، وعبد بن حميد، وابن عائذ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن ابن عساكر، ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم بدر قال النبي ﷺ: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا» . ولفظ ابن عائذ: «من قتل قتيلا فله سلبه. ومن أسر أسيرا فله سلبه» .
ا كان يوم بدر قال النبي ﷺ: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا» . ولفظ ابن عائذ: «من قتل قتيلا فله سلبه. ومن أسر أسيرا فله سلبه» . فأمّا المشيخة فثبتوا تحت الرّايات. وأما الشّبّان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فإنّا كنّا لكم رداء ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا. فاختصموا إلى رسول الله ﷺ، وجاء أبو اليسر بأسيرين فقال: يا رسول الله، إنك قد وعدتنا، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الآخرة، ولا جبن عن العدوّ، ولا ضنّ بالحياة، أن نصنع ما صنع إخواننا، وكلّنا رأيناك قد أفردت فكرهنا أن تكون بمضيعة، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية، فنزعه الله تعالى من أيديهم، فجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه ﷺ بين المسلمين، كما سيأتي على بواء أي سواء، فكان ذلك تقوى لله تعالى وطاعته، وطاعة رسول الله ﷺ، وإصلاح ذات البين.
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكنيفة، فأتيت رسول الله ﷺ به فقلت: يا رسول الله قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين فنفّلني هذا السيف، فأنا من قد علمت، قال: «إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه» ، فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي فرجعت به فقال: «اذهب فاطرحه في القبض» ، فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، حتى إذا أردت أن ألقيه لامتني نفسي فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، فشدّني صوته فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: «اذهب فخذ سيفك» [ (١) ] .
أن ألقيه لامتني نفسي فرجعت إليه، فقلت: أعطنيه، فشدّني صوته فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: «اذهب فخذ سيفك» [ (١) ] . وروى النحاس في تاريخه عن سعيد بن جبير أن سعدا ورجلا من الأنصار خرجا يتنفّلان فوجدا سيفا ملقى فخرا عليه جميعا، فقال سعد: هو لي، وقال الأنصاري: هو لي لا أسلمه، حتى أتى رسول الله ﷺ فأتياه فقصّا عليه القصة، فقال رسول الله ﷺ: «ليس لك يا سعد ولا للأنصاريّ ولكنه لي» ، فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية، ثم نسخت هذه الآية فقال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ (٢) ] [الأنفال ٤٥] . وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال: الأنفال: المغانم كانت لرسول الله ﷺ خالصة ليس لأحد منها شيء، ما أصاب من سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة وسلكا فهو غلول، فسألوا رسول الله ﷺ أن يعطيهم منها شيئا، فانزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قال: الأنفال لي، جعلتها لرسلي، وليس لكم منه شيء، فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ثم أنزل الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله ﷺ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين وفي سبيل الله، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء: للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. واستعمل رسول الله ﷺ على الغنائم عبد الله بن كعب ﵁ [ (٣) ] .
ذكر اختلاف الصحابة ﵃ فيما يفعل بالأسرى روى الإمام أحمد عن أنس، وابن مردويه عن أبي هريرة، وابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، والطبراني، وغيرهم، عن ابن مسعود. وابن مردويه، عن ابن عباس. وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم، عن ابن عمر: أنه لما كان يوم بدر جيء بالأسرى وفيهم العباس، أسره رجل من الأنصار: وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «لم أنم الليلة من أجل عمّي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه» ، فقال له عمر: أفآتيهم؟ قال: «نعم» ، فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان رسول الله ﷺ رضي، قالوا: فإن كان رسول الله ﷺ رضي فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم، فو الله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطّاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك. فاستشار رسول الله ﷺ الناس. فقال: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ أن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس. فقال أبو بكر: يا رسول الله أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظّفر ونصرك عليهم، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان استبقهم، وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفّار، وعسى الله أن يهديهم بك، فيكونوا لك عضدا. فقال رسول الله ﷺ: «ما تقول يا بن الخطاب؟» . قال: يا رسول الله قد كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكّنني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه وتمكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان- أخيه- حتى يضرب عنقه، حتى ليعلم الله تعالى إنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن راعون مؤلّفون. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا. فقال العبّاس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال أبو أيوب: فقلنا- يعني الأنصار- إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا.
ظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا. فقال العبّاس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال أبو أيوب: فقلنا- يعني الأنصار- إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا. فدخل رسول الله ﷺ البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: «إن الله تعالى ليليّن
قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللّبن، وأن الله تعالى ليشدّ قلوب أقوام فيه حتى تكون أشدّ من الحجارة، مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم ٣٦] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ابن مريم إذ قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة ١١٨] ، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح ٢٦] ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس ٨٨] لو اتّفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منكم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق» ، فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله إلّا سهيل ابن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ فقال عبد الله: فما رأيتني في يوم أخاف أن تقع عليّ الحجارة من السماء منّي في ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ: «إلّا سهيل ابن بيضاء» فلما كان من الغد غدا عمر إلى رسول الله ﷺ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما يبكيان، فقال: يا رسول الله ما يبكيكما؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإلّا تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ: «إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة»
ا، فقال رسول الله ﷺ: «إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة»
- لشجرة قريبة منه- وأنزل الله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ بالتاء والياء- لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يبالغ في قتل الكفار تُرِيدُونَ أيها المؤمنون عَرَضَ الدُّنْيا حُطامها بأخذ الفداء وَاللَّهُ يُرِيدُ لكم الْآخِرَةَ أي ثوابها بقتلهم وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٦٧] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد ٤] لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ بإحلال الغنائم والأسارى لكم لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنفال ٦٨، ٦٩] . واستعمل ﷺ على الأسرى شقران غلامه، فأحذوه من كل أسير ما لو كان حرّا ما أصابه في المقسم. وروى ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن سعد، وابن جرير، وابن حبان، والبيهقي، عن علي ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، أن الله تعالى قد كره ما صنع قومك في أخذهم فداء الأسرى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: إما أن يقدّموا فتضرب أعناقهم وإما أن يأخذوا منهم الفداء، على أن يقتل منهم عدّتهم، فدعا
رسول الله ﷺ الناس فذكر لهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا تأخذ منهم الفداء، فتتقوّى به على قتال عدوّنا، ويستشهد منا عدّتهم فليس في ذلك ما يكره، وأقام ﷺ بالعرصة ثلاثا.
