الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القاضي عياض (w. 544 H).

Bagian 14 dari 19 697 halaman

— Bagian 14 · فصل وَأَمَّا أقْوَالُه ﷺ فَقَد قَامَت الدَّلائِل… —

Bagian 14

فصل وَأَمَّا أقْوَالُه ﷺ فَقَد قَامَت الدَّلائِل الْوَاضِحَة بصحَّة المُعْجِزَة عَلَى صِدْقِه وَأَجْمَعَت الْأُمَّة فِيمَا كَان طَرِيقُه البَلاغ أنَّه مَعْصُوم فِيه من الأخبار عن شئ مِنْهَا بِخِلَاف مَا هُو بِه لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا أَمَّا تَعَمُّد الخنف فِي ذَلِك فمنْتَف بِدَلِيل المعجزة القائِمَة مَقَام قول اللَّه صَدَق فِيمَا قَال اتّفَاقًا، وَبإطْبَاق أَهْل المِلَّة إجْماعًا وَأما وُقُوعُه عَلَى جِهَة الغَلَط فِي ذَلِك فَبِهَذَه السَّبِيل عِنْد الأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق الإسْفَرائِني وَمِن قَال بِقَوْلِه وَمِن جهة الإجْمَاع فَقَط وَوُرُود الشَّرْع بانْتِفَاء ذَلِك وعصمة النبي لَا من مُقْتَضَى المُعْجِزَة نَفْسِهَا عِنْد الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلَّانِي وَمِن وافقه لاختلاف بَيْنَهُم فِي مُقْتَضَى دَلِيل الْمُعْجِزَة لَا نُطَوّل بِذِكْرِه فَنَخْرُج عَن غَرَض الْكِتَاب فَلْنَعْتَمد عَلَى مَا وَقَع عَلَيْه إجْمَاع المُسْلِمين أنَّه لَا يَجُوز عَلَيْه خُلْف فِي القَوْل إبْلاغ الشَّرِيعَة وَالإعْلام بِمَا أخْبَر بِه عَن رَبَّه وَمَا أوْحَاه إليْه من وَحْيِه لَا عَلَى وَجْه العَمْد وَلَا عَلَى غَيْر عَمْد وَلَا فِي حَالي الرَّضَى وَالسَّخْط وَالصَّحّة وَالمَرض، وَفِي حَدِيث عَبْد الله ابن عَمْرو قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَال (نَعَم) قُلْتُ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبَ؟ قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا حَقًّا) وَلْنَزِدْ مَا أَشَرْنَا إليْه من دَلِيل الْمُعْجِزَة عَلَيْه بَيَانًا: فَنَقُول إذَا قامت الْمُعْجِزَة عَلَى صَدْقِه وَأنَّه لَا يَقُول إلَّا حَقًّا وَلَا يُبَلّغ عَن اللَّه إلَّا صِدْقًا وَأَنّ الْمُعْجِزَة قَائِمة مَقَام قَوْل اللَّه لَه صَدَقْت فِيمَا تَذْكُرُه عني وَهُو يَقُول إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لا بلغكم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وأبين لَكُمْ مَا نُزِّلَ عَلَيْكُمْ (وَمَا يَنْطِقُ

تَذْكُرُه عني وَهُو يَقُول إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ لا بلغكم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وأبين لَكُمْ مَا نُزِّلَ عَلَيْكُمْ (وَمَا يَنْطِقُ

عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) وَقَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبَّكُمْ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ الْغَلَطَ وَالسَّهْوَ لَمَا تَمَيَّزَ لَنَا مِنْ غَيْرِهِ ولا اختلط الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَصْدَيقِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غير خصوص فتبريه النبي ﷺ عن ذَلِك كُلَّه وَاجِب بُرْهَانًا وَإجْماعًا كَمَا قاله أَبُو إِسْحَاق فصل وَقَد تَوَجَّهَت ههُنا لِبَعْض الطاعِنِين سُؤَالات مِنْهَا مَا رُوِي من أَنّ النَّبِيّ ﷺ لما قرأ سورة وَالنَّجْم وَقَال (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخرى) قَال تِلْك الغَرَانِيق العُلى وَإِنّ شَفَاعَتَهَا لِتُرْتَجى وَيُرْوَى تُرْتَضَى، وَفِي رِوَايَة إن شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى، وأنها لَمَع الغَرَانِيق العُلى وَفِي أُخْرَى وَالغَرَانِقَة العُلَى تِلْك الشَّفَاعَة تُرْتَجى، فَلَمّا خَتَم السُّورَة سَجَد وَسَجَد مَعَه الْمُسْلِمُون وَالكُفَّار لَمّا سَمِعُوه أثْنى عَلَى آلِهتِهِم وَمَا وقَع فِي بَعْض الروايات أَنّ الشَّيْطَان ألفاها عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَتَمَنَّى أَنّ لَو نَزَل عَلَيْه شئ يُقَارِب بَيْنَه وَبَيْن قَوْمِه * وَفِي رِوَايَة أُخْرَى

ّيْطَان ألفاها عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَتَمَنَّى أَنّ لَو نَزَل عَلَيْه شئ يُقَارِب بَيْنَه وَبَيْن قَوْمِه * وَفِي رِوَايَة أُخْرَى

أَنّ لَا يَنْزِل عليه شئ يُنَفَّرُهُم عَنْه وَذَكَر هَذِه الْقِصَّة وَأَنّ جِبْرِيل ﵇ جَاءَه فَعَرَض عَلَيْه السُّورَة فَلَمّا بَلَغ الكلمتين قال له مَا جئْتُك بِهَاتَيْن، فَحَزِن لِذَلِك النَّبِيّ ﷺ فأنْزل اللَّه تَعَالَى تَسْلِيَة لَه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نبى) الآيَة وَقَوْلُه (وَإِنْ كادوا ليفتنونك) الآيَة، فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه أَنّ لَنَا فِي الْكَلَام عَلَى مُشْكل هَذَا الْحَدِيث مَأْخَذيْن أحَدُهُمَا فِي تَوْهِين أصْلِه وَالثَّاني عَلَى تَسْلِيمِه، أَمَّا الْمَأْخَذ الأوّل فَيَكْفِيك أَنّ هَذَا حَدِيث لَم يُخَرَّجْه أَحَد من أَهْل الصّحَّة وَلَا رَوَاه ثِقَة بِسَنَد سَلِيم مُتّصِل وَإِنَّمَا أُولِع بِه وَبمِثْلِه الْمُفَسِّرُون وَالْمُؤَرّخُون الْمُولَعُون بِكُلّ غَريب الْمُتَلَقّفُون من الصحف كُلّ صحيح وَسَقِيم وَصَدَق الْقَاضِي بَكْرُ بن الْعَلَاء الْمَالِكيّ حَيْث قَال لَقَد بُلِي النَّاس بِبَعْض أَهْل الأهْوَاء وَالتَّفْسِير وَتَعَلَّق بِذَلِك الْمُلحِدُون مَع ضَعْف نَقَلَتِه وَاضْطِرَاب رِوَايَاتِه وَانْقِطَاع إسْنَادِه وَاختِلَاف كَلِمَاتِه فَقَائِل يَقُول إنَّه فِي الصَّلَاة، وآخَر يَقُول قالها فِي نَادِي قَوْمِه حِين أُنْزِلَت عَلَيْه السُّورَة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سنة، وَآخَر يَقُول بَل حدث نفسه فيها، وآخر يقول إن الشيطان قَالَهَا عَلَى لِسَانِه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ لَمّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيل قَال مَا هكذا أقْرَأْتُك، وَآخَر يَقُول بَل أَعْلَمَهُم الشَّيْطَان أَنّ النَّبِيّ ﷺ قَرَأَهَا، فَلَمّا بَلَغ النَّبِيّ ﷺ ذَلِك قَال والله مَا هكَذَا نَزلَت، إِلَى غَيْر ذَلِك مِن اخْتِلَاف الرُّوَاة، وَمِن حُكِيَت هَذِه الحِكَايَة عَنْه مِن الْمُفَسّرِين وَالتَّابِعِين لَم يُسْندْهَا أحَد مِنْهُم وَلَا رَفَعَهَا إِلَى

صَاحِب وَأكْثَر الطُّرُق عَنْهُم فِيهَا ضَعِيفَة وَاهِية وَالمَرْفُوع فِيه حَدِيث شُعْبَة عَن أَبِي بِشْر عَن سَعِيد بن جُبَيْر عَن ابن عَبَّاس قَال فِيمَا أحْسِب الشك فِي الْحَدِيث أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان بِمَكَّة وَذَكَر الْقِصَّة قَال أَبُو بَكْر الْبَزَّار هَذَا الْحَدِيث لَا نَعْلَمُه يُرْوَى عَن النَّبِيّ صَلَّى الله علبه وَسَلَّم بِإسْنَاد مُتَّصِل يَجُوز ذِكْرُه إلَّا هَذَا وَلَم يُسْنِدْه عَن شُعْبَة إلَّا أُمَيَّة بن خَالِد وَغَيْرُه يُرْسِلُه عَن سَعِيد بن جُبَيْر وَإِنَّمَا يُعْرَف عَن الكَلْبِيّ عَن أَبِي صالح عَن ابن عَبَّاس فَقَد بَيْن لَك أَبُو بَكْر ﵀ أنَّه لَا يُعْرَف من طَرِيق يَجُوز ذِكْرُه سِوَى هَذَا وَفِيه مِن الضَّعْف مَا نَبَّه عَلَيْه مَع وُقُوع الشك فِيه كَمَا ذَكَرَنَاه الَّذِي لَا يُوثَق بِه وَلَا حَقِيقَة مَعَه، وَأَمَّا حَدِيث الْكَلْبِي فمِمَّا لَا تَجُوز الرَّواية عَنْه وَلَا ذِكْرُه لِقُوَّة ضَعْفِه وَكَذِبِه كَمَا أشَار إليْه الْبَزَّار ﵀ وَالَّذِي مِنْه فِي الصحيح أن النبي ﷺ قَرَأَ وَالنَّجْمِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ، هَذَا تَوْهِينُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَمَّا من جِهة الْمَعْنَى فَقَد قَامَت الْحُجَّة وَأَجْمَعت الأُمَّة عَلَى عِصْمَتِه ﷺ وَنَزَاهِتِه عَن مثل هذه الرذبلة إِمَّا من تَمَنَّيه أن يُنْزَل عَلَيْه مِثْل هَذَا من مَدْح آلِهة غَيْر اللَّه وَهُو كُفْر أَو أن يَتَسَوَّر عَلَيْه الشَّيْطَان وَيُشَبَّه عَلَيْه الْقُرْآن حَتَّى يَجْعل فِيه مَا لَيْس مِنْه وَيَعْتقَد النَّبِيّ ﷺ أَنّ مِن الْقُرْآن مَا لَيْس مِنْه حَتَّى يُنَبّهَه جِبْرِيل ﵇ وَذَلِك كُلُّه مُمْتَنِع فِي حَقَّه ﷺ أَو يَقُول ذَلِك النَّبِيّ ﷺ من قِبَل نَفْسِه عَمْدًا - وَذَلِك كُفْر - أَو سَهْوًا وهو مَعْصُوم من هَذَا كله وَقَد قَرَّرْنا بِالبَرَاهِين وَالإجْماع عِصْمَتَه ﷺ من جَرَيان

ّ ﷺ من قِبَل نَفْسِه عَمْدًا - وَذَلِك كُفْر - أَو سَهْوًا وهو مَعْصُوم من هَذَا كله وَقَد قَرَّرْنا بِالبَرَاهِين وَالإجْماع عِصْمَتَه ﷺ من جَرَيان

