جمع الوسائل في شرح الشمائل

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الملا على القاري (w. 1014 H).

Bagian 6 dari 41 494 halaman

— Bagian 6 · رِيفَ مِمَّنْ عَرَفَ سَلْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَن… —

Bagian 6

رِيفَ مِمَّنْ عَرَفَ سَلْمَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَقِيَهُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ وَعَرَفَهُ. (مَا هَذَا؟) : أَيِ الْمَأْتِيُّ الَّذِي أَتَيْتَهُ أَوِ الَّذِي وَضَعْتَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَيِ الرُّطَبِ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْمَائِدَةِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ «مَا هَذِهِ؟» وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ إِفَادَةُ الْعُمُومِ، وَاحْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ الْمَائِدَةُ مُغَطَّاةٌ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمَقْصُودُ بِالسُّؤَالِ الْغَرَضُ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى إِتْيَانِهِ وَوَضْعِهِ. (فَقَالَ) : أَيْ هَذَا وَهَذِهِ. (صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ) : قَالَ شَارِحٌ: إِنَّ الصَّدَقَةَ مِنْحَةٌ يَمْنَحُهَا الْمَانِحُ طَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَتَكُونُ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ رُؤْيَةِ تَذَلُّلٍ لِلْآخِذِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، وَالْهَدِيَّةُ مِنْحَةٌ لَا يُرَى فِيهَا تَذَلُّلُ الْآخِذِ بَلْ يُطْلَبُ بِهَا التَّحَبُّبُ إِلَى الْآخِذِ وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ، قَالَ الْعِصَامُ: فَمَفْهُومُ الصَّدَقَةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَالصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ فَرْضُهَا وَتَطَوُّعُهَا عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَمَنْ جَعَلَ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ أَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ جَعَلَهَا مُحَرَّمَةً عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ أَبَدًا، وَمَنْ جَعَلَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا دَفْعَ التُّهْمَةِ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِ حَقَّ الْفُقَرَاءِ لَمْ يَجْعَلْهَا بَعْدَهُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.

إِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ. (فَقَالَ ارْفَعْهَا) : أَيِ الْمَائِدَةَ أَوِ الصَّدَقَةَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ أَوْ عَنِّي لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: فِيهِ تَحْرِيمُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ لِاحْتِمَالِ امْتِنَاعِهِ وُجُوبًا أَوْ تَنَزُّهًا. (فَإِنَّا) : أَيْ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَنَا وَأَقَارِبِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ أَوِ الضَّمِيرُ لِلْعَظَمَةِ. (لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) : وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ نَفْسُهُ وَأَصْحَابُهُ ; إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ الْحَاضِرُونَ عِنْدَهُ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ، وَيُحْمَلُ حِينَئِذٍ أَمْرُهُ بِالْأَكْلِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ حَضَرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَبْرًا لِخَاطِرِ سَلْمَانَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ «الصَّدَقَةُ» أَيِ الزَّكَاةُ، وَمِثْلُهَا كُلُّ وَاجِبٍ كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يَعُمُّ الْمَنْدُوبَةَ أَيْضًا كَانَتِ النُّونُ لِلتَّعْظِيمِ لِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ دُونَ قَرَابَتِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ ذَلِكَ، انْتَهَى.

لَيْهِ دُونَ قَرَابَتِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ، لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يَعُمُّ الْمَنْدُوبَةَ فَإِنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ مُتَعَيَّنَةٌ لِيَصِحَّ التَّعْلِيلُ عَنِ امْتِنَاعِ أَكْلِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيمِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ هَذَا مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، وَدَعْوَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِامْتِنَاعِ هُوَ التَّحْرِيمُ مَمْنُوعَةٌ أَيْضًا ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا، وَأَغْرَبَ الْعِصَامُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِرَفْعِهَا مُطْلَقًا وَلَمْ يَأْكُلْ أَصْحَابَهُ ; لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَكْلُ أَصْحَابِهِ مِنْهُ، فَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُمْ أَكَلُوهُ بَعْدَ جَعْلِ سَلْمَانَ كُلَّهُ صَدَقَةً عَلَى أَصْحَابِهِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِمَّا يُكْتَفَى بِالْعِلْمِ بِالْمَرْضِيِّ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: بَقِيَ أَنَّهُ بَعْدَ جَعْلِهِ صَدَقَةً لِأَصْحَابِهِ يَصِحُّ أَنْ يَأْكُلَهُ ﷺ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ هَدِيَّةً لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ شَاةِ صَدَقَةٍ أَخَذَتْهَا بَرِيرَةُ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ عَلَيْهَا وَهَدِيَّةٌ لَنَا» . إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يُأْذِنْهُ أَصْحَابُهُ بِالْأَكْلِ

لِعَدَمِ حُكْمِهِمْ بِالْعِلْمِ، انْتَهَى. وَوَجْهُ الْعَجَبِ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالْإِبَاحَةِ، فَمَسْأَلَةُ بَرِيرَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى إِهْدَائِهَا لَهُ ﷺ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةَ بِأَخْذِهَا، وَمَسْأَلَةُ الْأَصْحَابِ هُنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْأَكْلِ لَهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَلَا يَصِحُّ لَهُمُ الْإِبَاحَةُ لِغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ. (قَالَ) : أَيْ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ. (فَرَفَعَهَا) : أَيْ سَلْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ أَوْ فَرَفَعَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ أَكْلِهَا، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ ﷺ أَيْضًا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، انْتَهَى. وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهٌ لِعَدَمِ أَكْلِ الْأَصْحَابِ مَعَ مُنَافَاتِهِ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُمْ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ. (فَجَاءَ) : أَيْ سَلْمَانُ. (الْغَدَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَيْ يَوْمًا أَوْ وَقْتًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ. (بِمِثْلِهِ) : أَيْ بِنَحْوِ مَا جَاءَ بِهِ أَوَّلًا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ بِرُطَبٍ عَلَى مَائِدَةٍ، وَمِنْ قَوْلِ الْعِصَامِ: الضَّمِيرُ لِلْمَائِدَةِ لِتَأْوِيلِهَا بِالْخِوَانِ إِذْ لَا يَبْقَى فَائِدَةٌ لِلْمِثْلِ وَتَغْيِيرُ الْخِوَانِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكَ أَنَّ تَجْعَلَ قَوْلَهُ بِمِثْلِهِ حَالًا أَيْ مُلْتَبِسًا بِمِثْلِ هَذَا الْمَجِيءِ، يَعْنِي أَنَّ الْبَاءَ عَلَى مَا سَبَقَ لِلتَّعْدِيَةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ. (فَوَضَعَهُ) : أَيْ سَلْمَانُ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَ مَا سَبَقَ مِنْ وَضْعِهِ.

