— Bagian 4 · قَالَ إِن أردْت أَن تسبق المقربين فصل من قَطعك و… —
Bagian 4
قَالَ إِن أردْت أَن تسبق المقربين فصل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك واعف عَمَّن ظلمك الْمجِيد
هُوَ الشريف ذَاته الْجَمِيل أَفعاله الجزيل عطاؤه ونوله فَكَأَن شرف الذَّات إِذا قارنه حسن الفعال سمي مجدا وَهُوَ الْمَاجِد أَيْضا وَلَكِن أَحدهمَا أدل على الْمُبَالغَة وَكَأَنَّهُ يجمع مَعَاني اسْم الْجَلِيل والوهاب والكريم وَقد سبق الْكَلَام فِيهَا الْبَاعِث
هُوَ الَّذِي يحيي الْخلق يَوْم النشور وَيبْعَث من فِي الْقُبُور وَيحصل مَا فِي الصُّدُور والبعث هُوَ النشأة الْآخِرَة وَمَعْرِفَة هَذَا الِاسْم مَوْقُوفَة على معرفَة حَقِيقَة الْبَعْث وَذَلِكَ من أغمض المعارف وَأكْثر الْخلق مِنْهُ على توهمات مجملة وتخيلات مُبْهمَة وغايتهم فِيهِ تخيلهم أَن الْمَوْت عدم والبعث إِيجَاد مُبْتَدأ بعد عدم مثل الإيجاد الأول فظنهم أَن الْمَوْت عدم غلط وظنهم أَن الإيجاد الثَّانِي مثل الإيجاد الأول غلط فَأَما ظنهم أَن الْمَوْت عدم فَهُوَ بَاطِل بل الْقَبْر إِمَّا حُفْرَة من حفر النيرَان أَو رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَالْمَيِّت إِمَّا من السُّعَدَاء وَأُولَئِكَ لَيْسُوا أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ٣ سُورَة آل عمرَان الْآيَة ١٦٩ و ١٧٠ وَإِمَّا من الأشقياء وهم أَيْضا أَحيَاء وَلذَلِك ناداهم رَسُول الله ﷺ فِي وقْعَة بدر وَقَالَ إِنِّي وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي
مرَان الْآيَة ١٦٩ و ١٧٠ وَإِمَّا من الأشقياء وهم أَيْضا أَحيَاء وَلذَلِك ناداهم رَسُول الله ﷺ فِي وقْعَة بدر وَقَالَ إِنِّي وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي
حَقًا فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ثمَّ لما قيل لَهُ كَيفَ تنادي قوما قد جيفوا قَالَ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم لكِنهمْ لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا والمشاهدة الْبَاطِنَة دلّت أَرْبَاب البصائر على أَن الْإِنْسَان خلق لِلْأَبَد وَأَنه لَا سَبِيل عَلَيْهِ للعدم نعم تَارَة يقطع تصرفه عَن الْجَسَد فَيُقَال مَاتَ وَتارَة يُعَاد إِلَيْهِ فَيُقَال أحيي وَبعث أَي أحيي جسده وكشف ذَلِك بِالْحَقِيقَةِ مِمَّا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْكتاب وَأما ظنهم أَن الْبَعْث لَيْسَ إيجادا ثَانِيًا وَهُوَ مثل الإيجاد الأول فَغير صَحِيح بل الْبَعْث إنْشَاء آخر لَا يُنَاسب الْإِنْشَاء الأول أصلا وللإنسان نشآت كَثِيرَة وَلَيْسَت هِيَ نشأتين فَقَط وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى وننشئكم فِيمَا لَا تعلمُونَ ٥٦ سُورَة الْوَاقِعَة الْآيَة ٦١ وَلذَلِك قَالَ بعد خلق المضغة والعلقة وَغير ذَلِك ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ٢٣ سُورَة الْمُؤمنِينَ الْآيَة ١٤ بل النُّطْفَة نشأة من التُّرَاب والعلقة نشأة من النُّطْفَة والمضغة نشأة من الْعلقَة وَالروح نشأة من المضغة ولشرف نشأة الرّوح وجلالته وَكَونه أمرا ربانيا قَالَ عِنْد ذَلِك ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ٢٣ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة ١٤ وَقَالَ تَعَالَى ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٨٥ ثمَّ خلق الإدراكات الحسية بعد خلق أصل الرّوح نشأة أُخْرَى ثمَّ خلق التَّمْيِيز الَّذِي يظْهر بعد سبع سِنِين نشأة أُخْرَى ثمَّ خلق الْعقل بعد خمس عشرَة سنة وَمَا يقاربها نشأة أُخْرَى وكل نشأة طور وَقد خَلقكُم أطوارا ٧١ سُورَة نوح الْآيَة ١٤ ثمَّ ظُهُور خاصية الْولَايَة لمن رزق تِلْكَ الخاصية نشأة أُخْرَى ثمَّ ظُهُور خاصية النُّبُوَّة بعد نشأة أُخْرَى وَهِي
طوارا ٧١ سُورَة نوح الْآيَة ١٤ ثمَّ ظُهُور خاصية الْولَايَة لمن رزق تِلْكَ الخاصية نشأة أُخْرَى ثمَّ ظُهُور خاصية النُّبُوَّة بعد نشأة أُخْرَى وَهِي
نوع من الْعَبَث وَالله ﷾ باعث الرُّسُل كَمَا أَنه الْبَاعِث يَوْم النشور وكما أَنه يعسر على ابْن المهد فهم حَقِيقَة التَّمْيِيز قبل حُصُول التَّمْيِيز ويعسر على الْمُمَيز فهم حَقِيقَة الْعقل وَمَا ينْكَشف فِي طوره من الْعَجَائِب قبل حُصُول الْعقل فَكَذَلِك يعسر فهم طور الْولَايَة والنبوة فِي طور الْعقل فَإِن الْولَايَة طور كَمَال وَرَاء نشأة الْعقل كَمَا أَن الْعقل طور كَمَال وَرَاء نشأة التَّمْيِيز والتمييز طور كَمَال وَرَاء نشأة الْحَواس وكما أَن من طباع النَّاس إِنْكَار مَا لم يبلغوه وَلم ينالوه حَتَّى إِن كل وَاحِد يُنكر مَا لم يُشَاهِدهُ وَلم يحصل لَهُ وَلَا يُؤمن بِمَا غَابَ عَنهُ فَمن طباعهم إِنْكَار الْولَايَة وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إِنْكَار النشأة الثَّانِيَة والحياة الْآخِرَة لأَنهم لم يبلغوها بعد وَلَو عرض طور الْعقل وعالمه وَمَا يظْهر فِيهِ من الْعَجَائِب على الْمُمَيز لأنكره وجحده وأحال وجوده فَمن آمن بِشَيْء مِمَّا لم يبلغهُ فقد آمن بِالْغَيْبِ وَذَلِكَ هُوَ مِفْتَاح السعادات وكما أَن طور الْعقل وإدراكاته ونشأته بعيد الْمُنَاسبَة عَن الإدراكات الَّتِي قبله فَكَذَلِك النشأة الْآخِرَة بل أبعد فَلَا يَنْبَغِي أَن تقاس النشأة الْآخِرَة بِالْأولَى وَهَذِه النشآت هِيَ أطوار ذَات وَاحِدَة ومراقيها الَّتِي تصعد فِيهَا إِلَى دَرَجَات الْكَمَال حَتَّى تقرب من الحضرة الَّتِي هِيَ مُنْتَهى كل كَمَال وَتَكون عِنْد الله ﷿ بَين رد وَقبُول وحجاب ووصول فَإِن قبل رقي إِلَى أَعلَى العليين وَإِلَّا رد إِلَى أَسْفَل السافلين وَالْمَقْصُود أَن لَا مُنَاسبَة بَين النشأتين إِلَّا من حَيْثُ الِاسْم وَمن لم يعرف النشأة والبعث لم يعرف معنى اسْم الْبَاعِث وَشرح ذَلِك يطول فلنتجاوزه
تَنْبِيه حَقِيقَة الْبَعْث ترجع إِلَى إحْيَاء الْمَوْتَى بإنشائهم نشأة أُخْرَى وَالْجهل هُوَ الْمَوْت الْأَكْبَر وَالْعلم هُوَ الْحَيَاة الْأَشْرَف وَقد ذكر الله ﷾ الْعلم وَالْجهل فِي كِتَابه الْعَزِيز وسماهما حَيَاة وموتا وَمن رقى غَيره من الْجَهْل إِلَى الْمعرفَة فقد أنشأه نشأة أُخْرَى وأحياه حَيَاة طيبَة فَإِن كَانَ للْعَبد مدْخل فِي إِفَادَة الْخلق الْعلم ودعائهم إِلَى الله تَعَالَى فَذَلِك نوع من الْإِحْيَاء وَهِي رُتْبَة الْأَنْبِيَاء وَمن يرثهم من الْعلمَاء الشَّهِيد
يرجع مَعْنَاهُ إِلَى الْعَلِيم مَعَ خُصُوص إِضَافَة فَإِن الله ﷿ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة والغيب عبارَة عَمَّا بطن وَالشَّهَادَة عَمَّا ظهر وَهُوَ الَّذِي يُشَاهد فَإِذا اعْتبر الْعلم مُطلقًا فَهُوَ الْعَلِيم وَإِذا أضيف إِلَى الْغَيْب والأمور الْبَاطِنَة فَهُوَ الْخَبِير وَإِذا أضيف إِلَى الْأُمُور الظَّاهِرَة فَهُوَ الشَّهِيد وَقد يعْتَبر مَعَ هَذَا أَن يشْهد على الْخلق يَوْم الْقِيَامَة بِمَا علم وَشَاهد مِنْهُم وَالْكَلَام فِي هَذَا الِاسْم يقرب من الْكَلَام فِي الْعَلِيم والخبير فَلَا نعيده الْحق
هُوَ فِي مُقَابلَة الْبَاطِل والأشياء قد تستبان بأضدادها وكل مَا يخبر عَنهُ فإمَّا بَاطِل مُطلقًا وَإِمَّا حق مُطلقًا وَإِمَّا حق من وَجه بَاطِل من وَجه فالممتنع بِذَاتِهِ هُوَ الْبَاطِل مُطلقًا وَالْوَاجِب بِذَاتِهِ هُوَ الْحق مُطلقًا والممكن بِذَاتِهِ الْوَاجِب بِغَيْرِهِ هُوَ حق من وَجه بَاطِل من وَجه فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته لَا وجود لَهُ فَهُوَ بَاطِل وَهُوَ من جِهَة غَيره مستفيد للوجود فَهُوَ من هَذَا الْوَجْه الَّذِي يَلِي مُفِيد الْوُجُود مَوْجُود فَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه حق وَمن جِهَة نَفسه بَاطِل فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه ٢٨ سُورَة
ِي يَلِي مُفِيد الْوُجُود مَوْجُود فَهُوَ من ذَلِك الْوَجْه حق وَمن جِهَة نَفسه بَاطِل فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه ٢٨ سُورَة
الْقَصَص الْآيَة ٨٨ وَهُوَ كَذَلِك أزلا وأبدا لَيْسَ ذَلِك فِي حَال دون حَال لِأَن كل شَيْء سواهُ أزلا وأبدا من حَيْثُ ذَاته لَا يسْتَحق الْوُجُود وَمن جِهَته يسْتَحق فَهُوَ بَاطِل بِذَاتِهِ حق بِغَيْرِهِ وَعند هَذَا تعرف أَن الْحق الْمُطلق هُوَ الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ بِذَاتِهِ الَّذِي مِنْهُ يَأْخُذ كل حق حَقِيقَته وَقد يُقَال أَيْضا للمعقول الَّذِي صَادف بِهِ الْعقل الْمَوْجُود حَتَّى طابقه إِنَّه حق فَهُوَ من حَيْثُ ذَاته يُسمى مَوْجُودا وَمن حَيْثُ إِضَافَته إِلَى الْعقل الَّذِي أدْركهُ على مَا هُوَ عَلَيْهِ يُسمى حَقًا فَإِذا أَحَق الموجودات بِأَن يكون حَقًا هُوَ الله تَعَالَى وأحق المعارف بِأَن تكون حَقًا هيمعرفة الله ﷿ فَإِنَّهُ حق فِي نَفسه أَي مُطَابق للمعلوم أزلا وأبدا ومطابقته لذاته لَا لغيره لَا كَالْعلمِ بِوُجُود غَيره فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مَا دَامَ ذَلِك الْغَيْر مَوْجُودا فَإِذا عدم عَاد ذَلِك الِاعْتِقَاد بَاطِلا وَذَلِكَ الِاعْتِقَاد أَيْضا لَا يكون حَقًا لذات المعتقد لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودا لذاته بل هُوَ مَوْجُود لغيره وَقد يُطلق ذَلِك على الْأَقْوَال فَيُقَال قَول حق وَقَول بَاطِل وعَلى ذَلِك فأحق الْأَقْوَال قَوْلك لَا إِلَه إِلَّا الله لِأَنَّهُ صَادِق أبدا وأزلا لذاته لَا لغيره فَإِذا يُطلق الْحق على الْوُجُود فِي الْأَعْيَان وعَلى الْوُجُود فِي الأذهان وَهُوَ الْمعرفَة وعَلى الْوُجُود الَّذِي فِي اللِّسَان وَهُوَ النُّطْق فأحق الْأَشْيَاء بِأَن يكون حَقًا هُوَ الَّذِي يكون وجوده ثَابتا لذاته أزلا وأبدا ومعرفته حَقًا أزلا وأبدا وَالشَّهَادَة لَهُ حَقًا أزلا وأبدا وكل ذَلِك لذات الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ لَا لغيره تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يرى نَفسه بَاطِلا وَلَا يرى غير الله عز
