— Bagian 7 · وَقَالَ تَعَالَى (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ … —
Bagian 7
وَقَالَ تَعَالَى (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيْ يُصَدِّقُ وَقَالَ ﷺ (أَنَا أَمَنَةٌ لِأصْحَابِي) فَهَذَا بِمَعْنَي الْمُؤْمِنِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْقُدُّوسُ وَمَعْنَاهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقَائِصِ الْمُطَهَّرُ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ وَسُمِّيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَمِنْهُ الْوَادِي الْمَقَدَّسِ وَرُوحُ الْقُدُسِ وَوَقَعَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ الْمَقْدِسُ أي
الْمُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ كما قال تَعَالَى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) أَوِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُتَنَزَّهُ بِاتَّبَاعِهِ عَنْهَا كما قال تعالى (ويزكيهم) وقال (ويخرجهم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور) أَوْ يكون مُقَدَّسًا بِمَعْنَي مُطَهّرًا مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَالْأَوْصَافِ الدَّنِيئَةِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْعَزِيزُ وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَنِعُ الْغَالِبُ أَو الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ أَو الْمُعِزُّ لِغَيْرِهِ وَقَالَ تَعَالَى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) أَي الامْتِنَاعُ وَجَلالَةُ الْقَدْرِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنّذَارَةِ فَقَالَ (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ منه ورضوان) وقال (أن الله يبشرك بيحيى * وبكلمة منه) وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُبَشَّرًا وَنَذِيرًا وَبشِيرًا أَيْ مُبَشَّرًا لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَنَذِيرًا لِأَهْلِ مَعْصِيتَهِ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ طه ويس وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمَا من أسْمَاءِ مُحَمَّد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ. (فصل) قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تَعَالَى وَهَا أَنَا أَذْكُرُ نُكْتَةً أُذَيِّلُ بِهَا هَذَا الْفَصْلِ وَأَخْتِمُ بِهَا هَذَا الْقِسْمَ وَأُزِيحُ الْإِشْكَالَ بها فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ كُلِّ ضَعِيفِ الْوَهْمِ سَقِيمِ الْفَهْمِ تخلصه من مَهَاوِي التَّشْبِيهِ وَتُزَحزحُهُ عَنْ شُبَهِ التَّمْويهِ وَهُوَ أنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَلَّ اسْمُهُ
هْمِ سَقِيمِ الْفَهْمِ تخلصه من مَهَاوِي التَّشْبِيهِ وَتُزَحزحُهُ عَنْ شُبَهِ التَّمْويهِ وَهُوَ أنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَلَّ اسْمُهُ
فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَحُسْنَى أَسْمَائِهِ وَعَلَيّ صِفَاتِهِ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا من مَخْلُوقَاتِهِ وَلَا يُشَبَّهُ بِهِ وَأنَّ مَا جَاءَ مِمَّا أَطْلَقَهُ الشَّرْعُ عَلَى الْخَالِقِ وَعَلَى الْمَخْلُوقِ فَلَا تَشَابُهَ بَيْنَهُمَا فِي المَعْنَي الْحَقِيقِيّ: إِذْ صِفَاتُ الْقَدِيم بِخِلافِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ فَكَمِا أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى لَا تُشْبِهُ الذَّواتِ كَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ إِذْ صِفَاتُهُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْأعْرَاض والأغراض وَهُوَ تَعَالَى مُنزَّه عَنْ ذَلِكَ بَلْ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَكَفَى فِي هَذَا قَوْلُهُ (ليس كمثله شئ) ولله دَرُّ من قَالَ مِنَ الْعُلَمَاء وَالْعَارفِينَ المحققين: التَّوْحِيدُ إثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبهةٍ لِلذَّواتِ وَلَا مُعَطَّلَة عَنِ الصّفَاتِ، وَزَادَ هَذِهِ النُّكْتَةَ الوَاسِطيُّ ﵀ بَيَانًا وَهِيَ مَقْصُودُنا فَقَالَ لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ وَلَا كَاسْمِهِ اسمٌ ولا كفعله فعل وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ إلا من جهَةِ مُوافَقَةِ اللفظ اللَّفْظِ وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ كَمَا اسْتَحَالَ أنْ تَكُونَ لِلذّاتِ الْمُحْدثَةِ صِفَةٌ قَديمَةٌ وَهَذَا كلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلُ الْحَقّ والسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ﵃ وَقَدْ فَسَّرَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ ﵀ قَوْلَهُ هَذَا لِيَزِيدَهُ بَيَانًا فَقَالَ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوامِعِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَكَيْفَ
ْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ ﵀ قَوْلَهُ هَذَا لِيَزِيدَهُ بَيَانًا فَقَالَ: هَذِهِ الْحِكَايَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوامِعِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَكَيْفَ
تُشْبِهُ ذاتُهُ ذَاتَ الْمُحْدَثَاتِ وَهِيَ بِوُجُودِهَا مُسْتَغْنِيةٌ وكِيف يُشْبِهُ فِعْلُهُ فِعْلَ الْخَلْقِ وَهُوَ لِغَيْرِ جَلْبِ أُنْسٍ أَوْ دَفْعِ نَقْصٍ حَصَلَ وَلَا بِخَوَاطِر وَأَغْرَاضٍ وُجِدَ وَلَا بِمُبَاشرَةٍ وَمُعَالَجَةٍ ظَهَرَ وَفِعْلُ الْخَلْقِ لَا يَخُرُجُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَالَ آخرُ من مَشَايِخنَا: مَا تَوَهَّمْتُمُوهُ بِأَوْهَامِكِمْ أَوْ أَدْرَكْتُمُوهُ بِعُقُولِكِمْ فَهُوَ مُحْدَثٌ مِثْلُكُمْ، وَقَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي: الْجُوَيْنيُّ: مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ انتَهَى إِليْهِ فِكْرُهُ فَهُوَ مُشَبّهٌ وَمن اطْمأَنَّ إِلَى النَّفْي الْمَحْضِ فَهُوَ مُعطّلٌ وَإنْ قَطَعَ بِمَوْجُودٍ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ دَرْكِ حَقِيقَتِهِ فَهُوَ مَوحَّدٌ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ذي النُّونِ الْمِصْرِيّ: حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ أنْ تَعْلَم أَنَّ قَدْرَةَ اللَّه تَعَالَى فِي الأشْيَاءِ بِلَا عِلَاجٍ وَصُنْعُهُ لَهَا بِلَا مِزَاجٍ وَعِلَّةُ كل شئ صُنْعُهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ وَمَا تُصُوِّرَ فِي وَهْمِكَ فالله بِخِلافِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ نَفِيسٌ مُحَقَّقٌ الفصل الآخَرُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ (ليس كمثله شئ) وَالثَّانِي تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) وَالثَّالِثُ تفسير لِقَوْلِهِ (إنما قولنا لشئ إذا أردناه
أَنْ نَقُولَ لَهُ كن فيكون) ثَبَّتَنَا اللَّه وَإيَّاكَ عَلَى التَّوْحِيدِ والإثبات وَالتَّنْزِيهِ وَجَنَّبَنا طَرَفي الضَّلالَةِ وَالْغَوَايَةِ مِن التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ بمنه وَرَحْمِتِهِ.
الْبَابِ الرابع ففيما أظهره اللَّه تَعَالَى عَلَى يديه مِنَ المعجزات وشرفه بِهِ مِنَ الخصائص والكرامات
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ: حَسْبُ الْمُتَأَمّلِ أَنَّ يُحَقّقَ أَنَّ كِتَابَنَا هَذَا لَمْ نَجَْمعهُ لِمُنْكِرِ نُبُوَّةِ نَبِيّنَا ﷺ وَلَا لِطَاعِنٍ فِي مُعْجزَاتِهِ فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْبِ الْبَرَاهِينِ عَلَيْهَا وَتَحْصِينِ حَوْزَتِهَا حَتَّى لَا يَتَوَصَّلَ الْمُطَاعِنُ إِلَيْهَا وتذكر شُرُوطَ الْمُعْجِزِ وَالتَّحَدّي وَحْدَهُ وَفسَادَ قَوْلِ من أَبْطَلَ نَسْخَ الشَّرَائِعِ وَرَدَّهُ، بَلْ أَلَّفْنَاهُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ الْمُلبّينَ لِدَعْوَتِهِ الْمُصَدّقِينَ لنُبُوَّتِهِ لِيَكُونَ تَأكِيدًا فِي مَحَبَّتِهِمْ لَهُ ومنماة لأعمالهم وليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ، وَنِيَّتُنَا أنْ نُثْبِتَ في هذا الباب أمهات معجزاته ومشاهير آياته لتدل على عظيم قدره عند ربه وأتينا مِنْهَا بِالْمُحَقَّقِ وَالصَّحِيحِ الْإِسْنَادِ وَأَكْثَرُهُ مِمَّا بَلَغَ الْقَطْعَ أَوْ كَادَ وَأَضَفْنَا إِلَيْهَا بَعْضُ مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الأئِمّةِ، وَإذَا تَأمَّلَ الْمُتَأَمّلُ
أَكْثَرُهُ مِمَّا بَلَغَ الْقَطْعَ أَوْ كَادَ وَأَضَفْنَا إِلَيْهَا بَعْضُ مَا وَقَعَ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الأئِمّةِ، وَإذَا تَأمَّلَ الْمُتَأَمّلُ
الْمُنْصِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ من جَمِيلِ أَثَرهِ وَحَمِيدِ سِيَرِهِ وَبَرَاعَةِ عِلْمِهِ وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ وَحِلْمِهِ وَجُمْلَةِ كَمَالِهِ وَجَمِيع خِصَالِهِ وَشَاهِد حَالِهِ وَصَوابِ مَقَالِهِ لَمْ يَمْتَرِ فِي صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصدْقِ دَعْوَتِهِ وَقَدْ كَفَى هَذَا غَيْرَ وَاحِدٍ فِي إسْلامِهِ وَالْإِيمَان بِهِ فَرَوَيْنَا عَنِ التَرْمِذيّ وَابْنِ قَانِع وَغَيْرِهِمَا بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ عَبُدَ اللَّه بن سَلَام قَالَ لَمّا قدم رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ لِأَنْظُرَ إليْهِ فَلَمّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ﵀ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن الصَّيْرَفيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ عَنْ أَبِي يَعْلَى الْبَغْدَادِيِّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ التَرْمِذِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبُدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ زُرَارَةَ ابن أَوْفَى عَنْ عَبُدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ الْحَدِيثَ، وَعَنْ أَبِي رَمْثَةَ التَّيْمِيِّ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنٌ لِي فَأُرِيتُهُ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ ضِمَادًا لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ له النبي ﷺ: أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا
ِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ ضِمَادًا لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ له النبي ﷺ: أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا
مُضِلَّ لَهُ وَمِنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ لَهُ أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤْلَاءِ فَلَقَدْ بلغان قاموسي الْبَحْرِ هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ) وَقَالَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ طَارِقٌ فَأخْبَرَ أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ هل معكم شئ تييعونه قُلْنَا هَذَا الْبَعِيرُ قَالَ بِكَمْ قُلْنَا بِكَذَا وَكَذَا وَسْقًَا مِنْ تَمْرٍ فَأخَذَ بِخِطَامِهِ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُلْنَا بِعْنَا مِنْ رَجُلٍ لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ فَقَالَتْ أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ الْبَعِيرِ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَخِيسُ بِكُمْ فَأَصْبَحْنَا فَجَاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ هَذَا التَّمْرِ وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا فَفَعَلْنَا، وَفِي خَبَرِ الْجُلَنْدَى مَلِكُ عُمَانَ لَمّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ
التَّمْرِ وَتَكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا فَفَعَلْنَا، وَفِي خَبَرِ الْجُلَنْدَى مَلِكُ عُمَانَ لَمّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام قَالَ الْجُلَنْدَى وَاللَّهِ لَقَدْ دَلَّني عَلَى هَذَا النَّبِيّ الْأُمّيّ أنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إلَّا كَانَ أَوَّلَ آخِذٍ بِهِ وَلَا ينهى عن شئ إلَّا كَانَ أَوَّلَ تَاركٍ لَهُ وَأنَّهُ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ وَيُغْلَبُ فَلَا يَضْجَرُ وَيَفِي بِالْعَهْدِ وَيُنْجِزُ الْمَوْعُودَ وَأَشْهَدُ أنَّهُ نَبِيّ وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ في قوله تعالى (يكاد زيتها يضئ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نار) هَذَا مَثْلٌ ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيَّهِ ﷺ يَقُولُ يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَإنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيّنَةٌ * لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ وَقَدْ آنَ أنْ نَأْخُذَ فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْي وَالرَّسَالَةِ وَبَعْدَهُ فِي مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ بُرْهَانٍ وَدلَالَةٍ.
