— Bagian 16 · شَكَاهَا إليْه زيد قَال لَه (أَمْسِكْ عَلَيْكَ ز… —
Bagian 16
شَكَاهَا إليْه زيد قَال لَه (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) وأخْفَى مِنْه فِي نَفْسِه ما أعلمه الله به من أنه يتزوجها بما اللَّه مُبْديِه وَمُظْهِرُه بِتَمَام التَّزْوِيج وَطَلَاق زَيْد لَهَا، وَرَوَى نحو عَمْرو بن فائِد عَن الزُّهْرِيّ قَال نَزَل جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ ﷺ يُعْلِمُه أَنّ اللَّه يُزَوَّجُه زَيْنَب بِنت جَحْش فَذَلِك الَّذِي أخْفَى فِي نَفْسِه، ويُصَحَّح هَذَا قَوْل الْمُفَسّرِين فِي قَوْلِه تَعَالَى بَعْد هَذَا (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) أي لَا بُدّ لَك أن تَتَزَوَّجَهَا، وَيُوضِح هَذَا أَنّ الله لَم يُبْد من أمْرِه معها غَيْر زَوَاجِه لَهَا، فَدَلّ أنَّه الَّذِي أخْفَاه ﷺ مِمَّا كَان أعْلَمَه بِه تَعَالَى وَقَوْلُه تَعَالَى فِي الْقِصَّة: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ الله) الآيَة، فَدَلّ أنَّه لَم يَكُن عَلَيْه حرج فِي الأمر، قَال الطَّبَرِيّ مَا كَان اللَّه ليؤثم نبيه فِيمَا أحل لَه مثال فعله لمن قبله مِن الرُّسُل، قَال اللَّه تَعَالَى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) أي مِن النَّبِيّين فِيمَا أحل لَهُم وَلَو كَان عَلَى مَا رُوِي فِي حَدِيث قَتَادَة من وُقُوعهَا من قَلْب النَّبِيّ ﷺ عِنْد مَا أعْجَبَتْه ومحبته طلاق زيد لَهَا لكان فِيه أعظم الحرج وَمَا لَا يليق بِه من مد عَيْنَيْه لَمّا نُهِي عَنْه من زهرة الحياة الدُّنْيَا ولكان هَذَا نفس الحسد المذموم الَّذِي لَا يرضاه وَلَا يتسم بِه الأتقياء، فكيف سَيّد الْأَنْبِيَاء؟ قَال الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النَّبِيّ ﷺ وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وَهِي بِنْت عمته وَلَم يزل يراها
أَنْبِيَاء؟ قَال الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النَّبِيّ ﷺ وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وَهِي بِنْت عمته وَلَم يزل يراها
مُنْذ ولدت وَلَا كَان النّسَاء يحتجبن مِنْه ﷺ وَهُو زوجها لزيد؟ وَإِنَّمَا جَعَل اللَّه طلاق زيد لَهَا وتزويج النَّبِيّ ﷺ إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كَمَا قَال: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) * وقال (لكيلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) ، وَنَحْوَه لابن فورك، وَقَال أَبُو اللَّيْث السَّمْرَقَنْدِيّ فَإِنّ قِيل فَمَا الفائدة فِي أمر النَّبِيّ ﷺ لِزَيْد بإمْسَاكِهَا فَهُو أَنّ اللَّه أَعْلَم نبيه أنَّهَا زوجته فنهاه النَّبِيّ ﷺ عَن طلاقها إِذ لَم تكن بَيْنَهُمَا ألفة وأخفى فِي نفسه مَا أعلمه اللَّه بِه فَلَمّا طلقها زيد خشي قَوْل النَّاس يتزوج امْرَأَة ابنه فأمره اللَّه بزواجها ليُبَاح مِثْل ذَلِك لأمته كما قال تعالى (لكيلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) وَقَد قِيل كَان أمره لزيد بإمساكها قمعًا للشهوة وردًا للنفس عَن هواها وهذا إذا جوزنا عَلَيْه أنَّه رآها فجأة واستحسنها ومثل هَذَا لَا نكرة فِيه لَمّا طبع عَلَيْه ابن آدَم مِن استحسانه الْحَسَن ونظرة الفجأة معفو عنها ثُمّ قمع نفسه عَنْهَا وأمر زيدًا بإمساكها وَإِنَّمَا تنكر تِلْك الزيادات الَّتِي فِي الْقِصَّة والتعويل والأولى مَا ذكرناه عَن عَلِيّ بن حسين وحكاه السَّمْرَقَنْدِيّ وهو قول ابن عَطَاء واستحسنه الْقَاضِي الْقُشَيْرِيّ وعليه عول أَبُو بَكْر بن فورك وَقَال إنَّه مَعْنَي ذَلِك عِنْد المحققين من أَهْل التَّفْسِير، قَال وَالنَّبِيّ ﷺ منزه عَن استعمال النفاق فِي ذَلِك وإظهار خِلَاف مَا فِي نفسه وَقَد نزهه اللَّه عَن ذَلِك بِقَوْلِه تَعَالَى (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهَ لَهُ) قَالَ ومن ظن ذَلِك
ف مَا فِي نفسه وَقَد نزهه اللَّه عَن ذَلِك بِقَوْلِه تَعَالَى (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهَ لَهُ) قَالَ ومن ظن ذَلِك
بالنبي ﷺ فَقَد أخطأ قَال وَلَيْس مَعْنَي الخشية هُنَا الخوف وَإِنَّمَا مَعْنَاه الاستحياء أَي يستحيي مِنْهُم أَنّ يقولوا تزوج زَوْجَة ابنه وَأَنّ خشيته ﷺ مِن النَّاس كَانَت من إرجاف المنافقين واليهود تشغيبهم عَلَى الْمُسْلِمِين بقولهم تزوج زَوْجَة ابنه بَعْد نهيه عَن نكاح حلائل الأبناء كَمَا كَان فَعتَبَه اللَّه عَلَى هَذَا ونَزَّهَه عَن الالْتِفَات إِلَيْهِم فِيمَا أحَلّه لَه كَمَا عَتَبَه عَلَى مُرَاعَاة رَضِي أزواجه في سورة التحريم بقوله: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) الآيَة، كَذَلِك قَوْله: لَه ههُنَا (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أن تخشاه) وَقَد رُوِي عَن الْحَسَن وعائشة: لَو كَتَم رَسُول اللَّه ﷺ شَيْئًا لَكَتم هذا الآيَة لَمّا فِيهَا من عَتْبِه وَإبْدَاء مَا أخْفَاه فصل فَإِنّ قُلْت قَد تَقَرّرَت عِصْمَتُه ﷺ فِي أقْوَاله فِي جَمِيع أَحْوَالِه وَأنَّه لَا يَصِحّ مِنْه فِيهَا خُلْف وَلَا اضْطِرَاب فِي عَمْد وَلَا سَهْو وَلَا صِحَّة وَلَا مَرَض وَلَا جَدّ وَلَا مَزْح وَلَا رِضّى وَلَا غَضَب وَلَكِن مَا مَعْنَي الْحَدِيث فِي وَصِيَّتِه ﷺ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو الهيثم وَأَبُو إِسْحَاقَ قَالُوا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
ابن عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (هَلُمُّوا أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ (الْحَدِيثَ) وَفِي رِوَايَة (آتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا) فَتَنَازَعُوا فقالوا ماله أَهَجَرَ: اسْتَفْهِمُوهُ، فَقَالَ (دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَهْجُرُ. وَفِي رِوَايَة هَجَر ويُرْوى أهُجْر، ويروى أهجرًا، وَفِيه فَقَال عُمَر إنّ النَّبِيّ ﷺ قَد اشتد بِه الوجع وعندنا كِتَاب اللَّه حسبنا وكثر اللعط فمال قُومُوا عَنَّي وَفِي رِوَايَة وَاخْتَلَف أَهْل البَيْت وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُم من يَقُول قَرِّبوا يَكْتُب لَكُم رَسُول اللَّه ﷺ كِتَابًا وَمِنْهُم من يَقُول ما قَال عُمَر، قَال أئِمَّتُنَا فِي هَذَا الْحَدِيث أن النَّبِيّ ﷺ غَيْر معصوم مِن الأمْرَاض وَمَا يَكُون من عَوَارِضِهَا من شِدة وَجَع غشى وَنَحْوَه مِمَّا يَطْرَأ عَلَى جِسْمِه مَعْصُوم أن يَكُون مِنْه مِن القَوْل أثْنَاء ذَلِك مَا يَطْعَن فِي مُعْجِزَتِه وَيُؤَدِي إلى فَسَاد فِي شَرِيعَتِه من هَذَيَان أَو اخْتِلال فِي الكلام. وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحّ ظَاهِر رِوَايَة من روى فِي الحديث هجر
مُعْجِزَتِه وَيُؤَدِي إلى فَسَاد فِي شَرِيعَتِه من هَذَيَان أَو اخْتِلال فِي الكلام. وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحّ ظَاهِر رِوَايَة من روى فِي الحديث هجر
إِذ مَعْنَاه هذى يُقَال هَجر هُجْرًا إذ هذى، وأهجر هجرا إذَا أفْحَش، وَأَهَجَر تَعْدية هَجَر، وَإِنَّمَا الأصَحّ وَالأوْلى أَهَجَر؟ عَلَى طَرِيق الإنْكار عَلَى من قَال لا يكتب، هكذا رِوايَتُنَا فِيه في صحيح الْبُخَارِيّ من رِوَايَة جميع الرُّوَاة فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ المُتَقَدّم، وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بن سَلَام عَن ابن عُيَيْنَة وَكَذَا ضبَطَه الأصِيلِيّ بِخَطَّه فِي كِتابه وَغَيْرُه من هذه الطُّرُق وكذا رَوَيْنَاه عَن مُسْلِم فِي حَدِيث سُفْيَان وَعَن غَيْرِه وَقَد تحمل عَلَيْه رِوَايَة من رَوَاه هجر عَلَى حذف أَلْف الاستفهام والتقدير أهجر؟ أَو أن يُحْمَل قَوْل القائل هجر أَو أهجر دَهْشَة من قَائل ذَلِك وحيرة لعظيم مَا شاهد من حال الرَّسُول ﷺ وشدة وجعه والمقام الَّذِي اخْتُلِف فِيه عَلَيْه والأمْر الَّذِي هَمّ بالكتاب فِيه حَتَّى لَم يَضبط هَذَا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع لَا أنَّه اعتقد أنَّه يجوز عَلَيْه الهجر كَمَا حملهم الإشفاق عَلَى حراسته والله يَقُول (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ونحو هَذَا * وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة أهُجْرا - وَهِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق المُسْتَمْلِي فِي الصَّحِيح فِي حديث ابن جُبَيْر عَن ابن عَبَّاس من رِوَايَة قُتَيْبَة - فَقَد يَكُون هَذَا رَاجعًا إِلَى المُخْتَلِفِين عِنْدَه ﷺ ومُخَاطَبَة لَهُم من بَعْضُهُم أَي جِئْتُم باختلافكم عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَبَيْن يَدَيْه هُجْرًا ومنكرا
