— Bagian 20 · اجَةَ إِلَيْهِ دَائِمَةٌ، وَجُمْلَةُ وَلَا مُسْت… —
Bagian 20
اجَةَ إِلَيْهِ دَائِمَةٌ، وَجُمْلَةُ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَالنَّصْبُ وَالرَّفْعُ فِي غَيْرٍ بِحَالِهِمَا، وَقَوْلُهُ: رَبُّنَا رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، فَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ رَبُّنَا، أَوْ أَنْتَ رَبُّنَا اسْمَعْ حَمْدَنَا وَدُعَاءَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ «غَيْرُ» بِالرَّفْعِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَالْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَنْهُ، وَاضِحُ الْفَسَادِ، إِذْ ضَمِيرُ عَنْهُ لِلْحَمْدِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ وَجْهُ أَنَّ ضَمِيرَهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْضًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، فَلَا فَسَادَ حِينَئِذٍ أَصْلًا، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ: «رَبَّنَا» ، حَيْثُ قَالَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ رَبُّنَا هَذَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ جَوَّزَ فِي نَصْبِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْمَدْحِ، أَوِ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ، أَعْنِي أَيْضًا خِلَافًا لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى النِّدَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّ أَنَّهُ ﵇، كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَفْضَيْتَ، وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ. وَكَانَ ﷺ إِذَا أَكَلَ عِنْدَ قَوْمٍ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَدْعُوَ لَهُمْ، فَدَعَا فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي مَنْزِلِ سَعْدٍ، بِقَوْلِهِ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
سَعْدٍ، بِقَوْلِهِ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَسَقَاهُ آخَرُ لَبَنًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ. رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ، وَفِي خَبَرٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ مَعَ قَوْمٍ كَانَ آخِرَهُمْ أَكَلًا، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا، إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُومُ الرَّجُلُ وَإِنْ شَبِعَ، حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةً.
(حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ، أَيِ ابْنُ وَزِيرٍ قِيلَ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ مُسْتَمْلَى وَكِيعٍ، حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، مَاتَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، (
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، مَمْدُودًا، فِي آخِرِهِ يَاءُ النِّسْبَةِ، (عَنْ بُدَيْلِ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ فَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ، (بْنِ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيِّ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا (عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ الطَّعَامَ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ مِنْ قَبِيلِ. وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي. أَيْ طَعَامًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فِي سِتَّةٍ) أَيْ مَعَ سِتَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا أَيْ كَائِنًا فِي سِتَّةٍ، (مِنْ أَصْحَابِهِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ الطَّعَامِ، (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ) أَيْ جَاءَ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ، وَشَرَعَ فِي الْأَكْلِ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَذْكُورَ (بِلُقْمَتَيْنِ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي لُقْمَتَيْنِ، وَالْمَآلُ وَاحِدٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ سَمَّى) أَيْ لَوْ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: بِسْمِ اللَّهِ (لَكَفَاكُمْ) أَيِ الطَّعَامُ بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ، وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْخِطَابِ الْأَعْرَابِيُّ أَيْضًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَكَفَانَا، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْأَذْكَارِ، قَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مُتَّحِدَةً مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَكَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ بِعَيْنِهَا، قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا سَمِعَتْ شَرْحَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَاضِرِينَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
َلُ أَنَّهَا سَمِعَتْ شَرْحَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَاضِرِينَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا هَنَّادٌ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ (وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّا) بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ (بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ) اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوِ الِاسْتِغْرَاقِ (أَنْ يَأْكُلَ) أَيْ بِسَبَبِ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ وَقْتَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَرْضَى أَيْ يُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ، (الْأَكْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيِ الْمَرَّةَ مِنَ الْأَكْلِ حَتَّى يَشْبَعَ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيِ اللُّقْمَةَ، وَهِيَ أَبْلَغُ فِي بَيَانِ اهْتِمَامِ أَدَاءِ الْحَمْدِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْفَقُ مَعَ قَوْلِهِ (أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ) فَإِنَّهَا بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِهِ (فَيَحْمَدُهُ) بِالرَّفْعِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ نُسَخِ الشَّمَائِلِ، أَيْ فَهُوَ أَيِ الْعَبْدُ يَحْمَدُهُ (عَلَيْهَا) عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَكْلَةِ وَالشَّرْبَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ الْفِقْرَةِ الْأُولَى أَيْضًا، فَلَا إِشْكَالَ، ثُمَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَدْ أَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا شَكُّ رَاوٍ، ثُمَّ قَالَ: رَوَى فَيَحْمَدَهُ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ هُوَ الْأَوَّلُ، فَتَدَبَّرْ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
مَدَهُ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ هُوَ الْأَوَّلُ، فَتَدَبَّرْ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
فِي الْمُغْرِبِ الْقَدَحُ بِفَتْحَتَيْنِ الَّذِي يُشْرَبُ بِهِ. (حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَدَحَ خَشَبٍ) بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: أَوْ بِمَعْنَى مِنْ مَعَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ (غَلِيظًا مُضَبَّبًا بِحَدِيدٍ) وَفِي الْمُغْرِبِ بَابٌ مُضَبَّبٌ مَشْدُودٌ بِالضَّبَّاتِ، جَمْعُ ضَبَّةٍ، وَهِيَ حَدِيدَتُهُ الْعَرِيضَةُ الَّتِي يُضَبَّبُ بِهَا، وَهُمَا بِالنَّصْبِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ لِلشَّمَائِلِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الْقَدَحِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَجَعَلَ أَصْلَ الْحَدِيثِ بِجَرِّهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ «غَلِيظًا مُضَبَّبًا» ، قَالَ: وَالْأُولَى مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ جَامِعِ الْمُؤَلِّفِ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا تَرْجِيحُ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَيْ كَمَا سَيَأْتِي بِجَمِيعِ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَجَعْلُ الْأُولَى مِنْ قَبِيلِ «جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ» ، مِمَّا جُرَّ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ فَبَعِيدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هَاهُنَا، وَمَا فِي «جُحْرِ ضَبٍّ خَرِبٍ» ، أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْقَائِلِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْقَائِلَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُقَارِبُهُ، لَا أَنَّهُ يُمَاثِلُهُ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ الْخَشَبُ بِكَوْنِهِ غَلِيظًا مُضَبَّبًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ
عَيْنِهِ، فَإِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ الْخَشَبُ بِكَوْنِهِ غَلِيظًا مُضَبَّبًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ هُنَا، فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَدَحِ خَشَبٍ بِمَعْنَى مِنْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَدَحَ مَا أُخِذَ مِنْ خَشَبٍ مُضَبَّبًا، وَأَيْضًا فَالْمُرَادُ مِنْ وَصْفِ الْغَلِيظِ أَنْ يَكُونَ لِلْقَدَحِ لَا أَنَّهُ لِلْخَشَبِ، فَإِنَّهُ لَا كَلَامَ فِيهِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُثْبَتَ. فِي الْجَامِعِ «غَلِيظٌ مُضَبَّبٌ» أَيْ يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ وَذَلِكَ الْقَدَحُ غَلِيظٌ مُضَبَّبٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ رِوَايَةِ الرَّفْعِ لَا يُجْعَلُ أَصْلًا بَلْ يُذْكَرُ رِوَايَةً. نَعَمْ ذَكَرَ شَارِحٌ لِهَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ «غَلِيظٌ مُضَبَّبٌ» ، كَمَا رُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ أَوْ مَجْرُورٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا إِذَا وَرَدَ جَرُّهُمَا بِالنَّقْلِ الصَّرِيحِ (فَقَالَ) أَيْ أَنَسٌ (يَا ثَابِتُ هَذَا قَدَحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ تَوَاضُعِهِ، وَتَرْكِ تَكَلُّفِهِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَانَ عِنْدَ أَنَسٍ هُوَ قَدْحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ أَيْ طُولُهُ أَقْصَرُ مِنْ عَرْضِهِ، اتُّخِذَ مِنَ النُّضَارِ بِضَمِّ النُّونِ وَخِفَّةِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَعْنَاهُ الْعُودُ الْخَالِصُ، وَقَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ السِّيَرِ: أَصْلُهُ مِنَ النَّبْعِ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَثْلِ يَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا أَنَّهُ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ بِفِضَّةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاصِلَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أَنَسٌ، وَكَلَامُ الْعَسْقَلَانِيِّ يَمِيلُ إِلَى الْأَوَّلِ، حَيْثُ قَالَ: هُوَ الظَّاهِرُ،
ةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاصِلَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أَنَسٌ، وَكَلَامُ الْعَسْقَلَانِيِّ يَمِيلُ إِلَى الْأَوَّلِ، حَيْثُ قَالَ: هُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ قَدِ انْصَدَعَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشِّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاصِلُ أَنَسًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ «فَجَعَلْتُ مَكَانَ الشِّعْبِ سِلْسِلَةً» ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: فَاتَّخَذَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِالِاتِّخَاذِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: فَجَعَلْتُ عَلَى الْإِسْنَادِ الْحَقِيقِيِّ، فَاتَّفَقَ الرِّوَايَتَانِ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ فَجُعِلَتْ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُسْنَدًا إِلَى سِلْسِلَةٍ، أَوْ فَجُعِلَتْ سِلْسِلَةٌ أُخْرَى، أَوْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ مَكَانَ الشِّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ ذَهَبٍ، لِمَا قَدْ صَحَّ أَيْضًا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَ حَلْقَةِ قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَنَهَاهُ أَبُو طَلْحَةَ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةُ أَنَسٍ، وَقَالَ: لَا تُغَيِّرْ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَاشْتَرَى هَذَا الْقَدَحَ مِنْ مِيرَاثِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بِثَمَانِ مِائَةِ أَلْفٍ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَاصِمٍ رَأَيْتُهُ عِنْدَ أَنَسٍ فِيهِ ضَبَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَاصِمٍ رَأَيْتُهُ عِنْدَ أَنَسٍ فِيهِ ضَبَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُقَالُ سَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنْ جَعَلُوا لِلْخَيْرِ سَقَى وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا وَأَسْقَى لِضِدِّهِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا انْتَهَى. وَفِيهِ مَعَ جَهْلِ الْجَاعِلِينَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا أَيْ كَثِيرًا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْإِسْقَاءَ مُسْتَعْمَلٌ فِي ضِدِّ الْخَيْرِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السَّقْيِ، كَمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ زِيَادَةِ الْهَمْزَةِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا وَقَالَ ﷿: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنَ الْبَابَيْنِ، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْإِسْقَاءِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ضِدِّ الْخَيْرِ: وَسُقُوا
مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ نَعَمْ. قَدْ يُسْتَعْمَلُ الْإِسْقَاءُ لِمَعَانٍ أُخَرَ، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَلَعَلَّ أَنَسًا عَدَلَ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْأَبْلَغَ فِي الْمَقَامِ مَا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ خَوْفَ الِالْتِبَاسِ، وَقَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (بِهَذَا الْقَدَحِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ الْقَدَحُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَعَدُّدُ الْقَدَحِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ أَنَسٍ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَدَحُ الْكَائِنُ مِنَ الْخَشَبِ الْغَلِيظِ بَعْدَ الصُّنْعِ الْمُضَبَّبِ بِحَدِيدٍ، فَالتَّضْبِيبُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْإِشَارَةِ ; لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْمَذْكُورِ بِجَمِيعِ خُصُوصِيَّاتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِابْنِ حَجَرٍ هُنَا كَلَامٌ بَيْنَ طَرَفَيْهِ تَنَافٍ فِي الْمَعْنَى، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ بِقَدَحِي هَذَا (الشَّرَابَ) أَيْ جِنْسُ مَا يُشْرَبُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ (كُلَّهُ) تَأْكِيدٌ وَأَبْدَلَ مِنْهُ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ بَدَلَ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ، اهْتِمَامًا بِهَا وَلِكَوْنِهَا أَشْهَرَ أَنْوَاعِهِ، فَقَالَ: (الْمَاءَ) وَبَدَأَ بِهِ ; لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ الْأَتَمُّ (وَالنَّبِيذَ) وَهُوَ مَاءٌ يُجْعَلُ فِيهِ تَمَرَاتٌ أَوْ غَيْرُهَا، مِنَ الْحَلَوِيَّاتِ كَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَكَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ لِيَحْلُوَ.
َلُ فِيهِ تَمَرَاتٌ أَوْ غَيْرُهَا، مِنَ الْحَلَوِيَّاتِ كَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَكَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ لِيَحْلُوَ. «وَكَانَ يُنْبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ فَصُبَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا النَّبِيذُ لَهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ فِي زِيَادَةِ الْقُوَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثِ أَيَّامٍ خَوْفًا مِنْ تَغَيُّرِهِ إِلَى الْإِسْكَارِ، (وَالْعَسَلَ) أَيْ مَاءَ الْعَسَلِ ; لِأَنَّهُ يُلْحَسُ وَلَا يُشْرَبُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّغْلِيبِ، كَذَا ذَكَرُوهُ لَكِنْ قَالَ تَعَالَى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ (وَاللَّبَنَ) .
(بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ فَاكِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الرَّاغِبُ: الْفَاكِهَةُ هِيَ الثِّمَارُ كُلُّهَا، وَقِيلَ: بَلْ مَا عَدَا التَّمْرَ وَالرُّمَّانَ، وَقَائِلُ هَذَا كَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اخْتِصَاصِهَا بِالذِّكْرِ وَعَطْفِهِمَا عَلَى الْفَاكِهَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، قُلْتُ: الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ ; وَلِأَنَّ التَّمْرَ غِذَاءٌ وَالرُّمَّانَ دَوَاءٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: هِيَ مَا يُتَفَكَّهُ بِهِ أَيْ يُتَنَعَّمُ بِهِ، وَلَا يُتَغَذَّى بِهِ، كَالطَّعَامِ انْتَهَى. وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ، لَكِنْ تَرَكَهُ لِلْوُضُوحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَلَا يُتَغَذَّى بِهِ، كَالطَّعَامِ انْتَهَى. وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُتَدَاوَى بِهِ، لَكِنْ تَرَكَهُ لِلْوُضُوحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالزَّايِ مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي فَزَارَةَ (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: كَانَ ﷺ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِضَمٍّ، وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ مَمْدُودًا (بِالرُّطَبِ) أَيْ مَصْحُوبًا مَعَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُقَدَّمَ أَصْلٌ فِي الْمَأْكُولِ، كَالْخُبْزِ وَالْمُؤَخَّرَ كَالْإِدَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ قِثَّاءً، وَفِي شِمَالِهِ رُطَبًا، وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْ ذَا مَرَّةً، وَمِنْ ذَا مَرَّةً، انْتَهَى.
جَعْفَرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ قِثَّاءً، وَفِي شِمَالِهِ رُطَبًا، وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْ ذَا مَرَّةً، وَمِنْ ذَا مَرَّةً، انْتَهَى. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَبْدِيلِ مَا فِي يَدَيْهِ ; لِئَلَّا يَلْزَمَ الْأَكْلَ بِالشِّمَالِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الطَّعَامَيْنِ مَعًا، وَالتَّوَسُّعِ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنَ الْخِلَافِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ اعْتِيَادِ هَذَا التَّوَسُّعِ وَالتَّرَفُّهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ، لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مُرَاعَاةِ صِفَاتِ الْأَطْعِمَةِ، وَطَبَائِعِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِهَا، عَلَى قَاعِدَةِ الطِّبِّ ; لِأَنَّ فِي الرُّطَبِ حَرَارَةً، وَفِي الْقِثَّاءِ بُرُودَةً، فَإِذَا أُكِلَا مَعًا اعْتَدَلَا، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَمِنْ فَوَائِدِ أَكْلِ هَذَا الْمُرَكَّبِ الْمُعْتَدِلِ تَعْدِيلُ الْمِزَاجِ، وَتَسْمِينُ الْبَدَنِ، كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُعَالِجَنِي لِلسِّمَنِ لِتُدْخِلَنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَمَا اسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ، فَسَمِنْتُ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ التَّمْرُ بِالْقِثَّاءِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا جُمِعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَدَّمْنَا لَهُ زُبْدًا وَتَمْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبْدَ وَالتَّمْرَ.
(حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (الْبَصْرِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ) وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الطِّبِّ لَهُ بِسَنَدٍ، فِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِينِهِ، وَالْبِطِّيخَ بِيَسَارِهِ، فَيَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْبِطِّيخِ، وَكَانَ أَحَبَّ الْفَاكِهَةِ إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَيَقُولُ: يُكْسَرُ حَرُّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْبِطِّيخُ كَسِكِّينٍ الْبِطِّيخُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْبِطِّيخِ، فَقِيلَ: هُوَ الْأَصْفَرُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِالْخِرْبِزِ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ رَطْبٌ بَارِدٌ، وَيُعَادِلُ حَرَارَةَ الرُّطَبِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ فَعَلَ هَذَا مَرَّةً، وَفَعَلَ هَذَا أُخْرَى، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَيَقُولُ: «يَدْفَعُ حَرُّ هَذَا بَرْدَ هَذَا، وَبَرْدُ هَذَا حَرَّ هَذَا» ، وَفِي الْبِطِّيخِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْهَا هَاهُنَا شَيْءٌ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي جَلَاءٍ، وَهُوَ أَسْرَعُ انْحِدَارًا عَنِ الْمَعِدَةِ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، انْتَهَى.
لْمُرَادُ بِهِ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي جَلَاءٍ، وَهُوَ أَسْرَعُ انْحِدَارًا عَنِ الْمَعِدَةِ مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، انْتَهَى.
(حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (حَدَّثَنَا أَبِي) أَيْ جَرِيرٌ (قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدًا) بِالتَّصْغِيرِ (يَقُولُ) أَيْ حُمَيْدٌ قَالَ: وَهْبٌ أَوْ سَمِعْتُ حُمَيْدًا يَقُولُ: وَهْبٌ (أَوْ قَالَ) أَيْ جَرِيرٌ (حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، قَالَ وَهْبٌ) وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الِاحْتِيَاطِ فِي عِبَارَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا فَمَرْتَبَةُ السَّمَاعِ وَالْقَوْلِ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فِي أُصُولِ اصْطِلَاحَاتِهِمْ (وَكَانَ) أَيْ حُمَيْدٌ (صَدِيقًا لَهُ) أَيْ لِوَهْبٍ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى الْحَبِيبِ الصَّادِقِ فِي الْمُصَافَاةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ كَثِيرَ الصِّدْقِ، وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ: «لَهُ» ، لَا مُلَاءَمَةَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى وَكَانَ حُمَيْدٌ مُصَدِّقًا لِوَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْخِرْبِزِ وَالرُّطَبِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي آخِرِهَا زَايٌ وَهُوَ الْبِطِّيخُ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُعَرَّبُ الْخَرْبَزَةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْبَاءِ وَفِي آخِرِهَا هَاءٌ، وَهُوَ الْأَصْفَرُ فَيُحْمَلُ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ لَمْ يَتِمَّ نُضْجُهُ، فَإِنَّ فِيهِ بُرُودَةً يَعْدِلُهَا الرُّطَبُ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْأَخْضَرُ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَصْفَرَ فِيهِ حَرَارَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَصْفَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطَبِ بُرُودَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِحَلَاوَتِهِ طَرَفُ حَرَارَةٍ،
ا بِأَنَّ الْأَصْفَرَ فِيهِ حَرَارَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْأَصْفَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطَبِ بُرُودَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِحَلَاوَتِهِ طَرَفُ حَرَارَةٍ، هَذَا فَقَدْ رَوَى الطَّيَالِسِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْخِرْبِزَ بِالرُّطَبِ، وَيَقُولُ: هُمَا الْأَطْيَبَانِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَنَّهُ ﷺ سَمَّى اللَّبَنَ بِالتَّمْرِ الْأَطْيَبَيْنِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّمْلِيُّ) نِسْبَةً إِلَى الرَّمْلَةِ وَهِيَ مَوَاضِعُ أَشْهَرُهَا بَلَدٌ بِالشَّامِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ (حَدَّثَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَنْبَأَنَا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) بِضَمِّ الرَّاءِ (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ) أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ لَهُ طُرُقًا كَثِيرَةً عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا عَنْ غَيْرِهَا، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، هَذَا وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ، كَانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ وَيُلْقِي النَّوَى عَلَى الطَّبَقِ، وَلَعَلَّ الطَّبَقَ غَيْرُ طَبَقِ الرُّطَبِ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَى الشِّيرَازِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ ﷺ: نَهَى أَنْ تُلْقَى النَّوَاةُ عَلَى الطَّبَقِ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ الرُّطَبُ أَوِ التَّمْرُ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَقْذَرُ مِنْهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «الْعِنَبُ دُو دُو - يَعْنِي اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ - وَالتَّمْرُ يَكْ يَكْ» يَعْنِي وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْأَعَاجِمِ لَا أَصْلَ لَهُ، ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ،
َاحِدَةً وَاحِدَةً، فَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْأَعَاجِمِ لَا أَصْلَ لَهُ، ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطًا، يُقَالُ: خَرَطَ الْعُنْقُودَ وَاخْتَرَطَهُ إِذَا وَضَعَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ حَبَّهُ وَيُخْرِجُ عُرْجُونَهُ عَارِيًا مِنْهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَكِتَابُهُ هَذَا خَالٍ عَنِ الْمَوْضُوعِ، فَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَفِي الْغَيْلَانِيَّاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطًا، وَفِي رِوَايَةٍ بِالصَّادِ بَدَلَ الطَّاءِ، لَكِنْ قَالَ الْعَقِيلِيُّ: لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، انْتَهَى. مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يُقَالَ لَا أَصْلَ لِسَنَدِهِ الَّذِي هُوَ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَذَكَرْنَاهُ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْمِشْكَاةِ، ثُمَّ أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَوْضُوعِ لِلْفَاكِهَةِ، أَنَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ: «آخِرُ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ بَصَلٌ» انْتَهَى. وَقَدْ شَرَحْنَاهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْمِشْكَاةِ فِي بَابِهِ الْمُنَاسِبِ لَهُ.