وَقَدْ آنَ أنْ نَأْخُذَ فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْي وَالرَّسَالَةِ وَبَعْدَهُ فِي مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ بُرْهَانٍ وَدلَالَةٍ. (فصل) اعْلَمْ أَنَّ اللَّه جَلَّ اسْمُهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَالْعِلْمِ بِذَاتِهِ وَأسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وجيمع تَكْلِيفَاتِهِ ابْتَدَاءً دُونَ وَاسِطَةٍ لَوْ شَاءَ كَمَا حُكِيَ عَنْ سُنَّتِهِ فِي بَعْضُ الأنبياء وذكر بَعْضُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا) وَجَائِزٌ أنْ يُوصِلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ تُبَلّغُهُمْ كَلَامَهُ وَتَكُونُ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ إِمَّا من غرى الْبَشَرِ كَالْمَلَائِكَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ من جِنْسِهِمْ كَالْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأُمَمِ وَلَا مَانِع لِهَذَا من دَلِيلِ الْعَقْلِ وَإذَا جَازَ هَذَا وَلَمْ يَسْتَحِلْ وَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِمْ من مُعْجِزَاتِهِمْ وَجَبَ نصديقهم فِي جَمِيعِ مَا أَتَوْا بِهِ لِأَنَّ الْمُعْجِزَ مَعَ التَّحَدّي مِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
قَائِمٌ مَقَام قَوْلِ اللَّه صَدَقَ عَبْدي فَأَطِيعُوهُ وَاتّبِعُوهُ وَشَاهِدٌ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَقُولُهُ وَهَذَا كَافٍ وَالتَّطْوِيلُ فِيهِ خَارجٌ عَنِ الْغَرضِ فَمَنْ أرَادَ تَتبُّعَهُ وَجَدَهُ مُسْتَوْفَى فِي مُصَنَّفَاتِ أَئِمَّتِنَا ﵏ فالنبوة في لعة من همز مأخودة مِنَ النَّبإِ وَهُوَ الْخَبَرُ وَقَدْ لَا يُهْمَزُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَسْهِيلًا وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه تعالى أَطْلَعَهُ عَلَى غَيْبِهِ وأسلمه أنَّهُ نَبِيُّهُ فَيَكُونُ نَبِيّ مُنَبَّأ فَعِيلٌ بِمَعْنَي مَفْعُولٍ أَوْ يَكُونُ مُخْبِرًا عَمَّا بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ وَمُنَبّئًا بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَيْهِ فَعِيلٌ بِمَعْنَي فَاعِلٍ ويَكُونُ عِنْدَ من لَمْ يَهْمزْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ رُتْبَةً شَرِيفَةً وَمَكَانَةً نَبِيهَةً عِنْدَ مَوْلَاهُ منيفة قالو صفان فِي حَقَّهِ مُؤْتَلِفَانِ وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ الْمُرْسَلُ وَلَمْ يَأْتِ فَعُولٌ بِمَعْنَي مُفْعَلٍ فِي اللُّغَةِ إلَّا نَادِرًا وَإرْسَالُهُ أمْرُ اللَّه لَهُ بِالإِبْلاغِ إِلَى من أَرْسَلَهُ إليْهِ وَاشْتِقَاقهُ مِنَ التَّتَابعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ جاء النَّاسُ أَرْسَالًا إذَا تَبعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَأَنَّهُ أُلْزِمَ تَكرِيرَ التَّبْلِيغ أَوْ أُلْزِمتِ الْأُمَّةُ اتّبَاعَهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَل النَّبِيّ والرسول بِمَعْنَي أَوْ بِمَعْنَيَيْنِ فَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَأَصْلُهُ مِنَ الْإِنْبَاءِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نبى) فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمَا الْإِرْسَالَ مَعًا،
َ الْإِعْلَامُ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نبى) فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمَا الْإِرْسَالَ مَعًا، قَالَ وَلَا يَكُونُ النَّبِيُّ إِلَّا رَسُولًا وَلَا الرَّسُولُ إلَّا نَبِيًّا وَقِيلَ هُمَا مُفْتَرِّقَانِ من وَجْهٍ إِذْ قَد اجْتَمَعَا فِي النُّبُوَّةِ التي هِيَ الإطْلاعُ عَلَى الْغَيْبِ وَالْإِعْلَامُ بِخَوَاصّ النُّبُوَّةِ أَو الرّفْعَةِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَحَوْزِ دَرَجَتِهَا وَافْتَرَقَا فِي زِيادَةِ الرِّسَالَةِ لِلرَّسُولِ وَهُوَ الْأَمْر بِالْإِنْذَارِ وَالْإِعْلَامِ
كَمَا قُلْنَا وَحُجَّتُهُمْ مِنَ الآيَة نَفْسِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الاسْمَينِ وَلَوْ كَانَا شَيْئًا وَاحِدًا لَمّا حَسُنَ تَكْرَارُهُمَا فِي الْكَلَام الْبَلِيغِ قَالُوا وَالْمَعْنَى وَمَا أَرْسَلْنَا من رَسُولٍ إِلَى أُمَّةٍ أَوْ نَبِيّ وَلَيْسَ بِمُرْسَلٍ إِلَى أَحَدٍ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ من جَاءَ بِشَرْع مُبْتَدإٍ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ غَيْر رَسُولٍ وإن أُمِرَ بِالْإِبْلَاغِ وَالْإِنْذَارِ وَالصَّحِيحِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيّ رَسُولًا وَأَوَّلُ الرُّسُلِ آدَمُ وآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ ﵁ أَنَّ الْأَنْبِيَاء مِائَة أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيّ وَذَكَرَ أَنَّ رسل منهم ثلثمائة وَثَلاثَةَ عَشَرَ أَوَّلُهُمْ آدَمُ ﵇، فَقَدْ بَانَ لَكَ مَعْنَي النُّبُوَّةِ وَالرّسَالَةِ وَلَيْسَتَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ذَاتًا لِلنَّبِيِّ وَلَا وَصْفَ ذَاتٍ خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّة فِي تَطْوِيلٍ لَهُمْ وَتَهْوِيلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ وَأَمَّا
الْمُحَقِّقِينَ ذَاتًا لِلنَّبِيِّ وَلَا وَصْفَ ذَاتٍ خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّة فِي تَطْوِيلٍ لَهُمْ وَتَهْوِيلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ وَأَمَّا
الْوَحْي فَأَصْلُهُ الْإِسْرَاعُ فَلَمّا كَانَ النَّبِيّ يَتَلَقَّى مَا يَأْتِيِهِ من رَبّه بِعَجَلٍ سُمّيَ وَحْيًا وَسُمّيَتْ أَنْوَاعُ الْإلْهَامَاتِ وَحْيًا تَشْبِيهًا بِالْوَحْي إِلَى النَّبِيّ وَسُمّيَ الْخَطُّ وَحْيًا لِسُرْعَةِ حَركَةِ يَدِ كَاتِبِه وَوَحْيُ الْحَاجِبِ وَاللَّحْظُ سُرْعَةُ إشراتهما وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) أَيْ أَوْمَأ وَرَمَزَ وَقِيلَ كَتَبَ وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ الْوَحَا الْوَحَا أي السرعة السُّرْعَةَ وَقِيلَ أَصْلُ الْوَحْي السّرُّ والْإِخْفَاءُ وَمِنْهُ سُمّي الْإِلْهَامُ وَحْيًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) أَيْ يُوَسْوِسُونَ فِي صُدُورِهِمْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ موسى) أي أُلْقِيَ فِي قَلْبِهَا وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا) أَيْ مَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ. (فصل) اعلم أَنَّ مَعْنَي تَسْمِيَتِنَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مُعْجِزَةً هُوَ أَنَّ الْخَلْقَ عَجَزُوا عَنِ الْإتْيَانِ بِمِثْلِهَا وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ هُوَ من نَوْعِ قُدْرَةِ الْبَشَرِ فَعَجَزُوا عَنْهُ فَتَعْجِيزُهُمْ عَنْهُ فِعْلٌ لله دَلَّ عَلَى صِدْق نَبِيّه كَصَرْفِهِمْ عَنْ تَمَنّي الْمَوتِ وَتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيَانِ بِمِثْلِ القرآن