ذَا رَاجعًا إِلَى المُخْتَلِفِين عِنْدَه ﷺ ومُخَاطَبَة لَهُم من بَعْضُهُم أَي جِئْتُم باختلافكم عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَبَيْن يَدَيْه هُجْرًا ومنكرا
مِن القَوْل، والهُجْر بِضَمّ الْهَاء: الفُحْش فِي المَنْطِق وَقَد اخْتُلِف الْعُلمَاء فِي مَعْنَي هَذَا الْحَدِيث وَكَيْف اخْتَلَفُوا بَعْد أمْرِه ﷺ أن يَأْتُوه بالكتَاب، فَقَال بَعْضُهُم أوَامِر النَّبِيّ ﷺ يُفْهَم إيجَابُهَا من نَدْبِهَا من إباحَتِهَا بِقَرَائِن، فَلَعَلّ قَد ظَهَر من قَرَائِن قَوْلِه ﷺ لِبَعْضُهُم ما فهموا أنه لم تكن منه عزمة بل أمر رده إلى اختيارهم وبعضهم لَم يَفْهَم ذَلِك فَقَال: اسْتَفْهِمُوه، فَلَمّا اخْتَلَفُوا كَفّ عَنْه إِذ لَم يَكُن عَزْمَة ولما رَأَوْه من صَوَاب رَأْي عُمَر: ثُمّ هَؤْلَاء قَالُوا وَيَكُون امْتِنَاع عُمَر إِمَّا إشْفَاقًا عَلَى النَّبِيّ ﷺ من تَكْلِيفه فِي تِلْك الحَال إمْلَاء الْكِتَاب وأن تَدْخُل عَلَيْه مَشَقَّة من ذَلِك كَمَا قَال إن النَّبِيّ ﷺ اشْتَدّ بِه الْوَجَع، وَقِيل خَشِي عُمَر أَنّ يكْتُب أُمُورًا يَعْجَزُون عَنْهَا فَيَحْصَلُون فِي الحَرَج بالْمُخَالفَة وَرَأى أن الأرفق بِالْأُمَّة فِي تِلْك الأمور سِعَة الاجْتِهَاد وَحكْم النَّظَر وَطَلب الصَّوَاب فَيَكُون المُصِيب والْمُخِطِئ مَأْجُورًا، وَقَد علم عُمَر تقَرّر الشّرْع وَتَأْسِيس المِلّة وَأَنّ اللَّه تَعَالَى قَال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكم) وَقَوْلُه ﷺ (أُوِصيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَعِتْرَتِي) وقوله عُمَرَ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ رَدَّ عَلَى ما نَازَعَهُ لَا عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ خَشِيَ تَطَرُّقَ المُنَافِقِين وَمِن فِي قَلْبه مَرَض لَمّا كُتِب فِي ذَلِك الْكِتَاب فِي الخَلْوَة وأن يَتَقَوَّلُوا فِي ذَلِك الأقاويل كادّعاء الرّافِضَة الوَصِيّة وَغَيْر ذَلِك، وَقِيل إنَّه كَان مِن النَّبِيّ ﷺ لَهُم عَلَى طَرِيق المَشْورَة وَالاخْتِبَار وهل يَتّفقُون عَلَى ذَلِك أم يختلفوا)
فَلَمّا اخْتَلَفُوا تَرَكَه، وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى: أن مَعْنَي الْحَدِيث أَنّ النَّبِيّ ﷺ كَان مُجيبًا فِي هَذَا الْكِتَاب لَمّا طُلِب مِنْه لَا أنَّه ابتَدَا بالأمْر بِه بَل اقْتَضَاه مِنْه بَعْض أصْحَابِه فَأجَاب رَغْبَتَهم وَكَرَه ذَلِك غيرهم لِلْعِلَل الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَاسْتُدِلّ فِي مِثْل هَذِه الْقِصَّة بقول الْعَبَّاس لِعَلِيّ: انْطَلِق بنا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ فَإِنّ كَان الأمْر فينا عَلِمْنَاه، وَكَرَاهَة عَلِيّ هَذَا وقولِه: والله لَا أفْعَل - الْحَدِيث - وَاسْتُدِلّ بِقَوْلِه دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فيه خير: أَي الَّذِي أَنَا فِيه خَيْر من إرْسَال الأمْر وَتَرْكِكُم وَكِتَاب اللَّه وأن تَدَعُوني مِمَّا طَلَبْتُم، وَذَكَر أَنّ الَّذِي طُلِب كِتَابَه أمْر الخِلَافَة بَعْدَه وَتَعْيِين ذَلِك فصل فَإِنّ قِيل فما وجه حَدِيثَه أيْضًا الذى حدثنا الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُشَنِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ الْفَارِسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْجُلُودِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنَّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) * وفي رواية (فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عليه
أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) * وفي رواية (فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عليه
دَعْوَةً، وَفِي رِوَايَة (لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ) ، وَفِي رِوَايَة (فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلَاةً وَرَحْمَةً) وكيف يَصحّ أن يَلْعَن النَّبِيّ ﷺ من لَا يَسْتَحِقّ اللَّعْن وَيَسُبّ من لَا يَسْتَحِقّ السب وَيَجْلِد من لَا يَسْتَحِقّ الْجَلْد أَو يَفْعَل مِثْل ذَلِك عِنْد الْغَضَب وَهُو مَعْصُوم من هَذَا كُلِّه، فَاعْلَم شَرَح اللَّه صَدْرَك أَنّ قَوْله ﷺ أولًا (لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ) أَي عِنْدَك يَا رَبّ فِي بَاطِن أمره فإن أمْره فَإِنّ حُكْمَه ﷺ عَلَى الظَّاهِر كَمَا قَال ولِلْحِكْمَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَحَكَم ﷺ بِجَلْدِه أَو أدّبَه بِسَبّه أَو لَعْنِه بِمَا اقْتَضَاه عِنْدَه حال ظاهره ثُمّ دعا لَه ﷺ لِشَفَقَتِه عَلَى أمَّتَه وَرَأْفَتِه وَرَحْمتِه للْمُؤْمِنين الَّتِي وَصَفَه اللَّه بِهَا وَحَذَرِه أن يَتَقَبَّل اللَّه فيمن دَعَا عَلَيْه دَعْوَتَه أن يَجْعَل دُعَاءَه وَفِعْلَه لَه رحمة وَهُو مَعْنَى قَوْلِه (لَيْس لَهَا بأهل) ، لَا أنَّه ﷺ يَحْمِلُه الغَضَب وَيَسْتَفِزُّه الضَّجَر لِأَن يَفْعَل مِثْل هَذَا بِمَن لَا يَسْتَحِقُّه من مُسْلِم، وَهَذَا مَعْنًى صحيح، وَلَا يُفْهَم من قَوْلِه (أغَضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر أن الغَضَب حَمَلَه عَلَى مَا لَا يجب بَل يَجُوز أن يَكُون المُرَاد بَهَذَا أَنّ الغضب لله حمَلَه عَلَى مُعَاقَبَتِه بِلَعْنِه أَو سَبَّه وَأنَّه مِمَّا كَان يَحْتمِل وَيَجُوز عَفوُه عَنْه
َل يَجُوز أن يَكُون المُرَاد بَهَذَا أَنّ الغضب لله حمَلَه عَلَى مُعَاقَبَتِه بِلَعْنِه أَو سَبَّه وَأنَّه مِمَّا كَان يَحْتمِل وَيَجُوز عَفوُه عَنْه أَو كَان مِمَّا خُيَّر بَيْن المُعَاقَبَة فِيه والعفو عَنْه، وَقَد يحمل عَلَى أنه خَرَج مَخْرَج الإشْفَاق وَتَعْلِيم أمَّتَه الخَوْف وَالْحَذَر من تَعَدّي حُدُود اللَّه وَقَد يُحْمَل مَا وَرَد من دُعائِه هنا ومن دَعَوَاتِه عَلَى غَيْر وَاحِد فِي غَيْر مَوْطِن عَلَى غَيْر الْعَقْد وَالْقَصْد بَل بما جَرَت بِه عَادَة الْعَرَب وَلَيْس الْمُرَاد بِهَا الإجَابَة
كَقَوْلِه، تَرِبَتْ يَمِينُكَ، ولا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَكَ، وعقرى حَلْقَى) وَغَيْرِهَا من دَعَوَاته، وَقَد وَرَد فِي صِفَتِه فِي غَيْر حَدِيث أنَّه ﷺ لَم يَكُن فَحَاشًا، وَقَال أَنَس لَم يَكُن سَبَّابًا وَلَا فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَكَان يَقُول لأحَدِنَا عِنْد المَعْتَبَة (مَا لَه؟ تَرب جَبِينُه) فَيَكُون حَمْل الْحَدِيث عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، ثُمّ أشفَق ﷺ من مُوَافَقَة أمْثَالهَا إجَابَة فَعَاهَد رَبَّه كَمَا قَال فِي الْحَدِيث أَنّ يَجْعَل ذَلِك لِلْمَقُول لَه زَكاة وَرَحْمَة وَقُرْبَة، وَقَد يَكُون ذلك إشفاقًا عَلَى المدعو عَلَيْه وتأنيسًا لَه لئلًا يَلْحَقَه مِن استِشْعَار الْخَوْف والحَذَر من لَعْن النبي ﷺ وَتَقبُّل دعائه ما يَحْمِلُه عَلَى اليَأْس والقُنُوط، وَقَد يَكُون ذَلِك سُؤَالًا مِنْه لِرَبَّه لمن جَلَدَه أَو سَبَّه عَلَى حَقّ وبوَجْه صحيح أن يَجْعَل ذَلِك لَه كَفَّارَة لَمّا أصَابَه وَتَمْحِيَة لَمّا اجْتَرَم وأن تَكُون عُقُوبَتُه لَه فِي الدُّنْيَا سَبَب العَفْو وَالغُفْرَان كَمَا جاء فِي الْحَدِيث الآخَر (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَي حَدِيثِ الزُّبَيْر وقول النَّبِيّ ﷺ لَه حِينَ تَخَاصُمِهِ مَع الْأَنْصَارِيّ فِي شِرَاج الحَرَّة (اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ) فَقَالَ له
الْأَنْصَارِيُّ أَنْ كَانَ يا رسول الله ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمّ قَال: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يبلغ الجدر) الْحَدِيث فالجواب أَنّ النَّبِيّ ﷺ مُنَزّه أن يَقَع بِنَفْس مُسْلِم مِنْه فِي هَذِه الْقِصَّة أمْر يُريب ولكنه ﷺ نَدَب الزُّبَيْر أوَّلًا إلى الاقْتِصَار عَلَى بَعْض حَقَّه عَلَى طريق التَّوَسُّط وَالصُّلْح فَلَمّا لَم يَرْض بِذَلِك الآخَر وَلَجّ وَقَال مَا لَا يَجِب اسْتَوْفَى النَّبِيّ ﷺ لِلزُّبَيْر حَقَّه ولهذا تَرْجَم الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث: (باب إذَا أشَار الْإِمَام بالصُّلْح فأبى) حَكَم عَلَيْه بالحُكْم: وَذَكَر فِي آخِر الْحَدِيث: فاسْتَوْعى رَسُول اللَّه ﷺ حِينَئِذ للزُّبَيْر حَقّه. وَقَد جَعَل الْمُسْلِمُون هَذَا الْحَدِيث أصْلًا فِي قَضِيَّتِه، وَفِيه الاقْتِدَاء بِه ﷺ فِي كُلّ مَا فَعَلَه فِي حال غَضَبه وَرِضَاه وَأنَّه وإن نَهى أن يَقْضِي الْقَاضِي وَهُو غَضْبَان فَإنَّه فِي حُكْمِه فِي حال الغضَب وَالرّضى سَوَاء لِكَوْنِه فِيهَا مَعْصُومًا، وَغَضَب النَّبِيّ ﷺ فِي هَذَا إنَّمَا كَان لله تَعَالَى لَا لِنَفْسِه كَمَا جاء فِي الْحَدِيث الصَّحِيح، وَكَذَلِك الْحَدِيث فِي إقَادَتِه عُكَاشَة من نَفْسِه لَم يَكُن لِتَعَمُّد حَمَلَه الغَضَب عَلَيْه بَل وَقَع فِي الْحَدِيث نَفْسِه أَنّ عُكَاشَة قَال لَه: وَضَرَبْتَني بالقَضَيب، فَلَا أدْرِي أعْمدًا أم أرَدْت ضَرْب النَّاقَة؟ فَقَال النَّبِيّ ﷺ (أُعيذُك بالله يَا عُكَاشَة أن يَتَعَمّدَك رَسُول اللَّه ﷺ وَكَذَلِك فِي حَدِيثَه الآخَر مَع الْأَعْرَابِيّ حِين طَلب ﵇ الاقْتصَاص مِنْه، فَقَال الْأَعْرَابِيّ