َقًا أزلا وأبدا وكل ذَلِك لذات الْمَوْجُود الْحَقِيقِيّ لَا لغيره تَنْبِيه حَظّ العَبْد من هَذَا الِاسْم أَن يرى نَفسه بَاطِلا وَلَا يرى غير الله عز
وَجل حَقًا وَالْعَبْد إِن كَانَ حَقًا فَلَيْسَ حَقًا بِنَفسِهِ بل هُوَ حق بِاللَّه ﷿ فَإِنَّهُ مَوْجُود بِهِ لَا بِذَاتِهِ بل هُوَ بِذَاتِهِ بَاطِل لَوْلَا إِيجَاد الْحق لَهُ فقد أَخطَأ من قَالَ أَنا الْحق إِلَّا بِأحد التَّأْويلَيْنِ أَحدهمَا أَن يَعْنِي أَنه بِالْحَقِّ وَهَذَا التَّأْوِيل بعيد لِأَن اللَّفْظ لَا ينبىء عَنهُ وَلِأَن ذَلِك لَا يَخُصُّهُ بل كل شَيْء سوى الْحق فَهُوَ بِالْحَقِّ التَّأْوِيل الثَّانِي أَن يكون مُسْتَغْرقا بِالْحَقِّ حَتَّى لَا يكون فِيهِ متسع لغيره وَمَا أَخذ كُلية الشَّيْء واستغرقه فقد يُقَال إِنَّه هُوَ كَمَا يَقُول الشَّاعِر أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... نَحن روحان حللنا بدنا وَيَعْنِي بِهِ الِاسْتِغْرَاق وَأهل التصوف لما كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم رُؤْيَة فنَاء أنفسهم من حَيْثُ ذاتهم كَانَ الْجَارِي على لسانهم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَفِي أَكثر الْأَقْوَال وَالْأَحْوَال هُوَ الْحق لأَنهم يلحظون الذَّات الْحَقِيقِيَّة دون مَا هُوَ هَالك فِي نَفسه وَأهل الْكَلَام لما كَانُوا أبعد فِي مقَام الِاسْتِدْلَال بالأفعال كَانَ الْجَارِي على لسانهم فِي الْأَكْثَر اسْم البارئ الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْخَالِق وَأكْثر الْخلق يرَوْنَ كل شَيْء سواهُ فيستشهدون عَلَيْهِ بِمَا يرونه وهم المخاطبون بقوله تَعَالَى أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء ٧ سُورَة الْأَعْرَاف الْآيَة ١٨٥ وَالصِّدِّيقُونَ لَا يرَوْنَ شَيْئا سواهُ فيستشهدون بِهِ عَلَيْهِ وهم المخاطبون بقوله تَعَالَى أولم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد ٤١ سُورَة فصلت الْآيَة ٥٣
الْوَكِيل
هُوَ الموكول إِلَيْهِ الْأُمُور وَلَكِن الموكول إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى من يُوكل إِلَيْهِ بعض الْأُمُور وَذَلِكَ نَاقص وَإِلَى من يُوكل إِلَيْهِ الْكل وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله ﷾ والموكول إِلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى من يسْتَحق أَن يكون موكولا إِلَيْهِ لَا بِذَاتِهِ وَلَكِن بالتفويض وَالتَّوْكِيل وَهَذَا نَاقص لِأَنَّهُ فَقير إِلَى التَّفْوِيض وَالتَّوْلِيَة وَإِلَى من يسْتَحق بِذَاتِهِ أَن تكون الْأُمُور موكولة إِلَيْهِ والقلوب متوكلة عَلَيْهِ لَا بتولية وتفويض من جِهَة غَيره وَذَلِكَ هُوَ الْوَكِيل الْمُطلق وَالْوَكِيل أَيْضا يَنْقَسِم إِلَى من يَفِي بِمَا وكل إِلَيْهِ وَفَاء تَاما من غير قُصُور وَإِلَى من لَا يَفِي بِالْجَمِيعِ وَالْوَكِيل الْمُطلق هُوَ الَّذِي الْأُمُور موكولة إِلَيْهِ وَهُوَ ملي بِالْقيامِ بهَا وَفِي بإتمامها وَذَلِكَ هُوَ الله تَعَالَى فَقَط وَقد فهمت من هَذَا مِقْدَار مدْخل العَبْد فِي معنى هَذَا الِاسْم الْقوي المتين
الْقُوَّة تدل على الْقُدْرَة التَّامَّة والمتانة تدل على شدَّة الْقُوَّة وَالله ﷾ من حَيْثُ إِنَّه بَالغ الْقُدْرَة تامها قوي وَمن حَيْثُ إِنَّه شَدِيدَة الْقُوَّة متين وَذَلِكَ يرجع إِلَى مَعَاني الْقُدْرَة وَسَيَأْتِي ذَلِك الْوَلِيّ
هُوَ الْمُحب النَّاصِر وَمعنى وده ومحبته قد سبق وَمعنى نصرته ظَاهر فَإِنَّهُ يقمع أَعدَاء الدّين وينصر أولياءه قَالَ الله ﷾ الله ولي الَّذين آمنُوا وَقَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَن الله مولى الَّذين آمنُوا وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم
مُحَمَّد الْآيَة ١١ أَي لَا نَاصِر لَهُم وَقَالَ ﷿ كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي ٥٨ سُورَة المجادلة الْآيَة ٢١ تَنْبِيه الْوَلِيّ من الْعباد من يحب الله ﷿ وَيُحب أولياءه وينصره وينصر أولياءه ويعادي أعداءه وَمن أعدائه النَّفس والشيطان فَمن خذلهما وَنصر أَمر الله تَعَالَى ووالى أَوْلِيَاء الله وعادى أعداءه فَهُوَ الْوَلِيّ من الْعباد الحميد
يعادي أعداءه وَمن أعدائه النَّفس والشيطان فَمن خذلهما وَنصر أَمر الله تَعَالَى ووالى أَوْلِيَاء الله وعادى أعداءه فَهُوَ الْوَلِيّ من الْعباد الحميد
هُوَ الْمَحْمُود الْمثنى عَلَيْهِ وَالله ﷿ هُوَ الحميد بِحَمْدِهِ لنَفسِهِ أزلا وبحمد عباده لَهُ أبدا وَيرجع هَذَا إِلَى صِفَات الْجلَال والعلو والكمال مَنْسُوبا إِلَى ذكر الذَّاكِرِينَ لَهُ فَإِن الْحَمد هُوَ ذكر أَوْصَاف الْكَمَال من حَيْثُ هُوَ كَمَال تَنْبِيه الحميد من الْعباد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله كلهَا من غير مثنوية وَذَاكَ هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَمن يقرب مِنْهُ من الْأَنْبِيَاء وَمن عداهم من الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وكل وَاحِد مِنْهُم حميد بِقدر مَا يحمد من عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله وَإِذا كَانَ لَا يَخْلُو أحد عَن مذمة وَنقص وَإِن كثرت محامده فالحميد الْمُطلق هُوَ الله تَعَالَى المحصي
هُوَ الْعَالم وَلَكِن إِذا أضيف الْعلم إِلَى المعلومات من حَيْثُ يحصي
المعلومات ويعدها ويحيط بهَا سمي إحصاء والمحصي الْمُطلق هُوَ الَّذِي ينْكَشف فِي علمه حد كل مَعْلُوم وعدده ومبلغه وَالْعَبْد وَإِن أمكنه أَن يحصي بِعِلْمِهِ بعض المعلومات فَإِنَّهُ يعجز عَن حصر أَكْثَرهَا فمدخله فِي هَذَا الِاسْم ضَعِيف كمدخله فِي أصل الْعلم المبدئ المعيد
مَعْنَاهُ الموجد لَكِن الإيجاد إِذا لم يكن مَسْبُوقا بِمثلِهِ سمي إبداء وَإِذا كَانَ مَسْبُوقا بِمثلِهِ سمي إِعَادَة وَالله ﷾ بَدَأَ خلق النَّاس ثمَّ هُوَ الَّذِي يعيدهم أَي يحشرهم والأشياء كلهَا مِنْهُ بدأت وَإِلَيْهِ تعود وَبِه بدأت وَبِه تعود المحيي المميت
هَذَا أَيْضا يرجع إِلَى الإيجاد وَلَكِن الْمَوْجُود إِذْ كَانَ هُوَ الْحَيَ اة سمي فعله إحْيَاء وَإِذا كَانَ هُوَ الْمَوْت سمي فعله إماتة وَلَا خَالق للْمَوْت والحياة إِلَّا الله ﷾ فَلَا مميت وَلَا محيي إِلَّا الله ﷿ وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى معنى الْحَيَاة فِي اسْم الْبَاعِث فَلَا نعيده الْحَيّ
للْمَوْت والحياة إِلَّا الله ﷾ فَلَا مميت وَلَا محيي إِلَّا الله ﷿ وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَى معنى الْحَيَاة فِي اسْم الْبَاعِث فَلَا نعيده الْحَيّ
هُوَ الفعال الدراك حَتَّى إِن من لَا فعل لَهُ أصلا وَلَا إِدْرَاك فَهُوَ ميت وَأَقل دَرَجَات الْإِدْرَاك أَن يشْعر الْمدْرك بِنَفسِهِ فَمَا لَا يشْعر بِنَفسِهِ فَهُوَ الجماد وَالْمَيِّت فالحي الْكَامِل الْمُطلق هُوَ الَّذِي ينْدَرج جَمِيع المدركات تَحت إِدْرَاكه وَجَمِيع الموجودات تَحت فعله حَتَّى لَا يشذ عَن علمه مدرك وَلَا عَن فعله مفعول وَذَلِكَ الله ﷿ فَهُوَ الْحَيّ الْمُطلق وكل حَيّ سواهُ
فحياته بِقدر إِدْرَاكه وَفعله وكل ذَلِك مَحْصُور فِي قلَّة ثمَّ إِن الْأَحْيَاء يتفاوتون فِيهِ فمراتبهم بِقدر تفاوتهم كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي مَرَاتِب الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس والبهائم القيوم
اعْلَم أَن الْأَشْيَاء تَنْقَسِم إِلَى مَا يفْتَقر إِلَى مَحل كالأغراض والأوصاف فَيُقَال فِيهَا إِنَّهَا لَيست قَائِمَة بأنفسها وَإِلَى مَا يحْتَاج إِلَى مَحل فَيُقَال إِنَّه قَائِم بِنَفسِهِ كالجواهر إِلَّا أَن الْجَوْهَر وَإِن قَامَ بِنَفسِهِ مستغنيا عَن مَحل يقوم بِهِ فَلَيْسَ مستغنيا عَن أُمُور لَا بُد مِنْهَا لوُجُوده وَتَكون شرطا فِي وجوده فَلَا يكون قَائِما بِنَفسِهِ لِأَنَّهُ يحْتَاج فِي قوامه إِلَى وجود غَيره وَإِن لم يحْتَج إِلَى مَحل فَإِن كَانَ فِي الْوُجُود مَوْجُود يَكْفِي ذَاته بِذَاتِهِ وَلَا قوام لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَا يشْتَرط فِي دوَام وجوده وجود غَيره فَهُوَ الْقَائِم بِنَفسِهِ مُطلقًا فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك يقوم بِهِ كل مَوْجُود حَتَّى لَا يتَصَوَّر للأشياء وجود وَلَا دوَام وجود إِلَّا بِهِ فَهُوَ القيوم لِأَن قوامه بِذَاتِهِ وقوام كل شَيْء بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله ﷾ ومدخل العَبْد فِي هَذَا الْوَصْف بِقدر استغنائه عَمَّا سوى الله تَعَالَى الْوَاجِد
