تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya الباقلاني (w. 403 H).

Bagian 9 dari 13 536 halaman

— Bagian 9 · لله تَعَالَى —

Bagian 9

لله تَعَالَى بَاب القَوْل فِي الْآجَال

فَإِن قَالَ قَائِل فخبرونا عَن الْمَقْتُول أيموت بأجله الْمَحْكُوم لَهُ بِهِ أم هُوَ مَقْطُوع عَلَيْهِ أَجله

قيل لَهُ بل يَمُوت بأجله الْمَقْدُور فَإِن قَالَ وَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قيل لَهُ قَوْله ﷿ ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَأجل الْمَوْت هُوَ وَقت الْمَوْت كَمَا أَن أجل الدّين هُوَ وَقت حُلُوله وكل شَيْء وَقت بِهِ فَهُوَ أجل لَهُ وَأجل الْإِنْسَان هُوَ الْوَقْت الَّذِي يعلم الله أَنه يَمُوت فِيهِ لَا محَالة وَهُوَ وَقت لَا يجوز تَأْخِير مَوته عَنهُ لَا من حَيْثُ إِنَّه لَيْسَ بمقدور تَأْخِيره وَجل حَيَاته هُوَ مُدَّة الزَّمَان الَّذِي علم الله ﷿ أَنه يحيا إِلَيْهِ لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَلَا الانتقاص مِنْهُ وَقد قَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة إِلَّا من شَذَّ مِنْهُم إِن الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْر أَجله الَّذِي ضرب لَهُ وَإنَّهُ لَو لم يقتل لحيي وَهَذَا غلط عندنَا لِأَن الْمَقْتُول لم يمت من أجل قتل غَيره لَهُ بل

إِن الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْر أَجله الَّذِي ضرب لَهُ وَإنَّهُ لَو لم يقتل لحيي وَهَذَا غلط عندنَا لِأَن الْمَقْتُول لم يمت من أجل قتل غَيره لَهُ بل

من أجل مَا فعله الله سُبْحَانَهُ من الْمَوْت الَّذِي وجد بِهِ وَلَيْسَ يجوز أَن يُقَال فِيمَا لم يمت الْإِنْسَان من أَجله لَو لم يكن لحيي لِأَن الْقَتْل لَيْسَ بضد للحياة وَلَا بدل مِنْهَا فَيُقَال لَهُ إِنَّه لَو لم يكن لحيي الْمَقْتُول وَلِأَن فِي ذَلِك دفع مَا تلوناه من التَّنْزِيل وَقد قَالَ قوم مِنْهُم يجوز أَن يحيا لَو لم يقتل وَيجوز أَن لَا يحيا وَأَن يكون ذَلِك الْوَقْت وَقت مَوته فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل كَانَ جَائِزا فِي قدرَة الله تَعَالَى أَن يبقي من أَمَاتَهُ ابْن عشْرين سنة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة أَو مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا قيل لَهُ أجل لَو بقاه لبقي وَإِن كَانَ لَا يفعل ذَلِك كَانَ الْمَعْلُوم عَن حَاله أَنه يميته ابْن عشْرين سنة وَلنْ يجوز ترك فعل مَا فِي الْمَعْلُوم أَنه يفعل وَإِن كَانَ مَقْدُورًا تَركه على أَنه لَو ترك لَكَانَ السَّابِق فِي الْمَعْلُوم أَنه يتْرك فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون أَجله ثَلَاثِينَ سنة لِأَنَّهُ لَو لم يمته لبقي إِلَى ذَلِك الْوَقْت قيل لَهُ لَا يجب ذَلِك لِأَن أجل الْإِنْسَان وَقت مَوته على مَا بَينا وَلَيْسَ يجوز أَن يكون مَا لم يبْق إِلَيْهِ مِمَّا كَانَ يَصح فِي الْعقل أَن

تمتد حَيَاته إِلَيْهِ أَََجَلًا لَهُ إِن كَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يخترم دونه كَمَا لَا يجوز أَن تكون جَهَنَّم دَار الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَسَائِر الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ جَائِز فِي الْعقل أَن يدخلوها لَو كفرُوا وَأَن تكون الْجنَّة دَار الفراعنة والكفرة على أَنهم لَو آمنُوا لسكنوها وكما لَا يجب أَن تكون الْمَرْأَة الَّتِي يعلم الله أَن الْإِنْسَان لَو بَقِي لتزوج بهَا زَوْجَة لَهُ على معنى أَنه لَو بَقِي وَتَزَوجهَا لكَانَتْ زَوْجَة لَهُ فَكَذَلِك لَا يجوز أَن يكون مَا لم يبْق إِلَيْهِ من الْأَوْقَات أَََجَلًا لَهُ لِأَنَّهُ لَو لم يمت لصَحَّ أَن يبْقى إِلَيْهِ بَاب الْهدى والإضلال

فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن الله يهدي الْمُؤمنِينَ ويضل الْكَافرين قيل لَهُ أجل

فَإِن قَالَ وَمَا معنى هدايته للْمُؤْمِنين قيل لَهُ قد يهْدِيهم بِأَن يخلق هدَاهُم وينور بِالْإِيمَان قُلُوبهم وَقد يهْدِيهم أَيْضا بِأَن يشْرَح صُدُورهمْ ويتولى توفيقهم لَهُ وإعانتهم عَلَيْهِ وتسهيله لَهُم السَّبِيل إِلَيْهِ كل ذَلِك هِدَايَة مِنْهُ لَهُم وَقد يهْدِيهم أَيْضا فِي الْآخِرَة إِلَى الثَّوَاب وَطَرِيق الْجنَّة وَذَلِكَ هدى لَهُم من فعله فَإِن قَالَ فَمَا معنى إضلاله الْكَافرين قيل لَهُ قد أضلهم بِأَن يخلق ضلالهم قبيحا فَاسِدا وَقد مر

وَاب وَطَرِيق الْجنَّة وَذَلِكَ هدى لَهُم من فعله فَإِن قَالَ فَمَا معنى إضلاله الْكَافرين قيل لَهُ قد أضلهم بِأَن يخلق ضلالهم قبيحا فَاسِدا وَقد مر

بَيَان ذَلِك سالفا وَقد يضلهم بترك توفيقهم وتضييق صُدُورهمْ وإعدام قدرهم على الاهتداء وَقد يضلهم عَن الثَّوَاب وَطَرِيق الْجنَّة فِي الْآخِرَة كل ذَلِك إضلال لَهُم فَإِن قَالُوا وَمَا الدَّلِيل على مَا قلتهم قيل لَهُم يدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ويضل الله الظَّالِمين﴾ فَأخْبر أَنه يضل وَيهْدِي وَوصف نَفسه بذلك فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن لَا يكون معنى الإضلال مِنْهُ وَالْهِدَايَة أَكثر من الحكم وَالتَّسْمِيَة كَمَا يَقُول النَّاس قد ضلل فلَان فلَانا وَقد عدله وَقد سرق فلَان فلَانا لَا على معنى أَنه جعله ضَالًّا فَاسِقًا سَارِقا وَفعل لَهُ مَا من أَجله يكون كَذَلِك من السّرقَة والضلال وَالْعَدَالَة قيل لَهُ لَو كَانَ ذَلِك على مَا قلته لم يكن لله على الْمُؤمنِينَ فِي هدايته لَهُم إِلَّا مَا لبَعْضهِم على بعض لأَنا قد يُسَمِّي بَعْضنَا بَعْضًا بالهداية ويخص بَعْضنَا بَعْضًا بِهَذِهِ التَّسْمِيَة وَكَذَلِكَ كَانَ يجب أَن يكون إضلال بَعْضنَا بَعْضًا كإضلال الله الظَّالِمين وَهَذَا خلاف مَا اتّفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ لِأَن الله ﷿ قد امتن على الْمُؤمنِينَ بهدايته لَهُم فَقَالَ يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم

ف مَا اتّفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ لِأَن الله ﷿ قد امتن على الْمُؤمنِينَ بهدايته لَهُم فَقَالَ يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم

بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين) فَلَو كَانَت هدايته لَهُم هِيَ الحكم وَالتَّسْمِيَة لكانوا قد منوا على أنفسهم بِهَذِهِ الْمِنَّة ولكان رَسُول الله ﷺ قد من بهَا عَلَيْهِم كمن الله إِذْ قد سماهم بذلك وَحكم لَهُم بِهِ وَهَذَا خلاف الْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ لَو كَانَت هدايته لَهُم الَّتِي من بهَا عَلَيْهِم هِيَ دَعوته إيَّاهُم وَبَيَانه لَهُم لَكَانَ بَعضهم قد من على بعض بِهَذِهِ الْمِنَّة لِأَنَّهُ قد يَدْعُو بَعضهم بَعْضًا وَيبين بَعضهم لبَعض كَمَا يَدْعُو الله وَهَذَا أَيْضا خلاف الِاتِّفَاق وعَلى أَنه لَو كَانَت الْهِدَايَة والإضلال من الله تَعَالَى بِمَعْنى مَا وصفتم لَكَانَ إِبْلِيس قد أضلّ الْأَنْبِيَاء وَسَائِر الْمُؤمنِينَ إِذْ كَانَ قد دعاهم إِلَى الضلال وَسَمَّاهُمْ ضَالِّينَ وَحكم لَهُم بذلك ولكان النَّبِي ﷺ والمؤمنون قد أَضَلُّوا الْكَافرين أَجْمَعِينَ إِذْ كَانُوا قد سموهم كَافِرين وحكموا لَهُم بِحكم الضَّالّين وَفِي إِجْمَاع الْأمة على خلاف هَذَا دَلِيل على سُقُوط مَا قُلْتُمْ بَاب الْقَوْم فِي اللطف

فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن فِي قدرَة الله تَعَالَى لطفا لَو لطف بِهِ لسَائِر من يعلم أَنه يَمُوت كَافِرًا لآمن

بَاب الْقَوْم فِي اللطف

فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن فِي قدرَة الله تَعَالَى لطفا لَو لطف بِهِ لسَائِر من يعلم أَنه يَمُوت كَافِرًا لآمن