ْنِي أَنَّ الْبَاءَ عَلَى مَا سَبَقَ لِلتَّعْدِيَةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ. (فَوَضَعَهُ) : أَيْ سَلْمَانُ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَ مَا سَبَقَ مِنْ وَضْعِهِ. (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ) : خَاطَبَهُ بِاسْمِهِ ثَانَوِيًّا تَلَطُّفًا عَلَى مُقْتَضَى رَسْمِهِ وَإِشْعَارًا بِدُخُولِهِ فِي السِّلْمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَتَفَاؤُلًا، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَفِي وَضْعِ اسْمِهِ عَلَى صُورَةِ التَّثْنِيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى تَعَدُّدِ قَضِيَّتِهِ وَاسْتِسْلَامِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. (فَقَالَ: هَدِيَّةٌ لَكَ) : قَالَ الْحَنَفِيُّ: لَعَلَّ اخْتِيَارَ كَلِمَةِ «عَلَى» فِي الصَّدَقَةِ وَكَلِمَةِ «اللَّامِ» فِي الْهَدِيَّةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الضُّرِّ فِيهَا وَهُوَ الذُّلُّ، وَعَدَمِهِ فِي الْهَدِيَّةِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ، انْتَهَى. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ تَارَةً يَتَعَدَّى بِاللَّامِ وَتَارَةً بِعَلَى كَشَهِدَ لَهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ لَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ، وَدَعَا لَهُ وَدَعَا عَلَيْهِ، لَا أَنَّ اللَّامَ مَوْضُوعَةٌ

مِ وَتَارَةً بِعَلَى كَشَهِدَ لَهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ لَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ، وَدَعَا لَهُ وَدَعَا عَلَيْهِ، لَا أَنَّ اللَّامَ مَوْضُوعَةٌ

فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِلنَّفْعِ وَعَلَى لِلضُّرِّ، مَعَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَصْحَابِ لَيْسَتْ لِلضَّرَرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) نَعَمِ، الِاقْتِصَارُ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى خِطَابِهِ ﷺ وَتَعْمِيمِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الصَّدَقَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْقَصْدَ هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ مُشَارِكٌ لَهُ فِيمَا هُوَ الْغَرَضُ مِنَ الصَّدَقَةِ تَبَعًا لَهُ لَوْ جَازَتْ لَهُ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ) : أَيْ بِطَرِيقِ الِانْبِسَاطِ. (ابْسُطُوا) : دَفْعًا لِوَهْمِهِمْ أَنَّ هَذِهِ مُخْتَصَّةٌ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا، وَإِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْآدَابِ مَعَ الْخَدَمِ وَالْأَصْحَابِ إِظْهَارًا لِمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالْكَرْمِ الْعَمِيمِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْبَسْطِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنْ حَدِّ «نَصَرَ» عَلَى مَا ضُبِطَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَمَعْنَاهُ أَوْصِلُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَائِدَةِ وَكُلُوا مِنْهَا مَعَنَا، فَبَسْطُ الْيَدِ كِنَايَةٌ عَنْ إِيصَالِهَا إِلَى الشَّيْءِ، وَمِنْهُ: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ) فَأَيْدِيكُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَوْ مِنَ الْبَسْطِ بِمَعْنَى النَّشْرِ أَيِ انْشُرُوا الطَّعَامَ فِي الْمَجْلِسِ بِحَيْثُ يَصِلُ إِلَيْهِ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ أَوِ اقْسِمُوا هَذِهِ الْهَدِيَّةَ بَيْنَكُمْ، أَوْ مَعْنَاهُ انْبَسِطُوا مِنْ سَلْمَانَ وَاسْتَبْشِرُوا بِقُدُومِهِ تَلَطُّفًا لَهُ وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لِيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا أَيْ مُنْبَسِطًا،

طُوا مِنْ سَلْمَانَ وَاسْتَبْشِرُوا بِقُدُومِهِ تَلَطُّفًا لَهُ وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: لِيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا أَيْ مُنْبَسِطًا، وَمِنْهُ حَدِيثُ فَاطِمَةَ: «يَبْسُطُنِي مَا يَبْسُطُهَا» أَيْ يَسُرُّنِي مَا يَسُرُّهَا ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سُرَّ انْبَسَطَ وَجْهُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ «انْشَطُوا» بِالنُّونِ ثُمَّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ أَوِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، فَيَكُونُ مِنَ النَّشَاطِ قَرِيبًا مِنَ الِانْبِسَاطِ أَيْ: كُونُوا ذَا نَشَاطٍ لِلْأَكْلِ مَعِي، وَبِهِ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ حَدِّ «ضَرَبَ» ، وَيُقَالُ فِي مَعْنَاهُ افْتَحُوا الْعُقْدَةَ، وَلَعَلَّ مَائِدَةَ سَلْمَانَ كَانَتْ فِي لِفَافَةٍ مَعْقُودَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «مَا هَذِهِ؟» ، وَلَا يُشْكِلُ بِمَا فِي النِّهَايَةِ، يُقَالُ: نَشَطْتُ الْعُقْدَةَ إِذَا عَقَدْتُهَا وَأَنْشَطْتُهَا إِذَا حَلَلْتُهَا ; لِمَا فِي التَّاجِ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَمَصْدَرُهُ الْأُنْشُوطَةُ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ مِنَ الْإِنْشَاطِ وَهُوَ الْحَلُّ، وَفِي قَلِيلٍ مِنَ النُّسَخِ: انْشَقُّوا، بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ مِنَ الِانْشِقَاقِ بِمَعْنَى الِانْفِرَاجِ وَالتَّفَرُّقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِالِانْشِقَاقِ لِيَدْنُوَ سَلْمَانُ، وَيَقْرُبَ مِنْهُ ﷺ أَوْ يَجْلِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.

فِرَاجِ وَالتَّفَرُّقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِالِانْشِقَاقِ لِيَدْنُوَ سَلْمَانُ، وَيَقْرُبَ مِنْهُ ﷺ أَوْ يَجْلِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهَا مِلْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ بَاطِنِ الْأَمْرِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ سَلْمَانَ كَانَ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ مِنْ مَالِكِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدَى لَهُ أَنْ يَعُمَّ الْحَاضِرِينَ مِمَّا أُهْدِيَ إِلَيْهِ، وَحَدِيثُ: «مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا» وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَمَا قَالَهُ مِيرَكُ مُؤَيِّدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأُصُولِ: الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يُدَاوِمُونَ مَجْلِسَهُ وَيَعْتَكِفُونَ بَابَهُ وَيَتَفَقَّدُونَ أُمُورَهُ لَا كُلُّ مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، انْتَهَى. وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ أَنَّ الْهَدَايَا مُشْتَرَكٌ فَلَيْسَ لِلَفْظِهِ أَصْلٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي مَعْنَى الضَّعِيفِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أُتِيَ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ جَسِيمَةٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ فَقِيرٌ مُسَافِرٌ فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا، الْهَدَايَا مُشْتَرَكٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ بِلِسَانِهِ أَمَاتَنْهَا خُوشْتَرْكْ أَيْ الِانْفِرَادُ أَحْسَنُ، فَظَنَّ الْفَقِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الِانْفِرَادَ