قوامه بِذَاتِهِ وقوام كل شَيْء بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الله ﷾ ومدخل العَبْد فِي هَذَا الْوَصْف بِقدر استغنائه عَمَّا سوى الله تَعَالَى الْوَاجِد
هُوَ الَّذِي لَا يعوزه شَيْء وَهُوَ فِي مُقَابلَة الفاقد وَلَعَلَّ من فَاتَهُ مَا لَا حَاجَة بِهِ إِلَى وجوده لَا يُسمى فاقدا وَالَّذِي يحضرهُ مَا لَا تعلق لَهُ بِذَاتِهِ وَلَا بِكَمَال ذَاته لَا يُسمى واجدا بل الْوَاجِد من لَا يعوزه شَيْء مِمَّا لَا بُد مِنْهُ وكل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي صِفَات الإلهية وكمالها فَهُوَ مَوْجُود لله ﷾ فَهُوَ بِهَذَا
الِاعْتِبَار وَاجِد وَهُوَ الْوَاجِد الْمُطلق وَمن عداهُ إِن كَانَ واجدا لشَيْء من صِفَات الْكَمَال وأسبابه فَهُوَ فَاقِد لِأَشْيَاء فَلَا يكون واجدا إِلَّا بِالْإِضَافَة الْمَاجِد
بِمَعْنى الْمجِيد كالعالم بِمَعْنى الْعَلِيم لَكِن الفعيل أَكثر مُبَالغَة وَقد سبق مَعْنَاهُ الْوَاحِد
هُوَ الَّذِي لَا يتجرأ وَلَا يثنى أما الَّذِي لَا يتَجَزَّأ فكالجوهر الْوَاحِد الَّذِي لَا يَنْقَسِم فَيُقَال إِنَّه وَاحِد بِمَعْنى أَنه لَا جُزْء لَهُ وَكَذَا النقطة لَا جُزْء لَهَا وَالله تَعَالَى وَاحِد بِمَعْنى أَنه يَسْتَحِيل تَقْدِير الانقسام فِي ذَاته وَأما الَّذِي لَا يتثنى فَهُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ كَالشَّمْسِ مثلا فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت قَابِلَة للانقسام بالوهم متجزئة فِي ذَاتهَا لِأَنَّهَا من قبيل الْأَجْسَام فَهِيَ لَا نَظِير لَهَا إِلَّا أَنه يُمكن أَن يكون لَهَا نَظِير فَإِن كَانَ فِي الْوُجُود مَوْجُود يتفرد بِخُصُوص وجوده تفردا لَا يتَصَوَّر أَن يُشَارِكهُ غَيره فِيهِ أصلا فَهُوَ الْوَاحِد الْمُطلق أزلا وأبدا وَالْعَبْد إِنَّمَا يكون وَاحِدًا إِذا لم يكن لَهُ فِي أَبنَاء جنسه نَظِير فِي خصْلَة من خِصَال الْخَيْر وَذَلِكَ بِالْإِضَافَة إِلَى أَبنَاء جنسه وبالإضافة إِلَى الْوَقْت إِذْ يُمكن أَن يظْهر فِي وَقت آخر مثله وبالإضافة إِلَى بعض الْخِصَال دون الْجَمِيع فَلَا وحدة على الْإِطْلَاق إِلَّا لله تَعَالَى
الصَّمد
هُوَ الَّذِي يصمد إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج ويقصد إِلَيْهِ فِي الرغائب إِذْ يَنْتَهِي إِلَيْهِ مُنْتَهى السؤدد وَمن جعله الله تَعَالَى مقصد عباده فِي مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على يَده وَلسَانه حوائج خلقه فقد أنعم عَلَيْهِ بحظ من معنى هَذَا الْوَصْف لَكِن الصَّمد الْمُطلق هُوَ الَّذِي يقْصد إِلَيْهِ فِي جَمِيع الْحَوَائِج وَهُوَ الله ﷾ الْقَادِر المقتدر
د أنعم عَلَيْهِ بحظ من معنى هَذَا الْوَصْف لَكِن الصَّمد الْمُطلق هُوَ الَّذِي يقْصد إِلَيْهِ فِي جَمِيع الْحَوَائِج وَهُوَ الله ﷾ الْقَادِر المقتدر
مَعْنَاهُمَا ذُو الْقُدْرَة لَكِن المقتدر أَكثر مُبَالغَة وَالْقُدْرَة عبارَة عَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ يُوجد الشَّيْء متقدرا بِتَقْدِير الْإِرَادَة وَالْعلم وَاقعا على وفقهما والقادر هُوَ الَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ لم يفعل وَلَيْسَ من شَرطه أَن يَشَاء لَا محَالة فَإِن الله قَادر على إِقَامَة الْقِيَامَة الْآن لِأَنَّهُ لَو شَاءَ أَقَامَهَا فَإِن كَانَ لَا يقيمها لِأَنَّهُ لم يشأها وَلَا يشاؤها لما جرى فِي سَابق علمه من تَقْدِير أجلهَا ووقتها فَلذَلِك لَا يقْدَح فِي الْقُدْرَة والقادر الْمُطلق هُوَ الَّذِي يخترع كل مَوْجُود اختراعا يتفرد بِهِ ويستغني فِيهِ عَن معاونة غَيره وَهُوَ الله تَعَالَى وَأما العَبْد فَلهُ قدرَة على الْجُمْلَة وَلكنهَا نَاقِصَة إِذْ لَا يتَنَاوَل إِلَّا بعض الممكنات وَلَا يصلح للاختراع بل الله تَعَالَى هُوَ المخترع لمقدورات العَبْد بِوَاسِطَة قدرته مهما هيأ لَهُ جَمِيع أَسبَاب الْوُجُود لمقدوره وَتَحْت هَذَا غور لَا يحْتَمل مثل هَذَا الْكتاب كشفه الْمُقدم والمؤخر
هُوَ الَّذِي يقرب وَيبعد وَمن قربه فقد قدمه وَمن أبعده فقد أَخّرهُ وَقد قدم أنبياءه وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم وَأخر أعداءه بإبعادهم وَضرب الْحجاب بَينه وَبينهمْ وَالْملك إِذا قرب شَخْصَيْنِ مثلا وَلَكِن جعل أَحدهمَا أقرب إِلَى نَفسه يُقَال قدمه أَي جعله قُدَّام غَيره
اءه بإبعادهم وَضرب الْحجاب بَينه وَبينهمْ وَالْملك إِذا قرب شَخْصَيْنِ مثلا وَلَكِن جعل أَحدهمَا أقرب إِلَى نَفسه يُقَال قدمه أَي جعله قُدَّام غَيره
والقدام تَارَة يكون فِي الْمَكَان وَتارَة يكون فِي الرُّتْبَة وَهُوَ مُضَاف لَا محَالة إِلَى مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا بُد فِيهِ من مقصد هُوَ الْغَايَة بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ يتَقَدَّم مَا يتَقَدَّم ويتأخر مَا يتَأَخَّر والمقصد هُوَ الله ﷾ والمقدم عِنْد الله تَعَالَى هُوَ المقرب فقد قدم الْمَلَائِكَة ثمَّ الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْأَوْلِيَاء ثمَّ الْعلمَاء وكل مُتَأَخّر فَهُوَ مُؤخر بِالْإِضَافَة إِلَى مَا قبله مقدم بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده وَالله ﷾ هُوَ الْمُقدم والمؤخر لِأَنَّك إِذا أحلّت تقدمهم وتأخرهم على توفيرهم وتقصيرهم وكمالهم فِي الصِّفَات ونقصهم فَمن الَّذِي حملهمْ على التوفير بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة بإثارة دواعيهم وَمن الَّذِي حملهمْ على التَّقْصِير بِصَرْف دواعيهم إِلَى ضد الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَذَلِكَ كُله من الله تَعَالَى فَهُوَ الْمُقدم والمؤخر وَالْمرَاد هُوَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي الرُّتْبَة وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه لم يتَقَدَّم من تقدم بِعِلْمِهِ وَعَمله بل بِتَقْدِيم الله ﷿ إِيَّاه وَكَذَلِكَ الْمُتَأَخر وَقد صرح بذلك قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون ٢١ سُورَة الْأَنْبِيَاء الْآيَة ١٠١ وَقَوله تَعَالَى وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم ٣٢ سُورَة السَّجْدَة الْآيَة ١٣ تَنْبِيه حَظّ العَبْد من صِفَات الْأَفْعَال ظَاهر فَلذَلِك قد لَا نشتغل بإعادته فِي كل اسْم حذرا من التَّطْوِيل إِذْ فِيمَا ذَكرْنَاهُ تَعْرِيف لطريق الْكَلَام الأول وَالْآخر
اعْلَم أَن الأول يكون أَولا بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وَالْآخر يكون آخرا بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وهما متناقضان فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد من وَجه وَاحِد بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وَاحِد أَولا وآخرا جَمِيعًا بل إِذا نظرت إِلَى
تَرْتِيب الْوُجُود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فَالله تَعَالَى بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا أول إِذْ الموجودات كلهَا استفادت الْوُجُود مِنْهُ وَأما هُوَ فموجود بِذَاتِهِ وَمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود من غَيره وَمهما نظرت إِلَى تَرْتِيب السلوك ولاحظت مَرَاتِب منَازِل السائرين إِلَيْهِ فَهُوَ آخر إِذْ هُوَ آخر مَا يرتقي إِلَيْهِ دَرَجَات العارفين وكل معرفَة تحصل قبل مَعْرفَته فَهِيَ مرقاة إِلَى مَعْرفَته والمنزل الْأَقْصَى هُوَ معرفَة الله ﷾ فَهُوَ آخر بِالْإِضَافَة إِلَى السلوك أول بِالْإِضَافَة إِلَى الْوُجُود فَمِنْهُ المبدأ أَولا وَإِلَيْهِ الْمرجع والمصير آخرا الظَّاهِر الْبَاطِن
هَذَانِ الوصفان أَيْضا من المضافات فَإِن الظَّاهِر يكون ظَاهرا لشَيْء وَبَاطنا لشَيْء وَلَا يكون من وَجه وَاحِد ظَاهرا وَبَاطنا بل يكون ظَاهرا من وَجه بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك وَبَاطنا من وَجه آخر فَإِن الظُّهُور والبطون إِنَّمَا يكون بِالْإِضَافَة إِلَى الإدراكات وَالله ﷾ بَاطِن إِن طلب من إِدْرَاك الْحَواس وخزانة الخيال ظَاهر إِن طلب من خزانَة الْعقل بطرِيق الِاسْتِدْلَال فَإِن قلت أما كَونه بَاطِنا بِالْإِضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْحَواس فَظَاهر وَأما كَونه ظَاهرا لِلْعَقْلِ فغامض إِذْ الظَّاهِر مَا لَا يتمارى فِيهِ وَلَا يخْتَلف النَّاس فِي إِدْرَاكه وَهَذَا مِمَّا قد وَقع فِيهِ الريب الْكثير لِلْخلقِ فَكيف يكون ظَاهرا فَاعْلَم أَنه إِنَّمَا خَفِي مَعَ ظُهُوره لشدَّة ظُهُوره فظهوره سَبَب بطونه ونوره هُوَ حجاب نوره وكل مَا جَاوز حَده انعكس على ضِدّه ولعلك تتعجب من هَذَا الْكَلَام وتستبعده وَلَا تفهمه إِلَّا بمثال فَأَقُول لَو نظرت إِلَى كلمة وَاحِدَة كتبهَا كَاتب لاستدللت بهَا على كَون الْكَاتِب عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا واستفدت مِنْهُ الْيَقِين بِوُجُود هَذِه
