— Bagian 15 · الْقُرْآن وَالْحَدِيث إن التزموا ظَوَاهِرَهَا أف… —
Bagian 15
الْقُرْآن وَالْحَدِيث إن التزموا ظَوَاهِرَهَا أفْضَت بهم إِلَى تَجْوِيز الْكَبَائِر وَخَرْق الإجْماع وَمَا لَا يَقُول بِه مُسْلِم فَكيْف وَكُلّ مَا احْتَجُّوا بِه مِمَّا اخْتُلِف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه وَتَقَابَلَت الاحْتِمَالات فِي مُقْتَضَاه وَجَاءت أقاويل فِيهَا لِلسَّلَف بِخِلَاف مَا الْتَزَمُوه من ذَلِك فَإِذَا لَم يَكُن مَذْهَبُهُم إجْمَاعا وكان الخِلَاف فِيمَا احْتَجُّوا بِه قَدِيمًا وَقَامَت الدّلَالة عَلَى خَطَإ قَوْلِهِم وَصِحَّة غَيْرِه وَجَب تَرْكُه وَالمصِير إِلَى مَا صَحّ وَهَا نَحْن نَأْخُذ فِي النّظَر فِيهَا إن شَاء اللَّه، فمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى لِنَبِيّنا ﷺ (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، وقوله (فاستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات) وقوله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) وقوله (عفا الله عنك لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وقوله (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عظيم) وقوله (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءه الأعمى) الآيَة وَمَا قَصّ من قِصَص غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء كَقَوْلِه (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) وقوله (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ) الآيَة وَقَوْلُه عَنْه (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) الآية وَقَوْلُه عَن يُونُس (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظالمين) وَمَا ذَكَرَه من قِصَّة دَاوُد، وَقَوْلُه (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فتاه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) إِلَى قَوْله (مآب) وقوله (ولقد همت به وهم بها) وَمَا قَصّ من قصته مَع إخوتِه، وَقَوْلُه عَن مُوسَى (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وقول النبي صلى القله عَلَيْه وَسَلَّم فِي دُعَائِه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) وَنَحْوَهُ من أدْعِيَتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم
ئِه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) وَنَحْوَهُ من أدْعِيَتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم
وَذَكَر الْأَنْبِيَاء فِي المَوْقِف ذُنُوبَهُم فِي حَدِيث الشَّفَاعَة، وَقَوْلُه (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفَرُ اللَّهَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة (إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ (وَإِلا تَغْفِرْ لى وترحمني) الآيَةَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ اللَّه لَه (وَلا تخاطبي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إنهم مغرقون) وَقَال عَن إبْرَاهِيم (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يوم الدين) وَقَوْلُه عَن مُوسَى (تبت إليك) وَقَوْلُه (وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان) إِلَى مَا أشْبَه هَذِه الظَّوَاهِر، فأمَّا احْتِجَاجُهُم يقوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) فَهَذَا قَد اخْتُلِف فِيه الْمُفَسِّرُون، فَقِيل المُرَاد مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَبَعْدَهَا، وَقِيل المُرَاد مَا وَقَع لَك من ذَنْب وَمَا لَم يَقَع أعْلَمَه أنَّه مغَفُور لَه، وَقِيل المُتَقَدّم مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَالمُتأخّر عِصْمتُك بَعْدَهَا، حَكَاه أَحْمَد بن نَصْر، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك أمَّتَه ﷺ وَقِيل المُرَاد مَا كَان عَن سَهو وَغَفْلَة وَتَأوِيل، حَكاه الطَّبَرِيّ واخْتَارَه
دَهَا، حَكَاه أَحْمَد بن نَصْر، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك أمَّتَه ﷺ وَقِيل المُرَاد مَا كَان عَن سَهو وَغَفْلَة وَتَأوِيل، حَكاه الطَّبَرِيّ واخْتَارَه الْقُشَيْرِيّ، وَقِيل مَا تَقَدَّم لِأَبِيك آدَم وَمَا تَأخَّر من ذُنُوب أُمَّتِك، حَكاه السَّمْرَقَنْدِيّ والسُّلَمِيّ عَن ابن عطاء وَبِمِثْلِه وَالَّذِي قَبْلَه يُتَأوّل قَوْله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) قَال مَكّيّ مُخَاطَبَة النَّبِيّ ﷺ ههُنَا هي مخالطبة لُأمَّتَه، وَقِيل إن النبي ﷺ لما أمر أن يَقُول (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بكم) سُرّ بِذَلِك الكُفَّار فَأنْزَل اللَّه تَعَالَى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) الآيَة وَبمآل الْمُؤْمِنين فِي الآية الْأُخْرَى بَعْدَهَا، قاله ابن عَبَّاس، فَمَقْصِد الآيَة أنك مَغْفُور لَك غَيْر مُؤَاخَذ بِذَنْب أَنّ لَو كَان، قال بَعْضُهُم: المَغْفِرَة ههُنَا تَبْرِئَة مِن الْعُيُوب، وَأَمَّا قَوْله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)
ْب أَنّ لَو كَان، قال بَعْضُهُم: المَغْفِرَة ههُنَا تَبْرِئَة مِن الْعُيُوب، وَأَمَّا قَوْله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)
فَقِيل مَا سَلَف من ذَنْبَك قَبْل النُّبُوَّة وَهُو قَوْل ابن زَيْد والحسن وَمَعْنَي قَوْل قَتَادَة، وَقِيل مَعْنَاه أنَّه حُفِظ قَبْل نبوته منها وعصم، ولولا ذَلِك لأثقلت ظهره، حكى مَعْنَاه السَّمْرَقَنْدِيّ، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك مَا أثقل ظهره من أعباء الرسالة حَتَّى بَلَّغهَا) حكاه الْمَاوَردِيّ والسُّلَمِيّ، وَقِيل حَطَطنْا عنك ثِقَل أيام الْجَاهِلِيَّة، حَكاه مَكّيّ، وَقِيل ثِقَل شُغْل سِرّك وحَيْرتك وطلب شريعتك حَتَّى شرعنا ذَلِك لك، حكى مَعْنَاه الْقُشَيْرِيّ، وَقِيل مَعْنَاه خففنا عَلَيْك مَا حُمَّلْت بِحِفْظنَا لَمّا استحفظت وحفظى عَلَيْك، ومعنى انقض ظهرك أَي كاد ينقصه فيكون الْمَعْنَى عَلَى من جَعَل ذَلِك لم قَبْل النُّبُوَّة اهْتِمَام النَّبِيّ ﷺ بِأُمُور فَعَلَهَا قَبْل النُّبُوَّة وحُرَّمَت عَلَيْه بَعْد النُّبُوَّة فَعَدَّها أوْزَارًا وَثَقُلَت عَلَيْه وأشْفَق مِنْهَا، أَو يَكُون الْوَضْع عِصْمَة اللَّه له وكِفَايَتَه من ذُنُوب لو كانت لأنفضت ظَهْرَه، أَو يَكُون من ثِقَل الرَّسَالَة أَو مَا ثَقُل عَلَيْه وَشَغَل قَلْبه من أُمُور الْجَاهِلِيَّة وإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه
وب لو كانت لأنفضت ظَهْرَه، أَو يَكُون من ثِقَل الرَّسَالَة أَو مَا ثَقُل عَلَيْه وَشَغَل قَلْبه من أُمُور الْجَاهِلِيَّة وإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه بِحِفْظ مَا استحفظيه من وَحْيِه، وَأَمَّا قَوْله (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لهم) فَأمْر لَم يَتَقَدَّم للنبي ﷺ فِيه مِن اللَّه تَعَالَى نَهْي فَيُعَدّ معصية وَلَا عَدَّه اللَّه تَعَالَى عَلَيْه مَعْصِيَة بَل لَم يَعُدَّه أَهْل الْعِلْم مُعَاتَبَة، وَغَلَّطُوا من ذَهَب إلى ذَلِك، قَال نِفْطَويْه وَقَد حَاشاه اللَّه تَعَالَى من ذَلِك بَل كَان مُخيَّرًا فِي أَمْرَيْن قَالُوا وَقَد كَان لَه أن يَفْعَل مَا شَاء فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فِيه وَحْي فَكَيْف وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ منهم) فَلَمّا أذِن لَهُم أعْلَمَه اللَّه بِمَا لَم يَطَّلِع عَلَيْه من سِرّهم أنَّه لَو لَم يَأْذَن لَهُم لَقَعَدُوا وَأنَّه لَا حَرَج عَلَيْه فِيمَا فَعَل وَلَيْس (عفا) ههُنَا بِمَعْنَي غَفَر بَل كَمَا قَال النَّبِيّ ﷺ عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ) وَلَمْ
