معارج القدس في مدارج معرفه النفس

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 4 dari 6 173 halaman

— Bagian 4 · لْكثير فَمن وَجْهَيْن —

Bagian 4

لْكثير فَمن وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تصير الْمعَانِي الْكَثِيرَة الْمُخْتَلفَة فِي التخيلات بِالْعدَدِ إِذا كَانَت لَا تخْتَلف فِي الْحَد معنى وَاحِدًا وَالثَّانِي أَن تركب من مَعَاني الْأَجْنَاس والفصول معنى وَاحِدًا بِالْحَدِّ وَيكون وَجه التكثير بعكس هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَهَذَا من خَواص الْعقل الانساني وَلَيْسَ ذَلِك لغيره من القوى فانها تدْرك الْكثير كثيرا كَمَا هُوَ وَالْوَاحد وَاحِدًا كَمَا هُوَ وَلَا يُمكنهَا أَن تدْرك الْوَاحِد الْبَسِيط بل الْوَاحِد من حَيْثُ هُوَ جملَة مركبة من أُمُور واعراضها وَلَا يُمكنهَا ان تفصل العرضيات وتنزعها عَن الذاتيات فاذا عرض الْحس على الخيال صُورَة وَعرض الخيال على الْعقل تِلْكَ الصُّورَة يَأْخُذ الْعقل معنى فان عرض عَلَيْهِ صُورَة أُخْرَى من ذَلِك النَّوْع وانما هُوَ آخر بِالْعدَدِ لم يَأْخُذ مِنْهُ الْعقل صُورَة مَا غير مَا أَخذه أَولا إِلَّا من جِهَة الْعرض الَّذِي يخص هَذَا من حَيْثُ ذَلِك الْعرض بِأَن يَأْخُذهُ مرّة مُجَردا وَمرَّة مَعَ ذَلِك الْعرض وَلأَجل هَذَا يُقَال إِن زيدا وعمرا لَهما معنى وَاحِد فِي الانسانية اعني ان السَّابِق مِنْهُمَا إِذا أَفَادَ النَّفس صُورَة الانسانية فان الثَّانِي لَا يُفِيد الْبَتَّةَ شَيْئا من ذَلِك الْمَعْنى بل يكون الْمَعْنى المنطبع مِنْهُمَا فِي النَّفس وَاحِدًا هُوَ عَن

الخيال الأول وَلَا تَأْثِير للخيال الثَّانِي وللعقل إِذا أدْرك أَشْيَاء فِيهَا تقدم وَتَأَخر أَن يعقل مَعهَا الزَّمَان ضَرُورَة وَيكون ذَلِك لَا فِي زمَان بل فِي آن وَالْعقل يعقل الزَّمَان فِي آن وَأما تركيبه للحد وَالْقِيَاس فَهُوَ لَا محَالة يكون فِي زمَان إِلَّا ان تصور النتيجة والمحدود يكون دفْعَة وَالْعقل لَيْسَ قصوره عَن تصور الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ فِي غَايَة المعقولية والتجريد عَن الْمَادَّة لأمر فِي ذَات تِلْكَ الاشياء وَلَا لامر فِي غريزة الْعقل بل لأجل أَن الْعقل مَشْغُول بِالْبدنِ وَيحْتَاج فِي كثير من الْأُمُور إِلَى الْبدن فيبعده الْبدن عَن أفضل كمالاته فَإِذا زَالَ عَنهُ هَذَا الغمور كَانَ تعقل النَّفس للمجردات أفضل التعقلات وأوضحها وألذها وَأما مَرَاتِب الْعقل من الهيولاني والملكة وَالْعقل بِالْفِعْلِ وَالْعقل الْمُسْتَفَاد فقد ذَكرنَاهَا وَأما الْعقل الْقُدسِي فسنذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى فِي خَصَائِص النُّبُوَّة

قَاعِدَة فِي النُّبُوَّة والرسالة

تشْتَمل على بيانات بَيَان أَن الرسَالَة هَل تقتنص بِالْحَدِّ أم لَا وَبَيَان أَن الرسَالَة مكتسبة أم أَثَره ربانية وَبَيَان اثبات الرسَالَة بالبرهان وَبَيَان خَواص الرسَالَة وَهِي المعجزات وَبَيَان كَيْفيَّة الدعْوَة وَمَا يُؤْخَذ من السّمع ومالا يُؤْخَذ بَيَان أَن الرسَالَة لَا تقتنص بِالْحَدِّ والحقيقة بِذكر جِنْسهَا وفصلها

المعجزات وَبَيَان كَيْفيَّة الدعْوَة وَمَا يُؤْخَذ من السّمع ومالا يُؤْخَذ بَيَان أَن الرسَالَة لَا تقتنص بِالْحَدِّ والحقيقة بِذكر جِنْسهَا وفصلها

وَذَلِكَ لِأَن معرفَة الْأَشْيَاء لَا تتَوَقَّف على الظفر بحدودها ووجدان جِنْسهَا وفصلها فكم من مَوْجُود لَا جنس لَهُ وَلَا فصل وَلَا حد وَلَا رسم وَمَاله جنس وَفصل فَرُبمَا لَا يظفر بِجِنْسِهِ وفصله وَأكْثر الْأُمُور كَذَلِك فان اعطاء الْحُدُود صَعب عسر على الأذهان نعم يسْتَدلّ على وجوده وَحَقِيقَته بآثاره فان الْعقل وَالنَّفس وَكَثِيرًا من المفارقات تتَصَوَّر وَلَا حد لَهَا وَلَا رسم وانما يدل عَلَيْهَا برهَان وَلَو سَأَلَ سَائل نَبيا من الانبياء عَن خَواص الرسَالَة وماهيتها وابراز حَدهَا بجنسها وفصلها ترى كَيفَ كَانَ جَوَابه عَنْهَا أَو كَانَ يشرع فِي تَحْقِيق ذَلِك وَذكر حَده ورسمه وتعديد خواصه حَتَّى تتَوَقَّف رسَالَته على معرفَة ذَلِك كُله وان لم يعرف المستجيب ذَلِك لَا يُمكنهُ تَصْدِيقه أم كَانَ يجب عَلَيْهِ التَّصْدِيق فِي الْحَال سَوَاء عرف حد الرسَالَة أَو لم يعرف واذا كَانَت الرسَالَة

لم يعرف المستجيب ذَلِك لَا يُمكنهُ تَصْدِيقه أم كَانَ يجب عَلَيْهِ التَّصْدِيق فِي الْحَال سَوَاء عرف حد الرسَالَة أَو لم يعرف واذا كَانَت الرسَالَة

مرتبَة فَوق مرتبَة الأنسانية كَمَا كَانَت الانسانية مرتبَة فَوق مرتبَة الحيوانية لم يتَوَقَّف أَتبَاع الرَّسُول على معرفَة الرسَالَة كَمَا لم يتَوَقَّف استسخار الْحَيَوَان على معرفَة الانسانية بل الانسان لَو أَرَادَ تَعْرِيف الْحَيَوَان خَواص الانسانية كَانَ ذَلِك سفها مِنْهُ وتكليف مَا لَا يُطَاق كَذَلِك لَو أَرَادَ الرَّسُول تَعْرِيف الانسان خَواص الرسَالَة كَانَ ذَلِك تكليفا مِنْهُ مَا لَا يُطَاق فَلَا الْمُطَالبَة متوجبة عَلَيْهِ وَلَا الْجَواب عَنهُ لَازم وَهَذَا كَمَا طَالب فِرْعَوْن مُوسَى ﵇ بِذكر مَاهِيَّة رب الْعَالمين قَالَ ﴿وَمَا رب الْعَالمين قَالَ رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين﴾ وطالبه ثَانِيًا وثالثا فَلم يَأْتِ بِحَدّ وَلَا رسم وَلم يذكر جِنْسا وَلَا فصلا فِي تَعْرِيف مَا سَأَلَهُ الا بالربوبية الْمَحْضَة والتعريف بالحقائق مكانياتها وزمانياتها والمواليد الَّتِي بَين الْمَكَان وَالزَّمَان الرسَالَة هَل هِيَ حظوة مكتسبة أم أَثَرَة ربانية

وبية الْمَحْضَة والتعريف بالحقائق مكانياتها وزمانياتها والمواليد الَّتِي بَين الْمَكَان وَالزَّمَان الرسَالَة هَل هِيَ حظوة مكتسبة أم أَثَرَة ربانية

اعْلَم أَن الرسَالَة أَثَرَة علوِيَّة وخطوة ربانية وعطية آلهية لَا تكتسب بِجهْد وَلَا تنَال بكسب ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ لَكِن الْجهد وَالْكَسْب فِي إعداد النَّفس لقبُول آثَار الْوَحْي بالعبادات المشفوعة بالفكر والمعاملات الْخَالِصَة عَن الرُّؤْيَا والسمعة من لوازمها فَلَيْسَ الْأَمر فِيهَا اتفاقيا جغرافيا حَتَّى ينالها كل من دب ودرج أَو مُرَتبا على جهد وَكسب حَتَّى يُصِيبهَا كل من فكر وأدلج وكما ان الانسانية لنَوْع الانسان والملكية لنَوْع الْمَلَائِكَة لَيست مكتسبة لأشخاص النَّوْع وان الْعَمَل بِمُوجب النوعية لَيْسَ يَخْلُو عَن اكْتِسَاب وَاخْتِيَار لاعداد واستعداد كَذَلِك النُّبُوَّة لنَوْع الانبياء لَيست مكتسبة لأشخاص النَّوْع وان الْعَمَل بِمُوجب النُّبُوَّة لَيْسَ يَخْلُو عَن اكْتِسَاب وَاخْتِيَار لاعداد واستعداد فيوحى اليه ﴿طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى﴾ حِين تورمت قدماه من الْعِبَادَة حَتَّى قَالَ ﵇ أَفلا أكون عبدا شكُورًا وَكَانَ ﷺ يَتَحَنَّث بحراء

قبل الْوَحْي وحبب اليه الْخلْوَة وَكَانَ يرى الرُّؤْيَا فتأتي مثل فلق الصُّبْح على انها أَحْوَال عرضية وأعراض طارئة على النوعية بِنَوْع استيجاب وَاسْتِحْقَاق من كَمَال تركيب المزاج وَحسن الصُّورَة وَتَمام الِاعْتِدَال وطهارة النشوة والتربة وَطيب الأعراق وَمَكَارِم الْأَخْلَاق والسمت الصَّالح والأناة وَالْوَقار ولين الْجَانِب وخفض الْجنَاح وَالرَّحْمَة والرأفة بالأولياء والشدة والبأس على الْأَعْدَاء وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة والصون عَن جَمِيع الرذائل والتحلي بانواع الْفَضَائِل وزكاء الْعرض عَن جَمِيع الدنيات وَالْعَفو عَمَّن ظلمه والاحسان الى من أَسَاءَ اليه وصلَة الرَّحِم وَحفظ الْغَيْب وَحسن الْجوَار واعانة الْمَظْلُوم واغاثة الملهوف وَحب الْمَعْرُوف وبغض الْمُنكر وَغير ذَلِك ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ فِي هَذَا الْعَالم مازاغ الْبَصَر وَمَا طَغى فِي ذَلِك الْعَالم تعنو لنَفسِهِ نفوس الْعَالمين طَوْعًا وَكرها وَهُوَ غير متكبر وَلَا جَبَّار وَلَا فظ وَلَا غليظ يهاب اذا سكت وَلَا يعاب إِذا نطق لطيف الشَّمَائِل اذا تحرّك وَسكن قد نَهَضَ بِاحْتِمَال أعباء ماحمل من الرسَالَة فأداها وأفاض رَحمته على الْعَالمين فوفاها ﷺ وعَلى آله الطيبين الطاهرين إِثْبَات الرسَالَة بالبرهان