ُول لَو نظرت إِلَى كلمة وَاحِدَة كتبهَا كَاتب لاستدللت بهَا على كَون الْكَاتِب عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا واستفدت مِنْهُ الْيَقِين بِوُجُود هَذِه
الصِّفَات بل لَو رَأَيْت كلمة مَكْتُوبَة لحصل لَك يَقِين قَاطع بِوُجُود كَاتب لَهَا عَالم قَادر سميع بَصِير حَيّ وَلم يدل عَلَيْهِ إِلَّا صُورَة كلمة وَاحِدَة وكما تشهد هَذِه الْكَلِمَة شَهَادَة قَاطِعَة بِصِفَات الْكَاتِب فَمَا من ذرة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض من فلك وكوكب وشمس وقمر وحيوان ونبات وَصفَة وموصوف إِلَّا وَهِي شاهدة على نَفسهَا بِالْحَاجةِ إِلَى مُدبر دبرهَا وقدرها وخصصها بِخُصُوص صفاتها بل لَا ينظر الْإِنْسَان إِلَى عُضْو من أَعْضَاء نَفسه وجزء من أَجْزَائِهِ ظَاهرا وَبَاطنا بل إِلَى صفة من صِفَاته وَحَالَة من حالاته الَّتِي تجْرِي عَلَيْهِ قهرا بِغَيْر اخْتِيَاره إِلَّا ويراها ناطقة بِالشَّهَادَةِ لخالقها وقاهرها ومدبرها وَكَذَلِكَ كل مَا يُدْرِكهُ بِجَمِيعِ حواسه فِي ذَاته وخارجا من ذَاته وَلَو كَانَت الْأَشْيَاء مُخْتَلفَة فِي الشَّهَادَة يشْهد بَعْضهَا وَلَا يشْهد بَعْضهَا لَكَانَ الْيَقِين حَاصِلا للْجَمِيع وَلَكِن لما كثرت الشَّهَادَات حَتَّى اتّفقت خفيت وغمضت لشدَّة الظُّهُور ومثاله أَن أظهر الْأَشْيَاء مَا يدْرك بالحواس وأظهرها مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر وَأظْهر مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر نور الشَّمْس الْمشرق على الْأَجْسَام الَّذِي بِهِ يظْهر كل شَيْء فَمَا بِهِ يظْهر كل شَيْء كَيفَ لَا يكون ظَاهرا
صَر وَأظْهر مَا يدْرك بحاسة الْبَصَر نور الشَّمْس الْمشرق على الْأَجْسَام الَّذِي بِهِ يظْهر كل شَيْء فَمَا بِهِ يظْهر كل شَيْء كَيفَ لَا يكون ظَاهرا وَقد أشكل ذَلِك على خلق كثير حَتَّى قَالُوا الْأَشْيَاء الملونة لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ألوانها فَقَط من سَواد وَحُمرَة فَأَما أَن يكون فِيهَا مَعَ اللَّوْن ضوء وَنور مُقَارن للون فَلَا وَهَؤُلَاء إِنَّمَا نبهوا على قيام النُّور بالمتلونات بالتفرقة الَّتِي يدركونها بَين الظل وَمَوْضِع النُّور وَبَين اللَّيْل وَالنَّهَار فَإِن الشَّمْس لما تصور غيبتها بِاللَّيْلِ واحتجابها بالأجسام الْمظْلمَة بِالنَّهَارِ انْقَطع أَثَرهَا عَن المتلونات فأدركت التَّفْرِقَة بَين المتأثر المستضيء بهَا وَبَين المظلم المحجوب عَنْهَا فَعرف وجود النُّور بِعَدَمِ النُّور إِذا أضيف حَالَة الْعَدَم إِلَى حَالَة الْوُجُود فأدركت التَّفْرِقَة مَعَ بَقَاء الألوان فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَو أطبق نور الشَّمْس كل الْأَجْسَام الظَّاهِرَة لشخص وَلم تغب الشَّمْس حَتَّى يدْرك التَّفْرِقَة لتعذر عَلَيْهِ معرفَة كَون النُّور
لْحَالَتَيْنِ وَلَو أطبق نور الشَّمْس كل الْأَجْسَام الظَّاهِرَة لشخص وَلم تغب الشَّمْس حَتَّى يدْرك التَّفْرِقَة لتعذر عَلَيْهِ معرفَة كَون النُّور
شَيْئا مَوْجُودا زَائِدا على الألوان مَعَ أَنه أظهر الْأَشْيَاء بل هُوَ الَّذِي بِهِ يظْهر جَمِيع الْأَشْيَاء وَلَو تصور لله تَعَالَى وتقدس عدم أَو غيبَة عَن بعض الْأُمُور لانهدت السَّمَوَات وَالْأَرْض وكل مَا انْقَطع نوره عَنهُ ولأدركت التَّفْرِقَة بَين الْحَالَتَيْنِ وَعلم وجوده قطعا وَلَكِن لما كَانَت الْأَشْيَاء كلهَا متفقة فِي الشَّهَادَة وَالْأَحْوَال كلهَا مطردَة على نسق وَاحِد كَانَ ذَلِك سَببا لخفائه فسبحان من احتجب عَن الْخلق بنوره وخفي عَلَيْهِم بِشدَّة ظُهُوره فَهُوَ الظَّاهِر الَّذِي لَا أظهر مِنْهُ وَهُوَ الْبَاطِن الَّذِي لَا أبطن مِنْهُ تَنْبِيه لَا تتعجبن من هَذَا فِي صِفَات الله تَعَالَى وتقدس فَإِن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ الْإِنْسَان إِنْسَان ظَاهر بَاطِن فَإِنَّهُ ظَاهر إِن اسْتدلَّ عَلَيْهِ بأفعاله الْمرتبَة المحكمة بَاطِن إِن طلب من إِدْرَاك الْحس فَإِن الْحس إِنَّمَا يتَعَلَّق بِظَاهِر بَشرته وَلَيْسَ الْإِنْسَان إنْسَانا بالبشرة المرئية مِنْهُ بل لَو تبدلت تِلْكَ الْبشرَة بل سَائِر أَجْزَائِهِ فَهُوَ هُوَ والأجزاء متبدلة وَلَعَلَّ أَجزَاء كل إِنْسَان بعد كبره غير الْأَجْزَاء الَّتِي كَانَت فِيهِ عِنْد صغره فَإِنَّهَا تحللت بطول الزَّمَان وتبدلت بأمثالها بطرِيق الاغتذاء وهويته لم تتبدل فَتلك الهوية باطنة عَن الْحَواس ظَاهِرَة لِلْعَقْلِ بطرِيق الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا بآثارها وأفعالها الْبر
هُوَ المحسن وَالْبر الْمُطلق هُوَ الَّذِي مِنْهُ كل مبرة وإحسان وَالْعَبْد إِنَّمَا يكون برا بِقدر مَا يتعاطاه من الْبر وَلَا سِيمَا بِوَالِديهِ وأستاذه وشيوخه رُوِيَ أَن مُوسَى ﵇ لما كَلمه ربه رأى رجلا قَائِما عِنْد سَاق
الْعَرْش فتعجب من علو مَكَانَهُ فَقَالَ يَا رب بِمَ بلغ هَذَا العَبْد هَذَا الْمحل فَقَالَ إِنَّه كَانَ لَا يحْسد عبدا من عبَادي على مَا آتيته وَكَانَ بارا بِوَالِديهِ هَذَا بر العَبْد فَأَما تَفْصِيل بر الله تَعَالَى وإحسانه إِلَى خلقه فَيطول شَرحه وَفِي بعض مَا ذَكرْنَاهُ مَا يُنَبه عَلَيْهِ التواب
هُوَ الَّذِي يرجع إِلَى تيسير أَسبَاب التَّوْبَة لِعِبَادِهِ مرّة بعد أُخْرَى بِمَا يظْهر لَهُم من آيَاته ويسوق إِلَيْهِم من تنبيهاته ويطلعهم عَلَيْهِ من تخويفاته وتحذيراته حَتَّى إِذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذُّنُوب استشعروا الْخَوْف بتخويفه فَرَجَعُوا إِلَى التَّوْبَة فَرجع إِلَيْهِم فصل الله تَعَالَى بِالْقبُولِ تَنْبِيه من قبل معاذير الْمُجْرمين من رعاياه وأصدقائه ومعارفه مرّة بعد أُخْرَى فقد تخلق بِهَذَا الْخلق وَأخذ مِنْهُ نَصِيبا المنتقم
هُوَ الَّذِي يقصم ظُهُور العتاة وينكل بالجناة ويشدد الْعقَاب على الطغاة وَذَلِكَ بعد الْإِعْذَار والإنذار وَبعد التَّمْكِين والإمهال وَهُوَ أَشد للانتقام من المعاجلة بالعقوبة فَإِنَّهُ إِذا عوجل بالعقوبة لم يمعن فِي الْمعْصِيَة فَلم يسْتَوْجب غَايَة النكال فِي الْعقُوبَة تَنْبِيه الْمَحْمُود من انتقام العَبْد أَن ينْتَقم من أَعدَاء الله تَعَالَى وأعدى الْأَعْدَاء
نَفسه وَحقه أَن ينْتَقم مِنْهَا مهما قارفت مَعْصِيّة أَو أخلت بِعبَادة كَمَا نقل عَن أبي يزِيد ﵀ أَنه قَالَ تكاسلت نَفسِي عَليّ فِي بعض اللَّيَالِي عَن بعض الأوراد فعاقبتها بِأَن منعتها المَاء سنة فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يسْلك سَبِيل الانتقام الْعَفو
قَالَ تكاسلت نَفسِي عَليّ فِي بعض اللَّيَالِي عَن بعض الأوراد فعاقبتها بِأَن منعتها المَاء سنة فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن يسْلك سَبِيل الانتقام الْعَفو
هُوَ الَّذِي يمحو السَّيِّئَات ويتجاوز عَن الْمعاصِي وَهُوَ قريب من الغفور وَلكنه أبلغ مِنْهُ فَإِن الغفران يُنبئ عَن السّتْر وَالْعَفو يُنبئ عَن المحو والمحو أبلغ من السّتْر تَنْبِيه وحظ العَبْد من ذَلِك لَا يخفى وَهُوَ أَن يعْفُو عَن كل من ظلمه بل يحسن إِلَيْهِ كَمَا يرى الله تَعَالَى محسنا فِي الدُّنْيَا إِلَى العصاة والكفرة غير معاجل لَهُم بالعقوبة بل رُبمَا يعْفُو عَنْهُم بِأَن يَتُوب عَلَيْهِم وَإِذا تَابَ عَلَيْهِم محا سيئاتهم إِذْ التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ وَهَذَا غَايَة المحو للجناية الرؤوف
ذُو الرأفة والرأفة شدَّة الرَّحْمَة فَهُوَ بِمَعْنى الرَّحِيم مَعَ الْمُبَالغَة فِيهِ وَقد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ مَالك الْملك
هُوَ الَّذِي ينفذ مَشِيئَته فِي مَمْلَكَته كَيفَ شَاءَ وكما شَاءَ إيجادا وإعداما وإبقاء وإفناء وَالْملك هَاهُنَا بِمَعْنى المملكة وَالْمَالِك بِمَعْنى الْقَادِر التَّام
الْقُدْرَة والموجودات كلهَا مملكة وَاحِدَة وَهُوَ مَالِكهَا وقادرها وَإِنَّمَا كَانَت الموجودات كلهَا مملكة وَاحِدَة لِأَنَّهَا مرتبطة بَعْضهَا بِبَعْض فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت كَثِيرَة من وَجه فلهَا وحدة من وَجه ومثاله بدن الْإِنْسَان فَإِنَّهُ مملكة لحقيقة الْإِنْسَان وَهِي أَعْضَاء كَثِيرَة مُخْتَلفَة وَلكنهَا كالمتعاونة على تَحْقِيق غَرَض مُدبر وَاحِد فَكَانَت مملكة وَاحِدَة فَكَذَلِك الْعَالم كُله كشخص وَاحِد وأجزاء الْعَالم كأعضائه وَهِي متعاونة على مَقْصُود وَاحِد وَهُوَ إتْمَام غَايَة الْخَيْر الْمُمكن وجوده على مَا اقْتَضَاهُ الْجُود الإلهي وَلأَجل انتظامها على تَرْتِيب متسق وارتباطها برابطة وَاحِدَة كَانَت مملكة وَاحِدَة وَالله تَعَالَى مَالِكهَا فَقَط ومملكة كل عبد بدنه خَاصَّة فَإِذا نفذت مَشِيئَته فِي صِفَات قلبه وجوارحه فَهُوَ مَالك مملكة نَفسه بِقدر مَا أعطي من الْقُدْرَة عَلَيْهَا ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
دنه خَاصَّة فَإِذا نفذت مَشِيئَته فِي صِفَات قلبه وجوارحه فَهُوَ مَالك مملكة نَفسه بِقدر مَا أعطي من الْقُدْرَة عَلَيْهَا ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