عَلَى رَأْي بَعْضِهِمْ وَنَحْوِهِ وَضَرْبٌ هُوَ خَارِجٌ عَنْ قُدْرِتِهْم فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإتْيَانِ بِمْثِلِهِ كَإحْيَاءِ الْمَوتَى وَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً وَإِخْرَاج نَاقَةٍ من صَخْرَةٍ وَكَلَامِ شَجَرَةٍ وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنَ الْأَصَابعِ وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَحَدٌ إلَّا اللَّه فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ النَّبِيّ ﷺ من فِعْلِ اللَّه تَعَالَى وَتَحَدِّيِهِ من يُكَذِّبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ تَعْجِيزٌ لَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَاتِ التي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ نَبِيِّنَا ﷺ وَدَلَائِلَ نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينَ صِدْقِهِ من هَذَيْنِ النَّوْعَيْنَ مَعًا وَهُوَ أَكْثَرُ الرُّسُلِ مُعْجِزَةً وَأَبْهَرُهُمْ آيَةً وَأَظْهَرُهُمْ بُرْهَانًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَهِيَ فِي كَثْرَتِهَا لَا يُحِيطُ بِهَا ضَبْطٌ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهَا وَهُوَ الْقُرْآنُِ لَا يُحْصَى عَدَدُ مُعْجِزَاتِهِ بِأَلْفٍ وَلَا أَلْفَيْنِ وَلَا أَكْثَرَ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَدْ تَحَدَّى بِسُورَةٍ مِنْهُ فَعُجِزَ عَنْهَا، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَقْصَرُ السُّوَرِ (إِنَّا أعطيناك الكوثر) فَكُلُّ آيَةٍ أَوْ آيَاتٍ مِنْهُ بعددها وَقَدْرِهَا مُعْجِزَةٌ ثُمَّ فِيهَا نَفْسِهَا مُعْجِزَاتٌ عَلَى مَا سَنُفَصّلُهُ فِيمَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ثُمَّ مُعْجِزاتُهُ ﷺ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مِنْهَا عُلِمَ قَطْعًا وَنُقِلَ إِلَيْنَا متواتر كَالْقُرْآنِ فَلَا مِرْيَةَ ولا خلاف بمجئ النَّبِيّ بِهِ وَظُهُورِهِ من قِبَلِهِ وَاسْتِدَلَالِهِ بِحُجَّتِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ هَذَا مُعَانِدٌ جَاحِدٌ فَهُوَ كَإِنْكَارِهِ وُجُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا جَاءَ اعْتِرَاضُ الْجَاحِدِين فِي الْحُجَّةِ بِهِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ وَجَمِيع ما تَضَمَّنَهُ من مُعْجِزٍ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَوَجْهُ إِعْجَازِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَنَظَرًا كَمَا سَنَشْرَحُهُ، قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا (*)
ما تَضَمَّنَهُ من مُعْجِزٍ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَوَجْهُ إِعْجَازِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَنَظَرًا كَمَا سَنَشْرَحُهُ، قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا (*)
وَيَجَرِي هَذَا الْمَجْرَى عَلَى الْجُمْلَةِ أنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَى يَدَيْهِ ﷺ آيَاتٌ وَخَوارِقُ عَادَاتٍ إنْ لم يبلغا وَاحِدٌ مِنْهَا مُعَيَّنًا الْقَطْعَ فَيَبْلُغُهَا جَمِيعُهَا فَلَا مِرْيَةَ فِي جَرَيانِ مَعَانِيهَا عَلَى يَدْيهِ وَلَا يَخْتَلِفُ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ أنَّهُ جَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ عَجَائِبُ وَإِنَّمَا خِلَافُ الْمُعَانِدِ فِي كَوْنِهَا من قِبَلِ اللَّه وَقَدْ قَدَّمْنَا كَوْنَهَا من قِبَلِ اللَّه وَأَنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ صَدَقْتَ فَقَدْ عُلِمَ وَقُوعُ مِثْلِ هَذَا أيْضًا من نَبِيّنَا ضَرُورَةً لا نفاق مَعَانِيهَا كَمَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً جُودُ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةُ عَنْتَرَةَ وَحِلْمُ أحنف لاتِّفَاقِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى كَرَمِ هَذَا وَشَجَاعَةِ هَذَا وَحِلْمِ هَذَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ خَبَرٍ بِنَفْسِهِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَلَا يُقْطَعُ بَصِحَّتِهِ وَالْقِسْمُ الثاني مَا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الضَّرُورَةِ وَالْقَطْعِ وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ مُشْتَهِرٌ مُنْتَشِرٌ رَوَاهُ الْعَدَدُ وَشَاعَ الْخبَرُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَدّثِينَ وَالرُّوَاةِ وَنَقَلَةِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ كَنَبْعِ الْمَاءِ من بَيْنَ الْأَصَابعِ وَتَكِثيرِ الطَّعَامِ وَنَوْعٌ مِنْهُ اخْتَصَّ بِهِ الْوَاحِدُ وَالاثْنَانِ وَرَوَاهُ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ وَلَمْ يَْشتَهِرِ اشْتِهَارَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ إذَا جُمِعَ إِلَى مِثْلِهِ اتْفَقَا فِي الْمَعْنَى وَاجْتَمَعَا عَلَى الْإِتْيَانِ بالمعجز
لْيَسِيرُ وَلَمْ يَْشتَهِرِ اشْتِهَارَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ إذَا جُمِعَ إِلَى مِثْلِهِ اتْفَقَا فِي الْمَعْنَى وَاجْتَمَعَا عَلَى الْإِتْيَانِ بالمعجز
كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَأَنَا أَقُولُ صَدْعًا بِالْحَقّ إنَّ كَثِيرًا من هَذِهِ الآيَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ ﷺ مَعْلُومَةٌ بِالْقَطْعِ أَمَّا انشقاق القمر قالقرآن نص بوقوعه وأحبر عَنْ وُجُودِهِ وَلَا يُعْدَلُ عَنْ ظَاهِرٍ إلَّا بِدَلِيلٍ وَجَاءَ برَفْعِ احْتِمَالِهِ صَحِيحُ الْأَخْبَارِ من طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَلَا يُوهِنُ عزمنا خلاف أحرق مُنحَلَّ عُرَى الدّينِ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى سَخَافَةِ مُبْتَدِعٍ يُلْقِي الشَّكّ عَلَى قُلُوبِ ضعفاء للمؤمنين بَلْ نُرْغِمُ بَهَذَا أنفه ونئبذ بِالْعَراءِ سُخْفَهُ وَكَذَلِكَ قِصَّةُ نَبْعِ الماء ونكثير الطَّعَامِ رَوَاهَا الثَّقَاتُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ عَنِ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ ومنها مَا رَوَاهُ الْكَافّةُ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَمَّنْ حَدَّثَ بِهَا من جُمِلَةِ الصَّحَابَةِ وَأَخْيَارِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَوْطِنِ اجْتَماعِ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ فِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَفِي غَزْوَةِ بُوَاطٍ وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ وأمثالها من
مَحَافِلِ الْمُسْلِمِينَ وَمَجْمعِ الْعَسَاكِرِ وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَد مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَةٌ لِلرَّاوِي فِيمَا حَكَاهُ وَلَا إِنْكَارٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رَأوْهُ، كَمَا رَوَاهُ فَسُكُوتُ السَّاكِتِ مِنْهُمْ كَنُطْقِ، النَّاطِقِ، إِذْ هُمُ الْمُنَزَّهُونَ عَنِ السَّكُوتِ عَلَى بَاطِلٍ وَالمُدَاهَنَةِ فِي كَذِبٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ رَغْبَةٌ وَلَا رَهْبَةٌ تَمْنَعُهُمْ وَلَوْ كَانَ مَا سَمِعُوهُ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ وغير مَعْرُوفٍ لَدَيْهِمْ لأنْكَرُوهُ كَمَا أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعَضٍ أَشْيَاءَ رَوَاهَا مِنَ السُّنَنِ وَالسّيَر وَحُرُوفِ الْقُرْآنِ وخطأ بعضهم بعضا وَوَهَّمَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّا هو مَعْلُومٌ فهذا النَّوْعُ كَلُّهُ يُلْحَقُ بِالْقَطْعِيّ من مُعْجِزَاتِهِ لما بَيَّنَّاهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ أَمْثَالَ الْأَخْبَارِ التي لَا أَصْلَ لَهَا وَبُنِيَتْ على باطل لابد مَعَ مُرُورِ الْأَزْمَانِ وَتَداوُلِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْبَحْثِ مِنَ انْكِشَافِ ضَعْفِهَا وَخُمُولِ ذِكْرِهَا كَمَا يُشَاهَدُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الكَاذِبَةِ وَالْأَرَاجِيفِ الطَّارئة وَأَعْلَامُ نَبِيِّنَا ﷺ هَذِهِ الْوَارِدَةُ من طَرِيقِ الآحَادِ لَا تَزْدَادُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَانِ إلَّا ظُهُورًا ومع تَدَاوُلِ الفِرقِ وَكَثْرَةِ طَعْنِ الْعَدُوّ وَحِرْصِهِ عَلَى تَوْهِينِهَا وَتَضْعِيفِ أَصْلِهَا وَإِجْهَادِ الْمُلْحِدِ عَلَى إِطْفَاءِ نُورِهَا إلَّا قُوَّةً وَقَبُولًا وَلَا لِلطَّاعِنِ عَلَيْهَا إلَّا حَسْرَةً وَغَلِيلًا وَكَذَلِكَ إِخْبَارُهُ عَنِ الْغُيُوبِ وَإِنْبَاؤُهُ بِمَا يَكُونُ وَكَانَ، مَعْلُومٌ من آيَاتِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِالضَّرُورَةِ وَهَذَا حَقٌّ لَا غِطَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ من أَئِمَتِنَا الْقَاضِي وَالأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا ﵏ وَمَا عِنْدِي أَوْجَبَ قَوْلَ القائل.