لله يَا عُكَاشَة أن يَتَعَمّدَك رَسُول اللَّه ﷺ وَكَذَلِك فِي حَدِيثَه الآخَر مَع الْأَعْرَابِيّ حِين طَلب ﵇ الاقْتصَاص مِنْه، فَقَال الْأَعْرَابِيّ
قد عَفَوْت عَنْك، وَكَان النَّبِيّ ﷺ قَد ضَرَبَه بالسَّوْط لتَعلُّقِه بِزِمَام نَاقَته مَرَّة بعد أُخْرَى وَالنَّبِيّ ﷺ يَنْهَاه وَيَقُول لَه (تُدْرَكُ حَاجَتُكَ) وَهُوَ يأتي فَضَرَبَهُ بَعْدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهَذَا مِنْهُ ﷺ لِمَنْ لَمْ يقف منذ نَهْيِهِ صَوَابٌ وَمَوْضعُ أَدَبٍ، لَكِنَّهُ ﵇ أَشْفَق إِذ كَان حَقّ نَفْسِه مِن الأمْر حَتَّى عَفَا عَنْه: وَأَمَّا حَدِيث سَوَاد بن عَمْرو: أتَيْت النَّبِيّ ﷺ وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ فَقَالَ (وَرْسَ وَرْسَ حُطَّ حُطَّ) وَغَشِيَنِي بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ فِي بَطْنِي فَأَوْجَعَنِي، قُلْتُ الْقِصَاصُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَشَفَ لِي عَنْ بَطْنِهِ: إِنَّمَا ضَرَبَهُ ﷺ لِمُنْكَر رَآه بِه وَلَعَلَّه لَم يُرِد بِضَرْبِه بالْقَضِيب إلَّا تَنْبِيهَه، فَلَمّا كَان مِنْه إيجَاع لَم يَقْصِدْه طلب التَّحَلُّل منه عن مَا قَدَّمْنَاه فصل وأما أفعاله ﷺ الدُّنْيَوِيَّةُ فَحُكْمُهُ فِيهَا مَنْ تَرَقّي المَعَاصِي وَالْمَكْرُوهَات مَا قَدّمْنَاه وَمِن جواز السَّهْو والغلط فِي بَعْضَهَا مَا ذَكَرْنَاه وَكُلُّه غَيْر قَادح فِي النُّبُوَّة بَل إنّ هَذَا فِيهَا عَلَى الندور إذ عامة أفعله عَلَى السَّداد وَالصَّوَاب بَل أكْثَرُهَا أَو كُلُّهَا جَارَية مَجْرَى الْعِبَادات والْقُرَب عَلَى مَا بَيّنَا إِذ كَان ﷺ لَا يَأخُذ مِنْهَا لِنَفْسِه إلَّا ضَرُورَتَه وَمَا يُقِيم رَمق جِسْمِه وَفِيه مَصْلحَة ذَاتِه الَّتِي بِهَا يَعْبُد رَبَّه وَيُقِيم شَرِيعَتَه ويسوس أمته
أخُذ مِنْهَا لِنَفْسِه إلَّا ضَرُورَتَه وَمَا يُقِيم رَمق جِسْمِه وَفِيه مَصْلحَة ذَاتِه الَّتِي بِهَا يَعْبُد رَبَّه وَيُقِيم شَرِيعَتَه ويسوس أمته
وَمَا كَان فِيمَا بَيْنَه وَبَيْن النَّاس من ذَلِك فَبَيْن مَعْرُوف يَصْنَعُه أَو بِرّ يُوَسعُه أَو كلام حسن يقوله أَو يسمعه أَو تألف شارد أَو قَهْر معاند، أَو مداراة حَاسِد وَكُلّ هَذَا لاحِق بصَالِح أعْمَالِه مُنْتَظِم فِي زَاكِي وَظَائف عِبَادَاته وَقَد كَان يُخَالف فِي أفْعَاله الدُّنْيَويَّة بِحسَب اخْتِلَاف الأحْوَال ويُعِدّ للأمُور أشْبَاهَهَا فَيَرْكَب فِي تَصَرُّفِه لَمّا قَرُب الْحِمَار وَفِي أسْفَارِه الرّاحلَة وَيَرْكَب الْبَغْلَة فِي مَعَارِك الْحَرْب دَلِيلًا عَلَى الثّبَات وَيَرْكَب الْخَيْل وَيُعِدّها لِيَوْم الْفَزَع وَإجَابَة الصّارخ وَكَذَلِك فِي لِبَاسِه وَسَائِر أحْوَاله بِحَسَب اعْتِبَار مَصَالحِه وَمَصَالح أمَّتَه وكذلك يَفْعَل الْفعْل من أُمُور الدُّنْيَا مُسَاعَدَة لأمَّتَه وَسِيَاسَة وَكَرَاهِيَة لِخَلافِهَا وإن كان قد يرى غَيْرِه خيرًا مِنْه كَمَا يَتْرُك الْفَعْل لهذا وَقَد يَرَى فَعْلَه خَيْرًا مِنْه وَقَد يَفْعَل هَذَا فِي الأمور الدّينيّة مِمَّا لَه الْخِيرَة فِي أَحَد وَجْهَيْه كَخُروجِه مِن الْمَدِينَة لأُحُد وَكَان مَذْهَبُه التَّحَصُن بِهَا وَتَرْكِه قَتْل المُنَافِقِين وَهُو عَلَى يَقِين من أمْرِهِم مُؤَالَفَة لِغَيْرِهِم ورِعَايَة للْمُؤْمِنين من قَرَابَتِهِم وَكَرَاهَة لِأَنّ يَقُول النَّاس إنّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أصْحَابَه كَمَا جاء فِي الْحَدِيث وتَرْكِه بِنَاء الكَعْبَة عَلَى قَوَاعِد إبْرَاهِيم مُراعَاة لِقُلُوب قُرَيْش وَتَعْظِيمهم لتَغَيُّرِهَا وَحَذَرًا من نَفَار قُلُوبهم لذلك وَتَحْرِيك متقدم عداوتهم للدِين وأهله فَقَال لعائشة فِي الْحَدِيث الصَّحِيح: (لَوْلَا حِدْثَانٌ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ) ويفعل الفعل ثم يتركه لكون
غَيْرِه خيرًا مِنْه كانتقاله من أدنى مياه بدر إِلَى أقربها للعدو من قريش وكقوله: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهدى) ويبسط وجهه للكاف والعدو رجاء استئلافه ويصبر للجاهل وَيَقُول: (إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ الناس لشر) وَيَبْذُل لَه الرّغائِب لِيُحَبَّب إليْه شَرِيعَتَه ودين رَبَّه وَيَتَوَلّى فِي مَنْزِلِه مَا يتولى الخادم من مِهْنَتِه، وَيَتَسَمّت فِي مُلاءَتِه حَتَّى لَا يبدو منه شئ من أطرافه وحتى كأن على رؤس جُلسَائِه الطّيْر وَيَتَحَدَّث مَع جُلِسَائِه بِحَدِيث أوّلِهِم وَيَتَعَجّب مِمَّا يَتَعَجّبُون مِنْه وَيَضْحَك مِمَّا يَضْحكُون مِنْه وَقَد وسع النَّاس بِشْرُه وَعَدْلُه لَا يَسْتَفِزُّه الغَضَب وَلَا يُقَصّر عَن الْحَقّ وَلَا يُبْطن عَلَى جُلسَائِه يَقُول: (مَا كَانَ لنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ) فَإِن قُلْت فَمَا مَعْنَي قَوْلِه لِعَائِشَة ﵂ فِي الداخل عَلَيْه (بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْل وَضَحِك مَعَه، فَلَمّا خَرَج سَالته عَن ذَلِك قَال: (إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ، وكيف جاز أن يُظْهِر لَه خِلَاف مَا يُبْطِن وَيَقُول فِي ظَهْرِه مَا قَال؟ فالجَوَاب أَنّ فِعْلَه ﷺ كَان اسْتئْلَافًا لِمثْلِه وتطييبا لِنَفْسِه لِيتَمَكّن إيمانُه وَيَدْخُل فِي الْإِسْلَام بِسَبَبِه أتْبَاعُه وَيَرَاه مِثْلُه فَيَنْجذِب بِذَلِك إلى الْإِسْلَام، ومثل هَذَا عَلَى هَذَا الوَجْه قَد خَرَج من حَد مُدَارَاة الدُّنْيَا إلى السّيَاسَة الدّينيّة وَقَد كَان يَسْتَأْلِفُهُم بأمْوَال اللَّه العَرِيضَة فَكَيْف بالكلِمَة اللّيّنة؟ قَال صَفْوَان لَقَد أعْطَانِي وَهُو أبغض الْخَلْق إِلَيّ فَمَا زال يعطيني حَتَّى صار أحب
ُهُم بأمْوَال اللَّه العَرِيضَة فَكَيْف بالكلِمَة اللّيّنة؟ قَال صَفْوَان لَقَد أعْطَانِي وَهُو أبغض الْخَلْق إِلَيّ فَمَا زال يعطيني حَتَّى صار أحب
الخلق إلى، قوله فِيه بئس ابن العشيرة هُو غَيْر غيبة بَل هُو تعريف مَا علمه مِنْه لمن لَم يعلم ليحذر حاله ويحترز مِنْه وَلَا يوثق بجانبه كُلّ الثقة لا سيما وَكَان مطاعًا متبوعًا، ومثل هَذَا إذَا كَان لضرورة ودفع مضرة لَم يَكُن بغيبة بَل كَان جائزًا بَل واجبًا فِي بَعْض الأحيان كَعَادَة المحدثين فِي تجريح الرواة والمزكين فِي الشهود، فإن قِيل فَمَا مَعْنَي المُعْضِل الوَارِد فِي حَدِيث بَرِيرَة من قَوْلِه ﷺ لِعَائِشَة وَقَد أخْبَرَتْه أَنّ موَالِي بَرِيرَة أَبَوْا بَيْعَهَا إلَّا أَنْ يكون لَهُم الْوَلَاء فَقَال لَهَا ﷺ (اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) فَفَعَلَتْ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَهَا بِالشَّرْطِ لَهُمْ وَعَلَيْهِ بَاعُوا ولولاه والله أَعْلَم لَمّا باعوها من عائشة كَمَا لَم يبيعوها قَبْل حَتَّى شرطوا ذَلِك عليها ثُمّ أبطله ﷺ وَهُو قَد حرم الغش والخديعة؟ فأعلم أكرمك اللَّه أن النبي ﷺ منزة عَمَّا يقع فِي بال الجاهل من هَذَا ولتنزيه النَّبِيّ ﷺ عَن ذلك مَا قَد أنكر قوم هذا الزيادة قَوْلِه (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) إِذ لَيْس فِي أَكْثَر طُرُق الْحَدِيث ومع ثَبَاتِها فَلَا اعْتِرَاض بِهَا إِذ يقع لَهُم بِمَعْنَي عَلَيْهِم قال الله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) وقال (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) فعلى هَذَا اشترطي عَلَيْهِم الولاء لَك وَيَكُون قيام النَّبِيّ ﷺ ووعظه
ل الله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) وقال (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) فعلى هَذَا اشترطي عَلَيْهِم الولاء لَك وَيَكُون قيام النَّبِيّ ﷺ ووعظه