كن قد نَهَضَ بِاحْتِمَال أعباء ماحمل من الرسَالَة فأداها وأفاض رَحمته على الْعَالمين فوفاها ﷺ وعَلى آله الطيبين الطاهرين إِثْبَات الرسَالَة بالبرهان

بَيَان اثباتها بطريقين أَحدهمَا جملي وَالْآخر تفصيلي أما الْجملِي فَهُوَ كَمَا أَن نوع الانسان تميز عَن سَائِر الْحَيَوَانَات بِنَفس ناطقة هِيَ فَوْقهَا بالفضيلة الْعَقْلِيَّة والمسخرة لَهَا والمالكة عَلَيْهَا والمتصرفة فِيهَا كَذَلِك نفوس الانبياء ﵈ تميزت عَن نفوس النَّاس بعقل هاد مهْدي هُوَ فَوق الْعُقُول كلهَا بالفضيلة الربانية الْمُدبرَة لَهَا والمالكة عَلَيْهَا والمتصرفة فِيهَا وكما أَن حركات الانسان معجزات الْحَيَوَان فَلَيْسَ حَيَوَان يَتَحَرَّك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية كَذَلِك جَمِيع حركات النَّبِي معجزات للانسان فَلَيْسَ انسان يَتَحَرَّك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية وكما تميز النَّبِي عَن النَّاس بعقله الْمُنَاسب للعقول الْمُفَارقَة وَالْعقل الأول كَذَلِك تميز بِنَفسِهِ المشاكلة لنفوس السَّمَاوَات وَالنَّفس الفلكية وَكَذَلِكَ تميز

عَن النَّاس بعقله الْمُنَاسب للعقول الْمُفَارقَة وَالْعقل الأول كَذَلِك تميز بِنَفسِهِ المشاكلة لنفوس السَّمَاوَات وَالنَّفس الفلكية وَكَذَلِكَ تميز

بطبعه ومزاجه المستعد لقبُول مثل هَذَا الْعقل وَالنَّفس بِالْفِعْلِ وكما لَا يتَصَوَّر فِي سنة الْفطْرَة الإلهية أَن يكون من نُطْفَة كل حَيَوَان انسان كَذَلِك لَا يتَصَوَّر فِي سنة الْفطْرَة أَن يكون من نُطْفَة كل انسان نَبِي الله يخلق مَا يَشَاء ويجتبي ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ فَهُوَ الْمُخْتَار فِي طبعه ومزاجه الْمُصْطَفى بِنَفسِهِ وعقله لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد من النَّاس وَمن وَجه آخر النَّبِي إِذا شَارك النَّاس فِي البشرية والانسانية من حَيْثُ الصُّورَة فقد باينتهم من حَيْثُ الْمَعْنى اذ بشريته فَوق بشرية النَّاس لاستعداد بشريته لقبُول الْوَحْي ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ﴾ أَشَارَ الى طرف المشابهة من حَيْثُ الصُّورَة ﴿يُوحى إِلَيّ﴾ أَشَارَ الى طرف المباينة من حَيْثُ الْمَعْنى أما من حَيْثُ التَّفْصِيل فَمن طرق الطَّرِيق الأول برهَان أنشىء من الحركات الاختيارية وَهِي أَقسَام ثَلَاثَة فكرية وقولية وعملية وَالْحَرَكَة الفكرية يدخلهَا الْحق وَالْبَاطِل والقولية يدخلهَا الصدْق وَالْكذب والعملية يدخلهَا الْخَيْر وَالشَّر وَهَذِه الْعبارَات اصطلاحية وَالْمعْنَى مُسْتَقِيم فِيهَا مَفْهُوم عَنْهَا وَلَا يشك فِي انها على تضادها واختلافها لَيست وَاجِبَة الْفِعْل بجملتها وَاجِبَة التَّحْصِيل فان من أفتى بِهَذِهِ الْفَتْوَى يكون مُسْتَحقّ الْقَتْل بفتواه لِأَن قَتله من جملَة الحركات وَهُوَ وَاجِب الْفِعْل وَلَيْسَ كلهَا وَاجِب التّرْك فَإِن من أفتى بِهَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يتنفس لِأَن التنفس مِنْهُ حَرَكَة وَهِي وَاجِبَة التّرْك فَظهر من هَذَا أَن بَعْضهَا وَاجِب التّرْك وَبَعضهَا وَاجِب الْفِعْل وَإِذا ثَبت هَذَا فقد ثَبت حُدُود فِي الحركات حَتَّى كَانَ بَعْضهَا خيرا وَاجِب الْفِعْل وَبَعضهَا شرا وَاجِب التّرْك فالتمييز بَين حَرَكَة وحركة بالحدود وَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يعرفهُ كل أحد أَو لَا يعرفهُ أحد

عْضهَا خيرا وَاجِب الْفِعْل وَبَعضهَا شرا وَاجِب التّرْك فالتمييز بَين حَرَكَة وحركة بالحدود وَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يعرفهُ كل أحد أَو لَا يعرفهُ أحد أَو يعرفهُ بعض دون

بعض وَظَاهر انه لَا يعرفهُ كل أحد وباطل انه يعرفهُ كل أحد فَظهر أَنه يعرفهُ أحد دون أحد فَثَبت بالتقسيم الأول حُدُود فِي الحركات وَثَبت بالتقسيم الثَّانِي أَصْحَاب حُدُود يعرفونها وهم الْأَنْبِيَاء وَأَصْحَاب الشَّرَائِع عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والانسان اذا رَاجع نَفسه علم أَنه اذا لم يكن عَارِفًا بالحدود يجب أَن يكون فِي حكم أَصْحَاب الْحُدُود فَثَبت وجود النُّبُوَّة بضرورة الحركات الطَّرِيق الثَّانِي أَن نقُول إِن نوع الانسان مُحْتَاج الى اجْتِمَاع على صَلَاح فِي حركاته الاختيارية ومعاملاته المصلحية وَلَوْلَا ذَلِك الِاجْتِمَاع مَا بَقِي شخصه وَلَا انحفظ نَوعه وَلَا احترس مَاله وحريمه وَكَيْفِيَّة ذَلِك الِاجْتِمَاع تسمى مِلَّة وَشَرِيعَة وَبَيَان ذَلِك أَنه فِي اسْتِبْقَاء حَيَاته واستحفاظ نَوعه وحراسة مَاله وحريمه يحْتَاج الى تعاون وتمانع أما التعاون فلتحصيل مَا لَيْسَ لَهُ مِمَّا يحْتَاج اليه فِي مطعمه وملبسه ومسكنه وَأما التمانع فلحفظ مَا لَهُ من نَفسه وَولده وحريمه وَمَا لَهُ وَكَذَلِكَ فِي استحفاط نَوعه يحْتَاج الى تعاون فِي الازدواج والمشاركة وتمانع يحفظ ذَلِك على نَفسه وَهَذَا التمانع والتعاون يجب ان يَكُونَا على حد مَحْدُود وَقَضِيَّة عادلة وَسنة جَامِعَة مَانِعَة وَمن الْمَعْلُوم أَن كل عقل لَا يَفِي بتمهيد هَذِه السّنة على قانون يَشْمَل مصَالح النَّوْع جملَة ويخص حَال كل شخص تَفْصِيلًا الا أَن يكون عقل مؤيد بِالْوَحْي مقيض للرسالة مستمد من الروحانيات الَّتِي قيضت لحفظ نظام الْعَالم وهم بأَمْره يعْملُونَ وعَلى سنته فِي الْخلق سائرون وبحكمه حاكمون فَيكون الْفَيْض مُتَّصِلا بهَا من الْمَقَادِير فِي الْأَحْكَام ثمَّ مِنْهَا فائضا على الشَّخْص المتحمل لتِلْك الْأَمَانَة الْقَابِل لأسرار الدّيانَة يتبع الْحق فِي جَمِيع الْأُمُور ويتبعه الْخلق فِي جَمِيع الحركات يكلم النَّاس على مقادير

شَّخْص المتحمل لتِلْك الْأَمَانَة الْقَابِل لأسرار الدّيانَة يتبع الْحق فِي جَمِيع الْأُمُور ويتبعه الْخلق فِي جَمِيع الحركات يكلم النَّاس على مقادير عُقُولهمْ بعقله الْوَاقِف على تِلْكَ الْمَقَادِير ويكلف الْعباد على قدر استطاعتهم بقدرته المحيطة بِتِلْكَ الأقذار وَهَذِه الدَّلَائِل فروع لأصل وَاحِد وَهُوَ إِثْبَات الْأَمر لله ﷿ وَهُوَ الطَّرِيق الثَّالِث لأثبات النُّبُوَّة وَمن لم يعْتَرف بأَمْره لم يعْتَرف بِالنُّبُوَّةِ قطّ فان النَّبِي

متوسط الْأَمر كَمَا أَن الْملك متوسط الْخلق وَالْأَمر وكما وَجب الايمان بِاللَّه من حَيْثُ الْخلق وَالْأَمر وَجب الايمان بِاللَّه وبمتوسط الْخلق وَالْأَمر ﴿كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾ وَالطَّرِيق فِي إِثْبَات الْأَمر على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن الممكنات كَمَا احْتَاجَت الى مُرَجّح لجَانب الْوُجُود على الْعَدَم وَأَن الحركات كَمَا احْتَاجَت بتجددها الى محرك يديمها بالتعاقب ثمَّ المائلة من الحركات الى غير مَا مَالَتْ عَنهُ والمختلفات مِنْهَا الى غير جهاتها الطبيعية احْتَاجَت بتجددها الى كَون المحرك مرِيدا مُخْتَارًا ثمَّ المتوجهة مِنْهَا الى نظام الْخَيْر دون الْفساد وَالشَّر احْتَاجَت الى كَون المحرك آمرا أَمر التَّدْبِير وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ ثمَّ الحركات الانسانية كَمَا احْتَاجَت الى إِرَادَة عقلية فِي جهاتها المتباينة كَذَلِك احْتَاجَت الى مُكَلّف آمُر ناه فِي حُدُودهَا الْمُخْتَلفَة حَتَّى يخْتَار الْمُكَلف الْحق دون الْبَاطِل فِي الحركات الفكرية والصدق دون الْكَذِب فِي الحركات القولية وَالْخَيْر دون الشَّرّ فِي الحركات العملية وكما أَن أَمر التَّدْبِير جَار على عُمُوم الْخلق لنظام وجود الْعَالم الْكَبِير كُله وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ كَذَلِك أَمر التَّكْلِيف جَار على خُصُوص الْخلق لنظام وجود الْعَالم الصَّغِير وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم﴾ وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَوَامِر والنواهي المتوجهة على النَّاس وكما أوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا بِوَاسِطَة ملك كَذَلِك أوحى فِي كل زمَان أمره بِوَاسِطَة نَبِي فَذَلِك هُوَ التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ التَّكْلِيف

نَّاس وكما أوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا بِوَاسِطَة ملك كَذَلِك أوحى فِي كل زمَان أمره بِوَاسِطَة نَبِي فَذَلِك هُوَ التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ التَّكْلِيف الطَّرِيق الثَّانِي فِي إِثْبَات الْأَمر الاول أَن نقُول قد ثَبت وَتحقّق بالبراهين أَن الأول الْمُبْدع ملك مُطَاع فَلهُ الْخلق كُله ملكا وملكا وَلكُل ملك فِي سُلْطَانه أَمر وَنهي وترغيب وترهيب ووعد ووعيد وَلَا يجوز أَن يكون أمره مُحدثا مخلوقا فان الْمَخْلُوق من حَيْثُ هُوَ مَخْلُوق لَا يدل الا على خَالق فَلَيْسَ لَهُ دلَالَة على الْأَمر بِمَعْنى الِاقْتِضَاء والطلب والتكليف والتعريف والحث والزجر وَالتَّرْغِيب والترهيب