قٌّ لَا غِطَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ بِهِ من أَئِمَتِنَا الْقَاضِي وَالأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا ﵏ وَمَا عِنْدِي أَوْجَبَ قَوْلَ القائل.
إن هَذِهِ الْقِصَصَ الْمَشْهُورَةَ من بَابِ خَبَرِ الْوَاحِدٍ إلَّا قِلَّةُ مُطَالَعَتِهِ للأَخْبَارِ وَرِوَايَتِهَا وَشُغْلُهُ بغير ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِفِ وَإِلَّا فَمَنِ اعْتَنَى بِطُرُقِ النَّقْل وَطَالعَ الْأَحَادِيثَ وَالسّيرَ لَمْ يَرْتَبْ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَصِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ عِنْدَ وَاحِدٍ وَلَا يَحْصُلُ عِنْدَ آخَرَ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ بِالْخَبَرِ كَوْنَ بَغْدَادَ مَوْجُودَةً وَأنَّهَا مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ وَدارٌ الْإِمَامَةِ وَالْخِلافَةِ وآخاد مِنَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ اسْمَهَا فَضْلًا عَنْ وَصْفِهَا وَهَكَذَا يَعْلَمُ الْفُقَهَاءُ من أَصْحَابِ مَالِكٍ بِالضَّرُورَةِ وَتَواتُرِ النَّقْلِ عَنْهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ إِيجَابُ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ لِلْمُنْفَردِ وَالْإِمَام وإجزاء السية فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ من رَمَضَانَ عَمَّا سِوَاهُ وأن الشعافعى يَرَى تَجْدِيدَ النّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَالاقْتِصَارَ فِي الْمَسْحِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ وَأَنَّ مَذْهَبَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ بِالمُحَدَّدِ وَغَيْرِهِ وَإِيجَابُ النّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَاشْتِرَاطُ الْوَلِيّ فِي النّكَاحِ وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يخَالِفُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَلَا رَوَى أَقْوَالَهُمْ لَا يَعْرِفُ هَذَا من مَذَاهِبِهِمْ فضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ وَعِنْدَ ذِكْرِنَا آحَادَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ نَزِيدُ الْكَلَامَ فِيهَا ببانا إن شاء الله تعالى.
ِفُ هَذَا من مَذَاهِبِهِمْ فضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ وَعِنْدَ ذِكْرِنَا آحَادَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ نَزِيدُ الْكَلَامَ فِيهَا ببانا إن شاء الله تعالى.
فصل فِي إعجاز الْقُرْآنِ اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّه وَإيَّاكَ أَنَّ كِتَابَ اللَّه الْعَزِيزِ مُنْطَوٍ عَلَى وُجُوهٍ مِنَ الْإِعْجَازِ كَثِيرَةٍ وَتَحْصِيلُهَا من جِهَةِ ضبط أواعها فِي أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أَوَّلُهَا حُسْنُ تَأْلِيفِهِ وَالتِئَامُ كَلِمِهِ وَفَصَاحَتُهُ وَوُجُوهُ إِيجَازِهِ وَبَلاغَتُهُ لخارقة عَادَةُ الْعَرَبِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَابَ هَذَا الشَّأْنِ وَفُرْسَانَ الْكَلَامِ قَدْ خُصُّوا مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْحِكَمِ مَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ وَأُوتُوا من ذَرَابَةِ اللّسَانِ مَا لَمْ يُؤْتَ إِنْسانٌ وَمِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ مَا يُقَيّد الْألبَابَ جَعَلَ اللَّه لَهُمْ ذَلِكَ طَبْعًا وَخِلْقَةً وفِيهِمْ غَرِيزَةً وَقُوَّةً يَأْتُونَ مِنْهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ بِالعَجَبِ وَيُدْلُونَ بِهِ إِلَى كُلِّ سَبَبٍ فَيَخْطُبُونَ بَدِيهًا فِي الْمَقَامَاتِ وَشَدِيدِ الْخَطْبِ وَيَرْتَجِزُونَ بِهِ بَيْنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَيَمْدَحُونَ وَيَقْدَحُونَ وَيَتَوَسَّلُونَ وَيَتَوَصَّلُونَ وَيَرْفَعُونَ وَيَضَعُونَ فَيَأتُونَ من ذَلِكَ بِالسّحْرِ الْحَلَالِ وَيُطَوّقُونَ من أَوْصَافِهِمْ أَجْمَلَ من سِمْطِ اللّآل فَيَخْدَعُونَ الْألْبَابَ وَيُذَلّلُونَ الصّعَابَ وَيُذْهِبُونَ الْإِحَنَ ويهجون الدمن ويجرؤن الْجَبَانَ وَيَبْسُطُونَ يَدَ الجعد
البنان ويصيورن النَّاقِصَ كَامِلًا وَيَتْرُكُونَ النَّبيهَ خَامِلًا مِنْهُمُ الْبَدَويُّ ذُو اللَّفْظِ الجزل والقول المصل وَالْكَلَامِ الْفَخْمِ وَالطَّبْعِ الجَوْهِرِيّ وَالمَنْزَعِ القَوِيّ وَمِنْهُمُ الحصرى ذُو الْبَلَاغَةِ الْبَارِعَةِ والألفاظ الناطعة وَالْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ وَالطّبْعِ السَّهْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْقَوْلِ الْقَلِيلِ الْكُلْفَةِ الْكَثِيرِ الرَّوْنَقِ الرَّقِيقِ الْحَاشِيَةِ وَكِلَا الْبَابَيْنِ فَلَهُمَا فِي الْبَلَاغَةِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَالْقُوَّةُ الدَّامِغَةُ وَالْقِدْحُ الْفَالِجُ وَالْمَهْيَعُ النَّاهِجُ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الْكَلَامَ طَوْعُ مُرَادِهِمْ وَالْبَلَاغَةَ ملك فيادهم قَدْ حَوَوْا فُنُونَهَا واستنبطوا عيوبها وَدَخَلُوا من كُلِّ بَابٍ من أَبْوَابِهَا وَعَلَوْا صَرْحًا لِبُلُوغِ أَسْبَابِهَا فَقَالُوا فِي الْخَطِيرِ وَالْمَهِينِ وَتَفَنَّنُوا فِي الْغَثِّ وَالسَّمِينِ وَتَقَاوَلُوا فِي الْقُلّ وَالْكُثْرِ وَتَسَاجَلُوا فِي النظم والنثر
فَمَا رَاعَهُم إلَّا رَسُولٌ كَرِيمٌ بِكِتَابٍ عَزِيزٍ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
ْقُلّ وَالْكُثْرِ وَتَسَاجَلُوا فِي النظم والنثر
فَمَا رَاعَهُم إلَّا رَسُولٌ كَرِيمٌ بِكِتَابٍ عَزِيزٍ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حكيم حميد أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ وَفُصّلَتْ كَلِمَاتُهُ وَبَهَرَتْ بَلَاغَتُهُ الْعُقُولَ وَظَهَرَتْ فَصاحَتُهُ عَلَى كُلِّ مَقُولٍ وَتَظَافَرَ إِيجَازُهُ وَإِعْجَازُهُ وَتَظاهَرَتْ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ وَتَبَارَتْ فِي الْحُسْنِ مَطَالِعُهُ وَمَقَاطِعُهُ وَحَوْت كُلَّ الْبيَانِ جَوَامِعُهُ وَبَدَائِعُهُ وَاعْتَدَل مَعَ إِيجَازِهِ حُسْنُ نَظْمِهِ وَانْطَبَقَ عَلَى كَثْرَةِ فَوَائِدهِ مُخْتَارُ لَفْظِهِ وهمْ أَفْسَحُ مَا كَانُوا فِي هَذَا الْبَابِ مَجَالًا وَأَشْهَرُ فِي الْخَطَابَةِ رِجَالًا وَأَكْثَرُ فِي السَّجْعِ وَالشّعْرِ سِجَالًا وَأَوَسعُ فِي الْغَرِيبِ وَاللُّغَةِ مَقَالًا بِلُغَتِهِم التي بِهَا يَتَحَاورُونَ وَمَنَازِعِهِمُ التى عنها يتناضلون صَارِخًا بِهِمْ فِي كُلِّ حِينٍ وَمُقَرّعًا لَهُمْ بعضا وَعِشْرِينَ عَامًا عَلَى رؤس الْمَلأ أَجْمَعِينَ (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) إِلَى قَوْلِهِ (وَلَنْ تفعلوا) و (قل لئن اجتمع الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن) الآية و (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرَى
ْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن) الآية و (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتَرَى
أَسْهَلُ وَوَضْعُ الْبَاطِلِ وَالمُخْتَلقِ عَلَى الاخْتِيَارِ أَقْرَبُ وَاللَّفْظُ إِذَا تَبِعَ الْمَعْنَى الصَّحِيحَ كَانَ أَصْعَبَ وَلِهَذَا قِيلَ فُلانٌ يَكْتُبُ كما يُقَالُ لَهُ وفُلانٌ يَكْتُبُ كَمَا يُرِيدُ وَلِلأوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَضْلٌ وَبَيْنَهُمَا شَأْوٌ بَعِيدٌ فَلَمْ يَزَلْ يُقرّعُهُم ﷺ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ وَيُوَبّخُهُمْ غَايَةَ التَّوْبِيخِ وَيُسَفِّهُ أَحْلَامَهُمْ وَيَحُطُّ أَعْلَامَهُمْ وَيُشَتّتُ نِظَامَهُمْ وَيَذُمُّ آلِهَتَهُمْ وَإيَّاهُمْ وَيَسْتَبِيحُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَهُمْ فِي كُلِّ هَذَا نَاكِصُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مُحْجِمُونَ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ يُخَادِعُونَ أنْفُسَهُمْ بِالتَّشْغِيبِ بِالتَّكْذِيبِ وَالْإِغْرَاءِ بِالافْتِراءِ وَقَوْلِهِمْ: إنْ هَذَا إلَّا قَوْل الْبَشَرِ، إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤَثَرُ، وَسِحْرٌ مُسْتَمِرّ وَإِفْكٌ افْتَرَاهُ، وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. والمباهنة وَالرّضَى بِالدَّنِيئَةِ كَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وَفِي أكة مِمَّا تَدْعُونا إليْهِ وفى آداننا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْننَا وَبَيْنَكَ حِجَابٌ: وَلَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ. وَالادّعَاءُ مَعَ الْعَجْزِ بِقَوْلِهِمْ (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا) وقد قال لهم اللَّه (وَلَنْ تَفْعَلُوا) فَمَا فَعَلُوا وَلَا قَدَرُوا وَمَنْ تَعاطَى ذَلِكَ من سُخَفَائِهِمْ كَمُسَيْلِمة كَشَفَ عُوَارَهُ لِجَمِيعِهِمْ وَسَلَبَهُمُ اللَّه مَا أَلِفُوهُ من فَصِيحِ كَلامِهِمْ وَإِلَّا فَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَهْلِ المَيْزِ مِنْهُمْ أنَّهُ لَيْسَ من نَمَطِ فَصَاحَتِهِمْ وَلَا جِنْسِ بَلاغَتِهِمْ بَلْ وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وَأَتَوْا مُذْعنِينَ من بين مهتدى وبين مفتون