قيل لَهُ أجل هُوَ على ذَلِك قَادر فَإِن قَالَ وَلم قُلْتُمْ ذَلِك قيل لَهُ لِأَنَّهُ قَادر على أَن يقدرهم على الْإِيمَان كَمَا صَحَّ أَن يقدر على ذَلِك أمثالهم وكما صَحَّ أَن يقدرهم على ضِدّه من الْكفْر والضلال فَلَو فعل فيهم الْقُدْرَة على الْإِيمَان لوجد إِيمَانهم لَا محَالة لما بَينا من قبل من وجوب كَون الْفِعْل فِي حَال وجود الْقُدْرَة عَلَيْهِ واستحالة تقدمها لَهُ ووجودها مَعَ عَدمه فصح بذلك مَا قُلْنَاهُ وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة ومعارج عَلَيْهَا يظهرون﴾ وَقَوله ﴿وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الأَرْض وَلَكِن ينزل بِقدر مَا يَشَاء﴾ فخبر أَنه يقدر على مَا لَو

فعله بهم لضلوا وَكَفرُوا فَيجب أَيْضا أَن يكون قَادِرًا على مَا لَو فعله بهم لآمنوا واهتدوا فصل

وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ فَوَجَبَ أَنه قَادر على مَا لَو فعله بهم لآمنوا واهتدوا فَإِن قَالُوا أَرَادَ بذلك أَنه يقدر على فعل لَو فعله بهم لآمنوا كرها قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِنَّمَا أخبر أَنه يقدر على بسط الرزق لَو فعله بالخلق لضلوا كرها لَا طَوْعًا وَلَا خلاص لَهُم من ذَلِك فَإِن قَالُوا أفليس قد قَالَ ﴿وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم﴾ فخبر أَنهم لَا يتبعُون قبلته قيل لَهُم إِنَّمَا خبر أَن النَّبِي ﷺ لَو أَتَاهُم بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلته وَلم يخبر أَنه لَو أَتَاهُم هُوَ بِالْآيَاتِ مَا تبعوا قبلته أَو أَتَاهُم غَيره ﷺ بِالْآيَاتِ لما آمنُوا فَلَا حجَّة فِي هَذَا الظَّاهِر

فصل

فَإِن قَالَ قَائِل أفليس قد قَالَ الله تَعَالَى وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا قيل لَهُم قد اسْتثْنى فِي آخر الْآيَة بقوله ﴿إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَبَطل مَا قُلْتُمْ وعَلى أَنه أخبر أَنهم لَا يُؤمنُونَ أبدا عِنْد هَذِه الْآيَات الَّتِي هِيَ إِنْزَال الْمَلَائِكَة وَتكلم الْمَوْتَى وَحشر كل شَيْء قبلا وَلم يقل لَيْسَ فِي الْمَقْدُور فعل شَيْء يُؤمنُونَ عِنْده فقد يُمكن أَن يكون فِي الْمَعْلُوم أَنه لَو فعل بهم غير هَذِه الْآيَات لآمنوا فَبَطل مَا قَالُوهُ بَاب الْكَلَام فِي التَّعْدِيل والتجوير

فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يجوز أَن يؤلم الله تَعَالَى الْأَطْفَال من غير

الْآيَات لآمنوا فَبَطل مَا قَالُوهُ بَاب الْكَلَام فِي التَّعْدِيل والتجوير

فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يجوز أَن يؤلم الله تَعَالَى الْأَطْفَال من غير

عوض وَأَن يَأْمر بِذبح الْحَيَوَان وإيلامه لَا لنفع يصل إِلَيْهِم وَأَن يسخر بعض الْحَيَوَان لبَعض وَأَن يفعل الْعقَاب الدَّائِم على الأجرام المنقطعة وَأَن يُكَلف عباده مَا لَا يُطِيقُونَ وَأَن يخلق فيهم مَا يعذبهم عَلَيْهِ وَغير ذَلِك من الْأُمُور قيل لَهُ أجل ذَلِك عدل من فعله جَائِز مستحسن فِي حكمته فَإِن قَالَ فَكيف جَازَ ذَلِك مِنْهُ وَحسن مَعَ قبح ذَلِك أجمع منا

قيل لَهُ إِن ذَلِك إِنَّمَا قبح منا وَصَارَ جورا من فعلنَا لأجل نهي مَالك الْأَعْيَان والأشياء لنا عَن فعله فلولا تقبيحه لذَلِك وَنَهْيه عَنهُ لما قبح منا وَقد أوضحنا ذَلِك فِيمَا سلف لما قُلْنَا إِن ذَلِك لَيْسَ بقبيح فِي الْعقل لنَفسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يجب أَن يشْتَرك فِي علمه جَمِيع العاقلين ولكان يجب إِذا كَانَ الْأَلَم الْمَوْجُود على هَذِه السَّبِيل قبيحا لكَونه ألما على هَذِه الصّفة أَن لَا يشركهُ فِي كَونه قبيحا إِلَّا مَا كَانَ ألما هَذِه صفته وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق وَكَذَلِكَ القَوْل فِي كل ضرب من ضروب الْقَبِيح والباري ﷿ هُوَ الْمَالِك القاهر الَّذِي الْأَشْيَاء لَهُ وَفِي قَبضته لَا آمُر عَلَيْهِ وَلَا مُبِيح وَلَا حاظر فَلم يجب أَن يقبح جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من فعله قِيَاسا على قبحه منا فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون كل إيلام لَا نفع للمؤلم فِيهِ فِي عَاجل وَلَا آجل وَلَا هُوَ مُسْتَحقّ ظلما فِي الْعقل وقبيحا لنَفسِهِ قُلْنَا من قبل مَا بَينا أَولا من أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لعلمنا قبح الضَّرَر الْجَارِي هَذَا المجرى اضطرارا وَفِي كوننا غير مضطرين إِلَى مَا وصفت

لْنَا من قبل مَا بَينا أَولا من أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لعلمنا قبح الضَّرَر الْجَارِي هَذَا المجرى اضطرارا وَفِي كوننا غير مضطرين إِلَى مَا وصفت

دَلِيل على سُقُوط هَذَا السُّؤَال وَلِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ قبح هَذَا الضَّرَر من كل من وجد مِنْهُ وَكَانَ لَا مُعْتَبر باخْتلَاف فاعليه وتباين محَالة أَلا ترى أَن الْحَرَكَة الَّتِي تكون حَرَكَة لنَفسهَا يجب أَن تكون أبدا حَرَكَة حَيْثُ وجدت وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْكَلْب والسبع وَسَائِر الْحَيَوَان الَّذِي لَا يعقل ظَالِما رَاكِبًا للقبيح مُسْتَحقّا للذم والتأنيب وَأَن يكون عَاصِيا فَاسِقًا بإيلامه للْغَيْر على هَذِه السَّبِيل وَفِي الِاتِّفَاق على فَسَاد ذَلِك دَلِيل على سُقُوط مَا سَأَلت عَنهُ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْأَمر على مَا وصفت لم يكن الْجَهْل وَالْكذب قبيحين لِأَنَّهُمَا ليسَا بألم هَذِه سَبيله وَقد بَينا من قبل أَن الحكم الْعقلِيّ الْوَاجِب لعِلَّة ولوجه مَخْصُوص لَا يجوز ثُبُوته لبَعض من هُوَ حكم لَهُ بِغَيْر تِلْكَ الْعلَّة وَذَاكَ الْوَجْه لِأَن ذَلِك نقض للعلل وَإِبْطَال لَهَا فَبَطل بذلك مَا قلت فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يَصح على قَوْلكُم هَذَا أَن يؤلم الله سُبْحَانَهُ سَائِر النَّبِيين وينعم سَائِر الْكَفَرَة والعاصين من جِهَة الْعقل قبل وُرُود السّمع قيل لَهُ أجل لَهُ ذَلِك وَلَو فعله لَكَانَ جَائِزا مِنْهُ غير مستنكر من فعله فَإِن قَالَ فَمَا الَّذِي يؤمنكم من تعذيبه الْمُؤمنِينَ وتنعيمه الْكَافرين

قيل لَهُ يؤمننا من ذَلِك تَوْقِيف النَّبِي وَإِجْمَاع الْمُسلمين على أَنه لَا يفعل ذَلِك وعَلى أَنه قد أخبر أَخْبَارًا علمُوا قَصده بِهِ ضَرُورَة إِلَى أَن ذَلِك لَا يكون وَلَوْلَا هَذَا التَّوْقِيف وَالْخَبَر لأجزنا مَا سَأَلت عَنهُ فَإِن قَالَ وَهل يجوز وُقُوع الْكَذِب مِنْهُ وَالْأَمر بِهِ وبسائر الْمعاصِي قيل لَهُ أما الْكَذِب فَلَا يجوز عَلَيْهِ لَا لِأَنَّهُ يستقبح مِنْهُ فَحسب وَلَكِن لِأَن الْوَصْف لَهُ بِأَنَّهُ صَادِق من صِفَات نَفسه وَمن كَانَ صدقه من صِفَات نَفسه اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْكَذِب كَمَا أَن من كَانَ الْوَصْف لَهُ بِأَنَّهُ قَادر عَالم من صِفَات النَّفس اسْتَحَالَ أَن يعجز أَو يجهل وَلَيْسَ وَجه إِحَالَة هَذِه الْأُمُور عَلَيْهِ لأجل الْقبْح فَقَط لَكِن لاستحالتها عَلَيْهِ بأدلة الْعُقُول فَأَما قَوْلك هَل يجوز أَن يَأْمر بِالْمَعَاصِي وَالْكذب فَإِن ذَلِك جَائِز على معنى أَنه لَو أَمر بهَا لَكَانَ أمره بهَا قَدِيما ولكانت تكون طاعات مستحسنات بَدَلا من كَونهَا معاصي إِذْ كَانَ الْعِصْيَان إِنَّمَا يصير عصيانا بِالنَّهْي لَا لجنسه وَنَفسه وَقد أمرنَا بِالْكَذِبِ فِي بعض الْمَوَاضِع وأبيح للخائف فِي دَار الْحَرْب على نَفسه الْكَذِب فَبَان بِجَمِيعِ مَا قُلْنَاهُ صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب

بَاب القَوْل فِي معنى الدّين

ائف فِي دَار الْحَرْب على نَفسه الْكَذِب فَبَان بِجَمِيعِ مَا قُلْنَاهُ صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب

بَاب القَوْل فِي معنى الدّين

فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى الدّين عنْدكُمْ قيل لَهُ معنى الدّين يتَصَرَّف على وُجُوه مِنْهَا الدّين بِمَعْنى الْجَزَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ وَمِنْه قَول الشَّاعِر (وَاعْلَم وأيقن أَن ملكك زائل ... وَاعْلَم بِأَن كَمَا تدين تدان) يُرِيد كَمَا تفعل يفعل بك وَقد يكون بِمَعْنى الحكم كَقَوْلِه ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ أَي فِي حكمه وَقد يكون الدّين بِمَعْنى الدينونة بالمذاهب والملل وَمِنْه قَوْلهم فلَان يدين بِالْإِسْلَامِ أَو الْيَهُودِيَّة أَي إِنَّه يتدين بذلك على معنى أَنه يعْتَقد وينطوي عَلَيْهِ ويتقرب بِهِ وَالدّين أَيْضا بِمَعْنى الانقياد والاستسلام لله ﷿ من ذَلِك قَوْله ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ يُرِيد دين الْحق لَا على أَن الْيَهُودِيَّة لَا تسمى دينا فِي اللُّغَة وَغَيرهَا من الْأَدْيَان

بَاب الْكَلَام فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام والأسماء وَالْأَحْكَام

بَاب القَوْل فِي معنى الْإِيمَان

فَإِن قَالَ قَائِل خبرونا مَا الْإِيمَان عنْدكُمْ

قُلْنَا الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ الْعلم والتصديق يُوجد بِالْقَلْبِ فَإِن قَالَ وَمَا الدَّلِيل على مَا قُلْتُمْ قيل لَهُ إِجْمَاع أهل اللُّغَة قاطبة على أَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة قبل نزُول الْقُرْآن وبعثة النَّبِي ﷺ هُوَ التَّصْدِيق لَا يعْرفُونَ فِي لغتهم إِيمَانًا غير ذَلِك وَيدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ أَي مَا أَنْت بمصدق لنا وَمِنْه قَوْلهم فلَان يُؤمن بالشفاعة وَفُلَان لَا يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر أَي لَا يصدق بذلك فَوَجَبَ أَن

َو كُنَّا صَادِقين﴾ أَي مَا أَنْت بمصدق لنا وَمِنْه قَوْلهم فلَان يُؤمن بالشفاعة وَفُلَان لَا يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر أَي لَا يصدق بذلك فَوَجَبَ أَن

يكون الْإِيمَان فِي الشَّرِيعَة هُوَ الْإِيمَان الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة لِأَن الله ﷿ مَا غير لِسَان الْعَرَب وَلَا قلبه وَلَو فعل ذَلِك لتواترت الْأَخْبَار بِفِعْلِهِ وتوفرت دواعي الْأمة على نَقله ولغلب إِظْهَاره وإشهاره على طيه وكتمانه وَفِي علمنَا بِأَنَّهُ لم يفعل ذَلِك بل أقرّ أَسمَاء الْأَشْيَاء والتخاطب بأسره على مَا كَانَ فِيهَا دَلِيل على أَن الْإِيمَان فِي الشَّرْع هُوَ الْإِيمَان اللّغَوِيّ وَمِمَّا يدل على ذَلِك ويبنيه قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فخبر أَنه أنزل الْقُرْآن بلغَة الْقَوْم وسمى الْأَشْيَاء بتسمياتهم فَلَا وَجه للعدول بِهَذِهِ الْآيَات عَن ظواهرها بِغَيْر حجَّة وسيما مَعَ قَوْلهم بِالْعُمُومِ وَحُصُول التَّوْقِيف على أَن الْخطاب نزل بلغتهم فَدلَّ مَا قُلْنَاهُ على أَن الْإِيمَان هُوَ مَا وصفناه دون مَا سواهُ من سَائِر الطَّاعَات من النَّوَافِل والمفروضات بَاب القَوْل فِي معنى الْإِسْلَام

فَإِن قَالَ قَائِل مَا الْإِسْلَام عنْدكُمْ

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

قيل لَهُ الْإِسْلَام هُوَ الانقياد والاستسلام وكل طَاعَة انْقَادَ العَبْد بهَا لرَبه تَعَالَى واستسلم فِيهَا لأَمره فَهِيَ إِسْلَام وَالْإِيمَان خصْلَة من خِصَال الْإِسْلَام وكل إِيمَان إِسْلَام وَلَيْسَ كل إِسْلَام إِيمَانًا فَإِن قَالَ فَلم قُلْتُمْ ذَلِك وَأَن معنى الْإِسْلَام هُوَ مَا وصفتم قيل لَهُ لأجل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب آمنا قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ فنفى عَنْهُم الْإِيمَان وَأثبت لَهُم الْإِسْلَام وَإِنَّمَا أَرَادَ بِمَا أثْبته الانقياد والاستسلام وَمِنْه قَوْله ﴿لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام﴾ وكل من استسلم لشَيْء فقد أسلم وَإِن كَانَ أَكثر مَا يسْتَعْمل ذَلِك فِي المستسلم لله ﷿ ولنبيه ﷺ بَاب القَوْل فِي معنى الْكفْر

إِن قَالَ قَائِل وَمَا الْكفْر عنْدكُمْ

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .

قيل لَهُ هُوَ ضد الْإِيمَان وَهُوَ الْجَهْل بِاللَّه ﷿ والتكذيب بِهِ السَّاتِر لقلب الْإِنْسَان عَن الْعلم بِهِ فَهُوَ كالمغطي للقلب عَن معرفَة الْحق وَمِنْه قَول الشَّاعِر فِي لَيْلَة كفر النُّجُوم غمامها أَي غطاها وَمِنْه قَوْلهم زيد متكفر بسلاحه وَمِنْه سمي مغطي الزَّرْع كَافِرًا وَقد يكون الْكفْر بِمَعْنى التَّكْذِيب والجحد وَالْإِنْكَار وَمِنْه قَوْلهم كفرني حَقي أَي جحدني وَلَيْسَ فِي الْمعاصِي كفر غير مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن جَازَ أَن يُسمى أَحْيَانًا مَا جعل علما على الْكفْر كفرا نَحْو عبَادَة الأفلاك والنيران وَاسْتِحْلَال الْمُحرمَات وَقتل الْأَنْبِيَاء وَمَا جرى مجْرى ذَلِك مِمَّا ورد بِهِ التَّوْقِيف وَصَحَّ الْإِجْمَاع على أَنه لَا يَقع إِلَّا من كَافِر بِاللَّه مكذب لَهُ وجاحد لَهُ

بَاب القَوْل فِي تَسْمِيَة الْفَاسِق الملي مُؤمنا

فَإِن قَالَ قَائِل فخبروني عَن الْفَاسِق الملي هَل تسمونه مُؤمنا بإيمانه

ّه مكذب لَهُ وجاحد لَهُ

بَاب القَوْل فِي تَسْمِيَة الْفَاسِق الملي مُؤمنا

فَإِن قَالَ قَائِل فخبروني عَن الْفَاسِق الملي هَل تسمونه مُؤمنا بإيمانه

الَّذِي فِيهِ وَهل تَقولُونَ إِن فسقه لَا يضاد إيمَانه قيل لَهُ أجل فَإِن قَالَ فَلم قُلْتُمْ إِن الْفسق الَّذِي لَيْسَ بِجَهْل بِاللَّه لَا يضاد الْإِيمَان

قيل لَهُ لِأَن الشَّيْئَيْنِ إِنَّمَا يتضادان فِي مَحل وَاحِد وَقد علمنَا أَن مَا يُوجد بالجوارح لَا يجوز أَن يَنْفِي علما وَتَصْدِيقًا يُوجد بِالْقَلْبِ فَثَبت أَنه غير مضاد للْعلم بِاللَّه والتصديق لَهُ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه قد يعزم على مَعْصِيّة الرَّسُول ﷺ بِقَلْبِه من لَا يَنْفِي عزمه على ذَلِك معرفَة النَّبِي ﷺ وتصديقه لَهُ وَكَذَلِكَ حكم القَوْل فِي الْعَزْم على مَعْصِيّة الله ﷿ وَأَنه غير مضاد لمعرفته وَالْعلم بِهِ والتصديق لَهُ هُوَ الْإِيمَان لَا غير فصح بذلك اجْتِمَاع الْفسق الَّذِي لَيْسَ بِكفْر مَعَ الْإِيمَان وأنهما غير متضادين فَإِن قَالَ وَلم قُلْتُمْ إِنَّه يجب أَن يُسمى الْفَاسِق الملي بِمَا فِيهِ من الْإِيمَان مُؤمنا قيل لَهُ لِأَن أهل اللُّغَة إِنَّمَا يشتقون هَذَا الِاسْم للمسمى بِهِ من وجود الْإِيمَان بِهِ فَلَمَّا كَانَ الْإِيمَان مَوْجُودا بالفاسق الَّذِي وَصفنَا حَاله وَجب أَن يُسمى مُؤمنا كَمَا أَنه لما لم يضاد مَا فِيهِ من الْإِيمَان فسقه الَّذِي لَيْسَ بِكفْر وَجب أَن يُسمى بِهِ فَاسِقًا وَأهل اللُّغَة متفقون على أَن اجْتِمَاع الوصفين الْمُخْتَلِفين لَا يُوجب منع اشتقاق الْأَسْمَاء مِنْهُمَا وَمن أَحدهمَا فَوَجَبَ بذلك مَا قُلْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون حكم اللُّغَة مَا ذكرْتُمْ غير

جب منع اشتقاق الْأَسْمَاء مِنْهُمَا وَمن أَحدهمَا فَوَجَبَ بذلك مَا قُلْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون حكم اللُّغَة مَا ذكرْتُمْ غير