تجِب عَلَيْهِم قَطّ أَي لَم يُلْزمْكُم ذَلِك، وَنَحْوَه لِلْقُشَيْرِيّ، قَال: وَإِنَّمَا يَقُول الْعَفْو لَا يَكُون إلَّا عَن ذَنْب: من لَم يَعْرف كَلَام الْعَرَب، قَال وَمَعْنَي عفا اللَّه عنك أَي لَم يلزمك ذنبا، قَال الدَّاوُديّ: رُوِي أنَّهَا كَانَت تَكْرِمه، قَال مكى هو استفحتاح كَلَام مِثْل أصْلَحَك اللَّه وَأعَزَّك، وَحَكى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ مَعْنَاه عَافاك اللَّه، وَأَمَّا قَوْلُه فِي أُسَارى بد (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) الآيَتَيْنِ فَلَيْس فِيه إلزام ذنب للنبي ﷺ بَل فِيه بَيَان مَا خُصّ بِه وَفُضّل من بَيْن سائر الْأَنْبِيَاء فَكَأنه قَال مَا كَان هَذَا لِنبيّ غيرك كَما قَال ﷺ (أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لنَّبِيٍّ قَبْلِي) فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا) الآية، قيل معنى: الْخِطَاب لمن أرَاد ذَلِك مِنْهُم وَتَجَّرد غَرَضُه لِغرَض الدُّنْيَا وَحدَه وَالاسْتِكْثَار مِنْهَا وَلَيْس المراد بَهَذَا النبي صلى الله عليه ولم وَلَا عَلَيْه أصْحَابِه، بَل قَد رُوِي عَن الضحاك أنها نَزَلَت حِين انْهَزَم المُشْرِكُون يَوْم بَدْر وَاشْتَغَل النَّاس بالسَّلَب وَجَمْع الْغَنَائِم عَن القِتَال حَتَّى خَشِي عُمَر أن يَعْطِف عَلَيْهِم الْعَدُوّ ثُمّ قال تَعَالَى: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) فاخْتَلَف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَي الآيَة فَقِيل: مَعْنَاهَا لولا أنَّه سَبَق مني أَنّ لَا أُعَذّب أحَدًا إلَّا بَعْد النَّهْي لَعَذَّبْتُكُم، فَهَذَا يَنْفِي أن يَكُون أمْر الأسْرى مَعْصِيَة، وَقِيل الْمَعْنَى: لولا إيمَانُكُم بِالْقُرْآن وَهُو الْكِتَاب السابق فاستوجبتم بِه الصَّفْح لَعُوقبْتُم عَلَى الغنائم، وَيُزَاد هَذَا القول تفسيرا
وَقِيل الْمَعْنَى: لولا إيمَانُكُم بِالْقُرْآن وَهُو الْكِتَاب السابق فاستوجبتم بِه الصَّفْح لَعُوقبْتُم عَلَى الغنائم، وَيُزَاد هَذَا القول تفسيرا
وَبَيَانًا بأن يُقَال لَوْلَا مَا كُنْتُم مُؤْمِنين بالقرآن وَكُنْتُم مِمَّن أُحِلَّت لَهُم الْغَنَائِم لَعُوقِبْتُم كَمَا عُوقِب من تَعَدَّى، وَقِيل: لَوْلَا أنَّه سَبَق فِي اللّوح المَحْفُوظ أنَّهَا حَلَال لكم لَعُوقِبْتُم، فَهَذَا كله ينفي الذنب والمعصية لِأَنّ من فعل مَا أحل له لَم يعص، قَال اللَّه تَعَالَى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طيبا) وَقِيل: بَل كَان ﷺ قد خير فِي ذَلِك، وَقَد رُوِي عَن عَلِيّ ﵁ قَال جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ خَيْرُ أَصْحَابِكَ فِي الأُسَارَى إن شاؤا القتل وإن شاؤا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يقتل منهم فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِثْلُهُمْ، فَقَالُوا الْفِدَاءُ وَيَقْتَلُ مِنَّا، وَهَذَا دليل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا وَأَنَّهُم لَم يَفْعَلُوا إلَّا مَا أُذَن لَهُم فِيه لكِن بَعْضَهُم مال إلى أضْعَف الْوَجْهيْن مِمَّا كَان الْأَصْلَح غَيْرَه مِن الإثْخَان وَالقَتْل فعونبوا عَلَى ذَلِك وَبَيْن لَهُم ضَعْف اخْتيارِهِم وَتَصَويب اخْتِيَار غَيْرِهِم وَكُلُّهُم غَيْر عُصَاة وَلَا مُذْنِبِين وَإِلَى نَحْو هَذَا أشَار الطَّبَرِيّ، وَقَوْلُه ﷺ فِي هَذِه الْقَضيَّة
ارِهِم وَتَصَويب اخْتِيَار غَيْرِهِم وَكُلُّهُم غَيْر عُصَاة وَلَا مُذْنِبِين وَإِلَى نَحْو هَذَا أشَار الطَّبَرِيّ، وَقَوْلُه ﷺ فِي هَذِه الْقَضيَّة (لَو نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ) إِشَارَةً إِلَى هَذَا مِنْ تَصْويِبِ رَأْيِهِ وَرَأْيِ مَنْ أَخَذَ بِمَأْخَذِهِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ وَإظْهَار كَلِمَتِه وَإبادَة عَدُوّه وَأَنّ هَذِه القضية لو استوجبت عذابا نجا مِنْه عُمَر وعين عُمَر لِأَنَّه أَوَّل من أشَار بِقَتْلِهِم وَلَكِن اللَّه لَم يُقَدّر عَلَيْهِم فِي ذَلِك عَذَابًا لِحلّه لَهُم فِيمَا سَبَق، وَقَال الدَّاوُدِيّ والخَبَر بَهَذَا لَا يَثْبُت، وَلَو ثَبَت لَمّا جَاز أن يُظَنّ أَنّ النَّبِيّ ﷺ حَكَم بِمَا لَا نَصّ فِيه وَلَا دَلِيل من نَصّ وَلَا جُعِل الْأَمْر فِيه إليْه وَقَد نَزَّهَه اللَّه تَعَالَى عَن ذَلِك، وَقَال الْقَاضِي بَكْر بن الْعَلَاء أخبر الله تعالى نبه فِي هَذِه الآيَة أَنّ تَأْوِيلَه وَافق مَا كَتَبَه لَه من إحْلَال
الغنائم وَالفداء وَقَد كان قبل هَذَا فادَوْا فِي سرية عَبْد اللَّه بن جَحْش التي قُتِل فِيهَا ابن الْحَضْرَمِيّ بِالْحَكَم بن كَيْسَان وَصَاحِبِه فَمَا عَتَب الله عليهم وذلك قبل بَدْر بأزْيَد من عَام، فهذا كله يَدُلّ عَلَى أن فِعْل النَّبِيّ ﷺ فِي شَأْن الأسْرَى كَان عَلَى تأوِيل وَبَصِيرَة وَعَلَى مَا تَقَدّم قَبْل مِثْلُه فَلَم ينكره اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم لَكِن اللَّه تَعَالَى أرَاد لِعِظَم أمْر بَدْر وَكَثْرَة أسْرَاهَا والله اعْلَم إظَهَار نِعْمَتِه وَتَأكِيد منَّتِه بِتَعْرِيفهِم مَا كَتَبَه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ من حِلّ ذَلِك لَهُم لَا عَلَى وَجه عِتَاب وَإنْكَار وَتَذْنِيب، هَذَا مَعْنَي كلامه،
أكِيد منَّتِه بِتَعْرِيفهِم مَا كَتَبَه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ من حِلّ ذَلِك لَهُم لَا عَلَى وَجه عِتَاب وَإنْكَار وَتَذْنِيب، هَذَا مَعْنَي كلامه، وَأَمَّا قَوْله (عَبَسَ وَتَوَلَّى) الآيات فَلَيْس فِيه إثْبَات ذَنْب لَه ﷺ بَل إعْلَام اللَّه أَنّ ذَلِك المُتَصَدّي لَه مِمَّن لَا يَتَزَكَّى وأن الصَّوَاب وَالأوْلَى كَان لَو كُشِف لَك حَال الرَّجُلَيْن الإقْبَال عَلَى الأعْمَى وَفِعْل النَّبِيّ ﷺ لَمّا فَعَل وَتَصَدّيه لِذاك الكافر كان طَاعَة لله وتَبْلِيغًا عَنْه وَاسْتِئْلَافًا لَه كَمَا شَرَعَه اللَّه لَه لَا مَعْصِيَة وَمُخَالَفَة لَه وَمَا قِصَّة اللَّه عَلَيْه من ذَلِك إعْلَام بِحال الرَّجُلَيْن وتَوْهِين أمر الكافِر عِنْدَه وَالإشَارَة إِلَى الإعْرَاض عَنْه بِقَوْلِه وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَقِيل أرَاد بِعَبَس وَتَوَلَّى الكافِر الَّذِي كَان مَع النَّبِيّ ﷺ قالَه أَبُو تُمَّام * وَأَمَّا قِصَّة آدَم ﵇ وَقَوْلُه تَعَالَى (فَأَكَلا منها) بعد قوله (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وقوله (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تلكما الشجرة)
وَتَصْريحُه تَعَالَى عَلَيْه بالمَعْصِيَة بِقَوْلِه تَعَالَى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) أَي جهل وَقِيل أخْطَأ فإنّ اللَّه تَعَالَى قَد أخْبَر بعذره بقوله (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ له عزما) قَال ابن زَيْد نَسِي عَدَاوَة إبْلِيس لَه وَمَا عَهِد اللَّه إليْه من ذَلِك بِقَوْلِه (إن هَذَا عَدُوٌّ لَكَ لزومك) الآيَة، قِيل نَسِي ذَلِك بِمَا أظْهَر لهما، وَقَال ابن عَبَّاس إنَّمَا سُمّي الْإِنْسَان إنْسانًا لِأَنَّه عُهد إليْه فَنَسِي وَقِيل لَم يَقْصِد الْمُخَالَفة اسْتِحْلالًا لَهَا وَلكِنَّهُمَا اغْتَرَّا بِحَلِف إبْلِيس لهما (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) تَوَهَّمَا أَنّ أحَدًا لَا يَحْلِف بالله حانِثًا وَقَد رُوِي عُذْر آدَم بمثْل هَذَا فِي بَعْض الآثار، وَقَال ابن جُبَيْر حَلَف بالله لهما حَتَّى غَرَّهُمَا وَالْمؤْمِن يُخْدع وَقَد قِيل نسِي وَلَم يَنْو الْمُخَالَفَة فَلِذَلِك قَال (وَلَمْ نَجِدْ له عزما) أَي قَصْدًا لِلْمُخَالفَة وَأكْثَر الْمُفَسّرِين عَلَى أَنّ العَزْم هنا الْحَزْم وَالصّبْر وَقِيل كَان عِنْد أكْلِه سكران وهذا فيه ضعف لِأَنّ اللَّه تَعَالَى وَصَف خَمْر الْجَّنة أنَّهَا لَا تُسْكِر فَإِذَا كَان ناسِيًا لَم تكن مَعْصِيَة وَكَذَلِك إن كَان ملبسًا عَلَيْه غَالِطًا إِذ الاتّفَاق عَلَى خُرُوج النّاسِي والسَّاهي عَن حُكْم التَّكلِيف، وَقَال الشَّيْخ أَبُو بَكْر بن فورك وغيره إنَّه يُمْكن أن يَكُون ذَلِك قَبْل النُّبُوَّة ودليل ذَلِك قَوْله (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عليه وهدى) فَذَكَر أَنّ الاجْتِبَاء والهِدَاية كَان بَعْد العِصْيَان وَقِيل بَل أكَلَهَا متَأوّلًا وَهُو لَا يعلم أنَّهَا الشجرة التي نهي عَنْهَا لِأَنَّه تأول نهى اللَّه عَن شجرة مخصوصه لَا عَلَى الجنس، ولهذا قِيل إنَّمَا كَانَت التَّوْبَة من ترك التحفظ لَا مِن المخالفة، وَقِيل تأول أَنّ اللَّه لم ينهه عَنْهَا نهي تحريم.