الْكُفْر عَلَى قَلْبِه أَو لِسَانِه لَا عَمْدًا وَلَا سَهُوًا أَو أن يَتَشَبّه عَلَيْه مَا يُلْقِيه الْمُلْك مِمَّا يُلْقي الشَّيْطَان أَو يَكُون لِلشَّيْطَان عَلَيْه سَبِيل أَو أن يَتَقَوَّل عَلَى اللَّه لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا مَا لَم يُنْزَل عَلَيْه وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل) الآية، وقال تَعَالَى (إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) الآيَة، وَوَجْه ثان وَهُو اسْتِحَالة هَذِه الْقِصَّة نَظَرًا وَعُرْفًا وَذَلِك أَنّ هَذَا الْكَلَام لَو كَان كما رُوِي لكان بعيد الالْتِئَام مُتَنَاقِض الْأَقْسَام مُمْتَزِج المدح بالضم مُتَخاذِل التَّأْلِيف وَالنّظْم وَلَمَّا كَان النَّبِيّ ﷺ وَلَا من بِحَضْرَتِه مِن الْمُسْلِمِين وَصَنَادِيد المُشْرِكِين مِمَّن يَخْفى عَلَيْه ذَلِك وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أدْنى مُتَأمّل فَكَيْف بِمَن رَجَح حِلْمُه وَاتَّسَع فِي باب الْبَيَان؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ فَصِيح الْكَلَام عِلْمُه، وَوَجْه ثالث أنَّه قَد عُلِم من عَادَة المُنَافِقِين وَمُعَانِدِي المُشْرِكِين وضَعَفَه الْقُلُوب وَالجَهَلَة مِن المُسْلِمِين نُفُورُهُم لأوَّل وَهْلَة وَتَخْلِيط الْعَدُوّ عَلَى النَّبِيّ ﷺ لِأَقَلّ فِتْنَة وَتَعْييرُهُم المُسْلِمِين وَالشَّمَاتَة بِهِم الْفَيْنَة بَعْد الْفَيْنَة وَارْتِدَاد من فِي قَلْبِه مَرَض مِمَّن أظْهَر الإسلام لأدنى شُبْهَة وَلَم يَحْك أحَد فِي هَذِه الْقِصَّة شَيْئًا سوى هَذِه الرّوَايَة الضَّعِيفَة الْأَصْل وَلَو كَان ذَلِك لَوَجَدَت قُرَيْش بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِين الصَّوْلَة وَلأقَامَت بِهَا الْيَهُود عَلَيْهِم الْحُجَّة كَمَا فَعَلُوا مُكَابَرَة فِي قِصَّة الْإِسْرَاء حَتَّى كَانَت فِي ذلك لبعض

الْمُسْلِمِين الصَّوْلَة وَلأقَامَت بِهَا الْيَهُود عَلَيْهِم الْحُجَّة كَمَا فَعَلُوا مُكَابَرَة فِي قِصَّة الْإِسْرَاء حَتَّى كَانَت فِي ذلك لبعض

الضُّعَفَاء رِدَة وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي قِصَّة القضِيَّة وَلَا فِتْنَة أعْظَم من هَذِه البلية لَو وُجِدَت وَلَا تَشْغِيب للمُعَادِي حِينئذ أشَد من هَذِه الحَادِثَة لَو أمْكَنَت فَمَا رُوِي عَن مُعَانِد فِيهَا كَلِمة وَلَا عَن مُسْلِم بسببها بِنْت شَفَة فَدَلّ عَلَى بُطْلِها واجْتثَاث أصْلِها وَلَا شَكّ فِي إدْخَال بَعْض شَيَاطِين الإنس أَو الجِنّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى بَعْض مُغَفَّلي المحدثين ليلبسن بِه عَلَى ضُعَفاء الْمُسْلِمِين. وَوَجْه رَابع ذَكَر الرُّوَاة لِهَذِه القَضِيَّة أَنّ فِيهَا نَزَلَت (وَإِنْ كَادُوا ليفتنونك) الآيَتَيْن، وَهَاتان الآيتان تَرُدَّان الخَبَر الَّذِي رَوَوْه لِأَنّ اللَّه تَعَالَى ذَكَر انهم كَادُوا يَفْتِنُونَه حَتَّى يَفْتَرِي وَأنَّه لولا أن ثبته لَكَاد يَرْكَن إِلَيْهِم فَمَضْمُون هَذَا وَمَفْهُومُه أن الله تعالى عصمه من أَنّ يَفْتَرى وَثَبَّتَه حَتَّى لَم يَرْكَن اليهم قلِيلًا فَكَيْف كَثِيرا وهم يرون فِي أخْبَارِهم الْوَاهِيَة أنَّه زَاد عَلَى الرُّكُون وَالافْتِرَاء بِمَدْح آلِهَتِهِم وَأنَّه قَال ﷺ: (افْتَرَيْتَ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتَ مَا لَمْ يَقُلْ) وَهَذَا ضِدّ مَفْهُوم الآية وَهِي تضعف الْحَدِيث لَو صَحّ فَكَيْف وَلَا صِحَّة لَه؟ وَهَذَا مِثْل قَوْلِه تَعَالَى فِي الآيَة الأخرى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يضرونك من شئ) وَقَد رُوِي عَن ابن عَبَّاس كُلّ مَا فِي الْقُرْآن كاد فَهُو مَا لَا يَكُون قَال اللَّه تَعَالَى (يَكَادُ سنابرقه يذهب بالأبصار) وَلَم يَذْهَب وَأَكَاد أُخْفِيهَا وَلَم يَفْعَل، قَال الْقُشَيْرِيّ الْقَاضِي وَلَقَد طَالَبَه قُرَيْش وَثَقيف إذ مَرّ بآلِهتِهِم أن يُقْبل بوَجْهِه إِلَيْهَا وَوَعَدُوه الْإِيمَان بِه إنّ فعل فما فَعَل وَلَا كَان لِيَفْعَل،

ِي وَلَقَد طَالَبَه قُرَيْش وَثَقيف إذ مَرّ بآلِهتِهِم أن يُقْبل بوَجْهِه إِلَيْهَا وَوَعَدُوه الْإِيمَان بِه إنّ فعل فما فَعَل وَلَا كَان لِيَفْعَل، قَال ابن الأنْبَارِيّ مَا قَارَب الرَّسُول وَلَا رَكَن وَقَد ذُكرَت فِي مَعْنَي هَذِه الآيَة تَفَاسِير

أُخَر مَا ذَكَرَناه من نص اللَّه عَلَى عِصْمَة رسوله تَرُدّ سِفْسافَهَا فَلَم يَبْق فِي الآيَة إلَّا أَنّ اللَّه تَعَالَى امْتَنّ عَلَى رسوله بِعِصْمِتِه وتَثْبِيتِه بِمَا كادَه بِه الكُفَّار وَرَامُوا من فِتْنَتِه وَمُرَادُنَا من ذَلِك تَنْزِيهُه وَعِصْمَتُه ﷺ وَهُو مَفْهُوم الآيَة، وَأَمَّا المَأْخَذ الثاني فَهُو مَبْنِي عَلَى تَسِليم الْحَدِيث لَو صَحّ وَقَد أعاذَنا اللَّه من صِحَّتِه وَلَكِن عَلَى كُلّ حَال فَقَد أجَاب عَن ذَلِك أئمة الْمُسْلِمِين بأجْوبة مِنْهَا الغَثّ وَالسَّمِين فَمِنْهَا مَا رَوَى قَتَادَة وَمُقَاتِل أَنّ النَّبِيّ ﷺ أصَابَتْه سِنَة عِنْد قِرَاءَتِه هَذِه السُّورَة فَجَرَى هَذَا الْكَلَام عَلَى لِسَانِه بِحُكْم النَّوْم وَهَذَا لَا يَصِحّ إِذ لَا يَجُوز عَلَى النَّبِيّ ﷺ مِثْلُه فِي حَالَة من أحْوالِه وَلَا يَخْلُقُه اللَّه عَلَى لِسَانِه وَلَا يَسْتَوْلِي الشَّيْطَان عَلَيْه فِي نَوْم وَلَا يَقَظَة لِعِصْمَتِه فِي هَذَا الْبَاب من جَمِيع الْعَمْد وَالسَّهْو وَفِي قَوْل الْكَلْبِيّ أَنّ النَّبِيّ ﷺ حَدَّث نَفْسَه فَقَال ذَلِك الشَّيْطَان عَلَى لِسَانِه، وَفِي رِوَايَة ابن شِهَاب عَن أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن قَال وَسَهَا فَلَمّا أُخْبِر بِذَلِك قَال إنَّمَا ذَلِك مِن الشَّيْطَان وَكُلّ هذه لَا يَصِحّ أن يَقُولَه النَّبِيّ ﷺ لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلِه الشَّيْطَان عَلَى لِسَانِه وَقِيل لَعَلّ النَّبِيّ ﷺ قالَه أثْنَاء تِلاوَتِه عَلَى تَقْدِير التَّقْرِير وَالتَّوْبِيخ لِلْكُفّار كقَوْل إبْرَاهِيم ﵇ هَذَا رَبِّي عَلَى أَحَد التَّأْوِيلات وَكَقَوْلِه بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا بَعْد السَّكُت وَبَيَان الْفَصل بَيْن الْكَلامَيْن ثُمّ رَجَع إِلَى تلاوته وهذا يمكن مَع بَيَان الْفَصل وَقَرِينَة تَدُلّ عَلَى الْمُرَاد وَأنَّه لَيْس مِن الْمَتْلُو وَهُو أَحَد مَا ذَكَرَه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِمَا رُوِي أنه

رِينَة تَدُلّ عَلَى الْمُرَاد وَأنَّه لَيْس مِن الْمَتْلُو وَهُو أَحَد مَا ذَكَرَه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِمَا رُوِي أنه

كَان فِي الصَّلَاة فَقَد كَان الْكَلَام قَبْل فِيهَا غَيْر مَمْنُوع والذي يَظْهَر وَيَتَرَجَّح فِي تأْوَيله عِنْدَه وعند غَيْرِه مِن الْمُحَقّقين عَلَى تَسْلِيمِه أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان كَمَا أمَرَه ربه يُرَتّل الْقُرْآن تَرْتِيلًا وَيُفَصّل الآي تَفْصِيلًا فِي قِرَاءَتِه كَمَا رَوَاه الثّقَات عَنْه فَيُمْكِن تَرَصُّد الشَّيْطَان لِتِلْك السَّكَتَات وَدَسُّه فيها ما اختلفه من تِلْك الْكَلِمَات مُحَاكِيًا نَغْمَة النَّبِيّ ﷺ بَحَيْث يَسْمَعُه من دَنَا إليْه من الكفا فَظَنُّوها من قول النَّبِيّ ﷺ وَأشَاعُوهَا وَلَم يَقْدَح ذَلِك عِنْد الْمُسْلِمِين بِحْفظ السُّورَة قَبْل ذَلِك عَلَى مَا أنْزَلَهَا اللَّه وَتَحَقُّقِهم من حَال النَّبِيّ ﷺ فِي ذَمّ الْأَوْثَان وعيبها عُرِف مِنْه وَقَد حَكى مُوسَى بن عُقْبَة فِي مَغَازِيه نَحْو هَذَا، وَقَال إنّ الْمُسْلِمِين لَم يَسْمَعُوهَا وَإِنَّمَا ألْقَى الشَّيْطَان ذَلِك فِي أسْمَاع الْمُشْرِكِين وَقُلُوبِهِم وَيَكُون مَا رُوِي من حُزْن النَّبِيّ ﷺ لهذه الإشَاعَة وَالشُّبْهَة وَسَبَب هَذِه الفِتْنَة وَقَد قَال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلكم مِنْ رَسُولٍ وَلا نبى) الآيَة فَمَعْنَي تَمَنَّى: تلا، قَال اللَّه تَعَالَى: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ) أَي تِلَاوَة وَقَوْلُه (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشيطان) أَي يُذْهِبُه وَيُزِيِل اللَّبْس بِه وَيُحْكِم آياتِه، وَقِيل مَعْنَي الآيَة هُو مَا يَقَع لِلنَّبِيّ ﷺ مِن السَّهْو إذَا قَرَأ فَيَنْتَبِه لِذَلِك وَيَرْجع عَنْه وَهَذَا نَحْو قول الكلْبِيّ فِي الآيَة أنه حَدَّث نَفْسَه وَقَال إذَا تَمَنَّى أَي حَدَّث نَفْسَه، وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن نَحْوَه وَهَذَا السَّهْو فِي القِرَاءَة إنَّمَا يَصِحّ فِيمَا لَيْس طَرِيقُه تَغْيير المَعَانِي وتبديل الألفاظ

وَايَة أَبِي بَكْر بن عَبْد الرَّحْمن نَحْوَه وَهَذَا السَّهْو فِي القِرَاءَة إنَّمَا يَصِحّ فِيمَا لَيْس طَرِيقُه تَغْيير المَعَانِي وتبديل الألفاظ