أَن الله تَعَالَى عظم زجر الْفَاسِق وَالْمُبَالغَة فِي عُقُوبَته بِأَن حرمه التَّسْمِيَة بإيمانه وَجعل تَسْمِيَة الْمُؤمن مُؤمنا علما على اسْتِحْقَاقه ضربا عَظِيما من الثَّوَاب وَكَذَلِكَ جعل تَسْمِيَة الْفَاسِق فَاسِقًا من أَسمَاء الدّين علما لاستحقاقه ضربا من الْعقَاب الْعَظِيم وَأَن يكون حكم هَذِه الْأَسْمَاء فِي الشَّرِيعَة مَنْقُولًا عَن حكم اللُّغَة قيل لَهُ هَذِه دَعْوَى لَا شُبْهَة فِي سُقُوطهَا وَلَو جَازَ لمدع أَن يَدعِي ذَلِك لجَاز لآخر أَن يَدعِي أَن الله تَعَالَى لما عظم شَأْن الْإِيمَان وَبَالغ فِي التَّرْغِيب فِي فَضله وَجب سُقُوط التَّسْمِيَة بِمَا قارنه من الْفسق لما أَرَادَهُ من تَغْلِيب حكم الْإِيمَان على الْفسق وَجعله مِمَّا يَعْلُو وَلَا يعلى وَقصد بِهِ إِلَى الدّلَالَة على اسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْفَاسِق هُوَ الْكَافِر فَقَط وَأَن من سواهُ فَلَيْسَ بفاسق وَلَا يُسمى بذلك فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قَالُوهُ وَلِأَن فِي هَذِه الدَّعْوَى تَصْحِيح تغير الْأَسْمَاء عَن طَريقَة اللُّغَة وَدفع مَا تلوناه من التَّنْزِيل وَقد أبنا فَسَاد مَا يُوجب ذَلِك من الْأَقَاوِيل فِيمَا قبل بَاب القَوْل فِي الْوَعْد والوعيد

فَإِن قَالَ قَائِل خبرونا عَن جَمِيع الْكَفَرَة والعصاة بضروب

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

الْمعاصِي هَل كَانَ جَائِزا فِي الْعقل أَن يغْفر الله لجميعهم قيل لَهُ أجل لَو قسم جَمِيعهم للجنة لجَاز وَلم يكن مَا وجد من كفرهم وعصيانهم دَلِيلا على أَنه يؤلمهم بالنَّار لَا محَالة لِأَن إيلام الله تَعَالَى لمن يؤلمه لَيْسَ يُوجد مِنْهُ لعِلَّة لولاها لم يُوجد بل جعل الله تَعَالَى أَفعَال الْعباد دَلِيلا على مَا قسمه لَهُم وَيدل على ذَلِك أَن الْعقَاب حق لَهُ يجوز لَهُ أَخذه وَتَركه فَوَجَبَ أَن يكون جَارِيا مجْرى التفضل بإنعام غير مُسْتَحقّ ولأنا قد علمنَا جَمِيعًا حسن ترك عُقُوبَة الذَّنب مِمَّن اسْتَحَقَّه بِجِنَايَة عَلَيْهِ وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ وَغَيرهم أَيْضا على حسن الْعَفو والصفح عَن

عُقُوبَة الذَّنب وعَلى مدح من لَا يتم مَا يتوعد بِهِ وتعظيمه ومدحه بِالْعَفو عَن فعله قَالَ كَعْب بن زُهَيْر (نبئت أَن رَسُول الله أوعدني ... وَالْعَفو عِنْد رَسُول الله مأمول) وأنشده للنَّبِي ﷺ فَلم يُنكره وَلَا أحد من الْمُسلمين وَقَالَ آخر (وَإِنِّي إِذا أوعدته أَو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي) وَقَالَ آخر فِي ذمّ من يَفِي بوعيده أبدا وَلَيْسَ الصفح من سجيته (كَأَن فُؤَادِي بَين أظفار طَائِر ... من الْخَوْف فِي جو السَّمَاء مُعَلّق) (حذار امرىء قد كنت أعلم أَنه ... مَتى مَا يعد من نَفسه الشَّرّ يصدق) فذمه على الْوَفَاء بالوعيد وَلَا خلاف بَين أهل اللُّغَة أَن الْعَفو عَن الذَّنب بعد تقدم الْوَعيد لَا يُوجب ذمّ المتوعد وَلَا جعل خَبره كذبا وَكَيف لَا يحسن من الله الْعَفو عَن الذَّنب وَقد أمرنَا بِهِ وحضنا عَلَيْهِ ومدح من هُوَ من شَأْنه وَقد أجمع الْكل على أَن مَا أَمر بِهِ وحض عَلَيْهِ ومدح

لَا يحسن من الله الْعَفو عَن الذَّنب وَقد أمرنَا بِهِ وحضنا عَلَيْهِ ومدح من هُوَ من شَأْنه وَقد أجمع الْكل على أَن مَا أَمر بِهِ وحض عَلَيْهِ ومدح

فَاعله فَلَيْسَ بقبيح قَالَ الله تَعَالَى ﴿والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي الواهبين لما استحقوه بِمَا جني عَلَيْهِم وَقَالَ ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا﴾ وَكَيف لَا تجوز هبة الْحق لمن يملك أَخذه وَتَركه فَدلَّ جَمِيع مَا وصفناه على صِحَة عَفْو الله تَعَالَى عَن سَائِر المذنبين وَجَوَاز ذَلِك مِنْهُ لَو لم يرد الْخَبَر بِأَنَّهُ لَا بُد أَن يُعَاقب بَعضهم فَإِن قَالَ فَمَا يؤمنكم أَن يغْفر الله لسَائِر الْكَفَرَة أَو لبَعْضهِم وَإِن كَانَ قد قدم وعيده لَهُم بالنَّار قيل لَهُ يُؤمن من ذَلِك تَوْقِيف النَّبِي ﷺ وَإِجْمَاع الْمُسلمين الَّذين لَا يجوز عَلَيْهِم الْخَطَأ أَن الله لَا يغْفر لَهُم وَلَا لأحد مِنْهُم لِأَن الْأمة بأسرها نقلت عَن شَاهد النَّبِي ﷺ وهم حجَّة وَأهل تَوَاتر أَنهم علمُوا من دينه ضَرُورَة أَن جَمِيع الْكفَّار فِي النَّار خَالِدين فِيهَا وَعرفُوا قَصده إِلَى إستغراق الْوَعيد لجميعهم وإرادته لكلهم وَأَن الله يفعل ذَلِك بسائرهم وَلَوْلَا هَذَا الْإِجْمَاع والتوقيف الَّذِي اضطررنا إِلَيْهِ لجَاز الْعَفو عَمَّا سَأَلت عَنهُ

لجميعهم وإرادته لكلهم وَأَن الله يفعل ذَلِك بسائرهم وَلَوْلَا هَذَا الْإِجْمَاع والتوقيف الَّذِي اضطررنا إِلَيْهِ لجَاز الْعَفو عَمَّا سَأَلت عَنهُ

فَإِن قَالَ قَائِل وَكَيف يكون هَذَا إِجْمَاعًا من الْأمة وَقد زعم قوم من الْمُتَكَلِّمين بِأَن مقلده الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيرهم من أهل الْكفْر لَيْسُوا فِي النَّار قيل لَهُ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَنْكَرُوا أَن يكون الْمُقَلّد كَافِرًا لشُبْهَة دخلت عَلَيْهِم وَلم يزعموا أَن الْمُقَلّد كَافِر وَأَنه مَعَ ذَلِك لَيْسَ فِي النَّار وَالْعلم بِأَن الْمُقَلّد كَافِرًا أَو غير كَافِر طَرِيقه النّظر دون التَّوْقِيف وَالْخَبَر فَإِن قَالَ فَمَا تَقولُونَ فِي مذنبي أهل مِلَّة الْإِسْلَام هَل يجوز الْعَفو عَنْهُم حَتَّى لَا يُعَاقب الْفَاسِق بِمَا كَانَ من ظلمه لنَفسِهِ أَو غَيره قيل لَهُ نعم فَإِن قَالَ فَمَا الدَّلِيل على ذَلِك قيل لَهُ مَا قدمْنَاهُ من حسن الْعَفو من الله وَمن غَيره وَإِن لم يرد تَوْقِيف اضطرنا إِلَيْهِ على تَعْذِيب سَائِرهمْ وَمَعَ أَن الله تَعَالَى قد بَين ذَلِك فِي نَص كِتَابه فَقَالَ ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فاستثنى من الْمعاصِي الَّتِي يجوز أَن يغفرها الشّرك فألحقت الْأمة بِهِ مَا كَانَ بمثابته من ضروب الْكفْر والشرك وَقَالَ ﴿إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ فَلم يخرج من

ذَلِك إِلَّا الْكفْر والشرك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ والكبائر هَا هُنَا الْكفْر بِدَلِيل قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ والسيئات الَّتِي يغفرها هِيَ مَا دون الشّرك وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تقنطوا من رَحْمَة الله﴾ فِي نَظَائِر لهَذِهِ الْآيَات يطول تعدادها وَهِي كُله فِيمَن لَيْسَ بِكَافِر وَلَا مُشْرك فَلَمَّا كَانَ الملي الْفَاسِق لَيْسَ بِكَافِر وَلَا مُشْرك من قَوْلنَا وَقَول الْمُعْتَزلَة ثَبت أَنه مِمَّن يجوز أَن يغْفر لَهُ وَإِن مَاتَ مصرا إِذا كَانَ التائب لَا عيب عَلَيْهِ وَلَا مَعَه عِنْدهم شَيْء يحْتَاج مَعَه إِلَى غفران وَقد دللنا قبل هَذَا على أَن مَعْصِيّة الله بِغَيْر الْكفْر والتكذيب لَا تضَاد مَعْرفَته الَّتِي هِيَ الْإِيمَان بِهِ وَكَذَلِكَ مَعْصِيّة غَيره لَا تَنْفِي الْعلم بالمعصي فَوَجَبَ أَن يكون العَاصِي مُؤمنا بِاللَّه وَالْمُؤمن لَا يكون كَافِرًا وَلَا مُشْركًا بَاب القَوْل فِي الْخُصُوص والعموم

فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى وَالَّذين كسبوا

السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وترهقهم ذلة مَا لَهُم من الله من عَاصِم كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلما أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ) وَقَوله تَعَالَى وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِنَّهُ لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَمَا ورد بِمَعْنى هَذِه الْآيَات قيل لَهُ المُرَاد بذلك العَاصِي الْكَافِر الَّذِي لَا إِيمَان وَلَا حَسَنَة

ا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَمَا ورد بِمَعْنى هَذِه الْآيَات قيل لَهُ المُرَاد بذلك العَاصِي الْكَافِر الَّذِي لَا إِيمَان وَلَا حَسَنَة

