جمع الوسائل في شرح الشمائل

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الملا على القاري (w. 1014 H).

Bagian 11 dari 41 494 halaman

— Bagian 11 · الْأُخْرَى. (ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ) : وَهَذَا ك… —

Bagian 11

الْأُخْرَى. (ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ) : وَهَذَا كَانَ فِي سَفَرٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سِفْرٍ فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الْإِدَاوَةَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى: فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ بَدَنِهِ. بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَالْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ، أَيْ جُبَّتِهِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى الْبَدَنُ بِفَتْحَتَيْنِ، دِرْعٌ قَصِيرَةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ. زَادَ مُسْلِمٌ: وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى وَجَدَ النَّاسُ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ; فَصَلَّى بِهِمْ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صِلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ. وَفِي أُخْرَى: قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْهُ» .

ُّ صِلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ. وَفِي أُخْرَى: قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْهُ» . كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ الِانْتِفَاعُ بِثِيَابِ الْكُفْرِ حَتَّى يُتَحَقَّقُ نَجَاسَتُهَا ; لِأَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْجُبَّةَ الرُّومِيَّةَ، وَلَمْ يَتَفَصَّلْ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى أَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ شَامِيَّةً وَكَانَتِ الشَّامُ إِذَا ذَاكَ دَارُ كُفْرٍ، وَمِنْهَا جَوَازُ لُبْسِ الصُّوفِ. وَكَرِهَ مَالِكٌ لُبْسَهُ لِمَنْ يَجِدُ غَيْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ بِالزُّهْدِ ; لِأَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ أَوْلَى، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّوَاضُعُ فِي لُبْسِهِ بَلْ فِي الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ بِدُونِ ثَمَنِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ فِيهِ: نَدْبُ اتِّخَاذِ ضَيِّقِ الْكَمِّ فِي السَّفَرِ لَا فِي الْحَضَرِ ; لِأَنَّ أَكْمَامَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَتْ وَاسِعَةً. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَحَرَّاهَا لِلسَّفَرِ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَبِسَهَا لِلدِّفَاءِ مِنَ الْبَرْدِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ اتِّسَاعِ الْأَكْمَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ الْأَكْمَامَ جَمْعُ كُمٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ جُمَعُ كُمَّةٍ، وَهِيَ مَا يُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ كَالْقَلَنْسُوَةِ، فَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ: مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ اتِّسَاعُ الْكُمَّينِ، انْتَهَى. وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى السِّعَةِ الْمُفْرِطَةِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ بَلْ مُتَعَيَّنٌ، وَلِذَا قَالَ فِي النُّتَفِ مِنْ كُتِبِ أَئِمَّتِنَا: يُسْتَحَبُّ اتِّسَاعُ الْكُمِّ قَدْرَ شِبْرٍ. . . (بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

َلِذَا قَالَ فِي النُّتَفِ مِنْ كُتِبِ أَئِمَّتِنَا: يُسْتَحَبُّ اتِّسَاعُ الْكُمِّ قَدْرَ شِبْرٍ. . . (بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا هَذَا الْبَابَ الصَّغِيرَ فِي عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ بَعْدَ بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَابٌ طَوِيلٌ فِي بَيَانِ عَيْشِهِ ﷺ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَاهُنَا ذَاكَ الْبَابُ الطَّوِيلُ فِي عَيْشِهِ ﷺ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ فِي أُصُولِ مَشَايِخِنَا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إِيرَادُ بَابِ الْعَيْشِ بَيْنَ بَابِ اللِّبَاسِ وَبَابِ الْخُفِّ غَيْرُ مُلَائِمٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ نَسْخِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَتَبَهُ الْفَقِيرُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ الْحُسَيْنِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، كَذَا وَجَدَتْهُ بِخَطِّ مِيرَكَ شَاهْ عَلَى هَامِشِ نُسْخَةٍ فَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الطَّوِيلُ بَعْدَ الْقَصِيرِ، وَيَتَّجِهُ عَلَى كِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ أَنَّ جَعْلَهُمَا بَابَيْنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَأْتِي هَذَا الْبَابُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ.

لنُّسْخَتَيْنِ أَنَّ جَعْلَهُمَا بَابَيْنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَأْتِي هَذَا الْبَابُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حِكْمَةِ ذَلِكَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَبْدَى لِذَلِكَ مَا لَا يُجْدِي، وَقَالَ: هُنَاكَ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ فِيمَا مَرَّ عَلَى مَا فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، ثُمَّ أَعَادَهُ هَاهُنَا بِزِيَادَاتٍ أُخَرَ أَخْرَجَتْهُ عَنِ التَّكْرَارِ الْمَحْضِ، ثُمَّ أَطَالَ بِكَلَامٍ خَارِجٍ عَنِ الْمَرَامِ مَعَ التَّنْجِيحِ الزَّائِدِ فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ عَيْشِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَعَ ضِيقِ عَيْشِهِ ﷺ فِي كُلِّ بَابٍ، وَأَحَادِيثُ ذَاكَ الْبَابِ دَالَّةٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي ضِيقِ عَيْشِهِ الْمَخْصُوصِ بِهِ وَبِأَهْلِ بَيْتِهِ ﷺ، أَوْ هَذَا الْبَابُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضِيقِ عَيْشِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَذَاكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى آخِرِ أَمْرِهِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِوَاءِ حَالَيْهِ فِي اخْتِيَارِهِ ﷺ أَوِ اخْتِيَارِهِ تَعَالَى لَهُ الطَّرِيقَ الْمُخْتَارَ مِنَ الْفَقْرِ وَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالرِّضَا فِي الدَّارِ الْغَدَّارِ ; إِذْ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَابَيْنِ مُخْتَلِفٌ فَلَا تَكْرَارَ فِي الْمَعْنَى، فَلَا يُنْظَرُ إِلَى الْمَبْنَى ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مُشْتَمِلًا عَلَى تَوَسُّعِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ حَتَّى لَبِسَ مِثْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ مِنَ الْكَتَّانِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ اللِّبَاسِ مُقَدَّمًا عَلَى بَابِ الْخُفِّ، هَذَا وَالْعَيْشُ: الْحَيَاةُ،

مُمَشَّقَيْنِ مِنَ الْكَتَّانِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ اللِّبَاسِ مُقَدَّمًا عَلَى بَابِ الْخُفِّ، هَذَا وَالْعَيْشُ: الْحَيَاةُ، وَمَا يَكُونُ بِهِ الْحَيَاةُ مِثْلُ الْمَعِيشَةِ وَفِي الْمَثَلِ: عَيْشٌ مَرَّةً وَجَيْشٌ مَرَّةً ; مَثَلٌ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، كَذَا فِي تَاجِ الْأَسَامِي.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) : أَيِ السِّخْتِيَانَيُّ، نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ السِّخْتِيَانِ أَيِ الْجُلُودِ أَوْ عَمَلِهَا. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) : بِكَسْرِ السِّينِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَبِفَتْحِ النُّونِ عَلَى ضَبْطٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، قَالَ الْعِصَامُ: الظَّاهِرُ أَنَّ سِيرِينَ كَغِسْلِينَ، وَأَنَّهُ مُصَرَّفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعَلَمِيَّةُ لَكِنْ قُيِّدَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالْفَتْحَةِ، وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إِذِ الْعُجْمَةُ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، قُلْتُ بِوَجْهٍ بِمَا قَالَ الْجَعْبَرِيُّ