«آخِرُ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ بَصَلٌ» انْتَهَى. وَقَدْ شَرَحْنَاهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْمِشْكَاةِ فِي بَابِهِ الْمُنَاسِبِ لَهُ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ح) إِشَارَةٌ إِلَى تَحْوِيلِ السَّنَدِ، وَقَدْ أَكَّدَهُ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، حَيْثُ قَالَ: (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ) وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى (إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ) أَيْ بَاكُورَةَ كُلِّ فَاكِهَةٍ (جَاءُوا بِهِ) أَيْ بِأَوَّلِ الثَّمَرِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيثَارًا لَهُ بِذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، حُبًّا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِجَنَابِهِ، وَطَلَبًا لِلْبَرَكَةِ، فِيمَا جَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ، وَطَلَبًا لِمَزِيدِ اسْتِدْرَارِ إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَيَرَوْنَهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَا سِيقَ إِلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِ رَبِّهِمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلَفَاؤُهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ، (فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ) أَيْ مُسْتَقْبِلًا لِلنِّعْمَةِ الْمُجَدَّدَةِ بِالتَّضَرُّعِ وَالْمَسْأَلَةِ، وَالتَّوَجُّهِ وَالْإِقْبَالِ التَّامِّ إِلَى الْمُنْعِمِ الْحَقِيقِيِّ، طَلَبًا لِمَزِيدِ الْإِنْعَامِ عَلَى وَجْهٍ يَعُمُّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ، (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا) أَيْ عُمُومًا شَامِلًا لِأَهْلِهَا وَثِمَارِهَا، وَسَائِرِ مَنَافِعِهَا (وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا) أَيْ خُصُوصًا وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَفِي مُدِّنَا) وَالْمُرَادُ بِهِ الطَّعَامُ الَّذِي يُكَالُ بِالصِّيعَانِ وَالْأَمْدَادِ، فَيَكُونُ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ فِي
أَقْوَاتِهِمْ فِي عُمُومِ أَوْقَاتِهِمْ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْأَصْلُ فِي أُمُورِ مَعَاشِهِمُ الْمُعِينَةُ عَلَى أُمُورِ مَعَادِهِمْ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الثِّمَارَ لِأَنَّ الْمَقَامَ كَانَ مُسْتَدْعِيًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الصَّاعَ وَالْمُدَّ اهْتِمَامًا لِشَأْنِهِمَا، وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ فَقِيلَ: هُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَقِيلَ: هُوَ رِطْلَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءِ الْعِرَاقِ، فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا، عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَأَدِلَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي نَحْوِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ ضَيَّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ صَاعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدَّهُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ، ثُمَّ يَنْبَغِي لِكُلِّ آخِذِ بَاكُورَةٍ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ الْمُبَارَكِ إِلَى رَبِّهَا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْبَرَكَةُ تَكُونُ بِمَعْنَى النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى الثَّبَاتِ وَاللُّزُومِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَرَكَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ دِينِيَّةً، وَهِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَقَادِيرِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَتَكُونُ بِمَعْنَى الثَّبَاتِ وَالْبَقَاءِ لَهَا، كَبَقَاءِ الْحُكْمِ بِبَقَاءِ الشَّرِيعَةِ وَثَبَاتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ دُنْيَوِيَّةً مِنْ تَكْثِيرِ الْكَيْلِ وَالْقَدْرِ بِهَا، حَتَّى يَكْفِيَ مِنْهُ فِي الْمَدِينَةِ مَا لَا يَكْفِي
بَاتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ دُنْيَوِيَّةً مِنْ تَكْثِيرِ الْكَيْلِ وَالْقَدْرِ بِهَا، حَتَّى يَكْفِيَ مِنْهُ فِي الْمَدِينَةِ مَا لَا يَكْفِي مِنْهُ فِي غَيْرِهَا، أَوْ يُرْجِعُ الْبَرَكَةَ إِلَى التَّصَرُّفِ بِهَا فِي التِّجَارَاتِ وَأَرْبَاحِهَا، أَوْ إِلَى كَثْرَةِ مَا يُكَالُ بِهَا مِنْ غَلَّاتِهَا وَثِمَارِهَا، أَوْ تُرْجَعُ إِلَى الزِّيَادَةِ فِيمَا يُكَالُ بِهَا لِاتِّسَاعِ عَيْشِهِمْ وَكَثْرَتِهِ، بَعْدَ ضِيقِهِ لِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَوَسَّعَ مِنْ فَضْلِهِ لَهُمْ، وَمَلَّكَهُمْ مِنْ بِلَادِ الْخِصْبِ وَالرِّيفِ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا، حَتَّى كَثُرَ الْحَمْلُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاتَّسَعَ عَيْشُهُمْ وَصَارَتْ هَذِهِ الْبَرَكَةُ فِي الْكَيْلِ نَفْسِهِ، فَزَادَ مُدُّهُمْ وَصَارَ هَاشِمِيًّا، مِثْلَ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً وَنِصْفًا، وَفِي هَذَا كُلِّهِ ظُهُورُ إِجَابَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبُولِهِ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ مِنْ تِلْكَ التَّوْجِيهَاتِ الْبَرَكَةَ فِي نَفْسِ مَكِيلِ الْمَدِينَةِ، بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ فِيهَا لِمَنْ لَا يَكْفِيهِ فِي غَيْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِذَا وُجِدَتِ الْبَرَكَةُ فِيهَا فِي وَقْتٍ حَصَلَتْ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ دَوَامُهَا فِي كُلِّ حِينٍ، وَلِكُلِّ شَخْصٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلِاتِّسَاعِ عَيْشِهِمْ، إِلَخْ.