وَمن لم يثبت لله ﷿ أمرا يطاع فقد أحَال كل هَذِه الْأَوَامِر والنواهي والتذكيرات والتنبيهات على من ادّعى النُّبُوَّة مَقْصُورَة عَلَيْهِ متعدية عَنهُ وَمَا يضيفه الى الله تَعَالَى من قَالَ الله وَذكر الله وَأمر الله وَنهى الله ووعد الله وأوعد الله يكون مجَازًا لَا حَقِيقَة وترويجا للْكَلَام على الْعَامَّة لَا تَحْقِيقا ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء﴾ فقد نسبوا النَّبِي الَّذِي فِي أَعلَى دَرَجَات الانسان الى أَشد الظُّلم الَّذِي هُوَ أَسْفَل الدَّرَجَات والخيانة الَّتِي هِيَ أَخبث السَّيِّئَات جلّ منصب النُّبُوَّة عَن ذَلِك خَواص النُّبُوَّة

الانسان الى أَشد الظُّلم الَّذِي هُوَ أَسْفَل الدَّرَجَات والخيانة الَّتِي هِيَ أَخبث السَّيِّئَات جلّ منصب النُّبُوَّة عَن ذَلِك خَواص النُّبُوَّة

للنبوة خَواص ثَلَاث احداهما تَابِعَة لقُوَّة التخيل وَالْعقل العملي وَالثَّانيَِة تَابِعَة لقُوَّة الْعقل النظري وَالثَّالِثَة تَابِعَة لقُوَّة النَّفس الخاصية الأولى اعْلَم أَولا أَنه لَيْسَ يُمكن أَن يبرهن على مبادىء الْعُلُوم ومقدماتها من الْعُلُوم نَفسهَا فَيسلم لنا هَهُنَا أَن كل مَعْلُول مَعْلُول فَيجب أَن يلْزم عَن علته حَتَّى يُوجد وَأَن الْحَرَكَة السماوية اختيارية وَأَن الْحَرَكَة الاختيارية لَا تلْزم الا عَن اخْتِيَار بَالغ مُوجب للْفِعْل وَأَن الِاخْتِيَار لِلْأَمْرِ الْكُلِّي لَا يُوجب أمرا جزئيا فانه انما يلْزم الْأَمر الجزئي بِعَيْنِه عَن اخْتِيَار جزئي يَخُصُّهُ بِعَيْنِه وَأَن الحركات الَّتِي بِالْفِعْلِ كلهَا جزئية فَيجب إِن كَانَت اختيارية أَن تكون عَن اخْتِيَار جزئي فَيجب أَن يكون المحرك لَهَا مدْركا للجزئيات وَلَا يكون الْبَتَّةَ عقلا صرفا بل يكون نفسا تسْتَعْمل آله جسمانية تدْرك بهَا أمورا جزئية ادراكا إِمَّا أَن يكون تخيلا أَو تعقلا عمليا هُوَ أرفع من التخيل وَله أَيْضا عقل كلي يستمد من الْعقل المفارق الَّذِي يدْرك الْعُلُوم الْكُلية وَهَذَا كُله مُبين فِي الْعُلُوم الإلهية فَيظْهر من تَسْلِيم هَذِه أَن الحركات السماوية يُحَرك كل وَاحِد مِنْهَا جَوْهَر نفساني يتعقل الجزئيات بالنحو من التعقل الَّذِي يَخُصهَا ويرتسم فِيهِ صورها وصور الحركات الَّتِي يختارها كل وَاحِد مِنْهَا ويجاوزه حَتَّى تكون هيئات الحركات تتجدد فِيهَا دَائِما حَتَّى

تتجدد الحركات وَيكون يتَصَوَّر لَا محَالة حِينَئِذٍ الغايات الَّتِي يُؤَدِّي اليها الحركات فِي هَذَا الْعَالم وَيتَصَوَّر هَذَا الْعَالم أَيْضا بتفصيله وتلخيصه والأجزاء الَّتِي فِيهِ لَا يغرب عَنْهَا شَيْء وَيلْزم ذَلِك أَن يتَصَوَّر الْأُمُور الَّتِي تحدث فِي الْمُسْتَقْبل وَذَلِكَ أَنَّهَا أُمُور وَيلْزم وجودهَا عَن النِّسْبَة الَّتِي بَين الحركات الْمُتَعَلّقَة عَنْهَا بالشخصية وَالنّسب الَّتِي بَين الْأُمُور الَّتِي هَهُنَا وَالنّسب الَّتِي بَين هَذِه الْأُمُور وَتلك الحركات فَلَا يخرج شَيْء الْبَتَّةَ من أَن يكون حُدُوثه فِي الْمُسْتَقْبل لَازِما لوُجُود هَذِه على مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْحَال فَإِن الْأُمُور إِمَّا أَن تكون بالطبع وَإِمَّا أَن تكون بِالِاخْتِيَارِ وَإِمَّا أَن تكون بالِاتِّفَاقِ وَالَّتِي تكون عَن الطَّبْع انما تكون باللزوم عَن الطَّبْع إِمَّا طبع حَاصِل هَهُنَا أوليا أَو طبع حَادث هَهُنَا عَن طبع هَهُنَا أَو طبع حَادث هَهُنَا عَن طبع سماوي وَأما الاختيارات فانها تلْزم الِاخْتِيَار وَالِاخْتِيَار حَادث وكل حَادث بعد مَا لم يكن فَلهُ عِلّة وحدوثه بلزومه وعلته إِمَّا شَيْء كَائِن هَهُنَا على احدى الْجِهَات أَو شَيْء سماوي أَو شَيْء مُشْتَرك بَينهمَا وَأما الاتفاقيات فَهِيَ احتكاكات ومصادمات بَين هَذِه الْأُمُور الطبيعية والاختيارية بَعْضهَا مَعَ بعض فِي مجاريها فَيكون إِذا الْأَشْيَاء الممكنة مَا لم تجب لم تُوجد وانما تجب لَا بذاتها بل بِالْقِيَاسِ الى عللها والى الاجتماعات الَّتِي لعلل شَتَّى فاذا يكون كل شَيْء متكون متصورا بِجَمِيعِ الْأَحْوَال الْمَوْجُودَة فِي الْحَال من الطبيعة والارادة الأرضية والسماوية ولمأخذ كل واحدمنها وَمَجْرَاهُ فِي الْحَال فانه يتَصَوَّر مَا يجب عَن اسْتِمْرَار هَذِه على مأخذها من الكائنات وَلَا كائنات إِلَّا مَا يجب عَنْهَا كَمَا قُلْنَا فالكائنات إِذا قد تدْرك قبل الْكَوْن لَا من جِهَة مَا هِيَ مُمكنَة بل من جِهَة مَا يجب وانما لَا ندرك نَحن لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يخفى علينا جَمِيع أَسبَابهَا الآخذة نَحْوهَا أَو يظْهر

وْن لَا من جِهَة مَا هِيَ مُمكنَة بل من جِهَة مَا يجب وانما لَا ندرك نَحن لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يخفى علينا جَمِيع أَسبَابهَا الآخذة نَحْوهَا أَو يظْهر لنا بَعْضهَا وَيخْفى علينا بَعْضهَا فبمقدار مَا تظهر لنا مِنْهَا يَقع لنا حدس وَظن بوجودها وبمقدار مَا يخفى علينا مِنْهَا يتداخلنا الشَّك فِي وجودهَا وَأما المحركات للأجرام السماوية فيحضرها جَمِيع الْأَحْوَال الْمُتَقَدّمَة مَعًا

فَيلْزم جَمِيع الْأَحْوَال الْمُتَأَخِّرَة مَعًا فَتكون الْهَيْئَة للْعَالم بِمَا يُرِيد أَن يكون فِيهِ يرتسم هُنَاكَ ثمَّ تِلْكَ الصُّور لَا وَحدهَا بل الصُّور الْعَقْلِيَّة الَّتِي فِي الْجَوَاهِر الْمُفَارقَة غير محتجبة عَن أَنْفُسنَا بحجاب الْبَتَّةَ من جِهَتهَا انما الْحجاب هُوَ فِي قبولنا إِمَّا لضعفنا أَو لاشتغالنا بِغَيْر الْجِهَة الَّتِي عِنْدهَا يكون الْوُصُول اليها والاتصال بهَا وَأما إِذا لم يكن أحد الْمَعْنيين فان الِاتِّصَال بهَا مبذول وَلَيْسَت مِمَّا تحْتَاج أَنْفُسنَا فِي إِدْرَاكهَا إِلَى شَيْء غير الِاتِّصَال بهَا ومطالعتها فَأَما الصُّور الْعَقْلِيَّة فان الِاتِّصَال بهَا بِالْعقلِ النظري

مَّا تحْتَاج أَنْفُسنَا فِي إِدْرَاكهَا إِلَى شَيْء غير الِاتِّصَال بهَا ومطالعتها فَأَما الصُّور الْعَقْلِيَّة فان الِاتِّصَال بهَا بِالْعقلِ النظري فَأَما هَذِه الصُّور الَّتِي الْكَلَام فِيهَا فَإِن النَّفس إِنَّمَا يتصورها بِقُوَّة أُخْرَى وَهُوَ الْعقل العملي ويخدمه فِي هَذَا الْبَاب التخيل فَتكون الْأُمُور الْجُزْئِيَّة تنالها النَّفس بقوتها الَّتِي تسمى عقلا عمليا من الْجَوَاهِر الْعَالِيَة النفسانية وَتَكون الْأُمُور الْكُلية تنالها النَّفس بقوتها الَّتِي تسمى عقلا نظريا من الْجَوَاهِر الْعَالِيَة الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا يجوز أَن يكون فِيهَا شَيْء من الصُّور الْجُزْئِيَّة الْبَتَّةَ وتختلف الاستعدادات للنفوس جَمِيعًا فِي الْأَنْفس خُصُوصا الاستعداد لقبُول الجزئيات بالاتصال بِهَذِهِ الْجَوَاهِر النفسانية فبعض الْأَنْفس يضعف فِيهَا ويقل هَذَا الاستعداد لضعف الْقُوَّة المتخيلة وَبَعضهَا لَا يكون فِيهِ هَذَا الإستعداد أصلا لضعف الْقُوَّة المتخيلة أَيْضا وَبَعضهَا يكون هَذَا فِيهِ أقوى حَتَّى ان الْحس إِذا ترك اسْتِعْمَاله الْقُوَّة المتخيلة وَترك شغله بِمَا يُورد عَلَيْهَا جذبتها الْقُوَّة العملية إِلَى تِلْكَ الْجِهَة حَتَّى انطبعت فِيهَا تِلْكَ الصُّور إِلَّا أَن الْقُوَّة المتخيلة لما فِيهَا من الغريزة المحاكية والمنتقلة من شَيْء إِلَى غَيره تتْرك مَا أخذت وتورد شبيهه أَو ضِدّه اَوْ مناسبه كَمَا يعرض لليقظان من أَنه يُشَاهد شَيْئا فينعطف عَلَيْهِ التخيل إِلَى أَشْيَاء أُخْرَى يحضرها مِمَّا يتَّصل بِهِ بِوَجْه حَتَّى ينسيه الشَّيْء الأول فَيَعُود على سَبِيل التَّحْلِيل والتخمين وَيرجع إِلَى الشَّيْء الأول بِأَن يَأْخُذ الْحَاضِر مِمَّا قد تأدى اليه الخيال فيفطن أَنه خطر فِي الخيال تَابعا لأي صُورَة تقدمته وَتلك لأي صُورَة أُخْرَى وَكَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى البدء ويتذكر مَا نَسيَه كَذَلِك التَّعْبِير هُوَ تَحْلِيل