ذكر رحيل رسول الله ﷺ إلى المدينة وقسمة الغنائم وقتل جماعة من الأسرى وارتحل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة وهو مؤيّد منصور، قرير العين بنصر الله تعالى، ومعه الأسارى من المشركين، فيهم عقبة بن أبي معيط، والنّضر بن الحارث، ومعه النّفل الذي أصيب، فلما خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له: سير- إلى سرحة به، فقسّم هناك النّفل الذي أفاءه الله على المسلمين من المشركين [على السواء] ، وقيل: بل استعمل عليها خبّاب بن الأرتّ، وكان فيها مائة وخمسون من الإبل ومتاع وأنطاع وثياب وأدم كثير، حمله المشركون للتجارة، فغنمه المسلمون، وكانت الخيل التي غنمها عشرة أفراس، وأصابوا سلاحا كثيرا، وجمل أبي جهل، فصار للنبي ﷺ، فلم يزل عنده يضرب في إبله ويغزو عليه، حتى ساقه في هدي الحديبية. ولمّا أمر رسول الله ﷺ أن تقسّم الغنائم على السّواء قال سعد بن معاذ: يا رسول الله أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف؟ فقال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمّك، وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟!»
على السّواء قال سعد بن معاذ: يا رسول الله أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف؟ فقال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمّك، وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟!» ونادى مناديه ﷺ: «من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسر أسيرا فهو له» . وكان يعطي من قتل قتيلا سلبه، وأمر بما وجد في العسكر وما أخذوا بغير قتال فقسمه بينهم. وكانت السّهمان على ثلاثمائة وسبعة عشر سهما، والرجال ثلاثمائة وثلاثة عشر، والخيل فرسان لهما أربعة أسهم. وثمانية نفر لم يحضروا القتال، ضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم وأجورهم، ثلاثة من المهاجرين، وهم عثمان بن عفان- خلّفه رسول الله ﷺ على ابنته رقيّة فماتت يوم قدوم زيد بن حارثة، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، بعثهما رسول الله ﷺ يتحسّسان خبر العير، ومن الأنصار أبو لبابة بن عبد المنذر، خلّفه على المدينة، وعاصم بن عديّ خلّفه على أهل قباء وأهل العالية، والحارث بن حاطب أمره بأمر في بني عمرو بن عوف، وخوّات بن جبير كسر بالرّوحاء، والحارث بن الصّمّة كسر بالرّوحاء أيضا. وروي أنه ضرب لسعد بن عبادة وسعد بن مالك السّاعديّ، ورجلين آخرين من الأنصار بسهامهم وأجورهم. وروى الحارث بن أسامة، والحاكم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: إن جعفر بن أبي طالب ﵁ ممّن ضرب له بسهمه وأجره، وضرب لأربعة عشر رجلا قتلوا ببدر، وأحذى مماليك حضروا بدرا ولم يقسم لهم.
اكم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: إن جعفر بن أبي طالب ﵁ ممّن ضرب له بسهمه وأجره، وضرب لأربعة عشر رجلا قتلوا ببدر، وأحذى مماليك حضروا بدرا ولم يقسم لهم.
روى البزار والطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: شهد بدرا مع النبي ﷺ عشرون رجلا من الموالي، وتنفّل ﷺ سيفه ذا الفقار، وقال لنبيه بن الحجّاج وكان من صفي رسول الله ﷺ مع أخذ سهمه مع المسلمين، وفيه جمل أبي جهل وكان مهريا. وبالصفراء توفي عبيدة بن الحارث ﵁ من مصاب رجله، فقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب ترثيه: لقد ضمّن الصّفراء مجدا وسؤددا ... وحلما أصيلا وافر اللّبّ والعقل عبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوي لأشعث كالجذل وبكّيه للإبرام في كلّ شنوة ... إذا احمرّ آفاق السّماء من المحل وبكّيه للأيتام والرّيح زفزف ... وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي فإن تصبح النّيران قد مات ضوؤها ... فقد كان يذكيهنّ بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى ... ومستنبح أضحى لديه على رسل وبها قتل النضر بن الحارث بن كلدة، قتله علي بن أبي طالب ﵁ صبرا بالسيف بالأثيل. وقالت قتيلة بنت الحارث- كذا قيل، والصواب أنها بنت النّضر لا أخته- ترثيه. وأسلمت بعد ذلك. نقله أبو عمر وأبو الفتح في منهج المدح، ولم يستحضر ذلك الحافظ فقال في الإصابة: لم أر التصريح بإسلامها، لكن إن كانت عاشت إلى الفتح فهي من جملة الصحابيات: يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة ... من صبح خامسة وأنت موفّق أبلغ بها ميتا بأنّ تحيّة ... ما إن تزال بها الرّكائب تخفق منّي إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق هل يسمعنّي النّضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميّت لا ينطق أمحمّد يا خير ضنء كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعزّ ما يغلو به ما ينفق فالنّضر أقرب من وصلت قرابة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق صبرا يقاد إلى المنيّة متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق فلما بلغ رسول الله ﷺ بكى حتى اخضلّت لحيته، وقال: «لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته» .
قال أبو عمر: هذا لفظ عبد الله بن إدريس، وفي رواية الزبير بن بكار: فرّق لها رسول الله ﷺ حتى دمعت عيناه، وقال لأبي بكر: «لو سمعت شعرها لم أقتل أباها» . قال الزبير بن بكّار: سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات ويقول إنها مصنوعة، وذكر الجاحظ في آخر كتاب البيان أن اسمها ليلى، وأنها جذبت رداء النبي ﷺ وهو يطوف، وأنشدته الأبيات المذكورة. ولمّا بلغ رسول الله ﷺ عرق الظّبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط، فقال: يا محمد من للصّبية. قال: «النار» . فقال: أأقتل من بين قريش صبرا؟! فقال عمر: حنّ قدح ليس منها، فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّ في قول ابن إسحاق، وقال ابن هشام: قتله علي بن أبي طالب. فالله أعلم. والذي أسره عبد الله بن سلمة- بكسر اللام- وصدق الله تعالى ورسوله في قوله لعقبة: إن وجدتك خارج مكة ضربت عنقك صبرا. وروى الطبراني عن ابن عباس قال: قتل رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثة صبرا: قتل النضر بن الحارث، وطعيمة بن عديّ، وعقبة بن أبي معيط. ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله تعالى عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذي تهنّئوننا به؟ فو الله إن لقينا به إلا عجائز صلعا كالبدن المعقّلة فنحرناها، فتبسم رسول الله ﷺ، ثم قال: «أي ابن أخي؟ أولئك الملأ، لو رأيتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، وبئس القوم كانوا لنبيّهم» . قال ابن هشام: الملأ: الأشراف والرؤساء. قال محمد بن عمر الأسلميّ: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى دخل المدينة قبل الأسارى بيوم مؤيّدا منصورا قد خافه كلّ عدوّ له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبيّ بن سلول في الإسلام ظاهرا، وقالت اليهود: تيقّنّا أنه النبيّ الذي نجد نعته في التّوراة. ودخل ﷺ من ثنية الوداع. قال في الإمتاع: دخل رسول الله ﷺ المدينة رجوعه من بدر يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان، وتلقّاه الولائد بالدّفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع ويرحم الله الإمام العلامة ابن جابر حيث قال:
لقّاه الولائد بالدّفوف وهن يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع ويرحم الله الإمام العلامة ابن جابر حيث قال: بدا يوم بدر وهو كالبدر حوله ... كواكب في أفق المواكب تنجلي