َةِ، وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إِذِ الْعُجْمَةُ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ ; لِأَنَّهُ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، قُلْتُ بِوَجْهٍ بِمَا قَالَ الْجَعْبَرِيُّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّ مُطْلِقَ الْمَزِيدَتَيْنِ كَغَلْبُونَ وَنَحْوِهِ عِلَّةٌ لِمَنْعِ الصَّرْفِ مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي لَا مِنَ الْعَرَبِ، فَلَا بِدَعَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْعُجْمَةُ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ سِيرِينَ أُمُّهُ فَيَكُونُ فِيهِ عِلَّتَانِ التَّأْنِيثُ وَالْعِلْمِيَّةُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ هُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، مَشْهُورٌ، إِمَامٌ فِي عِلْمِ التَّعْبِيرِ وَغَيْرِهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ، وَهُوَ مِنْ مَوَالِي أَنَسٍ كَاتَبَهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا فَأَدَّاهَا وَعُتِقَ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ سِتَّةٌ كُلُّهُمْ نُجَبَاءُ مُحَدِّثُونَ وَهُمْ: مُحَمَّدٌ وَمَعْبَدٌ وَأُنَيْسٌ وَيَحْيَى وَحَفْصَةُ وَكَرِيمَةُ، وَمِنْ نَوَادِرِ الْأَسَانِيدِ: رَوَى مُحَمَّدُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أُنَيْسٍ، حَيْثُ وَقَعَ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةُ أُخُوَّةٍ. (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ) : أَيْ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ أَوْ ثَوْبَانِ آخَرَانِ. (مُمَشَّقَانِ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُثَقَّلَةِ، أَيْ مَصْبُوغَانِ بِالْمِشْقِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَحْمَرُ، قَالَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقِيلَ هُوَ الْمِغْرَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، قِيلَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ فَلَا إِشْكَالَ، انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحُمْرَةِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَالْمَصْبُوغُ بِالطِّينِ الْأَحْمَرِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الشَّأْنُ. (مِنْ كَتَّانٍ) : بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، بَيَانٌ لَثَوْبَانِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

ْأَحْمَرِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الشَّأْنُ. (مِنْ كَتَّانٍ) : بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، بَيَانٌ لَثَوْبَانِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (فَتَمَخَّطَ) : أَيِ اسْتَنْثَرَ وَطَهَّرَ أَنْفَهُ. (فِي أَحَدِهِمَا) : وَمِنْهُ الْمُخَاطُ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ. (فَقَالَ) : أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ. (بَخْ بَخْ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا مُنَوَّنَةً، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا مُنَوَّنَةً، فِي النِّهَايَةِ: هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الْفَرَحِ وَالرِّضَاءِ بِالشَّيْءِ وَتُكَرَّرُ لِلْمُبَالَغَةِ،

وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ فَإِنْ وُصِلَتْ خُفِضَتْ وَنُوِّنَتْ وَرُبَّمَا شُدِّدَتْ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ، وَإِذَا كُرِّرَتْ فَالِاخْتِيَارُ تَحْرِيكُ الْأَوَّلِ وَإِسْكَانُ الثَّانِي. يَعْنِي إِمَّا رُجُوعًا إِلَى الْأَصْلِ أَوْ مَرْعَاةً لِلْوَقْفِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: مَعْنَاهُ تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمُهُ، وَسُكِّنَتِ الْخَاءُ كَسُكُونِ اللَّامِ فِي بَلْ وَهَلْ، مَنْ قَالَ «بَخٍّ» بِكَسْرِهِ مُنَوَّنًا فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَصْوَاتِ كَصَهٍ وَمَهٍ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: بَخْ بَخْ وَبِهْ وَبِهْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ بَخْ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ وَبِتَنْوِينِهَا مَكْسُورَةً، وَحَكَى الْقَاضِي الْكَسْرَ بِلَا تَنْوِينٍ، وَحَكَى: الْأَحْمَرُ التَّشْدِيدَ فِيهِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِيهَا لُغَاتٌ: إِسْكَانُ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا تَنْوِينًا وَبِغَيْرِ تَنْوِينِ الْأُولَى وَتَسْكِينِ الثَّانِيَةِ، وَمَعْنَاهَا تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَالْإِعْجَابُ بِهِ وَالْمَدْحُ لَهُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا التَّعَجُّبُ وَالِاسْتِغْرَابُ لِقَوْلِهِ: (يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْكَتَّانِ) : قَالَ الْعِصَامُ: اسْتِئْنَافٌ أُجِيبَ بِهِ عَنْهُ السُّؤَالُ عَنْ جِهَةِ التَّعَجُّبِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةٌ فِي الْكَلَامِ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَخٍ لِلْإِنْكَارِ، وَفِي صِحَّتِهِ هُنَا نَظَرٌ، انْتَهَى.

قَدَّرَةٌ فِي الْكَلَامِ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَخٍ لِلْإِنْكَارِ، وَفِي صِحَّتِهِ هُنَا نَظَرٌ، انْتَهَى. إِذْ صِحَّةُ الْإِنْكَارِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ التَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ) : وَاللَّامُ فِي جَوَابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ (رَأَيْتُنِي) : وَإِنَّمَا اتَّصَلَ الضَّمِيرَانِ وَهُمَا لِوَاحِدٍ حَمْلًا لِرَأَى الْبَصْرِيَّةِ عَلَى الْقَلْبِيَّةِ فَإِنَّ كَوْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ضَمِيرَيْنِ وَمُتَّصِلَيْنِ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، أَيْ عَلِمْتُنِي لَا رَأَيْتُ نَفْسِيِّ، وَبِتَقْرِيرِنَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْقَسَمِيَّةَ بَيَانِيَّةٌ وَاسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ أَنَّ اللَّامَ لِلْقَسَمِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ بِتَقْدِيرِ الْقِصَّةِ لِيَتَّحِدَ زَمَانُ الْحَالِ وَعَامِلُهُ. (وَإِنِّي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ رَأَيْتُ. (لَأَخِرُّ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُرُورِ

وَإِنِّي) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ رَأَيْتُ. (لَأَخِرُّ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِّ ضَرَبَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُرُورِ أَيْ أَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ السَّاجِدِ. (فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ : إِشَارَةً إِلَى مَوْضِعِ الْأَحْبَابِ الْأَصْحَابِ مِنْ غَيْرِ خَفَاءٍ وَاحْتِجَاجٍ. (مَغْشِيًّا عَلِيَّ) : أَيْ مِنْ غَلَبَةِ الْجُوعِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ «أَخِرُّ» أَيْ مُسْتَوْلِيًا عَلَيَّ الْغِشِّيُ. (فَيَجِيءُ الْجَائِي) : أَيِ الْوَاحِدُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. (فَيَضَعُ رِجْلَهُ) : أَيْ قَدَمَهُ. (عَلَى عُنُقِي) : لِيَسْكُنَ اضْطِرَابِي وَقَلَقِي، أَخْبَرَ عَنِ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، أَعْنِي: أَخِرُّ وَيَجِيءُ وَيَضَعُ ; اسْتِحْضَارًا لِلصُّوَرِ الْوَاقِعَةِ. (يُرَى) : بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمَجْهُولِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٍ أَيْ يَظُنُّ الْجَائِي. (أَنَّ بِي جُنُونًا) : أَيْ نَوْعًا مِنَ الْجُنُونِ وَهُوَ الصَّرَعُ. (وَمَا بِي جُنُونٌ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنْ لَيْسَ بِي مَرَضُ الْجُنُونِ. (وَمَا هُوَ) : أَيْ مَا هُوَ بِي وَيَعْنِي مَا الَّذِي بِي. (إِلَّا الْجُوعُ) : أَيْ أَثَرُهُ وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَيَّ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيُغْشَى عَلَيَّ فِيمَا بَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مِنَ الْجُوعِ. وَلَا مُنَافَاةَ لِوُقُوعِ التَّعَدُّدِ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْهُ: فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمًا فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً، فَذَكَرَهَا، قَالَ: فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي.

ُهُ آيَةً، فَذَكَرَهَا، قَالَ: فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسِي. وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُشْبِعَ بَطْنِي، وَكُنْتُ أُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصَى مِنَ الْجُوعِ، وَإِنِّي كُنْتُ أَسْتَقْرِئُ الرَّجُلَ الْآيَةَ وَهِيَ مَعِي كَيْ يَفْطَنَ بِي وَيُطْعِمَنِي. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَكُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُجِبْنِي حَتَّى يَذْهَبَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: يَا أَسْمَاءُ أَطْعِمِينَا، فَإِذَا أَطْعَمَتْنَا أَجَابَنِي. قَالَ: وَكَانَ جَعْفَرُ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ عَنْهُ قَالَ: أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَطْعَمْ فَجِئْتُ أُرِيدُ الصُّفَّةَ، فَجَعَلْتُ أَسْقُطُ فَجَعَلَ الصِّبْيَانُ يَقُولُونَ جُنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الصُّفَّةِ فَوَافَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةِ ثَرِيدٍ فَدَعَا عَلَيْهَا أَهْلَ الصُّفَّةِ وَهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْهَا، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ كَيْ يَدْعُوَنِي حَتَّى قَامُوا وَلَيْسَ فِي الْقَصْعَةِ إِلَّا شَيْءٌ فِي نَوَاحِيهَا، فَجَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَارَتْ لُقْمَةً فَوَضَعَهَا عَلَى أَصَابِعِهِ فَقَالَ لِي: «كُلْ بَاسِمِ اللَّهِ» ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا زِلْتُ آكُلُ مِنْهَا حَتَّى شَبِعْتُ. وَوَجْهُ إِيرَادِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ فَقْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَتَحَقُّقُ عُسْرَتِهِ فِي أَيَّامِ عِشْرَتِهِ ; إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ فِي أُمُورِ مَعِيشَتِهِ لَمْ تَكُنْ أَحْوَالُ أَهْلِ الصُّفَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَضْيَافَ النَّبِيِّ ﷺ وَجِيرَانَهُ وَكَانَ اهْتِمَامُهُ بِحَالِهِمْ فِي أَقْصَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَحْوَالِ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي ضُبَيْعَةَ كَجُهَيْنَةَ، كَذَا فِي الْأَنْسَابِ لِلسَّمْعَانِيِّ، فَمَا فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ نِسْبَةٌ إِلَى قَبِيلَةِ ضَبْعٍ كَأَنَّهُ سَهْوٌ، وَجَعْفَرٌ صَدُوقٌ زَاهِدٌ، لَكِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى التَّشْيِيعِ. (عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ) : هُوَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ وَزُهَّادِهِمْ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، قَالَ مِيرَكُ: بَلْ مُعْضَلٌ ; لِأَنَّ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا لَكِنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ; وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَيْضًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: لَمْ يَشْبَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَخْ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَأَصْحَابُ الْغَرِيبِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَيْشِ الطَّوِيلِ. (قَالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزٍ) : التَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ فَهُوَ شَامِلٌ لِعَيْشِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. (قَطُّ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ مِيرَكُ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُهَا مُخَفَّفَةً وَيَبْنِيهَا عَلَى أَصْلِهَا، أَوْ يَضُمُّ آخِرَهَا، أَوْ يُتْبِعُ الضَّمَّةَ الضَّمَّةَ أَيْ أَبَدًا. (وَلَحْمٍ) : أَيْ وَمِنْ لَحْمٍ، كَذَلِكَ قَالَ مِيرَكُ: الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَفِي نُسْخَةٍ «وَلَا لَحْمٍ» بِزِيَادَةِ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

ْ وَمِنْ لَحْمٍ، كَذَلِكَ قَالَ مِيرَكُ: الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَفِي نُسْخَةٍ «وَلَا لَحْمٍ» بِزِيَادَةِ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. (إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ) : بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْأُولَى. قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَقِيلَ مُتَّصِلٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُفَرَّغٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الدَّهْرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ «قَطُّ» ، انْتَهَى. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، وَكَذَا مَا شَبِعَ مِنْ لَحْمٍ أَصْلًا إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، فَفِي الْكَلَامِ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْيَانِ وَاسْتِثْنَاءَانِ، وَقَدْ يُقَالُ: مَعْنَاهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ قَطُّ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ تَقْدِيمُ «قَطُّ» عَلَى قَوْلِهِ «وَلَا لَحْمٍ» ، وَسَيَجِيءُ فِي الْبَابِ الطَّوِيلِ فِي عَيْشِهِ ﷺ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَذَاءٌ وَلَا عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ. وَهُوَ يُلَائِمُ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ وَلَا يُنَافِي الْمَعْنَى الْأَوَّلَ فَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ، فَتَأَمَّلْ. (قَالَ مَالِكٌ) : أَيِ ابْنُ دِينَارٍ. (سَأَلْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) : لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِاللُّغَاتِ الْغَرِيبَةِ. (مَا الضَّفَفُ؟ فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ «قَالَ» . (أَنْ يُتَنَاوَلَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ، أَيْ يُسْتَعْمَلُ الْأَكْلُ.

