الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن السيد البطليوسي (w. 521 H).

Bagian 1 dari 2 102 halaman

— Bagian 1 · بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم —

Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.

Bagian 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

وَهُوَ حسبي

قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن السَّيِّد البطليوسي رَحْمَة الله عَلَيْهِ سَأَلتنِي أبان الله لَك الخفيات وعصمك من الشُّبُهَات وأمدك بِنور من الْعقل يجلو عَن عين بصيرتك ظلم الْجَهْل حَتَّى ترى بِعَين لبك مَرَاتِب المعقولات كَمَا رَأَيْت بِعَين جسمك مَرَاتِب المحسوسات عَن معنى قَول الْحُكَمَاء إِن تَرْتِيب الموجودات عَن السَّبَب الأول يَحْكِي دَائِرَة وهمية تبدأ من نقطة وَترجع إِلَيْهَا ومرجعها فِي صُورَة الْإِنْسَان وَعَن قَوْلهم إِن الْإِنْسَان تبلغ ذَاته بعد مماته إِلَى حَيْثُ يبلغ علمه فِي حَيَاته وَإِن علمه يَحْكِي أَيْضا دَائِرَة وهمية وَعَن قَوْلهم إِن فِي قُوَّة الْعقل الجزئي أَن يتَصَوَّر بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي وَعَن قَوْلهم إِن الْعدَد دَائِرَة وهمية كدائرة الْآحَاد والعشرات ودائرة المئات ودائرة الألوف

وَعَن قَوْلهم إِن صِفَات الْبَارِي تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بهَا إِلَّا عَن طَرِيق السَّلب وَعَن قَوْلهم إِن البارئ تَعَالَى لَا يعرف إِلَّا نَفسه وَمَا الْبُرْهَان على بَقَاء النَّفس الناطقة بعد الْمَوْت وَهَذِه أعزّك الله مطَالب ضيقَة المسالك وَكَثِيرًا مَا تُفْضِي بسالكها إِلَى المهالك وسأقول فِيهَا بِمَا انْتهى اليه علمي وأحاط بِهِ فهمي وَبِاللَّهِ أَعْتَصِم من الْخَطَأ والزلل وإياه أسأَل التَّوْفِيق إِلَى الصَّوَاب من القَوْل وَالْعَمَل لَا رب غَيره

الْبَاب الأول فِي شرح قَوْلهم إِن تَرْتِيب الموجودات عَن السَّبَب الأول يَحْكِي دَائِرَة وهمية مرجعها إِلَى مبدئها فِي صُورَة الْإِنْسَان

رب غَيره

الْبَاب الأول فِي شرح قَوْلهم إِن تَرْتِيب الموجودات عَن السَّبَب الأول يَحْكِي دَائِرَة وهمية مرجعها إِلَى مبدئها فِي صُورَة الْإِنْسَان

أَقُول وَبِاللَّهِ أَعْتَصِم مخبرا عَن أغراضهم ومقاصدهم وَإِن كنت اسْتعْملت على جِهَة التَّقْرِيب ألفاظا غير ألفاظهم إِن البارئ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يسمونه السَّبَب الأول وَالْعلَّة الأولى وَعلة الْعِلَل لما كَانَ هُوَ الَّذِي أَفَاضَ الموجودات وَأعْطى كل مَوْجُود مِنْهَا قسطه من الْوُجُود وَلم ٠ يجز فِي الْحِكْمَة أَن تكون كلهَا فِي مرتبَة وَاحِدَة صَار بَعْضهَا أرفع من بعض وَبَعضهَا أحط من بعض وَصَارَ وجود أقربها مرتبَة مِنْهُ وساطة لوُجُود أبعدها فَلَا يُوجد أبعدها مِنْهُ إِلَّا بِوُجُود أقربها مِنْهُ وتوسطه وَلست أُرِيد بِذكر الْقرب والبعد إِثْبَات مَكَان لِأَن البارئ

عز وَجل لَا يُوصف بِالْمَكَانِ وَلَا بِالزَّمَانِ وَكَذَلِكَ كل مَعْقُول لَا مَادَّة لَهُ وَإِنَّمَا أُرِيد بِذكر الْقرب والبعد مراتبها فِي الْوُجُود وَأقرب مَا يمثل بِهِ وجود الموجودات عَنهُ تَعَالَى وجود الْأَعْدَاد عَن الْوَاحِد وَإِن كَانَ البارئ تَعَالَى لَا يجوز أَن يشبه بِشَيْء وَكَذَلِكَ صِفَاته وأفعاله وَلكنه على جِهَة التَّقْرِيب فَكَمَا أَن الثَّلَاثَة لَا تُوجد عَن الْوَاحِد إِلَّا بتوسط وجود الِاثْنَيْنِ كَذَلِك الْأَرْبَعَة لَا تُوجد إِلَّا بتوسط وجود الثَّلَاثَة والاثنين وَلَا تُوجد الْخَمْسَة إِلَّا بتوسط وجود الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة والاثنين وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَعْدَاد وَلِهَذَا صَار وجود كل وَاحِد عِلّة لوُجُود مَا بعده مَعَ كَون الْوَاحِد عِلّة لوُجُود جَمِيعهَا إِذْ كَانَ لَا يَصح وجود الْأَبْعَد إِلَّا بوساطة وجود الْأَقْرَب فَكَذَلِك يمثل بالتقريب وجود الموجودات عَن البارئ تَعَالَى لَا على الْحَقِيقَة وَمَعْلُوم أَن الشَّيْء لَا يشبه بِغَيْرِهِ من جَمِيع جهاته إِنَّمَا يشبه بِهِ فِي بعض مَعَانِيه وَصِفَاته فَلَمَّا كَانَ وجود الموجودات عَنهُ تَعَالَى على هَذِه

ن الشَّيْء لَا يشبه بِغَيْرِهِ من جَمِيع جهاته إِنَّمَا يشبه بِهِ فِي بعض مَعَانِيه وَصِفَاته فَلَمَّا كَانَ وجود الموجودات عَنهُ تَعَالَى على هَذِه

الصّفة كَانَ كَمَال كل مَوْجُود على قدر مرتبته مِنْهُ فِي الْوُجُود فَكَانَ أكملها وجودا وأقلها نقصا الْمَوْجُود الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة الِاثْنَيْنِ تمثيلا وتقريبا لما قدمْنَاهُ من الْعدَد فِي ذَلِك ثمَّ الثَّالِث أنقص من الثَّانِي ثمَّ الرَّابِع أنقص من الثَّالِث وَهَكَذَا لم تزل الموجودات تنقص مرتبَة مرتبَة على قدر بعْدهَا من الْمرتبَة الأولى حَتَّى انْتَهَت إِلَى أنقصها مرتبَة الَّذِي لَا أنقص مِنْهُ إِذْ كَانَت مَرَاتِب الموجودات متناهية وَكَانَ إِثْبَات مَالا نِهَايَة لَهُ بِالْفِعْلِ من الْمحَال وَإِنَّمَا يَصح إثْبَاته بِالْقُوَّةِ والإمكان ثمَّ تنعكس الموجودات متصاعدة من أدناها مرتبَة إِلَى أَعْلَاهَا إِلَى أَن تَنْتَهِي إِلَى أكمل الْمَرَاتِب الَّتِي جعل لَهَا بالطبع أَن تبلغها وتسلك فِي تصاعدها المسلك الَّذِي سلكته فِي تسافلها أَعنِي أَنَّهَا لَا تصعد إِلَى الْمرتبَة الثَّانِيَة إِلَى بعد الأولى وَلَا الرَّابِعَة إِلَّا بعد الثَّالِثَة وَبَيَان ذَلِك أَن البارئ تَعَالَى لَهُ الْمرتبَة الأولى من الْوُجُود وَهُوَ متوحد بِوُجُودِهِ لَا يشركهُ فِي وجوده شَيْء كَمَا لَا يشركهُ فِي شَيْء من صِفَاته

وَأول مَوْجُود أوجده وأبدعه تَعَالَى الموجودات الَّتِي يسمونها الثواني ويسمونها الْعُقُول الْمُجَرَّدَة عَن الْمَادَّة وَهِي تِسْعَة على عدد الْآحَاد التِّسْعَة ترتبت فِي الْوُجُود عَنهُ كمراتب الْأَعْدَاد أول وثان وثالث إِلَى التَّاسِع الَّذِي هُوَ نهايتها كَمَا صَار التَّاسِع من الْعدَد نِهَايَة الْآحَاد وَأول هَذِه الثواني بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله تَعَالَى فِي مرتبَة الِاثْنَيْنِ على وَجه التَّقْرِيب وبالنسبة إِلَى الموجودات المبدعات فِي مرتبَة الْوَاحِد لِأَن البارئ تَعَالَى بَائِن عَن الموجودات غير مَوْصُوف بِشَيْء من صفاتها وكل وَاحِد من هَذِه التِّسْعَة مَوْجُود عَن البارئ تَعَالَى بتوسط وجود كل وَاحِد من هَذِه التِّسْعَة ثمَّ تلِي مرتبَة هَذِه الثواني التِّسْعَة فِي الْوُجُود مرتبَة الْعقل الْمُوكل بعالم العناصر وَهُوَ الَّذِي يسمونه الْعقل الفعال وَهُوَ يُوَافق الموجودات الثواني التِّسْعَة فِي أَنه عقل مُجَرّد من الْمَادَّة مثلهَا وَإِنَّمَا فصلوه مِنْهَا وجعلوه لَهَا مرتبَة عاشرة على حِدة لوَجْهَيْنِ

وَافق الموجودات الثواني التِّسْعَة فِي أَنه عقل مُجَرّد من الْمَادَّة مثلهَا وَإِنَّمَا فصلوه مِنْهَا وجعلوه لَهَا مرتبَة عاشرة على حِدة لوَجْهَيْنِ

أَحدهمَا أَن الثواني التِّسْعَة موكلة بالأفلاك التِّسْعَة وَالْعقل الفعال مُوكل بعالم العناصر وَالْوَجْه الثَّانِي أَن هَذَا الْعقل الفعال تسري قوته فِي الأجرام الناطقة الَّتِي دون فلك الْقَمَر كَمَا يسري نور الشَّمْس وَعنهُ يحصل النُّطْق فِي كل مكون مستعد لقبُول الْقُوَّة الناطقة وكل مَا تجوهر من الموجودات الطبيعية فَهُوَ بِهِ مُلْحق وَهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بموجود فِي الثواني وَذكروا أَن فيض الْعُقُول الْمُجَرَّدَة انْقَطع عِنْد الْعقل الفعال فَلَيْسَ بعد مرتبته إِلَّا مرتبَة النَّفس الناطقة وَإِنَّمَا وَجب أَن يَنْقَطِع فيض الْعُقُول الْمُجَرَّدَة عِنْده لِأَنَّهُ اجْتمعت فِيهِ قوى الْعُقُول التِّسْعَة كلهَا فَصَارَ مبدأ لما دونه من الموجودات كَمَا اجْتمعت قوى الْآحَاد التِّسْعَة من الْعدَد فِي الْعشْرَة فَصَارَت بذلك مبدأ لما عَداهَا من العشرات وَلذَلِك جعلُوا هَذَا الْعقل الْمُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي مرتبَة الْعشْرَة من الْعدَد أَلا ترى أَن الْعشْرَة فِي مرتبَة الْوَاحِد وَالْعِشْرين فِي مرتبَة الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِينَ فِي مرتبَة الثَّلَاثَة حَتَّى تصير التِّسْعُونَ فِي مرتبَة التِّسْعَة فينتهي وجود العشرات فِي التسعين وَتصير المئة فِي مرتبَة الْوَاحِد

لثَّلَاثِينَ فِي مرتبَة الثَّلَاثَة حَتَّى تصير التِّسْعُونَ فِي مرتبَة التِّسْعَة فينتهي وجود العشرات فِي التسعين وَتصير المئة فِي مرتبَة الْوَاحِد