وجبريل في جند الملائك دونه ... فلم تغن أعداد العدوّ المخذّل رمى بالحصى في أوجه القوم رمية ... فشرّدهم مثل النّعام المجفّل وجاد لهم بالمشرفيّ فسلّموا ... فجاد له بالنّفس كلّ مجندل عبيدة سل عنهم وحمزة واستمع ... حديثهم في ذلك اليوم من علي هم غيّبوا بالسّيف عتبة إذ غدا ... فذاق الوليد الموت ليس له ولي وشيبة لمّا شاب خوفا تبادرت ... إليه العوالي بالخضاب المعجّل وجار أبو جهل فحقّق جهله ... غداة تردّى بالرّدى عن تذلّل فأضحى قليبا في القليب وقومه ... يؤمّونه فيها إلى شرّ منهل وجاءهم خير الأنام موبّخا ... ففتّح من أسماعهم كلّ مقفل وأخبر ما أنتم بأسمع منهم ... ولكنّهم لا يهتدون لمقول سلا عنهم يوم السّلا إذ تضاحكوا ... فعاد بكاء عاجلا لعم يؤجّل ألم يعلموا علم اليقين بصدقه ... ولكنّهم لا يرجعون لمعقل فيا خير خلق الله جاهك ملجئي ... وحبّك ذخري في الحساب وموئلي عليك صلاة يشمل الآل عرفها ... وأصحابك الأخيار أهل التّفضّل
ه ... ولكنّهم لا يرجعون لمعقل فيا خير خلق الله جاهك ملجئي ... وحبّك ذخري في الحساب وموئلي عليك صلاة يشمل الآل عرفها ... وأصحابك الأخيار أهل التّفضّل
ذكر وصول الأسارى إلى المدينة قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم، وسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوّذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب، قال: تقول سودة: والله إنّي لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، قالت: فرجعت إلى بيتي، ورسول الله ﷺ فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متّم كراما، فو الله ما نبّهني إلّا قول رسول الله ﷺ من البيت: يا سودة أعلى الله ورسوله تحرّضين؟ وقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت، فاستغفر لي يا رسول الله، فقال: «يغفر الله لك» [ (١) ] . وقال أسامة بن زيد ﵄ فيما ذكره البلاذريّ: لما رأى سهيلا فقال: يا رسول الله، هذا الذي كان يطعم الناس السّريد؟ يعني الثّريد، فقال رسول الله ﷺ: «هذا أبو
يزيد الذي كان يطعم الطّعام، ولكنه سعى في إطفاء نور الله فأمكن الله منه» . ولمّا دخل بالأسارى إلى المدينة فرّقهم رسول الله ﷺ بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرا، وكان أبو عزيز بن عمير بن هشام أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى، قال أبو عزيز: مرّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال: شدّ يديك به فإنّ أمّه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقلت: يا أخي هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك، فسألت أمّه عن أعلى ما فدي به أسير، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها، قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز وأكلوا التّمر، لوصيّة رسول الله ﷺ إيّاهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، قال: فأستحيي فأردّها على أحدهم فيردّها عليّ ما يمسّها.
ذكر وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهليهم ومهلك أبي لهب روى قاسم بن ثابت في دلائله، عن سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن أبيه قال: كانت خوالف قريش تخرج إلى الأبطح وذي طوى، حين خرجت قريش تمنع عيرها، يتحسّسون الأخبار، فسمعوا هاتفا بأعلى مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون، وهو ينشد بأنفذ صوته ولا يرى شخصه: أزار الحنيفيّون بدرا وقيعة ... سينقضّ منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالا من لؤيّ وأبرزت ... خرائد يضربن التّرائب حسّرا فيا ويح من أمسى عدوّ محمّد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيّرا وقال قائلهم: من الحنيفيّون؟ فقالوا: هو محمد وأصحابه يزعمون أنّهم على دين إبراهيم الحنيف، فحسبوا فوجدوا الليلة التي أوقع فيها المسلمون أهل بدر في صبيحتها. وكان أول من قدم [مكة] . بمصابهم الحيسمان- وهو بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وضم المهملة- ابن إياس الخزاعيّ- وأسلم بعد ذلك- فقالوا: ما وراءك؟ قال:
ل من قدم [مكة] . بمصابهم الحيسمان- وهو بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وضم المهملة- ابن إياس الخزاعيّ- وأسلم بعد ذلك- فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وأبو البختريّ بن هشام، فلما جعل يعدّد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا، لقد طار قلبه، فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك قاعدا في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. وروى ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: كنت غلاما للعبّاس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أمّ الفضل، وكان
العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله تعالى وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزّة، وكنت أعمل الأقداح في حجرة زمزم، فو الله إني جالس فيها أنحت أقداحي وعندي أمّ الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب:
يجرّ رجليه بشرّ حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: هلمّ إليّ يا بن أخي فعندك لعمري الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر النّاس، فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجّة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيّده، فقام مولّيا ذليلا. فو الله ما عاش إلى سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته. قال ابن جرير: والعدسة: قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تعدي أشدّ العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جثّته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السّبّة في تركهم له دفعوه بعصيّ في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه. وقال ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير: إنهم لم يحفروا له، ولكن أسندوه إلى حائط، وقذفوا عليه بالحجارة من خلف الحائط حتى واروه. وروى أن عائشة ﵂ كانت إذا مرّت بموضعه غطّت وجهها.
ذكر نوح أهل مكة على قتلاهم ثم منعهم من ذلك روى ابن إسحاق، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ناحت قريش على قتلاها بمكة- زاد ابن عقبة وصاحب الإمتاع: شهرا- وجزّ النساء شعورهنّ، وكان يؤتي براحلة الرجل منهم أو بفرسه وتوقف بين أظهر النساء، ويسترنها بالسّتور حولها [وينحن حولها] ويخرجن إلى الأزقة. انتهى. ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء، فكان الأسود بن المطلب قد
أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الأسود، وعقيل بن الأسود، والحارث بن زمعة، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له، وقد ذهب بصره: انظر هل أحد انتحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟ لعليّ أبكي على أبي حكيمة- بضم الحاء المهملة وفتح الكاف- يعني زمعة فإنّ جوفي قد احترق، فلمّا رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته. قال عبّاد: فذاك حين يقول الأسود: تبكّي أن يضلّ لها بعير ... ويمنعها من النّوم السّهود فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود على بدر شراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكّي إن بكيت على عقيل ... وبكّي حارثا أسد الأسود وبكّيهم ولا تسمي جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا قال الزبير بن بكّار: يريد أبا سفيان بن حرب، كان رأس قريش في سيرهم إلى أحد، وكان رسول الله ﷺ دعا على الأسود هذا بأن يعمي الله تعالى بصره، ويثكل ولده، فاستجاب الله تعالى سبق العمى إلى البصر أولا، ثم أصيب يوم بدر بمن نفاه من ولده، فتمّت إجابة الله تعالى رسوله ﷺ فيه.
ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر روى البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر، عن عبد الرحمن- رجل من أهل صنعاء- قال: أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فدخلوا عليه، وهو في بيت عليه خلقان، جالس على التراب. قال جعفر بن أبي طالب: أشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحالة، فلما أن رأى ما في وجوهنا. قال: إني أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي، فأخبرني أن الله تعالى قد نصر نبيه ﷺ وأهلك عدوه فلان وفلان التقوا بواد يقال له: بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي- رجل من بني ضمرة- إبله، فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى ﷺ إن حقّا على عباد الله تعالى أن يحدثوا لله ﷿ تواضعا، عند ما يحدث لهم نعمة، فلما أحدث الله تعالى نصر نبيه ﷺ أحدثت له هذا التواضع.
ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى روى ابن سعد عن الشعبي قال:
لله ﷿ تواضعا، عند ما يحدث لهم نعمة، فلما أحدث الله تعالى نصر نبيه ﷺ أحدثت له هذا التواضع.
ذكر إرسال قريش في فداء الأسارى روى ابن سعد عن الشعبي قال:
كان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة، يعلّمهم فإذا حذقوا فهم فداؤه، وكان زيد بن ثابت ممن علّم. وروى أبو داود، عن ابن عباس ﵄ إن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة، وادّعى العبّاس أنه لا مال عنده، فقال له رسول الله ﷺ: «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، وقلت لها: إن أصبت في سفري هذا لبنيّ: الفضل، وعبد الله، وقثم؟» فقال: والله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا الشي ما علمه إلّا أنا وأمّ الفضل. وروى البيهقي، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّي، قال: كان فداء العبّاس، وعقيل ابن أخيه، ونوفل، كل رجل أربعمائة دينار. قال ابن إسحاق: وكان أكثر الأسارى فداء يوم بدر فداء العبّاس، فدى نفسه بمائة أوقية من ذهب. روى ابن سعد من طريق إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبيه قال: لما أسر نوفل يوم بدر قال له النبي ﷺ: «افد نفسك برماحك التي بجدة» ، فقال: والله ما علم أحد أنّ لي بجدّة بعد الله غيري، أشهد أنك رسول الله، ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح [ (١) ] . روى البخاري والبيهقي، عن أنس بن مالك ﵁: أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: «لا والله لا تذرون منه درهما» ، قال: وجعل رسول الله ﷺ فداء الرجل أربعة آلاف إلى ألفين إلى ألف ومنهم من منّ عليه لأنه لا مال له [ (٢) ] . قال ابن إسحاق: وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السّهميّ، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ له بمكة ابنا كيّسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه» ،
بن إسحاق: وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السّهميّ، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ له بمكة ابنا كيّسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم في طلب فداء أبيه» ، فلما قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه. قال المطّلب بن أبي وداعة- وأسلم يوم الفتح-: نعم، صدقتم لا تعجلوا، وانسلّ من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به فكان أول أسير فدي، ثم بعثت قريش في فداء أسراها، فقدم جبير بن مطعم- وأسلم بعد ذلك- في فداء الأسرى، وقدم مكرز- بكسر الميم ويجوز الفتح أيضا وبسكون الكاف وفتح الراء- ابن حفص في فداء سهيل بن عمرو، وكان
الذي أسره مالك بن الدخشم أحد [بني نبهان] بن عوف فقال: مالك: أسرت سهيلا فلم أبتغ ب ... هـ غيره من جميع الأمم وخندف تعلم أنّ الفتى ... سهيلا فتاها إذا يظلم ضربت بذي الشّفر حتّى انثنى ... وأكرهت نفسي على ذي العلم وكان سهيل أعلم من شفته السّفلى، فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا: هات الذي لنا، قال: اجعلوا رجلي مكان رجله وخلّوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائكم، فخلّوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزا، وكان سهيل قد قام في قريش خطيبا عند ما استنفرهم أبو سفيان للعير كما تقدم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا، فقال رسول الله ﷺ: «لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيّا، وإنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمّه» .
يل بن عمرو يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا، فقال رسول الله ﷺ: «لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيّا، وإنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمّه» . وكان عمرو بن أبي سفيان بن حرب أسيرا في يد رسول الله ﷺ من أسرى بدر، أسره علي بن أبي طالب ﵁، فقيل لأبي سفيان: افد عمرا ابنك، قال: أيجمع عليّ دمي ومالي، قتلوا حنظلة وأفدي عمرا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله ﷺ إذ خرج سعد بن النعمان بن أكّال أخو بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مريّة له، وكان شيخا مسلما في غنم له بالنّقيع، فخرج من هناك معتمرا ولا يخشى الذي صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد أن قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، ثم قال أبو سفيان: أرهط ابن أكّال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السّيّد الكهلا فإنّ بني عمرو لئام أذلّة ... لئن لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا فأجابه حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: لو كان سعد يوم مكّة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحنّ إذا ما أنبضت تحفز النّبلا ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ فأخبروا خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان، فيفكّوا به صاحبهم، ففعل رسول الله ﷺ، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلّى سبيل سعد. وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله ﷺ، وزوج ابنته زينب، أسره
خراش بن الصّمّة، فلما بعثت قريش فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص وأخيه عمرو بن الرّبيع بمال، فلما رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقّة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها مالها فافعلوا» ، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردّوا عليها الذي لها. وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلّي سبيل زينب إليه، وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ فيعلم ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: «كونا ببطن يأجح حتى تمرّ بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها» ، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه، فلما قدم أبو العاص مكّة أمرها باللّحوق بأبيها، فخرجت تجهّز، فكان ما سيأتي في الحوادث. وقال جماعة من الأسارى لرسول الله ﷺ منهم العبّاس: إنا كنا مسلمين، وإنما خرجنا كرها فعلام يؤخذ منا الفداء؟ فانزل الله تعالى فيما قالوا: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ من الأُسارى وفي قراءة: الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً، إيمانا وإخلاصا يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ومن الفداء بأن يضعّفه لكم في الدّنيا ويثيبكم في الآخرة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ يُرِيدُوا أي الأسارى خِيانَتَكَ بما أظهروا من القول فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ قبل بدر بالكفر فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ببدر قتلا وأسرا فليوقّعوا مثل ذلك إن عادوا وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ [الأنفال ٧٠، ٧١] في صنعه. وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وأبو نعيم في الدّلائل، وإسحاق بن راهويه في سنده، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ عن طرق، عن ابن عباس ﵄، وابن إسحاق، وأبو نعيم، عن جابر بن عبد الله بن رئاب: أن رسول الله ﷺ أسر يوم بدر سبعين من قريش، منهم العبّاس وعقيل، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب.