شجرة مخصوصه لَا عَلَى الجنس، ولهذا قِيل إنَّمَا كَانَت التَّوْبَة من ترك التحفظ لَا مِن المخالفة، وَقِيل تأول أَنّ اللَّه لم ينهه عَنْهَا نهي تحريم. فَإِنّ قِيل فعَلَى كُلّ حال فَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى، وقال: فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) وَقَوْلُه فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ويذكر ذنبه وإني
نهيت عَن أكل الشجرة فعصيت: فسيأتي الجواب عَنْه وَعَن أشباهه مجملًا آخر الْفَصْل إن شَاء اللَّه، وَأَمَّا قِصَّة يُونُس فَقَد مَضَى الْكَلَام عَلَى بَعْضَهَا آنفا وليس فِي قِصَّة يونس نص عَلَى ذنب وِإنما فِيهَا أبق وذهب مغاضبًا وَقَد تكلمنا عَلَيْه، وقيل إنما نقم اللَّه عَلَيْه خروجه عَن قومه فارا من نزول العذاب، وَقِيل بَل لَمّا وعدهم العذاب ثُمّ عفا اللَّه عَنْهُم قَال: والله لَا ألقاهم بوجه كذاب ابدًا وَقِيل بَل كَانُوا يقتلون من كذب فخاف ذَلِك، وَقِيل ضعف عَن حمل أعباء الرسالة. وَقَد تقدم الْكَلَام أنَّه لَم يكذبهم، وَهَذَا كله لَيْس فِيه نص عليه معصية إلَّا عَلَى قوله مرغوب عَنْه وَقَوْلُه (أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قَال الْمُفَسِّرُون تباعد، وَأَمَّا قَوْله (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فاظلم وضع الشئ فِي غَيْر موضعه فَهَذَا اعتراف مِنْه عِنْد بَعْضُهُم بِذَنْبِه فإمَّا أَنّ يَكُون لِخُرُوجِه عَن قَومِه بِغَيْر إذْن رَبَّه أَو لِضَعْفِه عَمَّا حمَّلَه أَو لِدُعَائِه بالْعَذَاب عَلَى قومه، وَقَد دَعَا نُوح بِهَلَاك قَوْمِه فَلَم يُؤاخَذ،
ِه عَن قَومِه بِغَيْر إذْن رَبَّه أَو لِضَعْفِه عَمَّا حمَّلَه أَو لِدُعَائِه بالْعَذَاب عَلَى قومه، وَقَد دَعَا نُوح بِهَلَاك قَوْمِه فَلَم يُؤاخَذ، وَقَال الوَاسِطيّ فِي مَعْنَاه نَزَّه رَبَّه عَن الظُّلْم وَأضَاف الظُّلْم إِلَى نَفْسِه اعْتِرَافًا وَاستِحْقَاقًا ومثل هَذَا قَوْل آدَم وَحوَاء (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) إذ كانا السَّبَب فِي وَضْعِهِمَا فِي غَيْر المَوْضِع الَّذِي انْزلا فِيه وَإخْرَاجِهِمَا مِن الْجَّنة وَإِنْزَالِهَمَا إلى الْأَرْض * وَأَمَّا قِصَّة دَاوُد ﵇ فَلَا يَجِب أن يُلْتَفَت إلى مَا سَطَّرَه فِيه الأخْبَارِيُّون عَن أَهْل الكِتَاب الَّذِين بَدّلُوا وغَيَّرُوا وَنَقَلَه بَعْض الْمُفَسّرِين وَلَم يَنُصّ اللَّه عَلَى شئ من ذَلِك وَلَا وَرَد فِي حَدِيث صحيح والذي نَصّ اللَّه عَلَيْه قَوْله: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) إِلَى قَوْله: (وحسن مآب) وقوله في أواب فمعنى
فتناه اخبرناه وأوَّاب قَال قتادة مُطيع وَهَذَا التَّفْسِير أوْلى، قَال ابن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود: مَا زَاد دَاوُد عَلَى أَنّ قَال لِلرَّجُل أنْزل لِي عَن امْرَأتِك وَأكْفِلْنِيهَا فَعَاتَبَه اللَّه عَلَى ذَلِك وَنَبَّهَه عَلَيْه وَأنْكَر عَلَيْه شُغْلَه بالدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أن يُعَوَّل عَلَيْه من أمْرِه وَقِيل خَطَبَهَا عَلَى خِطْبَتِه، وَقِيل بَل أخب بَقَلْبِه أن يُسْتَشْهَد، وحَكَى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ ذَنْبَه الَّذِي اسْتَغْفَر مِنْه قَوْله لأحَد الخَصْمَيْن لَقَدْ ظَلَمَكَ فَظَلَّمَه بَقَوْل خَصْمِه، وَقِيل بَل لَمّا خَشِي عَلَى نَفْسِه وظَنّ مِن الْفِتْنَة بِمَا بُسَط لَه مِن الْمُلْك وَالدُّنْيَا، ولى نَفْي مَا أضِيف فِي الْأَخْبَار إِلَى دَاوُد ذَهَب أَحْمَد بن نَصْر وَأَبُو تَمَّام وَغَيْرِهِمَا مِن المُحَقّقِين،
َه مِن الْمُلْك وَالدُّنْيَا، ولى نَفْي مَا أضِيف فِي الْأَخْبَار إِلَى دَاوُد ذَهَب أَحْمَد بن نَصْر وَأَبُو تَمَّام وَغَيْرِهِمَا مِن المُحَقّقِين، قَال الدَّاوُدِيّ: لَيْس فِي قِصَّة دَاوُد وَأُورِيا خَبَر يثْبُت وَلَا يُظَنّ بِنَبِيّ مَحَبَّة قَتْل مُسْلِم وَقِيل إنّ الخَصْمَيْن اللَّذِين اخْتَصَمَا إليْه رَجُلَان فِي نِتَاج غَنَم عَلَى ظَاهِر الآية * وَأَمَّا قِصَّة يُوسُف وَإخْوَتِه فَلَيْس عَلَى يُوسُف مِنْهَا تَعَقَّب وَأَمَّا إخْوَتُه فَلَم تَثْبُت نُبُوَّتُهُم فَيلْزَم الْكَلَام عَلَى أفْعَالِهِم وَذِكْر الْأَسْبَاط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء، قال المفسرون يريد مِنْ نَبِيٍّ مِنَ أبناء الأسباط وَقَد قِيل إنَّهُم كَانُوا حِين فَعَلُوا بِيُوسُف مَا فَعَلُوه صِغَار الأسْنَان ولهذا لَم يُمَيّزُوا يُوسُف حِين اجْتَمَعُوا بِه ولهذا قَالُوا أَرْسِلْه معنا غَدًا نَرْتَع وَنَلْعَب وإن ثَبَتَت لَهُم نُبُوَّة فَبَعْد هَذَا والله أَعْلَم، وَأَمَّا قَوْل اللَّهُ تَعَالَى فِيه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أن رأى برهان ربه) فَعَلى مَذْهَب كثير من الفقهاء والمحدثين أنهم النَّفْس لَا يُؤَاخُذ به وليس سَيّئة لِقَوْلِه ﷺ عَن ربه (إذ هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً) فَلَا مَعْصِيَة فِي هَمّه إذا
وَأمَّا عَلَى مَذْهَب المُحَقّقِين مِن الفُقَهَاء وَالْمُتكلّمِين فَإِنّ الْهَمّ إذا وظنت عَلَيْه النَّفْس سَيّئَة وَأَمَّا مَا لَم تُوَطَّن عَلَيْه النَّفْس من هُمُومِهَا وَخَوَاطِرِهَا فَهُو الْمَعْفُوّ عَنه وَهَذَا هُو الْحَقّ فَيَكُون إن شَاء اللَّه همّ يُوسُف من هَذَا وَيَكُون قَوْله (وما أبرى نفسي) الآيَة أَي مَا أُبَرَّئُهَا من هَذَا الهَمّ أَو يَكُون ذَلِك مِنْه عَلَى طرق التّوَاضُع وَالاعْتِرَاف بِمُخَالَفَة النَّفْس لَمّا زُكّي قَبْل وبرى فَكَيْف وَقَد حكى أَبُو حَاتِم عَن أَبِي عَبِيدة أَنّ يُوسُف لَم يَهُم وَأَنّ الْكَلَام فِيه تقديم وتأخير أَي وَلَقَد همت بِه ولولا أَنّ رَأَى برهان رَبَّه لَهُم بِهَا وَقَد قَال اللَّهُ ﵎ عَن المرأة (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) وَقَال تَعَالَى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) وَقَال تَعَالَى (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ الله إنى رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) الآيَة قِيل فِي رَبّي اللَّه وَقِيل الْمُلْك وَقِيل هَمّ بِهَا أَي بزجْرِهَا وَوَعظها وَقِيل همّ بِهَا أَي غَمَّهَا امتناعه عنها وَقِيل هم بِهَا نَظَر إِلَيْهَا وَقِيل هُم بضربها دفعها وَقِيل هَذَا كله كَان قَبْل نبوته، وَقَد ذَكَر بَعْضُهُم مَا زال النّسَاء يملن إِلَى يُوسُف ميل شهوة حَتَّى نبأه اللَّه فألقى عَلَيْه هيبة النُّبُوَّة فشغلت هيبته كُلّ من رآه عَن حسنه * وَأَمَّا خبر موسى ﷺ مَع قَتِيلِه الَّذِي وَكَزَه وَقَد نص اللَّه تَعَالَى أنَّه من عَدُوّه وَقِيل كَان مِن القِبْط الَّذِين عَلَى دِين فِرْعَوْن وَدَلِيل السُّورَة فِي هَذَا كله أنَّه قَبْل نُبُوَّة مُوسَى، وَقَال قَتَادَة وَكَزَه بالعَصَا وَلَم يَتَعَمَّد قَتْلَه فَعَلَى هَذَا لَا مَعْصيَة فِي ذَلِك، وَقَوْلُه هَذَا مِنْ عَمَلِ الشطان وَقَوْلُه ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لى
كَزَه بالعَصَا وَلَم يَتَعَمَّد قَتْلَه فَعَلَى هَذَا لَا مَعْصيَة فِي ذَلِك، وَقَوْلُه هَذَا مِنْ عَمَلِ الشطان وَقَوْلُه ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لى
قَال ابن جُرَيج قَال ذَلِك من أجل أنَّه لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أن يَقْتُل حَتَّى يُؤْمَر، وَقَال النَّقَّاش: لَم يَقْتُلْه عَن عَمْد مُرِيدًا لِلْقَتْل وَإِنَّمَا وَكَزَه وَكزَة يُريد بِهَا دَفْع ظُلْمِه قَال وَقَد قِيل أن هَذَا كان قبل النبوة وهو مقتضى للتلاوة وَقَوْلُه تَعَالَى فِي قصته (وفتناك فتنا) أي ابْتَلَيْناك ابْتِلَاء بَعْد ابْتِلَاء قِيل فِي هَذِه الْقِصَّة وَمَا جَرَى لَه مَع فِرْعَوْن وَقِيل إلماؤه فِي التَّابُوت وَاليَمّ وَغَيْر ذَلِك وَقِيل معناه أخْلَصْنَاك إخْلاصًا قَاله ابن جُبَيْر وَمُجَاهِد من قَوْلِهِم فَتَنْت الفِضَّة فِي النَّار إذَا خَلَّصْتَهَا وَأَصْل الفتنة معنى الاحتبار وإظْهَار مَا بَطَن إلَّا أنَّه اسْتُعْمِل فِي عَرْف الشَّرْع وفى اخْتِبَار أدَّى إلى مَا يُكْرَه وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي الْخَبَر الصَّحِيح من أَنّ مَلَك الْمَوْت جاءَه فَلَطَم عَيْنَه فَفَقَأها (الْحَدِيث) لَيْس فِيه مَا يُحْكَم عَلَى مُوسَى ﵇ بالتَّعَدّي وَفِعْل مَا لَا يَجِب إِذ هُو ظَاهِر الأَمْر بَيْن الْوَجْه جائز الفِعْل لَأن مُوسَى دَافَع عَن نَفْسِه من أتاه لإتْلافِهَا وَقَد تُصُوّر لَه فِي صورة آدمِي وَلَا يُمْكِن أنَّه عَلِم حِينَئذ أنَّه مُلْك المَوْت فَدَافَعَه عَن نَفْسِه مُدَافَعَة أدّت إِلَى ذَهَاب عَيْن تِلْك الصُّورَة التي تَصَوَّر لَه فِيهَا المَلك امْتِحَانًا مِن اللَّه فَلَمّا جاءَه بَعْد وَأعْلَمَه اللَّه تَعَالَى أنَّه رَسُولُه إليْه اسْتَسْلَم،
