قواعد العقائد

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 1 dari 3 224 halaman

— Bagian 1 · مُقَدّمَة —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

مُقَدّمَة

الْحَمد لله المبديء المعيد الفعال لما يُرِيد ذِي الْعَرْش الْمجِيد والبطش الشَّديد الْهَادِي صفوة العبيد إِلَى الْمنْهَج الرشيد والمسلك السديد

الْمُنعم عَلَيْهِم بعد شَهَادَة التَّوْحِيد بحراسة عقائدهم عَن ظلمات التشكيك والترديد السالك بهم إِلَى اتِّبَاع رَسُوله الْمُصْطَفى واقتفاء آثَار صَحبه الأكرمين الْمُكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لَهُم فِي ذَاته وأفعاله بمحاسن أَوْصَافه الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد الْمُعَرّف إيَّاهُم أَنه فِي ذَاته وَاحِد لَا شريك لَهُ فَرد لَا مثيل لَهُ صَمد لَا ضد لَهُ مُنْفَرد لَا ند لَهُ وَأَنه وَاحِد قديم لَا أول لَهُ أزلي لَا بداية لَهُ مُسْتَمر الْوُجُود لَا آخر لَهُ أبدي لَا نِهَايَة لَهُ قيوم لَا انْقِطَاع

لَهُ دَائِم لَا انصرام لَهُ لم يزل مَوْصُوفا بنعوت الْجلَال لَا يقْضى عَلَيْهِ بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الْآجَال بل هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم التَّنْزِيه

وَأَنه لَيْسَ بجسم مُصَور وَلَا جَوْهَر مَحْدُود مُقَدّر وَأَنه لَا يماثل الْأَجْسَام لَا فِي التَّقْدِير وَلَا فِي قبُول الانقسام وَأَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا تحله الْجَوَاهِر وَلَا بِعرْض وَلَا تحله الْأَعْرَاض بل لَا يماثل مَوْجُودا وَلَا يماثله

َّقْدِير وَلَا فِي قبُول الانقسام وَأَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا تحله الْجَوَاهِر وَلَا بِعرْض وَلَا تحله الْأَعْرَاض بل لَا يماثل مَوْجُودا وَلَا يماثله

مَوْجُود لَيْسَ كمثله شَيْء وَلَا هُوَ مثل شَيْء وَأَنه لَا يحده الْمِقْدَار وَلَا تحويه الأقطار وَلَا تحيط بِهِ الْجِهَات وَلَا تكتنفه الأرضون وَلَا السَّمَوَات وَأَنه مستوي على الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي قَالَه وبالمعنى الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاء منزهاً عَن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطف قدرته ومقهورون فِي قَبضته وَهُوَ فَوق الْعَرْش وَالسَّمَاء وَفَوق كل شَيْء إِلَى تخوم الثرى فوقية لَا تزيده قرباً إِلَى الْعَرْش وَالسَّمَاء كَمَا لَا تزيده بعدا عَن الأَرْض وَالثَّرَى بل هُوَ رفيع الدَّرَجَات عَن الْعَرْش وَالسَّمَاء كَمَا أَنه رفيع الدَّرَجَات عَن الأَرْض وَالثَّرَى وَهُوَ مَعَ ذَلِك قريب

من كل مَوْجُود وَهُوَ أقرب إِلَى العَبْد من حَبل الوريد وَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد إِذا لَا يماثل قربه قرب الْأَجْسَام كَمَا لَا تماثل ذَاته ذَات الْأَجْسَام وَأَنه لَا يحل فِي شَيْء وَلَا يحل فِيهِ شَيْء تَعَالَى عَن أَن يحويه مَكَان كَمَا تقدس عَن أَن يحده زمَان بل كَانَ قبل أَن خلق الزَّمَان وَالْمَكَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَأَنه بَائِن عَن خلقه بصفاته لَيْسَ فِي ذَاته سواهُ وَلَا فِي سواهُ ذَاته وَأَنه مقدس عَن التَّغْيِير والانتقال لَا تحله الْحَوَادِث وَلَا تعتريه الْعَوَارِض بل لَا يزَال فِي نعوت جَلَاله منزهاً عَن الزَّوَال وَفِي صِفَات كَمَاله مستغنياً عَن زِيَادَة الاستكمال وَأَنه فِي ذَاته مَعْلُوم الْوُجُود بالعقول مرئي الذَّات بالأبصار

نعْمَة مِنْهُ ولطفاً بالأبرار فِي دَار الْقَرار وإتماماً مِنْهُ للنعيم بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم الْحَيَاة وَالْقُدْرَة

مرئي الذَّات بالأبصار

نعْمَة مِنْهُ ولطفاً بالأبرار فِي دَار الْقَرار وإتماماً مِنْهُ للنعيم بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم الْحَيَاة وَالْقُدْرَة

وَأَنه تَعَالَى حَيّ قَادر جَبَّار قاهر لَا يَعْتَرِيه قُصُور وَلَا عجز وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَلَا يُعَارضهُ فنَاء وَلَا موت وَأَنه ذُو الْملك والملكوت والعزة والجبروت لَهُ السُّلْطَان والقهر والخلق وَالْأَمر وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ وَالْخَلَائِق مقهورون فِي قَبضته وَأَنه الْمُنْفَرد بالخلق والاختراع المتوحد

بالإيجاد والإبداع خلق الْخلق وأعمالهم وَقدر أَرْزَاقهم وآجالهم لَا يشذ عَن قَبضته مَقْدُور وَلَا يعزب عَن قدرته تصاريف الْأُمُور لَا تحصى مقدوراته وَلَا تتناهى معلوماته الْعلم

وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات مُحِيط بِمَا يجْرِي من تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات وَأَنه عَالم لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء بل

يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَيدْرك حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء وَيعلم السِّرّ وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بِعلم قديم أزلي لم يزل مَوْصُوفا بِهِ فِي أزل الآزال لَا بِعلم متجدد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والانتقال الإرداة

وَأَنه تَعَالَى مُرِيد للكائنات مُدبر للحادثات فَلَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت قَلِيل أَو كثير صَغِير أَو كَبِير خير أَو شَرّ نفع أَو ضرّ إِيمَان أَو كفر عرفان أَو نكر فوز أَو خسران زِيَادَة أَو نُقْصَان طَاعَة أَو عصيان إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقدره وحكمته ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن لَا يخرج عَن

مَشِيئَته لفتة نَاظر وَلَا فلتة خاطر بل هُوَ المبديء المعيد الفعال لما يُرِيد لَا راد لأَمره وَلَا معقب لقضائه وَلَا مهرب لعبد عَن مَعْصِيَته إِلَّا بتوفيقه وَرَحمته وَلَا قُوَّة لَهُ على طَاعَته إِلَّا بمشيئته وإرادته فَلَو اجْتمع الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين على أَن يحركوا فِي الْعَالم ذرة أَو يسكنوها دون إِرَادَته ومشيئته لعجزوا عَن ذَلِك وَأَن إِرَادَته قَائِمَة بِذَاتِهِ فِي جملَة صِفَاته لم يزل كَذَلِك مَوْصُوفا بهَا مرِيدا فِي أزله لوُجُود الْأَشْيَاء فِي أَوْقَاتهَا الَّتِي قدرهَا فَوجدت فِي أَوْقَاتهَا كَمَا أَرَادَهُ فِي أزله من غير تقدم وَلَا تَأَخّر بل وَقعت على وفْق علمه وإرادته من غير تبدل وَلَا تغير دبر الْأُمُور لَا بترتيب أفكار وَلَا تربص زمَان فَلذَلِك لم يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن

السّمع وَالْبَصَر

وَأَنه تَعَالَى سميع بَصِير يسمع وَيرى لَا يعزب عَن سَمعه مسموع وَإِن خَفِي وَلَا يغيب عَن رُؤْيَته مرئي وَإِن دق وَلَا يحجب سَمعه بُعد وَلَا يدْفع رُؤْيَته ظلام يرى من غير حدقة وأجفان وَيسمع من غير أَصْمِخَة وآذان كَمَا يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آلَة إِذْ لَا تشبه صِفَاته صِفَات الْخلق كَمَا لَا تشبه ذَاته ذَوَات الْخلق الْكَلَام

وَأَنه تَعَالَى مُتَكَلم آمُر ناه وَاعد متوعد بِكَلَام أزلي قديم قَائِم بِذَاتِهِ

ِفَاته صِفَات الْخلق كَمَا لَا تشبه ذَاته ذَوَات الْخلق الْكَلَام

وَأَنه تَعَالَى مُتَكَلم آمُر ناه وَاعد متوعد بِكَلَام أزلي قديم قَائِم بِذَاتِهِ

لَا يشبه كَلَام الْخلق فَلَيْسَ بِصَوْت يحدث من انسلال هَوَاء أَو اصطكاك أجرام وَلَا بِحرف يَنْقَطِع بإطباق شفة أَو تَحْرِيك لِسَان وَأَن الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور كتبه الْمنزلَة على رسله ﵈ وَأَن الْقُرْآن مقروء بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب وَأَنه مَعَ ذَلِك قديم قَائِم بِذَات الله تَعَالَى لَا يقبل الِانْفِصَال والافتراق بالانتقال إِلَى الْقُلُوب والأوراق وَأَن مُوسَى ﷺ سمع كَلَام الله بِغَيْر صَوت وَلَا حرف كَمَا يرى الْأَبْرَار ذَات الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة من غير جَوْهَر وَلَا عرض وَإِذا كَانَت لَهُ هَذِه الصِّفَات كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا سميعاً بَصيرًا متكلماً بِالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا بِمُجَرَّد الذَّات

الْأَفْعَال

وَأَنه ﷾ لَا مَوْجُود سواهُ إِلَّا هُوَ حَادث بِفِعْلِهِ وفائض من عدله على أحسن الْوُجُوه وأكملها وأتمها وأعدلها وَأَنه حَكِيم فِي أَفعاله عَادل فِي أقضيته لَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما فَكل مَا سواهُ من إنسٍ وجن ومَلَكٍ وَشَيْطَان وسماءٍ وَأَرْض وحيوانٍ ونبات وجماد وجوهرٍ وعَرَض ومدركٍ ومحسوس حادثٌ اخترعه بقدرته بعد الْعَدَم اختراعاً وأنشأه إنْشَاء بعد أَن لم يكن شَيْئا إِذْ كَانَ فِي الْأَزَل مَوْجُودا وَحده وَلم يكن مَعَه غَيره فأحدث الْخلق بعد ذَلِك إِظْهَارًا لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إِرَادَته ولِمَا حق فِي الْأَزَل من كَلمته لَا

زَل مَوْجُودا وَحده وَلم يكن مَعَه غَيره فأحدث الْخلق بعد ذَلِك إِظْهَارًا لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إِرَادَته ولِمَا حق فِي الْأَزَل من كَلمته لَا