. (مَا الضَّفَفُ؟ فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ «قَالَ» . (أَنْ يُتَنَاوَلَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ، أَيْ يُسْتَعْمَلُ الْأَكْلُ. (مَعَ النَّاسِ) : فَمَعْنَى الْخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِذَا أَكَلَ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ شِبَعَ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ يَأْكُلُ مَعَ النَّاسِ، وَهَذَا عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ مَعَ الْأَضْيَافِ أَوْ فِي الضِّيَافَاتِ وَالْوَلَائِمِ وَالْعَقَائِقِ، وَالْمُرَادُ بِالشِّبَعِ لَهُ ﷺ أَكْلُهُ مِلْءَ ثُلْثَيْ بَطْنِهِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ مِلْءَ الْبَطْنِ قَطُّ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الضَّفَفُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، أَيْ لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُمَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا عَلَى حَالِ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الشِّبَعُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِ التَّنَعُّمِ وَالرَّفَاهِيَةِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: فِي الْحَدِيثِ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ طَعَامٍ إِلَّا عَلَى ضَفَفٍ، وَرَوِيَ حَفَفٍ شَظَفٍ، الثَّلَاثَةُ فِي مَعْنَى ضِيقِ الْمَعِيشَةِ وَقِلَّتِهَا وَغِلْظَتِهَا، يُقَالُ: أَصَابَهَا حَفَفٌ وَحُفُوفٌ وَحَفَّتِ الْأَرْضُ إِذَا يَبِسَ نَبَاتُهَا، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَيْشِ ضَفَفٌ أَيْ شِدَّةٌ، وَفِي رَأْيِ فُلَانٍ ضَفَفٌ أَيْ ضَعْفٌ، وَمَا رُئِيَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ حَفَفٌ وَلَا ضَفَفٌ أَيْ أَثَرُ عَوَزٍ.

مِنَ الْعَيْشِ ضَفَفٌ أَيْ شِدَّةٌ، وَفِي رَأْيِ فُلَانٍ ضَفَفٌ أَيْ ضَعْفٌ، وَمَا رُئِيَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ حَفَفٌ وَلَا ضَفَفٌ أَيْ أَثَرُ عَوَزٍ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ إِلَّا وَالْحَالُ خِلَافُ الْخِصْبِ وَالرَّخَاءُ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اجْتِمَاعُ الْأَيْدِي وَكَثْرَةُ الْآكِلِينَ، أَيْ لَمْ يَأْكُلْ وَحْدَهُ وَلَكِنْ مَعَ النَّاسِ، وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: الضَّفَفُ كَثْرَةُ الْعِيَالِ، وَقَوْلُهُمْ لَا ضَفَفَ يَشْغَلُهُ وَلَا ثِقَلَ أَيْ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ حَجِّهِ وَنُسُكِهِ عِيَالٌ وَلَا مَتَاعٌ، كَذَا وَجَدْتُّهُ بِخَطِّ مِيرَكَ شَاهْ ﵀ وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي شَرْحِهِ. (بَابُ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

(حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَمَّ دَلْهَمَ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَفَتْحِ هَاءٍ. (بْنِ صَالِحٍ) : أَيِ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ. (عَنْ حُجَيْرٍ) : بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ يَاءٍ فِي آخِرِهِ رَاءٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ ابْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْأَوَّلُ غَلَطٌ فَاحِشٌ عَنْ نُسَخِ الْكِتَابِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. قُلْتُ: قَدْ يُوَجِّهُ بِأَنَّهُ كُنْيَتُهُ. (عَنْ أَبِيهِ) : وَهُوَ بِرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ. (أَنَّ النَّجَاشِيَّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتُكْسَرُ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتُشَدَّدُ، وَأَمَّا تَشْدِيدُ الْجِيمِ فَخَطَأٌ. وَهُوَ لَقَبُ مُلُوكِ الْحَبَشَةِ كَالتُّبَّعِ لِلْيَمَنِ، وَكِسْرَى لِلْفُرْسِ، وَقَيْصَرَ لِلرُّومِ وَالشَّامِ، وَهِرَقْلَ لِلشَّأْمِ فَحَسْبُ، وَفِرْعَوْنُ لِمِصْرَ. وَهَذِهِ أَلْقَابٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَاسْمُ هَذَا النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةُ، بِالصَّادِّ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالسِّينُ تَصْحِيفُ ابْنِ حَجَرٍ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، وَكُتُبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ بِمَوْتِهِ، وَصَلَّى مَعَهُمْ عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، قَالَ مِيرَكُ: أَفَادَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ النَّجَاشِيَ بِسُكُونِ الْيَاءِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ لَا يَاءُ النِّسْبَةِ.

وَكَبَّرَ أَرْبَعًا، قَالَ مِيرَكُ: أَفَادَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ النَّجَاشِيَ بِسُكُونِ الْيَاءِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ لَا يَاءُ النِّسْبَةِ. وَحَكَى غَيْرُهُ تَشْدِيدَ الْيَاءِ أَيْضًا، وَحَكَى ابْنُ دِحْيَةَ كَسْرَ نُونِهِ أَيْضًا كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَسْرُ النُّونِ أَفْصَحُ غَيْرُ صَحِيحٍ. (أَهْدَى) : أَيْ أَرْسَلَ بِطَرِيقِ الْهَدِيَّةِ. (لِلنَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «إِلَى النَّبِيِّ» . ﷺ : وَاسْتِعْمَالُ أَهْدَى بِإِلَى وَاللَّامِ شَائِعٌ سَائِغٌ، فَفِي الصِّحَاحِ: الْهَدِيَّةُ وَاحِدَةُ الْهَدَايَا، يُقَالُ أَهْدَيْتُ لَهُ وَإِلَيْهِ بِمَعْنًى. (خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ) : بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، مُعَرَّبُ سَادَةٍ، بِالْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ غَيْرِ مَنْقُوشَيْنِ إِمَّا بِالْخِيَاطَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، أَوْ شِيةَ فِيهِمَا تُخَالِفُ لَوْنَهُمَا، أَوْ مُجَرَّدَيْنِ عَنِ الشَّعْرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ. (فَلَبِسَهُمَا) : أَيْ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ أَيْ بِلَا تَرَاخٍ، فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ. (ثُمَّ تَوَضَّأَ) : أَيْ بَعْدَ مَا أَحْدَثَ. (وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ طَرِيقِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ دَلْهَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِكَ وَهِيَ عَلَى دِينِكَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَهْدَيْتُكَ هَدِيَّةً جَامِعَةً قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ وَعِطَافًا وَخُفَّيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ رَاوِيهِ عَنِ الْهَيْثَمِ، قُلْتُ لِلْهَيْثَمِ: مَا الْعِطَافُ؟ قَالَ الطَّيْلَسَانُ.

بِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ رَاوِيهِ عَنِ الْهَيْثَمِ، قُلْتُ لِلْهَيْثَمِ: مَا الْعِطَافُ؟ قَالَ الطَّيْلَسَانُ.

(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكِرِيَاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ فِي آخِرِهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. (قَالَ) : أَيِ الشَّعْبِيُّ. (قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَهْدَى دِحْيَةَ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا:

بِالْفَتْحِ، ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ ذُو جَمَالٍ حَتَّى كَانَ يَأْتِي جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فِي صُورَتِهِ كَثِيرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (لِلنَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ «إِلَى النَّبِيِّ» . ﷺ خُفَّيْنِ فَلَبِسَهُمَا، وَقَالَ إِسْرَائِيلُ) : هُوَ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ مُعَلَّقٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ شَيْخِهِ قُتَيْبَةَ فَلَا يَكُونُ مُعَلِّقًا، وَقَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِيَحْيَى فَيَكُونُ عَطْفًا بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، انْتَهَى. (عَنْ جَابِرٍ) : أَيِ الْجُعْفِيِّ. (عَنْ عَامِرٍ) : هُوَ الشَّعْبِيُّ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبْلُ. (وَجُبَّةً) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى خُفَّيْنِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَحْيَى رَوَى قِصَّةَ إِهْدَاءِ الْخُفَّيْنِ فَقَطْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَرَوَى قِصَّةَ إِهْدَاءِ الْخُفَّيْنِ مَعَ الْجُبَّةِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيقًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ وَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ مُرَادًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِظُهُورِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ «وَجُبَّةً» بِطَرِيقِ الْعَطْفِ، تَأَمَّلْ، وَلَمْ أَرَ مَنْ خَرَّجَ الْحَدِيثَ غَيْرَ الْمُؤَلِّفِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِهِ بِهَذَا السِّيَاقِ بِلَا تَفَاوُتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ ; لِأَنَّ جَابِرًا شَيْخَ إِسْرَائِيلَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ النُّقَّادِ كَمَا تَقَدَّمَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ مُخَرَّجًا فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي الشَّيْخِ ابْنِ حِبَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ،

هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ مُخَرَّجًا فِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي الشَّيْخِ ابْنِ حِبَّانَ الْأَصْبِهَانِيِّ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ هَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَارِمٍ عَنْ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُبَّةً مِنَ الشَّامِ وَخُفَّيْنِ. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ تَقْوِيَةُ احْتِمَالِ التَّعْلِيقِ وَالْإِرْسَالِ. (فَلَبِسَهُمَا) : أَيِ الْخُفَّيْنِ وَالْجُبَّةَ. (حَتَّى تَخَرَّقَا) : أَيْ تَقَطَّعَا، وَثَنَّى الضَّمِيرَ لِأَنَّ الْخُفَّيْنِ مَلْبُوسٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ فَلَبِسَ الْمَلْبُوسَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَيُرَادُ حِينَئِذٍ بِالْجُبَّةِ نَوْعٌ نَفِيسٌ مِنَ الْفَرْوِ كَمَا يَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ الْعَجَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْخُفَّيْنِ فَقَطْ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: (لَا يَدْرِي) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ لَا يَعْلَمُ. (النَّبِيُّ ﷺ أَذُكِّيَ) : أَيْ أَمَذْبُوحٌ أَيْ تَذْكِيَةً شَرْعِيَّةً. (هُمَا) : أَيِ الْخُفَّيْنِ، يَعْنِي أَصْلَهُمَا، وَهُوَ فَاعِلُ «ذُكِّيَ» سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ مِثْلَ أَقَائِمٌ

ُوحٌ أَيْ تَذْكِيَةً شَرْعِيَّةً. (هُمَا) : أَيِ الْخُفَّيْنِ، يَعْنِي أَصْلَهُمَا، وَهُوَ فَاعِلُ «ذُكِّيَ» سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ مِثْلَ أَقَائِمٌ الزَّيْدَانِ. (أَمْ لَا) : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الشَّيْخِ: فَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَذَكِيَّانِ هُمَا أَمْ مَيْتَةٌ حَتَّى تَخَرَّقَا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْخُفَّيْنِ كَانَتَا مُتَّخَذَتَيْنِ مَنِ جِلْدِ الْمُذَكَّاةِ أَمْ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ أَوْ غَيْرِ الْمَدْبُوغِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَجْهُولَةِ الطَّهَارَةُ، ثُمَّ نَفَى الصَّحَابِيُّ دِرَايَتَهُ ﷺ إِمَّا لِتَصْرِيحِهِ لَهُ بِذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ قَرِينَةِ عَدَمِ سُؤَالِهِ وَتَفَحُّصِهِ. (قَالَ أَبُو عِيسَى) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ. (وَأَبُو إِسْحَاقَ هَذَا) : أَيِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ. (هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) : أَيْ دُونَ السَّبِيعِيِّ كَمَا يُوهِمُهُ كَوْنُ إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي مِنْ وَلَدِهِ.

َّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ. (هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) : أَيْ دُونَ السَّبِيعِيِّ كَمَا يُوهِمُهُ كَوْنُ إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي مِنْ وَلَدِهِ. (وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ) : أَيِ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَاسْمُهُ فَيْرُوزُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَيُقَالُ خَاقَانُ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ الْمَشْيَ فَذَهَبَ يَوْمًا فَقَعَدَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَنَزَعَ خُفَّيْهِ، قَالَ: وَلَبِسَ أَحَدُهُمَا فَجَاءَ طَائِرٌ فَأَخَذَ الْخُفَّ الْآخَرَ فَحَلَّقَ بِهِ فِي السَّمَاءِ فَانْسَلَتَ مِنْهُ أَسْوَدُ سَالِخٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا» ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ» .

(بَابُ مَا جَاءَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّعْلُ قَدْ يَجِيءُ مَصْدَرًا وَقَدْ يَجِيءُ اسْمًا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ هُنَا وَالثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْآنَ التَّاسُومَةُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يَقِي الْقَدَمَ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، انْتَهَى. وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْمُحْكَمِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالنَّعْلُ لِبَاسُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ النَّاسُ غَيْرَهُ لِمَا فِي أَرْضِهِمْ مِنَ الطِّينِ، انْتَهَى: وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ لُبْسِ نَعْلِهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» . وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبَ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادَةِ وَالسِّوَاكِ وَالطَّهُورِ، وَكَانَ يُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا قَامَ، وَإِذَا جَلَسَ جَعَلَهُمَا فِي ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَقُومَ.