وسنزيد هَذَا بَيَانا عِنْد ذكرنَا دوائر الْعدَد الوهمية إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ تلِي مرتبَة الْعقل الفعال فِي الْوُجُود مرتبَة النَّفس وَهِي مُوَافقَة للعقول الْمُجَرَّدَة من الْمَادَّة فِي أَنَّهَا لَيست بجسم كَمَا أَن تِلْكَ لَيست أجساما وَهِي مُخَالفَة لَهَا فِي أَنَّهَا تُوجد مَعَ الْجِسْم وتقترن بِهِ فأكسبها ذَلِك كدرا وظلمة وَلذَلِك صَارَت نفس الْإِنْسَان تجْهَل ذَاتهَا وَلَا ترَاهَا حَتَّى تستضئ بِنور الْعقل وَهِي فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة رجل حصل فِي ظلمَة فَهُوَ لَا يرى جِسْمه وَلَا غَيره فَإِذا أَضَاء لَهُ الجو وسرى فِي عَيْنَيْهِ نور الشَّمْس رأى حِينَئِذٍ جسده وَمَا حوله من الجسمان كَذَلِك النَّفس تمنعها ظلمَة الْجَهْل من رُؤْيَة ذَاتهَا ورؤية الصُّور الْعَقْلِيَّة الْمُجَرَّدَة فَإِذا أَفَاضَ الْعقل نوره رَأَتْ ذَاتهَا وَغَيرهَا من المعقولات وَلها مَرَاتِب كَثِيرَة كَمَا كَانَ للعقول الْمُجَرَّدَة الْمَذْكُورَة مَرَاتِب فَمن الْحُكَمَاء من رأى أَن مراتبها اثْنَتَا عشرَة تسع للأفلاك وَثَلَاث لما تَحت فلك الْقَمَر وَهِي

النَّفس النباتية وَالنَّفس الحيوانية وَالنَّفس الناطقة وَمِنْهُم من جعلهَا خمس عشرَة مرتبَة تسع للأفلاك وَخمْس لما تَحت فلك الْقَمَر وَهِي النَّفس النباتية وَهِي أدناها مرتبَة وفوقها النَّفس الحيوانية وفوقها النَّفس الناطقة وفوقها النَّفس الفلسفية وفوقها النَّفس النَّبَوِيَّة فَهَذِهِ أَربع عشرَة مرتبَة وَالْخَامِسَة عشرَة مرتبَة النَّفس الْكُلية وَنحن نذْكر خَواص كل وَاحِدَة من هَذِه النُّفُوس وفصولها ليتبين صِحَة هَذَا التَّقْسِيم إِذا فَرغْنَا من هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَرْجِع إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ من مَرَاتِب الموجودات فَنَقُول إِن الَّذِي يَلِي مرتبَة النَّفس فِي الْوُجُود مرتبَة الصُّورَة ثمَّ يَلِي مرتبَة الصُّورَة مرتبَة

الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة وَإِنَّمَا جعلت مرتبَة الصُّورَة قبل مرتبَة الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنا بدأنا من أَعلَى مَرَاتِب الموجودات منحدرين إِلَى أدناها فَكَانَت الصُّورَة على هَذَا التَّرْتِيب قبل الْجَوْهَر الْحَامِل لَهَا وَلَو بدأنا من أدنى مَرَاتِب الموجودات متصاعدين إِلَى أَعْلَاهَا لَكَانَ الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة قبل الصُّورَة فِي الرُّتْبَة وَهَذَا الْجَوْهَر الْحَامِل للصورة صنفان أرفعهما الْجَوْهَر الَّذِي يحمل صُورَة الأفلاك وَمَا فِيهَا وَأَدْنَاهَا الْجَوْهَر الَّذِي يحمل الصُّورَة الَّتِي تَحت فلك الْقَمَر وَهَذَا الْجَوْهَر الْحَامِل لصورة الموجودات الَّتِي دون فلك الْقَمَر يسمونه الهيولى وَإِنَّمَا فصل هَذَا الْجَوْهَر من الْجَوْهَر الْحَامِل لصورة الأفلاك وَمَا فِيهَا من

الْكَوَاكِب وَإِن كَانَا قد اتفقَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا جَوْهَر حَامِل للصور لِأَن صور الأفلاك وَالْكَوَاكِب ثَابِتَة فِي موضوعاتها وَهَذَا الْجَوْهَر الآخر صُورَة غير ثَابِتَة لِأَنَّهُ يلبس الصُّورَة تَارَة ويخلعها تَارَة فَهُوَ مُسْتَحِيل متغير بجملته وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَغَيَّر ويستحيل بِالْمَكَانِ وَمَا فِيهِ من اخْتِلَاف النّسَب وَهَذِه الهيولى عِنْدهم أحط الموجودات وأنقصها مرتبَة وَمِنْهَا تبدأ الموجودات الطبيعية بالترقي صاعدة نَحْو أَعلَى مراتبها بعكس حَالهَا حِين انحدرت إِلَى أدنى مراتبها وَإِنَّمَا يكون ذَلِك لدوران الأفلاك حولهَا ولباسها للصور الَّتِي كَانَت فِيهَا بِالْقُوَّةِ ثمَّ تخرج بدوران الأفلاك إِلَى الْفِعْل كَمَا شَاءَ بارئها لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأول صُورَة لبستها الهيولى صور الْأَركان الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ

ثمَّ تخرج بدوران الأفلاك إِلَى الْفِعْل كَمَا شَاءَ بارئها لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأول صُورَة لبستها الهيولى صور الْأَركان الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ

الأَرْض وَالْمَاء والهواء وَالنَّار فَكَانَ ذَلِك أول كَمَال لحقها ثمَّ لبست صور الْمَعَادِن بوساطة صور الْأَركان ثمَّ صور النَّبَات بوساطة صور الْمَعَادِن وصور الْأَركان ثمَّ صُورَة الْحَيَوَان غير النَّاطِق بوساطة صور النَّبَات وصور الْمَعَادِن وصور الْأَركان ثمَّ صُورَة الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ حَيَوَان نَاطِق بتوسط صور الْحَيَوَان غير النَّاطِق وصور النَّبَات وصور الْمَعَادِن وصور الْأَركان فَكَانَت صُورَة الْإِنْسَان أكمل الصُّور الطبيعية وَلَا مرتبَة بعْدهَا إِلَّا أَن يتجوهر الْإِنْسَان بالمعارف فَيلْحق بمرتبة المعقولات الْمُجَرَّدَة من الهيولى والمادة الشبيهة بالهيولى أَعنِي مَوْضُوع صور الأفلاك وَمَا فِيهَا فَإِذا حصل بالتجوهر فِي مرتبَة المعقولات حصل فِي الْمرتبَة الَّتِي مِنْهَا انحطت النَّفس الناطقة إِلَى الأجرام وَهِي مرتبَة الْعقل الفعال فَصَارَت الموجودات بِهَذَا الِاعْتِبَار كدائرة استدارت حَتَّى التقى طرفاها وَصَارَ الْإِنْسَان آخر الدائرة الَّذِي يرجع على أَولهَا إِلَّا أَن الْإِنْسَان عِنْدهم لَا يلْحق عِنْد تجوهره بِأول الثواني الَّذِي هُوَ أَعْلَاهَا مرتبَة وَإِنَّمَا أقْصَى كَمَاله أَن يلْحق بالمرتبة الْعَاشِرَة وَهِي مرتبَة الْعقل الفعال

فَهَذَا مَذْهَب أرسطا طاليس وأفلاطون وسقراط وَغَيرهم من

مرتبَة وَإِنَّمَا أقْصَى كَمَاله أَن يلْحق بالمرتبة الْعَاشِرَة وَهِي مرتبَة الْعقل الفعال

فَهَذَا مَذْهَب أرسطا طاليس وأفلاطون وسقراط وَغَيرهم من

مشاهير الفلاسفة وزعمائهم الْقَائِلين بِالتَّوْحِيدِ وَأما فلاسفة الْمَجُوس فزعموا أَن الْعُقُول الْمُفَارقَة للمادة يترقى بَعْضهَا إِلَى مرتبَة بعض حَتَّى يصير أَعْلَاهَا فِي مرتبَة البارئ ﷿ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الجاهلون علوا كَبِيرا وَهَذَا القَوْل كفر مَحْض عِنْد أرسطاطاليس وَجَمِيع من ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ يُوجب اسْتِحَالَة البارئ تَعَالَى عَن قَوْلهم فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف صَار كالدائرة وَإِنَّمَا لحق بمرتبة الْعقل الفعال على رَأْي أرسطو وَهِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة وَإِنَّمَا كَانَ حكمه إِذا كَانَ كالدائرة أَن يرجع إِلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ أول مَوْجُود بَدَأَ مِنْهُ الْفَيْض فَالْجَوَاب عَن هَذَا من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْعقل الفعال هُوَ فِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة عِنْدهم وَهُوَ

آخر المعقولات الْمُفَارقَة عِنْد انحدار الْوُجُود وَهُوَ أَولهَا عِنْد تصاعد الْأَشْيَاء فَإِذا بلغ الْعقل الإنساني تِلْكَ الْمرتبَة كَانَ بِمَنْزِلَة رُجُوع أحد طرفِي الدائرة على الآخر وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْعقل الإنساني لَيْسَ مبدؤه من الثواني عِنْدهم إِنَّمَا مبدؤه من الْعقل الفعال فَإِذا عَاد إِلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَة الدائرة وَقد وَجب علينا أَن نصل بِهَذَا الْبَاب ذكر خَواص النُّفُوس الْخمس الَّتِي قدمنَا ذكرهَا ليتبين الْفرق بَينهَا إِذْ كَانَت الخاصية قد تقوم مقَام الْفَصْل الْجَوْهَرِي فِيمَا يتَعَذَّر تحديده خَواص النَّفس النباتية وَتسَمى الشهوانية

خَواص هَذِه النَّفس النزاع إِلَى الْغذَاء وَطَلَبه والالتذاذ بِوُجُودِهِ إِذا وجدته والاستضرار بفقده إِذا فقدته واستدعاء الْمُوَافق من الأغذية وَدفع الْمُخَالف وَحفظ الشَّيْء بشخصه ونوعه

أما حفظ شخصه فَإِنَّهُ يكون بالغذاء وَأما حفظ نَوعه فبالتوليد وَيُسمى هَذَا الْحِفْظ التَّقْوِيم الطبيعي وَلها الهياكل غير اللحمية والأعضاء المتشابهة الْأَجْزَاء وَلها سبع قوى جاذبة وممسكة وهاضمة ومغذية ودافعة ومنمية ومصورة وَلها، من الشُّعُور والإحساس تَمْيِيز الْجِهَات السِّت وإرسال الْعُرُوق نَحْو الْمَوَاضِع الندية وتوجيه الْفُرُوع والأغصان نَحْو الْمَوَاضِع المتسعة والانحراف عَن الْمَوَاضِع الضيقة

خَواص النَّفس الحيوانية وَتسَمى الغضبية

خَواص هَذِه النَّفس شَهْوَة النِّكَاح وشهوة الانتقام وشهوة الرياسة وَالْغَلَبَة وَلها الهياكل اللحمية والدموية وَقد يُوجد من هياكلها مَا لَا دم لَهُ وَلها الْأَعْضَاء الآلية وَالْحَرَكَة الإرادية الاختيارية وَلها الْحَواس الْخمس وَمِنْهَا مَا ينقصهُ بعض الْحَواس وَلها اللَّذَّة والألم وَيُوجد لبعضها التخيل وَالوهم خَواص النَّفس الإنسانية وَهِي الناطقة

خَواص هَذِه النَّفس الروية والفكر ومحبة الْعلم والمعرفة وَلها الهياكل المنتصبة وَالْعَمَل باليدين

خَواص النَّفس الْحكمِيَّة الفلسفية

خَواص هَذِه النَّفس محبَّة الْعُلُوم النظرية الَّتِي لَا يُرَاد مِنْهَا أَكثر من الْوُقُوف على حقائقها فَقَط والحرص على معرفَة أَسبَاب الْأَشْيَاء وعللها وَالِاسْتِدْلَال بظواهر الْأُمُور على بواطنها وَمَعْرِفَة مَرَاتِب الموجودات فِي الْوُجُود وَكَيف انبعثت عَن البارئ ﷿ وَكَيف انْبَعَثَ بَعْضهَا من بعض بِمَا سرى فِيهَا من وحدانية الله تَعَالَى الَّتِي حصلت لكل مَوْجُود ذَات ينْفَصل بهَا من ذَات مَوْجُود آخر وَبهَا يكون وجود الصُّور فِي الهيولى وَفِي الْمَوْضُوع الشبيه بالهيولى وَهُوَ الْجَوْهَر الْحَامِل لصور الأفلاك وَالْكَوَاكِب وَهل الْعَالم قديم أَو مُحدث وَمَا الْفرق بَين الأزلي والمحدث وَمَا الْفرق بَين الأزلي الْمُطلق والأزلي الْمُضَاف وَمَا الْفرق بَين الْمُبْدع والمكون وَكَيف صَار الْمُبْدع وَاسِطَة بَين الأزلي والمكون