بِالْعَكْسِ لفعل التخيل حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْء الَّذِي تكون النَّفس شاهدته حِين اتصالها بذلك الْعَالم وَأخذت المتخيلة تنْتَقل عَنهُ إِلَى أَشْيَاء أُخْرَى فَهَذِهِ طبقَة وطبقة أُخْرَى يُقَوي استعداد نَفسهَا حَتَّى تستثبت مَا نالته هُنَاكَ ويستقر عَلَيْهِ الخيال من غير أَن يغلبه الخيال وينتقل إِلَى غَيره فَتكون الرُّؤْيَا الَّتِي لَا تحْتَاج إِلَى تَعْبِير وطبقة أُخْرَى أَشد تهيئا من تِلْكَ الطَّبَقَة وهم الْقَوْم الَّذين بلغ من كَمَال قوتهم المتخيلة وشدتها أَنَّهَا لَا تستغرقها القوى الحسية فِي إِيرَاد مَا يُورد عَلَيْهَا حَتَّى يمْنَعهَا ذَلِك عَن خدمَة النَّفس الناطقة فِي اتصالها بِتِلْكَ المبادىء الموحية اليها بالأمور الْجُزْئِيَّة فيتصل لذَلِك فِي حَال الْيَقَظَة وَيقبل تِلْكَ الصُّور ثمَّ إِن المتخيلة تفعل مثل مَا تفعل فِي حَال الرُّؤْيَا المحتاجة إِلَى التَّعْبِير بِأَن تَأْخُذ تِلْكَ الْأَحْوَال وتحاكيها وتستولي على الحسية حَتَّى يُؤثر مَا يتخيل فِيهَا من تِلْكَ فِي قُوَّة بنطاسيا بِأَن تنطبع الصُّور الْحَاصِلَة فِيهَا فِي البنطاسيا الْمُشَاركَة فيشاهد صورا إلهية عَجِيبَة مرئية وأقاويل إلهية مسموعة هِيَ مثل تِلْكَ المدركات الوحيية وَهَذِه أدون دَرَجَات الْمَعْنى الْمُسَمّى بِالنُّبُوَّةِ وَأقوى من هَذَا أَن يستشبت تِلْكَ الْأَحْوَال والصور على هيئتها مَانِعَة للقوة المتخيلة على الِانْصِرَاف إِلَى محاكاتها بأَشْيَاء أُخْرَى وَأقوى من هَذَا أَن تكون المتخيلة مستمرة فِي محاكاتها وَالْعقل العملي وَالوهم لَا يتخليان عَمَّا استثبتاه فَثَبت فِي الذاكرة صُورَة مَا أخذت وَتقبل المتخيلة على بنطاسيا وتحاكي فِيهِ مَا قبلت بصور عَجِيبَة مسموعة ومبصرة وَيُؤَدِّي كل وَاحِد مِنْهُمَا على وَجهه وَهَذِه طَبَقَات النُّبُوَّة الْمُتَعَلّقَة بالقوى الْعَقْلِيَّة العملية والخيالية وَانْظُر قصَص الْقُرْآن كَيفَ أَتَت على جزئياتها كَأَنَّهُ شَاهدهَا وحضرها وَكَأَنَّهَا كَانَت بمرأى من

لّقَة بالقوى الْعَقْلِيَّة العملية والخيالية وَانْظُر قصَص الْقُرْآن كَيفَ أَتَت على جزئياتها كَأَنَّهُ شَاهدهَا وحضرها وَكَأَنَّهَا كَانَت بمرأى من

النَّبِي ومسمع وَكَيف صدقت بِحَيْثُ لم ينكرها أحد من منكري النُّبُوَّة وَلَا يتعجبن متعجب من قَوْلنَا إِن المتخيل قد يرتسم فِي بنطاسيا فيشاهد فان المجانين قد يشاهدون مَا يتخيلون وَلذَلِك عِلّة تتصل بابانة السَّبَب الَّذِي لأَجله يعرض للممرورين أَن يخبروا بالأمور الكائنة فيصدقون فِي الْكثير وَلذَلِك مُقَدّمَة وَهِي أَن الْقُوَّة المتخيلة كالموضوعة بَين قوتين مستعملتين لَهَا سافلة وعالية أما السافلة فالحس فانها تورد عَلَيْهَا صورا محسوسة تشغلها وَأما الْعَالِيَة فالعقل فانه بقوته يصرفهَا عَن التخيل للكاذبات الَّتِي لَا توردها الْحَواس عَلَيْهَا وَلَا يستعملها الْعقل فِيهَا واجتماع هَاتين القوتين على اسْتِعْمَالهَا يحول بَينهَا وَبَين التَّمَكُّن من إصدار أفعالها الْخَاصَّة على التَّمام حَتَّى تكون الصُّورَة الَّتِي تحضرها بِحَيْثُ تنطبع فِي بنطاسيا انطباعا تَاما فيحس فاذا أعرض عَنْهَا إِحْدَى القوتين لم يبعد أَن تُقَام الْأُخْرَى فِي كثير من الْأَحْوَال فَلم يمْتَنع عَن فعلهَا فتمنعها فَتَارَة تتخلص عَن مجاذبة الْحس فتقوى على مقاومة الْعقل وتمعن فِيمَا هُوَ فعلهَا الْخَاص غير ملتفت إِلَى معاندة الْعقل وَهَذَا فِي حَال النّوم وَعند احضارها الصُّورَة كالمشاهدة وَتارَة تتخلص عَن سياسة الْعقل عِنْد فَسَاد الْآلَة الَّتِي يستعملها الْعقل فِي تَدْبِير الْبدن فيستعصي على الْحس وَلَا يُمكنهَا من شغلها بل يمعن إِيرَاد أفاعيلها حَتَّى يصير مَا ينطبع فِيهَا من الصُّور كالمشاهدة لانطباعه فِي الْحَواس وَهَذَا فِي حَال الْجُنُون وَقد يعرض مثل ذَلِك عِنْد الْخَوْف لما يعرض من ضعف النَّفس وانخذالها واستيلاء الْوَهم وَالظَّن المعينين للتخيل على الْعقل فيشاهد أمورا موحشة فالممرورون والمجانين يعرض لَهُم أَن يتخيلوا مَا لَيْسَ مَوْجُودا بِهَذَا السَّبَب

يلاء الْوَهم وَالظَّن المعينين للتخيل على الْعقل فيشاهد أمورا موحشة فالممرورون والمجانين يعرض لَهُم أَن يتخيلوا مَا لَيْسَ مَوْجُودا بِهَذَا السَّبَب وَأما اخبارهم بِالْغَيْبِ فانما يتَّفق أَكثر ذَلِك لَهُم عِنْد أَحْوَال كالصرع والغشي الَّذِي يفْسد حركات قواهم الحسية وَقد يعرض أَن تكل قوتهم المخيلة لِكَثْرَة حركاتهم المضطربة لِأَنَّهَا قُوَّة بدنية وَتَكون هممهم عَن المحسوسات

مصروفة فيكثر رفضهم للحس وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد يتَّفق أَن لَا تشتغل هَذِه الْقُوَّة بالحواس اشتغالا مُسْتَغْرقا ويعرض لَهَا أدنى سُكُون عَن حركاتها المضطربة ويسهل أَيْضا انجذابها مَعَ النَّفس الناطقة فَيعرض لِلْعَقْلِ العملي إطلاع إِلَى أفق عَالم النَّفس الْمَذْكُور فيشاهد مَا هُنَاكَ ويتأدى مَا يُشَاهِدهُ إِلَى الخيال فَيظْهر فِيهِ كالمشاهد المسموع فَحِينَئِذٍ إِذا أخبر بِهِ الممرور وَخرج وفْق مقاله يكون قد تكهن بالكائنات الْمُسْتَقْبلَة والآن فَيجب أَن نختم هَذَا الْبَيَان فقد أدينا فِيهِ نكت الْأَسْرَار المكتومة وَالله الْمُوفق فان قَالَ قَائِل إِذا كَانَ أَصْحَاب الْجِنّ والكهنة والعرافون وَبَعض المجانين رُبمَا يخبرون عَن الْغَيْب وَيصدق خبرهم وينذرون بِالْآيَاتِ ويتحقق أَثَرهَا فبطلت الخاصية النَّبَوِيَّة

َاب الْجِنّ والكهنة والعرافون وَبَعض المجانين رُبمَا يخبرون عَن الْغَيْب وَيصدق خبرهم وينذرون بِالْآيَاتِ ويتحقق أَثَرهَا فبطلت الخاصية النَّبَوِيَّة فَالْجَوَاب أَن نقُول قد بَينا قبل ذَلِك فِي البيانات الْمُتَقَدّمَة أَن التخيل فِي الْحَيَوَانَات على تفَاوت وتفاضل وتضاد وترتب حَتَّى قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن أَعلَى درجاته أَن تصل النَّفس إِلَى النَّفس الَّتِي هِيَ مُدبر فلك الْقَمَر الَّذِي هُوَ واهب الصُّور وَلَوْلَا أَن الجزئيات من الموجودات الكائنة الْفَاسِدَة متصورة متخيلة فِي ذَات النَّفس الفلكي لما أَفَاضَ على كل مَادَّة مَا تستحقه من الصُّور وَلَا مَانع لَهَا من تصور اللوازم الْجُزْئِيَّة لحركاتها الْجُزْئِيَّة من الكائنات عَنْهَا فِي الْعَالم العنصري وَكَأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنى صَار للأجسام السماوية زِيَادَة معنى على الْعقل المفارق لتظاهر رَأْي جزئي وَآخر كلي وَإِن كَانَ الرَّأْي الْكُلِّي مستمدا من الْعُقُول فاذا فهمت هَذَا فللنفوس البشرية أَن تنتقش من ذَلِك الْعَالم بِحَسب الاستعداد وَزَوَال الْمَانِع وَتَكون كالمرآة الْمُقَابلَة للنَّفس الفلكي حَتَّى يَقع فِيهَا جَمِيع مَا فِي النَّفس الفلكي فالى هَذَا الْحَد عظموا امْر الخيال واما فِي جَانب السّفل فالى حَيَوَان عديم التخيل اَوْ ضَعِيف التخيل سريع النسْيَان لَا يُمكنهُ ان يستثبت الصُّورَة سَاعَة اَوْ لَحْظَة بل يَتَجَدَّد لَهُ الخيالات

بِحَسب تجدّد الحركات وَهَذَا على نمط التَّفَاوُت بالتفاضل واما مَا هُوَ على نمط التَّفَاوُت بالتضاد فكخيال وتخيل كُله حق نَشأ عَن نفس خيرة وكخيال وتخيل كُله بَاطِل نَشأ عَن نفس شريرة وكخيال وتخيل بَين الطَّرفَيْنِ إِن التفتت إِلَى الْخَيْر الْتحق بِهِ وَإِن التفتت إِلَى الشَّرّ الْتحق بِهِ وَهَهُنَا نمط آخر من الْكَلَام وَهُوَ إِثْبَات عقل تجرد عَن كل خيال وَإِثْبَات خيال تجرد عَن كل عقل وَإِثْبَات عقل كُله خيال وَإِثْبَات خيال كُله عقل وَهَهُنَا حس عمل من خيال وخيال عمل من حس وعقل عمل من خيال وخيال عمل من عقل وَهَهُنَا علم على مزاج الظَّن وَظن على مزاج الْعلم وَأَنَّهُمْ ظنُّوا كَمَا ظننتم ان لن يعبث الله احدا اشارة إِلَى الظَّن الأول ﴿وَأَنا ظننا أَن لن نعجز الله فِي الأَرْض وَلنْ نعجزه هربا﴾ إِشَارَة إِلَى الظَّن الثَّانِي واختصاص الظَّن بالجن فِي فِي الْقُرْآن لسر فِي خَصَائِص الْجِنّ وَهُوَ ان وجودهم خيالي وتصوراتهم خيالية وصورهم لَا تتراءى إِلَّا للخيال وكما ان الخيال على وسط بَين الْحس وَالْعقل فَكل مَا هُوَ خيالي على وسط بَين الجسماني والروحاني كالجن وَالشَّيَاطِين والأوساط أبدا تكون ممزوجة من الطَّرفَيْنِ اَوْ تكون خَالِيَة عَن الطَّرفَيْنِ اما الخاصية الثَّانِيَة للنبوة وَهِي تَابِعَة للقوة النظرية فَنَقُول من الْمَعْلُوم الظَّاهِر ان الْأُمُور المعقولة الَّتِي يتَوَصَّل إِلَى اكتسابها بِحُصُول الْحَد الْأَوْسَط بعد الْجَهْل انما يتَوَصَّل إِلَى اكتسابها فِي الْقيَاس وَهَذَا الْحَد الاوسط قد يحصل على ضَرْبَيْنِ من الْحُصُول فَتَارَة يحصل بالحدس والحدس هُوَ فعل الذِّهْن يستنبط بِذَاتِهِ الْحَد الْأَوْسَط والذكاء قُوَّة الحدس وَتارَة يحصل بالتعلم ويتأدى التَّعْلِيم إِلَى الحدس فان الِابْتِدَاء يَنْتَهِي لَا محَالة إِلَى حدوس استنبطها أَرْبَاب تِلْكَ الحدوس ثمَّ أدوها إِلَى المتعلمين فَجَائِز أَن يَقع للانسان بِنَفسِهِ