وَزِيَادَة مَا لَيْس مِن القرآن بَل السَّهْو عن إسقاط آية منه أو كلمة ولكنه لا يقر على هذا السهو بَل يُنَبَّه عَلَيْه وَيُذَكَّر بِه لِلحِين عَلَى مَا سَنَذْكُرُه فِي حُكْم مَا يَجُوز عَلَيْه مِن السهو وَمَا لَا يَجُوز وَمِمَّا يَظْهَر فِي تأْويلِه أيْضًا أَنّ مُجَاهِدًِا رَوَى هَذِه الْقِصَّة وَالغَرَانِقَة العُلَى فإن سَلَّمْنا الْقِصَّة قُلْنَا لَا يَبْعُد أَنّ هَذَا كَان قُرْآنًا وَالمُرَاد بِالْغَرانِقَةِ الْعُلَى وأن شفاعتهن لتربحي الْمَلَائِكَة عَلَى هَذِه الرّوَايَة وبهذا فَسَّر لكلى الغَرَانِقَة أنَّهَا الْمَلَائِكَة وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الْأَوثَان وَالْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه كَمَا حَكى اللَّه عَنْهُم وَرَد عَلَيْهِم فِي هَذِه السُّورَة بِقَوْلِه (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى) فأنكَر اللَّه كُلّ هَذَا من قَوْلِهم وَرَجَاء الشَّفَاعَة مِن الْمَلَائِكَة صَحِيح فَلَمّا تَأوَّلَه المُشْرِكُون عَلَى أَنّ المُرَاد بَهَذَا الذكر آلهتهم وليس عَلَيْهِم الشَّيْطَان ذَلِك وزَيَّنَه فِي قُلُوبِهِم وَألْقَاه إلَيْهِم نَسَخ اللَّه مَا ألقى الشَّيْطَان وأحْكَم آياتِه وَرَفَع تِلَاوَة تِلْك اللَّفْظَتْين اللَّتَيْن وَجَد الشَّيْطَان بهما سَبيلًا للإلْباس كَمَا نُسِخ كَثِير مِن الْقُرْآن وَرُفِعَت تِلَاوَتُه وَكَان فِي إنْزَال اللَّه تَعَالَى لِذَلِك حِكْمَة وَفِي نَسْخِه حِكْمَة لِيُضِلّ بِه من يَشَاء وَيَهْدي من يَشَاء وَمَا يُضِلّ بِه إلَّا الفاسِقين وَ (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) الآية - وَقِيل إن النبي ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِه السُّورَة وَبَلَغ ذكرت اللات وَالعُزَّى وَمَنَاة

ْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) الآية - وَقِيل إن النبي ﷺ لَمّا قَرَأ هَذِه السُّورَة وَبَلَغ ذكرت اللات وَالعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى خَاف الكُفَّار أن يَأتِي بشئ من ذَمّهَا فَسَبَقُوا إلى مدحها

بِتِلَك الكلِمَتْين لِيُخَلّطُوا فِي تِلَاوَة النَّبِيّ ﷺ وبشنعوا عَلَيْه عَلَى عَادِتِهِم وقوْلِهِم (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ونُسِب هَذَا الفِعْل إِلَى الشَّيْطَان لِحَمْلِه لَهُم عَلَيْه وَأَشَاعُوا ذَلِك وَأَذَاعُوه وَأَنّ النَّبِيّ ﷺ قالَه فَحَزِن لِذَلِك من كَذبِهِم وَافتِرَائِهِم عَلَيْه فَسَلَّاه اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِه (وَمَا أَرْسَلْنَا من قبلك) الآيَة، وَبَيْن لِلنَّاس الْحَقّ من ذَلِك مِن الْبَاطِل وَحَفِظ الْقُرْآن وَأحْكَم آياتِه وَدَفَع مَا لَبَّس بِه العَدُوّ كَمَا ضَمِنَه تَعَالَى من قَوْلِه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون) وَمِن ذَلِك مَا رُوِي من قِصَّة يُونُس ﵇ أنَّه وَعَد قَوْمَه العذاب عن رَبَّه فَلَمّا تَابُوا كُشِف عَنْهُم العذاب فَقَال لَا أرْجِع إِلَيْهِم كَذَّابًا أبدًا فَذَهَب مُغَاضِبًا. فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه أَنّ لَيْس فِي خَبَر مِن الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب أَنّ يُونُس ﵇ قَال لَهُم إنّ اللَّه مُهْلِكَهُم وَإِنَّمَا فِيه أنَّه دَعَا عَلَيْهِم بالْهَلاك، وَالدُّعَاء لَيْس بِخَبَر يُطْلَب صِدْقُه من كَذبِه، لكنه قَال لَهُم إنّ العذاب مُصَبّحُكُم وقت كذا وكذا فكان ذلك كَمَا قَال ثُمّ رَفَع اللَّه تَعَالَى عَنْهُم العذاب وَتَدَارَكَهُم، قَال اللَّه تَعَالَى (إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ) الآيَة وَرُوي فِي الْأَخْبَار أَنَّهُم رَأَوْا دَلَائِل الأعذاب وَمَخَايِلَه، قاله ابن مَسْعُود، وَقَال سَعِيد بن جُبَيْر غَشَّاهُم الْعَذَاب كما يُغَشّى الثَّوْب الْقَبَر. فإن قُلْت فَمَا مَعْنَي مَا رُوِي أَنّ عَبْد اللَّه بن أَبِي سَرْح كَان يَكْتُب لِرَسُول اللَّه ﵌ ثُمّ ارْتَدّ مُشْرِكًا وَصَار إِلَى قُرَيْش فَقَال لَهُم إنّي كُنْت أُصَرّف مُحَمَّدًا حَيْث أُرِيد كَان يُمْلِي عَلِيّ عَزيز حَكِيم

رَسُول اللَّه ﵌ ثُمّ ارْتَدّ مُشْرِكًا وَصَار إِلَى قُرَيْش فَقَال لَهُم إنّي كُنْت أُصَرّف مُحَمَّدًا حَيْث أُرِيد كَان يُمْلِي عَلِيّ عَزيز حَكِيم

فَأقُول أَو عَلِيم حَكِيم؟ فَيَقُول نَعَم كُلّ صَوَاب، وَفِي حَدِيث آخَر فَيَقُول لَه النَّبِيّ ﷺ (اكْتُبْ كَذَا) فَيَقُولُ أَكْتُبُ كَذَا: فَيَقُولُ: (اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ) وَيَقُولُ اكْتُبْ عَلِيمًا حَكِيمًا فَيَقُولُ اكْتُبْ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ نَصْرَانِيًّا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بعد ما أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّد إلَّا مَا كَتَبْت لَه: اعلم ثَبّتَنَا اللَّه وَإيّاك عَلَى الْحَقّ وَلَا جَعَل لِلشَّيْطَان وَتَلْبِيسِه الْحَقّ بِالبَاطِل إِلَيْنَا سَبِيلًا أَنّ مِثْل هذه الحكاة أوّلًا لَا تُوقِع فِي قَلْب مُؤْمِن رَيْبًا إِذ هِي حِكَاية عَمَّن ارْتَدّ وَكَفَر بالله وَنَحْن لَا نَقْبَل خَبَر المسلم الْمُتَّهَم فَكَيْف بِكَافر افْتَرَى هُو وَمِثْلُه عَلَى اللَّه ورسوله مَا هُو أعْظَم من هَذَا؟ وَالْعَجَب لِسَلِيم العَقْل يَشْغَل بِمِثَل هَذِه الحِكَايَة سِرَّه وَقَد صَدَرَت من عَدُوّ كافر مبغض للدين مفتر على الله وَرَسُولِه وَلَم يَرِد على أحد من السملمين وَلَا ذَكَر أَحَد مِن الصَّحَابَة أنَّه شَاهَد مَا قاله وَافْترَاه عَلَى نَبِيّ اللَّه وَإِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِب الذين لَا يُؤمِنُون بِآيات اللَّه وَأُولئِك هُم الْكَاذِبون، وَمَا وَقَع من ذِكْرِهَا فِي حَدِيث أَنَس ﵁ وَظَاهِر حِكَايَتِهَا فليس فِيه مَا يَدُلّ عَلَى أنَّه شَاهَدَها وَلَعَلَّه حَكى مَا سَمِع وَقَد عَلَّل البزاز حَدِيثه ذَلِك وَقَال: رَوَاه ثَابِت عَنْه وَلَم يُتَابَع عَلَيْه، وَرَوَاه حَمِيد عَن أَنَس قَال وأظن حميدًا إنَّمَا سَمِعَه من ثابت،

د عَلَّل البزاز حَدِيثه ذَلِك وَقَال: رَوَاه ثَابِت عَنْه وَلَم يُتَابَع عَلَيْه، وَرَوَاه حَمِيد عَن أَنَس قَال وأظن حميدًا إنَّمَا سَمِعَه من ثابت، قَال الْقَاضِي أبو الفضل وَفَّقَه اللَّه ولهذا والله أَعْلَم لَم يُخَرّج أَهْل الصَّحِيح حَدِيث ثابت وَلَا حَمِيد والحصحيح حَدِيث عَبْد اللَّه بن عزيز بن رفيع عَن أَنَس ﵁ الَّذِي خَرَّجَه أَهْل الصّحَّة وَذَكَرْناه وَلَيْس فِيه عَن أَنَس قول شئ من ذلك من قَبْل نَفْسِه إلَّا من حِكَايَتِه عَن المُرْتَد النّصْرَانيّ

وَلَو كَانَت صَحِيحَة لَمّا كَان فِيهَا قَدْح وَلَا تَوْهِيم لِلنَّبِيّ ﷺ فِيمَا أُوحِي إليْه وَلَا جَوَاز لِلنّسْيَان وَالغَلَط عَلَيْه وَالتَّحْرِيف فِيمَا بَلَّغَه وَلَا طَعْن فِي نَظْم الْقُرْآن وأن من عِنْد اللَّه إِذ لَيْس فِيه لَو صَحّ أَكَثَر من أَنّ الكاتِب قَال لَه عَلِيم حَكِيم أَو كَتَبَه فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ كَذَلِك هُو فَسَبَقَه لِسَانُه أَو قلمه لِكَلِمَة أَو كَلِمَتَيْن مِمَّا نُزّل عَلَى الرَّسُول قَبْل إظْهَار الرَّسُول لَهَا إِذ كَان مَا تَقَدَّم مِمَّا أمْلَاه الرَّسُول يَدُلّ عَلَيْهَا وَيَقْتَضَي وُقُوعَهَا بِقُوَّة قُدْرَة الكاتِب عَلَى الْكَلَام وَمَعْرِفَته بِه وَجَوْدَة حِسّه

ا تَقَدَّم مِمَّا أمْلَاه الرَّسُول يَدُلّ عَلَيْهَا وَيَقْتَضَي وُقُوعَهَا بِقُوَّة قُدْرَة الكاتِب عَلَى الْكَلَام وَمَعْرِفَته بِه وَجَوْدَة حِسّه وَفِطْنَتِه كَمَا يَتَّفِق ذَلِك لِلْعَارِف إذَا سَمِع البَيْت أن يَسْبِق إلى قافِيَتِه أَو مُبْتَدإ الْكَلَام الْحَسَن إلى مَا يَتِمّ بِه وَلَا يَتَّفِق ذَلِك فِي جُمْلَة الْكَلَام كَمَا لَا يَتَّفِق ذَلِك فِي آية وَلَا سُورَة، وَكَذَلِك قَوْلُه ﷺ أن صَحّ كُلّ صَوَاب فَقَد يَكُون هَذَا فِيمَا فِيه من مَقَاطِع الآي وَجْهَان وقراءتان أنزلنا جَميعًا عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَأَمْلى إحْدَاهُمَا وَتَوَصَّل الكاتب بِفِطْنَتِه وَمَعْرِفَتِه بِمُقْتَضى الْكَلَام إلى الْأُخْرَى فَذَكَرَهَا لِلنَّبِيّ ﷺ فَصَوَّبَهَا لَه النَّبِيّ ﷺ ثُمّ أَحْكَم اللَّه من ذَلِك مَا أَحْكَم وَنَسَخ مَا نَسَخ كَمَا قَد وجد ذَلِك فِي بَعْض مقاطيع الآى مثله قَوْلِه تَعَالَى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم) وَهَذِه قِرَاءَة الجُمْهُور وَقَد قَرَأ جَمَاعَة فإنَّك أنْت الغَفُور الرحيم وَلَيْسَت مِن المُصْحَف وَكَذَلِك كَلِمَات جَاءَت عَلَى وَجْهَيْن فِي غَيْر المَقَاطِع قَرَأ بهما معًا الْجُمْهُور وَثَبَتَتَا فِي المُصْحَف مِثْل (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ ننشرها، وننشزها - - ويقضى اللحق، وَيَقُصّ الْحَقّ) وَكُلّ هَذَا لَا يُوجِب رَيْبًا وَلَا يُسَبّب لِلنَّبِيّ ﷺ غَلَطًا وَلَا وَهْمًا وَقَد قِيل إنّ هَذَا يحتمل