يَسْتَلْزِمُ دَوَامُهَا فِي كُلِّ حِينٍ، وَلِكُلِّ شَخْصٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلِاتِّسَاعِ عَيْشِهِمْ، إِلَخْ. لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ) وَلَمْ يَقُلْ فِي وَصْفِهِ خَلِيلُكَ أَوْ حَبِيبُكَ تَوَاضُعًا لِرَبِّهِ، أَوْ تَأَدُّبًا مَعَ جَدِّهِ (وَأَنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ) أَيْ بِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (لِمَكَّةَ) وَدُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، هُوَ قَوْلُهُ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ يَعْنِي وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ، بِأَنْ تَجْلِبَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ، لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ النِّعْمَةَ فِي أَنْ يُرْزَقُوا أَنْوَاعَ الثَّمَرَاتِ حَاضِرَةً فِي وَادِيَاتٍ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا نَجْمٌ، وَلَا شَجَرٌ وَلَا مَاءٌ، وَلَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ أَجَابَ دَعْوَتَهُ وَجَعَلَهُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَلَعَمْرِي إِنَّ دُعَاءَ حَبِيبِ اللَّهِ ﷺ اسْتُجِيبَ لَهَا، وَضَاعَفَ خَيْرَهَا، بِمَا جَلَبَ إِلَيْهَا فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ إِلَى مَغَارِبِهَا، كَكُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَخَاقَانَ مِمَّا لَا يُحْصَى وَلَا يُحْصَرُ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ، يَأْرِزُ الدِّينُ إِلَيْهَا مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ وَشَاسِعِ الْبِلَادِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) وَالضَّمِيرَانِ لِمِثْلِ مَا دَعَاكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلِيلَ بِمَعْنَى الْفَاعِلٍ،
ِ الْخَبَرُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) وَالضَّمِيرَانِ لِمِثْلِ مَا دَعَاكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلِيلَ بِمَعْنَى الْفَاعِلٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخُلَّةِ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَهِيَ الصَّدَاقَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي تَخَلَّلَتِ الْقَلْبَ، وَتَمَكَّنَتْ فِي خِلَالِهِ، وَهَذَا صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أَيْ سَالِمٍ عَنْ مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ، بِالْفَتْحِ وَهِيَ الْحَاجَةُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَإِظْهَارِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِهِ لَدَيْهِ، حَتَّى قَالَ حِينَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ لِجِبْرِيلَ حَيْثُ: قَالَ لَهُ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ أَمَّا إِلَيْكَ، فَلَا، قَالَ: فَاسْأَلْ رَبَّكَ، قَالَ: كَفَى عِلْمُهُ بِالْحَالِ عَنِ السُّؤَالِ بِالْمَقَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ ﷺ الْخُلَّةَ لِنَفْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا خَلِيلُ اللَّهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ﷺ، فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ هُوَ أَرْفَعُ
مِنَ الْخَلِيلِ، فَإِنَّهُ خُصَّ بِمَقَامِ الْمَحْبُوبِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ مِنْ مَقَامِ الْخُلَّةِ ; لِأَنَّهُ ﷺ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ اللَّائِقِ بِهِ، التَّوَاضُعُ وَالِانْكِسَارُ، لَا التَّمَدُّحُ وَالِافْتِخَارُ، وَأَيْضًا رَاعَى الْأَدَبَ مَعَ جَدِّهِ ﷺ، عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَمَيُّزِهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَمِثْلَهُ مَعَهُ (قَالَ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ) أَيْ: أَيَّ صَغِيرٍ (يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: «وُلَيْدٍ» بِالتَّصْغِيرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ اخْتِيَارَ الْأَصْغَرِ فَالْأَصْغَرِ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ هُوَ الْأَوَّلُ بِدُونِ «لَهُ» ، قَالَ مِيرَكْ شَاهْ كَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ، وَمِثْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُ مِنَ الْوِلْدَانِ، وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ أَيْضًا: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ، فَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُطْلَقَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُقَيَّدَةِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الرِّوَايَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَصْغَرُ وَلِيدٍ لَهُ، يَعْنِي لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، انْتَهَى.
ّلَ الرِّوَايَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أَصْغَرُ وَلِيدٍ لَهُ، يَعْنِي لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، انْتَهَى. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْتَنِي فِي أَنَّهُ يُعْطِيهِ لِأَصْغَرِ وَلَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ بِحَسَبِ مَا اتُّفِقَ لَهُ مِنْ حُضُورِ أَيِّ صَغِيرٍ ظَهَرَ، نَعَمْ. لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنَ الصِّغَارِ، رُبَّمَا يَخُصُّ أَحَدًا مِنْ صِغَارِ أَهْلِ بَيْتِهِ لِقُرْبِهِمْ وَقَرَابَتِهِمْ، وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ صَغِيرٍ آخَرَ فَلَا يُتَصَوَّرُ إِيثَارُ أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، عَلَى أَوْلَادِ سَائِرِ أَصْحَابِهِ، كَمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ كَرِيمِ أَخْلَاقِهِ، وَحُسْنِ آدَابِهِ، ثُمَّ تَخْصِيصُ الصِّغَارِ بِبَاكُورَةِ الثِّمَارِ لِلْمُنَاسَبَةِ الْوَاضِحَةِ بَيْنَهُمَا، مِنْ حُدْثَانِ عَهْدِهِمَا بِالْإِبْدَاعِ ; وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ أَرْغَبُ فِيهِ وَأَكْثَرُ تَطَلُّبًا، وَأَشَدُّ حِرْصًا، وَلَفْتًا مَعَ مَا فِي إِيثَارِهِ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ قَمْعِ الشَّرَهِ الْمُوجِبِ لِتَنَاوُلِهِ، وَكَسْرِ الشَّهْوَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَوْقِهِ، وَمِنْ أَنَّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ لَا تَرْكَنُ إِلَى تَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنَ الْبَاكُورَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعُمَّ وُجُودُهُ، وَيَقْدِرَ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى أَكْلِهِ، وَفِيهِ بَيَانُ حُسْنِ عِشْرَتِهِ، وَكَمَالِ شَفَقَتِهِ وَمَرْحَمَتِهِ وَمُلَاطَفَتِهِ مَعَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَتَنْزِيلُ كُلِّ أَحَدٍ فِي مَقَامِهِ وَمَرْتَبَتِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ.
الِ شَفَقَتِهِ وَمَرْحَمَتِهِ وَمُلَاطَفَتِهِ مَعَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَتَنْزِيلُ كُلِّ أَحَدٍ فِي مَقَامِهِ وَمَرْتَبَتِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ الرُّبَيِّعِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ، عَلَى صِيغَةِ التَّصْغِيرِ (بِنْتِ مُعَوَّذِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا عَلَى الْأَشْهَرِ وَجَزَمَ الْوَقْشِيُّ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْحَافِظِ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَأَغْرَبَ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ، وَتَبِعَ الْوَقْشِيَّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْكَسْرِ (بْنِ عَفْرَاءَ) وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ، وَعَفْرَاءُ أُمُّهُ، وَأَبُوهُ الْحَارِثُ (قَالَتْ) أَيْ بِنْتُ مُعَوَّذٍ (بَعَثَنِي مُعَاذٌ) أَيِ ابْنُ عَفْرَاءَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ عَمُّهَا وَهُوَ الْمُشَارِكُ لِأَخِيهِ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ بِبَدْرٍ، وَتَمَّ أَمْرُ قَتْلِهِ عَلَى يَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَنْ
ي نُسْخَةٍ، وَهُوَ عَمُّهَا وَهُوَ الْمُشَارِكُ لِأَخِيهِ فِي قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ بِبَدْرٍ، وَتَمَّ أَمْرُ قَتْلِهِ عَلَى يَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَنْ جَزَّ رَأَسَهُ وَهُوَ مَجْرُوحٌ مَطْرُوحٌ يَتَكَلَّمُ (بِقِنَاعٍ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ مَعَ إِرَادَةِ الْمُصَاحَبَةِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ الطَّبَقُ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُهْدَى عَلَيْهِ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: (مِنْ رُطَبٍ) لِلتَّبْعِيضِ أَيْ بِقِنَاعٍ فِيهِ بَعْضُ رُطَبٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ وَعَلَى الْقِنَاعِ أَوِ الرُّطَبِ (أَجْرٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ وَرَاءٍ مُنَوَّنٍ مَكْسُورٍ جَمْعُ جُرٍّ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقِيلَ: بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ وَاوٌ كَأَدْلٍ جَمْعُ دَلْوٍ، وَهُوَ الصَّغِيرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْحَنْظَلِ وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْقِثَّاءُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ بِمِنِ الْبَيَانِيَّةِ وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: هُوَ صِغَارُ الْقِثَّاءِ
وَقِيلَ: الرُّمَّانُ وَأَصْلُهُ أَجْرُوٌ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا جَمَعَتْ فِعْلًا عَلَى أَفْعُلٍ، كَضِرْسٍ وَأَضْرُسٍ، وَكَلْبٍ وَأَكْلُبٍ أَيْ صِغَارٍ (مِنْ قِثَّاءِ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَبِضَمٍّ (زُغْبٍ) بِضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، جَمْعُ الْأَزْغَبِ مِنَ الزَّغَبِ بِالْفَتْحِ، هُوَ صِغَارُ الرِّيشِ أَوَّلُ مَا طَلَعَ شَبَّهَ بِهِ مَا عَلَى الْقِثَّاءِ مِنَ الزَّغَبِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَرُوِيَ زُغْبٌ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ أَجْرٍ، وَمَجْرُورًا عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ قِثَّاءٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَأَجْرٍ زُغْبٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ وَعَلَى قِنَاعِ الرُّطَبِ قِنَاعٌ آخَرُ مِنْ قِثَّاءِ زُغْبٍ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ جَرُّ زُغْبٍ (كَانَ ﷺ يُحِبُّ الْقِثَّاءَ) أَيْ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الرُّطَبِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُؤَيِّدُ لِمَا سَبَقَ مِنْ جَمْعِهِ ﷺ بَيْنَهُمَا (فَأَتَيْتُ بِهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ جِئْتُهُ ﷺ بِالْقِنَاعِ الْمَذْكُورِ، وَفِي نُسَخٍ بِهَا أَيِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ (وَعِنْدَهُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ (حُلِيَّةٌ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ جَمْعُ حُلِيٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَقَدْ يُكْسَرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ قُرِئَ فِي الْمُتَوَاتِرِ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَكَذَا بِكَسْرِهَا عَلَى الْإِتْبَاعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَتَخْفِيفِ تَحْتِيَّةٍ عَلَى وَزْنٍ لِحْيَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِوُجُودِ التَّاءِ وَاخْتَارَهُ الْحَنَفِيُّ.