لحدس فان الِابْتِدَاء يَنْتَهِي لَا محَالة إِلَى حدوس استنبطها أَرْبَاب تِلْكَ الحدوس ثمَّ أدوها إِلَى المتعلمين فَجَائِز أَن يَقع للانسان بِنَفسِهِ

الحدس وَأَن ينْعَقد فِي ذهنه الْقيَاس بِلَا معلم بشري وَهَذَا يتَفَاوَت بالكم والكيف أما فِي الْكمّ فَلِأَن بعض النَّاس يكون أَكثر حدسا للحدود الْوُسْطَى أما بالكيف فَلِأَن بعض النَّاس يكون أسْرع زمَان حدس وَلِأَن هَذَا التَّفَاوُت لَيْسَ منحصرا فِي حد بل يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَمنهمْ غبي لَا يعود عَلَيْهِ الْفِكر برادة وَمِنْهُم لَهُ فطانة إِلَى حد مَا ويستمتع بفكره وَمِنْهُم من هُوَ أثقب من ذَلِك وَله إِصَابَة فِي المعقولات وَتلك الثقابة غير متشابهة فِي الْجَمِيع بل رُبمَا قلت وَرُبمَا كثرت فَكَمَا أَنَّك تَجِد جَانب النُّقْصَان يَنْتَهِي إِلَى حد يكون منعدم الحدس فأيقن أَن جَانب الزِّيَادَة يُمكن أَن يَنْتَهِي إِلَى حد يَسْتَغْنِي فِي أَكثر أَحْوَاله عَن التَّعَلُّم والتفكر فَيحصل لَهُ الْعُلُوم دفْعَة وَيحصل مَعَه الوسائط والدلائل فَيمكن إِذا أَن يكون شخص من النَّاس مؤيد النَّفس لشدَّة الصفاء وَكَمَال الِاتِّصَال بالمبادىء الْعَقْلِيَّة إِلَى أَن يشتعل حدسا فِي كل شَيْء فيرتسم فِيهِ الصُّورَة الَّتِي فِي الْعقل الفعال اما دفْعَة وَإِمَّا قَرِيبا من دفْعَة ارتساما لَا تقليديا بل يقينيا مَعَ الْحُدُود الْوُسْطَى والبراهين اللائحة والدلائل الْوَاضِحَة

ِي الْعقل الفعال اما دفْعَة وَإِمَّا قَرِيبا من دفْعَة ارتساما لَا تقليديا بل يقينيا مَعَ الْحُدُود الْوُسْطَى والبراهين اللائحة والدلائل الْوَاضِحَة وَالْفرق بَين الحدس والفكر أَن الفكرة هِيَ حَرَكَة للنَّفس فِي الْمعَانِي مستعينا بالتخيل فِي أَكثر الْأُمُور يطْلب بهَا الْحَد الْأَوْسَط وَمَا يجْرِي مجْرَاه مِمَّا يُقَارِبه إِلَى علم بِالْمَجْهُولِ فِي حَالَة الْفَقْد استعراضا للمخزون فِي الْبَاطِن وَمَا يجْرِي مجْرَاه فَرُبمَا تأدت إِلَى الْمَطْلُوب وَرُبمَا انبتت وَأما الحدس فَهُوَ أَن يتَمَثَّل الْحَد الْأَوْسَط فِي الذِّهْن دفْعَة بِأَن يعلم الْعلَّة فَيعلم الْمَعْلُول أَو يعلم الدَّلِيل فَيحصل لَهُ الْعلم بالمدلول دفْعَة أَو قَرِيبا من دفْعَة وَهَذَا الْحُصُول تَارَة يكون عقيب طلب وشوق وَقد يكون من غير طلب واشتياق بِأَن يكون نفسا شريفة قَوِيَّة مستضيئة فِي نَفسهَا فَيحصل لَهُ الْعُلُوم ابْتِدَاء كَأَنَّهُ ماتخلى إِلَى اخْتِيَاره يكَاد زيتها يضيء ضوء الْفطْرَة وَلَو لم تمسه نَار الفكرة وَلَا يُفَارق طَرِيق الإلهام والحدس طَرِيق الِاكْتِسَاب والفكر فِي نفس الْعلم وَلَا فِي مَحَله وَلَا فِي سَببه لِأَن مَحل الْعلم النَّفس

وَسبب الْعلم الْعقل الفعال أَو الْملك المقرب وَلَكِن يُفَارِقهُ فِي وَجهه زَوَال الْحجاب فَإِن ذَلِك لَيْسَ بِاخْتِيَار العَبْد وَلم يُفَارق الْوَحْي الإلهام فِي شَيْء من ذَلِك بل فِي مُشَاهدَة الْملك الْمُفِيد للْعلم فان قَالَ قَائِل إِذا كَانَت هَذِه الْقُوَّة الحدسية مَوْجُودَة فِي غير النَّبِي فان الانسان يجد فِي نَفسه هَذَا التحدس فِي مسَائِل كَثِيرَة وَلكُل أحد فِي صناعته حدوس فان شَرط فِي النَّبِي أَن يكون فِي جَمِيع المعقولات فَهُوَ شَرط غير مَوْجُود فانه رُبمَا يمْتَنع عَلَيْهِ الحدس فِي مَسْأَلَة أَو مسَائِل وَأَيْضًا فان عقله حِينَئِذٍ يكون غير مشتبه عَلَيْهِ شَيْء مَا من الْغَيْب وَالشَّهَادَة فَيكون بِعَيْنِه عقلا بِالْفِعْلِ فَلَا يحْتَاج إِلَى وسط فَلَا يكون لَهُ حدس وَقد أثبتم لَهُ الحدس فَهَذَا خلف وان كَانَ الحدس فِي بعض الْمسَائِل فقد شَاركهُ فِيهِ غَيره وَلَيْسَ بخاصية لَهُ وَأَيْضًا لَيْسَ بعض الْمسَائِل أولى من بعض وَلَيْسَ لَهُ حد مَحْدُود يخْتَص بِالنُّبُوَّةِ فَلم تتَعَيَّن الخاصية النَّبَوِيَّة وَأَيْضًا قد رتبتم الْعقل أَربع مَرَاتِب الهيولاني والملكة وَالْعقل بِالْفِعْلِ وَالْعقل الْمُسْتَفَاد فَفِي أَي مرتبَة تُوجد للنَّبِي خاصية يتَمَيَّز بهَا عَن سَائِر النَّاس الْجَواب أَن نقُول من لم يثبت فِي الْعُقُول الانسانية تضادا وترتبا لم يستقم لَهُ إِثْبَات هَذِه الخاصية أما التضاد فعقل النَّبِي وعقل الكاهن وَأما الترتب فكعقل النَّبِي وعقل الصّديق والمتضادان خصمان يحتاجان إِلَى حَاكم لَيْسَ فَوْقه حَاكم والمترتبان ينتهيان بعقل لَيْسَ فَوْقه عقل وعَلى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عقل النَّبِي فَوق الْعُقُول كلهَا وحاكم عَلَيْهَا ومتصرف فِيهَا ومخرجها من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل ومكملها بالتكلف إِلَى أقْصَى غايات الْكَمَال اللَّائِق بِكُل وَاحِد مِنْهَا فَلَا يُمكن التَّنْصِيص على حد مَحْدُود أما إِذا كَانَ يُمكن أَن يُقَال إِن هَذِه الْقُوَّة قَابِلَة للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فعقل النَّبِي فَوق الْعُقُول كلهَا

التَّنْصِيص على حد مَحْدُود أما إِذا كَانَ يُمكن أَن يُقَال إِن هَذِه الْقُوَّة قَابِلَة للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فعقل النَّبِي فَوق الْعُقُول كلهَا أما الخاصية الثَّالِثَة التابعة للنَّفس فَنَقُول قد ظهر لنا فِي الْعُلُوم الإلهية أَن

الصُّورَة الَّتِي هِيَ فِي الْأَجْسَام العالمية تَابِعَة فِي الْوُجُود للصور الَّتِي فِي النُّفُوس والعقول الْكُلية وَأَن هَذِه الْمَادَّة طوع لقبُول مَا هُوَ مُتَصَوّر فِي عَالم الْعقل فان تِلْكَ الصُّور الْعَقْلِيَّة مبادىء لهَذِهِ الصُّور الحسية يجب عَنْهَا لذاتها وجود هَذِه الْأَنْوَاع فِي العوالم الجسمانية والأنفس الانسانية قريبَة من تِلْكَ الْجَوَاهِر وَقد نجد لَهَا فعلا طبيعيا فِي الْبدن الَّذِي لكل نفس فان الصُّورَة الارادية الَّتِي ترتسم فِي النَّفس يتبعهَا ضَرُورَة شكل قسري للأعضاء وتحريك غير طبيعي وميل غير غريزي يذعن لَهَا الطبيعة وَالصُّورَة الخوفية الَّتِي ترتسم فِي الخيال يحدث عَنْهَا فِي الْبدن مزاج من غير اسْتِحَالَة عَن محيل طبيعي شَبيه بِنَفسِهِ وَالصُّورَة الغضبية الَّتِي ترتسم فِي الخيال يحدث عَنْهَا فِي الْبدن مزاج آخر من غير محيل شَبيه وَالصُّورَة المعشوقية عِنْد الْقُوَّة الشهوانية إِذا لمحت فِي الخيال حدث عَنْهَا مزاج يحدث ريحًا من الْمَادَّة الرّطبَة فِي الْبدن ويحدره إِلَى الْعُضْو الْمَوْضُوع آلَة للْفِعْل الشهواني حَتَّى تستعد لذَلِك الشَّأْن وَلَيْسَت طبيعة الْبدن الا من عنصر الْعَالم وَلَوْلَا أَن هَذِه الطبائع مَوْجُودَة فِي جَوْهَر العنصر لما وجد فِي هَذَا الْبدن وَلَا ننكر أَن يكون من القوى النفسانية مَا هُوَ أقوى فعلا وتأثيرا من أَنْفُسنَا نَحن حَتَّى لَا يقْتَصر فعلهَا فِي الْمَادَّة الَّتِي رسم لَهَا وَهُوَ بدنهَا بل إِذا شَاءَت أحدثت فِي مَادَّة مالم مَا تتصوره فِي نَفسهَا وَلَيْسَ يكون مبدأ تِلْكَ الاحداث تَحْرِيك وتسكين وتبريد وتسخين وتكثيف وتليين كَمَا تفعل فِي بدنهَا فَيتبع ذَلِك أَن يحدث سحب هاطلة ورياح وصواعق وزلازل وصياح مثير ويتبعه مياه وعيون جَارِيَة وَمَا أشبه ذَلِك فِي الْعَالم بِإِرَادَة