لَمّا سلف لَهُم من شرط الولاء لأنفسهم قَبْل ذَلِك * وَوَجْه ثان أَنّ قَوْله ﷺ (اشترط لَهُمُ الْوَلَاءَ) لَيْس عَلَى مَعْنَي الأمْر لَكِن عَلَى مَعْنَي التَّسْوِيَة والإعْلام بأنّ شَرْطَه لَهُم لَا يَنْفَعُهُم بَعْد بَيَان النَّبِيّ ﷺ لَهُم قَبْل أَنّ الْوَلَاء لمن أعْتَق فَكَأنه قال: (اشترطي أولا تَشْتِرِطِي فَإِنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ نَافِعٍ، وَإِلَى هَذَا ذهب الداوودى وَغَيْرُهُ وَتَوْبِيخُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ وَتَقْرِيعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِمْ بِهِ قَبْلَ هَذَا * الْوَجْه الثّالِث أَنّ مَعْنَي قَوْلِه (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) أي: أظْهِرِي لَهُم حُكْمَه وَبَيّنِي عِنْدَهُم سَنّتَه أَنّ الْوَلَاء إنَّمَا هُو لِمَن أعْتَق، ثُمّ بَعْد هَذَا قَام هُو ﷺ مُبَيّنًا ذَلِك وَمُوَبّخًا عَلَى مُخَالَفَة مَا تَقَدّم مِنْه فِيه، فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي فعل يُوسُف ﵇ بأخِيه إِذ جَعَل السّقَايَة فِي رَحْلِه وَأخَذِه باسْم سَرِقَتِهَا وَمَا جَرَى عَلَى إخْوتِه فِي ذلك وقوله إنكم لسارقون وَلَم يَسْرِقُوا؟ فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أَنّ الآيَة تَدُلّ عَلَى أَنّ فِعْل يُوسُف كَان من أمْر الله لقومه تعالى (كذلك؟ ؟ ؟ ؟ لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الآيَة فَإِذَا كَان كَذَلِك فَلَا اعْتِرَاض بِه كَان فِيه مَا فِيه، وأَيْضًا فَإِنّ يُوسُف كَان أعْلَم أخاه بأنّي أَنَا أخُوك فَلَا تَبْتَئِس فكان مَا جرى عَلَيْه بَعْد هَذَا من وَفَّقَه ورغبته وَعَلَى يقين من عقى الخَيْر لَه بِه وَإزَاحَة السُّوء وَالمَضَرَة عَنْه بِذَلِك، وَأَمَّا قَوْله (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) فَلَيْس من قَوْل يُوسُف فَيَلْزَم عَلَيْه جَوَاب يَحِلّ شُبَهَه ولعل قائله
إن حُسّن لَه التّأوِيل كائِنًا من كَان ظنّ عَلَى صُورَة الحَال ذَلِك وَقَد قِيل قَال ذَلِك لِفِعْلِهِم قَبْل بِيُوسُف وَبَيْعِهِم لَه وَقِيل غَيْر هَذَا وَلَا يَلْزَم أن نُقَوّل الْأَنْبِيَاء مَا لَم يَأْت أَنَّهُم قالُوه حَتَّى يُطْلَب الخَلَاص مِنْه وَلَا يَلْزَم الاعْتِذَار عَن زَلَّات غَيْرِهِم. فصل فَإِنّ قِيل فَمَا الحِكْمَة فِي إجْرَاء الأمْرَاض وَشِدّتِهَا عَلَيْه وَعَلَى غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى جميعهم السَّلَام، وَمَا الْوَجْه فِيمَا ابْتَلاهُم اللَّه بِه مِن الْبَلَاء وَامْتِحَانِهِم بِمَا امتحنوا بِه كَأَيُّوب وَيَعْقُوب وَدَنْيَال وَيَحْيَى وزَكَرِيَّا وَعِيسَى وإِبْرَاهِيم وَيُوسُف وَغَيْرِهِم صلوات اللَّه عَلَيْهِم وهم خِيَرتُه من خَلْقِه وَأحبّاؤُه وَأصْفِيَاؤُه؟ فاعْلَم وفَّقَنَا اللَّه وإياك أَنّ أفْعَال اللَّه تَعَالَى كلها عَدْل وَكَلِمَاتِه جميعا صِدْق لَا مُبَدّل لِكَلِمَاتِه يَبْتَلي عِبَادَه كَمَا قَال لَهُم لننظر كيف تعلمون، (وليبلوكم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا مِنْكُم، وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أخباركم) فامْتحَانُه إيّاهُم بِضُرُوب الْمِحَن زيَادَة فِي مَكانِتِهِم وَرفْعَة فِي دَرَجَاتِهِم وَأسْبَاب لاسْتِخْرَاج حَالات الصَّبْر وَالرّضَى وَالشُّكر وَالتّسْلِيم وَالتّوكُّل والتّفْويض وَالدُّعَاء وَالتّضَرُّع مِنْهُم وتأْكِيد لِبَصَائِرِهِم فِي رَحْمَة الْمُمْتحِنين وَالشّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِين وَتَذْكِرَة لِغَيْرِهِم وَمَوْعِظَة لسَوَاهُم لِيَتأسّوْا فِي الْبَلَاء بهم وَيَتَسَلّوْا
فِي رَحْمَة الْمُمْتحِنين وَالشّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِين وَتَذْكِرَة لِغَيْرِهِم وَمَوْعِظَة لسَوَاهُم لِيَتأسّوْا فِي الْبَلَاء بهم وَيَتَسَلّوْا
فِي الْمحَن بِمَا جَرَى عَلَيْهِم وَيَقْتَدُوا بهم فِي الصَّبْر محو لهنَات فَرَطَت مِنْهُم أَو غَفَلَات سَلَفَت لَهُم لِيَلْقَوا اللَّه طَيّبين مُهَذَّبِين وَلِيَكُون أجْرُهُم أكْمَل وَثَوَابُهُم أوفر وَأجْزَل. حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل بن خيرون قَالا حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خطيئته) ، وكما قَال تَعَالَى (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثير) الآيَاتِ الثَّلاثَ وَعَن أَبِي هُرَيْرَة مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، وَعَنْ أَنَسٍ عنه ﷺ (إذ أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا،
َتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، وَعَنْ أَنَسٍ عنه ﷺ (إذ أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلاهُ لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ) وَحَكَى السَّمْرَقَنْدِيُّ أَنَّ كُلَّ من كَان أَكْرَم عَلَى اللَّه تَعَالَى كَان بَلاؤُه أشَدّ كى يتبين فَضْلُه وَيَسْتَوْجِب الثّوَاب كَمَا رُوِي عَن لقمان أنَّه قَال يَا بُنَيَّ الذَهَبُ وَالْفِضَّةُ يُخْتَبَرَانِ بِالنَّارِ وَالْمُؤْمِنُ يُخْتَبَرُ بِالْبَلَاءِ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ ابْتِلاء يَعْقُوب بِيُوسُف كان سببه التفاته في صلاته إليه ويوسف نائم
محبة له، وقيل: بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف عَلَى أكْل حَمَل مَشْوِيّ وهما يَضْحَكَان وَكَان لَهُم جَار يَتِيم فَشَمّ ريحَه وَاشْتهَاه وَبَكَى وَبَكَت لَه جَدَّة لَه عَجُوز لِبُكَائِه وبينهما جِدَار وَلَا علم عِنْد يَعْقُوب وابْنِه فَعُوقِب يَعْقُوب بالبُكَاء أسفًا عَلَى يُوسُف إلى أن سألت حدثتاه وَابْيَضَّت عَيْناه مِن الْحُزْن فَلَمّا علم بِذَلِك كَان بَقِيَّة حَيَاتِه يَأْمُر مُنَادِيًا يُنَادي عَلَى سَطْحِه
عَلَى يُوسُف إلى أن سألت حدثتاه وَابْيَضَّت عَيْناه مِن الْحُزْن فَلَمّا علم بِذَلِك كَان بَقِيَّة حَيَاتِه يَأْمُر مُنَادِيًا يُنَادي عَلَى سَطْحِه أَلَا من كَان مُفْطِرًا فَلْيَتَغَد عِنْد آل يَعْقُوب وَعُوقِب يُوسُف بالمِحْنَة الَّتِي نص اللَّه عَلَيْهَا، وَرُوي عَن اللَّيْث أَنّ سبب بلاء أيوب أنَّه دخل مَع أَهْل قريته عَلَى ملكهم فكلموه فِي ظلمه وأغلظوا لَه إلَّا أيوب فَإنَّه رفق بِه مخافة عَلَى زرعه فعاقبه اللَّه ببلائه، ومحنة سُلَيْمَان لَمّا ذكرناه من نيته فِي كون الْحَقّ فِي جنبه أصهاره أَو للعمل بالمعصية فِي داره وَلَا علم عِنْدَه وَهَذِه فائدة شدة المرض والوجع بالنبي ﷺ، قَالَت عَائِشَة مَا رَأَيْت الوجع عَلَى أَحَد أشد مِنْه عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ، وَعَن عَبْد اللَّه رَأَيْت النَّبِيّ ﷺ فِي مرضه يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فَقُلْتُ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ) قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ قَالَ (أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أُطِيقُ
أَضَعُ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ وَإِنْ كَانُوا لَيَفْرَحُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُونَ بِالرَّخَاءِ) وَعَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ الله أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ به) أَنَّ الْمُسْلِمَ يُجْزَى بِمَصَائِبَ الدُّنْيَا فَتَكُونُ لَهُ كَفَّارَةً، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ وَأبي ومُجَاهِد، وَقَال أَبُو هُرَيْرَة عَنْه ﷺ (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) وَقَال فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ (مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا) وَقَال فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد (مَا يُصِيب الْمُؤْمِنَ من نصف وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بها من خَطَايَاهُ) وَفِي حَدِيث ابن مَسْعُود (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يُحَتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ) وَحِكْمَة أُخْرَى أوْدَعَهَا اللَّه فِي الأمراض لأجسامهم ونعاقب الأَوْجَاع وَشِدَّتِهَا عِنْد مَمَاتِهِم لِتَضْعُف قُوَى نُفُوسِهِم فَيَسْهُل خُرُوجُهَا عِنْد قَبْضِهِم وَتَخفّ عليهم مونة النّزْع وَشِدَّة السّكَرَات بَتَقَدُّم المَرَض وَضَعْف الجسْم والنَّفْس لِذَلِك خِلَاف مَوْت الفُجَأة وَأخْذه كَمَا يُشَاهَد مِن اخْتِلَاف أحْوَال المَوْتى فِي الشَّدّة واللَّين والصُّعُوبَة وَقَد قَال ﷺ (مثل
م والنَّفْس لِذَلِك خِلَاف مَوْت الفُجَأة وَأخْذه كَمَا يُشَاهَد مِن اخْتِلَاف أحْوَال المَوْتى فِي الشَّدّة واللَّين والصُّعُوبَة وَقَد قَال ﷺ (مثل