هُوَ الَّذِي لَا جلال وَلَا كَمَال إِلَّا وَهُوَ لَهُ وَلَا كَرَامَة وَلَا مكرمَة إِلَّا وَهِي صادرة مِنْهُ فالجلال لَهُ فِي ذَاته والكرامة فائضة مِنْهُ على خلقه وفنون إكرامه خلقه لَا تكَاد تَنْحَصِر وتتناهى وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى وَلَقَد كرمنا بني آدم ١٧ سُورَة الْإِسْرَاء الْآيَة ٧٠ الْوَالِي
هُوَ الَّذِي دبر أُمُور الْخلق ووليها أَي تولاها وَكَانَ مَلِيًّا بولايتها وَكَأن الْولَايَة تشعر بِالتَّدْبِيرِ وَالْقُدْرَة وَالْفِعْل وَمَا لم يجْتَمع جَمِيع ذَلِك فِيهِ لم ينْطَلق اسْم الْوَالِي عَلَيْهِ وَلَا وَالِي للأمور إِلَّا الله ﷾ فَإِنَّهُ المتفرد بتدبيرها أَولا والمنفذ للتدبير بالتحقيق ثَانِيًا والقائم عَلَيْهَا بالإدامة والإبقاء ثَالِثا
المتعالي
بِمَعْنى الْعلي مَعَ نوع من الْمُبَالغَة وَقد سبق مَعْنَاهُ المقسط
هُوَ الَّذِي ينتصف للمظلوم من الظَّالِم وكما لَهُ فِي أَن يضيف إِلَى إرضاء الْمَظْلُوم إرضاء الظَّالِم وَذَلِكَ غَايَة الْعدْل والإنصاف وَلَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله ﷾ ومثاله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه بَيْنَمَا هُوَ جَالس إِذْ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ عمر ﵁ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله مَا الَّذِي أضْحكك قَالَ رجلَانِ من أمتِي جثيا بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ لي مظلمتي من هَذَا فَقَالَ الله ﷿ رد على أَخِيك مظلمته فَقَالَ يَا رب لم يبْق لي من حسناتي شَيْء فَقَالَ ﷿ للطَّالِب كَيفَ تصنع بأخيك لم يبْق من حَسَنَاته شَيْء فَقَالَ يَا رب فليحمل عني من أوزاري ثمَّ فاضت عينا رَسُول الله ﷺ بالبكاء وَقَالَ إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يَوْم يحْتَاج النَّاس إِلَى أَن يحمل عَنْهُم من أوزارهم قَالَ فَيَقُول الله ﷿ للمتظلم ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فِي الْجنان فَقَالَ يَا رب أرى مَدَائِن من فضَّة وقصورا من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ لأي نَبِي هَذَا أَو لأي صديق أَو لأي شَهِيد قَالَ الله ﷿ هَذَا لمن أعْطى الثّمن قَالَ يَا رب وَمن يملك ذَلِك قَالَ أَنْت تملكه قَالَ بِمَاذَا يَا رب قَالَ بعفوك عَن أَخِيك قَالَ يَا رب قد عَفَوْت عَنهُ قَالَ الله ﷿ خُذ بيد أَخِيك فَأدْخلهُ الْجنَّة ثمَّ قَالَ ﷺ اتَّقوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم فَإِن الله ﵎ يصلح بَين الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة
فَهَذَا سَبِيل الانتصاف والإنصاف وَلَا يقدر على مثله إِلَّا رب الأرباب وأوفر الْعباد حظا من هَذَا الِاسْم من ينتصف أَولا من نَفسه ثمَّ لغيره من غَيره وَلَا ينتصف لنَفسِهِ من غَيره الْجَامِع
در على مثله إِلَّا رب الأرباب وأوفر الْعباد حظا من هَذَا الِاسْم من ينتصف أَولا من نَفسه ثمَّ لغيره من غَيره وَلَا ينتصف لنَفسِهِ من غَيره الْجَامِع
هُوَ الْمُؤلف بَين المتماثلات والمتباينات والمتضادات أما جمع الله المتماثلات فكجمعه الْخلق الْكثير من الْإِنْس على ظهر الأَرْض وكحشره إيَّاهُم فِي صَعِيد الْقِيَامَة وَأما المتباينات فكجمعه بَين السَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والهواء وَالْأَرْض والبحار والحيوانات والنبات والمعادن الْمُخْتَلفَة كل ذَلِك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف وَقد جمعهَا فِي الأَرْض وَجمع بَين الْكل فِي الْعَالم وَكَذَلِكَ جمعه بَين الْعظم والعصب والعرق والعضلة والمخ والبشرة وَالدَّم وَسَائِر الأخلاط فِي بدن الْحَيَوَان وَأما المتضادات فكجمعه بَين الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة فِي أمزجة الْحَيَوَانَات وَهِي متنافرات متعاديات وَذَلِكَ أبلغ وُجُوه الْجمع وتفصيل جمعه لَا يعرفهُ إِلَّا من يعرف تَفْصِيل مجموعاته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وكل ذَلِك مِمَّا يطول شَرحه تَنْبِيه الْجَامِع من الْعباد من جمع بَين الْآدَاب الظَّاهِرَة فِي الْجَوَارِح وَبَين الْحَقَائِق الْبَاطِنَة فِي الْقُلُوب فَمن كملت مَعْرفَته وَحسنت سيرته فَهُوَ الْجَامِع وَلذَلِك قيل الْكَامِل من لَا يُطْفِئ نور مَعْرفَته نور ورعه وَكَانَ الْجمع بَين الصَّبْر
والبصيرة مُتَعَذر لذَلِك ترى صبورا على الزّهْد والورع لَا بَصِيرَة لَهُ وَترى ذَا بَصِيرَة لَا صَبر لَهُ وَالْجَامِع من جمع بَين الصَّبْر والبصيرة وَالسَّلَام الْغَنِيّ الْمُغنِي
بورا على الزّهْد والورع لَا بَصِيرَة لَهُ وَترى ذَا بَصِيرَة لَا صَبر لَهُ وَالْجَامِع من جمع بَين الصَّبْر والبصيرة وَالسَّلَام الْغَنِيّ الْمُغنِي
الْغَنِيّ هُوَ الَّذِي لَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَات ذَاته بل يكون منزها عَن العلاقة مَعَ الأغيار فَمن تتَعَلَّق ذَاته أَو صِفَات ذَاته بِأَمْر خَارج من ذَاته يتَوَقَّف عَلَيْهِ وجوده أَو كَمَاله فَهُوَ فَقير مُحْتَاج إِلَى الْكسْب وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا لله ﷾ وَالله ﷿ هُوَ الْمُغنِي أَيْضا وَلَكِن الَّذِي أغناه لَا يتَصَوَّر أَن يصير بإغنائه غَنِيا مُطلقًا فَإِن أقل أُمُوره أَنه مُحْتَاج إِلَى الْمُغنِي فَلَا يكون غَنِيا بل يَسْتَغْنِي عَن غير الله بِأَن يمده بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا بِأَن يقطع عَنهُ أصل الْحَاجة والغني الْحَقِيقِيّ هُوَ الَّذِي لَا حَاجَة لَهُ إِلَى أحد أصلا وَالَّذِي يحْتَاج وَمَعَهُ مَا يحْتَاج فَهُوَ غَنِي بالمجاز وَهُوَ غَايَة مَا يدْخل فِي الْإِمْكَان فِي حق غير الله ﷾ وَأما فقد الْحَاجة فَلَا وَلَكِن إِذا لم يبْق حَاجَة إِلَّا إِلَى الله تَعَالَى سمي غَنِيا وَلَو لم يبْق لَهُ أصل الْحَاجة لما صَحَّ قَوْله تَعَالَى وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء ٤٧ سُورَة مُحَمَّد الْآيَة ٣٨ وَلَوْلَا أَنه يتَصَوَّر أَن يَسْتَغْنِي عَن كل شَيْء سوى الله ﷿ لما صَحَّ لله تَعَالَى وصف الْمُغنِي الْمَانِع
هُوَ الَّذِي يرد أَسبَاب الْهَلَاك وَالنُّقْصَان فِي الْأَدْيَان والأبدان بِمَا يخلقه من الْأَسْبَاب الْمعدة للْحِفْظ وَقد سبق معنى الحفيظ وكل حفظ فَمن ضَرُورَته
منع وَدفع فَمن فهم معنى الحفيظ فهم معنى الْمَانِع وَالْمَنْع إِضَافَة إِلَى السَّبَب المهلك وَالْحِفْظ إِضَافَة إِلَى المحروس عَن الْهَلَاك وَهُوَ مَقْصُود الْمَنْع وغايته إِذْ الْمَنْع يُرَاد للْحِفْظ وَالْحِفْظ لَا يُرَاد للْمَنْع فَكل حَافظ مَانع وَلَيْسَ كل مَانع حَافِظًا إِلَّا إِذا كَانَ مَانِعا مُطلقًا لجَمِيع أَسبَاب الْهَلَاك وَالنَّقْص حَتَّى يحصل الْحِفْظ من ضَرُورَته الضار النافع
هُوَ الَّذِي يصدر مِنْهُ الْخَيْر وَالشَّر والنفع والضر وكل ذَلِك مَنْسُوب إِلَى الله تَعَالَى إِمَّا بِوَاسِطَة الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس والجمادات أَو بِغَيْر وَاسِطَة فَلَا تَظنن أَن السم يقتل ويضر بِنَفسِهِ وَأَن الطَّعَام يشْبع وينفع بِنَفسِهِ وَأَن الْملك وَالْإِنْسَان والشيطان أَو شَيْئا من الْمَخْلُوقَات من فلك أَو كَوْكَب أَو غَيرهمَا يقدر على خير أَو شَرّ أَو نفع أَو ضرّ بِنَفسِهِ بل كل ذَلِك أَسبَاب مسخرة لَا يصدر مِنْهَا إِلَّا مَا سخرت لَهُ وَجُمْلَة ذَلِك بِالْإِضَافَة إِلَى الْقُدْرَة الأزلية كالقلم بِالْإِضَافَة إِلَى الْكَاتِب فِي اعْتِقَاد الْعَاميّ وكما أَن السُّلْطَان إِذا وَقع بكرامة أَو عُقُوبَة لم ير ضَرَر ذَلِك وَلَا نَفعه من الْقَلَم بل من الَّذِي الْقَلَم مسخر لَهُ فَكَذَلِك سَائِر الوسائط والأسباب وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي اعْتِقَاد الْعَاميّ لِأَن الْجَاهِل هُوَ الَّذِي يرى الْقَلَم مسخرا لِلْكَاتِبِ والعارف يعلم أَنه مسخر فِي يَده لله ﷾ وَهُوَ الَّذِي الْكَاتِب مسخر لَهُ فَإِنَّهُ مهما خلق الْكَاتِب وَخلق لَهُ الْقُدْرَة وسلط الْقُدْرَة وسلط عَلَيْهِ الداعية الجازمة الَّتِي لَا تردد فِيهَا صدر مِنْهُ حَرَكَة الْأَصَابِع والقلم لَا محَالة شَاءَ أم أَبى بل لَا يُمكنهُ أَن لَا يَشَاء فَإِذا الْكَاتِب بقلم الْإِنْسَان وَيَده هُوَ الله تَعَالَى وَإِذا عرفت هَذَا فِي الْحَيَوَان الْمُخْتَار فَهُوَ فِي الجماد أظهر
النُّور
لَا يَشَاء فَإِذا الْكَاتِب بقلم الْإِنْسَان وَيَده هُوَ الله تَعَالَى وَإِذا عرفت هَذَا فِي الْحَيَوَان الْمُخْتَار فَهُوَ فِي الجماد أظهر
النُّور
هُوَ الظَّاهِر الَّذِي بِهِ كل ظُهُور فَإِن الظَّاهِر فِي نَفسه الْمظهر لغيره يُسمى نورا وَمهما قوبل الْوُجُود بِالْعدمِ كَانَ الظُّهُور لَا محَالة للوجود وَلَا ظلام أظلم من الْعَدَم فالبريء عَن ظلمَة الْعَدَم بل عَن إِمْكَان الْعَدَم الْمخْرج كل الْأَشْيَاء من ظلمَة الْعَدَم إِلَى ظُهُور الْوُجُود جدير بِأَن يُسمى نورا والوجود نور فائض على الْأَشْيَاء كلهَا من نور ذَاته فَهُوَ نور السَّمَوَات وَالْأَرْض وكما أَنه لَا ذرة من نور الشَّمْس إِلَّا وَهِي دَالَّة على وجود الشَّمْس المنورة فَلَا ذرة من موجودات السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا وَهِي بِجَوَاز وجودهَا دَالَّة على وجوب وجود موجدها وَمَا ذَكرْنَاهُ فِي معنى الظَّاهِر يفهمك معنى النُّور ويغنيك عَن التعسفات الْمَذْكُورَة فِي مَعْنَاهُ الْهَادِي