ِلْك الصُّورَة التي تَصَوَّر لَه فِيهَا المَلك امْتِحَانًا مِن اللَّه فَلَمّا جاءَه بَعْد وَأعْلَمَه اللَّه تَعَالَى أنَّه رَسُولُه إليْه اسْتَسْلَم، وَلِلْمُتَقَدّمِين وَالمُتأخَرِين عَلَى هَذَا الْحَدِيث أجْوِبَة هَذَا أسَدُّها عِنْدِي وَهُو تَأْوِيل شَيْخِنَا الْإِمَام أَبِي عَبْد اللَّه المازِرِيّ وَقَد تَأوَّلَه قَدِيمًا ابن عَائِشَة وَغَيْرِه عَلَى صَكّه وَلَطْمِه بالحُجَّة وفقء عَيْن حُجَّتِه وَهُو كَلَام مُسْتَعْمَل فِي هذا الْبَاب فِي اللُّغَة وَمَعْرُوف * وَأَمَّا قِصَّة سُلَيْمَان وَمَا حَكى فِيهَا أَهْل التَّفَاسِير من ذَنْبِه وَقَوْلُه وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان فَمَعْنَاه ابْتَلَيْنَاه وابْتِلاؤُه مَا حُكِي عَن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قَال: (لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ
كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارسَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يقل. فلم تحمل منهن إلَّا وَاحِدَة جَاءَت بِشقّ رَجُل قَال النبي ﷺ: (والذي نفسي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَال أَصْحَاب المَعَاني: وَالشَّقّ هُو الجَسَد الَّذِي أُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه حِين عُرِض عَلَيْه وَهِي عُقُوبَتُه وَمِحْنَتُه وَقِيل بَل مات فَأُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه مَيّتًا، وَقِيل ذَنْبُه حِرْصُه عَلَى ذَلِك وَتَمَنّيه، وَقِيل لِأَنَّه لَم يَسْتَثْن لَمّا اسْتَغْرَقَه مِن الْحِرْص وَغَلَب عَلَيْه مِن التَّمَنّي وَقِيل عُقُوبَتُه أن سُلِب مُلْكه وَذَنْبُه أن أحَبّ بِقَلْبِه أن يَكُون الْحَقّ لأخْتَانِه عَلَى خَصْمِهِم وَقِيل أوخِذ بِذَنْب قارَفَه بَعْض نِسَائِه وَلَا يَصِحّ مَا نَقَلَه الأخْبَارِيُّون من تَشبُّه الشَّيْطَان بِه وَتَسَلُّطِه عَلَى مُلْكِه وَتَصرُّفِه في أمته بالجور فِي حُكْمِه لِأَنّ الشياطين لَا يُسَلَّطُون عَلَى مِثْل هَذَا، وَقَد عُصِم الْأَنْبِيَاء من مِثِلِه،
َلُّطِه عَلَى مُلْكِه وَتَصرُّفِه في أمته بالجور فِي حُكْمِه لِأَنّ الشياطين لَا يُسَلَّطُون عَلَى مِثْل هَذَا، وَقَد عُصِم الْأَنْبِيَاء من مِثِلِه، وإن سُئِل لِمَ لَمْ يَقُل سُلَيْمَان فِي الْقِصَّة المَذْكُورَة إن شَاء اللَّه؟ فَعَنْه أجْوبَة أَحَدُهَا مَا رُوِي فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أنَّه نَسي أن يَقُولَهَا وَذَلِك ليفذ مُرَاد اللَّه، والثاني أنَّه لَم يَسْمَع صَاحِبَه وَشُغْل عَنْه وَقَوْلُه (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) لَم يَفْعَل هَذَا سُلَيْمَان غَيْرِه عَلَى الدُّنْيَا ولا نقاسة بِهَا وَلَكِن مَقْصِدُه فِي ذَلِك عَلَى مَا ذَكَرَه الْمُفَسِّرُون أن لَا يُسَلَّط عَلَيْه أَحَد كما سُلّط عَلَيْه الشَّيْطَان الَّذِي سَلَبَه إيَّاه مسدة امتحانه على قوله من قَال ذَلِك. وَقِيل بَل أرَاد أن يَكُون لَه مِن اللَّه فَضِيلَة وَخَاصَّة يَخْتَصّ بِهَا كاخْتِصَاص غَيْرِه من أنْبِيَاء اللَّه ورُسُلِه بِخَوَاصّ مِنْه، وَقِيل لِيَكُون دَليلًا وَحُجَّة عَلَى نبوته كإلابة الحَدِيد لأبِيه وَإحْيَاء المَوْتى لِعِيسَى وَاخْتصَاص مُحَمَّد ﷺ بالشَّفَاعَة ونحو هَذَا * وَأَمَّا قِصَّة نوح عَلَيْه السَّلَام
فَظَاهِرَة العُذْر وَأنَّه أخَذ فِيهَا بالتّأْوِيل وَظَاهِر اللّفْظ لِقَوْلِه تَعَالَى وَأَهْلَك، فَطَلَب مُقْتَضى هَذَا اللَّفْظ وَأَرَاد عِلْم مَا طُوِي عَنْه من ذَلِك لَا أنَّه شَكّ فِي وَعْد اللَّه فَبيَّن اللَّه عَلَيْه أنَّه لَيْس من أهله الَّذِين وَعَدَه بِنَجاتِهِم لِكُفْرِه وَعَمَلِه الَّذِي هُو غَيْر صَالِح وَقَد أعْلَمَه أنَّه مُغْرِق الَّذِين ظَلَمُوا وَنَهَاه عَن مُخَاطَبِتِه فِيهِم فووخذ بِهَذا التأويل وَعُتب عَلَيْه وَأشْفَق هُو من إِقْدامِه عَلَى رَبَّه لِسُؤَالِه مَا لَم يُؤْذَن له في السؤال فيه وَكَان نُوح فِيمَا حَكاه النَّقَّاش لَا يَعْلَم بِكُفْر ابْنِه وَقِيل فِي الآيَة غَيْر هَذَا وَكُلّ هَذَا لَا يَقْضِي عَلَى نُوح بِمَعْصِيَة سِوَى مَا ذَكَرْنَاه من تَأْوِيلِه وَإقدامِه بالسُّؤَال فِيمَن لم يُؤْذَن لَه فِيه وَلَا نُهَي عَنْه، وَمَا رُوِي فِي الصَّحِيح من أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نَمْلَة فَحَرَّق قَرْيَة النَّمْل فَأَوْحى اللَّه إليْه: (إِنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقَتْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ) فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى مَعْصَيةٌ بَلْ فَعَلَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَصَوَابًا بِقَتْلِ مَنْ يُؤْذِي جِنْسُهُ وَيَمْنَعُ المنْفَعَةَ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هذا النبي كَان نازِلًا تحت الشَّجَرَة فَلَمّا آذَتْه النَّمْلَة تَحَوَّل بِرَحْلِه عَنْهَا مَخَافَة تكْرَار الأذَى عَلَيْه وَلَيْس فِيمَا أوْحى اللَّه إليْه مَا يُوجِب عَلَيْه مَعْصِيَة بَل نَدَبَه إِلَى احْتِمَال الصَّبْر وَتَرْك التَّشَفي كَمَا قَال تَعَالَى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خير للصابرين) إِذ ظَاهِر فِعْلِه إنَّمَا كَان لأجْل أنَّهَا آذَتْه هُو فِي خَاصَّتِه فكان نتقاما لِنَفْسِه وَقَطْع مَضَرّه يتَوَقَّعُهَا من بَقِيَّة النَّمْل هُنَاك وَلَم يَأْت فِي كُلّ هَذَا أمْرًا نُهِي عَنْه فَيُعَصَّى بِه ولا نص فيها أوْحى اللَّه إليْه بِذَلِك وَلَا بالتَّوْبَة والاسْتِغْفَار مِنْه والله أعلم
َلَم يَأْت فِي كُلّ هَذَا أمْرًا نُهِي عَنْه فَيُعَصَّى بِه ولا نص فيها أوْحى اللَّه إليْه بِذَلِك وَلَا بالتَّوْبَة والاسْتِغْفَار مِنْه والله أعلم
فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله ﵇ مَا من أَحَد إلَّا أَلَمّ بِذَنْب أَو كَاد إلا يحيى ابن زَكَرِيَّا أَو كَمَا قَال ﵇؟ فالْجَوَاب عَنْه كَمَا تَقَدَّم من ذُنُوب الْأَنْبِيَاء التي وَقَعَت عن غَيْر قَصْد وَعَن سَهْو وَغَفْلَة فصل فَإِن قُلْت فَإِذَا نَفيْت عَنْهُم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم الذُّنُوب والمَعَاصِي بِمَا ذَكَرَتَه مِن اخْتِلَاف الْمُفَسّرِين وَتأوِيل المحققين فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) وَمَا تكرر فِي الْقُرْآن والحديث الصَّحِيح مِن اعْتِرَاف الْأَنْبِيَاء بذنوبهم وتوبتهنم وَاسْتِغْفَارِهِم وَبُكائِهِم عَلَى ما سلف منهم وَإشْفاقِهِم وَهَل يُشْفَق وَيُتَاب وَيُسْتَغْفَر من لَا شئ؟ فاعلم وفقنا اللَّه وَإيَّاك أن دَرَجَة الْأَنْبِيَاء فِي الرّفْعَة وَالعُلُوّ والمعرفة بالله وَسُنَّتِه فِي عبادة وعظم سلطانه وقوة بطشه مِمَّا يحملهم عَلَى الخوف مِنْه ﷻ والإشفاق مِن المؤاخذة بِمَا لَا يؤاخذ بِه غَيْرِهِم وَأَنَّهُم فِي تصرفهم بأمور لَم ينهوا عَنْهَا وَلَا أمروا بِهَا ثُمّ ووخذوا عَلَيْهَا وعوتبوا بسببها وحذروا مِن المؤاخذة بِهَا وأتوها على وجه التأويل أَو السَّهْو أَو تزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون وجلون وَهِي ذنوب بالإضافة إِلَى عَلِيّ منصبهم ومعاص بالنسبة إِلَى كمال طاعتهم لَا أنَّهَا كَذُنُوب غَيْرِهِم ومَعَاصِيهِم فَإِنّ الذنب مَأْخُوذ من الشئ الدنى الرَّذْل وَمِنْه ذَنَب كل شئ أَي آخِرُه وَأذْناب الناس
ى كمال طاعتهم لَا أنَّهَا كَذُنُوب غَيْرِهِم ومَعَاصِيهِم فَإِنّ الذنب مَأْخُوذ من الشئ الدنى الرَّذْل وَمِنْه ذَنَب كل شئ أَي آخِرُه وَأذْناب الناس