ي والمحدث وَمَا الْفرق بَين الأزلي الْمُطلق والأزلي الْمُضَاف وَمَا الْفرق بَين الْمُبْدع والمكون وَكَيف صَار الْمُبْدع وَاسِطَة بَين الأزلي والمكون

وَهل خَالق الْعَالم وَاحِد أَو أَكثر من وَاحِد وَإِقَامَة الْبَرَاهِين على أَنه لَا يَصح أَن يكون إِلَّا وَاحِدًا لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء وَمَا الْحِكْمَة فِي وجود الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَمَا المكون مِنْهَا وَمَا الْمُبْدع وَمَا الْفرق بَين الْفَاعِل على الْحَقِيقَة وَالْفَاعِل على الْمجَاز وَالْفَاعِل الْمُطلق وَمَا الْحِكْمَة فِي دوران الأفلاك حَرَكَة مستديرة غير مُسْتَقِيمَة وَمَا الْوَاجِب وَمَا الْمُمكن وَمَا الْمُمْتَنع وَكَيف صَار مَا فَوق الْأَرْبَعَة الْأَركان من حيّز الْوَاجِب وَمَا تَحت الْأَركان من حيّز الْمُمكن وَمَا الموجودات الَّتِي أُوتيت كمالها فِي جواهرها وأفعالها وَمَا الموجودات الَّتِي لم تؤت كمالها لَا فِي جواهرها وَلَا فِي أفعالها فهما طرفان

وَمَا الموجودات الَّتِي أُوتيت كمالها فِي جواهرها وَلم تؤت كمالها فِي أفعالها فَصَارَت متوسطة بَين الطَّرفَيْنِ وَلم سكن الصِّنْف الأول فَلم تكن لَهُ حَرَكَة وتحرك الصنفان الْآخرَانِ وَمَا الْحِكْمَة فِي وجود النواميس والنبوات فِي عَالم الْكَوْن وَالْفساد وَمَا الْفرق بَين النُّبُوَّة وَالسحر وَالْكهَانَة والفلسفة وَكَيف تفيض قُوَّة الْوَحْي على الْأَنْبِيَاء وَمَا الْفرق بَين الْإِنْسَان الَّذِي يُوحى إِلَيْهِ وَالَّذِي لَا يُوحى إِلَيْهِ وَلم صَار الْإِنْسَان مَأْمُورا مَنْهِيّا دون غَيره ومل سمي عَالما صَغِيرا وَسمي الْعَالم إنْسَانا كَبِيرا وَمَا السياسة وَكم أَنْوَاعهَا فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا من خَاصَّة النَّفس الفلسفية أَن تعرفها

مل سمي عَالما صَغِيرا وَسمي الْعَالم إنْسَانا كَبِيرا وَمَا السياسة وَكم أَنْوَاعهَا فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا من خَاصَّة النَّفس الفلسفية أَن تعرفها

بَعْضهَا على جِهَة التَّصَوُّر وَبَعضهَا على جِهَة التَّصْدِيق من غير تصور وَلَكِن لَيست كل نفس تتعاطى الفلسفة يتهيأ لَهَا أَن تعرف ذَلِك كُله وَلَكِن تعرف بعضه وَإِنَّمَا تتهيأ معرفَة هَذِه الْأُمُور على كمالها للنَّفس الَّتِي اتّفق لَهَا فِي فطرتها وَكَونهَا أَن فطرت وفيهَا استعداد لقبُول ذَلِك وَكَانَت هاجرة للذات مميتة للشهوات زاهدة فِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم محبَّة للخير وَأَهله مبغضة للشر وَأَهله مرتبطة بالنواميس مكتسبة للفضائل مطرحة للرذائل قد اجْتمع لَهَا الْعلم وَالْعَمَل فَهَذَا هُوَ الفيلسوف الْحق عِنْد ارسطو وأفلاطون وزعماء الفلاسفة وَمن لم يكن عِنْدهم بِهَذِهِ الصّفة فَلَيْسَ بفيلسوف وَلذَلِك قَالَ أرسطو لَيْسَ الْغَرَض أَن تعلم فَقَط وَإِنَّمَا الْغَرَض أَن تعلم وتعمل وتكونوا أخيارا فضلاء مرتبطين بالنواميس

وَقَالَ اقْتُلُوا من لَا دين لَهُ وَقَالَ أفلاطون من أَرَادَ قِرَاءَة الفلسفة فليطهر أخلاقه من الرذائل فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّم الفلسفة الطاهرة من كَانَ نجسا كَمَا لَا يُمكن أحد أَن يرى وَجهه فِي مَاء كدر ومرآة صدئة خَواص النَّفس النَّبَوِيَّة

خَواص هَذِه النَّفس الشَّرِيفَة تلقي الْوَحْي والإلهام والاتصال بِالْعقلِ الفعال وتقويم سَائِر النُّفُوس المنحرفة عَن الْحق وتسديد الْإِنْسَان حَتَّى يفعل مَا يَنْبَغِي على الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي من الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي من أجل مَا يَنْبَغِي فِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي وإكمال الْفطر النَّاقِصَة بِوَضْع السّنَن والوعظ والتذكير وَالتَّرْغِيب والترهيب والإخبار بالأشياء الَّتِي لَيست فِي قُوَّة النَّفس الفلسفية أَن تعلمهَا لِأَن النَّفس الفلسفية إِنَّمَا تتعاطى النّظر فِي الكليات خَاصَّة وَلذَلِك قَالَ أفلاطون نَحن عاجزون عَن فهم مَا جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع وَإِنَّمَا نعلم من ذَلِك يَسِيرا ونجهل كثيرا وَلذَلِك كَانَ أرسطو يَأْمُرنَا بِالتَّسْلِيمِ لما جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع ويأمرنا بتأديب من تعرض لتعليل أوامرها ونواهيها وتعاطي الْخَوْض فِيهَا

يرا وَلذَلِك كَانَ أرسطو يَأْمُرنَا بِالتَّسْلِيمِ لما جَاءَت بِهِ الشَّرَائِع ويأمرنا بتأديب من تعرض لتعليل أوامرها ونواهيها وتعاطي الْخَوْض فِيهَا

وَهَذِه النَّفس أشرف النُّفُوس الَّتِي فِي عَالم الْأَركان وأعلاها وَهِي السائسة الْمُدبرَة لسياسة النُّفُوس وَلَا يتَّفق أَن تُوجد هَذِه النَّفس الشَّرِيفَة إِلَّا فِي ذَوي الْفطر الْكَامِلَة وَهَذِه النَّفس لَا تحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب المعارف والعلوم بالمقاييس والمقدمات كَمَا تحْتَاج النَّفس الفلسفية لِأَن المقاييس العلمية إِنَّمَا هِيَ قوانين وَضعهَا ذَوُو الْفطر الْكَامِلَة تسديدا وتقويما لِذَوي الْفطر النَّاقِصَة فَإِذا اتّفق للْإنْسَان فِي أصل مولده أَن يعْطى فطْرَة كَامِلَة اسْتغنى عَن تِلْكَ المقاييس وَوجد الْأُمُور الْعَقْلِيَّة كَأَنَّهَا مصورة فِي نَفسه وكما أَنا نجد فِي الْفطر الإنسانية فطرا فِي نِهَايَة النَّقْص قريبَة من فطر الْبَهَائِم كَذَلِك لَا محَالة أَن نجد فِيهَا فطرا فِي نِهَايَة الْكَمَال قريبَة من فطر الْمَلَائِكَة فَتكون هَذِه الْفِكر لَا تحْتَاج إِلَى تَقْوِيم بالمقاييس العلمية كَمَا لَا تحْتَاج الْمَلَائِكَة بل يكفيها أقل إِشَارَة وأيسر عبارَة وَيكون الله ﵎ قد أكمل هَذِه الْفطر فِي أصل خلقتها لتسوس الْعَالم بوساطتها

وَهَذَا يُوجب أَن تكون النُّبُوَّة إلهاما لَا اكتسابا خَواص النَّفس الْكُلية

مرتبَة هَذِه النَّفس الْكُلية عِنْد من أثبتها من الفلاسفة تَحت أفق الْعقل الفعال وَالْعقل مُحِيط بهَا من جَمِيع جهاتها وَهِي مُحِيطَة بكرَة الأفلاك وَلها فِيمَا زَعَمُوا دائرتان وَخط مُسْتَقِيم فالدائرة الأولى مُتَّصِلَة بالفلك الْمُحِيط وَهُوَ طرفها الْأَعْلَى والدائرة الثَّانِيَة هِيَ الطّرف الْأَدْنَى ومكانها مَرْكَز الأَرْض وَهَذَا تقريب لِأَن الْجَوَاهِر المعقولة لَا تُوصَف بالأمكنة وَلَا بالجهات السِّت وَزَعَمُوا أَن بَين طرفها الْأَعْلَى وطرفها الْأَدْنَى خطا يصل بَين الدائرتين يسمونه سلم الْمِعْرَاج وَبِه يتَّصل الْوَحْي بالأنفس

َا بالجهات السِّت وَزَعَمُوا أَن بَين طرفها الْأَعْلَى وطرفها الْأَدْنَى خطا يصل بَين الدائرتين يسمونه سلم الْمِعْرَاج وَبِه يتَّصل الْوَحْي بالأنفس

الْجُزْئِيَّة الطاهرة وَبِه تنزل الْمَلَائِكَة وتصعد الْأَرْوَاح الزكية إِلَى الْعَالم الْأَعْلَى وَلَهُم فِيهَا كَلَام طَوِيل اقتصرنا مِنْهُ على هَذِه الْجُمْلَة لِأَن غرضنا فِي هَذَا الْكتاب غير ذَلِك

الْبَاب الثَّانِي فِي شرح قَوْلهم إِن الْإِنْسَان يَحْكِي دَائِرَة وهمية وَإِن ذَاته تبلغ بعد مماته إِلَى حَيْثُ يبلغ علمه فِي حَيَاته

قد تَأَمَّلت أرشدنا الله وَإِيَّاك إِلَى صَوَاب القَوْل وَالْعَمَل وعصمنا من الْخَطَأ والزلل هَذَا الَّذِي قَالُوهُ واعتبرت مَا ذَكرُوهُ فَوَجَدته يحْتَمل تأويلين أَحدهمَا أَن الْإِنْسَان يفتح نظره بِشَيْء لَا مَادَّة لَهُ وَيَنْتَهِي نظره إِلَى شَيْء لَا مَادَّة لَهُ فَيكون مرجع علمه وَنَظره إِلَى مثل مبدئه كَمَا أَن مبدأ صُورَة الْإِنْسَان من شَيْء لَا مَادَّة لَهُ وغايته أَن يعود شَيْئا لَا مَادَّة لَهُ وَلست أَعنِي مبدأ صُورَة جِسْمه الَّتِي هِيَ شكل هيولاه لِأَن هَذِه مبدؤها الْمَادَّة وَإِنَّمَا الْمَادَّة وَإِنَّمَا أَعنِي مبدأ صورته الناطقة الَّتِي بهَا

نِي مبدأ صُورَة جِسْمه الَّتِي هِيَ شكل هيولاه لِأَن هَذِه مبدؤها الْمَادَّة وَإِنَّمَا الْمَادَّة وَإِنَّمَا أَعنِي مبدأ صورته الناطقة الَّتِي بهَا

صَار الْإِنْسَان إنْسَانا وانفصل عَن الْحَيَوَان الَّذِي لَا نطق لَهُ لِأَن هَذِه الصُّورَة مبدؤها من الْعقل الفعال ومرجعها إِلَيْهِ وَشرح هَذِه الْجُمْلَة أَن مبدأ علم الْإِنْسَان الْأَعْدَاد الَّتِي لَا تحْتَاج فِي تفهمها إِلَى مَادَّة ثمَّ يترقى مِنْهَا إِلَى النّظر فِي الأعظام الَّتِي تحْتَاج فِي تفهمها إِلَى الْمَادَّة غير أَن مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بَعْضهَا من الْمَادَّة أقل مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي بعض لِأَن مبدأ الأعظام النقطة الَّتِي هِيَ مبدأ الْخط وَلَا بعد لَهَا ثمَّ الْخط الَّذِي هُوَ مبدأ السَّطْح ثمَّ السَّطْح الَّذِي هُوَ مبدأ الْجِسْم وَهَذِه يحْتَاج فِي تفهمها إِلَى مَادَّة يسيرَة فَإِذا انْتهى إِلَى النّظر فِي الْجِسْم استغرق فِي الْمَادَّة وَحصل بنظره فِي الْعلم الطبيعي ثمَّ يبْدَأ يَنْسَلِخ من الْمَادَّة قَلِيلا قَلِيلا على تدرج كَمَا ترقى إِلَيْهَا قَلِيلا قَلِيلا عِنْد نظره فِي النقطة والخط والسطح فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يُفَارق الْمَادَّة قَلِيلا وَذَلِكَ أَنه إِذا نظر فِي العناصر والمعادن فَإِنَّمَا ينظر فِي أجسام غضة لَيْسَ فِيهَا مبدأ غير الطبيعة فَإِذا صَار إِلَى