لافتقاره إِلَيْهِ وَحَاجته وَأَنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لَا عَن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لَا عَن لُزُوم فَلهُ الْفضل وَالْإِحْسَان وَالنعْمَة والامتنان إِذْ كَانَ قَادِرًا على أَن يصب على عباده أَنْوَاع الْعَذَاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ مِنْهُ عدلا وَلم يكن مِنْهُ قبيحاً وَلَا ظلما وَأَنه ﷿ يثيب عبادَهُ الْمُؤمنِينَ على الطَّاعَات بِحكم الْكَرم والوعد لَا بِحكم الِاسْتِحْقَاق واللزوم لَهُ إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ لأحد فعل وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم وَلَا يجب عَلَيْهِ حق وَأَن حَقه فِي الطَّاعَات وَجب على الْخلق بإيجابه على أَلْسِنَة أنبيائه ﵈ لَا بِمُجَرَّد الْعقل وَلكنه بعث الرُّسُل

وَأظْهر صدقهم بالمعجزات الظَّاهِرَة فبلّغوا أمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فَوَجَبَ على الْخلق تصديقهم فِيمَا جَاءُوا بِهِ معنى الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَهِي الشَّهَادَة للرسول بالرسالة

وَأَنه بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدًا ﷺ برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس فنسخ بِشَرِيعَتِهِ الشَّرَائِع إِلَّا مَا قَرَّرَهُ مِنْهَا وفضله على

سَائِر الْأَنْبِيَاء وَجعله سيد الْبشر وَمنع كَمَال الْإِيمَان بِشَهَادَة التَّوْحِيد وَهُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مَا لم تقترن بهَا شَهَادَة الرَّسُول وَهُوَ قَوْلك مُحَمَّد رَسُول الله وألزم الْخلق تَصْدِيقه فِي جَمِيع مَا أخبر عَنهُ من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخر وَأَنه لَا يتَقَبَّل إيمانُ عبدٍ حَتَّى يُؤمن بِمَا أخبر بِهِ بعد الْمَوْت وأوله سُؤال مُنكر

وَنَكِير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العَبْد فِي قَبره سويا ذَا روح وجسد فيسألانه عَن التَّوْحِيد والرسالة ويقولان لَهُ من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وهما فتانا الْقَبْر وسؤالهما أَو فتْنَة بعد الْمَوْت

وَأَن يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر وَأَنه حق وَحكمه عدل على الْجِسْم وَالروح على مَا يَشَاء وَأَن يُؤمن بالميزان ذِي الكفتين وَاللِّسَان وَصفته فِي العِظَمِ أَنه مثل طَبَقَات السَّمَوَات وَالْأَرْض توزن فِيهِ الْأَعْمَال بقدرة الله تَعَالَى والصنج يَوْمئِذٍ مَثَاقِيل الذَّر والخردل تَحْقِيقا لتَمام الْعدْل وتوضح صَحَائِف الْحَسَنَات فِي صُورَة حَسَنَة فِي كفة النُّور فيثقل بهَا الْمِيزَان على قدر درجاتها عِنْد الله

بِفضل الله وتطرح صَحَائِف السَّيِّئَات فِي صُورَة قبيحة فِي كفة الظلمَة فيخف بهَا الْمِيزَان بِعدْل الله وَأَن يُؤمن بِأَن الصِّرَاط حق وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة تزل عَلَيْهِ أَقْدَام الْكَافرين بِحكم الله سُبْحَانَهُ فَتَهْوِي بهم إِلَى النَّار وَتثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ بِفضل الله فيساقون إِلَى دَار الْقَرار

أَقْدَام الْكَافرين بِحكم الله سُبْحَانَهُ فَتَهْوِي بهم إِلَى النَّار وَتثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ بِفضل الله فيساقون إِلَى دَار الْقَرار

وَأَن يُؤمن بالحوض المورود حَوْض مُحَمَّد ﷺ يشرب مِنْهُ الْمُؤمنِينَ قبل دُخُول الْجنَّة وَبعد جَوَاز الصِّرَاط من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا عرضه مسيرَة شهر مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل حوله أَبَارِيق عَددهَا بِعَدَد نُجُوم السَّمَاء فِيهِ مِيزَابَانِ يصبَّانِ فِيهِ من الْكَوْثَر وَأَن يُؤمن بِالْحِسَابِ تفَاوت النَّاس فِيهِ إِلَى مناقش فِي الْحساب وَإِلَى مسامح فِيهِ وَإِلَى من يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وهم المقربون فيسألُ

اللهُ تَعَالَى من يَشَاء من الْأَنْبِيَاء عَن تَبْلِيغ الرسَالَة وَمن شَاءَ من الْكفَّار عَن تَكْذِيب الْمُرْسلين وَيسْأل المبتدعة عَن السّنة وَيسْأل الْمُسلمين عَن الْأَعْمَال وَأَن يُؤمن بِإِخْرَاج المُوَحِّدين من النَّار بعد الانتقام حَتَّى لَا يبْقى فِي جَهَنَّم موحد بِفضل الله تَعَالَى فَلَا يخلد فِي النَّار موحد

وَأَن يُؤمن بشفاعة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ سَائِر الْمُؤمنِينَ على حسب جاهه ومنزلته عِنْد الله تَعَالَى وَمن بَقِي من الْمُؤمنِينَ وَلم يكن لَهُ شَفِيع أخرج بِفضل الله ﷿ فَلَا يخلد فِي النَّار مُؤمن بل يخرج مِنْهَا من كَانَ فِي

قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَأَن يعْتَقد فضل الصَّحَابَة ﵃ وترتيبهم وَأَن أفضل النَّاس بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ وَأَن يحسن الظَّن بِجَمِيعِ الصَّحَابَة ويثني عَلَيْهِم كَمَا أثنى الله ﷿ وَرَسُوله ﷺ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ

فَكل ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ الْأَخْبَار وَشهِدت بِهِ الْآثَار فَمن اعْتقد جَمِيع ذَلِك موقناً بِهِ كَانَ من أهل الْحق وعصابة السّنة وفارَقَ رَهْطَ الضلال وحِزْبَ الْبِدْعَة فنسأل الله كَمَال الْيَقِين وَحسن الثَّبَات فِي الدّين لنا ولكافة الْمُسلمين برحمته إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى كل عبد مصطفى

َمَال الْيَقِين وَحسن الثَّبَات فِي الدّين لنا ولكافة الْمُسلمين برحمته إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى كل عبد مصطفى

الْفَصْل الثَّانِي فِي وَجه التدريج إِلَى الْإِرْشَاد وترتيب دَرَجَات الإعتقاد

أعلم أَن مَا ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة العقيدة يَنْبَغِي أَن يقدم إِلَى الصَّبِي فِي أول نشوه ليحفظه حفظا ثمَّ لَا يزَال ينْكَشف لَهُ مَعْنَاهُ فِي كبره شَيْئا فَشَيْئًا فابتداؤه الْحِفْظ ثمَّ الْفَهم ثمَّ الإعتقاد والإيقان والتصديق بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يحصل فِي الصَّبِي بِغَيْر برهَان فَمن فضل الله سُبْحَانَهُ على قلب الْإِنْسَان أَن شَرحه فِي أول نشوة للْإيمَان من غير حَاجَة إِلَى حجَّة وبرهان وَكَيف يُنكر ذَلِك

وَجَمِيع عقائد الْعَوام مباديها التَّلْقِين الْمُجَرّد والتقليد الْمَحْض نعم يكون الإعتقاد الْحَاصِل بِمُجَرَّد التَّقْلِيد غير خَال عَن نوع من الضعْف فِي الإبتداء على معنى أَنه يقبل الْإِزَالَة بنقيضه لَو ألْقى إِلَيْهِ فَلَا بُد من تقويته وإثباته فِي نفس الصَّبِي والعامي حَتَّى يترشح وَلَا يتزلزل وَلَيْسَ الطَّرِيق فِي تقويته وإثباته أَن يعلم صَنْعَة الجدل وَالْكَلَام بل يشْتَغل بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَتَفْسِيره وَقِرَاءَة الحَدِيث ومعانيه ويشتغل بوظائف الْعِبَادَات فَلَا يزَال إعتقاده يزْدَاد رسوخا بِمَا يقرع سَمعه من أَدِلَّة الْقُرْآن وحججه وَبِمَا يرد عَلَيْهِ من شَوَاهِد الْأَحَادِيث

وفوائدها وَبِمَا يسطع عَلَيْهِ من أنوار الْعِبَادَات ووظائفها وَبِمَا يسري إِلَيْهِ من مُشَاهدَة الصَّالِحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم فِي الخضوع لله ﷿ وَالْخَوْف مِنْهُ والإستكانة لَهُ فَيكون أول التَّلْقِين كإلقاء بذر فِي الصَّدْر وَتَكون هَذِه الْأَسْبَاب كالسقي والتربية لَهُ حَتَّى يَنْمُو ذَلِك الْبذر ويقوى ويرتفع شَجَرَة طيبَة راسخة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء وَيَنْبَغِي أَن يحرس سَمعه من الجدل وَالْكَلَام غَايَة الحراسة فَإِن مَا يشوشه الجدل أَكثر مِمَّا يمهده وَمَا يُفْسِدهُ أَكثر مِمَّا يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشَّجَرَة بالمدقة من الْحَدِيد رَجَاء تقويتها بِأَن تكْثر أجزاؤها وَرُبمَا يفتتها ذَلِك ويفسدها وَهُوَ الْأَغْلَب والمشاهدة تكفيك فِي هَذَا بَيَانا فناهيك بالعيان برهانا

فقس عقيدة أهل الصّلاح والتقى من عوام النَّاس بعقيدة الْمُتَكَلِّمين والمجادلين فترى إعتقاد الْعَاميّ فِي الثَّبَات كالطود الشامخ لَا تحركه الدَّوَاهِي وَالصَّوَاعِق وعقيدة المتلكم الحارس إعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مُرْسل فِي الْهَوَاء تفيئه الرِّيَاح مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا إِلَّا من سمع مِنْهُم دَلِيل الإعتقاد فتلقفه تقليدا كَمَا تلقف نفس الإعتقاد تقليدا إِذْ لَا فرق فِي التقلد بَين تعلم الدَّلِيل أَو تعلم الْمَدْلُول فتلقين الدَّلِيل شَيْء والإستدلال بِالنّظرِ شَيْء آخر بعيد عَنهُ ثمَّ الصَّبِي إِذا وَقع نشوه على هَذِه العقيدة إِن اشْتغل بكسب الدُّنْيَا

لم ينفتح لَهُ غَيرهَا وَلكنه يسلم فِي الْآخِرَة بإعتقاد أهل الْحق إِذا لم يُكَلف الشَّرْع أجلاف الْعَرَب أَكثر من التَّصْدِيق الْجَازِم بِظَاهِر هَذِه العقائد فَأَما الْبَحْث والتفتيش وتكلف نظم الْأَدِلَّة فَلم يكلفوه أصلا وَإِن أَرَادَ أَن يكون من

َرَب أَكثر من التَّصْدِيق الْجَازِم بِظَاهِر هَذِه العقائد فَأَما الْبَحْث والتفتيش وتكلف نظم الْأَدِلَّة فَلم يكلفوه أصلا وَإِن أَرَادَ أَن يكون من

سالكي طَرِيق الْآخِرَة وساعده التَّوْفِيق حَتَّى اشْتغل بِالْعَمَلِ ولازم التَّقْوَى وَنهى النَّفس عَن الْهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت لَهُ أَبْوَاب من الْهِدَايَة تكشف عَن حقائق هَذِه العقيدة بِنور آلهي يقذف فِي قلبه بِسَبَب المجاهدة تَحْقِيقا لوعده ﷿ إِذْ قَالَ ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾ وَهُوَ الْجَوْهَر النفيس الَّذِي هُوَ غَايَة إِيمَان الصديقين والمقربين وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بالسر الَّذِي وقر فِي صدر أبي بكر الصّديق ﵁ حَيْثُ فضل بِهِ الْخلق