رُذَّالُهُم فكان هَذِه أدْنى أفْعالِهِم وَأسْوَأ مَا يَجْرِي من أحْوَالِهِم لِتَطْهِيرِهِم وَتنْزِيههِم وَعِمَارة بَوَاطِنِهم وَظَوَاهِرِهم بالعَمَل الصالح والكلم الطيب والذّكْر الظَّاهِر والخَفَيّ والخَشْيَة لله وَإعْظَامِه فِي السّرّ والعَلَانِيَة وَغَيْرِهِم يَتَلوَّث مِن الكَبَائِر وَالقَبَائِح والفَوَاحِش مَا تَكُون بالإضافة إلى هذه الهَنَات فِي حَقَه كالحَسَنَات كَمَا قِيل حَسَنَات الأبْرَار سَيّئَات المُقَربِين أَي يَرَوْنَهَا بالإضَافَة إلى عَلِيّ أحْوَالِهِم كالسَّيّئات وَكَذَلِك العِصْيَان التَّرْك وَالمُخَالَفَة فَعَلَى مُقْتَضى اللَّفْظَة كَيْفَمَا كانت من سَهْو أَو تَأويل فهى مخالفة وترك وَقَوْلُه غوى أَي جهل أَنّ تِلْك الشجرة هِي التي نهي عَنْهَا والغي الجهل وَقِيل أخطأ مَا طلب مِن الخلود إِذ أكَلَهَا وخابَت أُمْنِيَّتُه وَهَذَا يُوسُف ﵇ قد ووخذ بِقَوْلِه لأحد صاحِبَي السّجْن (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سنين) قِيل أُنْسِي يُوسُف ذَكَر اللَّه، وَقِيل أُنْسِي صاحبُه أن يَذْكُرَه لِسَيَّده المَلك، قَال النَّبِيّ ﷺ (لَوْلَا كَلِمَةُ يُوسُفَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ) قَال ابن دِينَار: لَمَّا قَال ذَلِكَ يُوسُفُ قِيلَ لَه اتخذت من دُونِي وَكِيلًا لَأُطِيلَنّ حَبْسَك، فَقَال: يَا رَبّ أنْسَى قَلْبي كَثْرَة البَلْوى، وَقَال بَعْضُهُم: يُؤَاخِذ الْأَنْبِيَاء بمثاقيل الذَّرّ لمكانتهم عنده ويجاوز عَن سائر الْخَلْق لقلة مبالاته بهم فِي أضْعَاف مَا أتَوْا بِه من سُوء الأدَب وَقَد قَال المُحْتَجّ للفرقة
الأُولَى عَلَى سِيَاق مَا قُلْنَاه إذَا كَان الْأَنْبِيَاء يُؤاخَذُون بِهَذا مِمَّا لَا يُؤَاخَذ بِه غَيْرِهِم مِن السَّهْو وَالنّسْيَان وَمَا ذَكَرْتَه وَحَالُهُم ارْفَع فَحَالُهُم إذَا فِي هَذَا أسْوَأ حَالًا من غَيْرِهِم، فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أَنَا لَا نُثْبِت لَك المُؤَاخَذَة فِي هَذَا عَلَى حد مُؤَاخَذَة غَيْرِهِم، بَل نَقُول إنَّهُم يُؤَاخَذُون بِذَلِك فِي الدُّنْيَا لِيكون ذَلِك زيادة فِي درجاتهم ويبتلون بِذَلِك ليكون استشعارهم لَه سببًا لمنماة رتبهم كَمَا قَال (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) وَقَال لداود (فَغَفَرْنَا له ذلك) لآية وَقَال بَعْد قَوْل مُوسَى تُبْت إِلَيْك. (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الناس) وَقَال بَعْد ذِكْر فِتْنَة سُلَيْمَان وَإنابَتِه (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) إِلَى (وَحُسْنَ مَآبٍ) وَقَال بَعْض المُتَكلّمين زَلَّات الْأَنْبِيَاء فِي الظَّاهِر زَلَّات وَفِي الْحَقِيقَة كَرَامَات وَزُلَف وَأشار إِلَى نَحْو مِمَّا قدمناه وأيضًا فلينبه غَيْرِهِم مِن البشر مِنْهُم أَو مِمَّن لَيْس فِي درجتهم بمؤاخذتهم بِذَلِك فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر عَلَى النعم ويعدوا الصبر عَلَى المحن بملاحظة مَا وَقَع بأهل هَذَا النصاب الرفيع المعصوم فكيف بمن سواهم، ولهذا قَال صَالِح المري ذِكْر دَاوُد بَسْطَة للتوابين، قَال ابن عَطَاء لَم يَكُن مَا نص اللَّه تَعَالَى من قِصَّة صَاحِب الحُوت نَقْصًا لَه وَلَكِن اسْتِزادة من نَبِيّنا ﷺ وأيضًا فَيُقَال لَهُم فإنَّكُم وَمِن وَافَقَكُم تَقُولُون بِغُفْرَان الصَّغَائِر باجتناب الكبائر ولا خلاف فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء مِن الكبائر فَمَا جَوَّزْتُم من وُقُوع الصغائر علهيم هِي مَغْفُورَة عَلَى هَذَا فَمَا مَعْنَي
ئِر باجتناب الكبائر ولا خلاف فِي عِصْمَة الْأَنْبِيَاء مِن الكبائر فَمَا جَوَّزْتُم من وُقُوع الصغائر علهيم هِي مَغْفُورَة عَلَى هَذَا فَمَا مَعْنَي
المُؤَاخَذَة بِهَا إذَا عِنْدَكُم وَخَوْف الْأَنْبِيَاء وَتَوْبَتِهُم مِنْهَا وَهِي مغفورة لو كانت فَمَا أجَابُوا بِه فَهُو جَوَابُنا عَن المُؤَاخَذَة بأَفْعَال السَّهْو وَالتَّأْوِيل، وَقَد قِيل إنّ كَثْرَة اسْتِغْفَار النَّبِيّ ﷺ وَتَوبَتِه وَغَيْرُه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى وَجْه مُلازَمَة الخُضُوع وَالْعُبُودِيَّة والاعْتِراف بالتَّقْصِير شُكْرًا لله عَلَى نِعَمْه كَمَا قَال ﷺ وَقَد أمِن مِن المُؤَاخَذَة بِمَا تقدم وَمَا تَأخَّر (أَفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) وَقَال (إِنِّي أَخْشاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي) قَال الحَارِث بن أسَد: خَوْف الْمَلَائِكَة وَالْأَنْبِيَاء خَوْف إعْظَام وَتَعَبُّد لله لأنهم آمنُون. وَقِيل فَعَلُوا ذَلِك ليُقْتَدَى بهم وَتَسْتَنَّ بهم أُمَمُهُم كَمَا قَال ﷺ (لو تعلمون ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي التَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ مَعْنَي آخر لطيفا أشار إليْه بَعْض الْعُلمَاء وَهُو استدعاء محبة اللَّه قَال اللَّه تَعَالَى (إن الله يحب التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) فإحْدَاث الرُّسُل والأنبياء الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة والإنابة والأوْبَة فِي كُلّ حِين اسْتِدْعَاء لِمَحَبَّة اللَّه وَالاسْتِغْفَار فِيه مَعْنَي التَّوْبَة، وَقَد قَال اللَّه لِنَبّيه ﷺ بَعْد أن غَفَر له ما تقدم من ذنبه وَمَا تَأخَّر (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) الآيَة وَقَال تَعَالَى (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ توابا) فصل قَد استبان لَك أيُّهَا الناظر مما قررناه مَا هُو الْحَقّ من عصمته صَلَّى الله
ى (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ توابا) فصل قَد استبان لَك أيُّهَا الناظر مما قررناه مَا هُو الْحَقّ من عصمته صَلَّى الله
عَلَيْه وَسَلَّم عَن الجهل بالله وصفاته أَو كونه عَلَى حالة تنافي الْعِلْم شئ من ذَلِك كله جملة بَعْد النُّبُوَّة عقلًا وإجماعًا وقبلها سماعًا ونقلًا وَلَا بشئ مِمَّا قررناه من أمور الشرع وأداه عَن رَبَّه مِن الْوَحْي قَطْعًا وعقْلًا وشَرْعًا وَعِصْمَتِه عَن الكَذِب وَخُلْف القَوْل مُنْذ نَبَّأه اللَّه وأَرْسَلَه قَصْدًا أَو غَيْر قَصْد وَاسْتِحَالَة ذَلِك عَلَيْه شَرْعًا وَإجْمَاعًا وَنَظَرًا وَبُرْهانًا وتَنْزيهِه عَنْه قَبْل النُّبُوَّة قَطْعًا وَتَنْزِيهِه عَن الكبائر إجْمَاعًا وَعَن الصَّغَائِر تَحْقِيقًا وَعَن اسْتِدَامَة السَّهْو وَالغَفْلَة وَاسْتِمْرَار الغَلَط وَالنّسْيَان عَلَيْه فِيمَا شَرَعَه للأمة وَعَصْمَتِه فِي كُلّ حَالاتِه من رضى وَغَضَب وَجَد وَمَزْح فَيَجب عَلَيْك أَنّ تَتَلقَّاه باليَمِين وَتَشُدّ عَلَيْه يد الضَّنين وَتَقْدُر هَذِه الفُصُول حَقّ قَدْرِهَا وَتَعْلَم عَظِيم قائدتها وَخَطَرها فَإِنّ من يَجْهَل مَا يَجِب لِلنَّبِيّ ﷺ أَو يَجُوز أَو يَسْتَحِيل عَلَيْه وَلَا يَعْرِف صُوَر أحْكَامِه لَا يَأْمن أن يَعْتَقِد فِي بَعْضَهَا خِلَاف مَا هِي عَلَيْه وَلَا يُنَزّهُه عَمَّا لَا يَجِب أن يُضَاف إليْه فَيَهْلِك من حَيْث لَا يَدْرِي وَيَسْقُط فِي هُوَّة الدَّرْك الأسْفَل مِن النَّار إِذ ظَنّ البَاطِل بِه اعْتِقَاد مَا لَا يَجوز عَلَيْه يُحلّ بِصَاحِبِه دَار البَوَار ولهذا مَا احْتَاط ﵇ عَلَى الرَّجُلَيْن اللذين رَأياه لَيْلًا وَهُو مُعْتِكف فِي المَسْجِد مَع صَفِيَّة فَقَال لهما: إنه صَفِيَّة، ثُمّ قَال لهما: إِنَّ الشَيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا فَتَهْلِكَا) * هَذِه أكْرَمَك اللَّه إحْدَى فوائِد مَا تَكَلَّمْنا عَلَيْه فِي هَذِه الفُصُول وَلعَّل جَاهِلًا لَا يَعْلَم
بِجَهْلِه إذَا سَمِع شَيْئًا مِنْهَا يَرَى أَنّ الْكَلَام فِيهَا جُمْلَة من فُضُول الْعِلْم وَأَنّ السُّكُوت أوْلَى وَقَد اسْتَبَان لَك أنَّه مُتَعَيَّن لِلْفَائِدَة التي ذَكَرْنَاهَا وفائدة ثانية يظطر إِلَيْهَا فِي أُصُول الْفَقْه وَيُبْتَنى عَلَيْهَا مَسَائِل لا تتعد مِن الْفِقْه وَيُتَخَلَّص بها من تشعيب مختلفي الفقهاء فِي عِدَّة مِنْهَا وَهِي الحكم فِي أقوال النَّبِيّ ﷺ وأفعاله وَهُو بَاب عظيم وأصل كَبير من أصول الفقه وَلَا بُد مِن بنائه عَلَى صَدَق النَّبِيّ ﷺ فِي أخباره وبلاغه وَأنَّه لَا يجوز عَلَيْه السَّهْو فِيه وعصمته مِن المخالفة فِي أفعاله عَمْدًا وَبِحَسَب اختلافهم فِي وقوع الصَّغَائِر وَقَع خِلَاف فِي امتثال الفعل بَسْط بَيَانِه فِي كُتُب ذَلِك الْعِلْم فَلَا نُطَوّل بِه وَفَائِدَة ثالِثَة يحتاج إليها الحاكم والمفتي فيمن أضاف إِلَى النَّبِيّ ﷺ شَيْئًا من هَذِه الأمور ووصفه بِهَا فعن لَم يعرف مَا يجوز وَمَا يمتنع عَلَيْه وَمَا وَقَع الإجماع فِيه والخلاف كَيْف يصمم فِي الفتيا فِي ذَلِك وَمِن أَيْن يدري هَل مَا قاله في نقص أَو مدح فإما أَن يجترئ عَلَى سفك دم مُسْلِم حرام أَو يسقط حقا ويضيع حرمة للنَّبِيّ ﷺ؟ وبسبيل هَذَا مَا قَد اخْتُلِف أرْباب الأصُول وأئمة الْعُلمَاء والمحققين فِي عصمة الْمَلَائِكَة فصل فِي القَوْل فِي عصمة الْمَلَائِكَةِ أجمع الْمُسْلِمُون عَلَى أَنّ الْمَلَائِكَة مؤمنون فضلاء وأتفق أئِمَّة الْمُسْلِمِين أَنّ حُكْم المُرْسَلِين مِنْهُم حُكْم النَّبِيّين سواء فِي العِصْمَة مِمَّا ذَكَرْنَا عِصْمتَهُم مِنْه وَأَنَّهُم فِي حُقُوق الْأَنْبِيَاء والتَّبْلِيغ إِلَيْهِم كالْأَنْبِيَاء مَع الْأُمَم واختلفوا فِي غَيْر الْمُرْسَلِين مِنْهُم فذهبت طائفة إِلَى عصمة جميعهم عَن