يْنِ وَالْوِسَادَةِ وَالسِّوَاكِ وَالطَّهُورِ، وَكَانَ يُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا قَامَ، وَإِذَا جَلَسَ جَعَلَهُمَا فِي ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَقُومَ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ) : أَيِ الطَّيَالِسِيُّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ. . . (عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟) : أَيْ أَلَهُ قِبَالَانِ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يَقِلْ «كَانَتْ» ; لِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلَمَّا كَانَ النَّعْلُ مُؤَخَّرًا جَازَ تَذْكِيرُ «كَانَ» كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَانَ الْقِيَاسُ «كَانَتْ» لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ شَاعَ تَذْكِيرُهَا بِاعْتِبَارِ الْمَلْبُوسِ خَلَطَ بَيْنَ تَأْوِيلَيْنِ، وَالثَّانِي إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّعْلُ مُقَدَّمًا كَمَا لَا يَخْفَى. (قَالَ) : كَانَ. (لَهُمَا) : أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. (قِبَالَانِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ أَنَسٌ: إِنَّ نَعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ. بِالْإِفْرَادِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ زِمَامُ النَّعْلِ، وَهُوَ سَيْرُهَا أَيْ دَوَالُهَا الَّذِي بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا، وَشِرَاكُ النَّعْلِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْقِبَالُ هُوَ الزِّمَامُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرِّجْلِ. وَفِي الْمُهَذَّبِ: الشِّسْعُ دَوَالُ النَّعْلَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ لِنَعْلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْرَانِ يَضَعُ أَحَدُهُمَا بَيْنَ إِبْهَامِ رِجْلِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَضَعُ الْآخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَجْمَعُ السَّيْرَيْنِ إِلَى السَّيْرِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ قَدَمِهِ ﷺ وَهُوَ الشِّرَاكُ.

َا وَيَضَعُ الْآخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَجْمَعُ السَّيْرَيْنِ إِلَى السَّيْرِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ قَدَمِهِ ﷺ وَهُوَ الشِّرَاكُ. (يُحَدِّثُنَا أَبُو كُرَيْبٍ) : بِالتَّصْغِيرِ. (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ) : أَيِ الثَّوْرِيِّ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ مِنَ الشُّرَّاحِ. (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَنْ يُقَدِّرُ النَّعْلَ وَيَقْطَعُهَا، قِيلَ: لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حَذَّاءٌ بَلْ لِجُلُوسِهِ فِي سُوقِ الْحَذَّائِينَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَقَدْ عِيبَ بِدُخُولِهِ فِي عَمَلِ السُّلْطَانِ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) : أَيِ ابْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ لَهُ رِوَايَةٌ، وَلِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صُحْبَةٌ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ

ّهِ صُحْبَةٌ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ

مُثَنَّى) : بِضَمِّ مِيمٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ مِيمٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ وَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الثَّنْيِ صِفَةُ قِبَالَانِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ ضَبَطَ النُّسْخَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَثْنَى كَمَرْمَى، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّ هَذَا مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ ; وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ هُنَا ; انْتَهَى. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ مُرَادَ الْقَائِلِ كَمَرْمَى هُوَ بِعَيْنِهِ ضَبْطُ النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ وَمَآلُهُمَا وَمُؤَدَّاهُمَا وَمَادَّتُهُمَا وَاحِدٌ فَقَدْ قَالَ الْعِصَامُ: التَّثْنِيَةُ جَعْلُ الشَّيْءِ اثْنَيْنِ، وَرُبَّمَا يُقَيَّدُ مَثْنَى بِمَا يَجْعَلُهُ كَمَرْمَى اسْمَ مَفْعُولٍ، وَحِينَئِذٍ هُوَ مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَعْنَى فَمَنْ قَالَ الْمُثَنَّى وَالْمَثْنَى مُتَقَارِبَانِ لَمْ يَتَأَمَّلِ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْئَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَفِي الثَّنْيِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهَذَا وَجْهُ التَّقَارُبِ فَإِنَّ الْخَاصَّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْعَامِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ فِي التَّثْنِيَةِ لَا بُدَّ مِنَ انْفِصَالِهِمَا بِخِلَافِهِمَا فِي الثَّنْيِ فَإِنَّهُ

ُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْعَامِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ فِي التَّثْنِيَةِ لَا بُدَّ مِنَ انْفِصَالِهِمَا بِخِلَافِهِمَا فِي الثَّنْيِ فَإِنَّهُ يُلَاحَظُ اتِّصَالُهُمَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لِقَوْلِهِ: ثَنَى الشَّيْءَ كَسَعَى رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَتَثَنَّى، حِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّبَايُنُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُمَا مَعًا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. (شِرَاكُهُمَا) : بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) : أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) : بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ) : الْجَرْدَاءُ بِالْجِيمِ مُؤَنَّثُ الْأَجْرَدِ أَيِ الَّتِي لَا شَعْرَ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ خَلَقَيْنِ وَوَافَقَهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى، وَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ الْأَجْرَدُ الشَّعْرُ الصِّغَارُ. (لَهَا قِبَالَانِ قَالَ) : أَيِ ابْنُ طَهْمَانَ. (فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ) : أَيِ الْبُنَانِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ. (بَعْدُ) : مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ مَقْطُوعٌ عَنِ الْإِضَافَةِ، أَيْ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَنَسٍ النَّعْلَيْنِ إِلَيْنَا. (عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمَا) : أَيِ النَّعْلَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ. (كَانَتَا نَعْلَيِ النَّبِيِّ ﷺ : وَكَانَ ابْنُ طَهْمَانَ رَأَى النَّعْلَيْنِ عِنْدَ أَنَسٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ نِسْبَتَهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.

ابْنُ طَهْمَانَ رَأَى النَّعْلَيْنِ عِنْدَ أَنَسٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ نِسْبَتَهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْنٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) : اسْمُهُ كَيْسَانُ بْنُ سَعِيدٍ. (الْمَقْبُرِيُّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ، وَيُفْتَحُ نِسْبَةً إِلَى مَقْبَرَةٍ بِالْكُوفَةِ، كَانَ يَنْزِلُ بِهَا وَقِيلَ نُسِبَ إِلَيْهَا

لِزُهْدِهِ وَكَثْرَةِ زِيَارَةِ الْمَقَابِرِ، وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ مَقْبَرَةَ ابْنِ دِينَارٍ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ ; لِأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا، وَبِالْجِيمَيْنِ وَالرَّاءِ فِي أَخِيرِهِمَا، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ (أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ) أَيْ أَبْصَرْتُكَ حَالَ كَوْنِكَ (تَلْبَسُ النِّعَالَ) أَيْ تَخْتَارُ لُبْسَهَا (السِّبْتِيَّةِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّبْتِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْمَدْبُوغَةُ وَنَقَلَهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هِيَ الَّتِي حُلِقَتْ عَنْهَا شَعْرُهَا وَأُزِيلَتْ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ السَّبْتِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْقَطْعَ، فَالْحَلْقُ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ لِمَا سَيَأْتِي، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَإِنَّمَا اعْتُرِضَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نِعَالُ أَهْلِ النِّعْمَةِ وَالسَّعَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَلْبِسْهَا الصَّحَابَةُ، كَمَا أَفَادَهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ السَّائِلَ قَالَ لَهُ: رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، لَمْ يَفْعَلْ أَصْحَابُنَا، وَعَدَّ هَذِهِ مِنْهَا.

ادَهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ السَّائِلَ قَالَ لَهُ: رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، لَمْ يَفْعَلْ أَصْحَابُنَا، وَعَدَّ هَذِهِ مِنْهَا. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ مَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ الصَّحَابَةَ مَا كَانُوا يَتَقَيَّدُونَ بِنَوْعٍ مِنَ اللُّبْسِ أَوِ الْأَكْلِ إِلَّا مَا فِيهِ الْمُتَابَعَةُ وَالِاقْتِدَاءُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَابِسَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ مَسَاقَ الْكَلَامِ يُفِيدُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ حِينَ التَّخَاطُبِ لَابِسَ النَّعْلِ السِّبْتِيَّةِ، فَقَالَ مَا فِي الْجَوَابِ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّلِ، وَكَذَا بَطَلَ مَا تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّرْكَ حِينَ السُّؤَالِ لَا يَسْتَدْعِي التَّرْكَ الْمُطْلَقَ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُحْمَلُ تَرْكُهَا لِعُذْرٍ، كَعَدَمِ وِجْدَانِهَا وَإِلَّا فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُبَاحِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ فِي جَوَابِهِ (قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي) وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي الَّتِي (لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أَيْ فَوْقَهَا أَوْ هُوَ لَابِسُهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَالَ بَلَلِ الرِّجْلِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَرِزُ عَنْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهَا، أَوْ حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِدِبَاغَتِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الشَّعْرَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الدِّبَاغُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبِسَهَا) أَيْ لِمُتَابَعَةِ الْهَدْيِ، لَا لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِهَا فِي كُلِّ حَالٍ،

أَنْ أَلْبِسَهَا) أَيْ لِمُتَابَعَةِ الْهَدْيِ، لَا لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ لُبْسُهَا فِي الْمَقَابِرِ لِحَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِرِ وَعَلَيَّ نَعْلَانِ إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ خَلْفِي، يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، إِذَا كُنْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاحْتَجَّ عَلَى مَا ذُكِرَ وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخَلْعِهِمَا لِأَذًى كَانَ فِيهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ النِّعَالِ فِي الْمَقَابِرِ، قَالَ: وَثَبَتَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَازَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالنَّعْلِ، فَالْمَقْبَرَةُ أَوْلَى، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ إِكْرَامَ الْمَيِّتِ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ السِّبْتِيَّتَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَلِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَشْيِ عَلَى الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ) مَرَّ ذِكْرُهُمْ (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) بِهَمْزٍ وَيُبْدَلُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاسْمُ وَالِدِهِ مُحَمَّدٌ وَاسْمُ

جَدِّهِ الْمُغِيرَةُ قَالَ مِيرَكُ: كَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ (عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ) بِفَتْحِ فَوْقِيَّةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ هَمْزَةٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ لَهَا صُحْبَةٌ وَسُمِّيَتْ تَوْأَمَةً ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَ أُخْتٍ فِي بَطْنٍ وَهِيَ أُخْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ ثَبْتًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) تَقَدَّمَ (قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ لِأَنَّهُ الرَّاوِي عَنِ السُّدِّيِّ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا فِي الشَّرْحِ (عَنِ السُّدِّيِّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ مُحَمَّدٌ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَفِي الصِّحَاحِ السُّدَّةُ بَابُ الدَّارِ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ يَغْشَ سُدَدَ السُّلْطَانِ، يَقُمْ وَيَقْعُدْ وَسُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيَّ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْمَقَانِعَ الْحُمُرَ فِي سُدَّةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الطَّاقِ الْمَسْدُودِ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَنْسُوبٌ إِلَى السُّدَّةِ، وَهِيَ صِفَةٌ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي الْكُوفَةِ كَانَ السُّدِّيُّ يَسْكُنُهَا وَهُوَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ الْمُفَسِّرُ الْمَشْهُورُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَأَمَّا السُّدِّيُّ الصَّغِيرُ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ حَفِيدُهُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَذِبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا انْتَهَى، وَهُوَ ابْنُ ابْنَةِ السُّدِّيِّ الْكَبِيرِ،

وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَذِبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا انْتَهَى، وَهُوَ ابْنُ ابْنَةِ السُّدِّيِّ الْكَبِيرِ، أَوِ ابْنُ أُخْتِهِ رُمِيَ بِالرَّفْضِ (قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ، صَحَابِيٌّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عَشْرَةٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ وَخَلِيفَةُ وَأَصْبَغُ وَهَارُونُ مَوَالِيهِ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ سُوَيْعٍ وَسُرَاقَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ التَّصْرِيحَ بِاسْمِ مَنْ حَدَّثَ السُّدِّيَّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَظُنُّهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، فَإِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَالسُّدِّيُّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ ; فَلِذَا أَبْهَمَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ ; لِئَلَّا يُفْطَنَ لَهُ لَكِنْ لِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَّنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ (يَقُولُ) أَيْ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاةِ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْخَصْفُ الْخَرَزُ، وَنَعْلٌ مَخْصُوفَةٌ

يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاةِ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْخَصْفُ الْخَرَزُ، وَنَعْلٌ مَخْصُوفَةٌ

أَيْ ذَاتُ الطِّرَاقِ، وَكُلُّ طِرَاقٍ مِنْهَا خَصْفَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْصِفُ نَعْلَيْهِ بِنَفْسِهِ ; لِمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيُرَقِّعُ دَلْوَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَفِي شَرْحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرَقَّعَةُ

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) تَقَدَّمَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبُو دَاوُدَ الْمُزَنِيُّ اشْتُهِرَ بِهَذَا اللَّقَبِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَمْشِي، وَهَذَا نَفْيٌ صُورَةً وَنَهْيٌ مَعْنًى، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ نُسْخَةُ لَا يَمْشِي، تَسْتَدْعِي حَمْلَ لَا يَمْشِيَنَّ عَلَى الْخَبَرِ الْوَاقِعِ مَوْقِعَ النَّهْيِ، دُونَ النَّهْيِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِنُسْخَةِ لَا يَمْشِي بِالنَّهْيِ، ثُمَّ مَحَلُّ النَّهْيِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ رُبَّمَا فَعَلَهُ، انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ فِعْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ) وَرُوِيَ وَاحِدَةٌ بِالتَّأْنِيثِ، كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالنَّعْلُ مُؤَنَّثٌ وَوَصْفُهَا بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، انْتَهَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ تَذْكِيرَهُ بِتَأْوِيلِ الْمَلْبُوسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَشْيُ يَشُقُّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ،