وانكشاف ذَلِك السِّرّ بل تِلْكَ الْأَسْرَار لَهُ دَرَجَات بِحَسب دَرَجَات المجاهدة ودرجات الْبَاطِن فِي النَّظَافَة وَالطَّهَارَة عَمَّا سوى الله تَعَالَى وَفِي الإستضاءة بِنور الْيَقِين وَذَلِكَ كتفاوت الْخلق فِي أسرار الطِّبّ وَالْفِقْه وَسَائِر الْعُلُوم إِذْ يخْتَلف ذَلِك بإختلاف الإجتهاد وإختلاف الْفطْرَة فِي الذكاء والفطنة وكما لَا تَنْحَصِر تِلْكَ الدَّرَجَات فَكَذَلِك هَذِه

مَسْأَلَة

فَإِن قلت تعلم الجدل وَالْكَلَام مَذْمُوم كتعلم النُّجُوم أَو هُوَ مُبَاح أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ فَاعْلَم أَن للنَّاس فِي هَذَا غلوا وإسرافا فِي أَطْرَاف فَمن قَائِل إِنَّه بِدعَة وَحرَام وَأَن العَبْد إِن لَقِي الله ﷿ بِكُل ذَنْب سوى الشّرك خير لَهُ من أَن يلقاه بالْكلَام وَمن قَائِل أَنه وَاجِب وَفرض إِمَّا على الْكِفَايَة أَو على الْأَعْيَان وَأَنه أفضل الْأَعْمَال وَأَعْلَى القربات فَإِنَّهُ تَحْقِيق لعلم التَّوْحِيد ونضال عَن دين الله تَعَالَى

إِمَّا على الْكِفَايَة أَو على الْأَعْيَان وَأَنه أفضل الْأَعْمَال وَأَعْلَى القربات فَإِنَّهُ تَحْقِيق لعلم التَّوْحِيد ونضال عَن دين الله تَعَالَى

وَإِلَى التَّحْرِيم ذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل وسُفْيَان وَجَمِيع أهل الحَدِيث من السّلف قَالَ ابْن عبد الْأَعْلَى ﵀ سَمِعت الشَّافِعِي ﵁ يَوْم نَاظر حفصا الْفَرد وَكَانَ من متكلمي الْمُعْتَزلَة يَقُول لِأَن يلقى الله ﷿ العَبْد بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك بِاللَّه خير لَهُ من أَن يلقاه بِشَيْء من علم الْكَلَام

وَلَقَد سَمِعت من حَفْص كلَاما لَا أقدر أَن أحكيه وَقَالَ أَيْضا قد أطلعت من أهل الْكَلَام على شَيْء مَا ظننته قطّ وَلِأَن يبتلى العَبْد بِكُل مَا نهى الله عَنهُ مَا عدا الشّرك خير لَهُ من أَن ينظر فِي الْكَلَام وَحكى الْكَرَابِيسِي أَن الشَّافِعِي ﵁ سُئِلَ عَن شَيْء من الْكَلَام فَغَضب وَقَالَ سل عَن هَذَا حفصا الْفَرد وَأَصْحَابه أخزاهم الله وَلما مرض الشَّافِعِي ﵁ دخل عَلَيْهِ حَفْص الْفَرد فَقَالَ لَهُ من أَنا فَقَالَ حَفْص الْفَرد لَا حفظك الله وَلَا رعاك حَتَّى تتوب مِمَّا أَنْت فِيهِ

وَقَالَ أَيْضا لَو علم النَّاس مَا فِي الْكَلَام من الْأَهْوَاء لفروا مِنْهُ فرارهم من الْأسد وَقَالَ أَيْضا إِذا سَمِعت الرجل يَقُول الإسم هُوَ الْمُسَمّى أَو غير الْمُسَمّى فاشهد بِأَنَّهُ من أهل الْكَلَام وَلَا دين لَهُ قَالَ الزَّعْفَرَانِي قَالَ الشَّافِعِي حكمى فِي أَصْحَاب الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَاف بهم فِي الْقَبَائِل والبشائر وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأخذ فِي الْكَلَام

وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لَا يفلح صَاحب الْكَلَام أبدا وَلَا تكَاد ترى أحدا نظر فِي الْكَلَام إِلَّا وَفِي قلبه دغل وَبَالغ فِي ذمه حَتَّى هجر الْحَارِث المحاسبي مَعَ زهده وورعه بِسَبَب تصنيفه كتابا فِي الرَّد على المبتدعة وَقَالَ لَهُ وَيحك أَلَسْت تحكي بدعتهم أَولا ثمَّ ترد عَلَيْهِم أَلَسْت تحمل النَّاس بتصنيفك على مطالعة الْبِدْعَة والتفكر

فِي تِلْكَ الشُّبُهَات فيدعوهم ذَلِك إِلَى الرَّأْي والبحث وَقَالَ أَحْمد ﵀ عُلَمَاء الْكَلَام زنادقة وَقَالَ مَالك ﵀ أَرَأَيْت إِن جَاءَهُ من هُوَ أجدل مِنْهُ أيدع دينه كل يَوْم لدين جَدِيد يَعْنِي أَن أَقْوَال المتجادلين تَتَفَاوَت وَقَالَ مَالك ﵀ أَيْضا لَا تجوز شَهَادَة أهل الْبدع والأهواء فَقَالَ بعض أَصْحَابه فِي تَأْوِيله

إِنَّه أَرَادَ بِأَهْل الْأَهْوَاء أهل الْكَلَام على أَي مَذْهَب كَانُوا وَقَالَ أَبُو سيف من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق وَقَالَ الْحسن لَا تجادلوا أهل الْأَهْوَاء وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا مِنْهُم وَقد اتّفق أهل الحَدِيث من السّلف على هَذَا وَلَا ينْحَصر مَا نقل عَنْهُم من التشديدات فِيهِ وَقَالُوا مَا سكت عَنهُ الصَّحَابَة مَعَ أَنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الْأَلْفَاظ من غَيرهم إِلَّا لعلمهم بِمَا يتَوَلَّد مِنْهُ الشَّرّ وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الْأَلْفَاظ من غَيرهم إِلَّا لعلمهم بِمَا يتَوَلَّد مِنْهُ الشَّرّ وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون أَي المتعمقون فِي الْبَحْث والإستقصاء وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن ذَلِك لَو كَانَ من الدّين لَكَانَ ذَلِك أهم مَا يَأْمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَيعلم طَرِيقه ويثني عَلَيْهِ وعَلى أربابه فقد علمهمْ الإستنجاء وندبهم إِلَى علم الْفَرَائِض وَأثْنى عَلَيْهِم

ونهاهم عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَقَالَ أَمْسكُوا عَن الْقدر وعَلى هَذَا إستمر الصَّحَابَة ﵃ فَالزِّيَادَة على الْأُسْتَاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة وَنحن الأتباع والتلامذة وَأما الْفرْقَة الْأُخْرَى فاحتجوا بِأَن قَالُوا إِن الْمَحْذُور من الْكَلَام إِن كَانَ هُوَ لفظ الْجَوْهَر وَالْعرض وَهَذِه الإصطلاحات الغربية الَّتِي لم تعهدها الصَّحَابَة ﵃ فَالْأَمْر فِيهِ قريب إِذْ مَا من علم إِلَّا وَقد أحدث فِيهِ إصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَلَو عرض عَلَيْهِم عبارَة النَّقْض وَالْكَسْر والتركيب والتعدية وَفَسَاد الْوَضع إِلَى جَمِيع الأسئلة الَّتِي تورد على الْقيَاس لما كَانُوا يفقهونه فاحداث عبارَة للدلالة بهَا على مَقْصُود صَحِيح كاحداث آنِية على هَيْئَة جَدِيدَة لإستعمالها فِي مُبَاح

الَّتِي تورد على الْقيَاس لما كَانُوا يفقهونه فاحداث عبارَة للدلالة بهَا على مَقْصُود صَحِيح كاحداث آنِية على هَيْئَة جَدِيدَة لإستعمالها فِي مُبَاح

وَإِن كَانَ الْمَحْذُور هُوَ الْمَعْنى فَنحْن لَا نعني بِهِ إِلَّا معرفَة الدَّلِيل على حُدُوث الْعَالم ووحدانية الْخَالِق وَصِفَاته كَمَا جَاءَ فِي الشَّرْع فَمن أَيْن تحرم معرفَة الله تَعَالَى بِالدَّلِيلِ وَإِن كَانَ الْمَحْذُور هُوَ التشغب والتعصب والعداوة والبغضاء وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْكَلَام فَذَلِك محرم وَيجب الإحتراز عَنهُ كَمَا أَن الْكبر وَالْعجب والرياء وَطلب الرياسة مِمَّا يُفْضِي إِلَيْهِ علم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَهُوَ محرم يجب الإحتراز عَنهُ وَلَكِن لَا يمْنَع من الْعلم لأجل آدئه إِلَيْهِ وَكَيف يكون ذكر الْحجَّة والمطالبة بهَا والبحث عَنْهَا مَحْظُورًا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ وَقَالَ ﷿ ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إنّ عنْدكُمْ من سُلْطَان بِهَذَا﴾ أَي حجَّة وبرهان

وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه﴾ إِلَى قَوْله ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾ إِذْ ذكر سُبْحَانَهُ إحتاج إِبْرَاهِيم ومجادلته وإفحامه خَصمه فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهِ

وَقَالَ عزوجل ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة فِرْعَوْن ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ إِلَى قَوْله ﴿أولو جئْتُك بِشَيْء مُبين﴾ وعَلى الْجُمْلَة فالقرآن من أَوله إِلَى آخِره مُحَاجَّة مَعَ الْكفَّار

فعمدة أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمين فِي التَّوْحِيد قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَفِي النُّبُوَّة ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَفِي الْبَعْث ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والأدلة

وَلم تزل الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم يحاجون المنكرين ويجادلونهم قَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فالصحابة ﵃ أَيْضا كَانُوا يحاجون المنكرين ويجادلون وَلَكِن عِنْد الْحَاجة وَكَانَت الْحَاجة إِلَيْهِ قَليلَة فِي زمانهم وَأول من سنّ دَعْوَة المبتدعة بالمجادلة إِلَى الْحق عَليّ بن أبي عَليّ طَالب رَضِي الله

عَنهُ إِذْ بعث ابْن عَبَّاس ﵄ إِلَى الْخَوَارِج فَكَلَّمَهُمْ فَقَالَ مَا تَنْقِمُونَ على إمامكم قَالُوا قَاتل وَلم يسب وَلم يغنم فَقَالَ ذَلِك فِي قتال الْكفَّار أَرَأَيْتُم لَو سبيت عَائِشَة ﵂ فِي يَوْم الْجمل فَوَقَعت عَائِشَة ﵂ فِي سهم أحدكُم أَكُنْتُم تستحلون مِنْهَا مَا تستحلون من ملككم وَهِي أمكُم فِي نَص الْكتاب فَقَالُوا لَا فَرجع مِنْهُم إِلَى الطَّاعَة بمجدلته الفان وروى أَن الْحسن نَاظر قدريا فَرجع عَن الْقدر وناظر عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه رجلا من الْقَدَرِيَّة