ايَا مُشْتَرَكٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ بِلِسَانِهِ أَمَاتَنْهَا خُوشْتَرْكْ أَيْ الِانْفِرَادُ أَحْسَنُ، فَظَنَّ الْفَقِيرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الِانْفِرَادَ لِنَفْسِهِ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَكَ تَنْهَا خُوشْتَرْكْ، فَشَرَعَ فِي أَخْذِهِ، فَعَجَزَ عَنْ حَمْلِهِ وَحْدَهُ، فَأَشَارَ الشَّيْخُ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ بِمُعَاوَنَتِهِ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا يُوسُفَ أُتِيَ بِهَدِيَّةٍ مِنَ النُّقُودِ فَقِيلَ لَهُ: الْهَدَايَا مُشْتَرَكٌ، فَقَالَ: اللَّامُ لِلْعَهْدِ ; أَيْ: الْهَدَايَا مِنَ الرُّطَبِ وَالزَّبِيبِ وَأَمْثَالِهَا، فَانْظُرِ الْفَرْقَ الْبَيِّنَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. (ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ. (عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَذَا دَلِيلُ التَّرْجَمَةِ، وَأَتَى بِثُمَّ الدَّالَّةَ عَلَى التَّرَاخِي لِمَا فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَنَّ سَلْمَانَ لَبِثَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْتَظِرُ رُؤْيَةَ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي أَخْبَرَهُ عَنْهَا آخِرُ مَشَايِخِهِ، أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَبِيبٌ عَنْ قَرِيبٍ وَمِنْ عَلَامَاتِهِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ الَّذِي خُتِمَ بِهِ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلِ الصَّدَقَةَ وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا شَاهَدَ سَلْمَانُ الْعَلَامَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ انْتَظَرَ الْآيَةَ الثَّالِثَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ نُقَبَاءَ الْأَنْصَارِ فَشَيَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَنَازَتَهُ، وَذَهَبَ مَعَهَا إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَجَلَسَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يَنْتَظِرُ دَفْنَهُ، فَجَاءَ سَلْمَانُ وَاسْتَدَارَ خَلْفَهُ لِيَنْظُرَ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتِدْبَارَهُ عَرَفَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَثْبِتَ شَيْئًا وُصِفَ لَهُ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرَ سَلْمَانُ إِلَى الْخَاتَمِ.

اسْتِدْبَارَهُ عَرَفَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَثْبِتَ شَيْئًا وُصِفَ لَهُ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرَ سَلْمَانُ إِلَى الْخَاتَمِ. (فَآمَنَ بِهِ) : بِلَا تَرَاخٍ وَمُهْلَةٍ لَمَّا رَأَى مِنَ انْطِبَاقِ أَوْصَافِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي

التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ ﷺ، فَالْفَاءُ مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَجْمُوعِ مَا سَبَقَ مِنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَةِ. (وَكَانَ لِلْيَهُودِ) : مُفْرَدُهُ الْيَهُودِيُّ ; أَيْ: كَانَ سَلْمَانُ مَوْثُوقًا عِنْدَهُمْ بِحِبَالِ رِقِّيَتِهِمْ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ آمَنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: «عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُمْ» ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ: قَدِمَ فِي رَكْبٍ مِنْ بَنِي كَلْبٍ إِلَى وَادِي الْقُرَى، فَظَلَمُونِي وَبَاعُونِي عِنْدَ ابْنِ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ. وَفِي أُخْرَى: فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ. فَيُحْتَمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي اشْتِرَائِهِ، أَوْ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، وَجَعْلِ التَّابِعِ فِي دَائِرَةِ الْمَتْبُوعِ وَالْفَرْعِ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ; أَيْ: لِبَعْضِ الْيَهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ رُفَقَاءَهُ مِنْ بَنِي كَلْبٍ بَاعُوهُ فِي وَادِي الْقُرَى لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ ثُمَّ بَاعَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ. . . امْرَأَةً بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: تَدَاوَلَنِي بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ. (فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: أَيْ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ: أَمَرُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ ; لِمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّهُ كُوتِبَ فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابَتِهِ، وَقِيلَ: أَدَّى بَدَلَ كِتَابَتِهِ، وَسَمَّاهُ اشْتِرَاءً مَجَازًا، وَحَاصِلُ مَعْنَى الْكُلِّ أَنَّهُ خَلَّصَهُ عَنْ رِقِّهِ. (بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا) : قِيلَ: أَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِنْ فِضَّةٍ، وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَالْأُوقِيَّةُ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. (عَلَى أَنْ يَغْرِسَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ.

فِضَّةٍ، وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ، وَالْأُوقِيَّةُ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. (عَلَى أَنْ يَغْرِسَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ. (لَهُمْ) : أَيْ لِمَنْ يَمْلِكُ سَلْمَانَ. (نَخِيلًا) : هُوَ وَالنَّخْلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْوَاحِدَةُ النَّخْلَةُ، ثُمَّ «عَلَى» بِمَعْنَى «مَعَ» ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ «وَعَلَى» بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ شِرَاؤُهُ ﷺ حَقِيقَةً ; إِذْ لَا يَصِحُّ جَعْلُ الْغَرْسِ دَاخِلَ الثَّمَنِ وَلَا شَرْطًا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، سَوَاءٌ جُعِلَ ضَمِيرُ «يَغْرِسَ» رَاجِعًا إِلَى سَلْمَانَ أَوْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْبَائِعَ قَدِ اسْتَثْنَى بَعْضًا مِنْ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً، وَهِيَ غَرْسُهُ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ وَعَمَلُهُ فِيهَا وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَرَّرْنَاهُ مَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ، فَكَاتَبْتُ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْسِنُهَا، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، وَزَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَبَقِيَ الذَّهَبُ، فَجَاءَهُ ﷺ مِثْلُ الْبَيْضَةِ مِنَ الذَّهَبِ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ ﷺ لِسَلْمَانَ: «أَدِّ هَذِهِ عَنْكَ» . (فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ) : بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى «يَغْرِسَ» فَيُفِيدُ أَنَّ عَمَلَهُ مِنْ جُمْلَةٍ بَدَلَ الْكِتَابَةِ، قَالَ الْعِصَامُ: وَفِي نُسْخَةٍ «لِيَعْمَلَ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ مُتَبَرِّعٌ، وَهُوَ يُصَحِّحُ أَنَّ شِرَاءَهُ ﷺ حَقِيقَةً، ثُمَّ فِي تَصْرِيحِ سَلْمَانَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فَاعِلَ «يَغْرِسُ» هُوَ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَيْ سَلْمَانُ، فَوَهْمٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأُصُولِ فِيهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَيَعْمَلُ فِيهَا سَلْمَانُ.

يِّ: أَيْ سَلْمَانُ، فَوَهْمٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأُصُولِ فِيهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَيَعْمَلُ فِيهَا سَلْمَانُ. فَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ النَّخْلِ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ النَّخْلَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَتَبِعَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَهُ نَظَرًا لِلَّفْظِ وَالْأَوْلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: النَّخْلُ مَعْرُوفٌ كَالنَّخِيلِ وَيُذَكَّرُ وَوَاحِدَتُهُ نَخْلَةٌ جَمْعُهَا نَخِيلٌ، انْتَهَى. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: (نَخْلٍ مُنْقَعِرٌ) ، وَ (نَخْلٍ خَاوِيَةٌ) . (حَتَّى تُطْعِمَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرِ الْعَيْنِ، لَا غَيْرَ عَلَى مَا فِي أَصْلِنَا، وَهُوَ بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَقَدْ سَبَقَ وَجْهُهَا، وَالْمَعْنَى: حَتَّى تُثْمِرَ، يُقَالُ: أَطْعَمَتِ النَّخْلَةُ إِذَا أَثْمَرَتْ، قَالَ مِيرَكُ: وَاعْلَمْ أَنَّ رِوَايَتَنَا بِالتَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ لَكِنْ بِصِيغَةِ الْمَعْرُوفِ لَا غَيْرَ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فَلَيْسَ هُوَ فِي رِوَايَتِنَا وَأُصُولِ مَشَايِخِنَا، وَاللَّهُ الْهَادِي، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُلَّا حَنَفِي فَإِنَّهُ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ أَخَذَ الْحَدِيثَ عَنْ وَالِدِ مِيرَكَ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يُرْوَى مَعْرُوفًا وَمَجْهُولًا بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَمِنْ تَحْتٍ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ «أَنْ» بَعْدَ «حَتَّى» . وَفِي النِّهَايَةِ فِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ. يُقَالُ: أَطْعَمَتِ الشَّجَرَةُ إِذَا أَثْمَرَتْ، وَأَطْعَمَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا أَدْرَكَتْ أَيْ صَارَتْ ذَاتَ طَعْمٍ يُؤْكَلُ مِنْهَا. وَرُوِيَ حَتَّى تُطْعَمَ أَيْ: تُؤْكَلَ، وَلَا تُؤْكَلُ إِلَّا إِذَا أَدْرَكَتِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يُعْلَمُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ مَعْرُوفًا وَمَجْهُولًا، تَمَّ كَلَامُهُ.