َا تفعل فِي بدنهَا فَيتبع ذَلِك أَن يحدث سحب هاطلة ورياح وصواعق وزلازل وصياح مثير ويتبعه مياه وعيون جَارِيَة وَمَا أشبه ذَلِك فِي الْعَالم بِإِرَادَة هَذَا الانسان وَالَّذِي يَقع لَهُ هَذَا الْكَمَال فِي جبلة النَّفس ثمَّ يكون خيرا متحليا بالسيرة الفاضلة ومحامد الْأَخْلَاق وسير الروحانيين مجتنبا عَن الرذائل ودنيات الامور فَهُوَ ذُو معْجزَة من الْأَنْبِيَاء أَي من يَدعِي النُّبُوَّة ويتحدى بهَا وَتَكون هَذِه الْأُمُور مقرونة بِدَعْوَى النُّبُوَّة أَو كَرَامَة من الْأَوْلِيَاء ويزيده تَزْكِيَة لنَفسِهِ وَضَبطه القوى واسلاسها من هَذَا الْمَعْنى زِيَادَة على مُقْتَضى جبلته ثمَّ من يكون شريرا ويستعمله فِي الشَّرّ فَهُوَ السَّاحر الْخَبيث

وَاعْلَم أَن هَذِه الاشياء لَيْسَ القَوْل بهَا وَالشَّهَادَة لَهَا هِيَ ظنون امكانية سير اليها من أُمُور عقلية فَقَط وَإِن كَانَ ذَلِك أمرا مُعْتَمدًا لَو كَانَ وَلكنهَا تجارب لما ثبتَتْ طلب اسبابها وَمن حسن الِاتِّفَاق لمحبي الاستبصار أَن يعرض لَهُم هَذِه الْأَحْوَال فِي انفسهم أَو يشاهدوها مرَارًا مُتَوَالِيَة فِي غَيرهم حَتَّى يصير ذَلِك ذوقا فِي اثبات امور عَجِيبَة لَهَا وجود وَصِحَّة وداعيا لَهُ إِلَى طلب سَببهَا فانه إِذا اقْترن الذَّوْق بِالْعلمِ كَانَ ذَلِك من أحسن الْفَوَائِد وَأعظم العوائد وَالله ولي التَّوْفِيق خَاتِمَة مَا أفضل النَّوْع البشري

فأفضل النَّوْع البشري من أُوتِيَ الْكَمَال فِي حدس القوى النظرية حَتَّى اسْتغنى عَن الْمعلم البشري اصلا وأوتي للقوة المتخيلة استقامة وهمة لَا يلْتَفت إِلَى الْعَالم المحسوس بِمَا فِيهِ حَتَّى يُشَاهد الْعَالم النفساني بِمَا فِيهِ من احوال الْعَالم ويستثبتها فِي الْيَقَظَة فَيصير الْعَالم وَمَا يجْرِي فِيهِ متمثلا لَهَا ومنتقشا بهَا وَيكون لقُوته النفسانية أَن تُؤثر فِي عَالم الطبيعة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة النُّفُوس السماوية

لم وَمَا يجْرِي فِيهِ متمثلا لَهَا ومنتقشا بهَا وَيكون لقُوته النفسانية أَن تُؤثر فِي عَالم الطبيعة حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَة النُّفُوس السماوية ثمَّ الَّذِي لَهُ الْأَمْرَانِ الْأَوَّلَانِ وَلَيْسَ لَهُ الْأَمر الثَّالِث ثمَّ الَّذِي لَهُ هَذَا التهيؤ الطبيعي فِي الْقُوَّة النظرية دون العلمية ثمَّ الَّذِي يكْتَسب هَذَا الاستكمال فِي الْقُوَّة النظرية وَلَا حِصَّة لَهُ فِي أَمر الْقُوَّة العلمية من الْحُكَمَاء الْمَذْكُورين ثمَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْقُوَّة النظرية لَا تهيؤ طبيعي وَلَا اكْتِسَاب تكلفي وَلَكِن لَهُ التهيؤ فِي الْقُوَّة العلمية فالرئيس الْمُطلق وَالْملك الْحَقِيقِيّ الَّذِي يسْتَحق بِذَاتِهِ أَن يملك هُوَ الأول من الْعدة الْمَذْكُورين الَّذِي إِن نسب نَفسه إِلَى عَالم الْعقل وجد كَأَنَّهُ يتَّصل بِهِ دفْعَة وَاحِدَة وَإِن نسب إِلَى عَالم النَّفس وجد كَأَنَّهُ من سكان ذَلِك الْعَالم وَإِن نسب نَفسه إِلَى عَالم الطبيعة كَانَ فعالا فِيهِ مَا يَشَاء وَالَّذِي يتلوه أَيْضا رَئِيس كَبِير بعده فِي الْمرتبَة وَالْبَاقُونَ هم اشراف النَّوْع الانساني وكرامه واما الَّذين لَيْسَ لَهُم استكمال شَيْء من القوى إِلَّا انهم يصلحون الْأَخْلَاق ويقتنون الملكات الْفَضِيلَة فهم الاذكياء من النَّوْع الانساني لَيْسُوا من ذَوي الْمَرَاتِب الْعَالِيَة إِلَّا انهم متميزون من سَائِر اصناف الانسان

السَّعَادَة والشقاوة بعد الْمُفَارقَة

ياء من النَّوْع الانساني لَيْسُوا من ذَوي الْمَرَاتِب الْعَالِيَة إِلَّا انهم متميزون من سَائِر اصناف الانسان

السَّعَادَة والشقاوة بعد الْمُفَارقَة

اعْلَم ان الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم اجمعين شرحوا أَحْوَال الْآخِرَة اتم شرح وَبَيَان وَإِنَّمَا بعثوا لسوق النَّاس اليها ترغيبا وترهيبا وتشويقا وتخويفا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل لَا سِيمَا مَا فِي الشَّرِيعَة الْأَخِيرَة من تَقْرِير احوال الْمعَاد بالروحاني والجسداني والعاجل والآجل وَضرب الْأَمْثَال فِيهَا واقامة الْبَرَاهِين عَلَيْهَا وانما يتعرف حَال مَا بعد الْمَوْت من الانبياء ﵈ لأَنهم الَّذين اطلعوا على أَحْوَاله وَحيا واخبارا وَالْعقل الْمُجَرّد كَيفَ يَهْتَدِي إِلَى مقادير الْعُلُوم والأخلاق حَتَّى يرتب على كل علم وَعمل جَزَاء فِي الْآخِرَة مُقَدرا عَلَيْهَا مناسبا لَهَا وَمن الْمَعْلُوم أَن مترتبة متفاضلة وانما شرفها بشرف معلوماتها ومقادير الشّرف فِيهَا مترتبة على مقادير شرف المعلومات ومقادير السَّعَادَة بهَا وَالْجَزَاء عَلَيْهَا مُرَتّب على مقادير الشّرف فِيهَا وَكَذَلِكَ الْأَخْلَاق والأعمال مُتَفَاوِتَة متفاضلة ومتمايزة بِالْخَيرِ وَالشَّر والمقادير فِيهَا عملا وَجَزَاء مِمَّا لَا يَهْتَدِي اليه عقل كل عَاقل إِلَّا ان يكون مؤيدا من عِنْد الله ﷿ بِالْوَحْي والانباء مطلعا على مَا فِي ذَلِك الْعَالم من انواع الْجَزَاء فاذا السَّعَادَة الْبَدَنِيَّة قد شرحها الشَّرْع اتم شرح وَبَيَان فَلَا يحْتَاج الى مزِيد بسط اما السَّعَادَة اَوْ الشقاوة الَّتِي بِحَسب الرّوح وَالْقلب فقد اشار اليها وَنبهَ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِع وَنحن نشرح ذَلِك بِقدر ماتهتدي اليه الْعُقُول القاصرة فِي دَار الغربة

وة الَّتِي بِحَسب الرّوح وَالْقلب فقد اشار اليها وَنبهَ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِع وَنحن نشرح ذَلِك بِقدر ماتهتدي اليه الْعُقُول القاصرة فِي دَار الغربة

فَنَقُول يجب أَن يعلم أَن لكل قُوَّة نفسانية لَذَّة وَخيرا يَخُصهَا وأذى وشرا يَخُصهَا مِثَاله أَن لَذَّة الشَّهَوَات أَن يتَأَدَّى اليها من محسوساتها كَيْفيَّة ملائمة من الْحس وَكَذَلِكَ لَذَّة الْغَضَب الظفر وَلَذَّة الْوَهم الرَّجَاء وَلَذَّة الْحِفْظ تذكر الْأُمُور الْمَاضِيَة الموفقة وأذى كل وَاحِد مِنْهَا مَا يضاده وتشترك كلهَا نوعا من الشّركَة فِي أَن الشُّعُور بموافقها وملائمها هُوَ الْخَيْر واللذة الْحَاصِلَة بهَا وموافق كل وَاحِد مِنْهَا بِالذَّاتِ والحقيقة هُوَ حُصُول الْكَمَال الَّذِي هُوَ بِالْقِيَاسِ اليه كَمَال بِالْفِعْلِ فَهَذَا أصل وَأَيْضًا فَإِن هَذِه القوى وان اشتركت فِي هَذِه الْمعَانِي فَإِن مراتبها فِي الْحَقِيقَة مُخْتَلفَة فَالَّذِي كَمَاله أفضل وَأتم وأدوم وأوصل اليه وأحصل لَهُ وَالَّذِي هُوَ فِي نَفسه أَشد إدراكا كَانَت اللَّذَّة الَّتِي لَهُ أبلغ وأوفر وَهَذَا أصل وَقد يكون الْخُرُوج إِلَى الْفِعْل فِي كَمَال بِحَيْثُ يعلم أَنه كَائِن لزيد وَلَا يشْعر باللذة مالم يحصل لَهُ ومالم يشْعر بِهِ لم ينْزع نَحوه مثل الْعنين فانه مُتَحَقق أَن الْجِمَاع لذيذ وَلَكِن لَا يشتهيه وَلَا يحن اليه الاشتهاء والحنين اللَّذين يكونَانِ مخصوصين بِهِ بل شَهْوَة أُخْرَى كَمَا يَشْتَهِي من يجرب شَهْوَة من حَيْثُ يحصل بهَا إِدْرَاك وَإِن كَانَ مُؤْذِيًا وَكَذَلِكَ حَال الأكمه عِنْد الصُّور الجمالية والأصم عِنْد الألحان المنتظمة الرخيمة وَلِهَذَا يجب أَن لَا يتَوَهَّم الْعَاقِل أَن كل لَذَّة فَهُوَ كَمَا للحمار فِي بَطْنه وفرجه وَأَن المباديء الأول المقربة عِنْد رب الْعَالمين عادمة للذة وَالْغِبْطَة

ن لَا يتَوَهَّم الْعَاقِل أَن كل لَذَّة فَهُوَ كَمَا للحمار فِي بَطْنه وفرجه وَأَن المباديء الأول المقربة عِنْد رب الْعَالمين عادمة للذة وَالْغِبْطَة وان رب الْعَالمين لَيْسَ فِي سُلْطَانه وخاصيته الْبَهَاء الَّذِي لَهُ وقوته الْغَيْر المتناهية أَمر فِي غَايَة الْفَضِيلَة والشرف وَالطّيب نجله عَن أَن نُسَمِّيه لَذَّة فَأَي نِسْبَة يكون لذَلِك مَعَ هَذِه الحسية وَنحن نَعْرِف ذَلِك يَقِينا وَلَكِن لَا نشعر بِهِ لفقداننا تِلْكَ الْحَالة فَيكون حَالنَا حَال الْأَصَم والأكمه وَهَذَا أصل وَأَيْضًا فَإِن الْكَمَال وَالْأَمر الملائم قد يَتَيَسَّر للقوة الدراكة وَهُنَاكَ مَانع أَو شاغل للنَّفس فيكرهه ويؤثر ضِدّه عَلَيْهِ مثل كَرَاهِيَة الْمَرِيض للعسل وشهوته للطعوم الردية الكريهة بِالذَّاتِ وَرُبمَا لم يكن كَرَاهِيَة وَلَكِن عدم الاستلذاذ بِهِ