أَنّ يَكُون فِيمَا يَكْتُبُه عَن النَّبِيّ ﷺ إِلَى النَّاس غَيْر الْقُرْآن فَيَصِف اللَّه وَيُسَمّيه فِي ذَلِك كيف شَاء. فصل هَذَا القول فِيمَا طَرِيقُه الْبَلَاغ وَأَمَّا مَا لَيْس سبيله سبيل الْبَلَاغ مِن الْأَخْبَار التي لَا مُسْتَند لَهَا إِلَى الأحْكام وَلَا أَخْبَار الْمعَاد وَلَا تُضَاف إِلَى وَحْي بَل فِي أُمُور الدُّنْيَا وَأحْوَال نَفْسِه فالَّذِي يَجِب تَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن أن يَقَع خَبَرُه فِي شئ من ذَلِك بِخِلَاف مُخْبَرِه لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأنَّه مَعْصُوم من ذَلِك فِي حَال رِضَاه وَفِي حَال سَخَطِه وَجدّه وَمَزْحِه وَصِحَّتِه وَمَرَضِه وَدَلِيل ذَلِك اتَّفَاق السَّلَف وَإجْماعُهُم عَلَيْه وَذَلِك أَنَا نَعْلَم من دِين الصَّحَابَة وَعَادَتهِم مُبَادَرتَهُم إِلَى تَصْديق جَميع أحْوالِه وللثقة بِجميع أخْبَارِه فِي أَي بَاب كَانَت وَعَن أي شئ وَقَعَت وَأنَّه لَم يَكُن لَهُم تَوَقُّف وَلَا تَرَدُّد فِي شئ مِنْهَا وَلَا اسْتِثْبَات عَن حاله عِنْد ذَلِك هَل وَقَع فِيهَا سَهْو أم لَا، ولما احْتَجّ ابن أَبِي الْحُقَيْق الْيَهُودِيّ عَلَى عُمَر حِين أجْلاهُم من خَيْبَر بإقْرَار رَسُول اللَّه ﷺ لَهُم واحْتَجّ عَلَيْه عُمَر ﵁ بِقَوْلِه ﷺ: (كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ؟) فَقَالَ الْيَهُودِيُّ كَانَتْ هُزَيْلَةُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وأيضًا فَإِنّ أخْبَارَه وَآثَاره وَسِيرَه وَشَمَائِلَه مُعْتَنَى بِهَا مُسْتَقْصّى تَفَاصِيلُهَا وَلَم يَرِد فِي شئ مِنْهَا اسْتِدْرَاكُه ﷺ لِغَلَط فِي قَوْل قاله أَو اعْتِرَافُه بوَهْم فِي شئ أخْبَر بِه وَلَو كان

بِهَا مُسْتَقْصّى تَفَاصِيلُهَا وَلَم يَرِد فِي شئ مِنْهَا اسْتِدْرَاكُه ﷺ لِغَلَط فِي قَوْل قاله أَو اعْتِرَافُه بوَهْم فِي شئ أخْبَر بِه وَلَو كان

ذَلِك لَنُقِل كَمَا نُقِل من قِصَّتِه ﵇ رُجُوعُه ﷺ عَمَّا أشَار بِه عَلَى الْأَنْصَار في تلقيح النحل وَكَان ذَلِك رَأيًا لَا خَبَرًا وَغَيْر ذَلِك مِن الْأُمُور التي لَيْسَت من هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأُرَى غَيْرُهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْتُ الَّذِي حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ - الْحَدِيث - وَقَوْلُه اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يبلغ الماء الجدر كَمَا سَنُبَيِّنُ كُلَّ مَا فِي هَذَا مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَاب وَالَّذي بَعْدَه إن شَاء اللَّه مَع أشْبَاهِهِمَا وَأيْضًا فإن الْكَذِب مَتَى عُرف من أحَد فِي شئ مِن الْأَخْبَار بِخِلَاف مَا هُو عَلَى أَي وَجْه كَان اسْتُرِيب بِخَبَره واتُّهم فِي حَديثه وَلَم يَقَع قَوْله فِي النُّفُوس مَوْقعًا ولهذا تَرَك المُحَدّثُون وَالْعُلمَاء الْحَدِيث عَمَّن عُرِف بِالْوَهْم وَالْغَفْلَة وَسُوء الْحِفْظ وَكَثْرَة الْغَلَط مَع ثِقَتِه وَأيْضًا فَإنّ تَعَمُّد الْكَذِب في أُمُور الدُّنْيَا مَعْصِيَة وَالإكْثَار مِنْه كَبِيرَة بِإجْمَاع مُسْقِط لِلْمُرُوءَة وَكُلّ هَذَا مِمَّا يُنَزَّه عَنْه مَنْصِب النُّبُوَّة وَالمَرَّة الْوَاحِدَة مِنْه فِيمَا يستبشع ويستشنع مِمَّا يُخِلّ بِصَاحِبهَا ويزري بقائلها لا حقة بِذَلِك وَأَمَّا فِيمَا لَا يَقَع هَذَا الموْقِع فإن عَدَدْناهَا مِن الصَّغَائِر فهل تَجْرِي عَلَى حُكْمهَا فِي الخِلَاف فِيهَا مُخْتَلف فِيه وَالصَّوَاب تَنْزِيه النُّبُوَّة عَن قَلِيلِه وَكَثِيرِه وَسَهْوِه وَعَمْدِه إِذ عُمْدَة النُّبُوَّة الْبَلَاغ وَالإعْلَام وَالتَّبْيين وَتَصْدِيق مَا جاء بِه النَّبِيّ ﷺ وتجويز شئ من هَذَا قَادِح فِي ذَلِك وَمُشَكّك فِيه مُنَاقِض لِلْمُعْجِزَة فَلْنَقْطَع عَن يَقِين بَأنَّه لَا يَجُوز

تَصْدِيق مَا جاء بِه النَّبِيّ ﷺ وتجويز شئ من هَذَا قَادِح فِي ذَلِك وَمُشَكّك فِيه مُنَاقِض لِلْمُعْجِزَة فَلْنَقْطَع عَن يَقِين بَأنَّه لَا يَجُوز

عَلَى الْأَنْبِيَاء خُلْف فِي القَوْل فِي وَجْه مِن الْوُجُوه لَا بِقَصْد وَلَا بِغَيْر قَصْد وَلَا نَتَسَامَح مَع من تسامح في تجوز ذَلِك عَلَيْهِم حَال السَّهْو فِيمَا لَيْس طَرِيقُه الْبَلَاغ، نَعَم وَبِأَنَّه لَا يَجُوز عَلَيْهِم الكَذِب قَبْل النُّبُوَّة وَلَا الاتّسَام بِه فِي أُمُورِهِم وَأحْوَال دُنْيَاهُم لِأَنّ ذَلِك كَان يُزْرِي وَيُرِيب بهم وَيُنَفّر القُلُوب عَن تَصْدِيقهِم بَعْد وَانْظُر أحْوَال عَصْر النَّبِيّ ﷺ من قُرَيْش وَغَيْرِهَا مِن الْأُمَم وسُؤَالهِم عن حالِه فِي صِدْق لِسانِه وَمَا عُرِفُوا بِه من ذَلِك وَاعْتَرَفُوا بِه مِمَّا عُرِف وَاتَّفَق النَّقْل عَلَى عِصْمَة نَبيَّنَا ﷺ مِنْه قَبْل وبعد وَقَد ذَكَرْنا مِن الآثار فِيه فِي الْبَاب الثاني أَوَّل الْكِتَاب ما يُبَيّن لَك صِحَّة مَا أشَرْنا إليْه فصل فَإِنّ قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه ﷺ فِي حَدِيث السَّهْو الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا القاضي أبو الأصبغ ابن سَهْلٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَخَّارِ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ نَا يحيى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ يَقُولُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ

يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَفِي الرّوَايَة الأخْرَى ما قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ - الْحَدِيث بِقِصَّتِه - فأخْبَر بِنَفْي الحَالَتَيْن وَأنَّهَا لَم تَكُن وَقَد كَان أَحَد ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه، فاعْلَم وَفَّقَنَا الله ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه، فاعْلَم وَفَّقَنَا الله وإياك أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِك أجْوبَة بَعْضُهَا بِصَدَد الإنْصَاف وَمِنْهَا مَا هُو بِنِيَّة التَّعَسُّف والاعْتِسَاف وها أَنَا أقُول أَمَّا عَلَى القَوْل بِتَجْوِيز الْوَهْم وَالغَلَط مِمَّا لَيْس طَرِيقُه مِن القَوْل الْبَلَاغ وَهُو الَّذِي زَيَّفْنَاه مِن القَوْلَيْن فَلَا اعْتِرَاض بَهَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِه وَأَمَّا عَلَى مَذْهَب من يَمْنَع السَّهْو وَالنّسْيَان فِي أفْعَالِه جُمْلَة وَيَرَى أنَّه فِي مِثْل هَذَا عَامِد لِصُورَة النّسْيَان لِيَسُنّ فَهُو صَادِق فِي خَبَره لِأَنَّه لَم يَنْس وَلَا قَصُرَت وَلكِنه عَلَى هَذَا القول تَعَمَّد هذا الفعل في هذه الصورة ليسنه لِمَن اعْتَرَاه مِثْلُه وَهُو قَوْل مَرْغُوب عَنْه نَذْكُرُه فِي مَوْضِعِه وَأَمَّا عَلَى إحَالَة السَّهْو عَلَيْه فِي الْأَقْوَال وَتَجْويز السهو عليه فِيمَا لَيْس طَرِيقُه القَوْل كَمَا سَنَذْكُرُه فَفيه أجْوِبَة مِنْهَا أَنّ النَّبِيّ ﷺ أخْبَر عَن اعْتِقَادِه وَضَمِيره أَمَّا إنْكار القَصْر فَحَقّ وصِدْق بَاطنًا وَظَاهِرًا وَأَمَّا النّسْيَان فأخْبَر ﷺ عَن اعْتِقَادِه وَأنَّه لَم يَنْس فِي ظَنّه فَكأنه قَصَد الخبر بَهَذَا عَن ظَنّه وإن لَم يَنْطِق بِه وَهَذَا صدق أيضا

وَأَمَّا النّسْيَان فأخْبَر ﷺ عَن اعْتِقَادِه وَأنَّه لَم يَنْس فِي ظَنّه فَكأنه قَصَد الخبر بَهَذَا عَن ظَنّه وإن لَم يَنْطِق بِه وَهَذَا صدق أيضا