تُؤْكَلَ، وَلَا تُؤْكَلُ إِلَّا إِذَا أَدْرَكَتِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنْهُ يُعْلَمُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ مَعْرُوفًا وَمَجْهُولًا، تَمَّ كَلَامُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْوَجْهَيْنِ إِذَا ثَبَتَتْ فِي كَلِمَةٍ فِي حَدِيثٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُهُمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ، خُصُوصًا مَعَ اخْتِلَافِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ

الثَّمَرَةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُمَا عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَالنَّخْلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ الْفَاعِلُ، فَمَعْنَى إِثْمَارِهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: حَتَّى تُؤْكَلَ النَّخْلَةُ، فَمَا أَبْعَدَهَا عَنِ التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَطْعَمَ النَّخْلُ إِذَا أَدْرَكَ ثَمَرُهَا، فَهُوَ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى غَيْرِ أَيْ مَأْكُولٍ كَالثَّمَرَةِ جَازَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا كَمَا عُلِمَ مِنْ صَنِيعِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْضًا، وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: يُؤْكَلُ ثَمَرُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، وَلَا يُعْدَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ، فَتَدَبَّرْ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كُتُبِ السِّيَرِ: أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ أَعَانُوا سَلْمَانَ بِأَمْرِهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِإِعَانَتِهِ، فَجَمَعُوا الْفُسْلَانِ عَلَى مِقْدَارِ مَقْدِرَتِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُ ثَلَثُمِائَةُ فَسَيْلٍ، ثُمَّ حَفَرَ سَلْمَانُ لَهَا فِي

بِإِعَانَتِهِ، فَجَمَعُوا الْفُسْلَانِ عَلَى مِقْدَارِ مَقْدِرَتِهِمْ حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُ ثَلَثُمِائَةُ فَسَيْلٍ، ثُمَّ حَفَرَ سَلْمَانُ لَهَا فِي أَرْضٍ عَيَّنَهَا أَصْحَابُهُ، وَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ الْغَرْسِ أَخْبَرَ بِهِ ﷺ فَجَاءَ. (فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ بِيَدَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ. (النَّخْلَ) : أَيْ جَمِيعَهَا. (إِلَّا نَخْلَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. (وَاحِدَةً) : لِلتَّأْكِيدِ. (غَرَسَهَا عُمَرُ ﵁ فَحَمَلَتْ) : أَيْ أَطْعَمَتْ. (النَّخْلُ) : أَيْ جَمِيعُهَا. (مِنْ عَامِهَا) : أَيْ مِنْ سَنَةِ غَرْسِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي عَامِهَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِضَافَةُ الْعَامِ إِلَيْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَغْرُوسَةٌ فِيهِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى النَّخِيلِ، وَقَالَ الْعِصَامُ: أَيْ مِنْ عَامِ الْغَرْسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فِي عَامِهِ، وَالضَّمِيرُ لِلْغَرْسِ، انْتَهَى. وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ، وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ أَنَّ النَّخْلَ لَا تَحْمِلُ مِنْ عَامِ غَرْسِهَا. (وَلَمْ تَحْمِلْ نَخْلَةٌ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَقَطْ فِي أَصْلِنَا الْمُصَحَّحِ بِالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَمِنْ تَحْتٍ وَوَجْهُ كِلْتَيْهِمَا ظَاهِرٌ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ هَذِهِ) : أَيْ مَا سَبَبُ هَذِهِ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ فِي أَنَّهَا مَا حَمَلَتْ كَبَقِيَّةِ النَّخْلَةِ. (فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا غَرَسْتُهَا) : وَعَدَمُ حَمْلِ هَذِهِ النَّخْلَةِ فِي عَامِ غَرْسِهَا وَقَعَ عَلَى سُنَنِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ مَا عَرَفَ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِالْغَرْسِ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ بَلْ مُجَرَّدَ الْمُعَاوِنَةِ.

َلَى سُنَنِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ مَا عَرَفَ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِالْغَرْسِ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ بَلْ مُجَرَّدَ الْمُعَاوِنَةِ. (فَنَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَغَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهِ) : أَيْ عَامَ الْغَرْسِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «مِنْ عَامِهَا» وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَانَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُظْهِرَ الْمُعْجِزَةَ بِإِطْعَامِ الْكُلِّ سِوَى مَا لَمْ يَغْرِسْهُ كُلَّ الظُّهُورِ، وَيَتَسَبَّبَ لِظُهُورِ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى وَهِيَ غَرْسُ نَخْلَةِ عُمَرَ ثَانِيًا وَإِطْعَامُهَا فِي عَامِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ) : بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. (بْنُ الْوَضَّاحِ) : بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ، أَبُو الْهَيْثَمِ، بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ. (أَخْبَرَنَا أَبُو عَقِيلٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ اسْمُهُ بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ. (الدَّوْرَقِيُّ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ بِفَارِسَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ. (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) : بِفَتْحِ نُونِ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ، وَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكُ بْنِ قُطَعَةَ، بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الْمَحْفُوظُ بِنُونٍ مُعْجَمَةٍ، وَضَبَطَهُ شَارِحٌ بِمُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمَحَلِّ بِالْبَصْرَةِ، انْتَهَى. وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ كَلَامُ الْعِصَامِ وَعِبَارَتُهُ بِالنُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ كَالْمُوَحَّدَةِ، الْعُوفِيُّ نِسْبَةً إِلَى الْعُوفَةِ كَالْكُوفَةِ، وَهِيَ مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ، انْتَهَى.

ُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ كَالْمُوَحَّدَةِ، الْعُوفِيُّ نِسْبَةً إِلَى الْعُوفَةِ كَالْكُوفَةِ، وَهِيَ مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ، انْتَهَى. وَأَرَادَ بِالْمُوَحَّدَةِ: الضَّادَ الْمَنْقُوطَةَ ; لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ عَنِ الْبَاءِ بِالْمُوَحَّدَةِ التَّحْتَانِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بِشْرٍ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ إِلَى أَنَّهُ مَزِلَّةٌ إِلَى الْفَسَادِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَآلَ مُتَّحِدٌ عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكُ

وَاحِدٌ، فَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ. (قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) : وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ. (الْخُدْرِيَّ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي خُدْرَةَ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ مَا بَعْدَ أُحُدٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَرْبَابُ الصِّحَاحِ السِّتَّةِ. (عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا. (يَعْنِي) : قَائِلُهُ أَبُو عَقِيلٍ، وَضَمِيرُ يَعْنِي لِأَبِي نَضْرَةَ. (خَاتَمَ النُّبُوَّةِ) : أَيْ لَا الْخَاتَمُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ. (فَقَالَ) : أَيْ أَبُو سَعِيدٍ. (كَانَ) : أَيِ الْخَاتَمُ. (فِي ظَهْرِهِ) : ظَرْفُ لَغْوٍ. (بَضْعَةً) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: قَدْ تُكْسَرُ الْبَاءُ، أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَصِفَتُهَا. (نَاشِزَةً) : بِالزَّايِ، أَيْ: مُرْتَفِعَةً عَنِ الْجِسْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» اسْمُ كَانَ، «وَفِي ظَهْرِهِ» ، خَبَرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «كَانَ» نَاقِصَةٌ وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الْخَاتَمِ وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ، وَ «بَضْعَةٌ» إِمَّا حَالٌ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَمَا أَبْعَدَ الْعِصَامُ عَنِ الْمَقَامِ بِقَوْلِهِ: وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَحِينَئِذٍ «فِي ظَهْرِهِ» خَبَرُ كَانَ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ بَعْدَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: «بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ» ، وَجَعْلُ «كَانَ» تَامَّةً لَا يُلَائِمُ الْجَوَابَ كَجَعْلِ «بَضْعَةٌ» اسْمَ «كَانَ» ، «وَفِي ظَهْرِهِ» خَبَرُهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْقِدْ بَصَرَهُ، انْتَهَى. فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ وَرَأَى خَبَرَهُ.

» ، «وَفِي ظَهْرِهِ» خَبَرُهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْقِدْ بَصَرَهُ، انْتَهَى. فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ وَرَأَى خَبَرَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «فِي ظَهْرِهِ» حَالٌ مِنْ «بَضْعَةٍ» أَوْ ظَرْفٌ لِكَانَ، وَ «بَضْعَةً» خَبَرُ «كَانَ» بِنَاءً عَلَى نَقْصِهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، وَيَجُوزُ جَعْلُهَا تَامَّةً فَيَكُونُ مَرْفُوعَةً، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَرْجِيحَ الثَّانِي، قَالَ: لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى النَّقْضِ ثُبُوتٌ فِي ظَهْرِهِ لِلْبَضْعَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ، انْتَهَى. وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، بَلْ هُوَ مَقْصُودٌ وَأَيُّ مَقْصُودٍ، كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمَامٍ لَا مِنْ خَلْفٍ، فَتَعَيَّنَ ذِكْرُ «فِي ظَهْرِهِ» رَدًّا لِهَذَا الزَّاعِمِ، انْتَهَى. مَعَ أَنَّ زِيَادَةَ الْإِفَادَةِ فِي الْجَوَابِ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي فَصْلِ الْخِطَابِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: «مِنْ بَضْعَةٍ» غَيْرُ صَحِيحٍ بِنَاءً عَلَى إِعْرَابِهِ ; لِأَنَّ الْحَالَ إِنَّمَا يَتَقَدَّمُ إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا نَكِرَةٌ مَحْضَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَائِبَةُ تَخْصِيصٍ، ثُمَّ فِي شَرْحِ السُّنَّةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجِ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ، فَقَالَ: أَنْتَ رَفِيقٌ، وَاللَّهُ الطَّبِيبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الَّذِي فِي ظَهْرِهِ ﷺ هُوَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَتَوَهَّمَ الرَّائِي أَنَّهُ سَلْعَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَدَنِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعَالَجُ بَلْ كَلَامُكَ يَفْتَقِرُ إِلَى الْعِلَاجِ حَيْثُ سَمَّيْتَ نَفْسَكَ طَبِيبًا وَاللَّهُ هُوَ الطَّبِيبُ الْمُدَاوِي الْحَقِيقِيُّ الشَّافِي عَنِ الدَّاءِ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ الْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْبَقَاءِ وَأَنْتَ تَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ فِي الْعِلَاجِ.

ي عَنِ الدَّاءِ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ الْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْبَقَاءِ وَأَنْتَ تَرْفُقُ بِالْمَرِيضِ فِي الْعِلَاجِ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ. (أَبُو الْأَشْعَثِ) : بِالْمُثَلَّثَةِ. (الْعِجْلِيُّ) : بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي عِجْلٍ. (الْبَصْرِيُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُكْسَرُ، صَدُوقٌ. (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ. (بْنُ زَيْدٍ) : احْتَرَزَ بِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بَصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، أُخْرِجَ حَدِيثُهُ فِي الصِّحَاحِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ أَحَدٌ أَتْقَنَ مِنْهُ، وَقَالَ ابْنُ يَحْيَى: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْفَظَ مِنْهُ، وَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ. (عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) : هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ، لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا ابْنُ الْقَطَّانِ وَكَأَنَّهُ بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي الْوِلَايَةِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي صِحَاحِهِمْ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) : بِمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ مَكْسُورَةٌ كَنَرْجِسَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَضْبُوطٌ بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ وَيُلَائِمُهُ قَوْلُ الْعِصَامِ كَجَعْفَرٍ، وَبَيَّنَّا وَجْهَهُمَا فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، صَحَابِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيْ جِئْتُهُ. (وَهُوَ فِي نَاسٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ أُنَاسٍ ; أَيْ جَمَاعَةٍ

مِنَ النَّاسِ. (مِنْ أَصْحَابِهِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِهِ، أَيْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي نَاسٍ، أَيْ مَعَ نَاسٍ، غَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ وُجُودِ قَوْلِهِ وَهُوَ كَمَا لَا يَخْفَى. (فَدُرْتُ) : بِضَمِّ الدَّالِ مَاضٍ مِنَ الدَّوْرِ عَطْفٌ عَلَى أَتَيْتُ. (هَكَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى كَيْفِيَّةِ دَوَرَانِهِ. (مِنْ خَلْفِهِ) : لِبَيَانِهِ، أَيِ انْقَلَبْتُ مِنْ مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ وَذَهَبْتُ حَتَّى وَقَفْتُ خَلْفَهُ. (فَعَرَفَ) : أَيْ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَوْ بِقَرِينَةِ الدَّوْرَةِ. (الَّذِي أُرِيدُ) : أَيْ أَنْوِيهِ وَأَقْصِدُهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْخَاتَمِ. (فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ) : أَيْ أَبْصَرْتُ. (مَوْضِعَ الْخَاتَمِ) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ، أَيِ الطَّابَعِ الَّذِي خُتِمَ بِهِ كَمَا مَرَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَفَ مَا أُرِيدُ، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَدُرْتُ حَتَّى قُمْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ.

قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَفَ مَا أُرِيدُ، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبِهِ، فَدُرْتُ حَتَّى قُمْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ. (عَلَى كَتِفَيْهِ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِرَأَيْتُ، وَالْمُرَادُ قَرِيبًا مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْخَاتَمِ بَعِيدٌ جِدًّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَالَ الْعِصَامُ: أَيْ مُشْرِفًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ارْتِفَاعَهُ يَزِيدُ عَلَى ارْتِفَاعِ كَتِفَيْهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا، أَوْ قَالَ ثَرِيدًا، ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جَمْعًا عَلَيْهَا خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ، انْتَهَى.

َظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جَمْعًا عَلَيْهَا خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ، انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ: عِنْدَ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَرُوِيَ: فِي نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، وَالنُّغْضُ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنَّاغِضُ مِنْهُ عَلَى وَزْنِ الْفَاعِلِ، أَعْلَى الْكَتِفِ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَظَمُ الرَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِهِ وَهُوَ الْغُضْرُوفُ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَيِّدَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ أَوْ عَلَى كَتِفِهِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: السِّرُّ فِي وَضْعِ الْخَاتَمِ عَلَى جِهَةِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ أَنَّ الْقَلْبَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرٍ مَقْطُوعٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ، فَأُرِيَ فِي النَّوْمِ جَسَدًا كَالْبِلَّوْرِ وَيُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشَّيْطَانَ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ حِذَاءَ قَلْبِهِ لَهُ خُرْطُومٌ كَالْبَعُوضِ قَدْ أُدْخِلَ إِلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الْبَرِّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ إِلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ سَأَلَ

َانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ سَأَلَ عِيسَى ﵇ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنَ ابْنِ آدَمَ فَأَرَاهُ، فَإِذَا رَأْسُهُ مِثْلُ رَأْسِ الْحَيَّةِ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى ثَمَرَةِ الْقَلْبِ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ خَنَسَ، وَإِذَا تَرَكَ أَتَاهُ وَحَدَّثَهُ. وَلَهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُولَدُ الْإِنْسَانُ وَالشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِهِ فَإِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ، وَمَعْنَى جَاثِمٍ: وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجَعِ الِاعْتِنَاءِ وَالِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمَّا مَلَأَ قَلْبَهُ ﷺ حِكْمَةً وَيَقِينًا خَتَمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا، وَأَمَّا وَضْعُهُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ فَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَدْخَلُ الشَّيْطَانِ وَمَحَلُّ وَسْوَسَتِهِ. (مِثْلَ الْجُمْعِ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ مِيمٍ وَجَوَّزَ الْكِسَائِيُّ كَسْرَ الْجِيمِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْخَاتَمِ فِي النِّهَايَةِ، يُرِيدُ مِثْلَ جَمْعِ الْكَفِّ، وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ الْأَصَابِعَ وَتَضُمَّهَا، يُقَالُ ضَرَبَهَا بِجُمْعِ كَفِّهِ بِضَمِّ الْجِيمِ، انْتَهَى.

ايَةِ، يُرِيدُ مِثْلَ جَمْعِ الْكَفِّ، وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ الْأَصَابِعَ وَتَضُمَّهَا، يُقَالُ ضَرَبَهَا بِجُمْعِ كَفِّهِ بِضَمِّ الْجِيمِ، انْتَهَى. فَهُوَ فُعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالذُّخْرِ بِمَعْنَى الْمَذْخُورِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا بِهِ فِي الْمِقْدَارِ وَأَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا فِي الْهَيْئَةِ الْمَجْمُوعَةِ وَهُوَ أَنْسَبُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ: «زِرُّ الْحَجْلَةِ» إِلَّا أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ خُطُوطٌ كَمَا يَظْهَرُ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ الْمَجْمُوعَةِ كُلُّ خَطٍّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ كَأَنَّهُ جَمْعُ كَفٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ كَأَنَّهُ جُمْعُ يَعْنِي الْكَفَّ الْجُمْعَ، وَقَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى كَفِّهِ. وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ عَلَى نُغْضِ الْكَتِفِ بِمِثْلِ الْجُمْعِ. قَالَ حَمَّادٌ: جُمْعُ الْكَفِّ وَجَمَعَ حَمَّادٌ كَفَّهُ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. (حَوْلَهَا) : أَيْ حَوْلَ الْخَاتَمِ وَأُنِّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: «كَانَ الْخَاتَمُ بَضْعَةً نَاشِزَةً» ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيِّ: أَيْ حَوْلَ الْمِثْلِ أَوْ حَوْلَ الْجُمْعِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الشَّعَرَاتِ أَوْ أَجْزَاءَ تَتَصَوَّرُ فِي الْجَمْعِ فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ الْعِصَامِ: أَيْ حَوْلَ الْخَاتَمِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ النُّبُوَّةِ. فَاحْفَظْهُ فَإِنَّ تَوْجِيهَ تَأْنِيثِ هَذَا

الضَّمِيرِ مِنْ مَزَالِّ الْأَقْدَامِ، ثُمَّ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ عَلَى خَبَرِهِ. (خِيلَانٌ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أُخْرَى أَوْ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْخَاتَمِ، وَهِيَ بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ جَمْعُ الْخَالِ، وَهُوَ الشَّامَةُ فِي الْجَسَدِ. (كَأَنَّهَا) : أَيِ الْخِيلَانُ. (ثَآلِيلُ) : بِمُثَلَّثَةٍ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ عَلَى زِنَةِ قَنَادِيلَ وَهُوَ جَمْعُ ثُؤْلُولٍ وَهِيَ الْحَبَّةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي الْجِلْدِ مِثْلَ الْحُمُّصَةِ فَمَا دُونَهَا، يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: زُخْ بِضَمِّ زَايٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. (فَرَجَعْتُ) : أَيْ مِنْ خَلْفِهِ دَائِرًا. (حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ) : أَيْ وَقَفْتُ أَوْ قَعَدْتُ مُسْتَقْبِلًا لَهُ. (فَقُلْتُ) : شُكْرًا لِإِلْقَائِهِ الرِّدَاءَ حَتَّى رَأَيْتُ الْخَاتَمَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : خَبَرٌ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، أَوْ إِنْشَاءٌ أُرِيدَ بِهِ زِيَادَةُ الْمَغْفِرَةِ أَوْ إِثْبَاتُهَا لَهُ أَوِ الْمَغْفِرَةُ لِأُمَّتِهِ الْمَرْحُومَةِ. (فَقَالَ وَلَكَ) : أَيْ وَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ بِالْخُصُوصِ أَيْضًا حَيْثُ اسْتَغْفَرْتَ لِي أَوْ سَعَيْتَ لِرُؤْيَةِ خَاتَمِي أَوْ آمَنْتَ بِي وَانْقَدْتَ لِي، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دُعَاءَهُ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ دُونَهُ صُورَةً فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) . (فَقَالَ الْقَوْمُ) : أَيِ الَّذِي يُحَدِّثُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ

َحْسَنَ مِنْهَا) . (فَقَالَ الْقَوْمُ) : أَيِ الَّذِي يُحَدِّثُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ أَوِ الْمُرَادُ أَصْحَابُهُ ﷺ، وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، وَقَوْلُهُ: (اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: خَبَرٌ أَوِ اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً فَيَتَعَيَّنُ الِاسْتِفْهَامُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتِفْهَامٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ. (فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكُمْ) : إِذْ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَخَلَا قَوْلُهُ «نَعَمْ» عَنِ الْفَائِدَةِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لَهُ ﷺ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَفِيهِ الْتِفَاتٌ إِذْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. فَقُلْتُ: ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ بِالْقَوْمِ تَلَامِذَةَ ابْنِ سَرْجِسَ لَمْ يَحْتَجْ لِدَعْوَى الِالْتِفَاتِ، انْتَهَى. وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الصَّحَابَةُ، تَمَّ كَلَامُهُ. وَقَوْلُهُ الصَّرِيحُ غَيْرُ صَرِيحٍ وَمَعَ أَنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ سَائِرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ أَنَّهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ قَالُوا: قَدِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَلِ اسْتَغْفَرَ لَكَ؟ وَعُيِّنَ الْقَائِلُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ سَمُرَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ بِلَفْظِ «قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟» . فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قَائِلَ «فَقَالَ الْقَوْمُ» هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ الرَّاوِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.