كالخائف يجد اللَّذَّة وَلَا يشْعر بهَا وَهَذَا أصل وَأَيْضًا قد تكون الْقُوَّة الداركة ممنوة بضد مَا هُوَ كمالها وَلَا يحس بِهِ وَلَا ينفر عَنهُ حَتَّى اذا زَالَ العائق رَجَعَ الى غريزته فتأذت بِهِ مثل الممرور فَرُبمَا لَا يحس بمرارة فَمه الى ان يصلح مزاجه وينقي أعضاءه فَحِينَئِذٍ ينفر عَن الْحَال الْعَارِضَة لَهُ وَكَذَلِكَ قد يكون الْحَيَوَان غير مشته للغذاء الْبَتَّةَ وَهُوَ أوفق شَيْء لَهُ وكارها لَهُ وَيبقى عَلَيْهِ مُدَّة طَوِيلَة فاذا زَالَ العائق عَاد الى واجبه فِي طبعه فَاشْتَدَّ جوعه وشهوته للغذاء حَتَّى لَا يصبر عَنهُ وَيهْلك عِنْد فقدانه وَكَذَلِكَ قد يحصل سَبَب الْأَلَم الْعَظِيم مثل حرق النَّار وتبريد الزَّمْهَرِير إِلَّا أَن الْحس قد أَصَابَته آفَة فَلَا يتَأَذَّى الْبدن بِهِ حَتَّى تَزُول الآفة فيحس بِهِ حِينَئِذٍ فاذا تقررت هَذِه الْأُصُول فَنَقُول إِن النَّفس الناطقة كمالها الْخَاص بهَا أَن يصير عَالما عقليا مرتسما فِيهِ صُورَة الْكل والنظام الْمَعْقُول فِي الْكل وَالْخَيْر الفائض فِي الْكل مُبْتَدأ من مبدأ الْكل وسالكا إِلَى الْجَوَاهِر الشَّرِيفَة الروحانية الْمُطلقَة ثمَّ الروحانيات الْمُعَلقَة نوعا مَا من التَّعَلُّق بالأبدان ثمَّ الْأَجْسَام العلوية بهيئاتها وقواها ثمَّ كَذَلِك حَتَّى تستوفي فِي نَفسهَا هَيْئَة الْوُجُود كُله فينقلب عَالما معقولا موازيا للْعَالم الْمَوْجُود كُله مشاهدا لما هُوَ الْحسن الْمُطلق وَالْجمال الْمُطلق ومتحدا بِهِ ومنتقشا بمثاله وهيئته ومنخرطا فِي سلكه وصايرا من جوهره

وازيا للْعَالم الْمَوْجُود كُله مشاهدا لما هُوَ الْحسن الْمُطلق وَالْجمال الْمُطلق ومتحدا بِهِ ومنتقشا بمثاله وهيئته ومنخرطا فِي سلكه وصايرا من جوهره فاذا قيس هَذَا بالكمالات المعشوقة الَّتِي للقوى الْأُخْرَى تُوجد فِي الْمرتبَة الَّتِي بِحَيْثُ يقبح مَعهَا أَن يُقَال إِنَّه أفضل وَأتم مِنْهَا بل لانسبة لَهَا الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه فَضِيلَة وتماما وَكَثْرَة ودواما وَكَيف يُقَاس الدَّوَام الأبدي بدوام الْمُتَغَيّر الْفَاسِد وَكَذَلِكَ شدَّة الْوُصُول فَكيف يكون مَا وُصُوله بملاقاة السطوح والأجسام بِالْقِيَاسِ الى مَا وُصُوله بالسريان فِي جَوْهَر الشَّيْء كَأَنَّهُ هُوَ بِلَا انْفِصَال اذا الْعقل والمعقول وَاحِد أَو قريب من الْوَاحِد وَأما أَن الْمدْرك فِي نَفسه أكمل فَهُوَ أَمر لَا يخفى وَأما انه أَشد إدراكا فَأمر أَيْضا يكْشف عَنهُ أدنى بحث فَإِنَّهُ أَكثر عددا للمدركات وَأَشد تقصيا للمدرك وتجريدا لَهُ عَن الزَّوَائِد الْغَيْر الدَّاخِلَة فِي

مَعْنَاهُ الا بِالْعرضِ والخوض فِي بَاطِنه وَظَاهره بل كَيفَ يعاير هَذَا الادراك بذلك الادراك أَو كَيفَ يمكننا أَن ننسب اللَّذَّة الحسية والبهيمية والغضبية الى هَذِه السعادات وَاللَّذَّات وَلَكنَّا فِي عالمنا هَذَا وأبداننا هَذِه وانغمارنا فِي الرذائل لَا نحس بِتِلْكَ اللَّذَّة اذا حصل شَيْء من أَسبَابهَا عندنَا كَمَا أومأنا اليه فِي بعض مَا قدمْنَاهُ من الْأُصُول وَلذَلِك لَا نطلبها وَلَا نَحن إِلَيْهَا اللَّهُمَّ الا أَن نَكُون قد خلعنا ربقة الشَّهْوَة وَالْغَضَب وأخواتهما عَن أعناقنا وطالعنا شَيْئا من تِلْكَ اللَّذَّة فَحِينَئِذٍ رُبمَا نتخيل مِنْهَا خيالا طفيفا ضَعِيفا وخصوصا عِنْد انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات اليقينية والتذاذنا بذلك شَبيه بالتذاذ الْحس عَن المذاقات اللذيذة بروائحها من بعيد

خيالا طفيفا ضَعِيفا وخصوصا عِنْد انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات اليقينية والتذاذنا بذلك شَبيه بالتذاذ الْحس عَن المذاقات اللذيذة بروائحها من بعيد وَأما اذا انفصلنا عَن الْبدن وَكَانَت النَّفس تنبهت وَهِي فِي الْبدن لكمالها الَّذِي هُوَ معشوقها وَلم تحصله وَهِي بالطبع نازعة اليه اذا عقلت بِالْفِعْلِ أَنه مَوْجُود إِلَّا أَن اشتغالها بِالْبدنِ كَمَا قُلْنَا أنساه ذَاته ومعشوقه كَمَا ينسي الْمَرَض الْحَاجة إِلَى بدل مَا يتَحَلَّل وكما ينسى الممرور الالتذاذ بالحلو واشتهاءه وتميل بالشهوة مِنْهُ الى المكروهات فِي الْحَقِيقَة عرض لَهَا حِينَئِذٍ من الْأَلَم لفقدانه كفاء مَا يعرض من اللَّذَّة الَّتِي أَوجَبْنَا وجودهَا ودللنا على عظم منزلتها فَيكون ذَلِك هُوَ الشقاوة والعقوبة الَّتِي لَا يعدلها تَفْرِيق النَّار للاتصال وتبديلها أَو تَبْدِيل الزَّمْهَرِير المزاج فَيكون مثلنَا حِينَئِذٍ مثل الخدر الَّذِي أومأنا إِلَيْهِ فِيمَا سلف وَالَّذِي قد عمل فِيهِ نَارا وزمهريرا فمنعت الْمَادَّة الملابسة وُجُوه الْحس عَن الشُّعُور فَلم يتأذ ثمَّ عرض أَن زَالَ العائق فشعر بالبلاء الْعَظِيم وَأما اذا كَانَت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة بلغت من النَّفس حدا من الْكَمَال فيمكنها بِهِ اذا فَارَقت الْبدن أَن تستكمل الْكَمَال الَّذِي لَهَا أَن تبلغه كَانَ مثله مثل الخدر الَّذِي أذيق الْمطعم الألذ وَعرض للحالة الأشهى وَكَانَ لَا يشْعر فَزَالَ عَنهُ الخدر فطالع اللَّذَّة الْعَظِيمَة دفْعَة وَتَكون تِلْكَ اللَّذَّة لَا من جنس تِلْكَ اللَّذَّة الحسية والحيوانية

بِوَجْه بل لَذَّة تتشاكل الْحَالة الطّيبَة الَّتِي للجواهر الْحَيَّة الْمَحْضَة أجل من كل لَذَّة وأشرف فَهَذِهِ السَّعَادَة وَتلك الشقاوة لَيست تكون لكل وَاحِد من الناقصين بل للَّذين أكسبوا اللَّذَّة الْعَقْلِيَّة الشوق الى كمالها وَذَلِكَ عِنْدَمَا يتبرهن لَهُم أَن من شَأْن النَّفس إِدْرَاك مَاهِيَّة الْكل بكسب الْمَجْهُول من الْمَعْلُوم والاستكمال بِالْفِعْلِ فَإِن ذَلِك لَيْسَ فِيهَا بالطبع الأول أَيْضا فِي سَائِر القوى بل شُعُور أَكثر القوى بكمالاتها إِنَّمَا يحدث بعد أَسبَاب وَأما النُّفُوس والقوى الساذجة الصرفة فَكَأَنَّهَا هيولى مَوْضُوعَة لم تكتسب الْبَتَّةَ هَذَا الشوق لِأَن هَذَا الشوق إِنَّمَا يحدث حدوثا وينطبع فِي جَوْهَر النَّفس اذا تبرهن للقوة النفسانية أَن هَهُنَا أمورا يكسبها الْعلم بالحدود الْوُسْطَى وبمباديء مَعْلُومَة بأنفسها وَأما قبل ذَلِك فَلَا يكون لِأَن هَذَا الشوق يتبع رَأيا وَلَيْسَ رَأيا أوليا بل رَأيا مكتسبا فَهَؤُلَاءِ اذا اكتسبوا هَذَا الرَّأْي لزم النَّفس ضَرُورَة هَذَا الشوق واذا فَارق وَلم يحصل مَعَه مَا يبلغ بِهِ بعد الِانْفِصَال التَّام وَقع فِي هَذَا النَّوْع من الشَّقَاء الأبدي لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَت تِلْكَ السَّعَادَة تكتسب بِالْبدنِ لَا غير وَقد فَارق وَهَؤُلَاء إِمَّا مقصرون عَن السَّعْي فِي كسب الْكَمَال الْإِنْسِي أَو معاندون جاحدون متعصبون لآراء فَاسِدَة متضادة للآراء الْحَقِيقِيَّة وَحَال الجاحدين أَشد من حَال الْمُقَصِّرِينَ وَحَال الْمُقَصِّرِينَ أَشد من حَال النُّفُوس الساذجة الصرفة وَأما أَنه كم يَنْبَغِي أَن يحصل عِنْد نفس الانسان من تصور المعقولات حَتَّى يُجَاوز بِهِ الْحَد الَّذِي فِي مثله تقع هَذِه الشقاوة فَلَيْسَ يمكنني أَن أنص عَلَيْهِ نصا الا بالتقريب وأظن أَن ذَلِك أَن يتَصَوَّر نفس الانسان المباديء الْمُفَارقَة تصورا حَقِيقِيًّا وَيصدق بهَا تَصْدِيقًا يقينيا لوجودها عِنْده بالبرهان وَيعرف الْعِلَل الغائية للأمور الْوَاقِعَة فِي الحركات الْكُلية دون الْجُزْئِيَّة الَّتِي لَا تتناهى ويتقرر عِنْده هَيْئَة الْكل

