— Bagian 5 · وَالْحجّة فِي ذَلِك أَنه لَا يجوز أَن تَقول إِن … —
Bagian 5
وَالْحجّة فِي ذَلِك أَنه لَا يجوز أَن تَقول إِن صور المعقولات حصلت فِي الْجَوَاهِر الَّتِي فِي ذَلِك الْعَالم على سَبِيل الِانْتِقَال من مَعْقُول فَلَا يكون هُنَاكَ انْتِقَال من حَال إِلَى حَال حَتَّى انه لَا يَقع أَيْضا للمعنى الْكُلِّي تقدم زماني على الْمَعْنى الجزئي كَمَا يَقع هَهُنَا فانك تحصل الْكُلِّي أَولا ثمَّ تَأتي الْحَالة الزمانية فتفصل بل الْعلم بالمجمل من حَيْثُ هُوَ مُجمل وبالمفصل من حَيْثُ هُوَ مفصل مِمَّا لَا يفصل بَينهمَا الزَّمَان فاذا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الْجَوْهَر الَّذِي هوالخاتم فَكَذَلِك هُوَ فِي الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ كالشمع فان نِسْبَة الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ كالشمع حِين ترْتَفع الْعَوَائِق إِلَى الَّذِي هُوَ كالخاتم نِسْبَة وَاحِدَة فَلَا يتَقَدَّم فِيهَا انتقاش وَلَا يتَأَخَّر بل الْكل مَعًا وَهَذَا فصل فِي غَايَة التَّحْقِيق
حَقِيقَة اللِّقَاء والرؤية
اعْلَم أَن المدركات تَنْقَسِم إِلَى مَا يدْخل فِي الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة والمتشكلة من أشخاص الْحَيَوَان والنبات وَإِلَى مَا لَا يدْخل كذات الله سُبْحَانَهُ وكل مَا لَيْسَ بجسم كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة والارادة وَغَيرهَا وَمن رأى إنْسَانا ثمَّ غمض بَصَره وجد صورته حَاضِرَة فِي خياله كَأَنَّهُ ينظر اليها وَلَكِن إِذا فتح الْعين وَأبْصر أدْرك تَفْرِقَة بَينهمَا وَلَا يرجع التَّفْرِقَة إِلَى اخْتِلَاف بَين الصُّورَتَيْنِ لِأَن الصُّورَة المرئية تكون مُوَافقَة للمتخيلة وَإِنَّمَا الِافْتِرَاق بمزيد الوضوح والكشف فان صُورَة المرئي صَارَت بِالرُّؤْيَةِ أتم انكشافا ووضوحا وَهُوَ كشخص يرى فِي وَقت الْإِسْفَار قبل انتشار ضوء النَّهَار ثمَّ يرى عِنْد تَمام الضَّوْء فانه لاتفارق إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ الْأُخْرَى إِلَّا فِي مزِيد الانكشاف فاذا الخيال أول الادراك والرؤية هُوَ استكمال ادراك الخيال وَهُوَ غَايَة الْكَشْف لَا لِأَنَّهُ فِي الْعين بل لَو خلق الله تَعَالَى هَذَا الادارك الْكَامِل المكشوف فِي الْجَبْهَة أَو الصَّدْر مثلا اسْتحق أَن يُسمى رُؤْيَة
الْكَشْف لَا لِأَنَّهُ فِي الْعين بل لَو خلق الله تَعَالَى هَذَا الادارك الْكَامِل المكشوف فِي الْجَبْهَة أَو الصَّدْر مثلا اسْتحق أَن يُسمى رُؤْيَة واذا فهمت هَذَا فِي المتخيلات فَاعْلَم أَن المعلومات الَّتِي لَا تتشكل فِي الخيال أَيْضا لمعرفتها وإدراكها درجتان إِحْدَاهمَا أولى وَالثَّانيَِة استكمال لَهَا وَبَين الثَّانِيَة وَالْأولَى من التَّفَاوُت فِي مزِيد الْكَشْف والايضاح مَا بَين المتخيل والمرئي فتسمى الثَّانِيَة أَيْضا بالاضافة إِلَى الأولى مُشَاهدَة ولقاء ورؤية وَهَذِه التَّسْمِيَة حق لِأَن الرُّؤْيَة سميت رُؤْيَة لِأَنَّهَا غَايَة الْكَشْف وكما أَن سنة الله جَارِيَة بِأَن تطبيق