النّظر فِي النَّبَات وجد فِيهِ مبدأ من مبادئ النَّفس وَتسَمى هَذِه النَّفس النباتية فَيكون قد ابْتَدَأَ بالانسلاخ من الْمَادَّة قَلِيلا قَلِيلا فَإِذا صَار إِلَى النّظر فِي الْحَيَوَان غير النَّاطِق وجد أَمر النَّفس فِيهِ أقوى وَتسَمى هَذِه النَّفس الحيوانية فَيكون قد انْسَلَخَ من الْمَادَّة أَكثر فَإِذا صَار إِلَى النّظر فِي الْحَيَوَان النَّاطِق وجد فِيهِ أَمر النَّفس أقوى وَوجد فِيهِ مبدأ آخر غير النَّفس الحيوانية وَهُوَ الاستعداد لقبُول الْأُمُور المعقولات ثمَّ يشرع بِالنّظرِ فِي أُمُور النَّفس فَيصير متوسطا بَين الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمُجَرَّدَة من الْمَادَّة وَبَين الْأُمُور الجسمانية ذَوَات الْموَاد فَإِذا أمعن فِي النّظر فِي أَمر النَّفس الناطقة لاحت إِلَيْهِ المبادئ الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَيست بمادة فَيكون قد انْسَلَخَ من الْمَادَّة كلهَا وَحصل فِي أول مَرَاتِب الْعلم الإلهي

ثمَّ يشرع بِالنّظرِ فِي الْأُمُور الْعَقْلِيَّة الْمُفَارقَة للمادة فَأول مَعْقُول يصادفه بِاعْتِبَارِهِ عِنْد صُعُوده الْعقل الفعال فَإِذا أكمل النّظر فِيهِ وَعلم مرتبته من المعقولات الْمُفَارقَة وَأَنه فِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة صعد بِالِاعْتِبَارِ إِلَى النّظر فِي التَّاسِع ثمَّ إِلَى الثَّامِن ثمَّ إِلَى السَّابِع ثمَّ إِلَى السَّادِس حَتَّى يصير بفكره إِلَى الْمَعْقُول الأول الَّذِي هُوَ فِي مرتبَة الْوَاحِد فيجده نِهَايَة الموجودات الَّذِي أَفَادَ كل شَيْء الْوُجُود وكل مَوْجُود مفتقر إِلَيْهِ مقتبس الْوُجُود مِنْهُ فَيكون قد انْسَلَخَ من النّظر فِي الثواني التِّسْعَة وَالْعقل الفعال وَهَذِه هِيَ الَّتِي تسمى بِالْمَلَائِكَةِ المقربين والكروبيين وَيكون قد انْتهى بِاعْتِبَارِهِ وفكره إِلَى البارئ تَعَالَى فيشرع حِينَئِذٍ بِالنّظرِ فِي صِفَاته وَمَا يجوز أَن يُوصف بِهِ وَمَا لَا يجوز وَكَيف انبعثت الموجودات عَنهُ وعَلى أَي جِهَة يَصح أَن يُقَال إِنَّه فاعلها وعلتها حَتَّى لَا يلْحقهُ نقص وَكَيف دبر عَالم الأفلاك بتوسط الثواني وَالْعقل الفعال ودوران الأفلاك حول

عَلى أَي جِهَة يَصح أَن يُقَال إِنَّه فاعلها وعلتها حَتَّى لَا يلْحقهُ نقص وَكَيف دبر عَالم الأفلاك بتوسط الثواني وَالْعقل الفعال ودوران الأفلاك حول

الْأَركان الْأَرْبَعَة فَيَقَع فِي الْعلم السياسي والنواميس وَلَا يزَال ينحدر حَتَّى يرجع إِلَى الْأَشْخَاص المحسوسة الَّتِي مِنْهَا بَدَأَ بِالنّظرِ عِنْد صُعُوده بِالِاعْتِبَارِ فشبهت الْحُكَمَاء رُتْبَة هَذَا النّظر وَالِاعْتِبَار بالدائرة لِأَنَّهُ ينظر فِي الموجودات عِنْد انحداره غير النّظر الَّذِي ينظر فِيهَا فِي حِين صُعُوده كَمَا يبْدَأ خطّ الدائرة من نقطة ثمَّ يعود إِلَيْهَا على غير الْجِهَة الَّتِي ذهب مِنْهَا وَيُسمى النّظر الأول الإنساني وَالنَّظَر الثَّانِي الإلهي ويسمون النّظر الأول الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَكَمَا أَن مبدأ الْإِنْسَان من مَعْقُول ومنتهاه إِلَى مَعْقُول وَهُوَ مَا بَين الطَّرفَيْنِ محسوس فَكَذَلِك علمه يبدا من مَعْقُول وَيَنْتَهِي إِلَى مَعْقُول بَينهمَا الْعلم المحسوس فَيكون مُنْتَهى علم الْإِنْسَان هُوَ مُنْتَهى

ذَاته فيصل إِلَى عَالم الْعقل فِي حَيَاته الأولى بِعِلْمِهِ وَنَظره وَفِي حَيَاته الثَّانِيَة بِذَاتِهِ وجوهره فَهَذَا هُوَ المُرَاد بقول من قَالَ إِن ذَات الْإِنْسَان تصل بعد مماته إِلَى حَيْثُ وصل علمه فِي حَيَاته إِلَّا أَنه لَا يتَجَاوَز مرتبَة الْعقل الفعال وَهِي الْمرتبَة الْعَاشِرَة من مرتبَة السَّبَب الأول وَقَالَ بَعضهم إِن غَايَته أَن يلْحق بمرتبة النَّفس الْكُلية ومرتبتها دون مرتبَة الْعقل الفعال كَمَا ذكرنَا فِيمَا تقدم فَهَذَا مَا ظهر إِلَيّ فِي شرح كَلَامهم الَّذِي سَأَلت عَنهُ وَهَاهُنَا وَجه آخر وَهُوَ أَن كل مَوْجُود يُوصف بالنطق فَإِن تجوهره لَا يكمل إِلَّا بِأَن يعقل السَّبَب الأول الَّذِي مِنْهُ انبعثت الموجودات إِلَّا أَن كل مَوْجُود تبعد مرتبته من مرتبته لَا يُمكن أَن يعقله حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات السَّابِقَة لَهُ بالمرتبة فالموجود الثَّانِي الَّذِي هُوَ أقرب الموجودات إِلَيْهِ بالمرتبة

ُمكن أَن يعقله حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات السَّابِقَة لَهُ بالمرتبة فالموجود الثَّانِي الَّذِي هُوَ أقرب الموجودات إِلَيْهِ بالمرتبة

لَا يحْتَاج فِي تَكْمِيل تجوهره إِلَى وَاسِطَة وَأما الْمَوْجُود الثَّالِث فَإِنَّهُ لَا يعقل الأول إِلَّا بتوسط الثَّانِي فَكَذَلِك الْمَوْجُود الرَّابِع لَا يُمكن أَن يعقله إِلَّا بتوسط الثَّالِث وَالثَّانِي وَكَذَلِكَ مَا بعد ذَلِك وَلَا يحْتَاج مَوْجُود من هَذِه الموجودات غير الناطقة فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل مَا دونه فِي مرتبته إِلَّا الْإِنْسَان وَحده فَإِنَّهُ يحْتَاج فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل مَا فَوْقه وَمَا دونه وَلذَلِك احْتَاجَ فِي كَمَال تجوهره إِلَى أَن يعقل جَمِيع الموجودات وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَن مرتبته من الْوُجُود الفائض من السَّبَب الأول تَعَالَى آخر الْمَرَاتِب لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بعد تقدم الْحَيَوَان غير النَّاطِق والنبات والمعادن والأركان والهيولى فَصَارَت هَذِه الْأَشْيَاء أسبق مِنْهُ بمرتبة

الْوُجُود وَإِن كَانَ هُوَ أفضل مِنْهَا لِأَن النَّفس الناطقة صُورَة فِي النَّفس الحيوانية وَالنَّفس الحيوانية صُورَة فِي النَّفس النباتية وَالنَّفس النباتية صُورَة فِي الْمَعَادِن والمعادن صُورَة فِي الْأَركان الْأَرْبَعَة والأركان الْأَرْبَعَة صُورَة فِي الهيولى فَلَمَّا كَانَت هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا قبله فِي رُتْبَة الْوُجُود وَكَانَ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى أَن يعقل السَّبَب الأول حَتَّى يعقل مَا بَينه وَبَينه من الموجودات احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل مَا دونه كَمَا احْتَاجَ إِلَى أَن يعقل مَا فَوْقه وَلما كَانَت الموجودات الفائضة من السَّبَب الأول شكلها شكل دَائِرَة آخرهَا الْإِنْسَان كَمَا ذكرنَا فِي الْبَاب الأول احْتَاجَ الْإِنْسَان إِذا سلك على رُتْبَة وجوده أَن يعكس الدائرة عِنْد الِاعْتِبَار فينحط من مرتبته فِي الْوُجُود إِلَى مرتبَة الْحَيَوَان غير النَّاطِق الَّتِي هِيَ أدنى الْمَرَاتِب إِلَيْهِ ثمَّ إِلَى النَّبَات ثمَّ إِلَى الْمَعَادِن ثمَّ إِلَى الْأَركان ثمَّ إِلَى الهيولى فَإِذا بلغ إِلَى الهيولى كَانَ قد وصل إِلَى أحط الموجودات مرتبَة فِي

الْوُجُود فَيبْدَأ بالصعود مِنْهَا نَحْو المبدأ الْأَعْلَى فَيكون إِلَى الصُّورَة أول صُعُوده ثمَّ إِلَى النَّفس ثمَّ إِلَى الْعقل الفعال ثمَّ إِلَى الثواني التِّسْعَة ثمَّ إِلَى البارئ تَعَالَى غير أَنه اذا وصل إِلَى مرتبَة الْعقل الفعال وقف لِأَن قوته الناطقة مِنْهُ بدأت وَإِلَيْهِ تعود وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى معرفَة مَا فَوق الْعقل لتكمل ذَاته وجوهره لَا لتكمل دَائِرَة علمه وَنَظره وَنحن نكمل هَذَا الْبَاب بِأَن ندير دَائِرَة نمثل بهَا مَا ذَكرْنَاهُ ونقسمها تِسْعَة أَقسَام على مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة ونجعل مبدأها الْعقل الفعال ونتلوه بِمَا يتَّصل بمرتبته فِي الْوُجُود ثمَّ مَا يَلِي منحدرا أَو صاعدا حَتَّى يَنْعَطِف آخر الموجودات عَلَيْهِ وَلَا نذْكر فِي هَذِه الدائرة أَشْيَاء مِمَّا فَوق الْعقل الفعال لنبين لمن رَآهَا أَن الْإِنْسَان مرجعه إِلَى الْعقل الفعال

وَهَذِه صُورَة الدائرة

وَلَا نذْكر فِي هَذِه الدائرة أَشْيَاء مِمَّا فَوق الْعقل الفعال لنبين لمن رَآهَا أَن الْإِنْسَان مرجعه إِلَى الْعقل الفعال

وَهَذِه صُورَة الدائرة

الْبَاب الثَّالِث فِي شرح قَوْلهم إِن فِي قدرَة الْعقل الجزئي أَن يتَصَوَّر بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي

هَذَا أوضح الله لَك الخفيات وأعانك على فهم أسرار الموجودات فرع لطيف تَحْتَهُ معنى شرِيف ومرادهم بِهَذَا أَن الْإِنْسَان مُهَيَّأ بفطرته إِذا فاض عَلَيْهِ نور الْعقل فَخرجت قوته الناطقة إِلَى الْفِعْل لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع الموجودات فيتحصل فِي عقله الجزئي الصُّور الَّتِي فِي الْعقل الْكُلِّي وَذَلِكَ أَن البارئ تَعَالَى لما أبدع الْعقل الْكُلِّي أَفَاضَ عَلَيْهِ صُورَة الْأَشْيَاء الَّتِي شَاءَ إيجادها دفْعَة بِلَا زمَان وَلَا حَرَكَة وأفاضها الْعقل الْكُلِّي على النَّفس الْكُلية على دَفعه أَيْضا بِلَا زمَان وإفاضتها النَّفس

الْكُلية على الهيولى بِالزَّمَانِ ووساطته حَرَكَة الْفلك إِذْ لم تكن فِي قُوَّة الهيولى أَن تقبلهَا كلهَا دفْعَة وَإِنَّمَا تقبلهَا على المعاقبة وَخلق الله ﵎ الْإِنْسَان آخر الْمَخْلُوقَات وَجمع فِي خلقته جَمِيع مَا فِي الْعَالم فَصَارَ مُخْتَصرا مِنْهُ وَلذَلِك سمي الْعَالم الْأَصْغَر وَقيل إِنَّه مُخْتَصر من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَجعله حدا بَين عَالم الْحس وعالم الْعقل فَهُوَ آخر الموجودات الطبيعية وَأول الموجودات الْعَقْلِيَّة وَهُوَ معرض لِأَن يَعْلُو فَيلْحق بالعالم الْأَعْلَى أَو يسفل فَيلْحق بالعالم الْأَدْنَى وَقد قلت فِي ذَلِك أَنْت وسطى مَا بَين ضدين يَا إِنْسَان ركبت صُورَة فِي هيولى

َعْلُو فَيلْحق بالعالم الْأَعْلَى أَو يسفل فَيلْحق بالعالم الْأَدْنَى وَقد قلت فِي ذَلِك أَنْت وسطى مَا بَين ضدين يَا إِنْسَان ركبت صُورَة فِي هيولى

(إِن عصيت الْهوى عَلَوْت علوا ... أَو أَطَعْت الْهوى سفلت سفولا) // من الْخَفِيف // فَمن أجل أَنه جمع فِي خلقه جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر صَار مُهَيَّأ بفطرته الفاضلة مستعدا بقوته الْعَاقِلَة لِأَن يتَصَوَّر جَمِيع مَا فِي الْعَالم الْأَكْبَر وَبَيَان ذَلِك أَن مدركات الْإِنْسَان صنفان محسوسات ومعقولات فالأشخاص هن محسوساته وأنواعها وأجناسها ومباديها هن معقولات وَله إدراكان إِدْرَاك بالحس للأشياء المحسوسات وَإِدْرَاك بِالْعقلِ للأشياء المعقولات لِأَن كل شَيْء إِنَّمَا يدْرك بشكله

فإدراكه المحسوسات يُسمى كَمَاله الأول وحياته الأولى وإدراكه المعقولات يُسمى كَمَاله الثَّانِي وحياته الْأُخْرَى فَإِذا كَانَ الْعَالم كُله صنفين محسوس ومعقول وَكَانَ كَمَال تجوهر الْإِنْسَان بإدراكهما مَعًا وَكَانَ مُهَيَّأ بفطرته لذَلِك صَار الْإِنْسَان إِذا أدْرك المحسوسات والمعقولات فقد تصور بِصُورَة الْعَالم الْأَكْبَر فالإنسان إِذن يسْتَحق أَن يُسمى عَالما صَغِيرا من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا خلقَة لَا عمل لَهُ فِيهَا وَالثَّانيَِة اكْتِسَاب يكتسبه إِلَّا أَن سعادته إِنَّمَا هِيَ بالاكتساب وَحُصُول الْعقل الْمُسْتَفَاد وَأما الخلقية فَإِنَّمَا هِيَ هَيْئَة واستعداد جعل معرضًا بهما لنيل السَّعَادَة إِن فهم ذَاته وَعلم مرتبته من الْعَالم أَي مرتبَة تَحْصِيل هِيَ نجا وَسعد وَإِن جهل ذَاته وَلم يعرف مَا الْغَرَض

بِكَوْنِهِ آخر الموجودات هلك وَطَالَ شقاؤه وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وَقَالَ (أعلمكُم بِنَفسِهِ أعلمكُم بربه) وَقَالَ لعَلي ﵁ (تقرب إِلَى الله بعقلك إِذا تقرب النَّاس إِلَيْهِ بأعمالهم) وَلِهَذَا الَّذِي قدمْنَاهُ صَار الْعَالم خَمْسَة أَصْنَاف من الْوُجُود سوى وجوده فِي علم البارئ تَعَالَى وجود فِي الْعقل الفعال وَوُجُود فِي النَّفس الْكُلية وَوُجُود فِي الهيولى وَوُجُود فِي قُوَّة الْإِنْسَان المتخيلة

وَوُجُود فِي قوته الناطقة إِذا حصل لَهُ الْعقل الْمُسْتَفَاد فَيصير بِهَذَا الِاعْتِبَار كالدائرة الَّتِي تبدأ من نقطة وتعود إِلَيْهَا لِأَن مبدأه أَن يكون صُورَة مُجَرّدَة فِي الْعقل ونهايته أَن يصير صُورَة مُجَرّدَة فِي الْعقل وَعند ذَلِك يتَصَوَّر الْعقل الجزئي بِصُورَة الْعقل الْكُلِّي وَيصير الْإِنْسَان مَوْضُوعا بِصُورَة الْعَالم يحمل صُورَة فِي ذَاته كَمَا تحمل الهيولى الصُّور فالإنسان إِذا اعْتبر بِهِ الْمُعْتَبر أغرب الْمَخْلُوقَات صَنْعَة وأكثرها أعجوبة وَلِهَذَا قَالَت الْحُكَمَاء إِن الْغَرَض فِي وجوده كَمَال الْحِكْمَة لِأَنَّهُ انتظم بفطرته طرفِي الْعَالم وَصَارَ وَاسِطَة بَينهمَا وَكَمَال الطَّرفَيْنِ بالواسطة الَّتِي تنظمهما أَرَادوا بذلك أَن البارئ ﷻ لما خلق جوهرا معقولا وجوهرا محسوسا كَانَ كَمَال الْخلقَة فِي أَن خلق جوهرا ثَالِثا يصل بَين الجوهرين وينظم الطبيعتين فَصَارَ الْإِنْسَان حدا بَين عَالم الْعقل وعالم الْحس وَصَارَ من جِهَة صورته الطبيعية فِي أَعلَى مَرَاتِب الصُّور الطبيعية وَمن جِهَة صورته الْعَقْلِيَّة فِي أدنى مَرَاتِب الصُّور العقليات

ل وعالم الْحس وَصَارَ من جِهَة صورته الطبيعية فِي أَعلَى مَرَاتِب الصُّور الطبيعية وَمن جِهَة صورته الْعَقْلِيَّة فِي أدنى مَرَاتِب الصُّور العقليات

وَفِي كتب بني إِسْرَائِيل أَن الْإِنْسَان خلق على التخوم بَين الطبيعة المائية والطبيعة الَّتِي لَيست بمائية وَيدل أَيْضا على أَنه وَاسِطَة بطبعه أَنه من قسم الْمُمكن والممكن بطبيعته وَاسِطَة بَين الْوَاجِب والممتنع وَقد قلت فِي ذَلِك على سَبِيل الْوَعْظ (تتيه وَقد أيقنت أَنَّك مُمكن ... فَكيف لَو استيقنت أَنَّك وَاجِب) // من الطَّوِيل // (وَهل لَك من عدن إِذا مت أَو لظى ... محيص يُرْجَى أَو عَن الله حَاجِب) وَمعنى كَون الْإِنْسَان من الْمُمكن أَنه صُورَة من الصُّور الَّتِي موضوعها الهيولى وبالهيولى قَامَت طبيعة الْمُمكن لِأَنَّهَا تلبس الصُّورَة تَارَة وتخلعها تَارَة وَتَكون فِيهَا الصُّور تَارَة بِالْقُوَّةِ وَتارَة بِالْفِعْلِ وَلَوْلَا الهيولى لبطلت طبيعة الْمُمكن وَلم يُوجد للأشياء إِلَّا عنصران وَاجِب وممتنع

الْبَاب الرَّابِع فِي شرح قَوْلهم إِن الْعدَد دوائر وهمية

اعْلَم أَن الْوَاحِد أصل الْعدَد ومبدؤه وَهُوَ غَايَة لوُجُود الْعدَد وَلَيْسَ بِعَدَد وكل عدد مَنْسُوب إِلَيْهِ ومنعطف عَلَيْهِ انعطاف آخر الدائرة على أَولهَا وللأعداد إِلَيْهِ نسبتان إِحْدَاهمَا نِسْبَة تَضْعِيف وتكثير وَالثَّانيَِة نِسْبَة تجزئة وتقليل فَأَما نِسْبَة التكثير فكقولك وَاحِد وَاثْنَانِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة فَمَا زَاد وَأما نِسْبَة التقليل فَهِيَ نِسْبَة الكسور كَقَوْلِك نصف وَربع وَخمْس وَثلث وَنَحْو ذَلِك

ِد وَاثْنَانِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة فَمَا زَاد وَأما نِسْبَة التقليل فَهِيَ نِسْبَة الكسور كَقَوْلِك نصف وَربع وَخمْس وَثلث وَنَحْو ذَلِك

وَالنّصف أَو مَرَاتِب التجزئة والتقليل كَمَا أَن الِاثْنَيْنِ أول مَرَاتِب التَّضْعِيف والتكثير وَهُوَ يذهب فِي كلتا الْجِهَتَيْنِ إِلَى غير نِهَايَة غير أَن التكثير يَبْتَدِئ من أقل الكمية وَيذْهب فِي تزيد إِلَى غير نِهَايَة والتقليل يَبْتَدِئ من أَكثر الكمية وَهُوَ النّصْف وَيذْهب فِي التجزؤ إِلَى غير نِهَايَة وَإِذا اعْتبرت بفكرك الْأَعْدَاد كلهَا وَالْوَاحد وَجدتهَا ناشئة مِنْهُ وراجعة إِلَيْهِ أما نشوؤها مِنْهُ فَإِن قُوَّة الْوَاحِد تسري إِلَى الْأَعْدَاد فتصوغها بِوَاسِطَة وَبِغير وَاسِطَة وَالْعدَد الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ بِغَيْر وَاسِطَة هُوَ الِاثْنَان وَأما الثَّلَاثَة فَلَا تُوجد من الْوَاحِد إِلَّا بتوسط الِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَة لَا تُوجد مِنْهُ الا بتوسط الثَّلَاثَة والاثنين وَكَذَلِكَ الْخَمْسَة لَا تُوجد إِلَّا بتوسط الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة والاثنين وَهَكَذَا كل

ْبَعَة لَا تُوجد مِنْهُ الا بتوسط الثَّلَاثَة والاثنين وَكَذَلِكَ الْخَمْسَة لَا تُوجد إِلَّا بتوسط الْأَرْبَعَة وَالثَّلَاثَة والاثنين وَهَكَذَا كل

عدد لَا يُوجد من الْوَاحِد إِلَّا بتوسط مَا بَينه وَبَين ذَاك من الْأَعْدَاد فَيكون الْعدَد الَّذِي بَينهمَا هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَيْهِ قُوَّة الوحدانية فَيصير مَوْجُودا بِمَا يسري إِلَيْهِ من تِلْكَ الْقُوَّة فالاثنان يؤديان قُوَّة الْوَاحِد إِلَى الثَّلَاثَة والاثنان وَالثَّلَاثَة يؤديان قوته إِلَى الْأَرْبَعَة والاثنان وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة تُؤدِّي قوته إِلَى الْخَمْسَة وَهَكَذَا مَا زَاد بَالغا مَا بلغ فَهَذِهِ كَيْفيَّة تنشؤ الْعدَد وتولده من الْوَاحِد وَأما كَيْفيَّة انعطافه عَلَيْهِ كانعطاف أحد طرفِي الدائرة على الطّرف الآخر فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا بعد تولد الْأَعْدَاد مِنْهُ واستيفائها مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة الَّتِي عَلَيْهَا تَدور مَرَاتِب الْأَعْدَاد وَلَيْسَت للعدد بعد التِّسْعَة مرتبَة وَلَكِن كلما بلغ عدد إِلَى مرتبَة التِّسْعَة انعطف إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَصَارَ دَائِرَة وهمية بَيَان ذَلِك أَن الْوَاحِد ينشأ مِنْهُ الِاثْنَان وَتُؤَدِّي الِاثْنَان قوته إِلَى الثَّلَاثَة فَيكون الثَّلَاثَة من الْوَاحِد بِوَاسِطَة الِاثْنَيْنِ وَكِلَاهُمَا عِلّة لوُجُود الثَّلَاثَة غير أَن الِاثْنَيْنِ عِلّة قريبَة وَالْوَاحد عِلّة بعيدَة ثمَّ تُؤدِّي