رجع مِنْهُم إِلَى الطَّاعَة بمجدلته الفان وروى أَن الْحسن نَاظر قدريا فَرجع عَن الْقدر وناظر عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه رجلا من الْقَدَرِيَّة

وناظر عبد الله بن مَسْعُود ﵁ يزِيد بن عميرَة فِي الْإِيمَان فَقَالَ عبد الله لَو قلت إِنِّي مُؤمن لَقلت إِنِّي فِي الْجنَّة فَقَالَ لَهُ يزِيد بن عميرَة يَا صَاحب رَسُول الله هَذِه زلَّة مِنْك وَهل الْإِيمَان إِلَّا أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث وَالْمِيزَان وتقيم الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلنَا ذنُوب لَو نعلم أَنَّهَا تغْفر لنا لعلمنا أننا من أهل الْجنَّة فَمن أجل ذَلِك نقُول إِنَّا مُؤمنُونَ وَلَا نقُول إِنَّا من أهل الْجنَّة فَقَالَ ابْن مَسْعُود صدقت وَالله إِنَّهَا مني زلَّة فَيَنْبَغِي أَن يُقَال كَانَ خوضهم فِيهِ قَلِيلا لَا كثيرا وقصيرا لَا طَويلا وَعند الْحَاجة لَا بطرِيق التنصيف والتدريس وإتخاذه صناعَة فَيُقَال أما قلَّة خوضهم فِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ لقلَّة الْحَاجة إِذْ لم تكن الْبِدْعَة تظهر فِي ذَلِك الزَّمَان وَأما الْقصر فقد كَانَ الْغَايَة إفحام الْخصم واعترافه وإنكشاف الْحق وَإِزَالَة الشُّبْهَة فَلَو طَال إِشْكَال الْخصم أَو لحَاجَة لطال لَا محَالة إلزامهم وَمَا كَانُوا

انَ الْغَايَة إفحام الْخصم واعترافه وإنكشاف الْحق وَإِزَالَة الشُّبْهَة فَلَو طَال إِشْكَال الْخصم أَو لحَاجَة لطال لَا محَالة إلزامهم وَمَا كَانُوا

يقدرُونَ قدر الْحَاجة بميزان وَلَا مكيال بعد الشُّرُوع فِيهَا وَأما عدم تصديهم للتدريس والتصنيف فِيهِ فَهَكَذَا كَانَ دأبهم فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث أَيْضا فَإِن جَازَ تصنيف الْفِقْه وَوضع الصُّور النادرة الَّتِي لَا تتفق إِلَّا على الندور أما إدخارا ليَوْم وُقُوعهَا وَإِن كَانَ نَادرا أَو تشحيذا للخواطر فَنحْن أَيْضا نرتب طرق المجادلة لتوقع وُقُوع الْحَاجة بثوان شُبْهَة أَو هيجان مُبْتَدع أَو لتشحيذ الخاطر أَو لإدخار الْحجَّة حَتَّى لَا يعجز عَنْهَا عِنْد الْحَاجة على البديهة والإرتجال كمن يعد السَّلَام قبل الْقِتَال ليَوْم الْقِتَال فَهَذَا مَا يُمكن أَن يذكر لِلْفَرِيقَيْنِ التَّحْقِيق فِي حكم الجدل فَإِن قلت فَمَا الْمُخْتَار عنْدك فِيهِ فَأعْلم أَن الْحق فِيهِ أَن إِطْلَاق القَوْل بذمه فِي كل حَال أَو بِحَمْدِهِ فِي كل حَال خطأ بل لَا بُد فِيهِ من تَفْصِيل

َا الْمُخْتَار عنْدك فِيهِ فَأعْلم أَن الْحق فِيهِ أَن إِطْلَاق القَوْل بذمه فِي كل حَال أَو بِحَمْدِهِ فِي كل حَال خطأ بل لَا بُد فِيهِ من تَفْصِيل

فَاعْلَم أَولا أَن الشَّيْء قد يحرم لذاته كَالْخمرِ وَالْميتَة وأعني بِقَوْلِي لذاته أَن عِلّة تَحْرِيمه وصف فِي ذَاته وَهُوَ الْإِسْكَار وَالْمَوْت وَهَذَا إِذا سئلنا عَنهُ أطقلنا القَوْل بِأَنَّهُ حرَام وَلَا يلْتَفت إِلَى إِبَاحَة الْميتَة عِنْد الإضطرار وَإِبَاحَة تجرع الْخمر إِذا غص الْإِنْسَان بلقمة وَلم يجد مَا يسيغها سوى الْخمر وَإِلَى مَا يحرم لغيره كَالْبيع على بيع أَخِيك الْمُسلم فِي وَقت الْخِيَار وَالْبيع وَقت النداء وكأكل الطين فَإِنَّهُ يحرم لما فِيهِ من الأضرار وَهَذَا يَنْقَسِم إِلَى مَا يضر قَلِيله وَكَثِيره فيطلق القَوْل عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حرَام كالسم الَّذِي يقتل قَلِيله وَكَثِيره وَإِلَى مَا يضر عِنْد الْكَثْرَة فيطلق القَوْل عَلَيْهِ بِالْإِبَاحَةِ كالعسل فَإِن كَثِيرَة يضر بالمحرور وكأكل الطين وَكَانَ إِطْلَاق التَّحْرِيم على الطين وَالْخمر والتحليل على الْعَسَل الْتِفَات إِلَى أغلب الْأَحْوَال فَإِن تصدى شَيْء تقابلت فِيهِ الْأَحْوَال فَالْأولى والأبعد عَن والإلتباس أَن يفصل فنعود إِلَى علم الْكَلَام ونقول إِن فِيهِ مَنْفَعَة وَفِي مضرَّة فَهُوَ بإعتبار منفعَته فِي وَقت الإنتفاع حَلَال أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ أَو وَاجِب كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال وَهُوَ بإعتبار مضرته فِي وَقت الإستضرار وَمحله حرَام أما مضرته فإثارة الشُّبُهَات وتحريك العقائد وإزالتها عَن الْجَزْم

والتصميم فَذَلِك مِمَّا يحصل فِي الإبتداء ورجوعها بِالدَّلِيلِ مَشْكُوك فِيهِ وَيخْتَلف فِيهِ الْأَشْخَاص فَهَذَا ضَرَره فِي الِاعْتِقَاد الْحق وَله ضَرَر آخر فِي تَأْكِيد إعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيته فِي صُدُورهمْ بِحَيْثُ تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الْإِصْرَار عَلَيْهِ وَلَكِن هَذَا الضَّرَر بِوَاسِطَة التعصب الَّذِي يثور من الجدل وَلذَلِك ترى المبتدع الْعَاميّ يُمكن أَن يَزُول إعتقاده باللطف فِي أسْرع زمَان إِلَّا إِذا كَانَ نشؤه فِي بلد يظْهر فِيهَا الجدل والتعصب فَإِنَّهُ لَو اجْتمع عَلَيْهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ لم يقدروا على نزع الْبِدْعَة من صَدره بل الْهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وَفرْقَة الْمُخَالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إِدْرَاك الْحق حَتَّى لَو قيل لَهُ هَل تُرِيدُ أَن يكْشف الله تَعَالَى لَك الغطاء ويعرفك بالعيان أَن الْحق مَعَ خصمك لكره ذَلِك خيفة من أَن يفرح بِهِ خَصمه وَهَذَا هُوَ الدَّاء العضال الَّذِي استطار فِي الْبِلَاد والعباد وَهُوَ نوع فَسَاد أثاره المجادلون بالتعصب فَهَذَا ضَرَره

وَأما منفعَته فقد يظنّ أَن فَائِدَته كشف الْحَقَائِق ومعرفتها على مَا هِيَ عَلَيْهِ وهيهات فَلَيْسَ فِي الْكَلَام وَفَاء بِهَذَا الْمطلب الشريف وَلَعَلَّ التخبيط والتضليل فِيهِ أَكثر من الْكَشْف والتعريف وَهَذَا إِذا سمعته من مُحدث أَو حشوى رُبمَا خطر ببالك أَن النَّاس أَعدَاء مَا جهلوا فَأَسْمع هَذَا مِمَّن خبر الْكَلَام ثمَّ قلاة بعد حَقِيقَة الْخِبْرَة وَبعد التغلل فِيهِ إِلَى مُنْتَهى دَرَجَة الْمُتَكَلِّمين وَجَاوَزَ ذَلِك إِلَى التعمق فِي عُلُوم أخر تناسب نوع الْكَلَام وَتحقّق أَن الطَّرِيق إِلَى حقائق الْمعرفَة من هَذَا الْوَجْه مسدود

الْمُتَكَلِّمين وَجَاوَزَ ذَلِك إِلَى التعمق فِي عُلُوم أخر تناسب نوع الْكَلَام وَتحقّق أَن الطَّرِيق إِلَى حقائق الْمعرفَة من هَذَا الْوَجْه مسدود

ولعمري لَا يَنْفَكّ الْكَلَام عَن كشف وتعريف وإيضاح لبَعض الْأُمُور وَلَكِن على الندور فِي أُمُور جلية تكَاد تفهم قبل التعمق فِي صَنْعَة الْكَلَام بل منفعَته شَيْء وَاحِد وَهُوَ حراسة العقيدة الَّتِي ترجمناها على الْعَوام وحفظها عَن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فَإِن الْعَاميّ ضَعِيف يستفزه جدل المبتدع وَإِن كَانَ فَاسِدا ومعارضة الْفَاسِد بالفاسد تَدْفَعهُ وَالنَّاس متعبدون بِهَذِهِ العقيدة الَّتِي قدمناها إِذْ ورد الشَّرْع بهَا لما فِيهَا من صَلَاح دينهم ودنياهم وَأجْمع السّلف الصَّالح عَلَيْهَا وَالْعُلَمَاء يتعبدون بحفظها على الْعَوام من تلبيسات المبتدعة كَمَا تعبد السلاطين بِحِفْظ أَمْوَالهم عَن تهجمات الظلمَة والغصاب

وَإِذا وَقعت الْإِحَاطَة بضرره ومنفعته فَيَنْبَغِي أَن يكون كالطبيب الحاذق فِي إستعمال الدَّوَاء الْخطر إِذْ لَا يَضَعهُ إِلَّا فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ فِي وَقت الْحَاجة وعَلى قدر الْحَاجة وتفصيله أَن الْعَوام المشتغلين بالحرف والصناعات يجب أَن يتْركُوا على سَلامَة عقائدهم الَّتِي اعتقدوها مهما تلقنوا الإعتقاد الْحق الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن تعليمهم الْكَلَام ضَرَر مَحْض فِي حَقهم إِذْ رُبمَا يثير لَهُم شكا ويزلزل عَلَيْهِم الإعتقاد وَلَا يُمكن الْقيام بعد ذَلِك بالإصلاح وَأما الْعَاميّ المعتقد للبدعة فَيَنْبَغِي أَن يَدعِي إِلَى الْحق بالتلطف لَا بالتعصب وبالكلام اللَّطِيف الْمقنع للنَّفس الْمُؤثر فِي الْقلب الْقَرِيب من سِيَاق أَدِلَّة الْقُرْآن والْحَدِيث الممزوج بفن من الْوَعْظ والتحذير فَإِن ذَلِك أَنْفَع من الجدل الْمَوْضُوع على شَرط الْمُتَكَلِّمين إِذْ الْعَاميّ إِذا سمع ذَلِك إعتقد أَنه نوع صَنْعَة من الجدل تعلمهَا الْمُتَكَلّم ليستدرج النَّاس إِلَى إعتقاده