الْمُؤْمِنِ مِثْلُ خَامَةِ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرَّيحُ هَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تَكْفِؤُهَا فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكْفَأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةٍ حَتَّى يَقْصِمَهُ اللَّهُ) مَعْنَاه أَنّ الْمُؤْمِن مُرَزَّء مُصَاب بِالْبَلَاء وَالأمراض رَاض بِتَصْرِيفِه بَيْن أقْدَار اللَّه تَعَالَى مُنْطَاع لِذَلِك لَيَّن الجَانِب بِرِضَاه وَقِلَّة سَخَطِه كَطَاعَة خَامَة الزَّرْع وَانْقِيَادها لِلرَّيَاح وتَمَايُلها لِهُبُوبِهَا وَتَرَنُّحِهَا من حَيْث مَا أتَتْهَا فَإِذَا أزَاح اللَّه عَن الْمُؤْمِن رِيَاح الْبَلايا واعْتَدَل صَحِيحًا كَمَا اعْتَدَلَت خَامَة الزرع عِنْد سُكُون رياح الْجَوّ رَجَع إلى شُكْر رَبَّه وَمَعْرِفَة نِعْمَتِه عَلَيْه بِرَفْع بلائه مُنْتَظِرًا رَحْمَتَه وُثَوَابَه عَلَيْه، فَإِذَا كَان بِهَذِه السَّبيل لَم يَصْعُب عَلَيْه مرض المَوْت وَلَا نُزُولُه وَلَا اشْتَدَّت عَلَيْه سَكَرَاتُه وَنَزْعُه لِعَادَتِه بِمَا تقَدَّمَه مِن الآلام وَمَعْرفَة مَا لَه فِيهَا مِن الأجْر وَتَوطِينِه نَفْسَه عَلَى الْمَصَائِب وَرِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا بِتَوَالي الْمَرَض أَو شِدّتِه وَالْكَافِر بِخِلَاف هَذَا مُعَافَي فِي غَالِب حَالِه مُمَتَّع بَصِحَّة جِسْمِه كَالْأَرزَة الصَّمّاء حَتَّى إذَا أرَاد اللَّه هَلَاكَه قَصَمَه لحينه
َالْكَافِر بِخِلَاف هَذَا مُعَافَي فِي غَالِب حَالِه مُمَتَّع بَصِحَّة جِسْمِه كَالْأَرزَة الصَّمّاء حَتَّى إذَا أرَاد اللَّه هَلَاكَه قَصَمَه لحينه
عَلَى غِرَّة وَأَخَذَه بَغْتَة من غَيْر لُطْف وَلَا رِفْق فَكَان مَوْتُه أشدّ عَلَيْه حَسْرَة وَمقَاسَاة نَزْعِه مَع قُوَّة نَفْسَه وَصِحّة جِسْمِه أشَدّ ألمَا وَعَذَابًا وَلَعَذَاب الآخِرَة أشّدّ كانْجِعَاف الْأَرْزَة وكما قَال تَعَالَى (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يشعرون) وَكَذَلِك عَادَه اللَّه تَعَالَى فِي أعْدَائِه كَمَا قَال اللَّه تَعَالَى (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصيحة) الآية، فَفَجَأ جميعهم بالمَوْت عَلَى حال عُتُوّ وَغَفْلَة وَصَبّحَهُم بِه عَلَى غَيْر اسْتِعْدَاد بَغْتَة ولهذا ذُكِر عَن السَّلَف أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون مَوْت الفجأة وَمِنْه فِي حَدِيث إبْرَاهِيم كَانُوا يَكْرَهُون أخْذَة كَأخْذَة الأسَف أَي الغَضَب يُرِيد موت الفجأة * وحِكْمَة ثالِثة أَنّ الأمْرَاض نَذِير المَمَات وَبِقَدْر شِدَّتِهَا شِدَّة الخَوْف من نُزُول المَوْت فَيَسْتَعِدّ من إصابته وعلم تعهدها له للبقاء رَبَّه وَيُعْرِض عَن دَار الدُّنْيَا الكَثِيرَة الأنْكَاد وَيَكُون قَلْبُه مُعَلَّقًا بالمَعاد فَيَتَنَصّل من كُلّ مَا يخشى تباعته من قَبْل اللَّه وَقَبْل العباد ويؤدي الحقوق إِلَى أهلها وينظر فِيمَا يحتاج إليْه من وصية فيمن يخلفه أَو أمر يعهده وَهَذَا نبينا ﷺ المغفور لَه مَا تقدم وَمَا تأخر قَد طلب التنصل في مرضه مِمَّن كَان لَه عَلَيْه مال أَو حَقّ فِي بدن وأقاد من نفسه وماله وأمكن مِن القصاص مِنْه عَلَى مَا ورد في حَدِيث الْفَضْل وحديث
الوفاة وأوصى بالثقلين بَعْدَه: كِتَاب اللَّه وعترته، وبالأنصار عيبته، ودعا إلى كُتُب كِتَاب لِئَلَّا تضل أمَّتَه بَعْدَه إِمَّا في النص عليه الخلافة أو اللَّه أَعْلَم بمراده ثُمّ رَأَى الإمساك عَنْه أفضل وخيرًا وهكذا سيرة عباد الله الْمُؤْمِنين وأوليائه المتقين وَهَذَا كُلُّه يحرمه غالبًا الكفار لإمْلَاء اللَّه لَهُم لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَيَسْتَدْرجَهُم من حَيْث لَا يَعْلَمُون، قَال اللَّه تَعَالَى (مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) ولذلك قال ﷺ فِي رَجُل مات فُجْأة: (سُبْحَانَ اللَّهِ كَأَنَّهُ عَلَى غَضَبٍ الْمَحْرُومُ مِنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ) وَقَال: (مَوْتُ الْفُجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ) وَذَلِك لِأَنّ الموت يأتي الْمُؤْمِن غالبا مُسْتَعِد لَه مُنْتَظِر لِحُلُولِه فَهَان أَمْرُه عَلَيْه كَيْفَمَا جاء وَأَفْضى إِلَى راحَتَه من نَصَب الدُّنْيَا وأَذاهَا كَمَا قَال ﷺ (مُسْتَريحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، وتأْتِي الكافِر وَالفَاجِر مَنِيَّتُه عَلَى غَيْر اسْتِعْدَاد وَلَا أُهْبَة وَلَا مُقَدّمات مُنْذِرَة مُزْعِجَة (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) فكان المَوْت أشد شئ عَلَيْه وفِراق الدُّنْيَا أفْظَع أمْر صَدَمَه وأكْرَه شئ لَه. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أشَار ﷺ بِقَوْلِه: (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ الله لقاءه، ومنكره لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ الله لقاءه)
الْقَسَم الرابع فِي تصرف وجوه الأحكام فيمن تَنَقَّصَه أَوْ سبَّهُ ﵊
ّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ الله لقاءه، ومنكره لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ الله لقاءه)
الْقَسَم الرابع فِي تصرف وجوه الأحكام فيمن تَنَقَّصَه أَوْ سبَّهُ ﵊
قَال الْقَاضِي أبو الفضل وفقه الله قَد تقدَّم مِن الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإجْمَاع الْأُمَّة مَا يَجِب مِن الحُقُوق للنَّبِيّ ﷺ وَمَا يَتَعَيَّن لَه من برّ وَتَوْقِير وَتَعْظِيم وَإكْرَام وَبحَسَب هَذَا حَرَّم اللَّه تَعَالَى أذَاه فِي كَتَابِه وَأجْمَعَت الْأُمَّة عَلَى قَتْل مُتَنَقَّصِه مِن الْمُسْلِمِين وسابك قال الله تعالى: (إن الذى يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) وقال: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَقَال اللَّه تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ الله عظيما) وقال تعالى في تحريم التّعْرِيض لَه: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا واسمعوا) الآيَة، وَذَلِك أَنّ الْيَهُود كَانُوا يَقُولُون رَاعِنَا يَا مُحَمَّد: أَي أرْعِنَا سَمْعَك وَاسْمَع مِنَّا، وَيُعَرّضُون بالكلمة يريدون الرعوبة فَنَهى اللَّه الْمُؤْمِنين عَن التّشَبُّه بِهِم وَقَطَع الذَّرِيعَة بِنَهْي الْمُؤْمِنين عَنْهَا لِئَلَّا يَتَوَصَّل بِهَا الْكافِر وَالْمُنَافِق إِلَى سَبّه والاسْتِهْزَاء بِه وَقِيل بل لما فيه من مُشَارَكَة اللفظ لِأَنّهَا عِنْد الْيَهُود بِمَعْنَي اسْمَع لَا سَمِعْت، وَقِيل: بَل لَمّا فِيهَا من قلَّة الأدَب وعدم تَوْقِير النَّبِيّ ﷺ وَتَعْظِيمه لِأَنّهَا فِي لُغَة الْأَنْصَار بِمَعْنَي ارْعَنَا نرعك فنهوا عن ذلك إِذ مُضْمَنُه أَنَّهُم لا يرعون إلا برعايته لهم
َوْقِير النَّبِيّ ﷺ وَتَعْظِيمه لِأَنّهَا فِي لُغَة الْأَنْصَار بِمَعْنَي ارْعَنَا نرعك فنهوا عن ذلك إِذ مُضْمَنُه أَنَّهُم لا يرعون إلا برعايته لهم
وَهُو ﷺ وَاجِب الرّعَايَة بِكُلّ حَال وَهَذَا هُو ﷺ قَد نَهَى عَنِ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ فَقَال: (سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي) صَيَانَةً لِنَفْسِه وَحِمَايَة عَن أذَاه إِذ كَان ﷺ اسْتَجَاب لِرَجُل نَادَى يَا أَبَا الْقَاسِم، فَقَال: لَم أعْنِك، إنَّمَا دَعَوْت هَذَا، فَنَهى حِينَئِذ عَن التَّكَنّي بِكُنْيَتِه لِئَلَّا يَتَأذَّى بإجَابَة. دَعْوَة غَيْرِه لِمَن لَم يَدْعُه وَيجد بذلك المنافقون والمستهزؤن ذَرِيعَة إِلَى أذَاه وَالإزْرَاء بِه فَيُنَادُونَه فَإِذَا الْتَفَت قَالُوا: إنَّمَا أرَدْنَا هَذَا لِسِوَاه. تَعْنِيتًا لَه وَاسْتخْفَافًا بِحَقَّه عَلَى عادَة المُجَّان وَالْمُسْتَهْزِئِين فَحمى ﷺ حِمى أذَاه بِكُلّ وجه، فحمل محققوا الْعُلمَاء نَهْيَه عَن هَذَا عَلَى مُدَّة حَيَاتِه وَأجَازُوه بَعْد وَفاتِه لارْتِفَاع العِلَّة، وَللنَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث مَذَاهِب لَيْس هَذَا مَوْضِعَهَا وَمَا ذَكَرْنَاه هُو مَذْهَب الجُمْهُور وَالصَّوَاب إنّ شَاء اللَّه أَنّ ذَلِك عَلَى طريق تعظيمه وتوقيره وعلى سبيل الندب والاستحباب لَا عَلَى التحريم وَلِذَلِك لَم ينه عَن اسْمُه لِأَنَّه قد كَان اللَّه منع من ندائه بِه بِقَوْلِه: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وَإِنَّمَا كَان الْمُسْلِمُون يَدْعُونَه يَا رَسُول اللَّه يَا نَبِيّ اللَّه وَقَد يَدْعُونَه بِكُنْيَتِه أَبَا الْقَاسِم بَعْضُهُم فِي بَعْض الأحْوَال، وَقَد رَوَى أَنَس ﵁ عنه ﷺ مَا يَدُلّ عَلَى كَرَاهَة التَّسَمي باسْمِه وَتَنْزِيهِه عَن ذَلِك إذَا لَم يُوَقَّر، فَقَال (تُسَمُّونَ أَوْلادَكُمْ مُحَمَّدًا ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ) وَرُوي