وَلَهَذَا لَمّا سَمِعَ الْوَلِيدُ بن الْمُغيرَةِ مِنَ النبي ﷺ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بالعدل والإحسان) الآيَةَ قَالَ والله إنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً وإن عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدقٌ وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ مَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فَسَجَدَ وَقَالَ سَجَدْتُ لِفَصَاحَتِهِ، وَسَمِعَ آخَرُ رَجُلًا يَقْرأُ (فَلَمَّا استيئسوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَابِ ﵁ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِقَائِم عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقّ فاسْتخْبَرَهُ فَأَعْلَمَهُ أنَّهُ من بَطَارِقَةِ الرُّوم مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا وَأنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا من أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً من كِتَابِكُمْ فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فِيهَا مَا أَنْزَلَ اللَّه على عيسى
َّهُ سَمِعَ رَجُلًا من أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً من كِتَابِكُمْ فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فِيهَا مَا أَنْزَلَ اللَّه على عيسى
ابن مَرْيَمَ من أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ (وَمَنْ يُطِعِ الله ورسوله ويحش الله ويتقه) الآية، وَحَكى الْأَصْمَعِيُّ أنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ فقام لَهَا: قَاتَلَكِ اللَّه مَا أَفْصَحَكِ؟ فَقَالَتْ أَوَ يُعَدُّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قول اللَّه تَعَالَى (وأوحينا إِلَى أُمِّ مُوسَى أن أرضعيه) الآيَةَ فَجَمَع فِي الآية وَاحِدةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَنَهْيَينِ وَخَبَرَيْنِ وَبِشَارَتَيْنِ فَهَذَا نَوْعٌ من إِعْجَازِهِ مُنْفَرِدٌ بَذَاتِهِ غَيْرِ مُضَافٍ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَكَونُ القرآن من قِبَلِ النَّبِيّ ﷺ وَأنَّهُ أتى بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ ﷺ مُتَحَدّيًا بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَعَجْزُ الْعَرَبِ عَن الإتْيَانِ بِهِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَكَوْنُهُ فِي فَصَاحِتِهِ خَارِقًا لِلْعَادَةِ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً لِلْعَالمِينَ بِالْفَصَاحَةِ وَوُجُوهِ الْبَلَاغَةِ وَسَبِيلُ من لَيْسَ من أَهْلِهَا عِلْمُ ذَلِكَ بِعَجْزِ الْمُنْكرِينَ من أَهْلِهَا عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَاعْتِرَافِ الْمُقِرّينَ بِإِعْجَازِ بَلاغَتِهِ وَأَنْتَ إذَا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياة) وَقَوْلُهُ (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مكان قريب) وَقَوْلُهُ (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حميم) وَقَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) الآية، وَقَوْلُهُ (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) الآيَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الآيِ بَلْ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ حَقَّقْتَ مَا بَيَّنْتُهُ من إِيجَازِ
بِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا) الآيَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الآيِ بَلْ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ حَقَّقْتَ مَا بَيَّنْتُهُ من إِيجَازِ
الْفَاظِهَا وَكَثْرَةِ مَعَانِيهَا وَدِيبَاجَةِ عِبَارَتِهَا وَحُسْنِ تَأْلِيفِ حُرُوفِهَا وَتَلاؤُمِ كَلِمهَا وَأَنَّ تَحْتَ كُلِّ لَفْظَةٍ مِنْهَا جُمَلًا كَثِيرةً وَفُصُولًا جَمَّةً وَعُلُومًا زَوَاخِرَ مُلِئَتِ الدَّوَاوينُ من بَعْضِ مَا اسْتُفِيدَ مِنْهَا وَكَثُرَتِ الْمَقَالاتُ فِي الْمُسْتَنْبَطَاتِ عَنْهَا ثُمَّ هُوَ فِي سَرْدِ الْقِصَصِ الطّوَالِ وَأَخْبَارِ الْقُرُونِ السَّوَالِفِ التي يَضْعفُ فِي عَادَةِ الْفُصَحَاءِ عِنْدَهَا الْكَلَامُ وَيَذْهَبُ مَاءُ الْبَيَانِ آيَةٌ لِمُتَأمّلِهِ من رَبْطِ الْكَلَامُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَالْتِئَامِ سَرْدِهِ وَتَنَاصُفِ وُجُوهِهِ كَقِصَّةِ يُوسُفَ عَلَى طُولِهَا ثُمَّ إذَا تَرَدَّدَتْ قِصَصُهُ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ عَنْهَا عَلَى كَثْرَةِ تَرَدُّدِهَا حَتَّى تَكَادَ كُلّ وَاحِدَةٍ تُنَسّي فِي الْبَيَانِ صَاحِبَتَهَا وَتَناصِفُ فِي الْحَسَنِ وَجْهَ مُقَابلَتِهَا وَلَا نُفُورَ لِلنُّفُوسِ من تَرْدِيدِهَا وَلَا مُعَادَاةَ لِمُعَادِهَا.
ّي فِي الْبَيَانِ صَاحِبَتَهَا وَتَناصِفُ فِي الْحَسَنِ وَجْهَ مُقَابلَتِهَا وَلَا نُفُورَ لِلنُّفُوسِ من تَرْدِيدِهَا وَلَا مُعَادَاةَ لِمُعَادِهَا. (فصل) الْوَجْهُ الثَّانِي من إِعْجَازِهِ صُورَةُ نَظْمِهِ العَجِيبِ وَالْأُسْلُوبُ الْغَرِيبُ الْمُخَالِفُ لِأَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَناهِج نَظْمِهَا وَنَثْرِهَا الَّذِي جَاءَ عَلَيْهِ وَوَقَفَتْ مَقَاطِعُ آيِهِ وَانْتَهَتْ فَوَاصِلُ كلمات إليْهِ وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ نَظِيرٌ لَهُ وَلَا اسْتطَاعَ أَحَدٌ مُمَاثَلَةَ شئ مِنْهُ بَلْ حَارَتْ فِيهِ عُقُولُهُمْ وَتَدلَّهَتْ دُونَهُ أَحْلامُهُمْ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى مِثْلِهِ فِي جِنْسِ كَلامِهِمْ من نَثْرٍ أَوْ نَظْمٍ أَوْ سَجْعٍ أَوْ رَجْزٍ أَوْ شِعْرٍ وَلَمَّا سمع كَلَامَهُ ﷺ الْوَلِيدُ بن الْمُغِيرَةِ وَقَرأ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ رَقَّ فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ مُنْكِرًا عَلَيْهِ قَالَ والله مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنّي والله مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا من هَذَا، وَفِي خَبَرِهِ الآخرِ حِينَ جَمَعَ قُرَيْشًا عند حضور
الْمَوْسِمِ وَقَالَ إنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَرِدُ فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا لَا يُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَقَالُوا نقول كَاهِنٌ قَالَ والله مَا هُوَ بِكَاهِن مَا هُوَ بِزَمْزَمَتِهِ وَلَا سَجْعِهِ قَالُوا مَجْنُونٌ قَالَ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ وَلَا بِخَنْقِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ قَالُوا فَنَقُول شَاعِرٌ قَالَ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ قَدْ عَرَفْنَا الشّعْرَ كُلَّهُ رَجْزَهُ وَهَزَجَهُ وَقَرِيضَهُ وَمَبْسُوطَهُ وَمَقْبُوضَهُ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ قَالُوا فَنَقُولُ سَاحِرٌ قَالَ مَا هُوَ بِسَاحِرِ وَلَا نَفْثِهِ وَلَا عَقْدِهِ قالوا: فما نقول قَالَ مَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ من هَذَا شَيْئًا إلَّا وَأَنَا أَعْرِفُ أنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ أنَّهُ سَاحِرٌ فَإنَّهُ سِحْرٌ يُفَرّق بَيْنَ الْمَرْءِ وابْنِهِ والمرء وأخيه وَالْمرْءِ وزَوْجِهِ وَالْمَرْءِ وعشيرته فتفرقوا وَجَلَسُوا عَلَى السُّبُل يُحَذّرُونَ النَّاسَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) الآيَاتِ وَقَالَ عُتَبَةُ بن رَبِيعَةَ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ: يَا قَوْم قَدْ عَلِمْتُمْ أني لَمْ أَتْرُكْ شَيْئًا إلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وقرأته وَقُلْتُهُ والله لَقَدْ سَمْعتُ قَوْلًا والله مَا سَمِعْتُ مِثلَهُ قَطُّ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا بِالسّحْرِ وَلَا بِالْكَهَانَةِ، وَقَالَ النَضْرُ بن الْحَارِثِ نَحْوَهُ وَفِي حَديثِ إسْلَامِ أبى ذر
ِعْتُ مِثلَهُ قَطُّ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا بِالسّحْرِ وَلَا بِالْكَهَانَةِ، وَقَالَ النَضْرُ بن الْحَارِثِ نَحْوَهُ وَفِي حَديثِ إسْلَامِ أبى ذر
وَوَصَفَ أَخَاهُ أُنيسًا فَقَالَ والله مَا سَمِعْتُ بِأَشْعَرَ من أَخِي أُنَيْسٍ لَقَدْ نَاقَضَ اثْنَي عَشَرَ شَاعِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أنا أحدهم وأنه انْطَلَقَ إِلَى مَكَّةَ وَجَاءَ إِلَى أَبِي ذَرّ بِخَبَرِ النَّبِيّ ﷺ قُلْتُ فما يَقُولُ النَّاسُ قَالَ يَقُولُون شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فما هُوَ بِقَوْلِهِمْ وَلَقَدْ وَضَعْتُهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشّعْر فلم يَلْتَئِمْ وَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانٍ أَحَدٍ بَعْدِي أنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ لَصَادِقٌ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ وَالْإِعْجازُ بِكُلّ وَاحِدٍ مِنَ النَّوْعَينْ الْإِيجَازُ وَالْبَلَاغَةُ بِذَاتِهَا وَالْأُسْلُوبُ الغَرِيبُ بِذَاتِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعُ إعْجَازٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لَمْ تَقْدِرِ الْعَرَبُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ خَارجٍ عَنْ قُدْرَتِهَا مُبَايِنٌ لِفَصَاحَتِهَا وَكَلَامِهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ من أَئِمَّةِ الْمُحَقّقِينَ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُقتَدَى بهم إِلَى أَنَّ الإعْجَازَ فِي مَجْمُوعِ البلاغَةِ وَالْأسْلُوبِ وَأتَى عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلٍ تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَالْعِلْمُ بِهَذَا كله ضرورة وقطعا وَمَنْ تَفَنَّنَ فِي عُلُومِ الْبَلَاغَةِ وَأرْهَفَ خَاطِرَهُ وَلِسَانَهُ أَدَبَ هَذِهِ الصّنَاعَةِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا قُلْنَا وَقَد اخْتَلَفَ أئمة أَهْلُ السُّنَّةِ فِي وَجْهِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ فَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ إنَّهُ مِمَّا جُمِعَ فِي قُوَّةٍ جَزالتِهِ وَنَصَاعَةِ ألْفَاظِهِ وَحُسْنِ نَظْمِهِ وإيجازه وبديع تأليفهم وَأُسْلُوبِهِ لَا يَصِحُّ أن يكون في