ن إسحاق، وأبو نعيم، عن جابر بن عبد الله بن رئاب: أن رسول الله ﷺ أسر يوم بدر سبعين من قريش، منهم العبّاس وعقيل، فجعل عليهم الفداء أربعين أوقية من ذهب. قال سعيد بن جبير: وجعل على العباس مائة أوقية، وقالوا أربعين، وعلى عقيل ثمانين أوقية، فقال العباس: لقد تركتني فقير قريش ما بقيت، فانزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [الأنفال: ٧٠] الآية. قال العباس حين أنزلت: لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافها فأتاني الله خيراً منها أربعين عبدا، كلّ في يده ماله يضرب به، وإني أرجو من الله المغفرة. وروى البخاري وابن سعد عن أنس: «إن النبي ﷺ أتي بمال من البحرين فقال: «انثروه في المسجد» ، فكان أكثر مال أتى به رسول الله ﷺ، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله
أعطني، إني فأديت نفسي وفأديت عقيلا، فقال: «خذ» . فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ، قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: «لا» ، فنثر منه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: «لا» ، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: «لا» ، فنثر منه، ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق وهو يقول: إنما آخذ ما وعد الله، فقد أنجز، فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم [ (١) ] . ومنّ رسول الله ﷺ على نفر من الأسارى يوم بدر من قريش بغير فداء. منهم: أبو عزّة عمرو بن عبد الله الجمحيّ، وكان محتاجا ذا عيال، فكلم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالي من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن عليّ، فمنّ عليه رسول الله ﷺ، وأخذ عليه ألّا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزّة في ذلك يمدح رسول الله ﷺ، ويذكر فضله في قومه: من مبلغ عنّي الرّسول محمّدا ... بأنّك حقّ والمليك حميد وأنت امرؤ تدعو إلى الحقّ والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد وأنت امرؤ بوّئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود فإنّك من قاربته لمحارب ... شقيّ ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذكّرت بدرا وأهله ... تأوب ما بي حسرة وقعود
ت امرؤ بوّئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود فإنّك من قاربته لمحارب ... شقيّ ومن سالمته لسعيد ولكن إذا ذكّرت بدرا وأهله ... تأوب ما بي حسرة وقعود وذكر ابن عقبة أنّ المسلمين جهدوا على أبي عزّة هذا أن يسلم عند ما أسر ببدر، فقال: لا حتى أضرب في الخزرجيّة يوما إلى الليل. قال أبو الربيع: وما وقع في شعره ومحاورته رسول الله ﷺ لا أعلم له مخرجا إن صحّ، إلا أن يكون ذلك من جملة ما قصد به أبو عزة أن يخدع به رسول الله ﷺ، فعاد على عدوّ الله ما قصد، ولم يخدع إلا نفسه وما شعر، وسيأتي بيان ذلك في غزوة حمراء الأسد، بعد أحد. ومنهم: وهب بن عمير بن وهب الجمحيّ، قدم أبوه عمير في فدائه، وحاول الفتك برسول الله ﷺ، لاتفاقه مع صفوان بن أمية على ذلك فأظهر الله تعالى رسوله عليه فأعلمه به، فكان ذلك سبب إسلامه، كما سيأتي ذلك في المعجزات، إن شاء الله تعالى.
ذكر إرسال قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليدفع إليهما من عنده من المسلمين قال أبو عمر، وتبعه أبو الخطاب بن دحية: لمّا أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر فاستأصل وجوههم، قالوا: إنّ ثأرنا بأرض الحبشة فلنرسل إلى ملكها يدفع إلينا من عنده من أتباع محمد، فنقتلهم بمن قتل هنا ببدر، فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي، فلما بلغ رسول الله ﷺ مخرجهما بعث عمرو بن أمية الضّمري- ولم يكن أسلم بعد فيما قيل- إلى النجاشي يوصيه بالمسلمين، ولما وصل عمرو وعبد الله إلى النجاشي ردّهما خائبين. وروى أبو داود عن ابن شهاب قال: بلغني أن مخرج عمرو بن العاص وابن أبي ربيعة إلى أرض الحبشة فيمن كان بأرضهم من المسلمين كان بعد وقعة بدر، فلما بلغ رسول الله ﷺ مخرجهما بعث عمرو بن أمية من المدينة إلى النجاشي بكتاب.
ذكر عدد المسلمين والمشركين الذين شهدوا بدرا روى البخاري عن البراء بن عازب ﵄ قال: كنّا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث: أن عدّة أصحاب بدر على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النّهر- ولم يجاوزه معه إلا مؤمن- بضعة عشر وثلاثمائة [ (١) ] . وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي، والطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري- ﵁ إن النبي ﷺ قال لهم وهم بالمدينة: «هل لكم أن نخرج فنلقى هذه العير لعل الله تعالى يغنمناها؟» قلنا: نعم، فخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله ﷺ أن نتعادّ، فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأخبرنا رسول الله ﷺ بعدّتنا فسرّ بذلك، وحمد الله تعالى وقال: «عدّة أصحاب طالوت» [ (٢) ] . روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، وأبو عوانة، وابن حبّان، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، ولفظ مسلم: تسعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ... الحديث. وروى البزّاز بسند حسن، عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: كانت عدّة أهل بدر عدّة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلاثمائة وسبعة عشر، كذا في النسخة التي وقفت
الحديث. وروى البزّاز بسند حسن، عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: كانت عدّة أهل بدر عدّة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلاثمائة وسبعة عشر، كذا في النسخة التي وقفت
عليها من مجمع الزوائد للهيثميّ: سبعة عشر، وأورده في الفتح بلفظ «ثلاثة عشر» فيحرّر. وروى البخاريّ، وإسحاق بن راهويه، عن البراء، ﵁، قال: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر فكان المهاجرون يوم بدر نيّفا على الستّين، والأنصار نيّفا وأربعين ومائتين. ووقع عند الحاكم من طريق عبد الملك بن إبراهيم الجدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء أن المهاجرين كانوا نيّفا وثمانين، قال الحافظ: وهذا خطأ في هذه الرواية، لإطباق أصحاب شعبة على ما وقع في البخاريّ. ووقع عند يعقوب بن سفيان من مرسل عبيدة السلمانيّ أن الأنصار كانوا مائتين وسبعين، وليس ذلك بثابت. وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي اليمان عامر الهوزنّي، والطبراني، والبيهقي من وجه آخر عنه، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر فقال لأصحابه: «تعادّوا فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا» ثم قال لهم: «تعادّوا» فتعادوا مرتين، فأقبل رجل على بكر له ضعيف وهم يتعادّون، فتمّت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر [ (١) ] . وروى أبو داود، والبيهقي، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر، وهذه الرواية لا تنافي رواية ثلاثة عشر، لاحتمال أن تكون الأولى لم يعدّ فيها رسول الله ﷺ ولا الرجل الذي أتى آخرا. وأما الرواية التي فيها: «تسعة عشر» فتحمل على أنه ضمّ إليه من استصغر ولم يؤذن له في القتال يومئذ، كالبراء وابن عمر وكذلك أنس، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح عنه أنه سئل: هل شهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر؟! وكأنه كان حينئذ في خدمة رسول الله ﷺ، كما ثبت عنه أنه خدمه عشر سنين، وذلك يقتضي أنه ابتدأ خدمته له حين قدم المدينة، فكأنه خرج معه إلى بدر، أو خرج مع عمه زوج أمه أبي طلحة. وفي الصحيح عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: فجميع من شهد بدرا من قريش ممّن ضرب له بسهمه أحد وثمانون. قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين قول البراء أنّ حديث البراء ورد فيمن شهدها حسّا.