وْلُهُ تَعَالَى: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِوُجُودِ التَّاءِ وَاخْتَارَهُ الْحَنَفِيُّ. وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْحُلِيُّ عَلَى فُعُولٍ جَمْعٌ كَثُدِيٍّ فِي جَمْعِ ثَدْيٍ، وَهِيَ مِمَّا تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، انْتَهَى. وَأَمَّا وَجْهُ الْحُلِيَّةِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَعَ تَاءِ التَّأْنِيثِ عَلَى مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا إِذَا جَوَّزَ إِلْحَاقَ التَّاءِ بِالْجَمْعِ، انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ الْحَلْيُ بِالْفَتْحِ مَا يُزَيَّنُ بِهِ مِنْ مَصُوغِ الْمَعْدِنِيَّاتِ أَوِ الْحِجَارَةِ، جَمْعُهُ حُلِيٌّ كَدُلِيٍّ أَوْ هُوَ جَمْعٌ وَالْوَاحِدُ حَلْيَةٌ كَظَبْيَةٍ، وَالْحِلْيَةُ بِالْكَسْرِ الْحَلْيُ الْجَمْعُ حَلًى وَحُلًى، انْتَهَى. وَبِهَذَا يُعْرَفُ مَا فِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: حِلْيَةٌ بِكَسْرٍ أَوْ فَتْحٍ فَسُكُونٍ فَتَخْفِيفٍ وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ انْتَهَى. أَمَّا قَوْلُهُ: حَلْيَةٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ مَعْنَى الْجَمْعِ أَوِ الْجِنْسِ لَا الْوَحْدَةُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَتَشْدِيدٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ الْكِتَابِ أَوْ سَهْوُ قَلَمٍ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ وَمَدْخُولُهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْحِلْيَةِ أَوْ حَالٌ مِنْهَا، وَقَوْلُهُ: (قَدِمَتْ عَلَيْهِ) بِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْقُدُومِ، وَهُوَ الْعَوْدُ مِنَ السَّفَرِ فَالْإِسْنَادُ فِيهِ مَجَازِيٌّ، أَيْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ ﷺ تِلْكَ الْحِلْيَةُ (مِنَ الْبَحْرَيْنِ) بَلَدٌ مَشْهُورٌ (فَمَلَأَ يَدَهُ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْحِلْيَةِ (فَأَعْطَانِيهِ) أَيْ
يْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ ﷺ تِلْكَ الْحِلْيَةُ (مِنَ الْبَحْرَيْنِ) بَلَدٌ مَشْهُورٌ (فَمَلَأَ يَدَهُ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْحِلْيَةِ (فَأَعْطَانِيهِ) أَيْ مَلَأَ يَدَهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ كَرَمِهِ وَمُرُؤَتِهِ ﷺ، وَرِعَايَتِهِ الْمُنَاسِبَةِ التَّامَّةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَحَقُّ مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، (أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ أَخُو عَلِيٍّ بِتَقْدِيرِ هُوَ الرَّاجِعِ إِلَى عَقِيلٍ (عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوَّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وَأَجْرِ) بِالْجَرِّ (زُغْبٍ فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَتَخْفِيفِ تَحْتِيَّةٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، فَلَا وَجْهَ لَهُ لَا رِوَايَةً وَلَا دِرَايَةً (أَوْ قَالَتْ: ذَهَبًا) وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي عَنِ الرُّبَيِّعِ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابٌ فِي صِفَةِ شَرَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
أَيْ مَا كَانَ يَشْرَبُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَابُ مَا جَاءَ إِلَخْ (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ، كَمَا سَيَأْتِي (عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ) أَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَانَ وَقَوْلُهُ: (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبِّ وَخَبَرُ كَانَ (الْحُلْوُ الْبَارِدُ) وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمَاءُ الْعَذْبُ ; لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَهِيَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْقَافِ عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ، وَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَاسْتِعْذَابُ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ، وَلَا يَدْخُلُ فِي التَّرَفُّهِ الْمَذْمُومِ، بِخِلَافِ تَطْيِيبِهِ بِنَحْوِ الْمِسْكِ، فَقَدْ كَرَّهَهُ مَالِكٌ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ، وَقَدْ شَرِبَ الصَّالِحُونَ الْمَاءَ الْحُلْوَ وَطَلَبُوهُ، وَلَيْسَ فِي شُرْبِ الْمَاءِ الْمَالِحِ فَضِيلَةٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَهُوَ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْفُرَاتُ الَّذِي يَكْسِرُ الْعَطَشَ وَالسَّائِغُ الَّذِي يَسْهُلُ انْحِدَارُهُ، وَالْأُجَاجُ الَّذِي يَحْرِقُ لِمُلُوحَتِهِ، كَانَ السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ يَقُولُ: إِذَا شَرِبْتُ الْمَاءَ الْحُلْوَ أَحْمَدُ رَبِّي مِنْ وَسَطِ قَلْبِي.