ي حُقُوق الْأَنْبِيَاء والتَّبْلِيغ إِلَيْهِم كالْأَنْبِيَاء مَع الْأُمَم واختلفوا فِي غَيْر الْمُرْسَلِين مِنْهُم فذهبت طائفة إِلَى عصمة جميعهم عَن
المعاصي واحتجُّوا بِقَوْلِه تَعَالَى (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وبقوله (وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) وبقوله (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يفترون) وبقوله (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبادته) الآية، وبقوله (كرام بررة) و (لا يَمَسُّهُ إِلا المطهرون) وَنَحْوَه مِن السَّمْعِيَّات، وذهبت طائفة إن أَنّ هَذَا خُصُوص لِلْمُرْسَلِين مِنْهُم وَالمُقَرَّبِين، واحْتَجُّوا بأشْيَاء ذَكَرَهَا أهْل الْأَخْبَار والتَّفَاسِير نَحْن نَذْكُرُهَا إن شَاء اللَّه بَعْد وتبين الْوَجْه فِيهَا أن شَاء اللَّه، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه نصابهم الرفيع عَن جميع مَا يحط من رتبتهم ومنزلتهم عَن جليل مقدارهم ورأيت بَعْض شيوخنا أشَار بأن لَا حاجة بالفقيه إِلَى الْكَلَام فِي عصمتهم. وَأَنَا أقول إن للكلام فِي ذَلِك مَا للكلام فِي عصمة الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَائِد التي ذَكَرْنَاهَا سوى فائدة الْكَلَام فِي الأقوال والأفعال فهي ساقطة ههنا، فما احْتَجّ بِه من لَم يُوجِب عصمة جميعهم قِصَّة هاروت وماروت وَمَا ذَكَر فيها أهل الْأَخْبَار ونَقَلَة الْمُفَسّرِين وَمَا رُوِي عَن عَلِيّ وَابْن عَبَّاس فِي خبرهِمَا وابْتلائِهِمَا، فاعلم أكْرَمَك اللَّه أَنّ هَذِه الأخْبَار لَم يُرْو منها شئ لَا سَقِيم وَلَا صَحِيح عَن رَسُول اللَّه ﷺ وَلَيْس هُو شَيْئًا يُؤْخَذ بِقِيَاس وَالَّذِي مِنْه فِي الْقُرْآن اخْتَلف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه، وَأنْكَر مَا قَال بَعْضُهُم فِيه كَثير مِن السَّلَف كَمَا سنذكره، وهذه الْأَخْبَار من كُتُب اليَهُود وَافْتِرَائِهِم كَمَا نَصَّه اللَّه أَوَّل
نَاه، وَأنْكَر مَا قَال بَعْضُهُم فِيه كَثير مِن السَّلَف كَمَا سنذكره، وهذه الْأَخْبَار من كُتُب اليَهُود وَافْتِرَائِهِم كَمَا نَصَّه اللَّه أَوَّل الآيات مِن افْتِرَائِهِم بِذَلِك عَلَى سُلَيْمَان وتَكْفِيرِهِم إيَّاه، وَقَد انْطَوَت الْقِصَّة عَلَى شُنَع عَظِيمَة وها نحن نحبر فِي ذَلِك مَا يشكف غِطَاء هَذِه
الإشْكَالات إنّ شَاء اللَّه فاخْتُلِف أوَّلًا فِي هَارُوت ومَارُوت هَل هما مَلَكَان أَو إنْسِيَّان، وَهَل هما المُرَاد بَالْمَلَكَيْن أم لَا، وهل القراءة مَلَكَيْن أو ملِكَيْن، وهل مَا فِي قَوْله (وَمَا أنزل) (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد) نافية أو موجية؟ فَأكْثَر الْمُفَسّرِين أَنّ اللَّه تَعَالَى أمْتَحَن النَّاس بِالْمَلَكَيْن لِتَعْلِيم السّحْر وَتَبيينِه وَأن عَمَلَه كُفْر، فَمَن تَعَلَّمَه كَفَر، وَمِن تَرَكَه آمَن، قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) وتعليمهما النَّاس لَه تَعْلِيم إنْذَار أَي يَقُولان لِمَن جَاء يَطْلُب تَعَلُّمَه لَا تَفْعَلُوا كذا فَإنَّه يُفَرَّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجِه وَلَا تَتَخَيَّلُوا بِكَذَا فَإنَّه سِحْر فَلَا تَكْفُرُوا فَعَلَى هَذَا فِعْل الْمَلَكَيْنِ طَاعَة وَتَصَرُّفُهُمَا فِيمَا أمرا بِه لَيْس بِمَعْصِيَة وَهِي لغَيْرِهِمَا فِتَْنَة، وَرَوَى ابن وَهْب عَن خَالِد بن أَبِي عِمْرَان أنَّه ذَكَر عِنْدَه هاروت وماروت وأنهما يُعَلّمَان السّحْر فَقَال نَحْن ننزههما عَن هَذَا فَقَرأ بعضهم (وما أنزل على الملكين) فَقَال خَالِد لَم يُنْزَل عَلَيْهَمَا فَهَذَا خَالِد عَلَى جَلَالَتِه وعلمه نزههما عَن تعليم السحر الَّذِي قَد ذَكَر غَيْرِه انهما مأذون لهما فِي تعليمه بشريطة أن يبيننا أنَّه كفر وَأنَّه امتحان مِن اللَّه وابتلاء، فكيف لَا ينزههما عَن كبائر المعاصي والكفر المذكورة فِي تِلْك الْأَخْبَار، وقوله خَالِد لَم ينزل يريد أَنّ (مَا) نافية وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس،
بتلاء، فكيف لَا ينزههما عَن كبائر المعاصي والكفر المذكورة فِي تِلْك الْأَخْبَار، وقوله خَالِد لَم ينزل يريد أَنّ (مَا) نافية وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس، قَال مَكّيّ وتقدير الْكَلَام وَمَا كفر سُلَيْمَان يريد بالسحر الَّذِي افتعلته عَلَيْه الشياطين واتبعهم فِي ذَلِك اليهود وَمَا أنزل عَلَى الملكين، قَال مَكّيّ هما جِبْرِيل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجئ بِه كَمَا ادعوا عَلَى سُلَيْمَان فأكذبهم اللَّه فِي ذَلِك وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. ببابل هاروت وماروت:
قِيل: هما رَجُلان تعلماه، قَال الْحَسَن: هارُوت ومارُوت علجان من أهل بابل، وقرأ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ بِكَسْر اللَّام وتكون (مَا) إيجَابًا عَلَى هَذَا، وَكَذَلِك قراءة عَبْد الرَّحْمن بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قَال الملكان هُنَا دَاوُد وسليمان وتكون (مَا) نفيًا عَلَى مَا تقدم، وَقِيل: كانا ملكين من بَنِي إسرائيل فمسخهما اللَّه، حكاه السَّمْرَقَنْدِيّ والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآيَة عَلَى تقدير أَبِي مُحَمَّد مَكّيّ حَسَن ينزه الْمَلَائِكَة ويذهب الرجس عَنْهُم ويطهرهم تطهيرا وَقَد وصفهم اللَّه بأنهم مطهرون و (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) و (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) ومما يذكرونه قِصَّة إبليس وَأنَّه كَان مِن الْمَلَائِكَة ورئيسا فبهم ومِن خزان الْجَّنة إِلَى آخر مَا حكوه وَأنَّه استثناه مِن الْمَلَائِكَة بِقَوْلِه (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ) وَهَذَا أيْضًا لَم يتفق عَلَيْه بَل الأكثر ينفون ذَلِك وَأنَّه أَبُو الجن كَمَا آدَم أو الإنس وهو قوله الْحَسَن وقتادة وَابْن زَيْد، وَقَال شهر بن حوشب كَان مِن الجِنّ الَّذِين طَرَدَتْهُم الْمَلَائِكَة فِي الْأَرْض حِين أفْسَدُوا، وَالاسْتثْنَاء من غَيْر الجنْس شَائع فِي كَلَام الْعَرَب سائغ وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) ومما رووه في الْأَخْبَار أَنّ خلقًا مِن الْمَلَائِكَة عصوا اللَّه فحرقوا وأمروا أَنّ يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا ثُمّ أخرون كَذَلِك حَتَّى سجد لَه من ذَكَر اللَّه إلَّا إبليس فِي أخبار لَا أصل لَهَا تردها صحاح الْأَخْبَار فَلَا يشتغل بِهِا والله أعلم
الْبَاب الثاني فيما يخصهم فِي الأمور الدنيوية وَمَا يطرأ عَلَيْهِم مِن العوارض البشرية
صل لَهَا تردها صحاح الْأَخْبَار فَلَا يشتغل بِهِا والله أعلم
الْبَاب الثاني فيما يخصهم فِي الأمور الدنيوية وَمَا يطرأ عَلَيْهِم مِن العوارض البشرية
قَد قَدَّمْنَا أنَّه ﷺ وَسَائِر الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل مِن البشر وَأَنّ جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجزع كأس الحمام مَا يجوز عَلَى البشر وَهَذَا كله لَيْس بنقيصة فِيه لِأَنّ الشئ إنَّمَا يسمى ناقصًا بالإضافة إِلَى مَا هُو أتم مِنْه وأكمل من نوعه وَقَد كَتَب اللَّه تَعَالَى عَلَى أَهْل هَذِه الدار فِيهَا يحيون وفيها يموتون وَمِنْهَا يخرجون وخلق جميع البشر بمدرجة الغير فَقَد مرض ﷺ واشتكى وأصابه الحر والقر وأدركه الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر وناله الإعياء والتعب ومسسه الضعف والكبر وسقط فجحش شقه وشجه الكفار وكسروا رباعيته وسقي السم وسحر وتداوى واحتجم وتنشر وتعوذ ثُمّ قضى نحبه فتوفي ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى وتخلص من دَار الامْتِحَان وَالبَلْوَى وَهَذِه سِمَات البَشَر
التي لَا مَحِيص عَنْهَا وَأَصَاب غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء مَا هُو أَعْظَم مِنْه فَقُتّلُوا قَتْلًا وَرُمُوا في النار ونشروا بالْمَنَاشِير وَمِنْهُم من وَقَاه اللَّه ذَلِك فِي بَعْض الأوْقَات وَمِنْهُم من عَصَمَه كَمَا عُصِم بَعْد نَبِيُّنَا مِن النَّاس فَلَئِن لَم يَكْف نَبَيَّنَا رَبَّه يَد ابن قَمِئَة يَوْم أُحُد وَلَا حَجَبَه عَن عُيُون عِدَاه عِنْد دَعْوَتِه أَهْل الطَّائِف فَلَقَد أَخَذ عَلَى عُيون قُرَيْش عِنْد خُرُوجِه إِلَى ثَوْر وَأمْسَك عَنْه سَيْف غَوْرَث وَحَجَر أَبِي جَهْل وَفَرَس سُرَاقَة وَلَئِن لَم يَقِه من سِحْر ابن الأعْصَم فلقد وَقَاه مَا هُو أعْظَم من سَمّ اليَهُودِيَّة وهكذا سَائِر أنْبِيَائِه مُبْتَلى وَمُعَافى وَذَلِك من تَمَام حِكْمَتِه لِيُظْهِر شَرَفَهُم فِي هَذِه المَقَامَات وَيُبَيَّن أمْرَهُم وَيُتِمّ كَلِمَتَه فِيهِم وَلِيُحَقَّق بامْتِحَانِهِم بَشَرِيَّتَهُم وَيَرْتَفِع الالْتِبَاس عَن أَهْل الضعف فِيهِم لئلًا يَضلُّوا بِمَا يَظْهَر مِن العَجَائِب عَلَى أيديهم ضَلَال النصاري بِعِيسَى