الثَّلَاثَة مَا سرى إِلَيْهَا من قُوَّة الِاثْنَيْنِ وَقُوَّة وَالْوَاحد إِلَى الْأَرْبَعَة فَتكون الْأَرْبَعَة من الْوَاحِد بوساطة الثَّلَاثَة والاثنين فَيكون لوُجُود الْأَرْبَعَة ثَلَاث علل ثمَّ يسْتَمر الْأَمر كَذَلِك إِلَى أَن تكون التِّسْعَة بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة الثَّمَانِية ومنتهى مَرَاتِب الْعدَد التسع عِنْد وجود التِّسْعَة فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد التِّسْعَة كونت الْعشْرَة بتجاوز قُوَّة الْوَاحِد إِلَيْهَا مَعَ قُوَّة التِّسْعَة واستدار الْعدَد دوائر وهمية إِلَى مرتبَة الْوَاحِد لكَمَال الْمَرَاتِب فَكَانَت عشرَة كواحد وَعِشْرُونَ كاثنين وَثَلَاثُونَ كثلاثة إِلَى أَن تكون تسعون كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر العشرات ثمَّ تزيد على التسعين تِسْعَة لتقوم طبيعة الْعشْرَة الَّتِي بهَا يَصح وجود المئة فَيصير الْعدَد تِسْعَة وَتِسْعين فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد السارية فِي الْأَعْدَاد التِّسْعَة وَالتسْعين قَامَت طبيعة المئة بِمَا انْتهى إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد وقوى التِّسْعَة وَالتسْعين واستدار الْعدَد استدارة وهمية إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَتكون مئة كواحد

ومئتان كاثنين وَثَلَاث مئة كثلاثة وَأَرْبع مئة كأربعة إِلَى أَن تصير تسع مئة كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر المئين فَإِذا بلغ الْعدَد تسع مئة كملت مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة فتزيد عَلَيْهَا تِسْعَة وَتِسْعين لتقوم بهَا طبيعة المئة فيجتمع لذَلِك تسع مئة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ فَإِذا تجاوزت قُوَّة الْوَاحِد السارية فِي الْأَعْدَاد هَذَا الْعدَد يكون الْألف بِمَا سرى إِلَيْهِ من قُوَّة الْوَاحِد وقوى الْأَعْدَاد الَّتِي بَينه وَبَينه واستدار الْعدَد استدارة وهمية فَرجع إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَيكون ألف كواحد وَأَلْفَانِ كاثنين وَثَلَاثَة آلَاف كثلاثة إِلَى أَن تصير تِسْعَة آلَاف كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر الآلاف وَهَكَذَا أبدا تنمي الْأَعْدَاد بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة

كثلاثة إِلَى أَن تصير تِسْعَة آلَاف كتسعة وَتسَمى هَذِه دوائر الآلاف وَهَكَذَا أبدا تنمي الْأَعْدَاد بِمَا يسري إِلَيْهَا من قُوَّة الْوَاحِد بوساطة

الْأَعْدَاد الَّتِي قبلهَا وَيكون كل عدد سبق وجوده عِلّة علية لما تَأَخّر وجوده فَيكون لما بَعدت مرتبته عَن مرتبَة الْوَاحِد علل كَثِيرَة كل وَاحِد مِنْهَا عِلّة لوُجُوده وَيصير الْوَاحِد عِلّة الْعِلَل وَسبب الْأَسْبَاب وَكلما كملت مَرَاتِب الْآحَاد التِّسْعَة اسْتَدَارَ الْعدَد إِلَى مرتبَة الْوَاحِد فَصَارَت مِنْهُ دوائر وهمية وعَلى مِقْدَار بعد ذَلِك الْعدَد من الْوَاحِد يكون عظم دائرته وصغرها فَاعْتبر ذَلِك تَجدهُ على مَا قُلْنَاهُ وَلأَهل الْهِنْد وَغَيرهم فِي هَذِه الدَّوَائِر العددية رموز وألغاز طوي عَن النَّاس علمهَا إِذْ كَانَت إذهان الْجُمْهُور تنبو عَن فهمها وعقولهم تقصر عَن علمهَا ويرون أَن فِي معرفَة تنشؤ الْعدَد من الْوَاحِد ونسبته إِلَيْهِ وانعطافه عَلَيْهِ وَكَمَال مَرَاتِب الْأَعْدَاد التِّسْعَة عَلَيْهِ معرفَة الْعَالم وَكَيف وجد عَن البارئ تَعَالَى

قَالُوا وَلَيْسَ يُمكن الْإِنْسَان أَن يعلم حُدُوث الموجودات وانبعاثها عَن البارئ تَعَالَى بطرِيق أقرب من طَرِيق الْعدَد وَقد علم البارئ ﷻ أَن الْعُقَلَاء المستعدين بفطرهم الشَّرِيفَة لقبُول الْحِكْمَة سيفكرون فِي حُدُوث الموجودات عَنهُ فَلَا يقدرُونَ على تصور ذَلِك لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ أَن يتَصَوَّر حُدُوث شَيْء إِلَّا من هيولى وَفِي زمَان وَفِي مَكَان وبحركة وآلات وأدوات وَوُجُود الموجودات عَن البارئ تَعَالَى لَيْسَ هَكَذَا لِأَن الْأَشْيَاء كلهَا محدثة مبدعة حدثت كلهَا مَعًا فَجعل البارئ ﷿ لمعْرِفَة ذَلِك طَرِيقا أسهل من هَذِه الطَّرِيق وَهُوَ الِاعْتِبَار بنشء الْعدَد من الْوَاحِد

يَاء كلهَا محدثة مبدعة حدثت كلهَا مَعًا فَجعل البارئ ﷿ لمعْرِفَة ذَلِك طَرِيقا أسهل من هَذِه الطَّرِيق وَهُوَ الِاعْتِبَار بنشء الْعدَد من الْوَاحِد

فَكَمَا أَن الْوَاحِد عِلّة لوُجُود الْعدَد وَلَيْسَ من الْعدَد فَكَذَلِك البارئ ﷻ عِلّة لوُجُود الْعَالم وَلَيْسَ من الْعَالم وكما أَن الْوَاحِد لَو توهم ارتفاعه وَعَدَمه لارتفعت الْأَعْدَاد كلهَا وعدمت فَكَذَلِك البارئ تَعَالَى لَو ارْتَفع وَعدم لم يكن شَيْء مَوْجُودا وكما أَن الْأَعْدَاد كلهَا لَو ارْتَفَعت لم يُوجب ارتفاعها عدم الْوَاحِد كَذَلِك الموجودات كلهَا لَو ارْتَفَعت لم يُوجب ذَلِك ارْتِفَاع البارئ تَعَالَى فَثَبت بِهَذَا أَن البارئ ﷿ غَنِي عَن الْعَالم والعالم مفتقر إِلَيْهِ وكما أَن وجود الْوَاحِد وجود مُطلق أَعنِي أَنه لَا يحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره وَوُجُود الْأَعْدَاد كلهَا وجود مُضَاف أَعنِي أَنَّهَا غير مُسْتَقلَّة بأنفسها فِي وجودهَا لِأَن وجودهَا بِوُجُود الْوَاحِد وَكَذَلِكَ البارئ تَعَالَى وجود مُطلق لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج فِي وجوده إِلَى غَيره وَوُجُود الموجودات كلهَا وجود مُضَاف لِأَن وجودهَا مقتبس من وجوده فائض عَنهُ وكما أَن الْأَعْدَاد كلهَا اقتبست الْوُجُود من الْوَاحِد من غير حَرَكَة وَلَا زمَان وَلَا مَكَان وَلم يحْتَج الْوَاحِد فِي إيجادها إِلَى شَيْء آخر غير ذَاته

فَكَذَلِك حُدُوث الموجودات عَن البارئ تَعَالَى بِغَيْر حَرَكَة وَبِغير زمَان وَبِغير مَكَان وَبِغير أدوات وَمن غير أَن يحْتَاج فِي إيجادها إِلَى شَيْء غَيره وكما أَن الْوَاحِد يُوصف بِأَنَّهُ تقدم الْأَعْدَاد بِالزَّمَانِ وَلَا يبطل ذَلِك بِأَن تكون الْأَعْدَاد محدثة عَنهُ كَذَلِك لَا يُوصف البارئ بِأَنَّهُ تقدم الْعَالم بِالزَّمَانِ وَلَا يبطل ذَلِك أَن يكون الْعَالم مُحدثا عَنهُ وكما أَن الْوَاحِد لم يتَغَيَّر عَن وحدانيته بِكَثْرَة مَا حدث من الْأَعْدَاد عَنهُ وَلم يُوجب ذَلِك تكثرا فِي ذَاته وَلَا اسْتِحَالَة فِي جوهره فَكَذَلِك حُدُوث الْعَالم على كثرته لم يُوجب تغير الْبَارِي تَعَالَى عَن وحدانيته وَلَا تكثرا فِي ذَاته تَعَالَى الله عَن صِفَات النَّقْص وكما أَن الْأَعْدَاد تُوجد عَن الْوَاحِد بتوسط الْآحَاد التِّسْعَة وَمَا يجْتَمع فِي الْعشْرَة من قواها كَذَلِك وجدت الموجودات عَن البارئ تَعَالَى بوساطة الثواني التِّسْعَة وَمَا اجْتمع فِي الْمَوْجُود الْعَاشِر من القوى

السارية إِلَيْهِ من الثواني وَمَا فاض عَلَيْهِ من قُوَّة الوحدانية بوساطتها وَكَذَلِكَ إِذا اعْتبر الْمُعْتَبر وفكر المفكر وجد كل شَيْء من الموجودات إِنَّمَا حصل مَوْجُودا بِأَن صَارَت لَهُ ذَات يُوجد بهَا وانفصل من غَيره وَتلك الْوحدَة الَّتِي تهوى بهَا وتوحد إِنَّمَا سرت إِلَيْهِ من البارئ تَعَالَى بوساطة مَا بَينه وَبَينه من الموجودات وَتلك الْوحدَة هِيَ هويته وَصورته الَّتِي بهَا قوامه وتميزه عَن سواهُ فَمَتَى فارقته تِلْكَ الْوحدَة عدم فسريان الْوحدَة من البارئ تَعَالَى إِلَى الْأَشْيَاء هُوَ الَّذِي كَونهَا وَاقْتضى وجودهَا على مراتبها وصير بَعْضهَا عللا لبَعض وَهُوَ تَعَالَى عِلّة وجود الْجَمِيع وَلذَلِك سموهُ عِلّة الْعِلَل وَالْفَاعِل الْمُطلق وَالْفَاعِل بِالْحَقِيقَةِ لِأَن فعل غَيره إِنَّمَا هُوَ فعل بالمجاز وبالإضافة لِأَنَّهُ

لْجَمِيع وَلذَلِك سموهُ عِلّة الْعِلَل وَالْفَاعِل الْمُطلق وَالْفَاعِل بِالْحَقِيقَةِ لِأَن فعل غَيره إِنَّمَا هُوَ فعل بالمجاز وبالإضافة لِأَنَّهُ

يقبل الْفِعْل عَمَّا هُوَ أسبق مِنْهُ وجودا ويؤديه إِلَى مَا بعده فَهُوَ منفعل لما فَوْقه وفاعل لما دونه وَهُوَ منفعل بِالْحَقِيقَةِ فَاعل بالمجاز وَالْإِضَافَة فَيكون مبدأ الْأَفْعَال من فَاعل لَا ينفعل كَغَيْرِهِ الْبَتَّةَ ومنتهاها إِلَى منفعل لَا يفعل الْبَتَّةَ وَمَا بَينهمَا فَاعل فِيمَا دونه منفعل لما فَوْقه وَلما ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب قَالَت الْحُكَمَاء إِن البارئ تَعَالَى مَعَ كل شَيْء وَإِنَّمَا أَرَادوا بذلك وجود آثَار صَنعته فِي الموجودات وسريان الْوحدَة مِنْهُ الَّتِي بهَا تكونت المحدثات وَلم يُرِيدُوا بذلك أَنه يحل الْأَمْكِنَة وَيَقَع تَحت الْأَزْمِنَة المحدثات أَو يلتبس بِشَيْء من الْعَالم تقدس عَن ذَلِك وَعلا علوا كَبِيرا وَقد غلط قوم من الفلاسفة فِي هَذَا الْموضع غَلطا فَاحِشا فزعموا أَن البارئ تَعَالَى عَن قَوْلهم سيالة فِي الْعَالم وَلِهَذَا قَالَ ثالس