الأجفان يمْنَع من تَمام الْكَشْف بِالرُّؤْيَةِ وَيكون حِجَابا بَين الْبَصَر والمرئي وَلَا بُد من ارْتِفَاع الْحجاب لحُصُول الرُّؤْيَة وَمَا لم يرْتَفع كَانَ الادراك الْحَاصِل مُجَرّد التخيل فَكَذَلِك مُقْتَضى سنة الله تَعَالَى أَن النَّفس مَا دَامَت محجوبة بعوارض الْبدن وَمُقْتَضى الشَّهَوَات وَمَا غلب عَلَيْهَا من الصِّفَات البشرية فانها لَا تَنْتَهِي إِلَى الْمُشَاهدَة واللقاء فِي المعلومات الخارجية عَن الخيال بل هَذِه الْحَيَاة حجاب لَهَا مَانع عَنْهَا بِالضَّرُورَةِ كحجاب الأجفان عَن رُؤْيَة الْأَبْصَار وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى ﵇ ﴿لن تراني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَي فِي الدُّنْيَا فاذا ارْتَفع الْحجاب بِالْمَوْتِ بقيت النَّفس ملوثة بكدورات الدُّنْيَا غير منفكة عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ وان كَانَت مُتَفَاوِتَة فِي ذَلِك التلوث فَمِنْهَا مَا تراكم عَلَيْهَا الْخبث والصدأ فَصَارَت كالمرآة الَّتِي قد فسد بطول تراكم الْخبث جوهرها وَلَا تقبل الاصلاح والتصقيل وَهَؤُلَاء هم المحجوبون عَن رَبهم أبدالأباد نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ
صَارَت كالمرآة الَّتِي قد فسد بطول تراكم الْخبث جوهرها وَلَا تقبل الاصلاح والتصقيل وَهَؤُلَاء هم المحجوبون عَن رَبهم أبدالأباد نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَمِنْهَا مَا لم ينْتَه إِلَى حد الرين والطبع وَلم يخرج عَن قبُول التَّزْكِيَة والتصقيل فَيعرض على النَّار عرضا يقْلع مِنْهُ الْخبث الَّذِي هُوَ متدنس بِهِ وَيكون عرضه على النَّار بِقدر الْحَاجة إِلَى التَّزْكِيَة وأقلها لَحْظَة خَفِيفَة وأقصاها فِي حق الْمُؤمنِينَ كَمَا ورد فِي الْخَبَر سَبْعَة آلَاف سنة وَلنْ يرتحل نفس من هَذَا الْعَالم إِلَّا ويصحبها غبرة وكدورة مَا وَإِن قلت وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ أللهم إِلَّا نفوسا قد انغمست فِي تَأمل الجبروت وانخرطوا فِي سلك الْقُدس مستديمين لشروق نور الْحق فِي أسرارهم على الدَّوَام فَهَؤُلَاءِ مبدؤهم ومعادهم سَوَاء فان من النُّفُوس الانسانية وعقولها مَا هُوَ نفس مفطورة على التجرد والتقدس