لْمَوْضُوع على شَرط الْمُتَكَلِّمين إِذْ الْعَاميّ إِذا سمع ذَلِك إعتقد أَنه نوع صَنْعَة من الجدل تعلمهَا الْمُتَكَلّم ليستدرج النَّاس إِلَى إعتقاده

فَإِن عجز عَن الْجَواب قدر أَن المجادلين من أهل مذْهبه أَيْضا يقدرُونَ على دَفعه فالجدل مَعَ هَذَا وَمَعَ الأول حرَام وَكَذَا من وَقع فِي شكّ إِذْ يجب إِزَالَته باللطف والوعظ والأدلة الْقَرِيبَة المقبولة الْبَعِيدَة عَن تعمق الْكَلَام وإستقصاء الجدل إِنَّمَا ينفع فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ أَن يفْرض عَامي إعتقد الْبِدْعَة بِنَوْع جدل سَمعه فيقابل ذَلِك الجدل بِمثلِهِ فَيَعُود إِلَى إعتقاد الْحق وَذَلِكَ فِيمَن ظهر لَهُ من الْأنس بالمجادلة مَا يمنعهُ عَن القناعة بالمواعظ والتحذيرات العامية فقد انْتهى هَذَا إِلَى حَالَة لَا يشفيه مِنْهَا إِلَّا دَوَاء الجدل فَجَاز أَن يلقى إِلَيْهِ وَأما فِي بِلَاد تقل فِيهَا الْبِدْعَة وَلَا تخْتَلف فِيهَا الْمذَاهب فَيقْتَصر فِيهَا على تَرْجَمَة الإعتقاد الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلَا يتَعَرَّض للأدلة ويتربص وُقُوع شُبْهَة فَإِن وَقعت ذكر بِقدر الْحَاجة

فَإِن كَانَت الْبِدْعَة شائعة وَكَانَ يخَاف على الصّبيان أَن يخدعوا فَلَا بَأْس أَن يعلمُوا الْقدر الَّذِي أودعناه كتاب الرسَالَة القدسية ليَكُون ذَلِك سَببا لدفع تَأْثِير مجادلات المبتدعة إِن وَقعت إِلَيْهِم وَهَذَا مِقْدَار مُخْتَصر وَقد أودعناه هَذَا الْكتاب لإختصاره فَإِن كَانَ فِيهِ ذكاء وتنبه بذكائه لموْضِع سُؤال أَو ثارت فِي نَفسه شُبْهَة فقد بَدَت الْعلَّة المحذورة وَظهر الدَّاء فَلَا بَأْس أَن يرقى مِنْهُ إِلَى الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَهُوَ قدر خمسين ورقة وَلَيْسَ فِيهِ خُرُوج عَن النّظر فِي قَوَاعِد العقائد إِلَى غير ذَلِك من مبَاحث الْمُتَكَلِّمين فَإِن أقنعه ذَلِك كف عَنهُ وَإِن لم يقنعه ذَلِك فقد صَارَت الْعلَّة مزمنة والداء غَالِبا وَالْمَرَض ساريا فليتلطف بِهِ الطَّبِيب بِقدر إِمْكَانه وينتظر قَضَاء الله

تَعَالَى فِيهِ إِلَى أَن ينْكَشف لَهُ الْحق بتنبيه من الله سُبْحَانَهُ أَو يسْتَمر على الشَّك والشبهة إِلَى مَا قدر لَهُ فالقدر الَّذِي يحويه ذَلِك الْكتاب وجنسه من المصنفات هُوَ الَّذِي يُرْجَى نَفعه فَأَما الْخَارِج مِنْهُ فقسمان أَحدهمَا بحث عَن غير قَوَاعِد العقائد كالبحث عَن الإعتمادات وَعَن الأكوان وَعَن الإدراكات وَعَن الْخَوْض فِي الرُّؤْيَة هَل لَهَا ضد يُسمى الْمَنْع أَو

الْعَمى وَإِن كَانَ فَذَلِك وَاحِد هُوَ منع عَن جَمِيع مَا لَا يرى أَو ثَبت لكل مرئي يُمكن رُؤْيَته منع بِحَسب عدده إِلَى غير ذَلِك من الترهات المضلات وَالْقسم الثَّانِي زِيَادَة تَقْرِير لتِلْك الْأَدِلَّة فِي غير تِلْكَ الْقَوَاعِد وَزِيَادَة أسئلة وأجوبة وَذَلِكَ أَيْضا إستقصاء لَا يزِيد إِلَّا ضلالا وجهلا فِي حق من لم يقنعه ذَلِك الْقدر فَرب كَلَام يزِيدهُ الْأَطْنَاب والتقرير غموضا وَلَو قَالَ قَائِل الْبَحْث عَن حكم الإدراكات والإعتمادات فِيهِ فَائِدَة تشحيذ الخواطر والخاطر آلَة الدّين كالسيف آلَة الْجِهَاد فَلَا بَأْس بتشيحذه كَانَ كَقَوْلِه لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فَهُوَ من الدّين أَيْضا وَذَلِكَ هوس فَإِن

اطر والخاطر آلَة الدّين كالسيف آلَة الْجِهَاد فَلَا بَأْس بتشيحذه كَانَ كَقَوْلِه لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فَهُوَ من الدّين أَيْضا وَذَلِكَ هوس فَإِن

الخاطر يتشحذ بِسَائِر عُلُوم الشَّرْع وَلَا يخَاف فِيهَا مضرَّة فقد عرفت بِهَذَا الْقدر المذموم وَالْقدر الْمَحْمُود من الْكَلَام وَالْحَال الَّتِي يذم فِيهَا وَالْحَال الَّتِي يحمد فِيهَا والشخص الَّذِي ينْتَفع بِهِ والشخص الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ فَإِن قلت مهما اعْترفت بِالْحَاجةِ إِلَيْهِ فِي دفع المبتدعة والآن قد ثارت الْبدع وعمت الْبلوى وأرهقت الْحَاجة فَلَا بُد أَن يصير الْقيام بِهَذَا الْعلم من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الْأَمْوَال وَسَائِر الْحُقُوق كالقضاء وَالْولَايَة وَغَيرهمَا وَمَا لم يشْتَغل الْعلمَاء بنشر ذَلِك والتدريس فِيهِ والبحث عَنهُ لَا يَدُوم وَلَو ترك بِالْكُلِّيَّةِ لَا ندرس وَلَيْسَ فِي مُجَرّد الطباع كِفَايَة لحل شبه المبتدعة مَا لم يتَعَلَّم فَيَنْبَغِي أَن يكون التدريس فِيهِ والبحث عَنهُ أَيْضا من فروض الكفايات بِخِلَاف زمن الصَّحَابَة ﵃ فَإِن الْحَاجة مَا كَانَت ماسة إِلَيْهِ فَاعْلَم أَن الْحق أَنه لَا بُد فِي كل بلد من قَائِم بِهَذَا الْعلم مُسْتَقل بِدفع شبه المبتدعة الَّتِي ثارت فِي تِلْكَ الْبَلدة وَذَلِكَ يَدُوم بالتعليم وَلَكِن لَيْسَ من الصَّوَاب تدريسه على الْعُمُوم كتدريس الْفِقْه وَالتَّفْسِير فَإِن هَذَا مثل الدَّوَاء وَالْفِقْه مثل

لدة وَذَلِكَ يَدُوم بالتعليم وَلَكِن لَيْسَ من الصَّوَاب تدريسه على الْعُمُوم كتدريس الْفِقْه وَالتَّفْسِير فَإِن هَذَا مثل الدَّوَاء وَالْفِقْه مثل

الْغذَاء وضرر الْغذَاء لَا يحذر وضرر الدَّوَاء مَحْذُور لما ذكرنَا فِيهِ من أَنْوَاع الضَّرَر فالعالم يَنْبَغِي أَن يخصص بتعليم هَذَا الْعلم من فِيهِ ثَلَاث خِصَال إِحْدَاهَا التجرد للْعلم والحرص عَلَيْهِ فَإِن المحترف يمنعهُ الشّغل عَن الإستتمام وَإِزَالَة الشكوك إِذا عرضت الثَّانِيَة الذكاء والفطنة والفصاحة فَإِن البليد لَا ينْتَفع بفهمه والقدم لَا ينْتَفع بحلجاجه فيخاف عَلَيْهِ من ضَرَر الْكَلَام وَلَا يُرْجَى فِيهِ نَفعه الثَّالِثَة أَن يكون فِي طبعه الصّلاح والديانة وَالتَّقوى وَلَا تكون الشَّهَوَات غالبة عَلَيْهِ فَإِن الْفَاسِق بِأَدْنَى شُبْهَة ينخلع عَن الدّين فَإِن ذَلِك يحل عَنهُ الْحجر وَيرْفَع السد الَّذِي بَينه وَبَين الملاذ فَلَا يحرص على إِزَالَة الشّبَه بل يغتنمها ليتخلص

من أعباء التَّكْلِيف فَيكون مَا يُفْسِدهُ مثل هَذَا المتعلم أَكثر مِمَّا يصلحه وَإِذا عرفت هَذِه الإنقسامات إتضح لَك أَن هَذِه الْحجَّة المحمودة فِي الْكَلَام إِنَّمَا هِيَ من جنس حجج الْقُرْآن من الْكَلِمَات اللطيفة المؤثرة فِي الْقُلُوب المقنعة للنفوس دون التغلغل فِي التقسيمات والتدقيقات الَّتِي لَا يفهمها أَكثر النَّاس وَإِذا فهموها إعتقدوا أَنَّهَا شعوذة وصناعة تعلمهَا صَاحبهَا للتلبيس فَإِذا قابله مثله فِي الصَّنْعَة قاومه وَعرفت أَن الشَّافِعِي وكافة السّلف إِنَّمَا منعُوا عَن الْخَوْض فِيهِ

والتجرد لَهُ لما فِيهِ من الضَّرَر الَّذِي نبهنا عَلَيْهِ وَأَن مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من مناظرة الْخَوَارِج وَمَا نقل عَن عَليّ ﵁ من المناظرة فِي الْقدر وَغَيره كَانَ من الْكَلَام الْجَلِيّ الظَّاهِر وَفِي مَحل الْحَاجة وَذَلِكَ مَحْمُود فِي كل حَال نعم قد تخْتَلف الْأَعْصَار فِي كَثْرَة الْحَاجة وقلتها فَلَا يبعد أَن يخْتَلف الحكم لذَلِك فَهَذَا حكم العقيدة الَّتِي تعبد الْخلق بهَا وَحكم طَرِيق النضال عَنْهَا وحفظها فَأَما إِزَالَة الشُّبْهَة وكشف الْحَقَائِق وَمَعْرِفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِدْرَاك الْأَسْرَار الَّتِي يترجمها ظَاهر أَلْفَاظ هَذِه العقيدة فَلَا مِفْتَاح لَهُ إِلَّا الْمُجَاهِد وقمع الشَّهَوَات والإقبال بِالْكُلِّيَّةِ على الله تَعَالَى وملازمة الْفِكر الصافي عَن شوائب المجادلات وَهِي رَحْمَة من الله ﷿ تفيض على من يتَعَرَّض لنفحاتها بِقدر