َسُولُ اللَّهِ ﷺ؟» . فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ قَائِلَ «فَقَالَ الْقَوْمُ» هُوَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ الرَّاوِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ حُضَّارُ مَجْلِسِ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ إِلَى عَاصِمٍ، فَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى الْقَوْمِ أَيْ إِلَى جَمِيعِهِمْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، يَعْنِي كَقَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْمَ أَيْضًا سَأَلُوهُ كَمَا سَأَلَ عَاصِمٌ فَتَارَةً نَسَبَ السُّؤَالَ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةً وَتَارَةً إِلَى نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا أَبْهَمَ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الرُّوَاةِ، قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ وَالِاسْتِخْبَارِ تَثْبِيتُ رُؤْيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ النَّبِيَّ ﷺ وَصُحْبَتِهِ مَعَهُ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا أَوْ قَالَ ثَرِيدًا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ قَالَ: أَتَرَوْنَ هَذَا الشَّيْخَ - يَعْنِي نَفْسَهُ - كَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ. مَعَ أَنَّ عَاصِمًا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامِ مِنَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْتَثْبَتَ مِنْهُ وَسَأَلَهُ عَنِ اسْتِغْفَارِهِ إِيَّاهُ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ صُحْبَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ عَنْ عَاصِمٍ أَنَّهُ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذِكْرِهِ فِي الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ لَهُ صُحْبَةٌ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي اللِّقَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَالسَّمَاعِ، وَأَمَّا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ أَرَادَ الصُّحْبَةَ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا الْعُلَمَاءُ أُولَئِكَ قَلِيلًا، انْتَهَى.

السَّمَاعِ، وَأَمَّا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ أَرَادَ الصُّحْبَةَ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا الْعُلَمَاءُ أُولَئِكَ قَلِيلًا، انْتَهَى. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَاصِمًا أَنْكَرَ أَوَّلًا صُحْبَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ مِنْهُ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ اسْتَفْهَمَ عَنْهُ مُتَعَجِّبًا عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ

ذَلِكَ وَأَثْبَتَ صُحْبَتَهُ وَرَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ قَوْلُهُ: «فَقَالَ: نَعَمْ» ; قَائِلُهُ عَاصِمٌ أَيْضًا، وَفَاعِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا هُوَ فَاعِلُ قَوْلِهِ. (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) : أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي جَوَابِ سُؤَالِنَا عَنْهُ اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ نَعَمِ، اسْتَغْفَرَ لَكُمْ أَيْضًا امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وَهَذَا مُحَصَّلُ تِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَمَالِ شَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ لِأُمَّتِهِ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الْبَتَّةَ، وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ: «وَلَكُمْ» تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ، وَتَغْلِيبُ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْغَائِبِينَ. وَأَقُولُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بِأَنْ يُقَالَ صَدَرَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ حُضَّارِ مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَقَالُوا لَهُ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ أَوْ إِخْبَارُ تَلَذُّذٍ، فَقَالَ هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ: نَعَمِ، الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَلَا هُوَ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا، ثُمَّ لَمَّا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَصْحَابَ مَجْلِسِهِ صَدَرَ مِنْهُمْ نَحْوَ هَذَا السُّؤَالِ وَوَقَعَ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابُ بِمُقْتَضَى الْحَالِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَارْتَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ مِنَ الْمُنَازَعَاتِ ثُمَّ الْخِطَابُ لَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِذَنْبِكَ) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) وَمَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ،

(لِذَنْبِكَ) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) وَمَعَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، لَعَلَّهُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ تَسْلِيَةً لِلْأُمَّةِ وَتَعْلِيمًا لَهُمْ أَوِ اسْتِغْفَارُهُ مِنَ الْخَطَرَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ ; تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ كَالذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْفَارِضِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ طَلَبُ الثَّبَاتِ عَلَى الْعِصْمَةِ الَّتِي وُهِبَتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ رِعَايَةً لِقَاعِدَةِ الْخَشْيَةِ فَإِنَّهَا نِهَايَةُ سُلُوكِ الْمُخْلِصِينَ وَغَايَةُ عُبُودِيَّةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: كَانَ يَسْتَغْفِرُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُبَاحَاتِ أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ تَقْصِيرٍ فِي الْعِبَادَاتِ ; وَلِذَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِهِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ.

اتِ ; وَلِذَا قِيلَ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. وَقِيلَ: اسْتِغْفَارُهُ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِهِ فَهُوَ كَالشَّفَاعَةِ لَهُمْ.

(بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ فِي صِفَةِ شَعْرِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. ﷺ : اعْلَمْ أَنَّ الشَّعْرَ حَيْثُ جَاءَ بِدُونِ التَّاءِ فَهُوَ بِفْتَحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ وَإِذَا جَاءَ بِالتَّاءِ فَهُوَ بِسُكُونِهَا وَيُفْتَحُ، وَفِي هَذَا الْبَابِ ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ. (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ. (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ أَيِ الطَّوِيلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ وَاصِلًا أَوْ مُنْتَهِيًا. (إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ، قَالَ مِيرَكُ: أَضَافَ الْوَاحِدَ إِلَى التَّثْنِيَةِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ التَّثْنِيَتَيْنِ مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ أَيْ نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ «أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» بِإِضَافَةِ الْجَمْعِ إِلَى التَّثْنِيَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جُمِعَ وَعُقِصَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مُعْظَمُ شَعْرِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْ حِينَ لَا يَفْرُقُ شَعْرَهُ، فَلَا يُنَافِي الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى كَوْنِهِ بَالِغًا مَنْكِبَيْهِ أَوْ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا.

(حَدَّثَنَا هَنَّادُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ. (ابْنُ السَّرِيِّ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. (حَدَّثَنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ «أَخْبَرَنَا» . (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا

نُونٌ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى قُرَيْشٍ، صَدُوقٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّعْلِيقِ، وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي صِحَاحِهِمْ، تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ. (عَنْ هِشَامٍ) : أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ وَإِمَامَتِهِ وَجَلَالَتِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ أَحْيَانًا. (بْنِ عُرْوَةَ) : أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ بَحْرًا لَا يُكَدَّرُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ. (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ) : أَفَادَتِ الْحِكَايَةُ الْمَاضِيَةُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِلصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِشَارَةً إِلَى تَكْرَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ، أَيْ: اغْتَسَلْتُ مُكَرَّرًا. (أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِالرَّفْعِ عَلَى الْعَطْفِ، وَيُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أُبْرِزَ الضَّمِيرُ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَا يُقَالُ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ الْغَائِبِ كَمَا غُلِّبَ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) فَإِنْ قُلْتَ: النُّكْتَةُ هُنَاكَ أَنَّ آدَمَ ﵇ أَصْلٌ فِي سُكْنَى الْجَنَّةِ، قُلْتُ هُنَا: لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ النِّسَاءَ مَحَلُّ الشَّهَوَاتِ وَحَامِلَاتٌ لِلِاغْتِسَالِ فَكُنَّ أَصْلًا، انْتَهَى. أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ إِخْبَارُ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُعَدًّا لِغَسْلِهَا وَشَارَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ.