انِهِم بَشَرِيَّتَهُم وَيَرْتَفِع الالْتِبَاس عَن أَهْل الضعف فِيهِم لئلًا يَضلُّوا بِمَا يَظْهَر مِن العَجَائِب عَلَى أيديهم ضَلَال النصاري بِعِيسَى ابن مَرْيَم وليكون فِي محنهم تسلية لأممهم ووفور لأجورِهِم عِنْد ربهم تَمَامًا عَلَى الَّذِي أحسن إِلَيْهِم، قَال بَعْض المُحَقَّقِين وهذه الطوارى وَالتَّغْييرَات المَذْكُورَة إنَّمَا تَخْتَصّ بِأجْسَامِهِم الْبَشَريَّة المقصود بِهَا مُقَاومَة البشر ومعناة بَنِي آدَم لمُشَاكَلة الجِنْس وَأَمَّا بوَاطِنُهُم فمنزهه غالبًا عَن ذَلِك معصومة منه متعلقة بالملإ الأعْلَى وَالْمَلَائِكَة لأخْذِهَا عَنْهُم وَتَلَقّيهَا الوَحْي مِنْهُم قال وقد قال ﷺ (إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وَقَال (إِنِّي لَسْتُ كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) وَقَالَ (لَسْتُ أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِيُسْتَنَّ بِي) فَأخْبَر أَنّ سِرَّه وَباطِنَه وروحه خلاف جسمه وظاهره وَأَنّ الآفات التي تحل ظاهرة من ضعف وجوع وسهر
ونوم لَا يحل منها شئ باطنه بخلاف غَيْرِه مِن البشر فِي حكم الباطن لِأَنّ غَيْرِه إذَا نَام اسْتَغْرَق النَّوْم جِسْمَه وَقَلْبَه وَهُو ﷺ فِي نَوْمِه حَاضِر القَلْب كَمَا هُو فِي يَقْظَتِه حَتَّى قَد جاء فِي بَعْض الآثار أنَّه كَان مَحْرُوسًا مِن الحدث فِي نَوْمِه لِكَوْن قَلْبه يَقْظَان كَمَا ذَكَرْنَاه وَكَذَلِك غَيْرِه إذَا جَاع ضَعُف لِذَلِك جِسْمُه وَخَارَت قُوَّتُه فَبَطَلَت بِالْكُلّيَّة جُمْلَتُه وَهُو ﷺ قد أخْبَرَ أنَّهُ لَا يَعْتَرِيه ذَلِك وَأنَّه بِخِلَافِهِم لِقَوْلِه (إِنِّي لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني رَبِّي وَيَسْقِينِي وَكَذَلِك أقُول إنَّه فِي هَذِه الأحوال كُلّهَا من وَصَب وَمَرَض وَسِحْر وَغَضَب لَم يَجْر على بَاطِنِه مَا يُخلّ بِه وَلَا فَاض مِنْه عَلَى لِسَانِه وَجَوَارِحِه مَا لَا يَلِيق بِه كَمَا يَعْتَري غَيْرِه مِن البَشَر مِمَّا نَأْخُذ بَعْد فِي بَيَانِه فصل فَإِنّ قُلْت فَقَد جَاءَت الْأَخْبَار الصحيحة أنَّه ﷺ سُحِر كَمَا حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو محمد العتابي بقراءتي عَلَيْهِ قَالَ نَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَلَفٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ نا الْبُخَارِيُّ نا عبيد ابن إِسْمَاعِيلَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فعل الشئ وَمَا فَعَلَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ (الْحَدِيث) وَإذَا كَان هَذَا مِن الْتِبَاس الأمْر عَلَى المَسْحُور
َّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ (الْحَدِيث) وَإذَا كَان هَذَا مِن الْتِبَاس الأمْر عَلَى المَسْحُور
فَكَيْف حَال النَّبِيّ ﷺ فِي ذَلِك وَكَيْف جَاز عَلَيْه وَهُو مَعْصُوم؟ فاعلم وفقنا اللَّه وَإيَّاك أَنّ هَذَا الْحَدِيث صحيح متفق عَلَيْه وَقَد طَعَنَت فِيه المُلْحِدَة وَتَدَرَّعت بِه لِسُخْف عُقُولِهَا وتَلْبِيسِهَا عَلَى أمْثَالهَا إِلَى التَّشْكيك فِي الشَّرْع وَقَد نَزَّه اللَّه الشَّرْع وَالنَّبِيّ عَمَّا يُدْخِل في أمْره لَبْسًا وَإِنَّمَا السَّحْر مرض مِن الأمْرَاض وعَارِض مِن العِلَل يَجُوز عَلَيْه كأنْواع الأمْرَاض مِمَّا لَا يُنَكَر وَلَا يَقْدَح فِي نُبُوَّتِه * وَأَمَّا مَا وَرَد أنَّه كَان يُخَيَّل إليْه أنَّه فَعَل الشئ وَلَا يَفْعَلُه فَلَيْس فِي هَذَا مَا يُدْخل عَلَيْه دَاخِلَة في شئ من تَبْلِيغِه أَو شَرِيعَتِه أو يَقْدَح فِي صدْقِه لِقِيام الدّلِيل والإجْماع عَلَى عِصْمتَه من هَذَا وإنما هَذَا فِيمَا يَجُوزُ طُرُوُّهُ عَلَيْه فِي أمْر دُنْيَاه التي لَم يُبْعَث بِسَبَبِها وَلَا فُضل من أجْلِهَا وَهُو فِيهَا عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أن يخيل إليْه من أمورها مَا لَا حقيقة لَه ثُمّ ينجلي عَنْه كَمَا كَان وأيضا فَقَد فَسَر هذا الفضل الْحَدِيث الآخَر من قَوْلِه (حَتَّى يُخَيَلَ إِلَيْهِ أنى يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِيهِنَّ) وَقَد قَال سُفْيَان: هَذَا أشَدّ مَا يَكُون مِن السّحْر وَلَم يَأت في خير منها أنه نقبل عَنْه فِي ذَلِك قَوْل بِخِلَاف مَا كَان أخْبَر أنَّه فَعَلَه ولم يَفْعَلْه وَإِنَّمَا كَانَت خَوَاطِر وَتَخْييلات. وَقَد قِيل إنّ المُرَاد بالحديث أنَّه كَان يَتَخَيّل الشئ أنَّه فَعَلَه وَمَا فَعَلَه لكنه تَخْيِيل لَا يَعْتَقِد صِحَّتَه فَتَكُون اعْتِقَادَاتُه كلها عَلَى السداد وأقْوَالُه عَلَى الصّحَّة، هَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْه لأئِمَّتِنَا مِن الأجْوبَة عَن هَذَا الْحَدِيث مَع
تَه فَتَكُون اعْتِقَادَاتُه كلها عَلَى السداد وأقْوَالُه عَلَى الصّحَّة، هَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْه لأئِمَّتِنَا مِن الأجْوبَة عَن هَذَا الْحَدِيث مَع مَا أوْضَحْنَا من مَعْنَي كلامهم وَزِدْنَاه بَيَانًا من تَلْوِيحَاتِهِم وَكُلّ وَجْه مِنْهَا مُقْنِع لكنه قَد ظَهَر لِي فِي الْحَدِيث تَأْوِيل أجْلَى وأبْعَد من مطاعن
ذَوِي الأضَالِيل يُسْتَفَاد من نَفْس الْحَدِيث وَهُو أَنّ عَبْد الرَّزَّاق قَد رَوَى هَذَا الْحَدِيث عَن ابن الْمُسَيّب وعروة بن الزُّبَيْر، وَقَال فِيه عَنْهُمَا سَحَرَ يَهُودُ بَنِي زُرَيْقٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلُوهُ فِي بِئْرٍ حَتَّى كَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْكِرَ بَصَرَهُ ثُمَّ دَلَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا صَنَعُوا فَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْبِئْرِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الْوَاقِدِيّ وَعَن عَبْد الرَّحْمن بن كَعْب وعمر بن الحكم وَذَكَر عَن عَطَاء الخُرَاسَانِيّ عَن يَحْيَى بن يَعْمَر حُبِسَ رَسُولُ الله ﷺ عن عَائِشَةَ سَنَةً فَبَيْنَا هُوَ نَائِمٌ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عند رَأْسِهِ وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ (الْحَدِيثَ) ، قَال عَبْد الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ خَاصَّةً سَنَةً حَتَّى أَنْكَرَ بَصَرَهُ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْد عَن ابن عَبَّاس مَرِض رَسُول اللَّه ﷺ فَحُبِس عَن النّسَاء والطَّعام وَالشَّرَاب فَهَبَط عَلَيْه مَلَكَان وَذَكَر الْقِصَّة، فَقَد اسْتَبَان لَك من مَضْمُون هذه الروايات أَنّ السّحْر إنَّمَا تَسَلَّط عَلَى ظَاهِرِه وَجوَارِحه لَا عَلَى قَلْبِه وَاعْتِقَادِه وَعَقْلِه وَأنَّه إنَّمَا أثَّر فِي بَصَرَه وَحَبَسَه عَن وَطء نِسَائِه وطَعَامِه وأضْعَف جِسْمَه وأمْرَضَه وَيَكُون مَعْنَي قَوْلِه: يُخَيَّل إليْه أنَّه يأْتي أهْلَه وَلَا يَأْتِيهِنّ، أَي: يَظْهَر لَه من نَشَاطِه وَمُتَقَدّم عَادَتِه القُدْرَة عَلَى النّسَاء فإذا دَنا مِنْهُنّ أصَابَتْه أُخْذَه السَّحْر فَلَم يَقْدِر عَلَى إتْيَانِهِنّ كَمَا يعتري من أُخِذ واعْتُرض،
قَدّم عَادَتِه القُدْرَة عَلَى النّسَاء فإذا دَنا مِنْهُنّ أصَابَتْه أُخْذَه السَّحْر فَلَم يَقْدِر عَلَى إتْيَانِهِنّ كَمَا يعتري من أُخِذ واعْتُرض، ولعله لِمثْل هَذَا أشار سُفْيَان بِقَوْلِه: وَهَذَا أشد مَا يكون
مِن السحر وَيَكُون قوله عَائِشَة فِي الرّوَايَة الْأُخْرَى إنَّه لِيُخَيَّل إليْه أنه فعل الشئ وَمَا فَعَلَه من باب اما اخْتَلّ من بَصَرَه كَمَا ذُكِر فِي الْحَدِيث فَيَظُنّ أنَّه رَأَى شَخْصًا من بَعْض أزْوَاجِه أَو شَاهَد فِعْلًا من غَيْرِه وَلَم يَكُن على ما يخيل إليْه لَمّا أصَابَه في بصره وضعف نظره لا لشئ طرأ عليه في ميزه وإذا كان هذا لَم يَكُن فِيمَا ذَكَر من إصابة السحر لَه وتأثيره فِيه مَا يُدخل لبسا وَلَا يجد بِه الملحد المعترض أُنْسًا فصل هَذَا حَالُه فِي جِسْمِه ، فأمَّا أحْوَالُه فِي أُمُور الدنيا فنحن نَسْبِرُهَا عَلَى أسلوبها المتقدم بالعقد والقول والفعل، أَمَّا العَقْد مِنْهَا فَقَد يَعْتَقِد فِي أُمُور الدنيا الشئ عَلَى وَجْه وَيْظَهر خِلافُه أَو يَكُون مِنْه عَلَى شَكّ أَو ظَنّ بخلاف أُمُور الشَّرْع كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ سَمَاعًا وَقِرَاءَةً قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، قَال حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَمْرَوَيْهِ حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ وَأَحْمَدُ الْمَعْقِرِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا رَافِعُ