الرزق وبحسب التَّعَرُّض وبحسب قبُول الْمحل وطهارة الْقلب وَذَلِكَ الْبَحْر الَّذِي لَا يدْرك غوره وَلَا يبلغ ساحله مَسْأَلَة الْحَقِيقَة والشريعة

فَإِن قلت هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى أَن هَذِه الْعُلُوم لَهَا ظواهر وأسرار وَبَعضهَا جلي يَبْدُو أَولا وَبَعضهَا خَفِي يَتَّضِح بالمجاهدة والرياضة والطلب الحثيث والفكر الصافي والسر الْخَالِي عَن كل شَيْء من أشغال الدُّنْيَا سوى الْمَطْلُوب وَهَذَا يكَاد يكون مُخَالفا للشَّرْع إِذْ لَيْسَ للشَّرْع ظَاهر وباطن وسر وعلن بل الظَّاهِر وَالْبَاطِن والسر والعلن وَاحِد فِيهِ فَاعْلَم أَن إنقسام هَذِه الْعُلُوم إِلَى خُفْيَة وجلية لَا ينكرها ذُو بَصِيرَة وَإِنَّمَا ينكرها القاصرون الَّذين تلقفوا فِي أَوَائِل الصِّبَا شَيْئا وجمدوا عَلَيْهِ فَلم يكن لَهُم ترق إِلَى شأو الْعلَا ومقامات الْعلمَاء والأولياء وَذَلِكَ ظَاهر من أَدِلَّة الشَّرْع

وا فِي أَوَائِل الصِّبَا شَيْئا وجمدوا عَلَيْهِ فَلم يكن لَهُم ترق إِلَى شأو الْعلَا ومقامات الْعلمَاء والأولياء وَذَلِكَ ظَاهر من أَدِلَّة الشَّرْع

قَالَ ﷺ إِن لِلْقُرْآنِ ظَاهرا وَبَاطنا وحدا ومطلعا وَقَالَ عَليّ ﵁ وَأَشَارَ إِلَى صَدره إِن هَا هُنَا علوما جمة لَو وجدت لَهَا حَملَة وَقَالَ ﷺ نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا أَن نُكَلِّم النَّاس على قدر عُقُولهمْ وَقَالَ ﷺ مَا حدث أحد قوما بِحَدِيث لم تبلغه عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ فتْنَة عَلَيْهِم

وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ إِن من الْعلم كَهَيئَةِ الْمكنون لَا يُعلمهُ إِلَّا الْعَالمُونَ بِاللَّه تَعَالَى الحَدِيث إِلَى آخِره كَمَا أوردناه فِي كتاب الْعلم وَقَالَ ﷺ لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا

فليت شعري أَن لم يكن ذَلِك سرا منع من إفشائه لقُصُور الأفهام عَن إِدْرَاكه أَو لِمَعْنى آخر فَلم لم يذكرهُ لَهُم وَلَا شكّ أَنهم كَانُوا يصدقونه لَو ذكره لَهُم وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﷿ ﴿الله الَّذِي خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ﴾ لَو ذكرت تَفْسِيره لرجمتموني وَفِي لفظ آخر لقلتم إِنَّه كَافِر

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ حفظت من رَسُول الله ﷺ وعاءين أما أَحدهمَا فبثثته وَأما الآخر لَو بثثته لقطع هَذَا الْحُلْقُوم وَقَالَ ﷺ مَا فَضلكُمْ أَبُو بكر بِكَثْرَة صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَكِن بسر وقر فِي صَدره ﵁ وَلَا شكّ فِي أَن ذَلِك السِّرّ كَانَ مُتَعَلقا بقواعد الدّين غير خَارج مِنْهَا وَمَا كَانَ من قَوَاعِد الدّين لم يكن خافيا بظواهره على غَيره وَقَالَ سهل التسترِي ﵁ للْعَالم ثَلَاثَة عُلُوم علم ظَاهر يبذله لأهل الظَّاهِر وَعلم بَاطِن لَا يَسعهُ أظهاره إِلَّا لأَهله وَعلم هُوَ بَينه وَبَين الله تَعَالَى لَا يظهره لأحد وَقَالَ بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر وَقَالَ بَعضهم للربوبية سر لَو أظهر لبطلت النُّبُوَّة وللنبوة سر لَو كشف لبطل

لله تَعَالَى لَا يظهره لأحد وَقَالَ بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر وَقَالَ بَعضهم للربوبية سر لَو أظهر لبطلت النُّبُوَّة وللنبوة سر لَو كشف لبطل

الْعلم وللعلماء بِاللَّه سر لَو أظهروه لبطلت الْأَحْكَام وَهَذَا الْقَائِل إِن لم يرد بذلك بطلَان النُّبُوَّة فِي حق الضُّعَفَاء لقُصُور فهمهم فَمَا ذكره لَيْسَ بِحَق بل الصَّحِيح أَنه لَا تنَاقض فِيهِ وَأَن الْكَامِل من لَا يطفىء نور مَعْرفَته نور ورعه وملاك الْوَرع النُّبُوَّة مَسْأَلَة

فَإِن قلت هَذِه الْآيَات وَالْأَخْبَار يتَطَرَّق إِلَيْهَا تأويلات فَبين لنا كَيْفيَّة إختلاف الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَإِن الْبَاطِن إِن كَانَ مناقضا للظَّاهِر فَفِيهِ إبِْطَال الشَّرْع وَهُوَ قَول من قَالَ إِن الْحَقِيقَة خلاف الشَّرِيعَة وَهُوَ كفر لِأَن الشَّرِيعَة عبارَة عَن الظَّاهِر والحقيقة عبارَة عَن الْبَاطِن وَإِن كَانَ لَا يناقضه وَلَا يُخَالِفهُ فَهُوَ هُوَ

فيزول بِهِ الإنقسام وَلَا يكون للشَّرْع سر لَا يفشى بل يكون الْخَفي والجلي وَاحِدًا فَاعْلَم أَن هَذَا السُّؤَال يُحَرك خطبا عَظِيما وينجر إِلَى عُلُوم المكاشفة وَيخرج عَن مَقْصُود علم الْمُعَامَلَة وَهُوَ غَرَض هَذِه الْكتب فَإِن العقائد الَّتِي ذَكرنَاهَا من أَعمال الْقُلُوب وَقد تعبدنا بتلقينها بالقلوب والتصديق بِعقد الْقلب عَلَيْهَا لَا بِأَن يتَوَصَّل إِلَى أَن ينْكَشف لنا حقائقها فَإِن ذَلِك لم يُكَلف بِهِ كَافَّة الْخلق وَلَوْلَا أَنه من الْأَعْمَال لما أوردناه فِي هَذَا الْكتاب وَلَوْلَا أَنه عمل ظَاهر الْقلب لَا عمل بَاطِنه لما أوردناه فِي الشّطْر الأول من الْكتاب وَإِنَّمَا الْكَشْف الْحَقِيقِيّ هُوَ صفة سر الْقلب وباطنه وَلَكِن إِذا بَحر الْكَلَام إِلَى تَحْرِيك خيال فِي مناقضة الظَّاهِر للباطن فَلَا بُد من كَلَام وجيز فِي حلّه فَمن قَالَ إِن الْحَقِيقَة تخَالف الشَّرِيعَة أَو الْبَاطِن يُنَاقض الظَّاهِر فَهُوَ إِلَى الْكفْر أقرب مِنْهُ إِلَى الْإِيمَان بل الْأَسْرَار الَّتِي يخْتَص بهَا المقربون يُدْرِكهَا وَلَا يشاركهم الْأَكْثَرُونَ فِي عَملهَا ويمتنعون عَن إفشائها إِلَيْهِم ترجع إِلَى خَمْسَة أَقسَام

الْقسم الأول أَن يكون الشَّيْء فِي نَفسه دَقِيقًا تكل أَكثر الأفهام عَن دركه فَيخْتَص بدركه الْخَواص وَعَلَيْهِم أَن لَا يفشوه إِلَى غير أَهله فَيصير ذَلِك فتْنَة عَلَيْهِم حَيْثُ تقصر أفهامهم عَن الدَّرك وإخفاء سر الرّوح وكف رَسُول الله ﷺ عَن بَيَانه من هَذَا الْقسم فَإِن حَقِيقَته مِمَّا تكل الأفهام عَن دركه وتقصر الأوهام عَن تصور كنهه وَلَا تَظنن أَن ذَلِك لم يكن مكشوفا لرَسُول الله ﷺ فَإِن من لم يعرف الرّوح فَكَأَنَّهُ لم يعرف نَفسه وَمن لم يعرف نَفسه فَكيف يعرف ربه سُبْحَانَهُ وَلَا يبعد أَن يكون ذَلِك مكشوفا لبَعض الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَلَكنهُمْ يتأدبون بآداب الشَّرْع فيسكتون عَمَّا سكت عَنهُ بل فِي صِفَات الله

مكشوفا لبَعض الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَلَكنهُمْ يتأدبون بآداب الشَّرْع فيسكتون عَمَّا سكت عَنهُ بل فِي صِفَات الله

عز وَجل من الخفايا مَا تقصر أفهام الجماهير عَن دركه وَلم يذكر رَسُول الله ﷺ مِنْهَا إِلَّا الظَّوَاهِر للأفهام من الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا حَتَّى فهمها الْخلق بِنَوْع مُنَاسبَة توهموها إِلَى علمهمْ وقدرتهم إِذْ كَانَ لَهُم من الْأَوْصَاف مَا يُسمى علما وقدرة فيتوهمون ذَلِك بِنَوْع مقايسة وَلَو ذكر من صِفَاته مَا لَيْسَ لِلْخلقِ مِمَّا يُنَاسِبه بعض الْمُنَاسبَة شَيْء لم يفهموه بل لَذَّة الْجِمَاع إِذا ذكرت للصَّبِيّ أَو الْعنين لم يفهمها إِلَّا بمناسبة إِلَى لَذَّة المطعوم الَّذِي يُدْرِكهُ وَلَا يكون ذَلِك فهما على التَّحْقِيق والمخالفة بَين علم الله تَعَالَى وَقدرته وَعلم الْخلق وقدرتهم أَكثر من الْمُخَالفَة بَين لَذَّة الْجِمَاع وَالْأكل

وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يدْرك الْإِنْسَان إِلَّا نَفسه وصفات نَفسه مِمَّا هِيَ حَاضِرَة لَهُ فِي الْحَال أَو مِمَّا كَانَت لَهُ من قبل ثمَّ بالمقايسة إِلَيْهِ يفهم ذَلِك لغيره ثمَّ قد يصدق بِأَن بَينهمَا تَفَاوتا فِي الشّرف والكمال فَلَيْسَ فِي قُوَّة الْبشر إِلَّا أَن يثبت لله تَعَالَى مَا هُوَ ثَابت لنَفسِهِ من الْفِعْل وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا من الصِّفَات مَعَ التَّصْدِيق بِأَن ذَلِك أكمل وأشرف فَيكون مُعظم تحويمه على صِفَات نَفسه لَا على مَا اخْتصَّ الرب تَعَالَى بِهِ من الْجلَال وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك

ُعظم تحويمه على صِفَات نَفسه لَا على مَا اخْتصَّ الرب تَعَالَى بِهِ من الْجلَال وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك

وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنِّي أعجز عَن التَّعْبِير عَمَّا أَدْرَكته بل هُوَ اعْتِرَاف بالقصور عَن إِدْرَاك جَلَاله وَلذَلِك قَالَ بَعضهم مَا عرف الله بِالْحَقِيقَةِ سوى الله ﷿ وَقَالَ الصّديق ﵁ الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل لِلْخلقِ سَبِيلا إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِالْعَجزِ عَن مَعْرفَته ولنقيض عنان الْكَلَام عَن هَذَا النمط ولنرجع إِلَى الْغَرَض وَهُوَ أَن أحد الْأَقْسَام مَا تكل الأفهام عَن إِدْرَاكه وَمن جملَته الرّوح وَمن جملَته بعض صِفَات الله تَعَالَى وَلَعَلَّ الْإِشَارَة إِلَى مثله فِي قَوْله ﷺ إِن لله سُبْحَانَهُ سبعين حِجَابا من نور لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل من أدْركهُ بَصَره

الْقسم الثَّانِي من الخفيات الَّتِي تمْتَنع الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ عَن ذكرهَا مَا هُوَ مَفْهُوم فِي نَفسه لَا يكل الْفَهم عَنهُ وَلَكِن ذكره يضر بِأَكْثَرَ المستمعين وَلَا يضر بالأنبياء وَالصديقين وسر الْقدر الَّذِي منع أهل الْعلم من إفشائه من هَذَا الْقسم فَلَا يبعد أَن يكون ذكر بعض الْحَقَائِق مضرا بِبَعْض الْخلق كَمَا يضر نور الشَّمْس بأبصار الخفافيش وكما تضر ريَاح الْورْد بالجعل وَكَيف يبعد هَذَا وَقَوْلنَا أَن الْكفْر وَالزِّنَا والمعاصي والشرور كُله بِقَضَاء الله تَعَالَى وإرادته ومشيئته حق فِي نَفسه وَقد أضرّ

سَمَاعه بِقوم إِذْ أوهم ذَلِك عِنْدهم أَنه دلَالَة على السَّفه ونقيض الْحِكْمَة وَالرِّضَا بالقبيح وَالظُّلم وَقد ألحد ابْن الراوندي وَطَائِفَة من المخذولين بِمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ سر الْقدر وَلَو أفشى لأوهم عِنْد أَكثر الْخلق عَجزا إِذا تقصر أفهامهم عَن إِدْرَاك مَا يزِيل ذَلِك الْوَهم عَنْهُم وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْقِيَامَة لَو ذكر ميقاتها وَأَنَّهَا بعد ألف سنة أَو أَكثر أَو أقل لَكَانَ مفهوما وَلَكِن لم يذكر لمصْلحَة الْعباد وخوفا من الضَّرَر فَلَعَلَّ الْمدَّة إِلَيْهَا بعيدَة فَيطول الأمد وَإِذا اسْتَبْطَأَتْ النُّفُوس وَقت الْعقَاب قل إكتراثها ولعلها

كَانَت قريبَة فِي علم الله سُبْحَانَهُ وَلَو ذكرت لعظم الْخَوْف وَأعْرض النَّاس عَن الْأَعْمَال وَخَربَتْ الدُّنْيَا فَهَذَا الْمَعْنى لَو اتجه وَصَحَّ فَيكون مِثَالا لهَذَا الْقسم الْقسم الثَّالِث أَن يكون الشَّيْء بِحَيْثُ لَو ذكر صَرِيحًا لفهم وَلم يكن فِيهِ ضَرَر وَلَكِن يكنى عَنهُ على سَبِيل الإستعارة وَالرَّمْز ليَكُون وقعه فِي قلب المستمع أغلب وَله مصلحَة فِي أَن يعظم وَقع ذَلِك الْأَمر فِي قلبه كَمَا لَو قَالَ قَائِل رَأَيْت فلَانا يُقَلّد الدّرّ فِي أَعْنَاق الْخَنَازِير فكنى بِهِ عَن إفشاء الْعلم وَبث الْحِكْمَة إِلَى غير أَهلهَا فالمستمع قد يسْبق إِلَى فهمه ظَاهر للفظ والمحقق إِذا نظر وَعلم أَن ذَلِك الْإِنْسَان لم يكن مَعَه در وَلَا كَانَ فِي مَوْضِعه خِنْزِير تفطن لدرك السِّرّ وَالْبَاطِن فيتفاوت النَّاس فِي ذَلِك وَمن هَذَا قَالَ الشَّاعِر (رجلَانِ خياط وَآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل) (لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل)

َمن هَذَا قَالَ الشَّاعِر (رجلَانِ خياط وَآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل) (لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل)

فَإِنَّهُ عبر عَن سَبَب سماوي فِي الإقبال والإدبار برجلَيْن صانعين وَهَذَا النَّوْع يرجع إِلَى التَّعْبِير عَن الْمَعْنى بالصورة الَّتِي تَتَضَمَّن عين الْمَعْنى أَو مثله وَمِنْه قَوْله ﷺ إِن الْمَسْجِد لينزوي من النخامة كَمَا تنزوي الْجلْدَة على النَّار وَأَنت ترى أَن ساحة الْمَسْجِد لَا تنقبض بالنخامة وَمَعْنَاهُ أَن روح الْمَسْجِد كَونه مُعظما وَرمي النخامة فِيهِ تحقير لَهُ فيضاد معنى المسجدية مضادة النَّار لإتصال أَجزَاء الْجلْدَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ أما يخْشَى الَّذِي يرفع رَأسه قبل الإِمَام أَن يحول الله رَأسه رَأس حمَار

وَذَلِكَ من حَيْثُ الصُّور لم يكن قطّ وَلَا يكون وَلَكِن من حَيْثُ الْمَعْنى هُوَ كَائِن إِذْ رَأس الْحمار لم يكن بحقيقته لكَونه وشكله بل بخاصيته وَهِي البلادة والحمق وَمن رفع رَأسه قبل الإِمَام فقد صَار رَأسه حمَار فِي معنى البلادة والحمق وَهُوَ الْمَقْصُود دون الشكل الَّذِي هُوَ قالب الْمَعْنى إِذْ من غَايَة الْحمق أَن يجمع بَين الإقتداء وَبَين التَّقَدُّم فَإِنَّهُمَا متناقضان وَإِنَّمَا يعرف أَن هَذَا السِّرّ على خلاف الظَّاهِر إِمَّا بِدَلِيل عَقْلِي أَو شَرْعِي أما الْعقلِيّ فَأن يكون حمله على الظَّاهِر غير مُمكن كَقَوْلِه ﷺ قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن إِذْ لَو فتشنا عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَلم نجد فِيهَا أَصَابِع فَعلم أَنَّهَا كِنَايَة عَن

َوْلِه ﷺ قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن إِذْ لَو فتشنا عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَلم نجد فِيهَا أَصَابِع فَعلم أَنَّهَا كِنَايَة عَن

الْقُدْرَة الَّتِى هِيَ سر الْأَصَابِع وروحها الْخَفي وكنى بالأصابع عَن الْقُدْرَة لِأَن ذَلِك أعظم وَقعا فِي تفهم تَمام الإقتدار وَمن هَذَا الْقَبِيل فِي كنايته عَن الإقتدار قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَإِن ظَاهره مُمْتَنع إِذْ قَوْله كن إِن كَانَ خطابا للشَّيْء قبل وجوده فَهُوَ محَال إِذْ الْمَعْدُوم لَا يفهم الْخطاب حَتَّى يمتثل وَإِن كَانَ بعد الْوُجُود فَهُوَ مستغن عَن التكوين وَلَكِن لما كَانَت هَذِه الْكِتَابَة أوقع فِي النُّفُوس فِي تفهيم غَايَة الإقتدار عدل إِلَيْهَا وَأما الْمدْرك بِالشَّرْعِ فَهُوَ أَن يكون إجراؤه على الظَّاهِر مُمكنا وَلكنه يرْوى أَنه أُرِيد بِهِ غير الظَّاهِر كَمَا ورد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا﴾ الْآيَة وَإِن معنى المَاء هَا

هُنَا هُوَ الْقُرْآن وَمعنى الأودية هِيَ الْقُلُوب وَأَن بَعْضهَا احتملت شَيْئا كثيرا وَبَعضهَا قَلِيلا وَبَعضهَا لم يحْتَمل والزبد مثل الْكفْر والنفاق فَإِنَّهُ وَإِن ظهر وطفا على رَأس المَاء فَإِنَّهُ لَا يثبت وَالْهِدَايَة الَّتِي تَنْفَع النَّاس تمكث وَفِي هَذَا الْقسم تعمق جمَاعَة فأولوا مَا ورد فِي الْآخِرَة من الْمِيزَان والصراط وَغَيرهمَا وَهُوَ بِدعَة إِذْ لم ينْقل ذَلِك بطرِيق الرِّوَايَة وإجراؤه على الظَّاهِر غير محَال

فَيجب إجراؤه على الظَّاهِر الْقسم الرَّابِع أَن يدْرك الْإِنْسَان الشَّيْء جملَة ثمَّ يُدْرِكهُ تَفْصِيلًا بالتحقيق والذوق بِأَن يصير حَالا ملابسا لَهُ فيتفاوت العلمان وَيكون الأول كالقشر وَالثَّانِي كاللباب وَالْأول كَالظَّاهِرِ وَالثَّانِي كالباطن وَذَلِكَ كَمَا يتَمَثَّل للْإنْسَان فِي عينه شخص فِي الظلمَة أَو على الْبعد فَيحصل لَهُ نوع علم فَإِذا رَآهُ بِالْقربِ أَو بعد زَوَال الظلام أدْرك تفرقه بَينهمَا وَلَا يكون الْأَخير الأول بل هُوَ إستكمال لَهُ فَكَذَلِك الْعلم وَالْإِيمَان والتصديق إِذْ قد يصدق الْإِنْسَان بِوُجُود الْعِشْق وَالْمَرَض وَالْمَوْت قبل وُقُوعه وَلَكِن تحَققه بِهِ عِنْد الْوُقُوع أكمل من تحَققه قبل الْوُقُوع بل للْإنْسَان فِي الشَّهْوَة والعشق وَسَائِر الْأَحْوَال ثَلَاثَة أَحْوَال مُتَفَاوِتَة وإدراكات متباينة الأول تَصْدِيقه بِوُجُودِهِ قبل وُقُوعه وَالثَّانِي عِنْد وُقُوعه وَالثَّالِث بعد تصرمه فَإِن تحققك بِالْجُوعِ بعد زَوَاله يُخَالف التحقق بِهِ قبل الزَّوَال وَكَذَلِكَ من عُلُوم الدّين مَا يصير ذوقا فيكمل فَيكون ذَلِك كالباطن