أَنّ عُمَر ﵁ كَتَب إِلَى أَهْل الكُوفَة لَا يُسَمّى أَحَد باسْم النَّبِيّ ﷺ حَكَاه أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ، وَحَكَى مُحَمَّد بن سَعْد أنَّه نَظَر إِلَى رَجُل اسْمُه مُحَمَّد وَرَجُل يُسَبُّه وَيَقُول لَه فعل اللَّه بك يَا مُحَمَّد وَصَنَع، فَقَال عُمَر لابن أخيه مُحَمَّد بن زيد بن الْخَطَّاب: لَا أرَى مُحَمَّدًا ﷺ يُسَبّ بِك والله لَا تُدْعى مُحَمَّدًا مَا دُمْت حَيًّا وَسَمَّاه عَبْد الرَّحْمن وَأرَاد أن يَمْنَع لهذا أن يُسَمَّى أحَد بِأسْمَاء لأنبياء إكْرَامًا لَهُم بِذَلِك وَغَيْر أسْمَاءَهُم وَقَال لَا تُسَمُّوا بأسْمَاء الْأَنْبِيَاء ثُمّ أمْسَك، وَالصُّوَاب جَوَاز هَذَا كُلُّه بَعْدَه ﷺ بِدَلِيل إطْبَاق الصَّحَابَة عَلَى ذَلِك وَقَد سَمَّى جَمَاعَة مِنْهُم ابته مُحَمَّدًا وَكَنَّاه بِأَبِي الْقَاسِم وَرُوي أَنّ النَّبِيّ ﷺ أذِن فِي ذَلِك لِعَلِيّ ﵁ وَقَد أخْبَر ﷺ أَنّ ذَلِك اسم الْمَهْدِيّ وَكُنْيَتُه وَقَد سَمَّى بِه النَّبِيّ ﷺ مُحَمَّد بن طَلْحَة وَمُحَمَّد بن عمرو ابن حزم وَمُحَمَّد بن ثابت بن قيس وَغَيْر واحد وَقَال: (مَا ضَرَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ مُحَمَّدٌ وَمُحَمَّدَانِ وَثَلَاثَةٍ، وَقَد فَصّلْت الْكَلَام فِي هَذَا القِسْم عَلَى بَابَيْن كَمَا قدمناه
الباب الأول في بيان ما هو في حقه ﷺ سب أَو نقص من تعريض أَو نص
نِ وَثَلَاثَةٍ، وَقَد فَصّلْت الْكَلَام فِي هَذَا القِسْم عَلَى بَابَيْن كَمَا قدمناه
الباب الأول في بيان ما هو في حقه ﷺ سب أَو نقص من تعريض أَو نص
اعْلَم وفقنا اللَّه وإياك أَنّ جَمِيع من سَبّ النَّبِيّ ﷺ أَو عَابَه أَو ألْحَق بِه نَقْصًا فِي نَفْسِه أَو نَسَبِه أَو دِينه أَو خَصْلَة من خِصَالِه أَو عَرّض بِه أو شبهة بشئ عَلَى طريق السَّبّ لَه أَو الأِزْرَاء عَلَيْه أو التَّصْغِير لِشَأْنِه أَو الْغَضّ مِنْه وَالْعَيْب لَه فَهُو سَاب لَه وَالْحُكْم فِيه حُكْم السَّابّ يقْتَل كَمَا نُبَيّنُه وَلَا نَسْتَثْنِي فَصْلًا من فُصُول هَذَا الْبَاب عَلَى هَذَا المقصد وَلَا يمترى فِيه تصريحا كَان أَو تلويحا وَكَذَلِك من لعنه أَو دعا عَلَيْه أَو تمنى مضرة لَه أو نسب إليه مَا لَا يليق بمنصبه عَلَى طريق الذم أَو عبث فِي جهَتِه العَزِيزَة بسُخْف مِن الْكَلَام وَهُجْر وَمُنْكَر مِن الْقَوْل وَزُور أَو عيره بشئ مِمَّا جَرَى مِن الْبَلَاء والْمِحْنَة عَلَيْه أَو غَمَصَه بِبَعْض الْعَوَارض الْبَشَرِيّة الْجَائِزَة وَالْمَعْهُودَة لَدَيْه وَهَذَا كُلُّه إجْماع مِن الْعُلمَاء وَأئِمَّة الْفَتْوَى من لَدُن الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِم إِلَى هَلُمّ جَرّا، قال أبو بكر بن
لَدَيْه وَهَذَا كُلُّه إجْماع مِن الْعُلمَاء وَأئِمَّة الْفَتْوَى من لَدُن الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِم إِلَى هَلُمّ جَرّا، قال أبو بكر بن
المُنْذر أجْمَع عَوامّ أهلى الْعِلْم عَلَى أن من سَبّ النَّبِيّ ﷺ يُقْتَل وَمِمَّن قَال ذَلِك مَالِك بن أَنَس وَاللَّيْث وَأَحْمَد وإسحاق وَهُو مَذْهَب الشَّافِعِيّ قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَهُو مُقْتَضَى قَوْل أَبِي بَكْر الصَّدّيق ﵁ وَلَا تُقْبَل تَوْبَتُه عِنْد هَؤْلَاء، وَبِمِثْلِه قَال أَبُو حنيفة وأصحابُه والثَّوْرِيّ وَأَهْل الكُوفَة وَالْأَوزَاعِيّ فِي الْمُسْلِمِين لكِنَّهُم قَالُوا: هِي رِدَّة، وَرَوَى مِثْلُه الْوَلِيد بن مُسْلِم عَن مَالِك وحَكَى الطَّبَرِيّ مِثْلُه عَن أَبِي حنيفة وأصحابه فيمن تَنَقَّصَه ﷺ أَو برئ مِنْه أَو كَذَّبَه وَقَال سُحْنُون فيمن سَبَّه: ذَلِك ردّة كَالزَّنْدَقَة وَعَلَى هَذَا وَقَع الخِلَاف فِي استنابته وتَكْفِيرِه وهل قَتْلُه حَد أَو كُفْر كَمَا سَنُبَيَّنُه فِي الْبَاب الثاني أن شَاء اللَّه تَعَالَى، وَلَا نَعْلَم خِلَافًا فِي اسْتِبَاحَه دَمِه بَيْن عُلَمَاء الأمْصَار وَسَلَف الْأُمَّة وَقَد ذَكَر غَيْر وَاحِد الإجْمَاع على قَتْلِه وَتَكْفِيرِه وأشَار بَعْض الظَّاهِرِيَّة وَهُو أَبُو مُحَمَّد عَلِيّ بن أَحْمَد الفارسيّ إِلَى الخِلَاف فِي تَكْفير المسخف بِه وَالْمَعْرُوف مَا قَدَّمْنَاه قَال مُحَمَّد بن سُحْنُون أجْمَع الْعُلمَاء أَنّ شَاتِم النَّبِيّ ﷺ الْمُتَنَقّص لَه كَافِر وَالْوَعِيد جَار عَلَيْه بِعَذَاب
عْرُوف مَا قَدَّمْنَاه قَال مُحَمَّد بن سُحْنُون أجْمَع الْعُلمَاء أَنّ شَاتِم النَّبِيّ ﷺ الْمُتَنَقّص لَه كَافِر وَالْوَعِيد جَار عَلَيْه بِعَذَاب
اللَّه لَه وَحُكْمُه عند الأمة قتل وَمِن شَكّ فِي كُفْرِه وَعَذَابِه كَفَر، وَاحْتَجّ إبْرَاهِيم بن حُسَيْن بن خَالِد الْفَقِيه فِي مِثْل هَذَا بِقَتْل خَالِد بن الْوَلِيد مَالِك ابن نُوَيْرَة لِقَوْلِه عَن النَّبِيّ ﷺ صَاحِبُكُم، وَقَال أَبُو سُلَيْمَان الخطَّابِيّ لَا أَعْلَم أَحَدا من الْمُسْلِمِين اخْتُلِف فِي وُجُوب قَتْلِه إذَا كَان مُسْلِمًا، وَقَال ابن الْقَاسِم عَن مَالِك فِي كِتَاب ابن سَحْنُون وَالْمَبْسُوط وَالْعُتْبَيّة وَحَكَاه مُطَرَّف عَن مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب من سَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِن الْمُسْلِمِين قُتِل وَلَم يُستَتَب، قَال ابن الْقَاسِم فِي الْعُتْبِيَّة من سَبَّه أَو شَتَمَه أَو عَابَه أَو تَنَقَصَّه فَإنَّه يُقْتَل وَحُكْمُه عِنْد الْأُمَّة الْقَتْل كَالزَّنْدِيق وَقَد فَرَض اللَّه تَعَالَى تَوْقِيرَه وَبرَّه وَفِي الْمَبْسُوط عَن عُثْمَان بن كِنَانَة من شَتَم النَّبِيّ ﷺ مِن الْمُسْلِمِين قُتِل أَو صُلِب حَيًّا وَلَم يُسْتَتَب، والْإِمَام مُخَيّر فِي صَلْبِه حَيًّا أَو قَتْلِه، وَمِن رِوَايَة أَبِي الْمُصْعَب وَابْن أَبِي أوَيْس سمعنا مالِكًا يَقُول: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ: مُسْلِمًا كَانْ أَوْ كَافِرًا وَلَا يُسْتَتَابُ، وَفِي كِتَاب مُحَمَّد أَخْبَرَنَا أَصْحَاب مَالِك أنَّه قَال: من سَبّ النَّبِيّ ﷺ أَو غَيْرِه مِن النَّبِيّين من مُسْلِم أَو كَافِر قُتِل وَلَم يُسْتَتَب، وَقَال أصْبَغ، يُقْتَل عَلَى كُلّ حَال أسَرّ ذَلِك أو أظهره وَلَا يُسْتَتَاب لِأَنّ تَوْبَتَه لَا تُعْرَف، وَقَال عَبْد اللَّه بن عَبْد الْحَكم من سَبّ النَّبِيّ ﷺ من مُسْلِم أو كافر قُتِل وَلَم يستتب) وَحَكَى الطَّبَرِيُّ مثله
عَن أشْهَب عَن مَالِك، وَرَوَى ابن وَهْب عَن مَالِك من قال إن رداءه النَّبِيّ ﷺ وَيُرْوَى زِرّ النَّبِيّ ﷺ وَسِخ أرَاد بِه عَيْبَه قُتِل، وَقَال بَعْض عُلَمَائِنَا أجْمَع الْعُلمَاء عَلَى أَنّ من دَعَا عَلَى نَبِيّ من الأنبياء بالويل أو بشئ مِن الْمَكْرُوه أنَّه يُقْتَل بِلَا اسْتِتَابَة وَأفْتى أَبُو الْحَسَن القابِسيّ فِيمَن قَال فِي النبي ﷺ الْجَمَّال يَتِيم أَبِي طَالِب بالْقَتْل، وَأفْتى أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد بِقَتْل رَجُل سَمِع قَوْمًا يَتَذَاكَرُون صِفَة النَّبِيّ ﷺ إِذ مر بِهِم رَجُل قَبِيح الْوَجْه وَاللَّحْيَة فَقَال لَهُم تُريدُون تَعْرفُون صِفَتَه هي فِي صِفَة هَذَا الْمَارّ فِي خَلْقِه وَلِحْيَتِه قال ولا تقب لتوبته وَقَد كَذَب لَعَنَة اللَّه وَلَيْس يخرج من قلب سُلَيْم الْإِيمَان وَقَال أَحْمَد بن أَبِي سليمان صاحب سحنون من قَال إنّ النَّبِيّ ﷺ كَان أسْوَد، يُقْتِل، وَقَال فِي رَجُل قِيل لَه لَا وحق رَسُول اللَّه، فَقَال فعل اللَّه برسول اللَّه كذا - وَذَكَر كَلَامًا قَبِيحًا - فَقِيل لَه مَا تَقُول يَا عدو اللَّه؟ فَقَال أشد من كلامه الأول ثُمّ قَال: إنَّمَا أرَدْت برسول اللَّه العَقْرَب فَقَال ابن أَبِي سُلَيْمَان للذي سَألَه أشْهَد عَلَيْه وَأَنَا شَرِيكُك، يريد فِي قتله وثواب ذَلِك. قَال حبيب بن أبى الربيع لِأَنّ ادَّعَاء التأويل فِي لفظ صراح لَا يقبل أنه استهان وَهُو غَيْر معزر لرسول اللَّه ﷺ وَلَا موقر لَه فوجب إباحة دمه، وأفتى أَبُو عَبْد اللَّه بن عتاب في عشار قَال لرجل أد واشْك إِلَى النَّبِيّ ﷺ وَقَال إن سَأَلْت أَو جَهِلْت
اللَّه ﷺ وَلَا موقر لَه فوجب إباحة دمه، وأفتى أَبُو عَبْد اللَّه بن عتاب في عشار قَال لرجل أد واشْك إِلَى النَّبِيّ ﷺ وَقَال إن سَأَلْت أَو جَهِلْت
فقد جَهِل وسَأل النَّبِيّ ﷺ: بالْقَتْل وَأفْتى فُقَهَاء الأنْدَلُس بِقَتْل ابن حَاتِم المُتَفَقَّة الطُّلَيْطُلِيّ وَصَلْبِه بِمَا شُهد عَلَيْه بِه مِن اسْتِخْفَافِه بحَقّ النَّبِيّ ﷺ وَتَسْمِيَتِه إيَّاه أثْنَاء مُنَاظَرَتِه باليَتِيم وَخَتَن حَيْدَرَة وَزَعْمِه أَنّ زُهْدَه لَم يَكُن قَصْدًا وَلَو قَدَر عَلَى الطَّيّبَات أكَلَهَا إلى أشْبَاه لهذا، وأفنى فُقَهَاء القيرَوَان وَأَصْحَاب سُحْنُون بِقَتْل إبْرَاهِيم الفَزَارِيّ وَكَان شاعِرًا مُتَفَنَّنًا فِي كثير مِن العُلُوم وَكَان مِمَّن يَحْضُر مَجْلِس الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس بن طَالِب لِلْمُنَاظَرَة فَرُفِعَت عَلَيْه أُمُور مُنْكَرَة من هَذَا الْبَاب فِي الاسْتِهْزَاء بالله وَأنْبِيَائِه وَنِبَيَّنَا ﷺ فأحْضَر لَه الْقَاضِي يَحْيَى بن عُمَر وَغَيْرُه مِن الفُقَهَاء وَأَمَر بِقَتْلِه وَصَلْبِه فَطُعِن بالسَّكّين وَصُلِب مُنَكّسًا ثُمّ أُنْزِل وَأُحْرِق بالنَّار، وَحَكَى بَعْض المؤرخين أنَّه لَمّا رفعت خشبته وزالت عَنْهَا الأيدي استدارت وحوله عَن القبلة فكان آية للجميع وكبر النَّاس، وجاء كلب فولغ فِي دمه فَقَال يَحْيَى بن عُمَر صَدَق رَسُول اللَّه ﷺ وذكر حديثا عنه ﷺ أنه قَال: (لَا يَلَغُ الْكَلْبُ فِي دَمِ مُسْلِمٍ) وَقَال