إِخْبَارُ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُعَدًّا لِغَسْلِهَا وَشَارَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ. (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِاغْتَسَلَ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الْغُسْلَانُ مُتَعَاقِبَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ تُقَدُّمُهُ ﷺ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَدَبِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمَعِيَّةِ يُحْتَمَلُ التَّسَتُّرُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جَمَالِ حَالِهِمَا وَكَمَالِ حَيَائِهِمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّكَشُّفِ يَحْتَمِلُ عَدَمُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي» يَعْنِي الْفَرْجَ. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ وَبِالْعَكْسِ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ: سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي عَنِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً فَقَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، انْتَهَى. وَفِي كَوْنِهِ نَصًّا مَحَلُّ نَظَرٍ إِذْ عَلَى تَقْدِيرِهِ يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ عَنْهَا فَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَا الْفَرْجِ مِنَ الْأَفْخَاذِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، ثُمَّ قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَجْعَلُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِمَا غَسْلُ أَيْدِيهِمَا خَارِجَ الْإِنَاءِ ثُمَّ تَنَاوُلُهُمَا مِنَ الْمَاءِ.

يَجْعَلُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِمَا غَسْلُ أَيْدِيهِمَا خَارِجَ الْإِنَاءِ ثُمَّ تَنَاوُلُهُمَا مِنَ الْمَاءِ. قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: «مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ» ، فَقِيلَ: الْأُولَى ابْتِدَائِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ: بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: «مِنْ قَدَحٍ» بَدَلُ «مِنْ إِنَاءٍ» بِإِعَادَةِ الْجَارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ ; أَيْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ، وَمِنْ أَجْلِهَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ هَذَا الْإِنَاءُ مِنْ شَبَهٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَفْظُهُ: «مِنْ تَوْرٍ مَنْ شَبَهٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «مِنْ إِنَاءٍ يُقَالُ لَهُ

الْفَرَقُ» ، وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ وَيُرْوَى بِتَسْكِينِ الرَّاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَقِيلَ صَاعَانِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِلَفْظِ: «قَدْرُهُ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ» ، وَالْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ نِصْفُ صَاعٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَاخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ طَهَارَةِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ فِيمَا إِذَا خَلَّيَا بِهِ، وَالْجَوَازُ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَا وَتَمَسَّكَ كُلٌّ بِظَاهِرِ خَبَرٍ دَلَّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْجَمِيعِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ بِذَلِكَ، جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْجَوَازَ فِيمَا إِذَا اغْتَرَفَا مَعًا وَالْمَنْعُ فِيمَا اغْتَرَفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ. وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالْفِعْلَ عَلَى الْجَوَازِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (وَكَانَ لَهُ) : أَيْ لِرَأْسِهِ الشَّرِيفِ. (شَعْرٌ) : أَيْ نَازِلٌ. (فَوْقَ الْجُمَّةِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ.

: أَيْ لِرَأْسِهِ الشَّرِيفِ. (شَعْرٌ) : أَيْ نَازِلٌ. (فَوْقَ الْجُمَّةِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ. (وَدُونَ الْوَفْرَةِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهُ رَاءٌ مَا وَصَلَ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالنِّهَايَةِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَعْرَهُ ﷺ كَانَ أَمْرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْجُمَّةِ وَالْوَفْرَةَ لَيْسَ بِجُمَّةٍ وَلَا وَفْرَةٍ، لَكِنْ سَبَقَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ كَانَ شَعْرُهُ جُمَّةً وَعَلَى أَنَّ جُمَّتَهُ مَعَ عِظَمِهَا إِلَى أُذُنَيْهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ ﷺ، هَذَا وَقَدْ رَوَى الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي جَامِعِهِ أَيْضًا، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفْرَةِ وَدُونَ الْجُمَّةِ. كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي الشَّمَائِلِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَوْقَ الْوَفْرَةِ دُونَ الْجُمَّةِ، قِيلَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ «فَوْقَ وَدُونَ» تَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلِّ وَتَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِقْدَارِ فَقَوْلُهُ: «فَوْقَ الْجُمَّةِ» أَيْ: أَرْفَعُ مِنْهَا فِي الْمَحَلِّ، «وَدُونَ الْجُمَّةِ» أَيْ: أَقَلُّ مِنْهَا فِي الْمِقْدَارِ، وَكَذَا فِي الْعَكْسِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ لَوْلَا أَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ مُتَّحِدٌّ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ مُلَّا حَنَفِي: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ مَآلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُتَّحِدٌ مَعْنًى وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَةِ

فِي: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ مَآلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُتَّحِدٌ مَعْنًى وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَةِ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَوْ مَنْ دُونَهَا أَدَّتْ أَوْ أَدَّى مَعْنًى وَاحِدًا بِعِبَارَتَيْنِ، وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدِيثِ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ الْمُتَقَارِبَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ كَمَا مَرَّ فِي «أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ» حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ «الْفَلَجَ» اسْتُعْمِلَ مَكَانَ «الْفَرَقِ» وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ اغْتِسَالَ عَائِشَةَ وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَعَ مُتَعَدِّدًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ نَاشِئًا مِنَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ «وَكَانَ» ، إِلَخْ، حَالٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَعْطُوفًا عَلَى «كُنْتُ» فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالِاغْتِسَالِ، فَيَكُونَانِ حَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ غُسْلٍ اخْتِلَافُ حَالٍ وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَرْحِ شَمَائِلِهِ بِلَفْظِ «وَأَنْزَلُ مِنَ الْوَفْرَةِ» ، وَقَالَ: أَيْ مِنْ مَحَلِّهَا وَهُوَ شَحْمَةُ الْأُذُنِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِمَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ فِي نُسَخٍ هُنَا «فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الْوَفْرَةِ» ، وَهَذِهِ عَكْسُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: «أَنْزَلُ» غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَلَا أَحَدَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَيْضًا ذَكَرَهُ.

(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ) : بِفَتْحِ مِيمٍ فَكَسْرِ نُونٍ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، أَبُو جَعْفَرٍ الْأَصَمُّ، ثِقَةٌ، حَافِظٌ، رَوَى عَنْهُ أَصْحَابُ

الصِّحَاحِ. (أَخْبَرَنَا أَبُو قَطَنٍ) : بِقَافٍ فَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فِي آخِرِهِ نُونٌ، اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ قَطَنٍ الْبَصْرِيُّ، قَدَرِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ صَدُوقٌ ثِقَةٌ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ. (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ) : تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مَشْرُوحًا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هَاهُنَا قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ جُمَّتُهُ تَضْرِبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ) : أَيْ مُعْظُمُهَا يَصِلُ إِلَى الشَّحْمَةِ وَبَقِيَّتُهَا إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ أَوِ الْجِهَاتِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجُمَّةَ مِنَ الشَّعْرِ مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِالضَّرْبِ الْبُلُوغَ وَالِانْتِهَاءَ بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُهَا إِلَى أُذُنَيْهِ وَمُحَاذَاتِهِمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْجُمَّةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْوَفْرَةِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ وَأَنَّ الْجُمَّةَ هِيَ الشَّعْرُ إِلَى الْأُذُنِ، وَوَقَعَ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ أَنَّ الْجُمَّةَ هِيَ الشَّعْرُ مُطْلَقًا

Bagian 6 dari 41