بِالْإِضَافَة إِلَى مَا قبل ذَلِك فَفرق بَين علم الْمَرِيض بِالصِّحَّةِ وَبَين علم الصَّحِيح بهَا فَفِي هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة تَتَفَاوَت الْخلق وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا بَاطِن يُنَاقض الظَّاهِر بل يتممه ويكمله كَمَا يتمم اللب القشر وَالسَّلَام الْقسم الْخَامِس أَن يعبر بِلِسَان الْمقَال عَن لِسَان الْحَال فالقاصر الْفَهم يقف على الظَّاهِر ويعتقده نطقا والبصير بالحقائق يدْرك السِّرّ فِيهِ وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل قَالَ الْجِدَال للوتد لم تشقني قَالَ سل من يدقني فَلم يتركني ورائي الْحجر الَّذِي ورائي فَهَذَا تَعْبِير عَن لِسَان الْحَال بِلِسَان الْمقَال وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا﴾

ذِي ورائي فَهَذَا تَعْبِير عَن لِسَان الْحَال بِلِسَان الْمقَال وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا﴾

وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قالتآ أَتَيْنَا طائعين) فالبليد يفْتَقر فِي فهمه إِلَى أَن يقدر لَهما حَيَاة وعقلا وفهما للخطاب وخطابا هُوَ صَوت وحرف تسمعه السَّمَاء وَالْأَرْض فتجيبان بِحرف وَصَوت وَتَقُولَانِ أَتَيْنَا طائعين والبصير يعلم أَن ذَلِك لِسَان الْحَال وَأَنه أنباء عَن كَونهمَا مسخرتين بِالضَّرُورَةِ ومضطرتين إِلَى التسخير وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ﴾ فالبليد يفْتَقر فِيهِ إِلَى أَن يقدر للجمادات حَيَاة وعقلا ونطقا بِصَوْت وحرف حَتَّى يَقُول سُبْحَانَ الله ليتَحَقَّق تسبيحه والبصير يعلم أَنه مَا أُرِيد بِهِ نطق اللِّسَان بل كَونه مسبحا بِوُجُودِهِ ومقدسا بِذَاتِهِ وَشَاهدا بوحدانية الله سُبْحَانَهُ كَمَا يُقَال وَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ... تدل على أَنه الْوَاحِد وكما يُقَال هَذِه الصَّنْعَة المحكمة تشهد لصانعها بِحسن التَّدْبِير وَكَمَال الْعلم لَا بِمَعْنى أَنَّهَا تَقول أشهد بالْقَوْل وَلَكِن بِالذَّاتِ وَالْحَال وَكَذَلِكَ مَا من شَيْء إِلَّا

وَهُوَ مُحْتَاج فِي نَفسه إِلَى موجد يوجده ويبقيه ويديم أَوْصَافه ويردده فِي أطواره فَهُوَ بحاجته يشْهد لخالقه بالتقديس يدْرك شَهَادَته ذَوُو البصائر دون الجامدين على الظَّوَاهِر وَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ وَأما القاصرون فَلَا يفقهُونَ أصلا وَأما المقربون وَالْعُلَمَاء الراسخون فَلَا يفقهُونَ كنهه وكماله إِذْ لكل شَيْء شَهَادَات شَتَّى على تقديس الله سُبْحَانَهُ وتسبيحه وَيدْرك كل وَاحِد بِقدر عقله وبصيرته وتعداد تِلْكَ الشَّهَادَات لَا يَلِيق بِعلم الْمُعَامَلَة فَهَذَا الْفَنّ أَيْضا مِمَّا يتَفَاوَت أَرْبَاب الظَّوَاهِر وأرباب البصائر فِي علمه وَتظهر بِهِ مُفَارقَة الْبَاطِن للظَّاهِر

ق بِعلم الْمُعَامَلَة فَهَذَا الْفَنّ أَيْضا مِمَّا يتَفَاوَت أَرْبَاب الظَّوَاهِر وأرباب البصائر فِي علمه وَتظهر بِهِ مُفَارقَة الْبَاطِن للظَّاهِر

وَفِي هَذَا الْمقَام لأرباب المقامات إِسْرَاف وإقتصاد فَمن مُسْرِف فِي رفع الظَّوَاهِر إنتهى إِلَى تَغْيِير جَمِيع الظَّوَاهِر والبراهين أَو أَكْثَرهَا حَتَّى حملُوا قَوْله تَعَالَى ﴿وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء﴾ وَكَذَلِكَ المخاطبات الَّتِي تجْرِي من مُنكر وَنَكِير وَفِي الْمِيزَان والصراط والحساب ومناظرات أهل النَّار وَأهل الْجنَّة فِي قَوْلهم ﴿أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله﴾ زَعَمُوا أَن ذَلِك كُله بِلِسَان الْحَال وغلا آخَرُونَ فِي حسم الْبَاب مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ حَتَّى منع تَأْوِيل قَوْله ﴿كن فَيكون﴾ وَزَعَمُوا أَن ذَلِك خطاب بِحرف وَصَوت يُوجد من الله تَعَالَى فِي كل لَحْظَة بِعَدَد كَون كل مكون

حَتَّى سَمِعت بعض أَصْحَابه يَقُول إِنَّه حسم بَاب التَّأْوِيل إِلَّا لثَلَاثَة أَلْفَاظ قَوْله ﷺ الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه وَقَوله ﷺ قلب الْمُؤمن بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن وَقَوله ﷺ إِنِّي لأجد نفس الرَّحْمَن من جَانب الْيمن

وَمَال إِلَى حسم الْبَاب أَرْبَاب الظَّوَاهِر وَالظَّن بِأَحْمَد بن حَنْبَل ﵁ أَنه علم أَن الإستواء لَيْسَ هُوَ الإستقرار وَالنُّزُول لَيْسَ هُوَ الإنتقال وَلكنه منع من التَّأْوِيل حسما للباب ورعاية لصلاح الْخلق فَإِنَّهُ إِذا فتح الْبَاب اتَّسع الْخرق وَخرج الْأَمر عَن الضَّبْط وَجَاوَزَ حد الإقتصاد إِذْ حد مَا جَاوز الإقتصاد لَا يَنْضَبِط فَلَا بَأْس بِهَذَا الزّجر وَيشْهد لَهُ سيرة السّلف فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ أمروها كَمَا جَاءَت حَتَّى قَالَ مَالك ﵀ لما سُئِلَ عَن الإستواء الإستواء مَعْلُوم والكيفية مَجْهُولَة

وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى الإقتصاد وفتحوا بَاب التَّأْوِيل فِي بعض مَا يتَعَلَّق بِصِفَات الله سُبْحَانَهُ وَتركُوا مَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة على ظواهرها وَمنعُوا التَّأْوِيل فِيهِ وهم الأشعرية وَزَاد الْمُعْتَزلَة عَلَيْهِم حَتَّى أولُوا من صِفَاته تَعَالَى الرُّؤْيَة وَأولُوا كَونه سميعا بَصيرًا وَأولُوا الْمِعْرَاج وَزَعَمُوا أَنه لم يكن بالجسد وَأولُوا عَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان والصراط وَجُمْلَة من أَحْكَام الْآخِرَة وَلَكِن أقرُّوا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة

ْمِيزَان والصراط وَجُمْلَة من أَحْكَام الْآخِرَة وَلَكِن أقرُّوا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة

وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الْجُلُود ويذيب الشحوم وَمن ترقيهم إِلَى هَذَا الْحَد زَاد الفلاسفة فأولوا كل مَا ورد فِي الْآخِرَة وردوه إِلَى الام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وَقَالُوا بِبَقَاء النُّفُوس وَأَنَّهَا تكون إِمَّا معذبة وَإِمَّا منعمة بِعَذَاب ونعيم لَا يدْرك بالحس وَهَؤُلَاء هم المسرفون وحد الإقتصاد بَين هَذَا الإنحلال كُله وَبَين جمود الْحَنَابِلَة دَقِيق غامض لَا يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الموفقون الَّذين يدركون الْأُمُور بِنور إلهي لَا بِالسَّمَاعِ ثمَّ إِذا إنكشفت لَهُم أسرار الْأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ نظرُوا إِلَى السّمع والألفاظ الْوَارِدَة فَمَا وَافق مَا شاهدوه بِنور الْيَقِين قررو وَمَا خَالف أولوه فَأَما من يَأْخُذ معرفَة هَذِه الْأُمُور من السّمع الْمُجَرّد فَلَا يسْتَقرّ لَهُ فِيهَا قدم وَلَا يتَعَيَّن لَهُ موقف والأليق بالمقتصر على السّمع الْمُجَرّد مقَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله

والآن فكشف الغطاء عَن حد الإقتصاد فِي هَذِه الْأُمُور دَاخل فِي علم المكاشفة وَالْقَوْل فِيهِ يطول فَلَا نَخُوض فِيهِ وَالْغَرَض بَيَان مُوَافقَة الْبَاطِن الظَّاهِر وَأَنه غير مُخَالف لَهُ فقد إنكشفت بِهَذِهِ الْأَقْسَام الْخَمْسَة أُمُور كَثِيرَة وَإِذا رَأينَا أَن نقتصر بكافة الْعَوام على تَرْجَمَة العقيدة الَّتِي حررناها وَأَنَّهُمْ لَا يكلفون غير ذَلِك فِي الدرجَة الأولى إِلَّا إِذا كَانَ خوف تشويش لشيوع الْبِدْعَة فيرقى فِي الدرجَة الثَّانِيَة إِلَى عقيدة فِيهَا لوامع من الْأَدِلَّة المختصرة من غير تعمق فلنورد فِي هَذَا الْكتاب تِلْكَ اللوامع ولنقتصر فِيهَا على مَا حررناه لأهل الْقُدس وسميناه الرسَالَة القدسية فِي قَوَاعِد العقائد وَهِي مودعة فِي هَذَا الْفَصْل الثَّالِث من هَذَا الْكتاب

الْفَصْل الثَّالِث

مَا حررناه لأهل الْقُدس وسميناه الرسَالَة القدسية فِي قَوَاعِد العقائد وَهِي مودعة فِي هَذَا الْفَصْل الثَّالِث من هَذَا الْكتاب

الْفَصْل الثَّالِث

من كتاب قَوَاعِد العقائد فِي لوامع الْأَدِلَّة للعقيدة الَّتِي ترجمناها بالقدس

﷽ الْحَمد لله الَّذِي ميز عِصَابَة السّنة بأنوار الْيَقِين وآثر رَهْط الْحق بالهداية إِلَى دعائم الدّين وجنبهم زيغ الزائغين

وضلال الْمُلْحِدِينَ ووفقهم للاقتداء بِسَيِّد الْمُرْسلين وسددهم للتأسي بصحبه الأكرمين وَيسر لَهُم اقتفاء آثَار السّلف الصَّالِحين حَتَّى اعتصموا من مقتضيات الْعُقُول بالحبل المتين وَمن سير الْأَوَّلين وعقائدهم بالمنهج الْمُبين فَجمعُوا بِالْقبُولِ بَين نتائج الْعُقُول وقضايا الشَّرْع الْمَنْقُول وتحققوا أنّ النُّطْق بِمَا تعبدوا بِهِ من قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله لَيْسَ لَهُ طائل وَلَا محصول إِن لم تتَحَقَّق الْإِحَاطَة بِمَا تَدور عَلَيْهِ هَذِه الشَّهَادَة من الأقطاب وَالْأُصُول وَعرفُوا أَن كلمتي الشَّهَادَة على إيجازها تَتَضَمَّن إِثْبَات ذَات الْإِلَه وَإِثْبَات صِفَاته وَإِثْبَات أَفعاله وَإِثْبَات

Bagian 1 dari 3