َّاس، وجاء كلب فولغ فِي دمه فَقَال يَحْيَى بن عُمَر صَدَق رَسُول اللَّه ﷺ وذكر حديثا عنه ﷺ أنه قَال: (لَا يَلَغُ الْكَلْبُ فِي دَمِ مُسْلِمٍ) وَقَال
الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه بن المُرَابِط: (من قَال إن النَّبِيّ ﷺ الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّه بن المُرَابِط: (من قَال إن النَّبِيّ ﷺ هُزم يُسْتَتَاب فَإِنّ تَاب وإلا قتل لا أنه تَنَقُّص إِذ لَا يَجُوز ذَلِك عَلَيْه فِي خاصّتِه إِذ هُو عَلَى بَصِيرَة من أمْرِه وَيَقِين من عِصْمَتِه، وَقَال حبيب بن ربيع القرويّ: مَذْهَب مَالِك وأصحابه أن من قَال فِيه ﷺ مَا فِيه نَقْص قُتِل دون اسْتِتَابَة، وَقَال ابن عَتَاب: الْكِتَاب والسُّنَّة مَوجِبَان أَنّ من قَصَد النَّبِيّ ﷺ بِأذى أو نَقْص مُعَرَضًا أَو مُصَرَّحًا وإن قَلّ فَقَتْلُه وَاجِب، فَهَذَا الْبَاب كُلُّه مِمَّا عده الْعُلمَاء سَبًّا أَو تَنَقُّصًا يجب قَتْل قائِلِه لَم يَخْتَلف فِي ذَلِك مُتَقَدّمُهُم وَلَا متأخرهم وَإِنّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْم قَتْلِه عى مَا أشَرْنا إليه وَنُبَيّنُه بَعْد وَكَذَلِك أقُول حُكْم من غَمَصَه أَو غَيْرِه بِرعَايَة الغَنَم أَو السَّهْو أَو النَّسْيَان أَو السَّحْر أَو مَا أصَابَه من جُرْح أَو هَزِيمَة لِبَعْض جُيُوشِه أَو أذى من عدوه أَو شدة من زمنه أَو بالميل إِلَى نسائه فحكم هَذَا كُلُّه لِمَن قصد بِه نقصه القتل وَقَد مضى من مذاهب الْعُلمَاء فِي ذَلِك ويأتي مَا يدل عَلَيْه. فصل فِي الحجة فِي إيجاب قتل من سبه أَو عَابَه ﷺ فَمِن الْقُرْآن لَعْنُه الله تَعَالَى لِمُؤْذِيه فِي الدُّنْيَا والآخِرَة وقِرَانُه تَعَالَى أذَاه بِأَذَاه وَلَا خِلَاف فِي قَتْل من سَبّ اللَّه وَأَنّ اللَّعْن إنَّمَا يَسْتَوْجِبه من هُو كافِر وَحُكْم الكافر الْقَتْل فَقَال (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله ورسوله) الآيَة وَقَال فِي قاتِل الْمُؤْمِن مِثْل ذَلِك فَمَن لَعْنَتِه فِي الدُّنْيَا القَتْل قَال اللَّه تعالى
(مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أخذوا وقتولا تقتيلا) وَقَال فِي المحَاربين وَذِكْر عُقُوبَتِهم (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا) وَقَد يَقَع القَتْل بِمَعْنَي اللَّعْن قَال (قُتِلَ الخراصون) و (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنى يؤفكون) أَي لَعَنَهُم اللَّه وَلِأَنَّه فَرّق بَيْن أذّاهُمَا وَأذَى الْمُؤْمِنين وَفِي أذَى الْمُؤْمِنين مَا دُون القَتْل مِن الضَّرْب وَالنَّكَال فَكَان حُكْم مُؤذِي اللَّه ونَبِيَّه أشَدّ من ذَلِك وَهُو الْقَتْل وَقَال اللَّه تَعَالَى (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بينهم) الآيَة فَسَلَب اسْم الْإِيمَان عَمَّن وجَد فِي صَدْرِه حَرَجًا من قَضَائِه وَلَم يُسَلَّم لَه وَمِن تَنَقَّصَه فَقَد نَاقَض هَذَا وَقَال اللَّه تعالى (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ - إِلَى قوله - أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) وَلَا يُحْبط العَمَل إلَّا الْكُفْر وَالْكافِر يُقْتَل وَقَال اللَّه تعالى (وإذا جاؤك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) ثُمّ قَال (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وَقَال تَعَالَى (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) ثُمّ قَال (وَالَّذِينَ يؤذون الرسول اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أليم) وَقَال تَعَالَى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نحوذ ونلعب) إلى قوله (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم) قَال أَهْل التَّفْسِير كَفَرْتُم بِقَوْلِكُم فِي رَسُول اللَّه ﷺ وَأَمَّا الإجْمَاع فَقَد ذَكَرْنَاه وَأَمَّا الآثار فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَلْبُونَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ حدثنا
ِيُّ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ حدثنا
عبد الله بن مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ محمد بن علي بت الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ وَمَن سَبَّ أَصْحَابِي فَاضْرِبُوهُ) * وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح أمر النَّبِيّ ﷺ بقَتْل كَعْب ابن الأشْرَف وَقَوْلُه: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً دُونَ دَعْوَة بخلاف غَيْرِه مِن المشركين وعلل بأذاه لَه فدل أَنّ قتله إياه لغير الإشراك بَل للأذى وَكَذَلِك قتل أَبَا رافع، قَال البراء وَكَان يؤذي رَسُول اللَّه ﷺ ويعين عَلَيْه وَكَذَلِك أَمْرُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ وَجَارِيَتَيْهِ اللَّتَيْنِ كانتا تُغَنِّيَانِ بِسَبِّهِ ﷺ * وَفِي حَدِيث آخَر أَنّ رَجُلًا كَان يَسُبُّه ﷺ فَقَال (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟) فَقَالَ خَالِدٌ أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَتَلَهُ وَكَذَلِك أمَر بِقَتْل جَمَاعَة مِمَّن كَان يُؤْذِيه مِن الكُفَّار وَيسبُّه كالنَّضْر بن الحَارِث وَعُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط وعَهِد بِقَتْل جَمَاعَة مِنْهُم قَبْل الْفَتْح وَبَعْدَه فَقُتِلُوا إلَّا من بادَر بإسْلَامِه قَبْل القُدْرَة عَلَيْه وَقَد رَوَى البَزّار عَن ابن عَبَّاس أَنّ عُقْبَة بن أَبِي مُعَيْط نادى يَا مَعَاشِر قُرَيْش مالى أُقْتَل من بَيْنِكُم صَبْرًا؟ فَقَال لَه النَّبِيّ ﷺ (بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وذكر عَبْد الرَّزَّاق أَنّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟ فَقَالَ
ﷺ (بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وذكر عَبْد الرَّزَّاق أَنّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوِّي؟ فَقَالَ
الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ. وَرُوي أيضًا أَنّ امْرَأة كَانَت تَسُبُّه ﷺ فَقَال (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوَّتِي؟) فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلهَا، وَرُوي أَنّ رَجُلًا كَذَب عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَبَعَث عليا والزبير إليه ليَقتلاه، وَرَوَى ابن قانِع أَنّ رَجُلًا جاء إِلَى النَّبِيّ صلى القه عَلَيْه وَسَلَّم فَقَال يَا رَسُول اللَّه سَمِعْت أَبِي يَقُول فيك قولًا قَبيحًا فقتله فَلَم يشُقّ ذَلِك عَلَى النَّبِيّ ﷺ، وَبَلَغ الْمُهَاجِر بن أَبِي أُمَيَّة أَمِير الْيَمَن لأبي بَكْر ﵁ أَنّ امْرَأة هناك فِي الرّدّة غَنَّت بِسَبّ النبي ﷺ فَقَطَع يَدَهَا وَنَزَع ثَنِيّتَهَا فبَلَغ أَبَا بَكْر ﵁ ذَلِك فَقَال لَه لَوْلَا مَا فَعَلْت لأمَرْتُك بِقَتْلِهَا لِأَنّ حَدّ الْأَنْبِيَاء لَيْس يُشْبه الحُدُود وَعَن ابن عَبَّاس هَجَت امْرَأة من خَطْمَة النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ (مَنْ لِي بِهَا؟) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فقال (لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عنزان) وعن أبى عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ فَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ فَقَتَلَهَا وَأَعْلَمَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَهْدَرَ دَمَهَا، وَفِي حَدِيث أَبِي بَرْزَة الأسلمي كُنْت يَوْمًا جَالِسًا عِنْد أَبِي بَكْر الصديق فَغَضب عَلَى رَجُل مِن الْمُسْلِمِين وَحَكَى الْقَاضِي إِسْمَاعِيل وَغَيْر وَاحِد مِن الْأَئِمَّة فِي هَذَا الْحَدِيث أنه سَبّ أَبَا بكر وَرَوَاه النَّسَائِي: أتيت أَبَا بَكْر وَقَد أغلظ لرجل فرد عَلَيْه قَال فَقُلْت