ْمَدُ الْمَعْقِرِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا رَافِعُ
ابن خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُأَبِّرُونَ النَّخْلَ فَقَالَ: (مَا تَصْنَعُونَ؟) قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا) فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أمرتكم بشئ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بشئ من رأى فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظنا فلا تؤاخذني بِالظَّنِّ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْخَرْصِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أخطئ وَأُصِيبُ) وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاه فِيمَا قاله من قِبَل نَفْسِه فِي أُمُور الدُّنْيَا وظنه من أحوالها لَا مَا قاله من قَبْل نفسه واجتهاده فِي شرع شرعه وسنة سنها وكما حكى ابن إسحاق إنَّه ﷺ لَمَّا نَزَلَ بأدنى مياه بدر قَال لَه الحباب ابن المنذر: أهذا منزل أنزلكه اللَّه لَيْس لَنَا أَنّ نتقدمه أم هُو الرأي والحرب والمكيدة؟ قَال (لَا بَل هُو الرَّأي والْحَرْب والمكيدة) قَال فَإنَّه لَيْس بِمَنْزِل، أنْهَض حَتَّى نَأْتِي أدْنى ماء من القوم فننزله ثُمّ نَغَوَّر مَا وراءه
قَال (لَا بَل هُو الرَّأي والْحَرْب والمكيدة) قَال فَإنَّه لَيْس بِمَنْزِل، أنْهَض حَتَّى نَأْتِي أدْنى ماء من القوم فننزله ثُمّ نَغَوَّر مَا وراءه
مِن القَلْب فَنَشْرَب وَلَا يَشْرَبُون، فَقَال (أشَرْت بالرَّأْي) وفعل مَا قاله، وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى لَه ﷺ (وَشَاوِرْهُمْ في الأمر) وأراد مصالحة بَعْض عدوه عَلَى ثلث تمر الْمَدِينَة فاستشار الْأَنْصَار فَلَمّا أخبروه برأيهم رجع عَنْه، فمثل هَذَا وأشباهه من أمور الدُّنْيَا التي لَا مدخل فِيهَا لعلم ديانة وَلَا اعتقادها وَلَا تعليمها يجوز عَلَيْه فِيهَا مَا ذكرناه، إِذ لَيْس فِي هَذَا كله نقيصة وَلَا محطة وَإِنَّمَا هِي أُمُور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بِهَا وَالنَّبِيّ ﷺ مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة مقيد البال بمصالح الْأُمَّة الدينية والدنيوية وَلَكِن هَذَا إنَّمَا يَكُون فِي بَعْض الأمور ويجوز في النادر وَفِيمَا سبيله التدقيق فِي حراسة الدُّنْيَا واستثمارها لَا فِي الكثير المؤذن بالبله والغفلة وَقَد تواتر بالنقل عَنْه ﷺ مِن المعرفة بأمور الدُّنْيَا ودقائق مصالحها وسياسة فرق أهلها مَا هُو معجز فِي البَشر مِمَّا قَد نبهنا عَلَيْه فِي باب معجزاته من هَذَا الْكِتَاب. فصل وَأَمَّا مَا يعتقده فِي أمور أحكام البشر الجارية عَلَى يديه وقضاياهم ومعرفة المحق مِن المبطل وعلم المصلح مِن المفسد فبهذه السبيل لِقَوْلِه ﷺ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أسمع،
فَمَنْ قَضيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بشئ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) * حَدَّثَنَا الْفَقِيه أَبُو الْوَلِيد ﵀ حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عُمَر حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن كثير أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أبيه عن زَيْنَبَ بِنْت أُمّ سَلَمَة عَن أم سَلَمَة قَالَت قَال رَسُول اللَّه ﷺ (الْحَدِيث) وَفِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة) فَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِيَ لَهُ) ويُجْري أحْكَامَه ﷺ عَلَى الظَّاهِر وَمُوجَب غَلبَات الظَّنّ بِشِهَادَة الشَّاهِد وَيَمين الحَالف وَمُراعَاة الأشْبَه وَمَعْرِفَة العْفَاص وَالْوِكَاء مَع مُقْتَضَى حِكْمَة اللَّه فِي ذَلِك فَإنَّه تَعَالَى لَو شَاء لأطْلَعَه عَلَى سَرَائِر عِبَادِه وَمُخَبّآت ضَمَائر أُمَّتِه فَتَولَّى الحُكْم بَيْنَهُم بِمُجَرَّد يَقِينِه وَعِلْمِه دون حَاجَة إِلَى اعْتِرَاف أَو بَيَّنَة أَو يَمِين أَو شُبْهَة وَلَكِن لَمّا أمَر اللَّه أمَّتَه باتباعه والاقتداء بِه فِي أفْعَالِه وَأحْوَالِه وَقَضَايَاه وَسِيَرِه وَكَان هَذَا لَو كَان مِمَّا يَخْتَصّ بِعِلْمِه وَيُؤْثِرُه اللَّه بِه لَم يَكُن للْأُمَّة سَبِيل إلى الاقْتِدَاء بِه فِي شئ من ذَلِك وَلَا قَامَت حُجَّة بِقَضِيَّة من قَضَايَاه لأحد فِي شَرِيعته لأنَّا لَا نَعْلَم مَا أُطْلِع عَلَيْه هُو فِي تِلْك الْقَضِيَّة بحكْمِه هُو إذَا في ذلك
لَا قَامَت حُجَّة بِقَضِيَّة من قَضَايَاه لأحد فِي شَرِيعته لأنَّا لَا نَعْلَم مَا أُطْلِع عَلَيْه هُو فِي تِلْك الْقَضِيَّة بحكْمِه هُو إذَا في ذلك
بالمكنون مِن إعلام اللَّه لَه بِمَا أطلعه عَلَيْه من سرائرهم وَهَذَا مَا لَا تَعْلَمُه الأمة فأَجْرَى اللَّه تَعَالَى أحْكامَه عَلَى ظَوَاهِرِهِم التي يَسْتَوي فِي ذَلِك هُو وَغَيْرُه مِن الْبَشَر ليُتِمّ اقْتَداء أمَّتَه بِه فِي تَعْيين قَضَايَاه وَتَنْزِيل أحْكامِه ويأْتُون ما أتَوْا من ذَلِك عَلَى عِلْم وَيَقِين من سُنّتِه، إِذ الْبَيَان بالْفِعْل أوْقَع مِنْه بالقَوْل وأرفع الاحتمال اللَّفْظ وتأويل المُتَأوَّل وَكَان حُكْمُه عَلَى الظَّاهِر أجْلى فِي البَيَان وَأوْضَح فِي وُجُوه الأحْكَام وَأكْثَر فائِدَة لِمُوجِبَات التَّشَاجُر والخِصَام وَلِيقْتَدِي بِذَلِك كله حُكَام أمَّتَه ويُسْتَوْثَق بِمَا يُؤْثَر عَنْه ويَنْضَبِط قَانُون شَرِيعتِه وَطيّ ذَلِك عَنْه من عِلْم الغَيْب الَّذِي اسْتَأْثَر بِه عَالِم الغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبِه أحَدًا إلَّا من ارْتَضَى من رَسُول فيعلمه مِنْه بما شاء ويستأثر بِمَا شَاء وَلَا يقدح هَذَا فِي نبوته وَلَا يفصم عُرْوَة من عصمته فصل وَأَمَّا أقواله الدنيوية من أخباره عَن أحواله وأحوال غَيْرِه وَمَا يَفْعَلُه أَو فعله فَقَد قدمنا أَنّ الخُلْف فِيهَا ممتنع عَلَيْه فِي كُلّ حال وَعَلَى أي وجه من عمد أَو سهو أَو صحة أَو مرض أَو رَضِي أَو غضب وَأنَّه معصوم مِنْه ﷺ. هَذَا فِيمَا طريقه الخبر المحض مِمَّا يدخله الصدق والكذب فأما المعاريض الموهم ظاهرها خِلَاف باطنها فجائز ورودها مِنْه فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة لَا سِيَّمَا لِقَصْد المَصْلَحَة كَتَوْريَته عَن وَجْه
ذب فأما المعاريض الموهم ظاهرها خِلَاف باطنها فجائز ورودها مِنْه فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة لَا سِيَّمَا لِقَصْد المَصْلَحَة كَتَوْريَته عَن وَجْه
مَغَازيِه لِئَلًا يأْخُذ العَدُوّ حذّرَه وكما رُوِي من ممازَحِتِه وَدُعَابَتِه لِبَسْط أمَّتَه وتطبيب قُلُوب الْمُؤْمِنين من صَحَابِتِه وتأْكِيدًا فِي تَحَبُّبِهم وَمَسَرَّة نُفُوسِهِم كَقَوْلِه لأَحْمِلَنَّكَ عَلَى ابْنِ النَّاقَةِ وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا: (أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ؟) وَهَذَا كُلُّه صِدْق لِأَنّ كُلّ جمَل ابن ناقة وَكُلّ إنْسَان بِعَيْنِه بَيَاض؟) وَقَد قَال ﷺ (إِنِّي لأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًا، هَذَا كُلُّه فِيمَا بابُه الخَبَر * فَأَمَّا مَا بابُه غَيْر الخَبَر مِمَّا صُورَتُه صُورَة الأمْر وَالنَّهْي فِي الْأُمُور الدُّنْيَويَّة فَلَا يَصِحّ مِنْه أيْضًا وَلَا يَجُوز عليه أن يأمرا أحدا بشئ أَو يَنْهي أحدًا عن شئ وَهُو يُبْطِن خلافه وَقَد قَال ﷺ (مَا كان لنبي أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ) فَكَيْفَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ قَلْبٍ؟ فَإِنْ قلت فما معني قوله تعالى في قِصَّةِ زَيْدٍ (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زوجك) الآية؟ فاعْلَم أَكْرَمَك اللَّه وَلَا تَسْتَرِب فِي تَنْزِيه النَّبِيّ ﷺ عَن هَذَا الظَّاهِر وأن يَأْمُر زَيْدًا بإمْسَاكِهَا وَهُو يُحبّ تَطْليقَه إيَّاهَا كما ذُكِر عَن جَمَاعَة مِن الْمُفَسّرِين وَأصَحّ مَا فِي هَذَا مَا حَكَاه أَهْل التَّفْسير عَن عَلِيّ بن حسين أَنّ اللَّه تَعَالَى كَان أَعْلَم نَبِيَّه أن زَيْنَب سَتَكُون من أزَوَاجِه فَلَمّا