مَعَه لِأَن الله تَعَالَى قد بَين فِي آيَات أخر أَنه يدْخل الْمُؤمنِينَ جنته وَمن أَتَى بحسنة جازاه بِعشر أَمْثَالهَا وَأَنه يُعْطِيهِ خيرا مِنْهَا ويؤمنه من الْفَزع الْأَكْبَر وَمن فزع يَوْمئِذٍ وَأَنه لَا يضيع عمل عَامل من ذكر أَو أُنْثَى ويجازي بِالْحَسَنَة وَيَعْفُو عَن السَّيئَة وَأَن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات قَالَ تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون﴾ وَلَيْسَ فِي الْحَسَنَات أكبر وَلَا أعظم شَأْنًا من الْإِيمَان الَّذِي يحبط الْكفْر ويزيل عِقَابه وَقَالَ ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم﴾ و (إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر) وَقَالَ يَا عبَادي لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ وَقَالَ تَعَالَى إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات فخبر أَن الْحَسَنَات تبطل السَّيِّئَات وَتذهب بهَا وَلَا شَيْء من الْحَسَنَات أولى أَن يكون كَذَلِك من الْإِيمَان الَّذِي يذهب بالْكفْر ويمحوه وَقَالَ ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَقَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره﴾ وَإِذا كَانَ الْفَاسِق الملي مُؤمنا على مَا بَيناهُ وَكَانَ مَعَه حَسَنَات أكبرها الْإِيمَان وَكَانَت لَهُ أَعمال لَا تضيع عَلَيْهِ وَجب أَنه

ا يره﴾ وَإِذا كَانَ الْفَاسِق الملي مُؤمنا على مَا بَيناهُ وَكَانَ مَعَه حَسَنَات أكبرها الْإِيمَان وَكَانَت لَهُ أَعمال لَا تضيع عَلَيْهِ وَجب أَنه

مِمَّن لم يرد بالخلود فِي جَهَنَّم وَأَن يرتب ذَلِك ترتيبا لَا يجوز مَعَه نقض بعض الْآيَات بَعْضًا فَإِن قَالَ إِنَّمَا أَرَادَ بقوله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ إِذا لم يقتل نفسا مُؤمنَة وَلم يعْص وَلم يَتَعَدَّ حُدُوده قيل لَهُ لَا بل أَرَادَ بالوعيد على قتل النَّفس المؤمنة وتعدي حُدُوده وَفعل مَعْصِيَته من لم يكن مِنْهُ إِيمَان وَلَا حَسَنَة وهم الْكفَّار وَهَذَا أولى فَإِن قَالَ قَوْله من ورد مورد الشَّرْط وَالْجَزَاء وَهَذَا يُوجب استغراق المجازين قيل لَهُ فَقل لأجل هَذَا بِعَيْنِه إِن من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَإنَّهُ يُعْطي خيرا مِنْهَا وَهُوَ من فزع يَوْم الْقِيَامَة آمن لأجل قَوْله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ فَإِن قَالَ إِن صَاحب الْكَبِيرَة لَا يُسمى محسنا قيل لَهُ وَالْمُؤمن الموحد الْمُصدق لله وَلِرَسُولِهِ لَا يُسمى عَاصِيا مُتَعَدِّيا لحدوده وكل ذَلِك خُرُوج عَن اللُّغَة وَمَعَ أَن قَوْله من يصلح للْعُمُوم وللخصوص وَهُوَ معرض لَهما لِأَن الْقَائِل يَقُول جَاءَنِي من دَعوته وَكلمت من عَرفته وَهُوَ يُرِيد الْوَاحِد مِنْهُم الَّذِي عرفه وَدعَاهُ وَهُوَ

بعض من دَعَاهُ وعرفه وَقَالَ الله ﷿ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَلم يرد أَن حكام الْمُسلمين كفار إِذا تركُوا الحكم بِمَا أنزل الله وَإِنَّمَا أَرَادَ بعض من لم يحكم بِمَا أنزل الله وَقَالَ الشَّاعِر (وَمن لَا يذد عَن حَوْضه بسلاحه ... يهدم وَمن لَا يظلم النَّاس يظلم) وَلم يرد أَن كل من لَا يظلم النَّاس يظلم لِأَن الله ﷿ لَا يظلم النَّاس وَلَا يجوز أَن يظلم وَلَا كل من كَانَ غير ذائد عَن حَوْضه بسلاحه هدم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد بَطل التَّعَلُّق بِظَاهِر هَذِه الْآي مَعَ جَوَاز احتمالها وَكَذَلِكَ الْجَواب إِن تعلقوا بقوله تَعَالَى ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ وَبِمَا جرى مجْرَاه قيل لَهُم يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بعض الْفجار دون سَائِرهمْ وعورضوا بقوله ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ وَأعظم الْبر التَّوْحِيد وَالْإِيمَان الَّذِي لَا يحصل الْإِنْسَان بارا مُطيعًا إِلَّا بِوُجُودِهِ وَقيل لَهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَلَا أضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَيْسَ فِي

إِلَّا بِوُجُودِهِ وَقيل لَهُم قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ وَلَا أضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَيْسَ فِي

الطَّاعَات حَسَنَة أكبر من الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله وتصديق مَا جَاءَ بِهِ من عِنْده وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَجب تَفْوِيض أَمر عصاة أهل الْملَّة إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَصْحِيح غفرانه لَهُم وَترك الْقطع بعقابهم وَإِيجَاب القَوْل بِأَنَّهُ لَا يخلد فِي النَّار مِنْهُم أحد وَإِن أدخلها مَعَ أَنا لَو صرنا إِلَى ظَاهر مُقْتَضى الْقُرْآن لوَجَبَ أَن لَا يدْخل النَّار إِلَّا كَافِرًا قَالَ الله ﷿ ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ وَقَالَ ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ وَقَالَ ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ فَيَقُول يَا لَيْتَني لم أوت كِتَابيه وَلم أدر﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فِي سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه إِنَّه كَانَ لَا يُؤمن بِاللَّه الْعَظِيم﴾ وَقَالَ ﴿وَأَصْحَاب الشمَال مَا أَصْحَاب الشمَال فِي سموم وحميم وظل من يحموم لَا بَارِد وَلَا كريم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكَانُوا يصرون على الْحِنْث الْعَظِيم﴾ يُرِيد الشّرك ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أئذا متْنا وَكُنَّا تُرَابا وعظاما أئنا لمبعوثون﴾ فَأوجب النَّار لمن يُنكر الْبَعْث وَيكفر بِاللَّه وبرسله وَلَا يُؤمن بهم وَلَيْسَ فِي فساق أهل الْملَّة من هَذَا وَصفه فَإِن لم يجب الْمصير

إِلَى عُمُوم هَذِه الْآيَات لم يجب الْمصير إِلَى عُمُوم الظَّوَاهِر الَّتِي تلوها فصح مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من جَوَاز الْعَفو عَن فساق أهل ملتنا مَسْأَلَة

ُمُوم هَذِه الْآيَات لم يجب الْمصير إِلَى عُمُوم الظَّوَاهِر الَّتِي تلوها فصح مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ من جَوَاز الْعَفو عَن فساق أهل ملتنا مَسْأَلَة

فَإِن قَالَ قَائِل أفليس الله قد أوجب عَدَاوَة الْفَاسِق والتبرؤ مِنْهُ ولعنه وأمرنا بِأَن لَا تأخذنا رأفة بِهِ وأمرنا بالنكال بِهِ فَقَالَ ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ الْآيَة وَقَالَ ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ مَعَ قَوْله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَكيف يجوز أَن يكون صَاحب الْكَبِيرَة مُؤمنا وَالْمُؤمن مَرْحُوم وَولي لله تَعَالَى قيل لَهُ لسنا نقُول إِن الْفَاسِق عَدو لله وَلَا إِن الله لَعنه إِلَّا بشريطة أَن يكون فِي معلومه أَنه يعذبه وَأَن يكون أَرَادَ ذَلِك وقصده وَإنَّهُ مَتى لم يكن ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ الْمَعْلُوم من حَاله أَنه يثيبه وَيغْفر لَهُ ويشفع فِيهِ نبيه فَإِنَّهُ غير مَلْعُون وَلَا عَدو لله وَلَا مِمَّن حكم بعقابه لِأَن الْعَدَاوَة والبغض من الله إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته لعذاب من علم أَنه يعذبه على مَا بَينا فِي بَاب الصِّفَات

ا عَدو لله وَلَا مِمَّن حكم بعقابه لِأَن الْعَدَاوَة والبغض من الله إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته لعذاب من علم أَنه يعذبه على مَا بَينا فِي بَاب الصِّفَات

وَهَذَا كَمَا تعبدنا بلعن من ظهر مِنْهُ كلمة الْكفْر فِي دَار الْحَرْب وَالْحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عَدو لله بشريطة أَن كَانَ مُعْتَقدًا للكفر وَكَانَ ظَاهره كباطنه وكما أَمر عنْدكُمْ بلعن من أظهر الْفسق وذمه والبراءة مِنْهُ إِذا لم تعلم تَوْبَته بشريطة أَن لَا يكون قد تَابَ وَنَدم وَكَذَلِكَ تعبدنا الله بلعن شُهُود الزِّنَى والبراءة مِنْهُم إِذا اخْتلفت شَهَادَتهم وَقصر عَددهمْ وَالْحكم بفسقهم إِن كَانُوا عِنْد الله كذبه لَا على الْإِطْلَاق وَكَذَلِكَ قر أمرنَا بموالاة من أظهر لنا الْإِيمَان وتوليه بشريطة أَن يكون عِنْد الله مُعْتَقدًا لذَلِك وَإِذا كَانَ هَكَذَا بَطل مَا قُلْتُمْ لِأَن الله تَعَالَى إِن كَانَ قد علم أَنه سيغفر لِلْفَاسِقِ الملي ويشفع فِيهِ نبيه فَلَيْسَ بملعون عِنْده وَلَا عَدو لَهُ فَأَما إِن كَانَ فِي الْمَعْلُوم أَنه سيعاقبه فَإِن معنى عَدَاوَة الله لَهُ أَنه أَرَادَ عِقَابه على ذَنبه وَهُوَ أَيْضا موَالٍ لَهُ على إيمَانه لِأَنَّهُ مُرِيد لإثباته وَلَيْسَ بمستحيل أَن يُرِيد الله عِقَاب الْفَاسِق فِي وَقت وإثابته فِي وَقت آخر كَمَا أَنه لَيْسَ بمحال أَن يُرِيد الْإِنْسَان عِقَاب وَلَده على ذَنبه فيريد أَيْضا تبجيله وإثابته على عمله الْجَمِيل وَحسن طَاعَته فِيمَا فِيهِ وَإِنَّمَا تمْتَنع وتتضاد الْعَدَاوَة وَالْولَايَة من وَجه وَاحِد وعَلى عمل وَاحِد وَقد

قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله ولي الَّذين آمنُوا﴾ وَقَالَ ﷿ ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ وَقد بَينا فِيمَا سلف أَن الْفَاسِق الملي مُؤمن بِمَا يُغني عَن إِعَادَته فَوَجَبَ أَن يكون وليا لله تَعَالَى بإيمانه وَبِمَا مَعَه من طاعاته والتقرب إِلَيْهِ وَقَوله ﷿ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَالْمُرَاد بِهِ إِرَادَته لإثابتهم على إِيمَانهم فِي الْآخِرَة وطاعاتهم لَهُ لِأَنَّهُ لَا بُد أَن يثيبهم على الْإِيمَان وإرادته أَيْضا إِرَادَة للْحكم عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَام الْمُؤمنِينَ من المناكحة والموارثة وعيادة مريضهم ودفنهم فِي مَقَابِر الْمُسلمين وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ أَنه رَحِيم بهم فِي كل شَيْء إِلَّا مَا علم أَنه يجازيهم عَلَيْهِ من ذنوبهم فَبَطل مَا قَالُوهُ وَأما الْفَاسِق من الْمُؤمنِينَ فَلَا يجوز أَن يكون معاديا لله بمعصيته مَعَ إِقْرَاره بِوُجُودِهِ وإيمانه بربه وتصديقه لَهُ لِأَن الْعَدَاوَة لله متضمنة للكفر بِهِ وَقد يُمكن أَن يكون الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تعبدنا بذم الْفَاسِق ولعنه وَجلده وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْآخِرَة كَمَا أَمر بجلد التائب وقطعه محنة لَهُ ليثيبه على ذَلِك فِي الْمعَاد بل فَلَا جِهَة لَهُم فِي ذمّ الْفَاسِق وَحده فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مَعَ الْفَاسِق إِيمَان يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب والتعظيم فِي

ى ذَلِك فِي الْمعَاد بل فَلَا جِهَة لَهُم فِي ذمّ الْفَاسِق وَحده فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مَعَ الْفَاسِق إِيمَان يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب والتعظيم فِي

الْآخِرَة لأزال عَنهُ الْحَد فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا لم يزل ذَلِك عَنهُ بَطل مَا قُلْتُمْ قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم وَلَو كَانَ مَعَ التائب الْمُنِيب مَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة لَاسْتَحَقَّ بِهِ إِزَالَة الْعقَاب وَالْحُدُود فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا كَانَ التائب عندنَا وَعِنْدهم مَقْطُوعًا ومحدودا مَعَ تَوْبَته بَطل أَن يكون من أهل التَّعْظِيم وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة فَإِن قَالُوا إِنَّمَا لم تزل التَّوْبَة قطع التائب وَحده وتعمل فِي إحباطه لأجل أَن قطعه وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِ لَيْسَ بعقاب وإهانة وَإِنَّمَا هُوَ محنة من الله ﷿ لَهُ وَلَيْسَ يجب أَن تُؤثر التَّوْبَة فِي إِزَالَة المحن الَّتِي لَيست بنكال وَلَا عِقَاب قيل لَهُم وَكَذَلِكَ قطع الْمُؤمن الموحد الْمُصدق لله وَلِرَسُولِهِ لَيْسَ بعقاب وَلَا نكال وَإِنَّمَا هُوَ امتحان من الله وَإِنَّمَا المُرَاد بقوله ﴿نكالا من الله﴾ إِن كَانَا مستحلين للزنى وَمِمَّنْ قد حكم بعقابهما فِي الْآخِرَة فَلذَلِك لم يزل إيمَانه وولايته قطعه وَحده ثمَّ يُقَال لَهُم لَو لم يكن مَعَ الْمُؤمن مَا يسْتَحق بِهِ ثَوابًا فِي الْآخِرَة لبطلت موارثته ومناكحته وَحرمت زيارته وعيادة مريضه وَدَفنه فِي مَقَابِر الْمُسلمين فَلَمَّا لم يزل ذَلِك علمنَا أَنه من أهل الثَّوَاب فِي الْآخِرَة فَإِن قَالُوا جَمِيع هَذَا لَيْسَ يدل على أَن الْمَفْعُول بِهِ مَا وصفتم من أهل الثَّوَاب لِأَن جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام تجرى على الْمُنَافِقين وَلَيْسوا بهَا مثابين

ِيع هَذَا لَيْسَ يدل على أَن الْمَفْعُول بِهِ مَا وصفتم من أهل الثَّوَاب لِأَن جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام تجرى على الْمُنَافِقين وَلَيْسوا بهَا مثابين

قيل لَهُم وَكَذَلِكَ مَدْحنَا للْمُؤْمِنين وتوليهم وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِم لَيْسَ بِثَوَاب لأننا نَفْعل ذَلِك أجمع بالمنافقين مَتى أظهرُوا لنا الْإِيمَان وَلَيْسَ ذَلِك بِثَوَاب وَلَا دلَالَة على حُصُول الثَّوَاب فِي الْآخِرَة وَإِن هم قَالُوا لَو جَازَ أَن نعادي الْفَاسِق ونذمه ونلعنه بشريطة أَن يكون مِمَّن يُعَاقب فِي الْآخِرَة لجَاز أَن يعاديه الله ويلعنه على هَذِه الشريطة يُقَال لَهُم وَلَو جَازَ أَن نلعن نَحن شُهُود الزِّنَى ونبرأ مِنْهُم بشريطة أَن كَانُوا كاذبين لجَاز أَن يلعنهم الله ويعاديهم على هَذِه الشريطة فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قُلْتُمْ وَالسَّبَب المفرق بَين لعننا وعداوتنا بشريطة يجوز أَن تكون وَيجوز أَن لَا تكون وَامْتِنَاع لعن الْبَارِي لَهُم بشريطة لأننا نَحن لَا نعلم عواقب أُمُورهم والباري سُبْحَانَهُ عَالم بذلك فَلم يجز عَلَيْهِ لعنهم والعداوة لَهُم بشريطة وَإِن جَازَ وَصَحَّ ذَلِك فِينَا مَسْأَلَة

وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على خُلُود الْفَاسِق الملي فِي جَهَنَّم أَنه قد ثَبت أَنه مُسْتَحقّ للعقاب وَثَبت أَن مَا يسْتَحقّهُ من ذَلِك دَائِم كَمَا أَنه مُسْتَحقّ للذم دَائِما مَا لم يتب فَوَجَبَ أَنه غير مثاب يُقَال لَهُم وَمَا أنكرتم أَن يكون الْفَاسِق غير معاقب بالنَّار بِهَذِهِ الْعلَّة

بِعَينهَا لِأَنَّهُ قد ثَبت أَنه مُسْتَحقّ لثواب دَائِم على إيمَانه وطاعته كَمَا أَنه مُسْتَحقّ لمدح دَائِم فَوَجَبَ أَنه غير معاقب بالنَّار فَإِن قَالُوا لَو كَانَ مُسْتَحقّا للثَّواب لم يلعن وَلم يهن فِي الدُّنْيَا ولزالت عَنهُ الْحُدُود قيل لَهُم هَذِه الْحُدُود لَيست بعقاب وَإِنَّمَا هِيَ امتحان ثمَّ يُقَال لَهُم وَلَو لم يسْتَحق الْفَاسِق بِطَاعَتِهِ الثَّوَاب لم يسْتَحق المناكحة والموارثة والدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين فَإِن قَالُوا هَذِه الْأُمُور لَيست بِثَوَاب قيل لَهُم وَالْحُدُود لَيست بعقاب لِأَنَّهَا جَارِيَة على التائب الْوَلِيّ وَكَذَلِكَ ذمنا وبغضنا لَيْسَ بعقاب لِأَنَّهُ جَار على شُهُود الزِّنَى إِذا اخْتلفت شَهَادَتهم وَنقص عَددهمْ وَإِن كَانُوا صَادِقين أبرارا عِنْد الله ﷿ وَلَا فصل فِي شَيْء من ذَلِك بَاب الْكَلَام فِي الشَّفَاعَة

وَمِمَّا يدل على جَوَاز الغفران لعصاة أهل الْملَّة مَا ورد من الْأَخْبَار

الثَّابِتَة المتظاهرة فِي إِثْبَات شَفَاعَة الرَّسُول ﷺ وَآله فِي أهل الْكَبَائِر نَحْو قَوْله ﷺ (ادخرت شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي) وَقد روى خبر الشَّفَاعَة عَن النَّبِي ﷺ وَآله عدَّة مِنْهُم أنس بن مَالك وَجَابِر بن عبد الله وَرَوَاهُ حُذَيْفَة عَن أبي بكر الصّديق ﵁ عَن النَّبِي ﷺ وروى معبد بن هِلَال وثابت الْبنانِيّ ذَلِك فِي خبر طَوِيل عَن أنس بن مَالك وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ وَآله وَسلم قَالَ أنس بن مَالك سَمِعت مُحَمَّدًا ﷺ وَآله

َلِك فِي خبر طَوِيل عَن أنس بن مَالك وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ وَآله وَسلم قَالَ أنس بن مَالك سَمِعت مُحَمَّدًا ﷺ وَآله

وَسلم يَقُول (إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ماج النَّاس بَعضهم فِي بعض فَيُؤتى آدم فَيُقَال لَهُ يَا آدم اشفع فِي ذريتك فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بإبراهيم فَإِنَّهُ خَلِيل الرَّحْمَن فَيُؤتى إِبْرَاهِيم فَيُقَال لَهُ مثل ذَلِك فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بمُوسَى فَإِنَّهُ كليم الرَّحْمَن فَيُؤتى مُوسَى فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بِعِيسَى فَإِنَّهُ روح الله وكلمته قَالَ فَيُؤتى عِيسَى فَيَقُول لست لَهَا وَلَكِن عَلَيْكُم بِمُحَمد فأوتى فَأَقُول أَنا لَهَا فأنطلق فَأَسْتَأْذِن على رَبِّي فَيُؤذن لي عَلَيْهِ فأقوم بَين يَدَيْهِ فيلهمني محامده فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال لي انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه إِمَّا قَالَ مِثْقَال ذرة أَو مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان فَأخْرجهُ مِنْهَا قَالَ فَأخْرجهُ ثمَّ أَعُود فأحمده بِتِلْكَ المحامد وَأخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال لي انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه مِثْقَال خردلة من إِيمَان فَأخْرجهُ مِنْهَا قَالَ فأنطلق فأفعل ذَلِك ثمَّ أَحْمَده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه

أخر سَاجِدا فَيُقَال لي يَا مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب أمتِي أمتِي فَيُقَال انْطلق فَمن كَانَ فِي قلبه

أدنى من مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من إِيمَان فَأخْرجهُ من النَّار ثَلَاث مَرَّات) وَزَاد الْحسن الْبَصْرِيّ فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن أنس ابْن مَالك وَثَلَاثَة وَعشْرين رجلا قَالَ حَدثنِي أنس أَنه قَالَ فأقوم الرَّابِعَة فأحمده بِتِلْكَ المحامد ثمَّ أخر سَاجِدا قَالَ فَيُقَال لي ارْفَعْ رَأسك وَقل تسمع وسل تعطه وَاشْفَعْ تشفع فَأَقُول يَا رب ائْذَنْ لي فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَيُقَال لي لَيْسَ لَك ذَلِك وَلَكِن وَعِزَّتِي وكبريائي وعظمتي لأخْرجَن مِنْهَا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْأَخْبَار فِي الشَّفَاعَة أَكثر من أَن يُؤْتى عَلَيْهَا وَهِي كلهَا متواترة متوافية على خُرُوج الْمُوَحِّدين من النَّار بشفاعة الرَّسُول ﷺ وَآله وَإِن اخْتلفت ألفاظها فَفِي بَعْضهَا أَنهم يخرجُون بعد مَا امتحشوا فِيهِ وصاروا فحما وَفِي خبر أَنهم يخرجُون مِنْهَا ضبائر ضبائر فيلقون فِي نهر الْحَيَاة فينبتون كَمَا تنْبت الطراثيث والحبة فِي جميل السَّيْل وَأَنَّهُمْ يدْخلُونَ الْجنَّة مَكْتُوبًا على جباههم الجنميون

ر ضبائر فيلقون فِي نهر الْحَيَاة فينبتون كَمَا تنْبت الطراثيث والحبة فِي جميل السَّيْل وَأَنَّهُمْ يدْخلُونَ الْجنَّة مَكْتُوبًا على جباههم الجنميون

وَفِي خبر آخر عُتَقَاء الله من النَّار وَأَن آخر من يخرج من النَّار رجل يَقُول فِي النَّار يَا حنان يَا منان وَقد أطبق سلف الْأمة على تَسْلِيم هَذِه الرِّوَايَة وصحتها مَعَ ظُهُورهَا وانتشارها وَالْعلم بِأَنَّهَا مروية من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَو كَانَت مِمَّا لم تقم الْحجَّة بهَا لطعن طَاعن فِيهَا بِدفع الْعقل والسمع لَهَا على مَا يَقُوله الْمُعْتَزلَة ولكانت الصَّحَابَة أعلم بذلك وَأَشد تسرعا إِلَى إنكارها وَلَو كَانُوا قد فعلوا ذَلِك أَو بَعضهم لظهر ذَلِك وانتشر ولتوفرت الدَّوَاعِي على إذاعته وإبدائه حَتَّى ينْقل نقل مثله وَيحل الْعلم بِهِ مَحل الْعلم بِخَبَر الشَّفَاعَة لِأَن هَذِه الْعَادة ثابته فِي الْأَخْبَار وَفِي الْعلم بِفساد ذَلِك دَلِيل على ثُبُوت خبر الشَّفَاعَة وَبطلَان قَول الْمُعْتَزلَة إِن الغفران بَاطِل بِالْعقلِ وَمُوجب لتكذيب السّمع وَغير ذَلِك مِمَّا يَدعُونَهُ مَسْأَلَة

فَإِن قَالُوا هَذِه الْأَحَادِيث مُعَارضَة بِمِثْلِهَا فروى الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا تنَال شَفَاعَتِي أهل الْكَبَائِر من أمتِي) فَوَجَبَ إطراحها يُقَال لَهُم هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرتموها غير مَعْرُوفَة وَلَا ثَابِتَة عِنْد أهل النَّقْل فَلَا يجب أَن يدْفع بهَا مَا قد علمنَا نَحن وَأَنْتُم أَنه مَرْوِيّ

ثمَّ يُقَال لَهُم لَو سلمت روايتكم لوَجَبَ حملهَا مَعَ الْأَخْبَار الَّتِي رويناها على ضرب من الْبناء والتأويل حَتَّى لَا يدْفع من السّنَن شَيْء يُمكن اسْتِعْمَالهَا وتصحيحها كَمَا يصنع ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون﴾ وَقَوله ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فَنَقُول قَوْله لَا تنَال شَفَاعَتِي أهل الْكَبَائِر من أمتِي أَرَادَ بذلك أَن كَانَت الْكَبَائِر الْوَاقِعَة مِنْهُم ردة بعد إِسْلَام أَو كفرا بعد إِيمَان بِدلَالَة الْأَخْبَار الْأُخَر الَّتِي فِيهَا إِخْرَاج أهل الْإِيمَان بِشَفَاعَتِهِ فَلَا يكون لذَلِك مُعَارضا فَإِن قَالُوا قَوْله لَا تنَال شَفَاعَتِي أهل الْكَبَائِر من أمتِي يمْنَع تأويلكم هَذَا لِأَنَّهُ حكم بِأَنَّهُم من أمته وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنهم قوم مُسلمُونَ قيل لَهُم يحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله أمتِي الَّذين كَانُوا من أمتِي ثمَّ ارْتَدُّوا وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أهل قَرْني وعصري الَّذين بعثت فيهم فَلَا تعلق لَهُم فِي ذَلِك

مَسْأَلَة

فَإِن قَالُوا أفليس قد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ وَآله أَنه قَالَ (من تحسى سما فَقتل نَفسه فَهُوَ يتحساه فِي نَار جَهَنَّم خَالِدا مخلدا فِيهَا أبدا) وَرُوِيَ مثله فِيمَن قتل نَفسه بحديدة وَمن تردى من جبل وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ (لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا عَاق لوَالِديهِ) وَهَذِه الْأَخْبَار مُعَارضَة لأخبار الشَّفَاعَة قيل لَهُم لَو ثبتَتْ هَذِه الْأَخْبَار كثبوت خبر الشَّفَاعَة لم تكن متعارضة بل يجب أَن يكون قَوْله من تحسى سما فَقتل نَفسه وَمن أدمن الْخمر وَمن عق وَالِديهِ وتردى من جبل وَقتل نَفسه بحديدة ينْصَرف إِلَى من فعل ذَلِك أجمع على وَجه الاستحلال وَتَكْذيب الْخَبَر والتوقيف على تَحْرِيمه لِأَن ذَلِك لَا يَقع على جِهَة التَّكْذِيب مِمَّن يسْتَحق الشَّفَاعَة مَسْأَلَة

فَإِن قَالُوا أفليس الرَّسُول ﷺ عنْدكُمْ لَا يشفع إِلَّا فِي مُؤمن وَقد وَردت الرِّوَايَات بِأَن السَّارِق لَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن فَكيف

شفع إِلَّا فِي مُؤمن وَقد وَردت الرِّوَايَات بِأَن السَّارِق لَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن فَكيف

يشفع الرَّسُول ﷺ وَآله فِيمَن لَيْسَ بِمُؤْمِن وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ (لَيْسَ منا من بَات بطينا وجاره خميص وَمن غَشنَا فَلَيْسَ منا) فَكيف تحصل الشَّفَاعَة لمن لَيْسَ من أهل مِلَّته يُقَال لَهُم هَذِه الْأَخْبَار أَيْضا مُحْتَملَة لوجوه إِذا صرفت إِلَيْهَا لم تكن مُعَارضَة لخَبر الشَّفَاعَة فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن) إِذا فعلا ذَلِك مستحلين للزنى وَالسَّرِقَة ومكذبين بتحريمهما وَلَا شَفَاعَة لمن زنى مستحلا لذَلِك وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك أَنه لَيْسَ بِمُؤْمِن كالمؤمن الَّذِي لم يكن مِنْهُ زنى وَلَا سَرقَة فِي الْبر وَالطَّهَارَة والسلامة من الذُّنُوب وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك إِنَّمَا خرج على مَذْهَب التَّغْلِيظ وَالْمُبَالغَة فِي الزّجر على سَبِيل قَوْله (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد) وَكَذَلِكَ قَوْله (من غَشنَا فَلَيْسَ منا) و (لَيْسَ منا من بَات بطينا وجاره خميصا)

بِيل قَوْله (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد) وَكَذَلِكَ قَوْله (من غَشنَا فَلَيْسَ منا) و (لَيْسَ منا من بَات بطينا وجاره خميصا)

وَإِذا حملت هَذِه الْأَخْبَار على هَذَا التَّأْوِيل بَطل التَّعَارُض وَقد روى أَبُو الدَّرْدَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة) قَالَ فَقلت يَا رَسُول الله وَإِن زنى وَإِن سرق وَأَنه ردد ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ فِي الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة نعم وَإِن رغم أنف أبي الدَّرْدَاء) وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب حمل هَذِه الْأَخْبَار على الْبناء وَالتَّرْتِيب كَمَا يجب ذَلِك فِي آي الْقُرْآن المتعارضة الظَّوَاهِر فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ قيل لَهُم مَعْنَاهُ وَلَا يشفعون إِلَّا لمن رَضِي الله سُبْحَانَهُ أَن يشفعوا وَأذن فِيهِ وَلم يرد بذلك أَنهم لَا يشفعون إِلَّا لمن رَضِي عمله لِأَن من رَضِي الله سَائِر عمله لَا يحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون أَرَادَ أَنهم لَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى عمله الَّذِي هُوَ غير ذَنبه الَّذِي يسْتَوْجب بِهِ الْعقَاب فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يشفعون إِلَّا لمن مَعَه عمل مرتضى وَالْفَاسِق مَعَه طاعات وبر وَقرب وتصديق وتوحيد وَذَلِكَ أجمع مرتضى مِنْهُ وَإِنَّمَا تدل هَذِه الْآيَة على أَنه لَا شَفَاعَة لكَافِر لِأَن الْكَافِر لَا طَاعَة مَعَه