َانَ السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ يَقُولُ: إِذَا شَرِبْتُ الْمَاءَ الْحُلْوَ أَحْمَدُ رَبِّي مِنْ وَسَطِ قَلْبِي. وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَاءَ الْمَمْزُوجَ بِالْعَسَلِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَرَ السُّكَّرَ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْعَسَلِ مِنَ الشِّفَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مَعَ نَظَرِ الِاعْتِبَارِ فِي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فِيهِ مِنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ مَا لَا يَهْتَدِي لِمَعْرِفَتِهِ إِلَّا أَفَاضِلُ الْأَطِبَّاءِ، فَإِنَّ شُرْبَ الْعَسَلِ وَلَعْقِهِ عَلَى الرِّيقِ يُزِيلُ الْبَلْغَمَ، وَيَغْسِلُ حَمْلَ الْمَعِدَةِ، وَيَجْلُو لِزُوجَتَهَا، وَيَدْفَعُ عَنْهَا الْفَضَلَاتِ، وَيُسَخِّنُهَا بِاعْتِدَالٍ، وَيَفْتَحُ السُّدَدَ وَالْمَاءُ الْبَارِدُ رَطْبٌ، يَقْمَعُ الْحَرَارَةَ، وَيَحْفَظُ الْبَدَنَ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَاءَ الْمَنْقُوعَ فِيهِ تَمْرٌ وَزَبِيبٌ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ النَّبِيذِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ خَالِصًا تَارَةً وَبِالْمَاءِ الْبَارِدِ أُخْرَى لِأَنَّ اللَّبَنَ عِنْدَ الْحَلْبِ يَكُونُ حَارًّا وَتِلْكَ الْبِلَادُ حَارَّةٌ غَالِبًا فَكَانَ يَكْسِرُ حَرَّهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ. فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَنْصَارِيٍّ فِي حَائِطٍ لَهُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ - أَيْ: قِرْبَةٍ خَلِقَةٍ - وَإِلَّا كَرَعْنَا فَانْطَلَقَ لِلْعَرِيشِ فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ مَاءً، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ فَشَرِبَ ﷺ. وَحَاصِلُ عُنْوَانِ الْبَابِ
ٍ - وَإِلَّا كَرَعْنَا فَانْطَلَقَ لِلْعَرِيشِ فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ مَاءً، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ فَشَرِبَ ﷺ. وَحَاصِلُ عُنْوَانِ الْبَابِ أَنَّ الْحُلْوَ الْبَارِدَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الْمَاءَ الْقَرَاحَ، وَالْمَخْلُوطَ بِالْحَلَاءِ وَاللَّبَنَ الْخَالِصِ، وَالْمَخْلُوطَ بِالْبَارِدِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي اللَّبَنِ: زِدْنَا مِنْهُ، وَفِي غَيْرِهِ أَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ الطَّعَامُ لَا الشَّرَابُ، فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ حَدَّثَنَا وَفِي أُخْرَى أَخْبَرَنَا (عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ) أَيِ ابْنُ جُدْعَانَ (عَنْ عُمَرَ هُوَ) أَيْ عُمَرُ الْمَذْكُورُ هُوَ (ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا) ضَمِيرُ تَأْكِيدٍ تَصْحِيحًا لِلْعَطْفِ بِقَوْلِهِ: (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ) أَيْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ مِنْ بَعْضِ مَا فِيهِ (وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ مُسْتَعْلٍ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا لِسَبْقِي بِهَا (وَخَالِدٌ عَنْ شِمَالِهِ) أَيْ مُتَأَخِّرٌ مُتَجَاوِزٌ
عَنْهَا لِتَأَخُّرِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِمَّا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ مُخَالَفَتَهُ بِعَلَى فِي حَقِّهِ، وَبِعْنَ فِي خَالِدٍ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَالِدٍ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِصِغَرِهِ وَقَرَابَتِهِ، فَقُدِّمَ جَبْرًا لِخَاطِرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّخَالُفَ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ، فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مُجَرَّدُ الْحُضُورِ مَعَهُ انْتَهَى. وَلِلطِّيبِيِّ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ بَيَّنَاهُ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، (فَقَالَ لِيَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُسَكَّنُ (الشَّرْبَةُ لَكَ) أَيْ لِأَنَّكَ صَاحِبُ الْيَمِينِ، وَقَدْ وَرَدَ: الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السِّتَّةِ عَنْ أَنَسٍ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ نَدْبًا وَلَوْ صَغِيرًا مَفْضُولًا ; وَلِذَا قَالَ: (فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا) أَيْ مُرَاعَاةً لِلْأَكْبَرِ أَوِ الْأَفْضَلِ. وَفِي نِسْبَةِ الْمَشِيئَةِ إِلَيْهِ تَطْيِيبٌ لِخَاطِرِهِ، وَتَنْبِيهُ نَبِيِّهِ عَلَى أَنَّ الْإِيثَارَ أَوْلَى لَهُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ يُشْكَلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا يُكْرَهُ الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ، حَيْثُ آثَرَ مَنْ لَيْسَ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا كَمَا هُنَا، وَكَتَقْدِيمِ غَيْرِ الْأَفْقَهِ مَثَلًا عَلَى الْأَفْقَهِ فِي الْإِمَامَةِ، فَلَا كَرَاهَةَ انْتَهَى.
أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا كَمَا هُنَا، وَكَتَقْدِيمِ غَيْرِ الْأَفْقَهِ مَثَلًا عَلَى الْأَفْقَهِ فِي الْإِمَامَةِ، فَلَا كَرَاهَةَ انْتَهَى. وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ إِذَا قَدَّمَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْإِمَامَةِ وَغَيْرِهَا، لَا يُسَمَّى إِيثَارًا، وَإِنَّمَا الْإِيثَارُ إِذَا كَانَ مُتَسَاوِيًا مَعَ غَيْرِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، أَوْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فِي الِاتِّفَاقِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا الْمَبْحَثَ مَعَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَالْأَعْرَابِيِّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ (فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَنَصْبِ الْفِعْلِ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ أَيْ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا يَسْتَقِيمُ مِنِّي أَنْ أَخْتَارَ (عَلَى سُؤْرِكَ) بِضَمٍّ فَسُكُونِ هَمْزٍ، وَيُبْدَلُ أَيْ مَا بَقِيَ مِنْكَ (أَحَدًا) أَيْ غَيْرِي يَفُوزُ بِهِ، وَرُوِيَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلٍ مِنْكَ أَحَدًا، وَفِي النِّهَايَةِ وَمِنْهُ حَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ
ِنْكَ (أَحَدًا) أَيْ غَيْرِي يَفُوزُ بِهِ، وَرُوِيَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلٍ مِنْكَ أَحَدًا، وَفِي النِّهَايَةِ وَمِنْهُ حَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ
عَبَّاسٍ لَا أُوثِرُ بِسُؤْرِكَ أَحَدًا، أَيْ لَا أَتْرُكُهُ لِأَحَدٍ غَيْرِي، انْتَهَى. وَلَعَلَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ أَوِ الْمُرَادَ مِنْ إِطْلَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الْفَضْلُ لِدَلِيلٍ آخَرَ، وَإِلَّا فَابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا أُطْلِقَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا إِذَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَإِذَا أُطْلِقَ الْحَسَنُ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَيْ سُؤْرِ أَحَدٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَهُوَ تَقْدِيرٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مَنَعَ الْإِيثَارَ ; لِأَنَّهُ يُحْرَمُ عَنْ سُؤْرِهِ ﷺ وَيَقَعُ لَهُ سُؤْرُ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ خَالِدًا مَا كَانَ يَشْرَبُ سُؤْرَهُ كُلَّهُ، مَعَ إِفَادَةِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ فَرَاغُ اللَّبَنِ بِشُرْبِ خَالِدٍ، لَكَانَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْإِيثَارِ أَوْلَى لِلْحِرْمَانِ الْكُلِّيِّ، لَكِنْ غَفَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَنَّ سُؤْرَهُ صَلَّى