وَوَجْه ثَان أَنّ قَوْلَهُ وَلَم أنْس رَاجِع إِلَى السَّلَام أَي أَنّي سَلَّمْت قَصْدًا وَسَهَوْت عَن العدد أَي لَم أسْه فِي نَفْس السَّلَام وَهَذَا مُحْتَمل وَفِيه بَعْد وَوَجْه ثَالِث وَهُو أبْعَدُهَا مَا ذَهَب إليْه بَعْضُهُم وَإِنِ احْتَمَله اللَّفْظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان احدهما ومفهوم اللفظ خِلافُه مَع الرّوَايَة الْأُخْرَى الصحيحة وَهُو قَوْله مَا قَصُرَت الصَّلَاة وَمَا نَسِيت، هَذَا مَا رَأَيْت فِيه لأئمَّتَنَا وَكُلّ من هَذِه الْوُجُوه مُحْتَمِل لِلَّفْظ عَلَى بَعْد بَعْضَهَا وَتَعَسُّف الآخَر مِنْهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه والذي أقُول وَيَظْهَر لِي أنَّه أقْرَب من هَذِه الْوُجُوه كلها أن قَوْله لَم أنْس إنْكار لِلَّفْظ الذي نَفَاه عَن نَفْسِه وَأنْكَرَه عَلَى غَيْرِه بِقَوْلِه: بِئْسَمَا لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ، وَبِقَوْلِه فِي بَعْض رِوَايات الْحَدِيث الآخَر لَسْتُ أَنْسَى وَلكِنْ أُنَسَّى فَلَمّا قَال لَه السَّائِل أقَصَرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ أنْكَر قَصْرَهَا كَمَا كان ونسيانه هو من قبل نفسه وَأنَّه إنّ كَان جرى شئ من ذَلِك فَقَد نُسّي حَتَّى سَأل غير فَتَحَقَّق أنَّه نُسّي وَأُجْري عَلَيْه ذَلِك ليَسُنّ فَقَوْلُه عَلَى هَذَا لَم أنْس وَلَم تُقْصَر وَكُلّ ذَلِك لَم يَكُن صِدْق وَحَق لَم تُقْصَر وَلَم يَنْس حَقِيقَة وَلَكِنَّه نُسّي * وَوَجْه آخَر اسْتَثَرْتُه من كَلَام بَعْض المَشَايخ وَذَلِك أنَّه قَال إنّ النَّبِيّ ﷺ كَان يَسْهُو وَلَا يَنْسى وَلِذَلِك نَفى عَن نَفْسِه النّسْيَان قَال لِأَنّ النّسْيَان غَفْلَة وَآفَة وَالسَّهْو إنَّمَا هُو شُغْل. قَال فكان النَّبِيّ ﷺ يَسْهُو فِي صَلاتِه وَلَا يَغْفُل عَنْهَا وكان يَشْغَلُه عَن حَرَكات الصَّلَاة مَا فِي الصلاة

َة وَالسَّهْو إنَّمَا هُو شُغْل. قَال فكان النَّبِيّ ﷺ يَسْهُو فِي صَلاتِه وَلَا يَغْفُل عَنْهَا وكان يَشْغَلُه عَن حَرَكات الصَّلَاة مَا فِي الصلاة

شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا فَهَذَا إن تَحَقَّق عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَم يَكن فِي قَوْلِه (مَا قَصَرْتُ وَمَا نَسِيتُ) خُلْف فِي قول وعند أَنّ قَوْله: (مَا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ) بِمَعْنَي التَّرْك الَّذِي هُو أَحَد وَجْهَي النّسْيَان أرَاد والله أعْلَم أَنّي لَم أُسَلّم من رَكْعَتَيْن تَارِكًا لإكمَال الصَّلَاة ولكِنّي نَسِيت وَلَم يَكُن ذَلِك من تِلْقَاء نَفْسِي وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِك قَوْله ﷺ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى، لِأَسُنَّ. وَأَمَّا قِصَّةُ كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورَةُ أنها كَذِباتُهُ الثَّلَاث المَنْصُوصَة فِي الْقُرْآن مِنْهَا اثْنَتَان قَوْله: (إِنِّي سقيم - بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) وَقَوْلُه لِلْمَلِك عَن زَوْجَتِه: إنَّهَا أُخْتي: فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أن هذه كلها خَارِجَة عَن الكَذِب لَا فِي القَصْد وَلَا فِي غَيْرِه وَهِي دَاخِلَة فِي باب المعاريض التي فِيهَا مَنْدُوحَة عَن الكَذِب أَمَّا قَوْلُه: (إِنِّي سَقِيمٌ) فَقَال الْحَسَن وَغَيْرُه مَعْنَاه: سَأسْقَم أَي: أَنّ كُلّ مَخْلُوق مُعَرَّض لِذَلِك فاعْتَذَر لِقَوْمِه مِن الخُرُوج مَعَهُم إِلَى عِيدِهِم بِهَذا وَقِيل بَل سَقِيم بِمَا قُدّر عَلِيّ مِن المَوْت وَقِيل سَقِيم القَلْب بِمَا أُشاهِدُه من كُفْرِكُم وَعِنَادِكُم وَقِيل بَل كانت الحُمّى تَأْخُذُه عِنْد طُلُوع نَجْم مَعْلُوم فَلَمّا رآه

اعْتَذَر بِعَادتِه وَكُلّ هَذَا لَيْس فِيه كَذِب بَل خَبَر صحيح صِدْق وَقِيل: بَل عَرَّض بِسَقَم حُجَّتِه عَلَيْهِم وَضَعْف مَا أَرَاد بَيَانَه لَهُم من جِهَة النُّجُوم التي كَانُوا يَشْتَغلُون بِهَا وَأنَّه أثْنَاء نَظَرِه فِي ذَلِك وَقَبْل اسْتِقَامَة حُجَّتِه عَلَيْهِم فِي حال سَقْم وَمَرَض مَع أنَّه لَم يَشُكّ هُو وَلَا ضَعُف إيمَانُه وَلكِنَّه ضَعُف فِي اسْتدْلالِه عليهم وسقم نظره كمال يقا حجة سقيمة ونظر معلول حتى ألهمه الله باستدلاله وَصِحّة حُجَّته عَلَيْهِم بالكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر مَا نَصَّه اللَّه تَعَالَى وَقَدَّمْنَا بَيَانَه وَأَمَّا قَوْله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) الآيَة فَإنَّه عَلَّق خَبَرَه بِشَرْط نُطْقِه كأنه قَال إنّ كَان يَنْطِق فَهُو فِعْلُه عَلَى طَرِيق التَّبْكِيت لِقَوْمِه وَهَذَا صِدْق أيْضًا وَلَا خُلْف فِيه، وَأَمَّا قَوْله أُخْتِي فَقَد بَيْن فِي الْحَدِيث وَقَال: فإنك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام وَهُو صِدْق والله تَعَالَى يَقُول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة) فإن قُلْت: فَهَذَا النَّبِيّ ﷺ قَد سَمّاهَا كَذِبَات وَقَال لَم يَكْذِب إبْرَاهِيم إلَّا ثَلَاث كَذِبَات وَقَال فِي حَدِيث الشَّفَاعَة وَيَذْكُر كَذِباتِه فَمَعناه أنَّه لَم يَتَكَلَّم بِكَلَام صُورَتُه صُورَة الْكَذِب وإن كَان حَقًّا فِي الْبَاطِن إلَّا هَذِه الكلام ولما كَان مَفْهُوم ظَاهِرهَا خِلَاف باطنِهَا أشْفَق إبْرَاهِيم ﵇ بِمُؤَاخَذَتِه بِهَا وَأَمَّا الْحَدِيث كَان النبي ﷺ إذا أراد

ِن إلَّا هَذِه الكلام ولما كَان مَفْهُوم ظَاهِرهَا خِلَاف باطنِهَا أشْفَق إبْرَاهِيم ﵇ بِمُؤَاخَذَتِه بِهَا وَأَمَّا الْحَدِيث كَان النبي ﷺ إذا أراد

غَزَوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا فَلَيْس فِيه خُلْف فِي الْقَوْل إنَّمَا هُو سَتْر مَقْصِدِه لِئَلَّا يَأْخُذ عَدُوُّه حذره وكتم وجه ذَهَابِه بِذِكْر السُّؤال عَن موْضِع آخَر والْبَحْث عَن أخْبَارِه وَالتَّعْرِيض بِذِكْرِه لَا أنَّه يَقُول تَجَهَّزُوا إِلَى غزوة كذا أو وِجْهَتُنَا إلى موضع كذا خِلَاف مَقْصَدِه فَهَذَا لَم يَكُن والأول لَيْس فِيه خَبَر يَدْخُلُه الخُلْف. فإن قُلْت فما معني قوله مُوسَى ﵇، وَقَد سُئِل أَي النَّاس أعْلَم؟ فَقَال أنا أعلم فتعب اللَّه عَلَيْه ذَلِك إِذ لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه - الْحَدِيث - وَفِيه قَال بَل عَبْد لَنَا بِمَجْمع الْبَحْرَين أعْلَم مِنْك وهذا خبر قد أنبأ اللَّه أنه ليس كذلك فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصَّحِيحَة عَن ابن عَبَّاس هَل تَعْلَم أحَدًا أعْلَم مِنْك؟ فَإِذَا كَان جُوَابُه عَلَى عِلْمِه فَهُو خَبَر حَق وَصِدْق لَا خُلْف فِيه ولا شبهة،

رقه الصَّحِيحَة عَن ابن عَبَّاس هَل تَعْلَم أحَدًا أعْلَم مِنْك؟ فَإِذَا كَان جُوَابُه عَلَى عِلْمِه فَهُو خَبَر حَق وَصِدْق لَا خُلْف فِيه ولا شبهة، وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده كما لو صرح به لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه صدقا لَا خُلْف فِيه وَقَد يُرِيد بِقَوْلِه أَنَا أعْلَم بِمَا يَقْتَضِيه وَظَائِف النُّبُوَّة من عُلُوم التَّوْحِيد وَأمُور الشَّرِيعَة وَسِيَاسَة الْأُمَّة وَيَكُون الخَضر أَعْلَم مِنْه بِأُمُور أخَر مِمَّا لَا يَعْلَمُه أحَد إلَّا بإعْلام اللَّه من عُلُوم غَيْبِه كَالقِصَص المَذْكُورَة فِي خَبَرِهِمَا فكان مُوسَى ﵇ أعْلَم عَلَى الْجُمْلَة بِمَا تَقَدَّم وَهَذَا أَعْلَم عَلَى الْخُصُوص بِمَا أُعْلِم وَيَدُلّ عَلَيْه قَوْله تَعَالَى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لدنا علما) وَعَتْب اللَّه ذَلِك عَلَيْه فِيمَا قَالَه الْعُلمَاء إنْكَار هَذَا القَوْل عَلَيْه لِأَنَّه لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه كَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة لَا عِلم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا أو لِأَنَّه لَم يَرْض قَوْله شَرْعًا وَذَلِك والله أعْلَم لِئَلَّا يَقْتَدي بِه فِيه من لَم يَبْلُغ كماله فِي تَزْكِيَة نَفْسِه وَعُلُوّ دَرَجته من أمَّتَه فَيَهْلِك لَمّا تَضَمَّنَه من مَدْح الْإِنْسَان نَفْسَه

َّا يَقْتَدي بِه فِيه من لَم يَبْلُغ كماله فِي تَزْكِيَة نَفْسِه وَعُلُوّ دَرَجته من أمَّتَه فَيَهْلِك لَمّا تَضَمَّنَه من مَدْح الْإِنْسَان نَفْسَه

ويروثه ذَلِك مِن الْكِبْر وَالعُجْب والتَّعَاطِي والدَّعْوَى وإن نُزّه عَن هَذِه الرَّذَائِل الْأَنْبِيَاء فَغَيْرُهُم بمَدْرَجَة سَبِيلِهَا وَدَرَك لَيلِها إلَّا من عَصَمَه اللَّه فالتّحَفُّظ مِنْهَا أوْلَى لِنَفْسِه وَلِيُقْتَدَى بِه، ولهذا قَال ﷺ تَحَفُظًا من مِثْل هذا مما قَد عُلِم بِه (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ) وَهَذَا الْحَدِيثُ إحدى حججا لقائلين بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ لِقَوْلِهِ فِيهِ أَنَا أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ أَعْلَمَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وأما الأنبياء فيتفاضلون فِي الْمَعَارِفِ وَبِقَوْلِهِ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، فَدَلَّ أَنَّهُ بِوَحْيٍ، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ بِأَمْرِ نَبِيٍّ آخَرَ، وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَنَّهُ مَا علما أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ وَمَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَعَلْنَا أَعْلَمَ مِنْكَ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِ النبوة خِضْرٍ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّيُوخِ كَان مُوسَى أَعْلَم مِن الخَضر فِيمَا أخَذ عَن اللَّه وَالخَضِر أَعْلَم فِيمَا دُفِع إليْه من مُوسَى، وَقَال آخَر إنَّمَا أُلجِئ مُوسَى إِلَى الخَضِر لِلتَّأْدِيب لَا لِلتَّعْلِيم فصل وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بالجَوَارِح مِن الْأعْمَال وَلَا يَخْرُج من جُمْلَتِهَا القول باللسان