ودها عِنْده بالبرهان وَيعرف الْعِلَل الغائية للأمور الْوَاقِعَة فِي الحركات الْكُلية دون الْجُزْئِيَّة الَّتِي لَا تتناهى ويتقرر عِنْده هَيْئَة الْكل وَنسب أَجْزَائِهِ بَعْضهَا إِلَى بعض والنظام الْآخِذ من المبدأ الأول إِلَى أقْصَى الموجودات الْوَاقِعَة فِي ترتيبه وَيتَصَوَّر الْعِنَايَة الشاملة للْكُلّ وكيفيتها ويتحقق أَن الذَّات الْحق الموجد للْكُلّ أَي وجود يَخُصهَا وَأي وحدة تخصها وَأَنَّهَا

كَيفَ تعرف حَتَّى لَا يلْحقهَا تكْثر وَتغَير بِوَجْه من الْوُجُوه وَكَيف ترتبت نِسْبَة الْوُجُود اليه جلّ وَعلا ثمَّ كلما ازْدَادَ النَّاظر استبصارا ازْدَادَ للسعادة اسْتِعْدَادًا وَكَأَنَّهُ لَيْسَ يتبرأ الانسان عَن هَذَا الْعَالم وعلائقه إِلَّا أَن يكون أكد العلاقة مَعَ ذَلِك الْعَالم فَصَارَ لَهُ شوق الى ماهناك وعشق لما هُنَاكَ يصده عَن الِالْتِفَات الى مَا خَلفه جملَة ونقول أَيْضا إِن هَذِه السَّعَادَة الْحَقِيقِيَّة لَا تتمّ إِلَّا بإصلاح الْجُزْء العملي من النَّفس فاليه يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ ونقدم لذَلِك مُقَدّمَة فَنَقُول إِن الْخلق هُوَ ملكة يصدر بهَا عَن النَّفس أَفعَال مَا بسهولة من غير تقدم روية والخلق الْمَحْمُود هُوَ الْوسط بَين الطَّرفَيْنِ المذمومين فكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَقد شرحنا ذَلِك أتم شرح فِيمَا سبق وَجُمْلَته أَن لَا تحكم العلاقة مَعَ القوى الْبَدَنِيَّة قصدا بل يكون لِلْعَقْلِ العملي يَد الِاسْتِيلَاء وللقوة الحيوانية الأنقياد والمطاوعة

مَا سبق وَجُمْلَته أَن لَا تحكم العلاقة مَعَ القوى الْبَدَنِيَّة قصدا بل يكون لِلْعَقْلِ العملي يَد الِاسْتِيلَاء وللقوة الحيوانية الأنقياد والمطاوعة فالعقل يَنْبَغِي أَن يتأثر عَن القوى الحيوانية بل يُؤثر والقوى الحيوانية يَنْبَغِي أَن تتأثر وَلَا تُؤثر فاذا كَانَ كَذَلِك فَتكون النَّفس على جبلتها مَعَ إِفَادَة هَيْئَة الاستعلاء والتنزه وَذَلِكَ غير مضاد لجوهره وَلَا مائل بِهِ إِلَى جِهَة الْبدن ثمَّ النَّفس إِنَّمَا كَانَ الْبدن يغمره ويلهيه ويغفله عَن الشوق الَّذِي يَخُصُّهُ وَعَن طلب الْكَمَال الَّذِي لَهُ وَعَن الشُّعُور بلذة الْكَمَال إِن حصل لَهُ أَو الشُّعُور بألم فقد الْكَمَال إِن قصر عَنهُ لَا بِأَن النَّفس منطبعة فِيهِ أَو منغمسة فِيهِ لَكِن للعلاقة الَّتِي بَينهمَا وَهُوَ الشوق الْجبلي الى تَدْبيره والاشتغال بآثاره وَمَا يُورِدهُ عَلَيْهِ من عوارضه فاذا فَارق وَفِيه ملكة الِاتِّصَال بِهِ وَكَانَ قريب الشّبَه من حَاله وَهُوَ فِيهِ فبقدر مَا ينقص من ذَلِك يَزُول عَنهُ غفلته عَن حَرَكَة الشوق الَّذِي لَهُ إِلَى كَمَاله وبقدر مَا يبْقى مِنْهُ يصده عَن الِاتِّصَال الصّرْف بِمحل سعادته وَيحدث هُنَاكَ من الحركات المشوشة مَا يعظم أَذَاهُ ثمَّ تِلْكَ الْهَيْئَة الْبَدَنِيَّة مضادة لجوهره مؤذية لَهُ وانما كَانَ يلهيه عَنهُ الْبدن

وَتَمام انغماسه فِيهِ فَإِذا فارقته أحست بِتِلْكَ المضادة الْعَظِيمَة فان النَّاس نيام فاذا مَاتُوا انتبهوا وتأذت أَذَى عَظِيما لَكِن هَذَا الْأَذَى وَهَذَا الْأَلَم لَيْسَ لأمر ذاتي بل لأمر عَارض غَرِيب وَالْأَمر الْعَارِض الْغَرِيب لَا يَدُوم وَلَا يبْقى وَيَزُول وَيبْطل مَعَ ترك الْأَفْعَال الَّتِي كَانَت تثبت تِلْكَ الْهَيْئَة بتكريرها فَيلْزم اذا أَن تكون الْعقُوبَة الَّتِي بِحَسب ذَلِك غير خالدة بل تَزُول وتنمحي قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى تزكو النَّفس وتبلغ السَّعَادَة الَّتِي تخصها وَلِهَذَا لم ير أهل السّنة تخليد أهل الْكَبَائِر من الْمُؤمنِينَ لِأَن أصل الِاعْتِقَاد راسخ والعوارض تَزُول ويعفى عَنْهَا وَتغْفر وَأما النُّفُوس البله الَّتِي لم تكتسب الشوق وَلم تحن الى المعارف الَّتِي للعارفين فانها اذا فَارَقت الْأَبدَان وَكَانَت غير مكتسبة للهيئات الردية صَارَت الى سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى وَنَوع من الرَّاحَة وَلِهَذَا قَالَ ﵇ أَكثر أهل الْجنَّة البله وعليون لِذَوي الْأَلْبَاب وَأما إِن كَانَت مكتسبة للهيئات الْبَدَنِيَّة ملطخة بِالْمَعَاصِي وكدورات الشَّهَوَات وَلَيْسَ عِنْدهَا هَيْئَة غير ذَلِك وَلَا معنى يضاده وينافيه فَيكون لَا محَالة شوقها الى مقتضاها فتتعذب عذَابا شَدِيدا لفقدان الْبدن ومقتضيات الْبدن من غير أَن يحصل المشتاق اليه لِأَن آلَة الذّكر والفكر قد بطلت وَخلق التَّعَلُّق بِالْبدنِ قد بَقِي وَإِن اعتقدت اعتقادات بَاطِلَة وآراء فَاسِدَة وَمَعَ ذَلِك تعصب لتِلْك الاعتقادات وَجحد الْحق فَذَلِك هُوَ حَلِيف ألم ورفيق عَذَاب أَلِيم مُقيم

بَقِي وَإِن اعتقدت اعتقادات بَاطِلَة وآراء فَاسِدَة وَمَعَ ذَلِك تعصب لتِلْك الاعتقادات وَجحد الْحق فَذَلِك هُوَ حَلِيف ألم ورفيق عَذَاب أَلِيم مُقيم فخلاصة هَذَا الْفَصْل أَن النَّفس بعد الْمُفَارقَة إِن كَانَت قد فَارَقت قبل أَن اكْتسبت حَقًا أَو بَاطِلا فَهُوَ من أهل النجَاة لَا مستريح منعم وَلَا معذب كَحال الصّبيان والمجانين وَإِن كَانَت معتقدة وهمية فَاسِدَة مضادة للحق وأضاف اليها أعمالا على خلاف الشَّرْع فَهُوَ فِي عَذَاب مُقيم وَإِن اعتقدت اعتقادا حَقًا لَا عَن براهين يقينية وأضاف اليها أعمالا صَالِحَة فَهُوَ من أهل الْجنَّة وَإِن اعتقدت اعتقادات حقة وَلَكِن اشتغلت بزخارف الدُّنْيَا ولذاتها وشهواتها فَهُوَ معذب ملتفت الى مَا خَلفه غير وَاصل اليه لِأَن آلَة طلب الدُّنْيَا قد بطلت إِلَّا أَن هَذَا الْعَذَاب لَا

يبْقى بل يَزُول إِذْ أَتَى عَلَيْهِ مُدَّة من الزَّمَان وان كَانَت من الْعُلُوم فِي دَرَجَة الْكَمَال واعتقدت الْحَقَائِق على براهين يقينية وَلَكِن تنتهج مناهج الشَّرْع وَلم تسلك سَبِيل الْخيرَات وَلم يعْمل بعلمها فَهُوَ معذب مُدَّة وَلَكِن يَزُول وَلَا يبْقى ويبلغ بِالآخِرَة دَرَجَة من السَّعَادَة بِسَبَب الْعلم لِأَن هَذِه الْعَوَارِض بِمُقْتَضى الشَّهَوَات وَتلك تَزُول وان حصل لَهُ الْعُلُوم اليقينية إِمَّا على سَبِيل الْفِكر ونزه أخلاقه وحسنها وَعمل بِمُوجب الشَّرْع فَلهُ الدرجَة الْعليا فِي السَّعَادَة وَله الْوُصُول بِلَا انْفِصَال وَهُوَ النّظر الى الْجمال الْحق والجلال الْمَحْض والكمال الصّرْف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ فَحق الْعَاقِل أَن يسْعَى لطلب تِلْكَ السَّعَادَة ويحترز عَن مضادها وعوائقها وَالله ولي التَّيْسِير والتوفيق

جُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ فَحق الْعَاقِل أَن يسْعَى لطلب تِلْكَ السَّعَادَة ويحترز عَن مضادها وعوائقها وَالله ولي التَّيْسِير والتوفيق وَالنَّفس الانسانية اذا تجردت عَن الْبدن وَلم يبْق لَهَا علاقَة إِلَّا بعالمها فانه يجوز أَن يكون فِيهَا مَا يكون بِالْعقلِ والرأي وَسَائِر مَا يعقل مِمَّا يَلِيق بذلك الْعَالم الَّذِي هُوَ عَالم الثَّبَات والكون بِالْفِعْلِ وَهُوَ عَالم اتِّصَال النَّفس بالمبادىء الَّتِي فِيهَا هَيْئَة الْوُجُود كلهَا فتنتقش بِهِ فَلَا يكون هُنَاكَ نُقْصَان وَانْقِطَاع من الْفَيْض المتمم حَتَّى تحْتَاج أَن يفعل فعلا ينَال بِهِ كمالا وَيَقُول قولا ينَال بِهِ كمالا وَذَلِكَ هُوَ الْفِكر وَالذكر وَنَحْوهمَا فانها تنتقش بنقش الْوُجُود كُله فَلَا يحْتَاج إِلَى طلب نقش آخر فَلَا يتَصَرَّف فِي شَيْء مِمَّا كَانَ فِي هَذَا الْعَالم وَفِي تَحْصِيلهَا على هيئاتها الْجُزْئِيَّة طالبة لَهَا من حَيْثُ كَانَت جزئية وَالنَّفس الزكية تعرض عَن هَذَا الْعَالم وَهِي مُتَّصِلَة بعد بِالْبدنِ وَلَا تحفظ مَا يجْرِي فِيهِ عَلَيْهَا وَلَا تحب أَن تذكر فَكيف الفائز بالتجرد الْمَحْض مَعَ الِاتِّصَال بِالْحَقِّ وَالْجمال الْمَحْض والعالم الْأَعْلَى الَّذِي فِي حيّز السرمد وَهُوَ عَالم ثبات لَيْسَ عَالم التجدد الَّذِي فِي مثله يَتَأَتَّى أَن يَقع الْفِكر وَالذكر وانما عَالم التجدد عَالم الْحَرَكَة وَالزَّمَان فالمعاني الْعَقْلِيَّة الصرفة والمعاني الَّتِي تصير جزئية مادية كلهَا هُنَاكَ بِالْفِعْلِ وَكَذَلِكَ حَال نفوسنا

Bagian 4 dari 6