قُولُ إنَّهُ مِمَّا جُمِعَ فِي قُوَّةٍ جَزالتِهِ وَنَصَاعَةِ ألْفَاظِهِ وَحُسْنِ نَظْمِهِ وإيجازه وبديع تأليفهم وَأُسْلُوبِهِ لَا يَصِحُّ أن يكون في
مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَأنَّهُ من باب الْخَوَارِقِ الْمُمْتَنِعَةِ عَنْ أَقْدَارِ الْخَلْقِ عَلَيْهَا كَإحْيَاءِ الْمَوْتَى وَقَلْبِ الْعَصَا وَتَسبِيح الْحَصَا وَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إِلَى أنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِثْلُهُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَيُقدرُهُمُ اللَّه عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلَا يَكُونُ فَمَنَعَهُمُ اللَّه هَذَا وعَجّزَهُمْ عَنْهُ وَقَالَ بِهِ جَمَاعةٌ من أَصْحَابِهِ وَعَلَى الطّرِيقَيْنِ فَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنْهُ ثَابِتٌ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمُ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يكون فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَتَحَدّيهِمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ قَاطِعٌ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التّعْجِيزِ وَأَحْرَى بِالتَّقْرِيع والاحتاج بمجئ بشر مثلهم بشئ لَيْسَ من قُدْرَةٍ الْبَشَرِ لازِمٌ وَهُوَ أَبْهَرُ آيةٍ وَأَقْمَعُ دَلالَةٍ وعلى كُلِّ حَالٍ فما أتَوْا فِي ذَلِكَ بِمَقَالٍ بَلْ صَبَرُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَالْقَتْلِ وَتَجَرَّعُوا كَاسَاتِ الصَّغَارِ وَالُّذّل وَكانُوا من شُمُوخِ الْأَنْفِ وَإبَاءَةِ الضَّيْمِ بِحَيْثُ لَا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا وَلَا يَرْضَوْنَهُ إلَّا اضْطِرارًا وَإِلَّا فَالْمُعَارَضةُ لَوْ كَانَتْ من قُدَرِهِمْ وَالشُّغْلُ بِهَا أَهْوَنُ عَلَيْهِمُ وَأَسْرَعُ بِالنَّجْحِ وَقَطْعِ الْعُذْرِ وَإفْحَام الْخَصْمِ لَدَيْهِمْ وَهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَلَامِ وَقُدْوَةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ وَمَا مِنْهُمْ إلَّا من جَهَدَ جَهْدَه وَاسْتَنْفَذَ مَا عِنْدَهُ فِي إخْفَاءِ ظُهُورِهِ وَإِطْفَاءِ نوره فما جلا في ذلك خبيثة من بَنَاتِ شِفَاهِهِمْ وَلَا أَتَوْا بِنُطْفَةٍ من مُعِينِ مِيَاهِهِمْ *
مَعَ طُولِ الْأَمَدِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَتَظاهُرِ الْوَالِدِ وَمَا وَلَدَ بَلْ أَبْلَسُوا فما نَبَسُوا وَمُنِعُوا فَانْقَطَعُوا فَهَذانِ النَّوْعَانِ من إِعْجَازِهِ. (فصل) الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْإِعْجَازِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَمَا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَقَعْ فَوُجِدَ كَمَا وَرَدَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخْبَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) وقوله (ليظهره عليه الدين كله) وَقَوْلُهُ (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض) الآيَةَ وَقَوْلِهِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إِلَى آخِرهَا فَكَان جَمِيعُ هَذَا كَمَا قَالَ فَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسَ فِي بِضْع سِنِينَ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَام أفْوَاجًا فما مَاتَ ﷺ وَفِي بِلادِ الْعَرَبِ كُلّهَا مَوْضِعٌ لَمْ يَدْخُلْهُ الْإِسْلَام واسْتَخْلَفَ اللَّه الْمُؤْمِنينَ فِي الْأَرْضِ وَمَكَّنَ فِيهَا دِينَهُمْ وَمَلَّكَهُمْ إيّاهَا من أقصى المشار إِلَى أَقْصَى الْمَغَاربِ كَمَا قَالَ ﷺ ذويت لِيَ الْأَرْضُ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا روى لِي مِنْهَا وَقَوْلُهُ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون) لكان كَذَلِكَ لَا يَكَادُ يُعَدُّ من سَعَى فِي تَغْيِيرهِ وَتَبْدِيلِ مُحْكمِهِ مِنَ الْمُلْحِدَةِ وَالْمُعَطَّلَةِ لَا سِيَّمَا الْقَرَامِطَةُ فَأجْمَعُوا كَيْدَهُمْ وَحَوْلَهُمْ وَقُوَّتَهُمُ الْيَوْمَ نيفا
تَبْدِيلِ مُحْكمِهِ مِنَ الْمُلْحِدَةِ وَالْمُعَطَّلَةِ لَا سِيَّمَا الْقَرَامِطَةُ فَأجْمَعُوا كَيْدَهُمْ وَحَوْلَهُمْ وَقُوَّتَهُمُ الْيَوْمَ نيفا
على خمسمائة عام فَمَا قَدَرُوا على إطفاء شئ من نُورِهِ وَلَا تَغْيِيرِ كَلِمَةٍ من كَلامِهِ ولا تشكبك الْمُسْلِمينَ فِي حَرْفٍ من حُرُوفِهِ وَالْحَمْدُ لله منه قَوْلُهُ (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ، يولون الدبر) وَقَوْلُهُ (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بأيديكم) الآية وَقَوْلُهُ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) الآية وَقَوْلُهُ (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أذى إن يقاتلوكم) الآية فكان كُلُّ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ من كَشْفِ أَسْرَارَ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ وَمَقالِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فِي حَلِفِهِمْ وَتْقِريعِهِمْ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يعذبا الله مما نقول) وَقَوْلُهُ (يُخْفُونَ فِي أنفسهم مالا يبدون لك) لآية وَقَوْلُهُ (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) الآية، وَقَوْلُهُ (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ - إِلَى قَوْلِهِ - فِي الدِّينِ) وقد قال مبديا ما قدره اللَّه واعتقده المؤمنون يوم بدر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) وَلَمَّا نَزَلَتْ بَشَّرَ النَّبِيّ ﷺ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّ اللَّه كفَاهُ إيّاهُمْ وَكَانَ المستهزؤن نَفَرًا بِمَكَّةَ يُنَفّرُونَ النَّاسَ عَنْهُ وَيُؤْذُونَهُ فَهَلَكُوا، وَقَوْلُهُ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فكان كَذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ من رَامَ ضُرَّهُ وَقَصَدَ قَتْلَهُ وَالْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ صَحِيحَةٌ. (فصل) الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ من أَخْبَارِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ البَائِدَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةُ الْوَاحِدَةُ إِلَّا الْفَذُّ
الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ البَائِدَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةُ الْوَاحِدَةُ إِلَّا الْفَذُّ
من أخبار أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي قَطَعَ عُمُرَهُ فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ فَيُوردُهُ النَّبِيّ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ وَيَأتِي بِهِ عَلَى نَصّهِ فَيَعْتَرِفُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ بَصِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ وَأنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَنَلْهُ بِتَعْلِيمٍ وَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ ﷺ أُمّيّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَلَا اشْتَغَلَ بِمُدَارَسَةٍ وَلَا مُثَافَنَةٍ وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ وَلَا جَهِلَ حَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَثِيرًا مَا يَسْالُونَهُ ﷺ عَنْ هَذَا فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمُ مِنْهُ ذِكْرًا كَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ قَوْمِهِمْ وَخَبَر مُوسَى وَالْخِضْرِ ويوسف وإخوته
وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَلُقْمَانَ وَابْنِهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْبَاءِ وَبَدْءِ الْخَلْقِ وَمَا فِي التَّوْرَاةِ والْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِمَّا صَدَّقَهُ فِيهِ الْعُلمَاءُ بِهَا وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَكْذِيب مَا ذُكِرَ مِنْهَا بَلْ أَذْعَنُوا لِذَلِكَ فَمِنْ مُوَفَّقٍ آمَنَ بِمَا سَبَقَ لَهُ من خَيْرٍ وَمِنْ شَقِيٍّ مُعَانِدٍ حَاسِدٍ ومع هَذَا لَمْ يُحْكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عَلَى شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكذِيبهِ وَطُولِ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَتَقْريعِهِمْ بما انظوت عَلَيْهِ مَصَاحِفُهُمْ وَكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ لَهُ ﷺ وَتَعْنِيتِهِمْ إيَّاهُ عَنْ أَخْبَارِ أنْبِيَائِهمِ وَأسْرَارِ عُلُومِهِمْ وَمُسْتَودَعَاتِ سِيرِهِمْ وَإِعْلامِهِ لَهُمْ بِمَكْتُوم شَرَائِعِهمْ وَمُضَمَّنَاتِ كُتُبِهِمْ مِثْلُ سُؤالِهِمْ عَنَ الرُّوحِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَعِيسَى وَحُكْمِ الرَّجْم وَمَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِم مِنَ الأنْعَامِ وَمِنْ طَيَّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِم بَبَغْيِهِمْ وَقَوْلُهُ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل وَغَيْرُ ذَلِكَ من أُمُورِهِمُ التي نَزَلَ فِيهَا القرآن
لَيْهِم بَبَغْيِهِمْ وَقَوْلُهُ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل وَغَيْرُ ذَلِكَ من أُمُورِهِمُ التي نَزَلَ فِيهَا القرآن
فَأَجَابَهُمْ وَعَرَّفَهُمْ بِمَا أُوحِيَ إليْهِ من ذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ ذَلِكَ أَوْ كَذَّبَهُ بَلْ أَكْثُرُهُمْ صَرَّحَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِ مقالته واعترف بعاده وَحَسَدِهِ إيَّاهُ كَأَهْلِ بحران وَابنِ صُورِيَا وَابْنَيْ أَخْطَبَ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ بَاهَت فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُبَاهَتَةِ وَادَّعَى أَنَّ فِيمَا عِنْدَهُمْ من ذَلِكَ لِمَا حَكَاهُ مُخَالَفَةً دُعِيَ إِلَى إقَامَةِ حُجَّتِهِ وَكَشْفِ دَعْوَتِهِ فَقِيلَ لَهُ (قُلْ فَأْتُوا بالتوراة قاتلوها إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إِلَى قَوْلِهِ (الظَّالِمُونَ) فقرع وونخ ودعا إلى إحظار مُمْكِنٍ غَيْرِ مُمْتَنِعٍ فَمِنْ مُعْتَرِفٍ بِمَا جَحَدَهُ وَمُتَوَاقِحٍ يُلْقِي عَلَى فَضِيحَتِهِ من كِتَابِهِ يَدَهُ وَلَمْ يُؤْثَرْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ أظْهَرَ خِلَافَ قَوْلِهِ من كُتُبِهِ وَلَا أَبْدَى صَحِيحًا وَلَا سَقِيمًا من صُحُفِهِ قَالَ اللَّه تعالى (يا أهل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ويعفوا عن كثير) الآيَتَيْنِ. (فصل) هَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ من إِعْجَازِهِ بَيِّنَهٌ لَا نِزَاعَ فِيهَا وَلَا مِرْيَةَ وَمِنَ الْوُجُوهِ البيّنَةِ فِي إِعْجَازِهِ من غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ آيٌ وَرَدَتْ بِتَعْجِيزِ قَوْمٍ فِي قَضَايَا وَإِعْلَامِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَفَْعَلُونَهَا فَمَا فَعَلُوا وَلَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ لِلْيَهُودِ (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً) الآية قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجّاجُ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَعْظَمُ حَجَّةٍ وَأَظَهرُ دلالَةٍ عَلَى صِحَّةِ الرِّسالَةِ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ فَتَمَنَّوُا الموت وَأَعلَمَهُمْ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا فَلَمْ يَتَمَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
َمَنَّوُا الموت وَأَعلَمَهُمْ أَنَّهُمْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا فَلَمْ يَتَمَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ إلَّا غُصَّ بِرِيقِهِ يَعْنِي يَمُوتُ مَكَانهُ فَصَرَفَهُمُ اللَّه عَنْ تَمَنّيهِ وَجَزَّعَهُمْ لِيُظْهِرَ صِدْقَ رَسُولِهِ وَصِحَّةَ مَا أَوحِيَ إليْهِ إِذْ لَمْ يَتَمَنَّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَكَانُوا عَلَى تَكْذِيبِهِ أحْرَصَ لَوْ قَدَرُوا وَلَكِنِ اللَّه يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ فَظَهَرَتْ بذلك معجزته وَبَانَتْ حُجَّتُهُ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ من أَعْجَبِ أَمْرِهِمْ أنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا وَاحِدٌ من يَوْم أمر اللَّه بِذَلِكَ نَبِيَّهُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ ولا يجيب إليه وَهَذَا مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنَّ يَمْتَحِنَهُ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ آيَةُ الْمُبَاهَلَةِ من هَذَا الْمَعْنَى حَيْثُ وَفَدَ عَلَيْهِ أَسَاقِفَةُ نَجْرَانَ وَأَبَوُا الْإِسْلَام فَأنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ آيَةَ الْمُبَاهَلَةِ بِقَوْلِهِ (فَمَنْ حَاجَّكَ فيه) الآية قامتنعوا مِنْهَا وَرَضُوا بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَاقِبَ عَظِيمَهُمْ قَالَ لهم قد علمتهم أنَّهُ نَبِيّ وَأنَّهُ مالا عن قَوْمًا نَبِيّ قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا صَغِيرُهُمْ وَمِثلُهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) إِلَى قَوْلِهِ (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) فَأَخْبرَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَفَعْلُونَ كَمَا كَانَ وَهَذِهِ الآيَةُ أَدْخَلُ فِي بَابِ الإخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ وَلَكِنْ فِيهَا مِنَ التَّعْجِيزِ مَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. (فصل) وَمِنْهَا الرَّوْعَةُ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ سَامِعِيهِ وَأَسْمَاعَهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَالْهَيْبَةُ الَّتِي تَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِقُوَّةِ حَالِهِ وإنامة خطره وهى
عَلَى المُكَذِّبِينَ بِهِ أَعْظَمُ حَتَّى كَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَمَاعَهُ وَيَزِيدُهُمْ نُفُورًا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَيَودُّونَ انْقِطَاعَهُ لِكَرَاهَتِهِمْ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ إنَّ الْقُرْآنَ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ عَلَى من كَرِهَهُ وَهُوَ الْحَكَمُ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا تَزَالُ رَوْعَتُهُ بِهِ وَهَيْبَتُهُ إِيّاهُ مَعَ تِلاوَتِهِ تُولِيهِ انْجِذَابًا وَتَكْسِبُهُ هَشاشَةً لِمَيْلِ قَلْبِهِ إليه وَتَصْدِيقِهِ بِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله) وَقَالَ (لَوْ أَنْزَلْنَا هذا القرآن على جبل) الآية وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هذا شئ خص يه أنَّهُ يَعْتَرِي من لَا يَفْهَمُ مَعَانِيه وَلَا يَعْلَمُ تَفَاسِيرَهُ كَمَا رُوِيَ عَنْ نَصْرَانِيٍّ أنَّهُ مَرَّ بِقَارِئٍ فَوَقَفَ يَبْكِي فَقِيلَ لَهُ مِمَّ بَكَيْتَ قَالَ للشَّجَا وَالنَّظْمِ وَهَذِهِ الرَوْعَةُ قَد اعْتَرَتْ جَمَاعَةً قَبْلَ الْإِسْلَام وَبَعْدَهُ فَمِنْهُمْ من أَسْلَمَ لَهَا لَأوّل وَهْلَةٍ وَآمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ من كَفَرَ، فَحُكِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِم قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شئ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) إلى قوله (المصيطرون) كَادَ قَلْبِي أنْ يطِيرَ لِلِإسْلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي، وَعَنْ عُتْبَةَ بن رَبِيعَة أنَّهُ كَلَّمَ النَّبِيّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ من خِلَافَ قَوْمه فَتَلَا عَلَيْهِم (حم) فصلت إِلَى قوله (صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عاد وثمود) فَأَمْسَكَ عُتْبَةَ بِيَدِهِ عَلَى فِي النَّبِيّ ﷺ وناشده
لَافَ قَوْمه فَتَلَا عَلَيْهِم (حم) فصلت إِلَى قوله (صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عاد وثمود) فَأَمْسَكَ عُتْبَةَ بِيَدِهِ عَلَى فِي النَّبِيّ ﷺ وناشده
الرَّحِمَ أنْ يَكُفَّ وَفِي رِوَايَةٍ فَجَعَلَ النَّبِيّ ﷺ يَقْرَأُ وَعُتْبَةُ مُصْغٍ مُلْقٍ يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدٌ عَلَيْهَمَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَد النَّبِيّ ﷺ وَقَامَ عُتْبَةُ لَا يَدْرِي بم يُرَاجِعُهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوْهُ فَاعْتَذَرَ لَهُمْ وَقَالَ والله لقد كلمتي بِكَلَامٍ والله مَا سَمِعْتُ أذنايَ بِمِثْلِهِ قَطُّ فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ لَهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ رَامَ مُعَارَضتَهُ أنَّهُ اعْتَرتْهُ رَوْعَةٌ وَهَيْبَةٌ كَفَّ بِهَا عَنْ ذَلِكَ فَحُكِيَ أَنَّ ابن المُقَفَّعِ طَلَبَ ذَلِكَ وَرَامَهُ وَشَرَعَ فِيهِ فَمَرَّ بِصَبِيٍّ يَقْرَأُ (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) فرجع فمحى مَا عَمِلَ وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَا يُعَارَضُ وَمَا هُوَ من كَلَامِ الْبَشَرِ وَكَانَ من أَفصْحِ أَهْلِ وَقْتِهِ وَكَانَ يَحْيَى بن حَكَم الْغَزَالُ بَلِيغَ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَنِهِ فَحُكِيَ أنَّهُ رَامَ شَيْئًا من هَذَا فَنَظَرَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ليَحْذُوَ عَلَى مِثَالِهَا وَيَنْسُجَ بِزَعْمِهِ عَلَى مِنْوَالِهَا قَالَ فَاعْتَرَتْنِي مِنْهُ خَشْيَةٌ ورفة حَمَلَتْنِي عَلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَة. (فصل) وَمِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ الْمَعْدُودَةِ كَوْنُهُ آيَةً باقِيَةً لَا تُعْدَمُ مَا بَقِيتِ الدُّنْيَا مَعَ تَكَفُّلِ اللَّه تَعَالَى بِحِفْظِهِ فَقَالَ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وَقَالَ (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خلفه) الآيَةَ وَسَائِرُ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ انْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أوْقَاتِهَا فَلَمْ يَبْقَ إلا
هِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خلفه) الآيَةَ وَسَائِرُ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ انْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أوْقَاتِهَا فَلَمْ يَبْقَ إلا
خَبَرُهَا وَالْقُرْآنُ الْعَزِيزُ البَاهِرَةُ آيَاتُهُ الظَّاهِرَةُ مُعْجِزَاتُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مدة خمسمائة عام وَخَمْسٍ وَثَلاثِينَ سنة لَأوّل نُزُولِهِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا حُجَّتُهُ قَاهِرَةٌ وَمُعَارَضَتُهُ ممتنعة الأعصار كُلّها طَافِحَةٌ بِأَهْلِ الْبَيَانِ وَحَملّةِ عِلْمِ اللّسَانِ وَأَئِمَّةِ الْبَلَاغَةِ وَفُرْسَانِ الْكَلَامِ وَجَهَابِذَةِ الْبَرَاعَةِ وَالْمُلْحِدُ فِيهِمْ كثير والمعادى للشرح عَتِيدٌ فَمَا مِنْهُمْ من أتى بشئ يوثر فِي مُعَارَضَتِهِ وَلَا أَلَّفَ كَلِمَتَيْنِ فِي مُنَاقَضَتِهِ وَلَا قَدَر فِيهِ عَلَى مَطْعَنٍ صَحِيحٍ وَلَا قَدَحَ الْمُتَكَلّفُ من ذِهْنِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِزَنْدٍ شَحِيحٍ بَل الْمَأْثُورُ عَنْ كُلِّ من رَامَ ذلك إلْقَاؤُهُ فِي الْعَجْزِ بِيَدَيْهِ وَالنُّكُوصُ عَلَى عقيبه (فصل) وَقَدْ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلَّدِي الْأُمَّةِ فِي إِعْجَازِهِ وُجُوهًا كَثيرَةً مِنْهَا أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلُّهُ وَسَامِعَهُ لَا يَمُجُّهُ بَل الْإِكْبَابُ عَلَى تلَاوَتِهِ يَزِيدُهُ حَلاوَةٌ وتَرْدِيدُهُ يُوجب لَهُ مَحَبَّةً لَا يَزَالُ غَضًّا طَرِيًّا وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ وَلَوْ بَلَغَ فِي الْحُسْنِ وَالْبَلَاغَةِ مَبْلَغَهُ يُمَلُّ مَعَ التَّرْدِيدِ وَيُعَادَى إذَا أُعِيدَ وَكِتَابُنَا يُسْتَلَذُّ بِهِ فِي الْخَلَوَاتِ وَيُؤْنَسُ بِتِلَاوَتِهِ في الأزلمات وسواء مِنَ الْكُتُبِ لَا يُوجَدُ فِيهَا ذَلِكَ حَتَّى أَحْدَثَ أَصْحَابُهَا لَهَا لُحُونًا وَطُرُقًا
يَسْتَجْلِبُونَ بِتِلْكَ اللُّحُونِ تَنْشِيطَهُمْ عَلَى قِرَاءَتِهَا وِلِهَذَا وَصَفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْقُرْآنَ بِأنَّهُ لَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدّ وَلَا تَنْقَضِي عِبَرُهُ وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلمَاءُ وَلَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ حين سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا (إِنَّا سَمِعْنَا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد) وَمِنْهَا جَمْعُهُ لِعُلُومِ وَمَعَارِفَ لَمْ تَعْهَدِ الْعَرَبُ عَامّةً وَلَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ خَاصَّةً بِمَعْرِفَتِهَا وَلَا الْقِيَامِ بِهَا وَلَا يُحِيطُ بِهَا أَحَدٌ من عُلمَاءِ الْأُمَم وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا كِتَابٌ من كُتُبِهِمْ فَجُمِعَ فِيهِ من بَيَانِ عِلْمِ الشَّرَائِعِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى طُرُق الْحُجَجِ الْعَقْليَّاتِ وَالرَّدّ عَلَى فِرقِ الْأُمَم بِبَرَاهِينَ قَويّةٍ وَأَدِلَّةٍ بَيّنَةٍ سَهْلَةِ الْأَلْفَاظِ مُوجَزَة الْمَقَاصِدِ رَامَ الْمُتَحَذْلِقُونَ بَعْدَ أَنْ يَنْصِبُوا أَدِلَّةً مِثْلَهَا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى (أَو لَيْس الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ؟ بَلَى) و (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) و (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) إِلَى مَا حَوَاهُ من عُلُومِ السّيَرِ وَأَنْبَاءِ الْأُمَم وَالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ وَأَخْبَار الدَّار الآخِرَةِ وَمَحَاسِنِ الآدَابِ وَالشِّيَمِ قَالَ اللَّه جَلَّ اسْمُهُ (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ من شئ) (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تبيانا لكل شئ) ، (ولقد
اسِنِ الآدَابِ وَالشِّيَمِ قَالَ اللَّه جَلَّ اسْمُهُ (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ من شئ) (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تبيانا لكل شئ) ، (ولقد
ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) وقال ﷺ: أن اللَّه أنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ آمِرًا وَزَاجِرًا وَسُنَّةً خَالِيَةً وَمَثَلًا مضروبة فِيهِ نَبَؤْكُمْ وَخَبَرُ ما كَانَ قَبْلَكُمْ وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ لَا يُخْلِقُهُ طُولُ الرَّدّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الْحَقُّ لَيْسَ بِالْهَزْلِ من قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ خَاصَمَ بِهِ فَلَجَ وَمَنْ قَسَمَ بِهِ أَقْسَطَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيمٍ وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى من غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللَّه وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّه، هُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ وَالنُّورُ الْمُبِينُ وَالصّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَحَبْلُ اللَّه الْمَتِينُ وَالشّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمَة لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَنَجَاةٌ لِمَن اتّبَعَهُ، لَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمَ وَلَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يُخْلِقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدّ، وَنَحْوَهُ عَنِ ابن مَسْعُودٍ وَقَالَ فِيهِ وَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَتَشَانُّ، فيه نَبَأ الْأَوّلِينَ وَالآخرِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ الله تعالى لمحمد ﷺ (إنَّي مُنَزّلٌ عَلَيْكَ تَوْرَاةً حَدِيثَةً تَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عميا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا فِيهَا يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَفَهْمُ الْحِكْمَةِ وَرَبِيعُ القلوب)
رَاةً حَدِيثَةً تَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عميا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا فِيهَا يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَفَهْمُ الْحِكْمَةِ وَرَبِيعُ القلوب)
وعن كعب (عليكم بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ فَهْمُ الْعُقُولِ وَنُورُ الْحِكْمَةِ) وَقَالَ تعالى (إن هذا القرآن يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وَقَالَ (هَذَا بَيَانٌ للناس وهدى) الآية، فَجُمِعَ فِيهِ مَعَ وَجَازَةِ أَلْفَاظِهِ وَجَوَامِعِ كَلِمِهِ أَضْعَافُ مَا فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ الَّتِي أَلْفَاظُهَا عَلَى الضِّعْفِ مِنْهُ مَرَّاتٍ * وَمِنْهَا جَمْعُهُ فِيهِ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَمَدْلُولِهِ وَذَلِكَ أنَّهُ احْتَجَّ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ وَحُسْنِ وَصْفِهِ وَإيجَازِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَأَثْنَاءَ هَذِهِ الْبَلَاغَةِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَوَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ فَالتَّالِي لَهُ يَفْهَمُ مَوْضِعَ الْحُجَّةِ وَالتَّكْلِيفِ مَعًا من كَلَامٍ وَاحِدٍ وَسُورَةٍ مُنْفَرِدَةٍ * وَمِنْهَا أَنْ جَعَلَهُ فِي حَيّزِ الْمَنْظُوم الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَيِّزِ الْمَنْثُورِ لِأَنَّ الْمَنْظُومَ أسْهَلُ عَلَى النُّفُوسِ وَأَوْعَى لِلْقُلُوبِ وَأَسْمَعُ فِي الآذَانِ وَأَحْلَى عَلَى الْأفْهَامِ فَالنَّاسُ إليْهِ أَمْيَلُ وَالْأَهْوَاءُ إليْهِ أَسْرَعُ * وَمِنْهَا تَيْسِيرُهُ تَعَالَى حِفْظَهُ لِمُتَعَلّمِيهِ وَتَقْرِيبُهُ عَلَى مُتَحَفَّظِيهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن للذكر) وَسَائِرُ الْأُمَم لَا يَحْفَظُ كُتُبَهَا الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ الْجَمَّاءُ عَلَى مُرُورِ السِّنِينَ عَلَيْهِمْ وَالْقُرْآنُ مُيَسَّرٌ حِفْظُهُ لِلْغِلْمَانِ فِي أَقْرَبِ مُدَّةٍ * وَمِنْهَا مُشَاكَلَةُ بَعْضِ أَجْزَائِهِ بَعْضًا وَحُسْنُ ائتِلافِ أنْوَاعِهَا والتيئام أَقْسَامِهَا وَحُسْنُ التَّخَلُّصِ من قِصَّةٍ إِلَى أُخْرَى والْخُرُوجِ من بَابٍ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَعَانِيهِ وَانقِسَامِ السُّورَةِ الوَاحِدَةِ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ وَوَعْدٍ وَوعِيدٍ