فِيمَا عَدَا الْخَبَر الَّذِي وَقَع فِيه الْكَلَام وَلَا الاعْتِقَاد بالْقَلْب فِيمَا عدا التَّوْحِيد وَمَا قَدَّمْنَاه من مَعَارِفِه الْمُخْتَصة بِه فأجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَاحِش وَالْكَبَائِر الْمُوبِقات وَمُسْتَنَد الْجُمْهُور فِي ذَلِك الإجْماع الَّذِي ذَكَرَنَاه وهو مذهب الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَمَنَعَهَا غَيْرِه بِدَلِيل الْعَقْل مَع الإجْماع وَهُو قَوْل الكَافة، واختار الْأَسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق وَكَذَلِك لَا خِلَاف أَنَّهُم مَعْصُومُون من كِتْمَان الرِّسَالَة وَالتَّقْصِير فِي التَّبْلِيغ، لِأَنّ كُلّ ذلك يَقْتَضِي الْعِصْمَة مِنْه الْمُعْجِزَة مَع الإجْماع عَلَى ذَلِك مِن الْكَافَّة، وَالْجُمْهُور قائل بِأَنَّهُم مَعْصُومُون من ذَلِك من قَبْل الله معتصمون باخْتِيَارِهِم وَكَسبِهِم إلَّا حُسَيْنًا النَّجَار فَإنَّه قَال لَا قدر لهم على المَعَاصِي أصْلًا، وَأَمَّا الصَّغَائِر فَجَوَّزَهَا جَمَاعَة مِن السَّلَف وَغَيْرِهِم عَلَى الْأَنْبِيَاء وَهُو مَذْهب أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَالْمُتَكَلّمِين، وَسنُورِد بعد هذا ما احْتجوا بِه، وذَهَبَت طائفة أخرى إلى الْوَقْف وقالوا الْعَقْل لَا يُحِيل وُقُوعَها مِنْهُم ولم يَأْت فِي الشّرْع قاطع بِأحد الْوَجهَين، وذَهَبَت طَائِفَة أُخْرَى مِن المُحَقّقِين مِن الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلَّمِين إِلَى عِصْمَتِهم مِن الصَّغَائِر كعِصْمَتِهِم مِن الْكَبَائِر، قَالُوا: لاخْتِلَاف النَّاس فِي الصَّغَائِر وتعيينها من الْكَبَائِر، وَإشْكال ذَلِك وَقَوْل ابن عَبَّاس وَغَيْرُه إنّ كُلّ مَا عُصِي اللَّه بِه فَهُو كَبِيرَة وَأنَّه إنَّمَا سُمّي مِنْهَا الصَّغِير بالإضَافَة إلى مَا هُو أكْبَر مِنْه وَمَخَالفة الْبَاري فِي أي أمْر كَان يَجِب كَوْنُه كَبيرَة، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد

ُمّي مِنْهَا الصَّغِير بالإضَافَة إلى مَا هُو أكْبَر مِنْه وَمَخَالفة الْبَاري فِي أي أمْر كَان يَجِب كَوْنُه كَبيرَة، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد

عَبْد الوَهَّاب لَا يُمْكِن أن يُقَال إنّ فِي مَعَاصِي اللَّه صَغِيرَة إلَّا عَلَى مَعْنَي أنَّهَا تُغُتَفَر باجْتِنَاب الكَبَائِر وَلَا يَكُون لَهَا حُكم مَع ذَلِك بِخِلَاف الكَبَائِر إذَا لَم يُتب مِنْهَا فلا يحبطها شئ والمَشِيئَة فِي العَفْو عَنْهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى وَهُو قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر وجماعة أئمة الأشْعَريَّة وَكَثِير من أئمَّة الفُقَهاء، وَقَال بَعْض أئِمَّتنا: وَلَا يَجِب عَلَى القَوْلَيْن أن يَخْتَلِف أَنَّهُم مَعْصُومُون عَن تَكْرار الصَّغَائِر وَكَثْرَتِهِا إذ يُلْحِقُهَا ذَلِك بالكَبَائِر وَلَا فِي صَغِيرة أدَّت إِلَى إزَالة الحِشْمَة وأسقطت المروؤة وَأوْجَبَت الإزْرَاء وَالخَسَاسَة، فَهَذَا أيْضًا مِمَّا يُعْصَم عَنْه الْأَنْبِيَاء إجْماعًا، لِأَنّ مِثْل هَذَا يَحُطّ مَنْصِب المتسيم بِه وَيُزرِي بِصَاحِبه وَيُنَفّر القُلُوب عَنْه وَالْأَنْبِيَاء مُنَزَّهُون عَن ذَلِك، بَل يَلْحَق بَهَذَا مَا كَان من قَبيل المُبَاح فَأدّى إِلَى مِثْلُه لخُرُوجِه بِمَا أدَّى إليْه عَن اسْم المُبَاح إِلَى الحَظْر، وَقَد ذَهَب بَعْضُهُم إِلَى عِصْمَتِهم من مُوَاقَعَة المَكْرُوه قَصْدًا، وَقَد اسْتَدَلّ بَعْض الْأَئِمَّة عَلَى عصمتهم مِن الصَّغَائِر بالمَصِير إِلَى امتثال أفعالهم واتَّبَاع آثارِهِم وسِيرَهِم مُطْلَقًا، وَجُمْهُور الفُقَهَاء عَلَى ذَلِك من أصْحَاب مَالِك والشافعي وَأَبِي حَنِيفَة من غَيْر الْتِزَام قَرِينَة بَل مُطْلَقًا عِنْد بَعْضُهُم وَإِنّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْم ذَلِك، وَحَكى ابن خويز منداذ وَأَبُو الفَرَج عَن مَالِك التِزام ذَلِك وُجُوبًا وَهُو قَوْل الأبْهَرِيّ وَابْن القَصّار وأكْثَر أصْحَابِنا وَقَوْل أكْثَر أَهْل العِرَاق وَابْن سُرَيْج والإصْطَخْرِيّ

مَالِك التِزام ذَلِك وُجُوبًا وَهُو قَوْل الأبْهَرِيّ وَابْن القَصّار وأكْثَر أصْحَابِنا وَقَوْل أكْثَر أَهْل العِرَاق وَابْن سُرَيْج والإصْطَخْرِيّ

وَابْن خَيْران مِن الشَّافِعِيَّة وَأكْثَر الشَّافعِيَّة عَلَى أَنّ ذَلِك نَدْب، وذهبت طائِفَة إِلَى الإبَاحَة. وَقَيَّد بَعْضُهُم الاتّبَاع فِيمَا كَان مِن الْأُمُور الدينِيَة وعُلِم بِه مَقْصِد الْقُرْبَة وَمِن قَال بالإبَاحَة فِي أفعاله لم يقبد قَال فَلَو جَوَّزْنَا عَلَيْهِم الصَّغَائِر لَم يُمْكِن الاقْتِدَاء بهم فِي أفْعَالِهِم، إِذ لَيْس كُلّ فِعْل مِن أفْعَالِه يَتَمَيَّز مقصد به مِن القُرْبَة أَو الإبَاحَة أَو الحَظَر أَو المَعْصِيَة، وَلَا يصح أو يُؤْمَر المَرء بِامْتِثال أمْر لَعَلَّه مَعْصِيَة لَا سِيمَّا عَلَى من يَرَى مِن الأُصُولِيّين تَقْدِيم الفِعْل عَلَى القَوْل إذَا تعارضا، ونزيد هَذَا حُجَّة بأن نَقُول من جَوَّز الصَّغَائِر وَمِن نَفَاها عَن نَبِيّنا ﷺ مُجْمِعُون عَلَى أنَّه لَا يُقِرّ عَلَى مُنْكَر من قَوْلُ أَو فِعْل وَأنَّه مَتَى رَأَى شَيْئًا فَسَكَت عَنْه ﷺ دَلّ عَلَى جَوَازِه فَكَيف يَكُون هَذَا حالُه فِي حَقّ غيرهن ثُمّ يُجَوَّز وُقُوعُه مِنْه فِي نَفْسِه وَعَلَى هَذَا المَأْخَذ تَجِب عِصْمَتُه من مُوَاقَعَة المَكْرُوه كَمَا قيل وإذ الحظْر أَو النَّدْب عَلَى الاقْتِدَاء بِفِعْلِه يُنَافي الزَّجْر وَالنَّهْي عَن فِعْل المكْرُوه، وأيضا فَقَد علم من دين الصَّحَابَة قَطْعًا الاقْتِدَاء بِأفْعَال النَّبِيّ ﷺ كَيْف تَوَجَّهَت وَفِي كُلّ؟ ؟ كالاقْتِدَاء بِأمْوَالِه فَقَد نَبَذُوا خَواتيمَهُم حِين نَبَذ خَاتَمَه،

بَة قَطْعًا الاقْتِدَاء بِأفْعَال النَّبِيّ ﷺ كَيْف تَوَجَّهَت وَفِي كُلّ؟ ؟ كالاقْتِدَاء بِأمْوَالِه فَقَد نَبَذُوا خَواتيمَهُم حِين نَبَذ خَاتَمَه، وَخَلَعُوا نِعَالَهُم حِين خَلَع وَاحْتِجَاجُهُم بِرُؤْيَة ابن عُمَر إيّاه جَالسًا لِقَضَاء حَاجَتِه مُسْتَقْبلًا بَيْت الْمَقْدِس وَاحْتَجّ غَيْر وَاحِد مِنْهُم فِي غير شئ مِمَّا بابُه العِبَادة أَو العَادَة بِقَوْلِه رَأَيْت رسول الله ﷺ يَفْعَلُه وَقَال: (هَلا خَبَّرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ) وَقَالَت عَائِشَةُ مُحْتَجَّةً: (كُنْتُ أَفْعَلُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وغَضِبَ رسول الله ﷺ عَلَى الَّذِي أَخْبَرَ بِمِثْلِ هَذَا عَنْهُ

فقال يحل الله لِرَسُولِهِ مَا يَشَاءُ وَقَالَ: (إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ) وَالآثَارُ فِي هَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِهَا لَكِنَّهُ يُعْلَم من مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْع اتّبَاعُهُم أفْعَالَه واقْتِدَاؤُهُم بِهَا ولو جوزوا عليه المخالفة في شئ منها لما اتسق هذا وليقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ولما أنْكَر ﷺ عَلَى الآخَر قَوْله وَاعْتِذَارُه بِمَا ذَكَرَنَاه، وَأَمَّا الْمُبَاحَات فَجَائِز وُقُوعُهَا منم إِذ لَيْس فِيهَا قَدْح بَل هِي مَأْذُون فِيهَا وَأيْدِيهم كأيدي غيرهم مسلمة عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُم بِمَا خُصُّوا بِه من رَفِيع المَنْزلَة وَشُرحَت لَهُم صُدُورُهُم من أَنْوار الْمَعْرِفَة وَاصْطُفُوا بِه من تَعَلُّق بالهمْ بالله وَالدَّار الآخِرَة لَا يَأْخُذُون مِن المْبَاحات إلَّا الضَّرُورَات مِمَّا يتقون بِه عَلَى سُلُوك طَرِيقِهِم وَصَلَاح دِينِهِم وَضَرُورَة دُنْيَاهُم وَمَا أُخِذ عَلَى هذه السبيل التحقق طَاعَة وَصَار قُرْبَة كَمَا بَيَّنَا مِنْه أَوَّل الْكِتَاب طَرَفًا فِي خِصَال نَبِيَّنَا ﷺ، فَبَان لَك عَظِيم فَضْل اللَّه عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَى سائر أنيبائه ﵈ بأن جَعَل أفْعَالَهُم قُرُبات وَطَاعات بَعِيدَة عَن وَجْه المُخَالَفَة وَرَسْم المَعْصِيَة. فصل وَقَد اخْتُلِف فِي عصْمَتِهِم من المعاصي قبل النُّبُوَّة فمَنَعَهَا قَوْم وَجَوَّزَهَا آخَرُون وَالصَّحِيح إن شَاء اللَّه تَنْزِيهُهُم من كُلّ عَيْب وَعِصْمَتَهُم من كُلّ مَا يُوجِب الرَّيْب فَكَيْف وَالْمَسْأَلَة تَصَوُّرُهَا كَالْمُمْتَنِع فَإِنّ الْمَعَاصِي وَالنَّواهِي إنَّمَا تكون بَعْد تَقَرّر الشَّرْع وَقَد اخْتُلِف النَّاس فِي حال نَبِيَّنَا ﷺ قَبْل أن يُوحى إليْه هَل كَان مُتَّبعًا لِشَرْع قَبْلَه أم لَا؟

اهِي إنَّمَا تكون بَعْد تَقَرّر الشَّرْع وَقَد اخْتُلِف النَّاس فِي حال نَبِيَّنَا ﷺ قَبْل أن يُوحى إليْه هَل كَان مُتَّبعًا لِشَرْع قَبْلَه أم لَا؟