هُوَ الَّذِي هدى خَواص عباده أَولا إِلَى معرفَة ذَاته حَتَّى اسْتشْهدُوا بهَا على الْأَشْيَاء وَهدى عوام عباده إِلَى مخلوقاته حَتَّى اسْتشْهدُوا بهَا على ذَاته وَهدى كل مَخْلُوق إِلَى مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ فِي قَضَاء حاجاته فهدى الطِّفْل إِلَى التقام الثدي عِنْد انْفِصَاله والفرخ إِلَى الْتِقَاط الْحبّ وَقت خُرُوجه والنحل إِلَى بِنَاء بَيته على شكل التسديس لكَونه أوفق الأشكال لبدنه وأحواها وأبعدها عَن أَن يتخللها فرج ضائعة وَشرح ذَلِك يطول وَعنهُ عبر قَوْله تَعَالَى الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى ٢٠ سُورَة طه الْآيَة ٥٠ وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذِي قدر فهدى ٨٧ سُورَة الْأَعْلَى الْآيَة ٣ والهداة من الْعباد الْأَنْبِيَاء وَالْعُلَمَاء الَّذين أرشدوا الْخلق إِلَى السَّعَادَة الأخروية وهدوهم إِلَى صِرَاط الله الْمُسْتَقيم بل الله الْهَادِي لَهُم على ألسنتهم وهم مسخرون تَحت قدرته وتدبيره
البديع
وا الْخلق إِلَى السَّعَادَة الأخروية وهدوهم إِلَى صِرَاط الله الْمُسْتَقيم بل الله الْهَادِي لَهُم على ألسنتهم وهم مسخرون تَحت قدرته وتدبيره
البديع
هُوَ الَّذِي لَا عهد بِمثلِهِ فَإِن لم يكن بِمثلِهِ عهد لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وَلَا فِي كل أَمر رَاجع إِلَيْهِ فَهُوَ البديع الْمُطلق وَإِن كَانَ شَيْء من ذَلِك معهودا فَلَيْسَ ببديع مُطلق وَلَا يَلِيق هَذَا الِاسْم مُطلقًا إِلَّا بِاللَّه ﷾ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ قبل فَيكون مثله معهودا قبله وكل مَوْجُود بعده فحاصل بإيجاده وَهُوَ غير مُنَاسِب لموجده فَهُوَ بديع أزلا وأبدا وكل عبد اخْتصَّ بخاصية فِي النُّبُوَّة أَو الْولَايَة أَو الْعلم لم يعْهَد مثلهَا إِمَّا فِي سَائِر الْأَوْقَات وَإِمَّا فِي عصره فَهُوَ بديع بِالْإِضَافَة إِلَى مَا هُوَ مُنْفَرد بِهِ وَفِي الْوَقْت الَّذِي هُوَ مُنْفَرد فِيهِ الْبَاقِي
هُوَ الْمَوْجُود الْوَاجِب وجوده بِذَاتِهِ وَلكنه إِذا أضيف فِي الذِّهْن إِلَى الِاسْتِقْبَال سمي بَاقِيا وَإِذا أضيف إِلَى الْمَاضِي سمي قَدِيما وَالْبَاقِي الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَهِي تَقْدِير وجوده فِي الِاسْتِقْبَال إِلَى آخر ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُ أبدي وَالْقَدِيم الْمُطلق هُوَ الَّذِي لَا يَنْتَهِي تمادي وجوده فِي الْمَاضِي إِلَى أول ويعبر عَنهُ بِأَنَّهُ أزلي وقولك وَاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ مُتَضَمّن لجَمِيع ذَلِك وَإِنَّمَا هَذِه الْأَسَامِي بِحَسب إِضَافَة هَذَا الْوُجُود فِي الذِّهْن إِلَى الْمَاضِي والمستقبل
َاجِب الْوُجُود بِذَاتِهِ مُتَضَمّن لجَمِيع ذَلِك وَإِنَّمَا هَذِه الْأَسَامِي بِحَسب إِضَافَة هَذَا الْوُجُود فِي الذِّهْن إِلَى الْمَاضِي والمستقبل وَإِنَّمَا يدْخل فِي الْمَاضِي والمستقبل المتغيرات لِأَنَّهُمَا عبارتان عَن الزَّمَان وَلَا يدْخل فِي الزَّمَان إِلَّا التَّغَيُّر وَالْحَرَكَة إِذْ الْحَرَكَة إِنَّمَا تَنْقَسِم إِلَى مَاض ومستقبل والمتغير يدْخل فِي الزَّمَان بِوَاسِطَة التَّغَيُّر فَمَا جلّ عَن التَّغَيُّر وَالْحَرَكَة فَلَيْسَ فِي زمَان فَلَيْسَ فِيهِ مَاض ومستقبل فَلَا ينْفَصل فِيهِ الْقدَم عَن الْبَقَاء بل الْمَاضِي والمستقبل إِنَّمَا يكون لنا إِذْ مضى علينا وَفينَا أُمُور وستتجدد أُمُور وَلَا بُد من أُمُور تحدث شَيْئا بعد شَيْء حَتَّى تَنْقَسِم إِلَى مَاض قد انْعَدم وَانْقطع وَإِلَى رَاهن حَاضر وَإِلَى مَا يتَوَقَّع تجدده من بعد فَحَيْثُ لَا تجدّد وَلَا انْقِضَاء فَلَا زمَان
وَكَيف لَا وَالْحق ﷾ قبل الزَّمَان وَحَيْثُ خلق الزَّمَان لم يتَغَيَّر من ذَاته شَيْء وَقبل خلق الزَّمَان لم يكن للزمان عَلَيْهِ جَرَيَان وَبَقِي بعد خلق الزَّمَان على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَلَقَد أبعد من قَالَ الْبَقَاء صفة زَائِدَة على ذَات الْبَاقِي وَأبْعد مِنْهُ من قَالَ الْقدَم وصف زَائِد على ذَات الْقَدِيم وناهيك برهانا على فَسَاده مَا لزمَه من الْخبط فِي بَقَاء الْبَقَاء وَبَقَاء الصِّفَات وَقدم الْقدَم وَقدم الصِّفَات الْوَارِث
هُوَ الَّذِي يرجع إِلَيْهِ الْأَمْلَاك بعد فنَاء الْملاك وَذَلِكَ هُوَ الله ﷾ إِذْ هُوَ الْبَاقِي بعد فنَاء الْخلق وَإِلَيْهِ مرجع كل شَيْء ومصيره وَهُوَ الْقَائِل إِذْ ذَاك لمن الْملك الْيَوْم ٤٠ سُورَة غَافِر الْآيَة ١٦ وَهُوَ الْمُجيب لله الْوَاحِد القهار ٤٠ سُورَة غَافِر الْآيَة ١٦ وَهَذَا بِحَسب ظن الْأَكْثَرين إِذْ يظنون لأَنْفُسِهِمْ ملكا وملكا فينكشف لَهُم ذَلِك الْيَوْم حَقِيقَة الْحَال وَهَذَا النداء عبارَة عَن حَقِيقَة مَا ينْكَشف لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت فَأَما أَرْبَاب البصائر فَإِنَّهُم أبدا مشاهدون لِمَعْنى هَذَا النداء سامعون لَهُ من غير صَوت وَلَا حرف موقنون بِأَن الْملك لله الْوَاحِد القهار فِي كل يَوْم وَفِي كل سَاعَة وَفِي كل لَحْظَة وَكَذَلِكَ كَانَ أزلا وأبدا وَهَذَا إِنَّمَا يُدْرِكهُ من أدْرك حَقِيقَة التَّوْحِيد فِي الْفِعْل وَعلم أَن الْمُنْفَرد بِالْفِعْلِ فِي الْملك والملكوت وَاحِد وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك فِي أول كتاب التَّوَكُّل من كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين فليطلب مِنْهُ فَإِن هَذَا الْكتاب لَا يحْتَملهُ الرشيد
هُوَ الَّذِي تنساق تدبيراته إِلَى غاياتها على سنَن السداد من غير إِشَارَة مشير وتسديد مُسَدّد وإرشاد مرشد وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
ورشد كل عبد بِقدر هدايته فِي تدابيره إِلَى مَا يشاكل الصَّوَاب من مقاصده وَدينه ودنياه الصبور
ُسَدّد وإرشاد مرشد وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
ورشد كل عبد بِقدر هدايته فِي تدابيره إِلَى مَا يشاكل الصَّوَاب من مقاصده وَدينه ودنياه الصبور
هُوَ الَّذِي لَا تحمله العجلة على المسارعة إِلَى الْفِعْل قبل أَوَانه بل ينزل الْأُمُور بِقدر مَعْلُوم ويجريها على سنَن مَحْدُود لَا يؤخرها على آجالها المقدورة لَهَا تَأْخِير متكاسل وَلَا يقدمهَا على أَوْقَاتهَا تَقْدِيم مستعجل بل يودع كل شَيْء فِي أَوَانه على الْوَجْه الَّذِي يجب أَن يكون وكما يَنْبَغِي وكل ذَلِك من غير مقاساة دَاع على مضادة الْإِرَادَة وَأما صَبر العَبْد فَلَا يَخْلُو عَن مقاساة لِأَن معنى صبره هُوَ ثبات دَاعِي الدّين أَو الْعقل فِي مُقَابلَة دَاعِي الشَّهْوَة أَو الْغَضَب فَإِذا تجاذبه داعيان متضادان فَدفع الدَّاعِي إِلَى الْإِقْدَام والمبادرة وَمَال إِلَى باعث التَّأْخِير سمي صبورا إِذْ جعل باعث العجلة مقهورا وباعث العجلة فِي حق الله سُبْحَانَهُ مَعْدُوم فَهُوَ أبعد عَن العجلة مِمَّن باعثه مَوْجُود وَلكنه مقهور فَهُوَ أَحَق بِهَذَا الِاسْم بعد أَن أخرجت عَن الِاعْتِبَار تنَاقض البواعث ومصابرتها بطرِيق المجاهدة
خَاتِمَة لهَذَا الْفَصْل واعتذار
وَلكنه مقهور فَهُوَ أَحَق بِهَذَا الِاسْم بعد أَن أخرجت عَن الِاعْتِبَار تنَاقض البواعث ومصابرتها بطرِيق المجاهدة
خَاتِمَة لهَذَا الْفَصْل واعتذار
اعْلَم أَنه إِنَّمَا حَملَنِي على ذكر هَذِه التَّنْبِيهَات ردف هَذِه الْأَسَامِي وَالصِّفَات قَول رَسُول الله ﷺ تخلقوا بأخلاق الله تَعَالَى وَقَوله ﵊ إِن لله كَذَا وَكَذَا خلقا من تخلق بِوَاحِد مِنْهَا دخل الْجنَّة وَمَا تداولته أَلْسِنَة الصُّوفِيَّة من كَلِمَات تُشِير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ لَكِن على وَجه يُوهم عِنْد غير المحصل شَيْئا من معنى الْحُلُول والاتحاد وَذَلِكَ غير مظنون بعاقل فضلا عَن المتميزين بخصائص المكاشفات وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عَليّ الفارمذي يَحْكِي عَن شَيْخه أبي الْقَاسِم الكركاني قدس الله روحهما أَنه قَالَ إِن الْأَسْمَاء التِّسْعَة وَالتسْعين تصير أوصافا للْعَبد السالك وَهُوَ بعد فِي السلوك غير وَاصل وَهَذَا الَّذِي ذكره إِن أَرَادَ بِهِ شَيْئا يُنَاسب مَا أوردناه فَهُوَ صَحِيح وَلَا يظنّ بِهِ إِلَّا ذَلِك وَيكون فِي اللَّفْظ نوع من التَّوَسُّع والاستعارة فَإِن مَعَاني الْأَسْمَاء هِيَ صِفَات الله تَعَالَى وَصِفَاته لَا تصير صفة لغيره وَلَكِن مَعْنَاهُ أَنه يحصل لَهُ مَا يُنَاسب تِلْكَ الْأَوْصَاف كَمَا يُقَال فلَان حصل علم أستاذه وَعلم الْأُسْتَاذ لَا يحصل للتلميذ بل يحصل لَهُ مثل علمه وَإِن ظن ظان أَن المُرَاد بِهِ لَيْسَ مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ بَاطِل قطعا فَإِنِّي أَقُول قَول الْقَائِل إِن مَعَاني أَسمَاء الله ﷾ صَارَت أوصافا لَهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَعْنِي بِهِ عين تِلْكَ الصِّفَات أَو مثلهَا فَإِن عَنى بِهِ مثلهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا عَنى بِهِ مثلهَا مُطلقًا من كل وَجه وَإِمَّا أَنه عَنى بِهِ مثلهَا من حَيْثُ الِاسْم والمشاركة فِي