الزهري قال: فجميع من شهد بدرا من قريش ممّن ضرب له بسهمه أحد وثمانون. قال الحافظ: والجمع بين هذا وبين قول البراء أنّ حديث البراء ورد فيمن شهدها حسّا. وقول الزّهريّ فيمن شهدها بالعدد حسّا وحكما ممّن ضرب له بسهم وأجره، أو المراد بالعدد الأول الأحرار، وبالثاني بانضمام مواليهم وأتباعهم. قال الحافظ: وإذا تحرر هذا الجمع فيعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما شهده منهم ثلاثمائة وخمسة أو ستّة. روى ابن جرير، عن ابن عباس قال: إن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وستّة رجال، وقد بيّن ذلك ابن سعد فقال: إنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة، فكأنه لم يعدّ رسول الله ﷺ، وبيّن وجه
الجمع بأنه ثمانية أنفس عدّوا في أهل بدر ولم يشهدوها، وإنما ضرب لهم رسول الله ﷺ معهم بسهامهم، لكونهم تخلّفوا لضرورات لهم، وتقدم بيانهم، وحكى السّهيليّ أنّه حضر مع المسلمين سبعون نفسا من الجنّ. وكان المشركون ألفا، وقيل: تسعمائة وخمسين، وقيل: وكان معهم سبعمائة بعير ومائة فرس.
ذكر من استشهد من المسلمين ببدر استشهد مع رسول الله ﷺ من المسلمين يوم بدر: عبيدة بن الحارث وعمير بن أبي وقاص وكانت سنّه ستة عشر أو سبعة عشر عاما، وعمير بن الحمام من بني سلمة، وسعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف من الأوس، وذو الشّمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة، ومبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف، وعاقل بن البكير الليثيّ، ومهجع مولى عمر حليف بني عديّ، وصفوان ابن بيضاء الفهريّ، ويزيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج، ورافع بن المعلّى، وحارثة بن سراقة وهو ابن عمة أنس بن مالك خرج نظّارا، وهو غلام، فأصابه سهم فقتله، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء سنّهما أربع عشرة سنة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار ستة من الخزرج واثنان من الأوس. روى الطبراني بسند رجاله ثقات، عن ابن مسعود ﵁ قال: إن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في جوف طير خضر تسرح في الجنّة، فبينما هم كذلك إذ اطّلع عليهم ربّهم اطّلاعة فقال: يا عبادي، ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا من شيء؟ قال: فيقول: يا عبادي، ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: تردّ أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا.
ادي، ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا من شيء؟ قال: فيقول: يا عبادي، ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: تردّ أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا.
ذكر عدة من قتل من المشركين يوم بدر ومن أسر منهم ذكر ابن إسحاق أن جميع من أحصي له من قتلى قريش من المشركين يوم بدر خمسون رجلا. قال ابن هشام: حدّثني أبو عبيدة عن أبي عمرو أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا والأسرى كذلك، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيّب، وفي كتاب الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [آل عمران ١٦٥] يقوله لأصحاب أحد، وكان ممّن استشهد منهم يوم أحد سبعين قتيلا، وسبعين أسيرا. وأنشدني أبو زيد الأنصاريّ لكعب بن مالك في قصيدة له يعني قتلى بدر: فأقام بالعطن المطعّن منهم ... سبعون، عتبة منهم والأسود
وقال في البداية: المشهور أن الأسارى يوم بدر كانوا سبعين، والقتلى من المشركين كذلك، كما ورد في غير ما حديث. وروى البخاري والبيهقي عن البراء قال: أمر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير- بالجيم تصغير جبر- وكانوا خمسين رجلا، فأصابوا منّا سبعين رجلا يعني يوم أحد، وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا. قال الحافظ: هذا هو الحق في عدد القتلى وقد وافق البراء على ذلك ابن عباس وآخرون، وأخرج ذلك مسلم من حديث ابن عباس. وقال الله ﷾: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها فاتّفق أهل العلم بالسّير على أن المخاطبين بذلك أهل أحد وأن المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر، وعلى أن عدّة من استشهد من المسلمين بأحد سبعون نفسا، وأطبق أهل السّير على أن من قتل من الكفار ببدر خمسون، يزيدون قليلا أو ينقصون. فسرد ابن إسحاق أسماءهم فبلغوا خمسين، وزاد الواقديّ ثلاثة أو أربعة، وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون، لكن لا يلزم من معرفة أسماء من قتل منهم على التعيين أن يكونوا جميع من قتل. انتهى.