فَقَال جَمَاعَة لم يكن متبعا لشئ وَهَذَا قَوْل الجُمْهُور فالْمَعَاصِي عَلَى هَذَا الْقَوْل غَيْر مَوْجُودَة وَلَا مُعْتَبَرَة فِي حَقَّه حِينَئذ إِذ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إنَّمَا تتعلق بالأوامر وَالنَّوَاهِي وَتَقَرُّر الشَّرِيعَة ثم احتلفت حُجَج الْقَائِلِين بِهَذِه الْمَقَالَة عَلَيْهَا فَذَهَب سَيْف السُّنَّة وَمُقْتَدَى فِرَق الْأُمَّة الْقَاضِي أَبُو بَكْر إِلَى أن طَرِيق الْعِلْم بِذَلِك النَّقْل وَمَوَارِد الخَبَر من طريق السَّمْع وَحُجَّتُه أنَّه لَو كان ذَلِك لَنُقل ولما أمْكَن كَتْمُه وَسَتْرُه فِي الْعَادَة إِذ كَان من مُهِمّ أَمْرِه وَأَوْلى مَا اهْتُبِل بِه من سِيرَتِه وَلَفَخَر بِه أَهْل تِلْك الشَّريعَة وَلَا احْتَجّوا بِه عَلَيْه ولم يؤثر شئ من ذَلِك جُمْلَة، وَذَهبَت طَائِفَة إِلَى امْتنَاع ذَلِك عَقْلًا قَالُوا: لِأَنَّه يَبْعُد أن يَكُون متْبُوعًا من عرفا تابعًا، وَبَنَوْا هَذَا على التحسين والتقبيح وهى طريفة غَيْر سَدِيدَة وَاسْتِنَاد ذَلِك إِلَى النَّقْل كَمَا تقدم للقاضى أبى بكر أولى وَأظْهَر، وَقَالَت فِرْقَة أُخْرى بالْوَقْف فِي أمْرِه ﷺ وَتَرْك قَطْع الْحُكْم عَلَيْه بشئ فِي ذَلِك إِذ لَم يُحِل الْوَجْهَيْن مِنْهَا الْعَقْل وَلَا اسْتَبَان عندها فِي أحَدِهُمَا طَرِيق النَّقْل وَهُو مَذْهَب أَبِي المَعَالِي، وَقَالَت فِرْقَة ثَالِثَة إنَّه كَان عَامِلًا بِشَرْع من قَبْلَه، ثم اختلوا هَل يَتَعَيَّن ذَلِك انشرع أم لَا فَوَقَف بَعْضُهُم عَن تَعْيينِه وَأَحْجَم وَجَسَر بَعْضُهُم عَلَى التَّعيِين وَصَمَّم، ثُمّ اخْتلَفَت هَذِه الْمُعَيّنة فيمن كَان يَتَّبع فَقِيل نُوح وَقِيل إبْرَاهِيم وَقِيل مُوسَى وَقِيل عِيسَى صَلَوات اللَّه عَلَيْهِم،

يِين وَصَمَّم، ثُمّ اخْتلَفَت هَذِه الْمُعَيّنة فيمن كَان يَتَّبع فَقِيل نُوح وَقِيل إبْرَاهِيم وَقِيل مُوسَى وَقِيل عِيسَى صَلَوات اللَّه عَلَيْهِم، فهذه جُمْلَة المَذَاهِب فِي هَذِه المَسْألَة وَالْأَظْهَر فِيهَا مَا ذَهَب إليْه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَأَبْعدُهَا مَذَاهِب الْمُعَيّنين إِذ لَو كان شئ من ذَلِك لَنُقِل كَمَا قَدَّمْناه وَلَم يَخف جُمْلَة وَلَا حُجَّة لَهُم فِي أَنّ عِيسَى آخِر الْأَنْبِيَاء فَلَزمَت شَريعَتُه من جاء بَعْدَهَا إذ لَم يَثْبُت عُمُوم دَعْوة عِيسَى بل الصَّحِيح أنَّه لَم

يَكُن لنبي دَعْوَة عامة إلا لنبيا ﷺ، وَلَا حُجَّة أيضا لِلآخَر فِي قَوْلِه (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وَلَا للآخَرِين فِي قَوْلِه تَعَالَى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحا) فَمَحْمل هَذِه الآيَة عَلَى إتباعهم فِي التَّوْحِيد كَقَوْلِه تَعَالَى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) وَقَد سَمَّى اللَّه تَعَالَى فِيهِم من لَم يُبْعَث ولم تَكُن لَه شَريعَة تَخُصَّه كَيُوسُف ابن يَعْقُوب عَلَى قَوْل من يَقُول إنَّه لَيْس بِرَسُول وَقَد سَمَّى اللَّه تَعَالَى جَمَاعَة مِنْهُم فِي هَذِه الآيَة شَرَائِعُهُم مُخْتَلِفَة لَا يُمْكِن الجَمْع بَيْنَهَا، فَدَلّ أَنّ المُرَاد مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْه مِن التَّوْحِيد وَعِبَادَة اللَّه تَعَالَى وبعد هَذَا فَهَل يَلْزَم من قَال

ا يُمْكِن الجَمْع بَيْنَهَا، فَدَلّ أَنّ المُرَاد مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْه مِن التَّوْحِيد وَعِبَادَة اللَّه تَعَالَى وبعد هَذَا فَهَل يَلْزَم من قَال بِمَنْع الاتّبَاع هَذَا القَوْل فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء غَيْر نَبِيّنَا ﷺ أَو يُخَالِفُون بَيْنَهُم أَمَّا من مَنَع الاتّبَاع عَقْلًا فَيَطّرِد أصْلُه فِي كُلّ رَسُول بِلَا مِرْيَة وَأَمَّا من مال إِلَى النَّقْل فأيْنَمَا تُصُوّر لَه وتُقُرّر اتَّبَعَه، وَمِن قَال بالوَقْف فَعَلَى اصْلِه، وَمِن قَال بِوُجُوب الاتَّبَاع لِمَن قَبْلَه يَلْتَزِمُه بِمَسَاق حُجّتِه فِي كُلّ نَبِيّ فصل هَذَا حُكْم ما تكون المُخَالَفَة فِيه مِن الأعمال عَن قَصْد وَهُو مَا يُسَمَّى مَعْصيَة وَيَدْخُل تَحْت التكلف، وَأَمَّا مَا يَكُون بِغَيْر قَصْد وَتَعَمُّد كالسَّهْو وَالنّسْيَان فِي الوضائف الشَّرْعِيَّة مِمَّا تَقَرَر الشَّرْع بِعَدَم تَعَلُّق الخِطَاب بِه وَتَرْك المُؤَاخَذَة عَلَيْه فأحْوَال الْأَنْبِيَاء فِي تَرَك المُؤَاخَذَة بِه وَكَونه لَيْس بِمَعْصِيَة لَهُم مَع أُمَمهم سواء ثُمّ ذَلِك عَلَى نَوْعَيْن مَا طَرِيقُه البَلَاغ وَتَقْرِير الشَّرْع وَتَعَلُّق الأحْكام وَتَعْلِيم الْأُمَّة بالفعْل وَأخْذُهُم باتّبَاعِه فِيه وَمَا

هُو خَارِج عَن هَذَا مِمَّا يَخْتَصّ بِنَفْسِه، أَمَّا الأوّل فَحُكْمُه عِنْد جَمَاعَة مِن الْعُلمَاء حُكْم السَّهْو فِي القَوْل فِي هَذَا الْبَاب، وَقَد ذَكَرَنا الاتّفَاق عَلَى امْتنَاع ذَلِك فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَعِصْمَتِه من جوازه عليه قَصْدًا أو سَهْوًا، فكذلك قَالُوا الأفْعَال فِي هَذَا الْبَاب لَا يَجُوز طُرُوّ المُخَالَفَة فِيهَا لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا لِأَنّهَا بِمَعْنَي القَوْل من جهة التَّبْلِيغ وَالأَداء وَطُرُوّ هَذِه العَوَارِض عَلَيْهَا يُوجِب التَّشكِيك وَيُسَبَّب المَطَاعِن، واعتذوا عَن أحَاديث السَّهْو بِتَوْجِيهَات نَذْكُرُها بَعْد هَذَا وإلى هَذَا مال أبو إسحاق، وذهب الأكَثْر مِن الفُقَهاء وَالمُتَكَلمِين إِلَى أَنّ المُخَالَفَة فِي الأفْعَال البَلاغِيَّة وَالأحْكَام الشَّرْعِيّة سَهْوًا وَعَن غَيْر قَصْد مِنْه جَائز عَلَيْه كَمَا تفرر من أحَاديث السَّهْو في الصلاة وترقوا بَيْن ذَلِك وَبَيْن الأقْوَال البَلاغِيَّة لِقِيَام الْمُعْجِزَة عَلَى الصّدْق فِي القَوْل وَمُخَالَفَة ذَلِك تُناقِضُهَا وَأَمَّا السَّهْو فِي الأفْعَال فغير مناقص لَهَا وَلَا قادِح فِي النُّبُوَّة بَل غَلَطَات الفعل وعفلات القَلْب من سِمَات البشر كَمَا قَال ﷺ (إنما أنا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) نَعَمْ بَلْ حَالَهُ النِّسْيَانُ وَالسَّهْو هُنَا فِي حَقِّهِ ﷺ سَبَبُ إِفَادَةِ عِلْمٍ وَتَقْرِيرِ شَرْعٍ كما قال ﷺ (إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ) بَلْ قد رُوِيَ (لَسْتُ أَنْسَى وَلَكِنْ أُنسَّى لِأَسُنَّ) وَهَذِه الحالة زيادة لَه فِي التبليغ وتمام عليه فِي النّعْمَة بعيدة عَن سمات النقص وأغراض الطعن فإن القائلين بتجويز ذَلِك يشترطون أَنّ الرُّسُل لَا تُقَر عَلَى السهو والغلط بَل ينبهون عَلَيْه ويعرفون حكمه بالفور عَلَى قَوْل بَعْضُهُم وَهُو الصَّحِيح وَقَبْل انقراضهم عَلَى قَوْل الآخرين وَأَمَّا مَا لَيْس طريقه الْبَلَاغ وَلَا بيان الأحكام من

رفون حكمه بالفور عَلَى قَوْل بَعْضُهُم وَهُو الصَّحِيح وَقَبْل انقراضهم عَلَى قَوْل الآخرين وَأَمَّا مَا لَيْس طريقه الْبَلَاغ وَلَا بيان الأحكام من

أفعاله ﷺ وَمَا يختص بِه مِن أمور دينه وأذكار قلبه مِمَّا لَم يفعله ليتبع فِيه فالأكثر من طبقات علماء الْأُمَّة عَلَى جواز السهو والغلط عَلَيْه فِيهَا ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وَذَلِك بِمَا كلفه من مقاساة الْخَلْق وسياسات الْأُمَّة ومعاناة الأهلي وملاحظة الاعداء وَلَكِن لَيْس عَلَى سبيل التكرار وَلَا الاتصال بَل عَلَى سبيل الندور كَمَا قَال ﷺ (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) وَلَيْس فِي هَذَا شئ يحط من رتبته ويناقض معجزته وذهبت طائفة إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات فِي حقه ﷺ جملة وهو مذهب جَمَاعَة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ولهم فِي هَذِه الأحاديث مذاهب نذكرها بَعْد هَذَا إن شَاء اللَّه. فصل فِي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث المذكور فِيهَا السهو مِنْه ﷺ وَقَد قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول قَبْل هَذَا مَا يَجُوز فِيه عَلَيْه السَّهْو ﷺ وَمَا يَمْتَنِع وَأَحَلْنَاه فِي الْأَخْبَار جُمْلَة، وَفِي الأقْوَال الدينية قَطْعًا، وَأجزْنَا وَقُوعَه فِي الْأَفْعَال الدّينِية عَلَى الْوَجْه الَّذِي رَتَّبْنَاه وَأشَرْنَا إلى مَا وَرَد فِي ذَلِك وَنَحْن نَبْسُط القَوْل فِيه الصحيح مِن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي سَهْوِه ﷺ فِي الصَّلَاة ثَلَاثَة أحاديث: أولها حديث ذي الْيَدَيْن فِي السَّلَام مِن اثْنَتَيْن، الثَّاني حَدِيث ابن بحينة في القام من اثنتين،