إِن الله ناشب فِي الْأَشْيَاء وَقَالَ زينون إِن كره الْعَالم هُوَ الله تَعَالَى وَأَن الْمَعْلُول هُوَ الْعلَّة وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذِه الآراء الْفَاسِدَة مَا رَأَوْهُ من سريان الْوحدَة فِي الموجودات وَأَن وجود كل شَيْء مُتَعَلق بِوُجُود البارئ تَعَالَى وسمعوا مَعَ

ا حملهمْ على هَذِه الآراء الْفَاسِدَة مَا رَأَوْهُ من سريان الْوحدَة فِي الموجودات وَأَن وجود كل شَيْء مُتَعَلق بِوُجُود البارئ تَعَالَى وسمعوا مَعَ

هَذَا قَول القدماء من الْحُكَمَاء إِن الله تَعَالَى مَعَ كل شَيْء فتنتج لَهُم من ذَلِك هَذَا التَّوَهُّم الْخَبيث وَلم يفكروا فِي أَن ذَلِك يقودهم إِلَى الْمحَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ البارئ تَعَالَى مَحْمُولا فِي غَيره لِأَن كل صُورَة مفتقرة إِلَى مَوْضُوع يحملهَا وَيلْزم من ذَلِك أَن يكون الْعَالم قَدِيما وَتبطل دَلَائِل الْحُدُوث وَيلْزم مِنْهُ أَن يكون البارئ تَعَالَى وَاقعا تَحت الْأَزْمِنَة محلا فِي الْأَمْكِنَة فِي اسْتِحَالَة دائمة لِأَن من شَأْن الهيولى أَن يلبس الصُّورَة تَارَة ويخلعها تَارَة وَأَن يكون البارئ تَعَالَى شخصا تَارَة وَتارَة نوعا وَتارَة جِنْسا وَتارَة فصلا وَتارَة فَاعِلا وَتارَة منفعلا وَشبه هَذَا من الْمحَال نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان وَمثل هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يعدون فِي سخفاء الفلاسفة لَا فِي عقلائهم وَفِي

جهالهم لَا فِي عُلَمَائهمْ وَقد أجمع العارفون بِاللَّه ﷿ أَن الله تَعَالَى مباين للْعَالم من جَمِيع الْجِهَات لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء مباينة لَا تَقْتَضِي تحيزا بمَكَان وانفصالا وَأَنه مَوْجُود مَعَ كل شَيْء وجودا لَا يَقْتَضِي ممازجة واتصالا بل صفة مباينة وَصفته صفة لَا تحيط بهَا الْعُقُول وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بِمَا يدل عَلَيْهِ الدَّلِيل من غير تَصْوِير وَلَا تَمْثِيل كَسَائِر صِفَاته الَّتِي تثبت وَلَا تكيف وَقد رد أرسطاطاليس كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال وَأنْكرهُ وضلل قَائِله وكفره فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ أنكر هَذِه الْأَقْوَال وَكفر من قَالَهَا وَهُوَ قد قَالَ فِي كِتَابه المرسوم ب (مَا بعد الطبيعة) إِن البارئ تَعَالَى عِلّة

للْعَالم على معنى أَنه فَاعل لَهُ وَأَنه غَايَة لَهُ وَأَنه صُورَة لَهُ فَالْجَوَاب أَنه لم يرد مَا توهمته وَكَيف يَصح أَن يُنكر شَيْئا وَيَقُول بِمثلِهِ وَقد صرح بِأَن البارئ سُبْحَانَهُ لَا يُوصف بالصورة الشخصية وَلَا بالصورة النوعية وَلَا بِصفة يلْحقهُ بهَا نقص تَعَالَى عَن ذَلِك وَأَنه مباين للأشياء غير مَوْصُوف بصفاتها فَثَبت بِهَذَا أَنه إِنَّمَا وَصفه بِأَنَّهُ صُورَة للْعَالم بِمَعْنى لَا يلْحقهُ بِهِ نقص وَلَا شبه كَمَا يُسمى حَيا وعالما وقادرا وَنَحْو ذَلِك على معَان لَا توجب شبها وَلَا تَقْتَضِي نقصا وَذَلِكَ على ثَلَاثَة معَان أَحدهَا

أَنه لما لم يكن وجود على الْحَقِيقَة إِلَّا البارئ تَعَالَى ومصنوعاته وَلم يكن لَهُ ضد وَلَا ند وَكَانَ هُوَ الْمَوْجُود على الْإِطْلَاق فوجود مصنوعاته مقتبس من وجوده حَتَّى إِنَّه لَو توهم ارتفاعه تَعَالَى لارتفع كل مَوْجُود وَصَارَ وجود الْعَالم كلا وجود إِذْ لم يكن لَهُ قوام بِذَاتِهِ وَصَارَ

كَأَنَّهُ مَوْجُود وَاحِد وَصَارَ كَأَنَّهُ صُورَة لَهُ إِذْ كَانَ وجوده بِهِ كَمَا يُوجد المصور بصورته وَإِن كَانَ تَعَالَى لَا يُوصف بالصورة وَقد قَالَ أفلاطون نَحْو هَذَا فِي كتاب طيماوس وَذَلِكَ أَنه قَالَ مَا الشَّيْء الَّذِي هُوَ مَوْجُود الدَّهْر وَلَيْسَ لَهُ تكون الْبَتَّةَ وَمَا الشَّيْء الَّذِي يتكون الدَّهْر وَلَيْسَ لَهُ الْبَتَّةَ وجود فَالْأول الْأَنْوَاع والأجناس وَالثَّانِي الْأَشْخَاص فَجعل الْأَشْخَاص الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة عندنَا كَأَنَّهَا غير مَوْجُودَة لِأَنَّهَا فِي سيلان مُتَّصِل واستحالة دائمة وَأثبت الْوُجُود لأنواعها وأجناسها وَإِن كَانَت غير مَوْجُودَة بالحواس عندنَا لثباتها على حَال

وْجُودَة لِأَنَّهَا فِي سيلان مُتَّصِل واستحالة دائمة وَأثبت الْوُجُود لأنواعها وأجناسها وَإِن كَانَت غير مَوْجُودَة بالحواس عندنَا لثباتها على حَال

وَاحِدَة لَا تَتَغَيَّر عَن طبعها فَهَكَذَا جعل ارسطاطاليس الْعَالم حِين كَانَ لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ كَأَنَّهُ غير مَوْجُود وَجعل الْوُجُود إِنَّمَا هُوَ البارئ ﷿ وَحده وَجعله كالصورة الَّتِي لَا يُوجد المصور إِلَّا بهَا تَقْرِيبًا لَا حَقِيقَة حِين كَانَ وجوده سَببا لوجودها كَمَا تكون الصُّورَة سَببا لوُجُود مصورها وتسمي الصُّوفِيَّة هَذَا الفناء فِي التَّوْحِيد ويرونه أرفع مراتبه فَهَذَا أحد الْمعَانِي الَّتِي بهَا سمي البارئ تَعَالَى صُورَة للأشياء وَالْمعْنَى الثَّانِي

أَنه تَعَالَى أَفَاضَ من وحدته على كل مَوْجُود مَا صَارَت لَهُ بِهِ هوية يتَصَوَّر بهَا فَكل مَوْجُود إِنَّمَا يُوجد بِتِلْكَ الْوحدَة الَّتِي سرت مِنْهُ إِلَيْهِ بصورته

وَالْمعْنَى الثَّالِث

أَن الصُّورَة هِيَ غَايَة المصور وكماله لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ على كَمَاله الأول فَإِذا خرج إِلَى الْفِعْل كَانَ على كَمَاله الآخر وَخُرُوجه من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل إِنَّمَا هُوَ بالصورة فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أخرج الْعَالم من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل أَعنِي من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود صَار من هَذَا الْوَجْه كَأَنَّهُ صُورَة للْعَالم وَإِن كَانَ غير صُورَة على الْحَقِيقَة وسترى كلامنا فِيمَا بعد هَذَا بِمَا يزِيد هَذَا الْمعَانِي وضوحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى

الْبَاب الْخَامِس فِي شرح قَوْلهم إِن صِفَات البارئ تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بهَا إِلَّا على وَجه السَّلب

ْمعَانِي وضوحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى

الْبَاب الْخَامِس فِي شرح قَوْلهم إِن صِفَات البارئ تَعَالَى لَا يَصح أَن يُوصف بهَا إِلَّا على وَجه السَّلب

اعْلَم أَن الصِّفَات نَوْعَانِ نوع يُوصف بِهِ الْمَوْصُوف لإِزَالَة اشْتِرَاك يكون بَينه وَبَين مَوْصُوف آخر كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد والمخاطب يعرف رجلَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا يُسمى بِهَذَا الِاسْم أَو رجَالًا كل وَاحِد مِنْهُم لَهُ هَذَا الِاسْم فَيحْتَاج الْمخبر أَن يصفه بِصفة يمتاز بهَا عِنْد الْمُخَاطب مِمَّن يُشَارِكهُ فِي اسْمه وَالنَّوْع الآخر لَا يُرَاد بِهِ إِزَالَة اشْتِرَاك وَلَكِن يُرَاد بِهِ مدح الْمَوْصُوف أَو ذمه والمخاطب غَنِي عَن أَن يُوصف لَهُ الْمَذْكُور كَقَوْل الْقَائِل رَأَيْت ابْنك النجيب وَلَيْسَ لمن تخاطبه إِلَّا ابْن وَاحِد وَنَحْو ذَلِك وصفات البارئ ﷻ كلهَا من هَذَا النَّوْع الثَّانِي إِنَّمَا هِيَ صِفَات يمجده بهَا الواصفون ويثني عَلَيْهِ بهَا المثنون

وَلما كَانَ البارئ ﷻ بَائِنا عَن جَمِيع الموجودات غير مشبه بِشَيْء من الْمَخْلُوقَات صَار المثني عَلَيْهِ مقصرا فِي ثنائه وَإِن اجْتهد غير بَالغ مَا يستوجبه وَإِن عظم ومجد وَبَيَان ذَلِك أَن الْمَدْح ثَلَاثَة أَنْوَاع إفراط واقتصاد وتقصير فالإفراط أَن يرفع المادح الممدوح إِلَى مرتبَة أرفع من مرتبته ومنزلة أَعلَى من مَنْزِلَته والاقتصاد أَن لَا يتَجَاوَز بِهِ مرتبته وَلَا يتخطى مَنْزِلَته وَالتَّقْصِير أَن يحطه عَن مرتبته وَلَا يُوفيه حق مَنْزِلَته فالوجهان الْأَوَّلَانِ محَال فِي وصف البارئ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يُمكن المادح أَن يمدحه بِمَا يسْتَحقّهُ ويستوجبه لِأَن مرتبته مَجْهُولَة الكنه لَا تحيط بهَا الْعُقُول وَلَيْسَ فَوق مرتبته مرتبَة أَعلَى مِنْهَا فيرفع

إِلَيْهَا لِأَنَّهُ نِهَايَة الْأَشْيَاء وغايتها فَلَيْسَ فِي مدح المادح لَهُ إفراط وَلَا اقتصاد وكل مادح لَهُ مقصر فِي مدحه غير واصف لَهُ بِالْوَاجِبِ من حَقه لِأَنَّهُ يصفه بِصِفَات الْمَعْقُول مِنْهَا معَان مُخَالفَة لما هُوَ عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ إِنَّه حَيّ وَإنَّهُ عَالم وَإنَّهُ سميع وَإنَّهُ بَصِير فَإِنَّمَا يصفه بِصِفَات إِن حملت على تعلقه بِجُزْء مِنْهَا لم تلق بِهِ ﷿ وأوجبت شبهه بالمخلوقات تَعَالَى عَن ذَلِك فلهذه الْعلَّة افترق النَّاس فِي وَصفه ﷻ فرْقَتَيْن فَقَالَت فرقة لَا تثبت لَهُ صفة على طَرِيق الْإِيجَاب لِأَن ذَلِك يُوجب شُبْهَة بخلقه وَلَكِن تسلب عَنهُ أضداد هَذِه الصِّفَات فَلَا نقُول عَنهُ عَالم وَلَكِن نقُول لَيْسَ بجاهل وَلَا نقُول هُوَ قَادر وَلَكِن لَيْسَ بعاجز وَلَا نقُول هُوَ مَوْجُود وَلَكِن لَيْسَ بمعدوم وَقَالَت فرقة ثَانِيَة نوجب لَهُ الصِّفَات ونتبعها حرف السَّلب لنزيل مَا توهم فِيهِ من التَّشْبِيه بالمخلوقين فَنَقُول هُوَ حَيّ لَا كالأحياء وعالم لَا كالعلماء وموجود لَا كالموجودات