لواقديّ ثلاثة أو أربعة، وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون، لكن لا يلزم من معرفة أسماء من قتل منهم على التعيين أن يكونوا جميع من قتل. انتهى. وروى البيهقي عن الزهري قال: قتل من المشركين يوم بدر زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك، ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال البيهقيّ: وهو أصح ما رويناه في عدد من قتل من المشركين ومن أسر منهم، وحديث البراء شاهد له، قلت: وبالغ الواقديّ فحكى الإجماع على ما في حديث البراء. قال أبو عمر: ومن مشاهير القتلى: حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، قتله زيد بن حارثة، وعبيدة بن سعيد بن العاص، قتله الزبير بن العوام، وأخوه العاص بن سعيد قتله عليّ وقيل غيره، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قتلهم حمزة، وعبيدة وعليّ كما تقدم، وعقبة بن أبي معيط، قتله عاصم بن ثابت صبرا [بالسيف] وقيل: بل عليّ بأمر رسول الله ﷺ له بذلك، والحارث بن عامر بن نوفل، قتله عليّ، وطعيمة بن عديّ، قتله حمزة، وقيل: بل قتل صبرا، والأول أشهر، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وابنه الحارث بن زمعة، وأخوه عقيل بن الأسود، وأبو البختريّ وهو العاص بن هشام، وتقدم الخلاف في قاتله من هو، ونوفل بن خويلد بن أسد، قتله علي، وقيل الزبير، والنّضر بن الحارث قتل صبرا بالصّفراء، وعمير بن عثمان عمّ طلحة، قتله علي بن أبي طالب، ومسعود بن أبي أمية المخزوميّ أخو أم المؤمنين أم سلمة قتله علي بن أبي طالب، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد بن الوليد، قتله عليّ ﵇، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله حمزة بن عبد المطلب، والسائب بن أبي السائب
المخزوميّ، قتله الزبير بن العوام. جزم ابن إسحاق وغيره بأنه قتل ببدر كافرا، وعلى ذلك جرى الزبير بن بكار، وخالفهم ابن هشام وغيره وعدّوه من جملة الصحابة، وقال أبو عمر: إنه من المؤلفة قلوبهم، وممّن حسن إسلامه منهم، فالله أعلم. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون السائب بن صيفيّ شريك النبي ﷺ عند الزبير بن بكار غير السائب بن أبي السائب. وروى الإمام أحمد عن السائب بن صيفيّ قال: جيء بي إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، جاء بي عثمان بن عفان وزهير فجعلوا يثنون عليّ، فقال لهم رسول الله ﷺ: «لا تعلموني به فقد كان صاحبي في الجاهلية» ، قال رسول الله ﷺ: «نعم الصّاحب كنت» ، وذكر الحديث في هذا دليل على أنه عاش إلى زمن الفتح وعاش بعد ذلك إلى زمن معاوية، قال ابن الأثير: وكان من المعمّرين [ (١) ] . قال ابن إسحاق: وكانت الفتية الذين قتلوا ببدر فنزل فيهم القرآن كما ذكر لنا إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء ٩٧] فتية مسمّين، وهم الحارث بن زمعة، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد، وعليّ بن أميّة، والعاص بن منبّه، وذلك أنهم كانوا أسلموا ورسول الله ﷺ بمكة، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكّة وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا. وكان ممّن أسر يومئذ من بني هاشم العباس بن عبد المطلب. روى أبو نعيم، عن ابن عباس ﵄: قلت لأبي: يا أبت، كيف أسرك أبو اليسر ولو شئت لجعلته في كفّك؟ فقال: يا بني لا تقل ذلك، لقيني وهو في عيني أعظم من الخندمة وهي- بفتح الخاء المعجمة وسكون النون فدال مهملة مفتوحة فميم- اسم جبل بمكة، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. ومن بني المطلب بن عبد مناف: السائب بن عبيد [ (٢) ] ، والنعمان بن عمرو. ومن بني نوفل: عديّ بن الخيار [ (٣) ] .
ي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. ومن بني المطلب بن عبد مناف: السائب بن عبيد [ (٢) ] ، والنعمان بن عمرو. ومن بني نوفل: عديّ بن الخيار [ (٣) ] .
ومن بني عبد الدار: أبو عزيز بن عمير. ومن بني تيم بن مرة: مالك بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله. ومن بني مخزوم، ومن خلفائهم: أربعة وعشرون. ومن بني عبد شمس وحلفائهم اثنا عشر رجلا، منهم: عمرو بن أبي سفيان بن حرب، والحارث بن أبي وجزة، وأبو العاص بن الربيع ختن رسول الله ﷺ. ومن سائر قريش: السائب بن أبي السائب [ (١) ] ، وتقدم ما في ذلك. والحارث بن عامر، وخالد بن هشام: أخو أبي جهل بن هشام، وصيفيّ بن أبي رفاعة، وأخوه المنذر بن أبي رفاعة، والمطلب بن حنطب، وخالد بن الأعلم، وهو القائل: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدّم فما صدق في ذلك، بل هو أول من فرّ يوم بدر فأدرك وأسر. وعثمان بن عبد شمس بن جابر المازنيّ حليف لهم، وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد أخو خالد بن الوليد، كذا ذكره في العيون تبعا لأبي عمر مع ذكرهما له فيمن قتل من مشركي أهل بدر وأحد المكانين غلط، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأبو عطاء عبد الله بن السائب بن عائذ المخزوميّ، وأبو وداعة بن ضبيرة السّهميّ، وهو أول أسير فدي منهم. وعبد الله بن أبي بن خلف الجمحيّ، وأخوه عمرو، وأبو عزة الجمحيّ، وسهيل بن عمرو العامري، وعبد الله بن زمعة بن قيس العامريّ، وعبد الله بن حميد بن زهير الأسديّ، هذا ما ذكره أبو عمر من المشاهير من القتلى والأسرى.
حيّ، وسهيل بن عمرو العامري، وعبد الله بن زمعة بن قيس العامريّ، وعبد الله بن حميد بن زهير الأسديّ، هذا ما ذكره أبو عمر من المشاهير من القتلى والأسرى.
ذكر من أسلم من أسرى بدر بعد ذلك العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وأبو العاص بن الربيع، وأبو عزيز- بفتح العين المهملة وكسر الزاي وفي آخر زاي أخرى بينهما مثناة تحتية ساكنة- واسمه زرارة بن عمير العبدريّ، والسائب بن أبي حبيش- بحاء مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فشين معجمة- وخالد بن هشام المخزومي، وعبد الله بن أبي السائب، والمطّلب بن حنطب، وأبو وداعة السّهميّ، وعبد الله بن أبي بن خلف الجمحيّ، ووهب بن عمير الجمحيّ، وسهيل بن عمرو العامري، وعبد الله بن زمعة أخو سودة، وقيس بن السائب. ونسطاس- بالنون- مولى أمية بن خلف.
هذا ما ذكره أبو الفتح وفاته جماعة، منهم: السائب بن عبيد، أسلم يوم بدر بعد أن فدى نفسه كما نقله الأئمة، عن القاضي أبي الطّيّب الطبريّ، وعديّ بن الخيار، وهو من مسلمة الفتح، والوليد بن المغيرة، افتكّه أخواه هشام وخالد، فما افتدي أسلم، وعاتبوه في ذلك فقال: كرهت أن يظنّ بي أنّي جزعت من الأسر. ولما أسلم حبسه أخواله، فكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت، ثم أفلت ولحق بالنبي ﷺ في عمرة القضيّة.
اتبوه في ذلك فقال: كرهت أن يظنّ بي أنّي جزعت من الأسر. ولما أسلم حبسه أخواله، فكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت، ثم أفلت ولحق بالنبي ﷺ في عمرة القضيّة.