عُمُوم الصِّفَات دون خَواص الْمعَانِي فهذان قِسْمَانِ وَإِن عَنى بِهِ عينهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بطرِيق انْتِقَال الصِّفَات من الرب إِلَى العَبْد أَو لَا انْتِقَال فَإِن لم يكن بالانتقال فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون باتحاد ذَات العَبْد بِذَات الرب حَتَّى يكون هُوَ هُوَ فَتكون صِفَاته وَإِمَّا أَن يكون بطرِيق الْحُلُول وَهَذِه أَقسَام ثَلَاثَة وَهُوَ الِانْتِقَال والاتحاد والحلول وقسمان مقدمان فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام الصَّحِيح مِنْهَا قسم وَاحِد وَهُوَ أَن يثبت للْعَبد من هَذِه الصِّفَات أُمُور تناسبها على الْجُمْلَة وتشاركها فِي الِاسْم وَلَكِن لَا تماثلها مماثلة تَامَّة كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي التَّنْبِيهَات وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَن يثبت لَهُ أَمْثَالهَا على التَّحْقِيق فمحال فَإِن من جملَته أَن يكون لَهُ علم مُحِيط بِجَمِيعِ المعلومات حَتَّى لَا يعزب عَنهُ ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَوَات وَأَن يكون لَهُ قدرَة وَاحِدَة تَشْمَل جَمِيع الْمَخْلُوقَات حَتَّى يكون هُوَ بهَا خَالق الأَرْض وَالسَّمَوَات وَمَا بَينهمَا وَكَيف يتَصَوَّر هَذَا لغير الله تَعَالَى وَكَيف يكون العَبْد خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهَا وَهُوَ من جملَة مَا بَينهمَا فَكيف يكون خَالق نَفسه ثمَّ إِن ثبتَتْ هَذِه الصِّفَات لعبدين يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا خَالق صَاحبه فَيكون كل وَاحِد خَالِقًا من خلقه وكل ذَلِك ترهات ومحالات وَأما الْقسم الثَّالِث وَهُوَ انْتِقَال عين صِفَات الربوبية فَهُوَ أَيْضا محَال لِأَن الصِّفَات يَسْتَحِيل مفارقتها للموصوفات وَهَذَا لَا يخْتَص بِالذَّاتِ الْقَدِيمَة بل لَا يتَصَوَّر أَن ينْتَقل عين علم زيد إِلَى عَمْرو بل لَا قيام للصفات إِلَّا بِخُصُوص الموصوفات وَلِأَن الِانْتِقَال يُوجب فرَاغ الْمُنْتَقل عَنهُ فَيُوجب أَن تعرى الذَّات الَّتِي عَنْهَا انْتِقَال الصِّفَات الربوبية فتعرى عَن الربوبية وصفاتها وَذَلِكَ أَيْضا ظَاهر الاستحالة
غ الْمُنْتَقل عَنهُ فَيُوجب أَن تعرى الذَّات الَّتِي عَنْهَا انْتِقَال الصِّفَات الربوبية فتعرى عَن الربوبية وصفاتها وَذَلِكَ أَيْضا ظَاهر الاستحالة
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ الِاتِّحَاد فَذَلِك أَيْضا أظهر بطلانا لِأَن قَول الْقَائِل إِن العَبْد صَار هُوَ الرب كَلَام متناقض فِي نَفسه بل يَنْبَغِي أَن ينزه الرب ﷾ عَن أَن يجْرِي اللِّسَان فِي حَقه بأمثال هَذِه المحالات ونقول قولا مُطلقًا إِن قَول الْقَائِل إِن شَيْئا صَار شَيْئا آخر محَال على الْإِطْلَاق لأَنا نقُول إِذا عقل زيد وَحده وَعَمْرو وَحده ثمَّ قيل إِن زيدا صَار عمروا واتحد بِهِ فَلَا يَخْلُو عِنْد الِاتِّحَاد إِمَّا أَن يكون كِلَاهُمَا موجودين أَو كِلَاهُمَا معدومين أَو زيد مَوْجُودا وَعَمْرو مَعْدُوما أَو بِالْعَكْسِ وَلَا يُمكن قسم وَرَاء هَذِه الْأَرْبَعَة فَإِن كَانَا موجودين فَلم يصر عين أَحدهمَا عين الآخر بل عين كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوْجُود وَإِنَّمَا الْغَايَة أَن يتحد مكانهما وَذَلِكَ لَا يُوجب الِاتِّحَاد فَإِن الْعلم والإرادة وَالْقُدْرَة قد تَجْتَمِع فِي ذَات وَاحِدَة وَلَا تتباين محالها وَلَا تكون الْقُدْرَة هِيَ الْعلم وَلَا الْإِرَادَة وَلَا يكون قد اتَّحد الْبَعْض بِالْبَعْضِ وَإِن كَانَ معدومين فَمَا اتحدا بل عدما وَلَعَلَّ الْحَادِث شَيْء ثَالِث وَإِن كَانَ أَحدهمَا مَعْدُوما وَالْآخر مَوْجُودا فَلَا اتِّحَاد إِذْ لَا يتحد مَوْجُود بمعدوم فالاتحاد بَين شَيْئَيْنِ مُطلقًا محَال وَهَذَا جَار فِي الذوات المتماثلة فضلا عَن الْمُخْتَلفَة فَإِنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَاك السوَاد كَمَا يَسْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَلِك الْبيَاض أَو ذَلِك الْعلم والتباين بَين العَبْد والرب أعظم من التباين بَين السوَاد وَالْبَيَاض وَالْجهل وَالْعلم
ْتَحِيل أَن يصير هَذَا السوَاد ذَلِك الْبيَاض أَو ذَلِك الْعلم والتباين بَين العَبْد والرب أعظم من التباين بَين السوَاد وَالْبَيَاض وَالْجهل وَالْعلم فَأصل الِاتِّحَاد إِذا بَاطِل وَحَيْثُ يُطلق الِاتِّحَاد وَيُقَال هُوَ هُوَ لَا يكون إِلَّا بطرِيق التَّوَسُّع والتجوز اللَّائِق بعادة الصُّوفِيَّة وَالشعرَاء فَإِنَّهُم لأجل تَحْسِين موقع الْكَلَام من الإفهام يسلكون سَبِيل الِاسْتِعَارَة كَمَا يَقُول الشَّاعِر
أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... نَحن روحان حللنا بدنا وَذَلِكَ مؤول عِنْد الشَّاعِر فَإِنَّهُ لَا يَعْنِي بِهِ أَنه هُوَ تَحْقِيقا بل كَأَنَّهُ هُوَ فَإِنَّهُ مُسْتَغْرق الْهم بِهِ كَمَا يكون هُوَ مُسْتَغْرق الْهم بِنَفسِهِ فيعبر عَن هَذِه الْحَالة بالاتحاد على سَبِيل التَّجَوُّز وَعَلِيهِ يَنْبَغِي أَن يحمل قَول أبي يزِيد ﵀ حَيْثُ قَالَ انسلخت من نَفسِي كَمَا تنسلخ الْحَيَّة من جلدهَا فَنَظَرت فَإِذا أَنا هُوَ وَيكون مَعْنَاهُ أَن من يَنْسَلِخ من شهوات نَفسه وهواها وهمها فَلَا يبْقى فِيهِ متسع لغير الله وَلَا يكون لَهُ همة سوى الله ﷾ وَإِذا لم يحل فِي الْقلب إِلَّا جلال الله وجماله حَتَّى صَار مُسْتَغْرقا بِهِ يصير كَأَنَّهُ هُوَ لَا أَنه هُوَ تَحْقِيقا وَفرق بَين قَوْلنَا كَأَنَّهُ هُوَ وَبَين قَوْلنَا هُوَ هُوَ لَكِن قد يعبر بقولنَا هُوَ هُوَ عَن قَوْلنَا كَأَنَّهُ هُوَ كَمَا أَن الشَّاعِر تَارَة يَقُول كَأَنِّي من أَهْوى وَتارَة يَقُول أَنا من أَهْوى وَهَذِه مزلة قدم فَإِن من لَيْسَ لَهُ قدم راسخ فِي المعقولات رُبمَا لم يتَمَيَّز لَهُ أَحدهمَا عَن الآخر فَينْظر إِلَى كَمَال ذَاته وَقد تزين بِمَا تلألأ فِيهِ من حلية الْحق فيظن أَنه هُوَ فَيَقُول أَنا الْحق
ت رُبمَا لم يتَمَيَّز لَهُ أَحدهمَا عَن الآخر فَينْظر إِلَى كَمَال ذَاته وَقد تزين بِمَا تلألأ فِيهِ من حلية الْحق فيظن أَنه هُوَ فَيَقُول أَنا الْحق وَهُوَ غالط غلط النَّصَارَى حَيْثُ رَأَوْا ذَلِك فِي ذَات الْمَسِيح عِيسَى ﵇ فَقَالُوا هُوَ الْإِلَه بل هُوَ غلط من ينظر إِلَى مرْآة قد انطبع فِيهَا صُورَة متلونة بتلونه فيظن أَن تِلْكَ الصُّورَة هِيَ صُورَة الْمرْآة وَأَن ذَلِك اللَّوْن لون الْمرْآة وهيهات بل الْمرْآة فِي ذَاتهَا لَا لون لَهَا وشأنها قبُول صور الألوان على وَجه يتخايل إِلَى الناظرين إِلَى ظَاهر الْأُمُور أَن ذَلِك صُورَة الْمرْآة حَتَّى إِن الصَّبِي إِذا رأى إنْسَانا فِي الْمرْآة ظن أَن الْإِنْسَان فِي الْمرْآة فَكَذَلِك الْقلب خَال عَن الصُّور فِي نَفسه وَعَن الهيئات وَإِنَّمَا هيآته قبُول مَعَاني الهيئات والصور والحقائق فَمَا يحله يكون كالمتحد بِهِ لَا أَنه مُتحد بِهِ تَحْقِيقا وَمن لَا يعرف
الزّجاج وَالْخمر إِذا رأى زجاجة فِيهَا خمر لَا يدْرك تباينهما فَتَارَة يَقُول لَا خمر وَتارَة يَقُول لَا زجاجة كَمَا عبر عَنهُ الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ رق الزّجاج وراقت الْخمر ... فتشابها فتشاكل الْأَمر فَكَأَنَّمَا خمر وَلَا قدح ... وكأنما قدح وَلَا خمر وَقَول من قَالَ مِنْهُم أَنا الْحق فإمَّا أَن يكون مَعْنَاهُ معنى قَول الشَّاعِر أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... وَإِمَّا أَن يكون قد غلط فِي ذَلِك كَمَا غلط النَّصَارَى فِي ظنهم اتِّحَاد اللاهوت بالناسوت وَقَول أبي يزِيد ﵀ إِن صَحَّ عَنهُ سبحاني مَا أعظم شأني إِمَّا أَن يكون ذَلِك جَارِيا على لِسَانه فِي معرض الْحِكَايَة عَن الله ﷿ كَمَا لَو سمع وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني لَكَانَ يحمل على الْحِكَايَة وَإِمَّا أَن يكون قد شَاهد كَمَال حَظه من صفة الْقُدس على مَا ذكرنَا فِي الترقي بالمعرفة عَن الموهومات والمحسوسات وبالهمة عَن الحظوظ والشهوات فَأخْبر عَن قدس نَفسه وَقَالَ سبحاني وَرَأى عظم شَأْنه بِالْإِضَافَة إِلَى شَأْن عُمُوم الْخلق فَقَالَ مَا أعظم شأني وَهُوَ مَعَ ذَلِك يعلم أَن قدسه وَعظم شَأْنه بِالْإِضَافَة إِلَى الْخلق وَلَا نِسْبَة لَهُ إِلَى قدس الرب تَعَالَى وتقدس وَعظم شَأْنه وَيكون قد جرى هَذَا اللَّفْظ فِي سكره وغلبات حَاله فَإِن الرُّجُوع إِلَى الصحو واعتدال الْحَال يُوجب حفظ اللِّسَان عَن الْأَلْفَاظ الموهمة وَحَال السكر رُبمَا لَا يحْتَمل ذَلِك فَإِن جَاوَزت هذَيْن التَّأْويلَيْنِ إِلَى الِاتِّحَاد فَذَلِك محَال قطعا فَلَا ينظر إِلَى مناصب الرِّجَال حَتَّى يصدق بالمحال بل يَنْبَغِي أَن يعرف الرِّجَال بِالْحَقِّ لَا الْحق بِالرِّجَالِ وَأما الْقسم الْخَامِس وَهُوَ الْحُلُول فَذَلِك يتَصَوَّر أَن يُقَال إِن الرب