يَا خليفة رَسُول اللَّه دعني أضرب عنقه فَقَال: اجلس فليس ذَلِك لأحد إلَّا رَسُول اللَّه ﷺ، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد بن نصر وَلَم يُخَالِف عَلَيْه أَحَد، فَاسْتَدَلّ الْأَئِمَّة بَهَذَا الْحَدِيث عَلَى قَتْل من أغْضَب النَّبِيّ ﷺ بِكُلّ مَا أغْضَبه أو آداه أَو سَبّه وَمِن ذَلِك كِتَاب عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز إِلَى عَامِله بِالكُوفَة وَقَد استشَارَه فِي قَتْل رَجُل سَبّ عُمَر ﵁ فَكَتَب إليْه عُمَر: أنَّه لَا يَحِلّ قَتْل امْرِئ مُسْلِم بسَبّ أحد مِن النَّاس إلَّا رَجُلًا سَبّ رَسُول اللَّه ﷺ فَمَن سَبَّه فَقَد حَلّ دَمُه، وَسَأل الرَّشيد مالِكًا فِي رَجُل شَتَم النَّبِيّ ﷺ وَذَكَر لَه أَنّ فُقَهَاء الْعِرَاق افْتَوْه بِجَلْدِه فَغَضب مَالِك وَقَال: يَا أَمِير الْمُؤْمِنين مَا بَقَاء الْأُمَّة بَعْد شَتْم نَبِيّهَا؟ من شَتَم الْأَنْبِيَاء قُتِل وَمِن شَتَم أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ جُلِد. قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل: كذا وَقَع فِي هَذِه الحكاية رواها غَيْر وَاحِد من أَصْحَاب مناقب مَالِك ومؤلفي أخباره وَغَيْرِهِم وَلَا أدري من هَؤْلَاء الفقهاء بالعراق الَّذِين أفتوا الرشيد بِمَا ذَكَر وَقَد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم مِمَّن لَم يشهر بعلم أو من لَا يوثق بفتواه أو يميل بِه هواه أو يَكُون مَا قاله يحمل عَلَى غَيْر السب فيكون الخِلَاف هَل هُو سَبّ أو غَيْر سَبّ أو يَكُون رجع وتاب عَن سبه فَلَم يقله لمالك عَلَى أصله وَإِلَّا فالإجماع عَلَى قَتْل من سَبَّه كَمَا قَدّمْنَاه وَيَدُل عَلَى قَتْلِه من جِهَة النّظَر وَالاعتْبَار أَنّ من سَبَّه أو تَنَقّصَه ﷺ فَقَد ظَهَرَت عَلَامَة مَرَض قَلْبِه وَبُرْهَان سرطويته وَكُفْرِه، ولهذا مَا حَكَم لَه كَثِير مِن
النّظَر وَالاعتْبَار أَنّ من سَبَّه أو تَنَقّصَه ﷺ فَقَد ظَهَرَت عَلَامَة مَرَض قَلْبِه وَبُرْهَان سرطويته وَكُفْرِه، ولهذا مَا حَكَم لَه كَثِير مِن
الْعُلمَاء بالرَّدّة وَهِي رِوَايَة الشّامِيّين عَن مَالِك والأوْزَاعِيّ وقول الثَّوْرِيّ وأبي حنيفة وَالكوَفِيّين والقول الآخر أنَّه دليل عَلَى الكُفْر فَيُقْتَل حَدًّا وإن لَم يُحْكَم لَه بالكُفْر إلَّا أَنّ يُكُون مُتَمَادِيًا عَلَى قَوْلِه غَيْر مُنْكِر لَه وَلَا مُقْلِع عَنْه فَهَذَا كافِر، وَقَوْلُه إِمَّا صَرِيح كُفْر كالتّكْذِيب وَنَحْوِه أو من كَلِمَات الاسْتِهْزَاء وَالذَّمّ فاعْتِرَافُه بِهَا وَتَرَك تَوْبَتِه عَنْهَا دَلِيل اسْتِحْلالِه لِذَلِك وَهُو كُفْر أيْضًا فَهَذَا كَافِر بِلَا خِلَاف قَال اللَّه تَعَالَى فِي مِثْلِه (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كلمة الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسلامهم) قَال أَهْل التَّفْسِير هِي قَوْلُهُم إن كَان مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا لَنَحْن شَرّ مِن الْحَمِير وَقِيل بَل قَوْل بَعْضُهُم مَا مثلنا ومِثْل مُحَمَّد إلَّا قَوْل القائل سَمّن كَلْبَك يأْكُلك و (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ منها الأذل) وَقَد قِيل إن قائل مِثْل هَذَا إن كَان مُسْتَتِرًا بِه أَنّ حُكْمَه حُكْم الزَّنْدِيق يُقْتَل ولِأَنَّه قَد غَيّر دِينَه وَقَد قَال ﷺ (مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) ولأن لِحُكْم النَّبِيّ ﷺ فِي الْحُرْمَة مَزِيَّة عَلَى أمَّتَه وَسَابّ الْحُرّ من أمَّتَه يُحَدّ فَكَانَت العُقُوبَة لِمَن سَبَّه ﷺ القَتْل لِعَظِيم قَدْرِه وَشُفُوف مَنْزِلَتِه عَلَى غَيْرِه فصل فَإِنّ قُلْت فَلَم لَم يَقْتُل النَّبِيّ ﷺ اليَهُودِيّ الَّذِي قَال لَه السَّام عَلَيْكُم وَهَذَا دُعَاء عَلَيْه وَلَا قَتَل الآخَر الَّذِي قَال لَه إن هَذِه لَقِسْمَة
لَم يَقْتُل النَّبِيّ ﷺ اليَهُودِيّ الَّذِي قَال لَه السَّام عَلَيْكُم وَهَذَا دُعَاء عَلَيْه وَلَا قَتَل الآخَر الَّذِي قَال لَه إن هَذِه لَقِسْمَة
مَا أُريد بِهَا وجْه اللَّه وَقَد تَأذّى النَّبِيّ ﷺ من ذَلِك وَقَال قَد أُوذِي مُوسَى بأكْثَر من هَذَا فَصَبَر وَلَا قَتَل المُنَافِقِين الَّذِين كَانُوا يُؤْذُونه فِي أَكْثَر الأحْيَان؟ فَاعْلَم وفقنا اللَّه وإياك أن النبي ﷺ كان أَوَّل الْإِسْلَام يَسْتَألِف عَلَيْه النَّاس وَيُمَيّل قُلُوبَهُم وَيَمِيل إليْه ويجيب إِلَيْهِم الْإِيمَان وَيُزَيّنُه فِي قُلُوبِهِم وَيُدَارِئُهُم وَيَقُول لأصحابه إنَّمَا بُعثْتُم مُيَسَرِين وَلَم تُبْعَثُوا مُنَفّرِين وَيَقُول (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) وَيَقُول (لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) وَكَان ﷺ يُدَارِي الكُفّار والْمُنَافِقِين وَيُجْمل صُحْبَتَهُم وَيُغْضِي عَنْهُم وَيَحْتَمِل من أذَاهُم وَيَصْبِر عَلَى جَفَائهِم مَا لَا يَجُوز لَنَا الْيَوْم الصّبْر لَهُم عَلَيْه وَكَان يُرْفِقُهُم بالْعَطَاء وَالإحْسَان وبذلك أمَرَه اللَّه تَعَالَى فَقَال تَعَالَى (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وَقَالَ تَعَالَى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولى حميم) وَذَلِك لِحَاجَة النَّاس لِلتَّألُّف أَوَّل الْإِسْلَام وَجَمْع الْكَلِمَة عَلَيْه فَلَمّا اسْتَقَرّ وَأظْهَرَه اللَّه عَلَى الدَّين كُلُّه قَتَل من قَدَر عَلَيْه واشْتَهَر أمْرُه كَفِعْلِه بابن خَطِل وَمِن عهد بِقَتْله يَوْم الْفَتْح وَمِن أمْكَنَه قَتْلُه غِيلَة من يَهُود وَغَيْرِهِم أَو غَلبَة مِمَّن لَم يُنْظِمْه قَبْل سِلْك صُحْبَتِه والانحراط فِي جُمْلة مُظْهِري الإيمَان بِه مِمَّن كَان يُؤْذِيه كَابْن
الأشْرَف وأبي رافِع والنظر وعُقْبَة وَكَذَلِك نَدَر دم جمَاعَة سواهم ككعب ابن زهير وابن زبعر وَغَيْرِهِمَا مِمَّن آذَاه حَتَّى ألْقَوْا بأيْدِيهِم ولَقُوه مسلمين وَبوَاطِن المنافقين مُسْتَتِرَة وَحُكْمُه ﷺ عَلَى الظَّاهِر وأكْثَر تِلْك الكلمات إنَّمَا كَان يَقُولُهَا القَائِل مِنْهُم خُفْيَة ومع أمْثَالِه وَيَحْلِفُون عَلَيْهَا إذَا نُمِيَت وَيُنْكِرُونَهَا وَيَحْلِفُون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وَكَان مَع هَذَا يَطْمَع فِي فَيْأَتِهِم وَرُجُوعِهِم إِلَى الْإِسْلَام وَتَوْبَتِهِم فَيَصْبر ﷺ عَلَى هَنَاتِهِم وَجَفْوَتِهِم كما صبر أولو العَزْم مِن الرُّسُل حَتَّى فاء كثير مِنْهُم باطنًا كَمَا فاء ظاهرًا وأخلص سرًا كَمَا أظهر جهرًا ونفع اللَّه بعد بكثير مِنْهُم وقام مِنْهُم للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كَمَا جَاءَت بِه الْأَخْبَار وبهذا أجاب بَعْض أئمتنا ﵏ عَن هَذَا السؤال قَال ولعله لَم يثبت عِنْدَه ﷺ من أقوالهم مَا رُفِع وَإِنَّمَا نَقَلَه الوَاحِد وَمِن لَم يَصِل رُتْبَة الشّهَادَة فِي هَذَا الْبَاب من صَبيّ أو عَبْد أَو امْرَأة وَالدّمَاء لَا تُسْتَبَاح إلَّا بِعَدْلَيْن وَعَلَى هَذَا يُحْمَل أمْر اليَهُودِيّ فِي السَّلَام وَأَنَّهُم لَوَّوْا بِه ألْسِنَتَهُم وَلَم يُبَيّنُوه أَلَا تَرَى كَيْف نَبّهَت عَلَيْه عَائِشَة وَلَو كَان صَرّح بِذَلِك لَم تَنْفَرِد بِعِلْمِه ولهذا نَبّه النَّبِيّ ﷺ أصْحَابَه عَلَى فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي
و كَان صَرّح بِذَلِك لَم تَنْفَرِد بِعِلْمِه ولهذا نَبّه النَّبِيّ ﷺ أصْحَابَه عَلَى فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي فِعْلِهِم وَقِلّة صِدْقِهِم فِي
سَلامِهِم وخيَانَتِهِم فِي ذَلِك ليًا بِأَلْسَنَتِهِم وطَعْنًا فِي الدين فَقَال إنّ اليَهُود إذَا سَلّم أحدُهُم فَإنَّمَا يَقُول السَّام عَلَيْكُم فَقُولُوا عَلَيْكُم وَكَذَلِك قَال بَعْض أصْحَابِنَا البَغْدَادِيّين إنّ النَّبِيّ ﷺ لَم يَقْتُل الْمُنَافِقِين بِعِلْمِه فِيهِم وَلَم يَأْت أنَّه قامِت بينه على نِفَاقِهِم فلذلك تَرَكَهُم وأيضا فَإِنّ الأمر كَان سِرًّا وباطِنًا وَظَاهِرُهُم الْإِسْلَام والإيمان وإن كَان من أَهْل الذَّمّة بالعَهْد وَالجِوَار وَالنَّاس قَرِيب عَهْدُهُم بالْإِسْلَام لَم يَتَميّز بَعْد الخَبِيث مِن الطيب وَقَد شَاع عَن المَذْكُورِين فِي الْعَرَب كَوْن من يُتَّهَم بالنَّفَاق من جُمْلَة الْمُؤْمِنين وَصَحَابَة سَيّد الْمُرْسَلِين وَأنصار الدّين بحُكْم ظَاهِرِهم فلو قَتَلَهُم النَّبِيّ ﷺ لِنفَاقِهِم وَمَا يَبْدُر مِنْهُم وَعِلْمِه بِمَا أسَرُّوا فِي أنْفُسِهِم لوَجَد المُنَفَّر مَا يَقُول ولا ارتبا الشَّارِد وَأرْجَف المُعَانِد وَارْتَاع من صُحْبَة النَّبِيّ ﷺ وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام غَيْر وَاحِد وَلَزَعَم الزَّاعِم وَظَنّ الْعَدُوّ الظّالِم أَنّ الْقَتْل إنَّمَا كَان لِلْعَدَاوة وَطَلَب أخْذ التّرة وَقَد رَأَيْت مَعْنَي مَا حَرَرْتُه مَنْسُوبًا إِلَى مالك بن أنس ﵀ ولهذا قَال ﷺ لَا يَتَحَدَّثِ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَقَالَ أُولِئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ وَهَذَا بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الأَحْكَام الظَّاهِرة عَلَيْهِم من حدود الزنا وَالْقَتل وَشبْهِه لِظُهُورِهَا وَاسْتِوَاء النَّاس فِي عِلْمِهَا وَقَد قَال مُحَمَّد بن المَوّاز لَو أَظْهَر الْمُنَافِقُون نَفَاقَهُم لَقَتَلَهُم النَّبِيّ ﷺ، وقاله الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن بن الْقَصّار، وَقَال قَتَادَة في تفسير