تنبيهات الأول: بدر: قرية مشهورة على نحو أربع مراحل من المدينة الشريفة، قيل: نسبت إلى بدر بن مخلّة بن النضر بن كنانة، وقيل: إلى بدر بن الحارث، وقيل: إلى بدر بن كلدة. وقيل: بدر: اسم البئر التي بها سميت بذلك لاستدارتها أو لصفائها فكان البدر يرى فيها، وأنكر ذلك غير واحد من شيوخ بني غفار وقالوا: هي ماؤنا، ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قال الإمام البغويّ: وهذا قول الأكثر. الثاني: كانت الوقعة في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر، والأسارى في شوال. الثالث: ذكر في القصة أنه ﷺ مر بجبلين فسأل عن اسمهما فقيل له: أحدهما يقال له: مسلح- بضم أوله وسكون ثانيه وكسر اللام بعدها حاء مهملة- والآخر مخرئ- بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء- فعدل ﷺ عن طريقهما. قال أبو القاسم الخثعميّ رحمه الله تعالى: ليس هذا من باب الطّيرة التي نهى رسول الله ﷺ عنها، ولكنها من باب كراهية الاسم القبيح، فقد كان ﷺ يكتب إلى أمرائه: «إذا أبردتم إليّ بريدا فأبردوه وابعثوه حسن الوجه حسن الاسم» [ (١) ] قلت: رواه البزار من حديث بريدة، ورواه أيضا وكذا العقيلي والطبراني عن أبي هريرة بلفظ: «إذا بعثتم إليّ رجلا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم» ، وأحدهما يقويّ الآخر. انتهى. وقد قال ﷺ في لقحة: «من يحلب هذه؟» فقام رجل فقال: أنا، فقال: «ما اسمك؟» قال: مرّة، قال: «اقعد، فقام آخر قال: «ما اسمك؟» قال: جمرة، قال: «اقعد» ، ثم قام آخر فقال: «ما اسمك؟» قال: يعيش، قال: «احلب» .
قلت: رواه ابن سعد وابن قانع. انتهى. وفي رواية ابن وهب: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، كنت نهيتنا عن التّطيّر، فقال ﷺ: «ما تطيّرت، ولكن آثرت الاسم الحسن» ، أو كما قال ﷺ [ (١) ] . الرابع: وقع في صحيح مسلم عن أنس: إن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة ﵃ فقال: إيّانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، وذكر الحديث. قال في العيون: وهذا القول إنما يعرف عن سعد بن معاذ، كذلك رواه ابن عقبة وابن إسحاق وابن سعد وابن عائذ وغيرهم، والصحيح أن سعد بن عبادة لم يشهد بدرا، فإن سعدا كان متهيّئا للخروج فنهش قبل أن يخرج فأقام. وذكر الحافظ في الفتح نحوه، ثم قال: ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بيّن في رواية مسلم، والثانية: بعد أن خرج كما في حديث ابن مسعود في الصحيح، وحينئذ قال سعد بن معاذ ما قال. ووقع عند الطبرانيّ أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية وهذا أولى بالصواب، ولهذا مزيد بيان يأتي. الخامس: قال السّهيليّ: معنى يضحك الرّبّ أي يرضيه غاية الرّضا، وحقيقته أنه رضا معه تبشير وإظهار كرامة، وذلك أن الضّحك مضادّ للغضب، وقد يغضب السّيّد ولكنه يعفو ويبقى العتب، فإذا رضي فذلك أكثر من العفو، فإذا ضحك فذلك غاية الرّضا، إذ قد يرضى ولا يظهر ما في نفسه من الرّضا، فيعبّر عن الرّضا وإظهاره بالضّحك في حق الرب ﵎ مجازا وبلاغة وتضمينا في هذه المعاني في لفظ وجيز، ولذلك قال ﷺ في طلحة بن البراء: «اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه» . فمعنى هذه: القه لقاء متحابّين مظهرين لما في أنفسهما من رضا ومحبّة، فإذا قيل: ضحك الربّ إلى فلان فهي كلمة وجيزة، تتضمنّ رضا مع محبة وإظهار بشر وكرامة لا مزيد عليها، فهي من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ.
هما من رضا ومحبّة، فإذا قيل: ضحك الربّ إلى فلان فهي كلمة وجيزة، تتضمنّ رضا مع محبة وإظهار بشر وكرامة لا مزيد عليها، فهي من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ. وقال في المطالع: هذا وأمثاله من الأحاديث، طريقها الإيمان بها من غير كيف ولا تأويل
وتسليمها إلى عالمها وقائلها. السادس: قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى ما حاصله: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبابكر ﵁ كان أوثق بربّه من النبي ﷺ في تلك الحال، بل الحامل للنبي ﷺ على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجّه والدعاء والابتهال، لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كفّ عن ذلك، وعلم أنه استجيب له، لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، فلهذا عقّبه بقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ [القمر ٤٥] . وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: كان النبي ﷺ في مقام الخوف، وصاحبه في مقام الرّجاء، وكلا المقامين سواء في الفضل. قال تلميذه السّهيليّ: لا يريد أن النبي ﷺ والصّديق سواء، ولكن الرجاء والخوف مقامان لا بد للإيمان منهما، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء لله تعالى، والنبي ﷺ كان في مقام الخوف من الله تعالى، لأن الله تعالى يفعل ما يشاء فخاف ألّا يعبد الله تعالى في الأرض بعدها. وقال قاسم بن ثابت في دلائله: إنما قال الصّدّيق للنبي ﷺ ما قال معاونة ورقّة عليه، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرّع حتى سقط الرّداء عن منكبيه، فقال له: بعض هذا يا رسول الله، أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله تعالى قد وعدك بالنصر؟! وكان رقيق القلب شديد الإشفاق على النبي ﷺ، وزلّ من لا علم عنده ممّن ينسب إلى التصوف في هذا الموضع زللا شديدا، فلا يلتفت إليه، ولعل الخطّابيّ أشار إليه. السابع: قال في الروض: سبب شدة اجتهاده ونصبه في الدعاء أنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار، وأنصار الله تعالى يخوضون غمرات الموت.
السابع: قال في الروض: سبب شدة اجتهاده ونصبه في الدعاء أنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار، وأنصار الله تعالى يخوضون غمرات الموت. والجهاد على ضربين: جهاد بالسيف، وجهاد بالدعاء، ومن سنّة الإمام أن يكون من وراء الجند لا يقاتل معهم، فكأن الكل في جهاد وجدّ، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدّين والجهادين وأنصار الله وملائكته يجتهدون ولا يؤثر الدّعة، وحزب الله تعالى مع أعدائه يجتلدون. الثامن: لا تعارض بين قوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [الأنفال ٤٤] وبين قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ [آل عمران ١٣] فإن المعنى في ذلك أصحّ الأقوال أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثل عدد الكافرة على الصّحيح أيضا، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة، فأوقع الله تعالى الوهن والرّغب في قلوب الذين كفروا، فاستدرجهم أولا بأن أراهم