مَسْأَلَة

فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﷿ ﴿مَا للظالمين من حميم وَلَا شَفِيع يطاع﴾ قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنه لَا شَفَاعَة للظالمين بالْكفْر والشرك الَّذين لَا طَاعَة مَعَهم قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الشّرك لظلم عَظِيم﴾ وَلم يرد أهل التَّوْحِيد كَمَا أَنه لم يرد عنْدكُمْ أهل الصَّغَائِر الْوَاقِعَة مِنْهُم مَعَ مجانبة الْكَبَائِر فَلَا تعلق لَهُم فِي ذَلِك مَسْأَلَة

فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ و ﴿وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا﴾ و ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ قيل لَهُم جَمِيع هَذِه الْآيَات وَمَا كَانَ بمعناها يُرَاد بهَا أهل الْكفْر والجحد والتكذيب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ لِأَن الله تَعَالَى خبر عَنْهُم أَنهم قَالُوا ﴿لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين﴾ وَلم يعن بِهَذَا الْوَعيد أحدا من أهل الْإِسْلَام والتصديق

مَسْأَلَة

ك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين﴾ وَلم يعن بِهَذَا الْوَعيد أحدا من أهل الْإِسْلَام والتصديق

مَسْأَلَة

فَإِن قَالَ قَائِل مِنْهُم مَا أنكرتم أَن تكون شَفَاعَة الرَّسُول ﷺ وشفاعة الْمَلَائِكَة مُسْتَحقَّة للْمُؤْمِنين على وَجه الثَّوَاب لَهُم وَالْجَزَاء على أَعْمَالهم وطاعاتهم وتوبتهم لِأَن الله تَعَالَى أخبر بذلك فَقَالَ الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم رَبنَا وادخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن ذَلِك على وَجه الثَّوَاب لَهُم يُقَال لَهُم مَتى أخبر الله سُبْحَانَهُ بذلك وَلَيْسَ فِي الْآيَة أَكثر من أَن الْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لَهُم فَقَط ثمَّ يُقَال لَهُم لَو كَانَ اسْتِغْفَار الرَّسُول وَالْمَلَائِكَة وشفاعتهم إِلَى الله سُبْحَانَهُ ثَوابًا على أَعْمَالهم وَالرَّسُول وَالْمَلَائِكَة هم الفاعلون الْخَالِقُونَ لكلامهم وطلبهم وشفاعتهم عنْدكُمْ لكانوا هم المثيبين للْمُؤْمِنين التائبين بِهَذِهِ الشَّفَاعَة لِأَن فَاعل الثَّوَاب مثيب كَمَا أَن فَاعل الْعقَاب معاقب وفاعل الْأَلَم والتفضل مؤلم متفضل فَلَمَّا أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة لَا يثيبون الطائعين لله على طاعاتهم لَهُ سُبْحَانَهُ وَأَن الله هُوَ

فضل مؤلم متفضل فَلَمَّا أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة لَا يثيبون الطائعين لله على طاعاتهم لَهُ سُبْحَانَهُ وَأَن الله هُوَ

المثيب على ذَلِك دون كل أحد بَطل مَا توهمتم ثمَّ يُقَال لَهُم لَو سلمنَا لكم أَن الشَّفَاعَة مُسْتَحقَّة بِالْإِيمَان لم يدل ذَلِك على أَنَّهَا لَيست بشفاعة فِي غفران الذُّنُوب لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَالتَّوْبَة من الْكفْر يسْتَحق بِهِ الثَّوَاب عنْدكُمْ فَيجوز أَيْضا أَن يسْتَحق بِهِ شَفَاعَة النَّبِي ﷺ فِي ذنوبهم الَّتِي قارنت الْإِيمَان فَمَا الَّذِي يدْفع ذَلِك فَإِن قَالُوا لِأَنَّهُ أخبر عَنْهُم أَنهم يَقُولُونَ ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك﴾ والمصر لَيْسَ بتائب قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون أَرَادَ بقوله للَّذين تَابُوا من كفرهم وطعنهم على النَّبِيين وَدين الْمُسلمين وَاتبعُوا سَبيله سُبْحَانَهُ واعتقدوا توحيده وتصديق رسله وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ من عِنْده فَهَل تَجِدُونَ لهَذَا مدفعا وَلَو كَانَت الْمَلَائِكَة لَا تشفع إِلَّا لمُؤْمِن تَقِيّ تائب مقلع متنسك لَا سَبِيل وَلَا حجَّة عَلَيْهِ لم يكن لشفاعتها معنى إِلَّا الرَّغْبَة إِلَى الله ﷿ فِي أَن لَا يَظْلمه وَلَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا يسفه بعقابه لِأَن عِقَاب من هَذِه سَبيله ظلم وسفه على أصولهم والأنبياء وَالْمَلَائِكَة أجل عِنْد الله ﷿ وَأعظم قدرا من أَن ترغب إِلَيْهِ فِي أَن لَا يظلم عباده وَلَا يجوز فِي حكمه وَيُمكن أَيْضا على أصولنا أَن يكون معنى قَوْله فَاغْفِر للَّذين

تَابُوا) أَي تفضل عَلَيْهِم بِقبُول تَوْبَتهمْ فَاغْفِر لَهُم لِأَن قبُول التَّوْبَة تفضل من الله لَهُ أَن يَفْعَله وَله أَن لَا يَفْعَله وَهَذَا التَّأْوِيل غير مطرد على أصُول الْمُعْتَزلَة لِأَنَّهَا توجب قبُول التَّوْبَة على الله وتظلمه وتجوزه فِي ردهَا وَترك قبُولهَا وَالْعِقَاب على مَا هِيَ توبه مِنْهُ فَلَا يسوغ لَهُم مَعَ ذَلِك مثل تأويلنا فصل

جب قبُول التَّوْبَة على الله وتظلمه وتجوزه فِي ردهَا وَترك قبُولهَا وَالْعِقَاب على مَا هِيَ توبه مِنْهُ فَلَا يسوغ لَهُم مَعَ ذَلِك مثل تأويلنا فصل

وَقد افْتَرَقت الْمُعْتَزلَة فريقين فَأنْكر فريق مِنْهُم الشَّفَاعَة جملَة وَحمل نَفسه على جحد الْأَخْبَار ورد الْقُرْآن وَقَالَ الْفَرِيق الآخر إِن للأنبياء وَالْمَلَائِكَة شَفَاعَة إِلَّا أَنَّهَا تشفع لثَلَاثَة فرق من النَّاس الْمُؤمنِينَ ففريق من أهل الشَّفَاعَة هم أَصْحَاب الصَّغَائِر الَّذين واقعوها مَعَ مجانبة الْكَبَائِر والفريق الآخر أَصْحَاب الْكَبَائِر الَّذين تَابُوا مِنْهَا وندموا عَلَيْهَا والفريق الآخر هم الْمُؤْمِنُونَ الَّذين لَا ذَنْب لَهُم أصلا فَتكون شَفَاعَة الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة فيهم شَفَاعَة فِي الزِّيَادَة لَهُم من النَّعيم على قدر مَا يسْتَحقُّونَ بأعمالهم فَأَما الشَّفَاعَة فِي صَاحب كَبِيرَة إِذا مَاتَ مصرا عَلَيْهَا فَإِنَّهَا بَاطِلَة فَيُقَال لَهُم أما الشَّفَاعَة لِلْفَرِيقَيْنِ الْأَوَّلين لَا معنى لَهَا لِأَنَّهَا شَفَاعَة إِلَى الله فِي أَن لَا يظلم وَلَا يجور على عباده بعقاب غير مُسْتَحقّ

لِأَن صَاحب الصَّغِيرَة غير مُسْتَحقّ للعذاب إِذا فعلهَا مَعَ مجانبة الْكَبَائِر عنْدكُمْ وعَلى أصولكم وَكَذَلِكَ التائب من الْكَبِيرَة قد أَزَال عَن نَفسه الْعقَاب بتوبته وَصَارَ عِقَابه عَلَيْهَا مَعَ التَّوْبَة ظلما قبيحا فَلَا معنى للشفاعة فِيمَن هَذِه حَاله فَأَما الشَّفَاعَة للسالم من كل الذُّنُوب فِي أَن يُزَاد على قدر مَا يسْتَحقّهُ فَإِنَّهَا خلاف الشَّفَاعَة المروية عَن النَّبِي وَلِأَن ذَلِك لم يذكر فِي شَيْء من الْأَخْبَار وَكَذَلِكَ هِيَ مُخَالفَة لِلْقُرْآنِ لِأَن الشَّفَاعَة الَّتِي ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ عَن الْمَلَائِكَة إِنَّمَا هِيَ شَفَاعَة فِي الغفران للَّذين تَابُوا من الْكفْر وَالظُّلم لِأَن يقيهم السَّيِّئَات وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الزِّيَادَة فِي النَّعيم وَلَوْلَا العناد والميل إِلَى سَبِيل الضَّالّين ووساوس المردة وَالشَّيَاطِين لم يعدلُوا عَن إِثْبَات الشَّفَاعَة الْمَذْكُورَة فِي نَص الْكتاب والمأثورة فِي الْأَخْبَار إِلَى الترهات وَطَرِيق التأويلات وتلفيق الْجَهْل والضلالات وَيُقَال لَهُم لَيْسَ الْكَلَام بَين الْأمة فِي الزِّيَادَة على قدر الثَّوَاب وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي الشَّفَاعَة الَّتِي جَاءَت بهَا الْأَخْبَار وَالْقُرْآن فَهَل لَهَا عنْدكُمْ معنى أم لَا فَإِن قَالُوا لَا صَارُوا إِلَى جحد الْقُرْآن وَالرِّوَايَات وسألناهم على حد مَا تقدم

وَإِن أثبتوها وتأولوها على بعض مَا تقدم كلمناهم بِمَا سلف وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء مِنْهُ مَسْأَلَة لَهُم هَذَا الْبَاب

Bagian 9 dari 13