ِ بِشُرْبِ خَالِدٍ، لَكَانَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْإِيثَارِ أَوْلَى لِلْحِرْمَانِ الْكُلِّيِّ، لَكِنْ غَفَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَنَّ سُؤْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ بَقَاءِ سُؤْرِ خَالِدٍ أَفْضَلُ، فَكَانَ الْإِيثَارُ مُوجِبًا لِلْأَكْمَلِ، فَإِنَّ سُؤْرَ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ ; وَلِذَا لَمَّا أَرَادَ ﷺ أَنْ يَشْرَبَ مَاءَ زَمْزَمَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلْفَضْلِ: هَاتِ الشَّرْبَةَ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ مَاءَ السِّقَايَةِ اسْتَعْمَلَتْهُ الْأَيَادِي، فَقَالَ ﷺ: إِنَّمَا أُرِيدُ بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ أَيِ السِّقَايَاتِ، فَيُؤْتَى بِالْمَاءِ فَيَشْرَبُهُ، وَيَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ الرَّدَّ عَلَى قَائِلِ الْمُضَافِ، وَنَسَبَ قَوْلَهْ إِلَى الرَّكَاكَةِ وَغَيْرِهِمَا، مِمَّا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ صَاحِبُ الْإِنْصَافِ، (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ) أَيْ نَدْبًا بَعْدَ أَكْلِهِ وَالْحَمْدِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، فَلْيَقُلْ حَالَ الْأَكْلِ، فَإِنَّ آخِرَهُ إِلَى مَا بَعْدَهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحَمْدِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ حَالَ الْأَكْلِ لَا يُقَالُ أَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ زِدْنَا مِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا) أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ جَمَاعَةَ الْآكِلِينَ (فِيهِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ رِعَايَةً لِلَّفْظِ الْوَارِدِ وَمُلَاحَظَةً لِعُمُومِ الْإِخْوَانِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ،
لِلَّفْظِ الْوَارِدِ وَمُلَاحَظَةً لِعُمُومِ الْإِخْوَانِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، (وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ) أَيْ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَاهُ (وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا) أَيْ خَالِصًا أَوْ مَمْزُوجًا بِمَاءٍ وَغَيْرِهِ، (فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ جِنْسِ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبْنَا مِنْهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي اللَّبَنِ بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى دَلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ) بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ مِنَ الْإِجْزَاءِ أَيْ لَا يُغْنِي وَلَا يَكْفِي، وَلَا يَقُومُ شَيْءٌ (مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) أَيْ مَقَامَهُمَا (غَيْرَ اللَّبَنِ) مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى الْبَدَلِ، وَأَغْرَبَ مَنْ تَرَدَّدَ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْحَقُ مَا عَدَا اللَّبَنَ مِنَ الْأَشْرِبَةِ بِهِ أَوْ بِالطَّعَامِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ أَدْنَى تَأَمُّلٍ فِي الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، (قَالَ أَبُو عِيسَى) أَيِ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثَيْنِ فِي بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، فَمِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: (هَكَذَا) أَيْ مِثْلُ مَا سَبَقَ فِي إِيرَادِ الْإِسْنَادِ (رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ) يَعْنِي الْأَوَّلَ (عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) أَيْ مُتَّصِلًا كَمَا ذَكَرْنَا يَعْنِي وَلَهُ إِسْنَادٌ آخَرُ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ (عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا) أَيْ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسْقَاطِ عُرْوَةَ،
الرُّوَاةِ (عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا) أَيْ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسْقَاطِ عُرْوَةَ، فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَبَا الطُّفَيْلِ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ ; وَلِذَا قَالَ: (وَلَمْ يَذْكُرُوا) أَيِ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْأَكْثَرُونَ (فِيهِ) أَيْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَهَكَذَا رَوَى يُونُسُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ
النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا) أَيْ فَيَكُونُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مُنْفَرِدًا مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِهِ فِي إِسْنَادِهِ مَوْصُولًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (قَالَ أَبُو عِيسَى وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ) أَيْ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ غَرِيبًا إِسْنَادًا، وَالْغَرَابَةُ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَالْحُسْنَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ سَنَدَ الْإِرْسَالِ أَصَحُّ مِنْ سَنَدِ الِاتِّصَالِ، كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهِ فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، انْتَهَى. وَهُوَ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِذَا اعْتَضَدَ بِمُتَّصِلٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْإِسْنَادِ، وَإِنْ كَثُرَتْ رُوَاةُ الْإِرْسَالِ ; لِأَنَّ مَعَ الْمُسْنَدِ زِيَادَةَ عِلْمٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، انْتَهَى.
لِلْإِسْنَادِ، وَإِنْ كَثُرَتْ رُوَاةُ الْإِرْسَالِ ; لِأَنَّ مَعَ الْمُسْنَدِ زِيَادَةَ عِلْمٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، انْتَهَى. (وَمَيْمُونَةُ) أَيِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي (بِنْتُ الْحَارِثِ) أَيِ الْهِلَالِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ (زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ: إِنَّ اسْمَهَا كَانَ بَرَّةَ، فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ، كَانَتْ تَحْتَ مُعَوَّذِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَفَارَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا أَبُو دِرْهَمٍ وَتُوُفِّيَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، بِسَرَفَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا وَبَنَى بِهَا فِيهِ، سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَدُفِنَتْ فِيهِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ التَّنْعِيمِ وَالْوَادِي فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَبُنِيَ عَلَى قَبْرِهَا مَسْجِدٌ يُزَارُ وَيُتَبَرَّكُ بِهِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ الْفَضْلِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ، وَأُخْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَهِيَ آخِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُهُ: (هِيَ خَالَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَالَةُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ) بَيَانُ وَجْهِ دُخُولِهِمَا عَلَى مَيْمُونَةَ، وَزَيْدٌ يَزِيدُ اسْتِطْرَادًا (وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ) أَيِ الْحَدِيثِ الثَّانِي (عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ،
ِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ) أَيِ الْحَدِيثِ الثَّانِي (عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، (فَرَوَى بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) كَمَا سَبَقَ فِي الْإِسْنَادِ (وَرَوَى شُعْبَةُ) أَيْ مِنْ بَيْنِ الْمُحَدِّثِينَ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ) أَيْ فَقَالَ شُعْبَةُ فِي إِسْنَادِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (عَنْ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرْمَلَةَ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) أَيِ الصِّحَّةُ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ الْأَوَّلُ عُمَرُ بِلَا وَاوٍ، الثَّانِي أَبِي حَرْمَلَةَ عَلَى الْكُنْيَةِ لَا بِالِاكْتِفَاءِ عَلَى الْعَلَمِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَعَادَ هَذَا الْبَيَانَ مَعَ اسْتِفَادَتِهِ مِنْ إِيرَادِ إِسْنَادِهِ، لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالتَّصْرِيحِ، وَلِمَقَامِ الِاخْتِلَافِ بِالتَّصْحِيحِ.
(بَابُ مَا جَاءَ فِي شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الشُّرْبُ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّشَرُّبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي التَّاجِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ لَكِنَّ الْكَسْرَ شَاذٌّ، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّصْبِ أَشْهَرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَالْكَسْرُ بِمَعْنَى الْمَشْرُوبِ، وَكَذَا الْفَتْحُ وَالضَّمُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هُنَا، وَأَمَّا نَقْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ أَنَّ الشَّرْبَ بِالْفَتْحِ جَمْعُ شَارِبٍ، كَصَحْبٍ جَمْعِ صَاحِبٍ، عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ وُرُودِهِ، فَلَا مُنَاسَبَةَ لَهُ بِالْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.