قَالُوا وَإِذا قُلْنَا هُوَ حَيّ وموجود وعالم وقادر وَلم نذْكر حرف السَّلب فَإِنَّمَا نَتْرُك ذَاك اختصارا وَلَا بُد من أَن يكون مضمنا فِي الصّفة وَإِن لم يكن مضمنا فِيهَا لم تصح فَإِن قَالَ قَائِل من أَيْن كرهت الْفرْقَة الأولى إِيجَاب الصّفة وأبوا أَن يصفوه إِلَّا على وَجه السَّلب وَقد علمنَا أَن قَول الْقَائِل زيد لَيْسَ بجاهل يُفِيد مَا يفِيدهُ قَوْلنَا زيد عَالم فَالْجَوَاب أَن القَوْل الْمَنْفِيّ لَا يُوجب حكما غير حكم النَّفْي وَلَيْسَ يحصل مِنْهُ تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل يَقع بهما قِيَاس كَمَا يحصل من الْإِيجَاب أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت زيد غير قَائِم وَعَمْرو غير قَائِم فقد نفيت عَنْهُمَا جَمِيعًا الْقيام وَلم توجب لَهما اجتماعا فِي معنى آخر لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون أَحدهمَا قَاعِدا وَالْآخر نَائِما أَو مُضْطَجعا وَكِلَاهُمَا غير قَائِم

يعًا الْقيام وَلم توجب لَهما اجتماعا فِي معنى آخر لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون أَحدهمَا قَاعِدا وَالْآخر نَائِما أَو مُضْطَجعا وَكِلَاهُمَا غير قَائِم

وَكَذَلِكَ أَنا إِذا نَفينَا عَن نفسين الْبيَاض لم نوجب لَهما اجتماعا فِي لون آخر من حمرَة أَو صفرَة أَو سَواد أَو غير ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو شهد شَاهِدَانِ عِنْد حكم بِأَن زيدا لم يبع ضيعته من عمر وَلم يكن مُوجبا أَن عمرا لَا يملكهَا لِأَن للْملك وُجُوهًا كَثِيرَة غير البيع فَلَيْسَ فِي شَهَادَتهمَا أَكثر من نفي البيع وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الأضداد الَّتِي بَينهمَا وسائط فَأَما الأضداد الَّتِي لَيْسَ بَينهمَا وسائط فَفِيهَا خلاف فقوم يرَوْنَ أَن الْقَائِل إِذا قَالَ فِي الدَّار رجلَانِ أَحدهمَا لَيْسَ بحي فقد أوجب أَن الآخر حَيّ وَقوم يرَوْنَ أَنه لم يُوجب أَكثر من موت الَّذِي نفى عَنهُ الْحَيَاة فَقَط وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَحدهمَا حَيّ فقد أوجب الْمَوْت للْآخر عِنْد من رأى الرَّأْي الأول وَلَيْسَ فِيهِ إِيجَاب موت الآخر على رَأْي من رأى الرَّأْي الثَّانِي وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكر مَا احْتج بِهِ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا

الْموضع لِأَن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا قصدناه وَإِنَّمَا قصدنا هَا هُنَا شرح معنى قَوْلهم إِن صِفَات البارئ ﷻ لَا تصح حَتَّى يقرن بهَا حرف السَّلب بَاب ذكر الشّبَه الَّتِي اغْترَّ بهَا من زعم أَن صِفَات الله محدثة جلّ عَن ذَلِك

اعْلَم عصمنا الله وَإِيَّاك من الضَّلَالَة وأرانا سبل الْعلم والجهالة أَن مَا دَعَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم إِلَى هَذَا الِاعْتِقَاد الْخَبيث أَنهم رَأَوْا إِن إِثْبَات الصِّفَات لَا يَصح إِلَّا على وَجْهَيْن أَحدهمَا الْعقل وَالنَّظَر وَالْآخر السّمع وَالْبَصَر

هَذَا الِاعْتِقَاد الْخَبيث أَنهم رَأَوْا إِن إِثْبَات الصِّفَات لَا يَصح إِلَّا على وَجْهَيْن أَحدهمَا الْعقل وَالنَّظَر وَالْآخر السّمع وَالْبَصَر

وَلَا طَرِيق إِلَى إِثْبَاتهَا إِلَّا من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا يَصح كل وَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ بِوُجُود المحدثات فَلَمَّا كَانَ البارئ تَعَالَى فِي الْقدَم قبل حُدُوث الْأَشْيَاء مُنْفَردا بالوجود وَلم يكن هُنَاكَ مَوْجُود يسْتَدلّ عَلَيْهِ بآثار مصنوعاته ويخاطبه هُوَ تَعَالَى بمشروعاته لم يكن حِينَئِذٍ مَوْصُوفا بِصفة لعدم المخاطبين والمعتبرين فَلَمَّا أحدث المودجودات وَقع حِينَئِذٍ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ ومخاطبته للبشر بِأَنَّهُ حَيّ وَبِأَنَّهُ عَالم وَبِأَنَّهُ قَادر وَنَحْو ذَلِك فوصف حِينَئِذٍ بِالصِّفَاتِ وَوصف نَفسه هُوَ بهَا فَصَارَت الصِّفَات محدثة بحدوث الموجودات وَمن لَا يقر بالنبوات وَلَا يعْتَرف بِأَن الله بعث بشرا فالصفات على رَأْيه أُمُور أحدثها المخلوقون ثمَّ استدلوا عَلَيْهِ بآثار مصنوعاته واشتقوا لَهُ من أَفعاله وَمَا تقرر فِي نُفُوسهم من معرفَة صِفَات وصفوه بهَا فَيُقَال لمن قَالَ بِهَذَا القَوْل الْفَاسِد هَذَا الَّذِي قلتموه لَا يبطل

أَن يكون مَوْصُوفا بِالصِّفَاتِ النفسانية فِي الْأَزَل فَيكون عَالما قَادِرًا مرِيدا مَوْجُودا وَإِن لم يكن هُنَاكَ مَخْلُوق يسْتَدلّ أَو يُخَاطب وَلَيْسَ من جِهَة الشَّرْط فِي الصِّفَات النفسانية أَلا تثبت لموصوفها حَتَّى يُوجد من يصفه بهَا ويخاطب بِصِحَّتِهَا وَإِنَّمَا حدث الْعلم للْعُلَمَاء من الْخلق باعتبارهم وبمخاطبة الله إيَّاهُم بعد أَن كَانُوا جُهَّالًا بِالصِّفَاتِ وَأما الصِّفَات أَنْفسهَا فثابتة لَهُ تَعَالَى لَا يُبْطِلهَا جهل من جهلها كَمَا لَا يثبتها علم من علمهَا وَيدل على صِحَة قَوْلنَا وَبطلَان قَوْلهم أَن الْكَاتِب لَا يبطل كِتَابَته عدم الْمَكْتُوب وَكَذَلِكَ الْبَانِي لَا يبطل صفته بالبنيان عدم الْمَبْنِيّ وَلَا يلْزم إِذا علمنَا الشَّيْء أَن يكون الْمَعْلُوم وَالْعلم مَعًا بِالزَّمَانِ وَلَكِن الْعَالم قد يعلم الشَّيْء الْمَوْجُود فِي وَقت علمه وَقد يُعلمهُ بعد مضيه وَيعلم أَنه سَيكون فِي الْوَقْت الَّذِي يجب أَن يكون فِيهِ

وَمن الدَّلِيل على فَسَاد مَا قَالُوهُ أَن من صِفَاته ﷿ مَا يتَعَلَّق بِالذَّاتِ كَقَوْلِنَا إِنَّه شَيْء وَإنَّهُ مَوْجُود وَإنَّهُ حَيّ فَيجب على هَذَا الرَّأْي الْفَاسِد أَن يكون البارئ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَل قبل خلق الْأَشْيَاء غير شَيْء وَغير مَوْجُود وَغير حَيّ وَهَذَا يُوجب أَنه كَانَ مَعْدُوما ويلزمهم إِن كَانَت الصِّفَات محدثة مَعَ الْأَشْيَاء أَن يخبرونا من أحدثها لَهُ فَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي أحدثها لنَفسِهِ فَكيف يَجْعَل نَفسه مَوْجُودا من هُوَ مَعْدُوم وشيئا من لَيْسَ بِشَيْء وَحيا من لَيْسَ بحي وَحقا من لَيْسَ بِحَق وَإِن كَانَ غَيره أحدثها لَهُ لم يخل ذَلِك الْغَيْر أَن يكون إِلَهًا آخر غَيره أَو يكون الْبشر هم الَّذين أحدثوها لَهُ فَإِن كَانَ أحدثها لَهُ إِلَه آخر فَهُوَ أَحَق بِالْعبَادَة مِنْهُ وَإِن كَانَ أحدثها الْبشر فَكيف يحدثونها لَهُ وَهُوَ الَّذِي أحدثهم وَإِن جَازَ للمعدوم أَن يحدث مَوْجُودا فَمَا الَّذِي يُنكر من أَن يكون الْعَالم هُوَ الَّذِي أحدث نَفسه

شر فَكيف يحدثونها لَهُ وَهُوَ الَّذِي أحدثهم وَإِن جَازَ للمعدوم أَن يحدث مَوْجُودا فَمَا الَّذِي يُنكر من أَن يكون الْعَالم هُوَ الَّذِي أحدث نَفسه

وَكَيف يحدث غَيره من هُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يحدث نَفسه وَكَيف يَصح أَن يُوصف بالأزل من ذَاته وَصِفَاته محدثات فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا أثبتم لَهُ تَعَالَى الصِّفَات فَهَل تَقولُونَ إِنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الذَّات بِنَفسِهَا أم إِلَى معَان غير الذَّات فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا ترجع إِلَى معَان غير الذَّات وَهُوَ قَول المجسمة وَهَذَا كفر بحت نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُم لأَنهم جعلُوا البارئ تَعَالَى حَامِلا ومحمولا وجوهرا تتَعَلَّق بِهِ الصِّفَات والأعراض تَعَالَى الله عَن قَوْلهم وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهَا على اختلافها ترجع إِلَى الذَّات لَا إِلَى معنى غَيرهَا زَائِد عَلَيْهَا بِأَنَّهُ عَالم وَأَنه علم وَأَنه حَيّ وَأَنه حَيَاة ذَات وَاحِدَة لَا تغاير فِيهَا

وَكَذَلِكَ سَائِر صِفَات الذَّات وَهَذَا قَول كبراء الفلاسفة وزعمائهم وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وداوود وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الْمُسلمين وَقَالَ قوم لَا نقُول إِنَّهَا هُوَ وَلَا إِنَّهَا غَيره فَاعْترضَ عَلَيْهِم من قَالَ إِنَّهَا غير زَائِدَة على الذَّات بِأَن قَالُوا لَيْسَ يعقل شَيْئَانِ لَيْسَ أَحدهمَا الآخر وَلَا هُوَ غَيره فَاعْترضَ عَلَيْهِم أَصْحَاب هَذَا القَوْل وَقَالُوا من أَيْن اسْتَحَالَ إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَيْسَ أَحدهمَا الآخر وَلَا هُوَ غَيره فَإِن قُلْتُمْ لِأَن هَذَا خلاف الْمَعْهُود قُلْنَا لكم فَكيف جَازَ لكم أَن يكون الْعَالم هُوَ الْعلم والحياة هُوَ الْحَيّ والقادر هُوَ الْقُدْرَة وَهَذَا كُله خلاف الْمَعْهُود فَإِن جَازَ لكم هَذَا جَازَ لنا إِثْبَات شَيْئَيْنِ لَا يُقَال إِن أَحدهمَا هُوَ الآخر وَلَا هُوَ غَيره وَإِن كَانَ خلاف الْمَعْهُود

Bagian 1 dari 2