محال بل يَنْبَغِي أَن يعرف الرِّجَال بِالْحَقِّ لَا الْحق بِالرِّجَالِ وَأما الْقسم الْخَامِس وَهُوَ الْحُلُول فَذَلِك يتَصَوَّر أَن يُقَال إِن الرب
تبَارك وَتَعَالَى حل فِي العَبْد أَو العَبْد حل فِي الرب تَعَالَى رب الأرباب عَن قَول الظَّالِمين وَهَذَا لَو صَحَّ لما أوجب الِاتِّحَاد وَلَا أَن يَتَّصِف العَبْد بِصِفَات الرب فَإِن صِفَات الْحَال لَا تصير صفة الْمحل بل تبقى صفة للْحَال كَمَا كَانَ وَوجه اسْتِحَالَة الْحُلُول لَا يفهم إِلَّا بعد فهم معنى الْحُلُول فَإِن الْمعَانِي المفردة إِذا لم تدْرك بطرِيق التَّصَوُّر لم يُمكن أَن يفهم نَفيهَا أَو إِثْبَاتهَا فَمن لَا يدْرِي معنى الْحُلُول فَمن أَيْن يدْرِي أَن الْحُلُول مَوْجُود أَو محَال فَنَقُول الْمَفْهُوم من الْحُلُول أَمْرَانِ أَحدهمَا النِّسْبَة الَّتِي بَين الْجِسْم وَبَين مَكَانَهُ الَّذِي يكون فِيهِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بَين جسمين فالبريء عَن معنى الجسمية يَسْتَحِيل فِي حَقه ذَلِك وَالثَّانِي النِّسْبَة الَّتِي بَين الْعرض والجوهر فَإِن الْعرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عَنهُ بِأَنَّهُ حَال فِيهِ وَذَلِكَ محَال على كل مَا قوامه بِنَفسِهِ فدع عَنْك ذكر الرب تَعَالَى وتقدس فِي هَذَا المعرض فَإِن كل مَا قوامه بِنَفسِهِ يَسْتَحِيل أَن يحل فِيمَا قوامه بِنَفسِهِ إِلَّا بطرِيق الْمُجَاورَة الْوَاقِعَة بَين الْأَجْسَام فَلَا يتَصَوَّر الْحُلُول بَين عَبْدَيْنِ فَكيف يتَصَوَّر بَين العَبْد والرب وَإِذا بَطل الْحُلُول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صِفَات الله ﷾ على سَبِيل الْحَقِيقَة لم يبْق لقَولهم معنى إِلَّا مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي التَّنْبِيهَات وَذَلِكَ يمْنَع من إِطْلَاق القَوْل بِأَن مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى تصير أوصافا للْعَبد إِلَّا على نوع من التَّقْيِيد خَال عَن الْإِيهَام وَإِلَّا فمطلق هَذَا اللَّفْظ موهم
القَوْل بِأَن مَعَاني أَسمَاء الله تَعَالَى تصير أوصافا للْعَبد إِلَّا على نوع من التَّقْيِيد خَال عَن الْإِيهَام وَإِلَّا فمطلق هَذَا اللَّفْظ موهم فَإِن قلت فَمَا معنى قَوْله إِن العَبْد مَعَ الاتصاف بِجَمِيعِ ذَلِك سالك لَا وَاصل فَمَا معنى السلوك وَمَا معنى الْوُصُول على رَأْي هَذَا الْقَائِل فَاعْلَم أَن السلوك هُوَ تَهْذِيب الْأَخْلَاق والأعمال والمعارف وَذَلِكَ اشْتِغَال بعمارة الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَالْعَبْد فِي جَمِيع ذَلِك مَشْغُول بِنَفسِهِ عَن ربه ﷾ إِلَّا أَنه
مشتغل بتصفية بَاطِنه ليستعد للوصول وَإِنَّمَا الْوُصُول هُوَ أَن ينْكَشف لَهُ جلية الْحق وَيصير مُسْتَغْرقا بِهِ فَإِن نظر إِلَى مَعْرفَته فَلَا يعرف إِلَّا الله وَإِن نظر إِلَى همته فَلَا همة لَهُ سواهُ فَيكون كُله مَشْغُولًا بكله مُشَاهدَة وهما لَا يلْتَفت فِي ذَلِك إِلَى نَفسه ليعمر ظَاهره بِالْعبَادَة أَو بَاطِنه بتهذيب الْأَخْلَاق وكل ذَلِك طَهَارَة وَهِي الْبِدَايَة وَإِنَّمَا النِّهَايَة أَن يَنْسَلِخ من نَفسه بِالْكُلِّيَّةِ ويتجرد لَهُ فَيكون كَأَنَّهُ هُوَ وَذَلِكَ هُوَ الْوُصُول عِنْده
ارَة وَهِي الْبِدَايَة وَإِنَّمَا النِّهَايَة أَن يَنْسَلِخ من نَفسه بِالْكُلِّيَّةِ ويتجرد لَهُ فَيكون كَأَنَّهُ هُوَ وَذَلِكَ هُوَ الْوُصُول عِنْده فَإِن قلت كَلِمَات الصُّوفِيَّة بِنَاء على مشاهدات انفتحت لَهُم فِي طور الْولَايَة وَالْعقل يقصر عَن دَرك ذَلِك وَمَا ذكرتموه تصرف ببضاعة الْعقل فَاعْلَم أَنه لَا يجوز أَن يظْهر فِي طور الْولَايَة مَا يقْضِي الْعقل باستحالته نعم يجوز أَن يظْهر مَا يقصر الْعقل عَنهُ بِمَعْنى أَنه لَا يُدْرِكهُ بِمُجَرَّد الْعقل مِثَاله أَنه يجوز أَن يكاشف الْوَلِيّ بِأَن فلَانا سيموت غَدا وَلَا يدْرك ذَلِك ببضاعة الْعقل بل يقصر الْعقل عَنهُ وَلَا يجوز أَن يكاشف بِأَن الله ﷾ غَدا سيخلق مثل نَفسه فَإِن ذَلِك يحيله الْعقل لَا أَنه يقصر عَنهُ وَأبْعد من ذَلِك أَن يَقُول إِن الله ﵎ سيجعلني مثل نَفسه وَأبْعد مِنْهُ أَن يَقُول إِن الله ﷿ سيصيرني نَفسه أَي أصير أَنا هُوَ لِأَن مَعْنَاهُ أَنِّي حَادث وَالله تَعَالَى وتقدس يَجْعَلنِي قَدِيما وَلست خَالق السَّمَوَات وَالْأَرضين وَالله يَجْعَلنِي خَالق السَّمَوَات وَالْأَرضين وَهَذَا معنى قَوْله نظرت فَإِذا أَنا هُوَ إِذا لم يؤول وَمن صدق بِمثل هَذَا فقد انخلع عَن غريزة الْعقل وَلم يتَمَيَّز عِنْده مَا يعلم عَمَّا لَا يعلم فليصدق بِأَنَّهُ يجوز أَن يكاشف ولي بِأَن الشَّرِيعَة بَاطِلَة وَأَنَّهَا إِن كَانَت حَقًا فقد قَلبهَا الله بَاطِلا وَأَنه جعل جَمِيع أقاويل الْأَنْبِيَاء كذبا وَإِن من قَالَ يَسْتَحِيل أَن يَنْقَلِب الصدْق كذبا فَإِنَّمَا يَقُوله ببضاعة الْعقل فَإِن انقلاب الصدْق كذبا لَيْسَ بأبعد من انقلاب الْحَادِث قَدِيما وَالْعَبْد رَبًّا وَمن لم يفرق بَين مَا أَحَالهُ الْعقل وَبَين مَا لَا يَنَالهُ الْعقل فَهُوَ أخس من أَن يُخَاطب فليترك وجهله
الْفَصْل الثَّانِي من الْمَقَاصِد والغايات فِي بَيَان وَجه رُجُوع هَذِه الْأَسَامِي الْكَثِيرَة إِلَى ذَات وَسبع صِفَات على مَذْهَب أهل السّنة
لَعَلَّك تَقول هَذِه أَسمَاء كَثِيرَة وَقد منعت الترادف فِيهَا وأوجبت أَن يتَضَمَّن كل وَاحِد معنى آخر فَكيف يرجع جَمِيعهَا إِلَى سبع صِفَات فَاعْلَم أَن الصِّفَات إِن كَانَت سبعا فالأفعال كَثِيرَة والإضافات كَثِيرَة والسلوب كَثِيرَة ويكاد يخرج جَمِيع ذَلِك عَن الْحصْر ثمَّ يُمكن التَّرْكِيب من مَجْمُوع صفتين أَو صفة وَإِضَافَة أَو صفة وسلب أَو سلب وَإِضَافَة وَيُوضَع بإزائه اسْم فتكثر الْأَسَامِي بذلك وَكَانَ مجموعها يرجع إِلَى مَا يدل مِنْهَا على الذَّات أَو على الذَّات مَعَ سلب أَو على الذَّات مَعَ إِضَافَة أَو على الذَّات مَعَ سلب وَإِضَافَة أَو على وَاحِد من الصِّفَات السَّبع أَو على صفة وسلب أَو على صفة وَإِضَافَة أَو على صفة فعل أَو على صفة فعل وَإِضَافَة أَو سلب فَهَذِهِ عشرَة أَقسَام الأول مَا يدل على الذَّات كَقَوْلِك الله وَيقرب مِنْهُ اسْم الْحق إِذا أُرِيد بِهِ الذَّات من حَيْثُ هِيَ وَاجِبَة الْوُجُود الثَّانِي مَا يدل على الذَّات مَعَ سلب مثل القدوس وَالسَّلَام والغني والأحد ونظائره فَإِن القدوس هُوَ المسلوب عَنهُ كل مَا يخْطر بالبال وَيدخل فِي الْوَهم وَالسَّلَام هُوَ المسلوب عَنهُ الْعُيُوب والغني هُوَ المسلوب عَنهُ الْحَاجة والأحد هُوَ المسلوب عَنهُ النظير وَالْقِسْمَة
بالبال وَيدخل فِي الْوَهم وَالسَّلَام هُوَ المسلوب عَنهُ الْعُيُوب والغني هُوَ المسلوب عَنهُ الْحَاجة والأحد هُوَ المسلوب عَنهُ النظير وَالْقِسْمَة
الثَّالِث مَا يرجع إِلَى الذَّات مَعَ إِضَافَة كالعلي والعظيم وَالْأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن ونظائره فَإِن الْعلي هُوَ الذَّات الَّتِي هِيَ فَوق سَائِر الذوات فِي الْمرتبَة فَهِيَ إِضَافَة والعظيم يدل على الذَّات من حَيْثُ تجَاوز حُدُود الإدراكات وَالْأول هُوَ السَّابِق على الموجودات وَالْآخر هُوَ الَّذِي إِلَيْهِ مصير الموجودات وَالظَّاهِر هُوَ الذَّات بِالْإِضَافَة إِلَى دلَالَة الْعقل وَالْبَاطِن هُوَ الذَّات مُضَافَة إِلَى إِدْرَاك الْحس وَالوهم وَقس على هَذَا غَيره الرَّابِع مَا يرجع إِلَى الذَّات مَعَ سلب وَإِضَافَة كالملك والعزيز فَإِن الْملك يدل على ذَات لَا تحْتَاج إِلَى شَيْء وَيحْتَاج إِلَيْهِ كل شَيْء والعزيز هُوَ الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَهُوَ مَا يصعب نيله والوصول إِلَيْهِ الْخَامِس مَا يرجع إِلَى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير السَّادِس مَا يرجع إِلَى الْعلم مَعَ إِضَافَة كالخبير والشهيد والحكيم والمحصي فَإِن الْخَبِير يدل على الْعلم مُضَافا إِلَى الْأُمُور الْبَاطِنَة والشهيد يدل على الْعلم مُضَافا إِلَى مَا يُشَاهد والحكيم يدل على الْعلم مُضَافا إِلَى أشرف المعلومات والمحصي يدل على الْعلم من حَيْثُ يُحِيط بمعلومات محصورة مَعْدُودَة التَّفْصِيل السَّابِع مَا يرجع إِلَى الْقُدْرَة مَعَ زِيَادَة إِضَافَة كالقهار وَالْقَوِي والمقتدر والمتين فَإِن الْقُوَّة هِيَ تَمام الْقُدْرَة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها فِي الْمَقْدُور بالغلبة الثَّامِن مَا يرجع إِلَى الْإِرَادَة مَعَ إِضَافَة أَو مَعَ فعل كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود فَإِن الرَّحْمَة ترجع إِلَى الْإِرَادَة مُضَافَة إِلَى قَضَاء حَاجَة الْمُحْتَاج الضَّعِيف والرأفة شدَّة الرَّحْمَة وَهِي مُبَالغَة فِي الرَّحْمَة والود يرجع إِلَى الْإِرَادَة مُضَافا إِلَى الْإِحْسَان والإنعام وَفعل الرَّحِيم يَسْتَدْعِي مُحْتَاجا وَفعل الْوَدُود