َيْرُ حَقِيقِيٍّ، انْتَهَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ تَذْكِيرَهُ بِتَأْوِيلِ الْمَلْبُوسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَشْيُ يَشُقُّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، مَعَ سَمَاجَتِهِ فِي الشَّكْلِ، وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ فِي الْعُيُونِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأْيِ وَضَعْفِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْكَرَاهَةُ لِلشُّهْرَةِ فَيَمْتَدُّ الْإِبْصَارُ لِمَنْ يُرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ فِي اللِّبَاسِ وَكُلِّ شَيْءٍ صَيَّرَ صَاحِبَهُ مَشْهُورًا، فَحَقُّهُ أَنْ يُجْتَنَبَ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ: قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا فِي خُفٍّ وَاحِدٍ (لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا وَسُكُونِ اللَّامِ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ مَكْسُورٌ لِلْأَمْرِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: ضَبْطُ النَّوَوِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَنْعَلَ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَانْتَعَلَ أَيْ لَبِسَ النَّعْلَ، لَكِنْ قَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا أَنْعَلَ رِجْلَهُ أَلْبَسَهَا نَعْلًا، وَأَنْعَلَ دَابَّتَهُ جَعَلَ لَهَا نَعْلًا، وَالْحَاصِلُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقَدَمَيْنِ تَعَيَّنَ الضَّمُّ، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ تَعَيَّنَ الْفَتْحُ انْتَهَى، وَأَقُولُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ لِمَا فِي الْقَامُوسِ، نَعِلَ كَفَرِحَ وَتَنَعَّلَ وَانْتَعَلَ لَبِسَهَا، وَنَعَلَهُمْ كَمَنَعَ وَهَبَ لَهُمُ النِّعَالَ، وَالدَّابَّةَ أَلْبَسَهَا النَّعْلَ، كَأَنْعَلَهَا وَنَعَّلَهَا،

َ وَتَنَعَّلَ وَانْتَعَلَ لَبِسَهَا، وَنَعَلَهُمْ كَمَنَعَ وَهَبَ لَهُمُ النِّعَالَ، وَالدَّابَّةَ أَلْبَسَهَا النَّعْلَ، كَأَنْعَلَهَا وَنَعَّلَهَا، وَقَدْ نَقَلَ الْعِصَامُ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: أَنَّهُ مَعَ جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا أَوْ مَزِيدًا، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ فَهُوَ مُجَرَّدٌ، فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ إِنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْمُجَرَّدَ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلُبْسِ الْقَدَمَيْنِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا قَالَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ قَوْلَهُ (أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا) يُؤَيِّدُ ضَبْطَ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ

لِيَنْعَلْهُمَا لِلْقَدَمَيْنِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لِيَخْلَعْهُمَا» عَلَى مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ وَرِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ. وَالْمُوَطَّأُ يُؤَيِّدُ الْفَتْحَ، نَعَمْ، الْأَظْهَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّعْلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَتْنِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ، وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ، وَرِوَايَةُ: فَلْيَخْلَعْهُمَا لَا تُعَيِّنُ الضَّمِيرَ لِلنَّعْلَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ لِيَخْلَعَ نَعْلَيْهِمَا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُهُ: لِيَنْعَلْهُمَا أَرَادَ الْقَدَمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وَقَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ثُمَّ كَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) مُؤَكِّدٌ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى مَعًا، وَقَوْلُهُ: لِيُحْفِهِمَا ضُبِطَ فِي أَصْلِنَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، مِنَ الْإِحْفَاءِ وَهُوَ الْإِعْرَاءُ عَنِ النَّعْلِ وَالْخُفِّ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَرُوِيَ بِفَتْحِهِمَا مِنْ حَفِيَ يَحْفَى مِنْ بَابِ عَلِمَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مَعْنًى ; لِأَنَّ يَحْفَى لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ انْتَهَى. وَتَكَلَّفَ ابْنُ حَجَرٍ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْحَفَاءِ وَهُوَ الْمَشْيُ بِلَا خُفٍّ وَنَعْلٍ، وَالتَّعْدِيَةُ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ وَالْأَصْلُ لِيَحُفَّ بِهِمَا، فَحَذَفَ الْجَارَّ اخْتِصَارًا انْتَهَى.

وَهُوَ الْمَشْيُ بِلَا خُفٍّ وَنَعْلٍ، وَالتَّعْدِيَةُ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ وَالْأَصْلُ لِيَحُفَّ بِهِمَا، فَحَذَفَ الْجَارَّ اخْتِصَارًا انْتَهَى. يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى حَالَ الِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يُضَمِّنُ الْمُجَرَّدَ مَعْنَى الْمُتَعَدِّي بِلَا حَذْفٍ انْتَهَى. وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي ظُهُورِ الْحَالِ وَالْمَآلِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ هَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ ; لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ لَا يَأْمَنُ الْعِثَارَ، وَأَيْضًا يُوجِبُ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ، وَلَا يُنَافِي كَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ فِعْلَ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لِعُذْرٍ، أَوْ لِكَوْنِ النَّهْيِ مَا بَلَغَهُمْ إِنْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ فِعْلِهِمْ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ، يَرُدُّهُ صَرِيحُ السُّنَّةِ انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدْبِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي خِلَافِ الْأَوْلَى، وَفِي كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَيْضًا، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ

ِلنَّدْبِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي خِلَافِ الْأَوْلَى، وَفِي كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَيْضًا، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الرُّخْصَةِ بِالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَحَادِيثٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا انْتَهَى. وَكَفَى بِفِعْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ جَوَازًا، وَابْنُ سِيرِينَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يَلِيقُ الطَّعْنُ بِهِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ مِنَ الْكُمِّ، وَإِلْقَاءَ الرِّدَاءِ عَلَى إِحْدَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَلُبْسَ نَعْلٍ فِي رِجْلٍ وَاحِدٍ، وَخُفٍّ فِي أُخْرَى، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يُجْدِي، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رُزَيْنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِ فِي أَحَدَيْهِمَا، بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، فَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: هَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مَعَ الِاحْتِيَاجِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يُصْلِحَهَا، قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَصْلِ التِّرْمِذِيِّ، بَلْ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا مَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ،

أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا مَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَصَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَالشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَمْشِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْهَا أَصْلًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَنَحْوَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَتْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِنَحْوِهِ، نَحْوَ الْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ قُتَيْبَةَ مُنْقَطِعٌ وَمُرْسَلٌ ; لِإِسْقَاطِ الْأَعْرَجِ عَنِ الْإِسْنَادِ وَإِسْنَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَعَمْ كَانَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ عَنْ مَالِكٍ وَيَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.

Bagian 11 dari 41