َة فِي سَهْوِه ﷺ فِي الصَّلَاة ثَلَاثَة أحاديث: أولها حديث ذي الْيَدَيْن فِي السَّلَام مِن اثْنَتَيْن، الثَّاني حَدِيث ابن بحينة في القام من اثنتين،

الثَالِث حَدِيث ابن مَسْعُود ﵁ أن النبي ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّهْوِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ فِيهِ لِيُسْتَنَّ بِهِ إِذِ الْبَلَاغُ بالْفِعْلِ أَجْلَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ وَأَرْفَعُ لِلاحْتِمَالِ وَشَرْطُهُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى السَّهْوِ بَلْ يُشْعَرُ بِهِ لِيَرْتَفِعَ الالْتِبَاسُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْحِكْمَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَنَّ النِّسْيَانَ وَالسَّهْوَ فِي الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ ﷺ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْمُعْجِزَةِ وَلَا قَادِحٍ فِي التَّصْدِيقِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) وَقَالَ (رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُسْقِطُهُنَّ - وَيُرْوَى - أُنْسِيتُهُنَّ) وَقَال ﷺ (إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ) قِيل هَذَا اللَّفْظ شَكّ مِن الرَّاوي وَقَد رُوِي (إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأُسُنَّ) وذهب ابن نافِع وَعِيسَى بن دِينَار أنَّه

ِأَسُنَّ) قِيل هَذَا اللَّفْظ شَكّ مِن الرَّاوي وَقَد رُوِي (إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأُسُنَّ) وذهب ابن نافِع وَعِيسَى بن دِينَار أنَّه لَيْس بِشَكّ وَأَنّ مَعْنَاه التقسيم أَي: أنْسى أَنَا أَو يُنْسِينِي الله، قال القاضي أبو الْوَلِيد الْبَاجِي يَحْتَمِل مَا قالاه أن يُريد إنّي أنْسى فِي الْيَقْظَة وَأُنَسّى فِي النَّوْم أَو أنْسى عَلَى سبيل عَادَة الْبَشَر مِن الذُّهُول عَن الشئ وَالسَّهْو أَو أنَسّى مَع إقْبَالِي عَلَيْه وَتَفرُّغي لَه فأضَاف أحَد النَّسْيَانَيْن إِلَى نَفْسِه إِذ كَان لَه بَعْض السَّبَب فِيه وَنَفى الآخَر عَن نَفْسِه إِذ هُو فِيه كَالمُضْطَرّ، وَذَهَبَت طَائِفَة من أصْحَاب المعاني والكلام عَلَى الْحَدِيث إِلَى أن النبي ﷺ كَانَ يَسْهُو فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَنْسَى لِأَنّ النّسْيَان ذُهُول وَغَفْلَة وَآفة قَال وَالنَّبِيّ ﷺ مُنَزّة عَنْهَا وَالسَّهْو شُغْل فكان ﷺ يَسْهُو فِي صلاته وَيُشْغِلُه عَن حَرَكَات الصَّلَاة مَا فِي الصَّلَاة شغلا

بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا وَاحْتَجّ بِقَوْلِه فِي الرّوَايَة الْأُخْرَى إني لَا أنْسى، وَذَهَبَت طَائِفَة إِلَى مَنْع هَذَا كُلّه عَنْه وقالوا: إنّ سَهْوَة ﵇ كَان عَمْدًا وَقَصْدًا لِيَسُنّ وَهَذَا قَوْل مَرْغُوب عَنْه مُتَنَاقِض المَقَاصِد لَا يُحْلَى مِنْه بِطائِل لِأَنَّه كَيْف يَكُون مُتَعْمّدًا سَاهِيًا فِي حَال وَلَا حُجَّة لَهُم فِي قَوْلِهِم إنَّه أمِر بِتَعَمُّد صُورَة النّسْيَان ليَسُنّ لِقَوْلِه: (إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أنسى) وقد أثبت أَحَد الوصفين وَنَفَى مناقضة التَّعَمُّد وَالقَصْد وَقَال (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) وَقَد مال إِلَى. هَذَا عَظِيم مِن المُحَقّقِين من أئِمَّتِنَا وَهُو أبو المُظَفَّر الاسْفِرَائنيّ وَلَم يَرْتَضِه غَيْرِه مِنْهُم وَلَا أرْتَضِيه وَلَا حُجَّة لِهَاتَيْن الطّائِفَتَيْن فِي قَوْلِه (إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى) إِذ لَيْس فِيه نَفْي حُكْم النّسْيَان بالْجُمْلَة وَإِنَّمَا فِيه نَفْي لَفْظِه وَكَرَاهَة لقبله كَقَوْلِه (بَئْسَمَا لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَلكِنَّهُ نُسِّيَ) أَو نَفْي الغَفْلَة وقله الاهْتِمَام بِأمْر الصَّلَاة عَن قَلْبِه لَكِن شغل بِهَا عَنْهَا ونسى بَعْضَهَا ببعضها كَمَا تَرَك الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق حَتَّى خَرَج وَقْتُهَا وَشُغِل بالتَّحَرُّز مِن العَدُوّ عَنْهَا فَشُغِل بِطاعَة عَن طَاعَة وَقِيل إنّ الَّذِي تُرِك يَوْم الخَنْدُق ارْبَع صَلَوات، الظُّهْر، وَالعَصْر، والمَغْرِب، وَالعِشَاء، وَبِه احْتَجّ من ذهب إلى جواز تأخير الصَّلَاة فِي الخوف إذَا لَم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن وَهُو مذهب الشاميين والصحيح أَنّ حكم صَلَاة الخوف كَان بَعْد هَذَا فَهُو ناسِخ لَه. فَإِنّ قُلْت فَمَا تقول في نَوْمِه ﷺ عَن الصَّلَاة يَوْم الْوادِي وَقَد قَال: (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) : فاعْلَمْ أن للعلماء عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ مِنْهَا أَنّ الْمُرَاد بأن هَذَا حُكْم قَلْبِه عِنْد نَوْمِه وَعَيْنَيْه فِي

انِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) : فاعْلَمْ أن للعلماء عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ مِنْهَا أَنّ الْمُرَاد بأن هَذَا حُكْم قَلْبِه عِنْد نَوْمِه وَعَيْنَيْه فِي

غافل الْأوْقات وَقَد يَنْدر مِنْه غَيْر ذَلِك كَمَا يَنْدُر من غَيْرِه خِلاف عادته وَيُصَحَّح هَذَا التّأْوِيل قَوْله ﷺ فِي الْحَدِيث نَفْسِه (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا) وقول بِلَال فِيه: مَا أُلْقِيَت عَلِيّ؟ ومة مثلها قط، وَلَكِن مِثْل هَذَا إنَّمَا يَكُون مِنْه لأمر يُرِيدُه اللَّه من إثْبَات حُكْم وَتَأْسِيس سُنَّة وإظْهَار شَرْع، وكما قَال فِي الْحَدِيث الآخَر لَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَيْقَظَنَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ، الثاني أَنّ قَلْبَه لَا يَسْتَغْرِقُه النَّوْم حَتَّى يَكُون مِنْه الحدث فيما لَمّا رُوِي أنَّه كَان مَحْرُوسًا وَأنَّه كَان يَنَام حَتَّى يَنْفُخ وحتى يُسْمَع غطِيطُه ثُمّ يُصَلّي وَلَا يَتَوَضَّأ وَحَدِيث ابن عَبَّاس المَذْكُور فِيه وُضُوءُه عِنْد قِيامه مِن النَّوْم فِيه نَوْمُه مَع أهْله فَلَا يُمْكِن الاحْتِجَاج بِه عَلَى وُضُوئِه بمُجَرَّد النَّوْم إِذ لَعَلّ ذَلِك لملامة الْأَهْل أَو لِحَدَث آخر فَكَيف وَفِي آخِر الْحَدِيث نفسه ثُمّ نام حَتَّى سَمِعْت غَطِيطَه ثُمّ أقيمت الصَّلَاة فَصَلّى وَلَم يَتَوَضَّأ وَقِيل لَا يَنَام قَلْبُه من أجْل أنَّه يُوحى إليْه فِي النَّوْم وَلَيْس فِي قِصَّة الْوَادي إلَّا نَوْم عَيْنَيْه عَن رؤية الشمس وَلَيْس هَذَا من فِعْل القَلْب وَقَد قَال ﷺ: إن الله قبض أرواحا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِليْنَا فِي حِينِ غَيْرُ هَذَا. فَإِن قِيل فَلَوْلَا عَادَتُه مِن اسْتِغْرَاق النَّوْم لَمّا قَال لِبِلال أكْلَأ لَنَا الصُّبْح، فَقِيل فِي الجَوَاب إنَّه كَان من شَأْنه ﷺ التَّغْلِيس بالصُّبْح وَمُرَاعاة أَوَّل الفَجْر لَا تَصِحّ مِمَّن نَامَت عَيْنُه إذ هُو ظَاهر يُدْرَك بالجَوَارِح الظّاهِرَة فَوَكَّل بلالًا بمُرَاعاة أوَّلِه لِيُعْلِمَه بِذَلِك كما لَو شُغل بِشُغْل غَيْر النَّوْم عَن مُرَاعاتِه.

إذ هُو ظَاهر يُدْرَك بالجَوَارِح الظّاهِرَة فَوَكَّل بلالًا بمُرَاعاة أوَّلِه لِيُعْلِمَه بِذَلِك كما لَو شُغل بِشُغْل غَيْر النَّوْم عَن مُرَاعاتِه. فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي نَهِيه ﷺ عَن القَوْل نَسيت وَقَد قَال ﷺ (إِنِّي أَنْسَى

كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) وَقَال (لَقَد أذْكَرَني كَذَا وكَذَا آيَة كُنْت أُنْسِيتُها) فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أنَّه لَا تَعَارُض فِي هَذِه الْأَلْفَاظ، أَمَّا نَهْيُه عَن أَنّ يُقَال نَسِيت آيَة كَذَا فَمَحْمُول عَلَى مَا نُسِخ نَقْلُه مِن الْقُرْآن أَي أَنّ العفلة فِي هذا لَم تَكُن مِنْه وَلَكِن اللَّه تَعَالَى اضْطَرَّه إليها ليمحو مَا يَشَاء وَيُثبت وَمَا كان من سَهْو أَو غَفْلَة من قِبَلِه تَذَكَّرَهَا صَلُح أن يُقَال في أنس يوقد قِيل إنّ هَذَا مِنْه ﷺ عَلَى طريق الاستحباب أَنّ يُضِيف الْفِعْل إِلَى خَالِقِه وَالآخَر عَلَى طريق الجَوَاز لاكْتِسَاب الْعَبْد فِيه وَإسْقَاطُه ﷺ لَمّا أسْقَط من هَذِه الآيات جَائز عَلَيْه بَعْد بَلَاغ مَا أُمِر بِبَلَاغَة وَتَوصِيله إِلَى عِبَادِه ثُمّ يَسْتَذْكِرُهَا من أمَّتَه أَو من قَبْل نَفْسِه إلَّا ما قَضى اللَّه نَسْخَه وَمَحْوَه مِن الْقُلُوب وَتَرْك اسْتذْكَارِه، وَقَد يجُوز أن يَنْسى النَّبِيّ ﷺ مَا هَذَا سَبيلُه كَرَّة وَيَجُوز أن يُنَسّيَه مِنْه قَبْل الْبَلَاغ مَا لَا يُغَيّر نَظْمًا وَلَا يُخَلّط حُكْمًا مِمَّا لَا يُدْخِل خَلَلًا فِي الخَبَر ثُمّ يُذَكّرُه إيّاه وَيَسْتَحيل دَوَام نِسَيَانِه لَه لِحِفْظ اللَّه كِتَابِه وَتَكْلِيفِه بَلَاغَه. فصل فِي الرد عَلَى من أجاز عَلَيْهِم الصغائر والكلام عَلَى ما احتجوا بِه فِي ذَلِك اعْلَم أن الْمُجَوّزِين لِلصَّغَائِر عَلَى الْأَنْبِيَاء مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَمِن شَايَعَهُم عَلَى ذَلِك مِن الْمُتَكَلَّمِين احْتَجُّوا عَلَى ذَلِك بِظوَاهِر كَثِيرَة مِن

Bagian 14 dari 19