عَن علائق الْموَاد وغواشي هَذَا الْعَالم من الْقُوَّة والاستعداد منخرطا فِي سلك الْعُقُول الْمُفَارقَة مُتَّصِلا بِالْعقلِ الأول مستمدا من الْكَلِمَة الْعليا مؤيدا من أَمر الله تَعَالَى أرسل الى عَالم الأجساد لَا ليستكمل عَنْهَا وَعَن قواها الجسمانية استكمال الْعُقُول الهيولانية لتخرج من الْقُوَّة الى الْفِعْل بل لتخرج الْعُقُول بِالْقُوَّةِ من الْقُوَّة الى الْفِعْل ويكمل النُّفُوس الناطقة المنغمسة فِي أَحْوَال هَذَا الْعَالم إِلَى غايات قدرت لَهَا من الْكَمَال فَهَؤُلَاءِ فطر مبدؤهم على طبيعة معادهم فهم الْمَلأ الْأَعْلَى وهم المبادىء الأولى يحِق لَهُم أَن يَقُولُوا كُنَّا أظلة عَن يَمِين الْعَرْش فسبحنا فسبحت الْمَلَائِكَة بتسبيحنا وَحقا قَالَ لَهُم ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين﴾ وصدقا قَالَ ﵇ كنت نَبيا وآدَم لَمُنْجَدِل بَين المَاء والطين وَمن رأى التضاد والترتب فِي الموجودات والمفروغ والمستأنف فِي الْأَحْكَام لم يبْق عَلَيْهِ إِشْكَال أما أَكثر النُّفُوس فمستيقنة للورود بِقدر التلطخ بالأوزار مِنْهَا فاذا أكمل الله تَعَالَى تطهيرها وتزكيتها وَبلغ للْكتاب أَجله وَوَقع الْفَرَاغ عَن جملَة مَا وعد بِهِ الشَّرْع من الْعرض والحساب وَغَيره ووافى اسْتِحْقَاق الْجنَّة وَذَلِكَ وَقت مُبْهَم لم يطلع الله عَلَيْهِ أحدا من خلقه فَإِنَّهُ وَاقع بعد الْقِيَامَة وَوقت الْقِيَامَة مَجْهُول فَعِنْدَ ذَلِك يستعد بصفائه ونقائه من الكدورات حَيْثُ لَا يرهق وَجهه غبرة وَلَا قترة لِأَن يتجلى فِيهِ الْحق ﷻ فيتجلى لَهُ تجليا يكون انكشاف تجليه بالاضافة إِلَى ماعليه كانكشاف تجلي المرئيات بالاضافة إِلَى مَا تخيله وَهَذِه الْمُشَاهدَة والتجلي هِيَ الَّتِي تسمى رُؤْيَة فاذا الرُّؤْيَة حق بِشَرْط أَن لَا تفهم من الرُّؤْيَة استكمال الخيال فِي متخيل مُتَصَوّر مَخْصُوص بِجِهَة وَمَكَان فان ذَلِك مِمَّا يتعالى عَنهُ رب الْعَالمين علوا كَبِيرا بل كَمَا عَرفته فِي الدُّنْيَا معرفَة حَقِيقِيَّة تَامَّة من غير تصور وتخيل وَتَقْدِير شكل وَصُورَة فتراه فِي الْآخِرَة كَذَلِك بل أَقُول
لوا كَبِيرا بل كَمَا عَرفته فِي الدُّنْيَا معرفَة حَقِيقِيَّة تَامَّة من غير تصور وتخيل وَتَقْدِير شكل وَصُورَة فتراه فِي الْآخِرَة كَذَلِك بل أَقُول الْمعرفَة الْحَاصِلَة فِي الدُّنْيَا بِعَينهَا هِيَ الَّتِي تستكمل فتبلغ كَمَال الانكشاف
والوضوح وتنقلب مُشَاهدَة فَلَا يكون بَين الْمُشَاهدَة فِي الْآخِرَة والمعلوم فِي الدُّنْيَا اخْتِلَاف إِلَّا من حَيْثُ زِيَادَة الْكَشْف والوضوح فَإِذا لم يكن فِي الْمعرفَة إِثْبَات صُورَة وجهة فَلَا يكون فِي استكمال الْمعرفَة بِعَينهَا وترقيها فِي الوضوح إِلَى غَايَة الْكَشْف أَيْضا جِهَة وَصُورَة لِأَنَّهَا هِيَ بِعَينهَا إِلَّا فِي زِيَادَة الْكَشْف كَمَا أَن الصُّورَة المرئية هِيَ المتخيلة بِعَينهَا إِلَّا فِي زِيَادَة الْكَشْف وَلِهَذَا لَا يفوز بِدَرَجَة النّظر والرؤية إِلَّا العارفون فِي الدُّنْيَا لِأَن الْمعرفَة هِيَ الْبذر الَّذِي يَنْقَلِب فِي الْآخِرَة مُشَاهدَة كَمَا تنْقَلب النواة شَجَرَة والبذور زرعا وَمن لَا نواة لَهُ فَكيف يحصل لَهُ نخل فَكَذَلِك من لَا يعرف الله فِي الدُّنْيَا فَكيف يرَاهُ فِي الْآخِرَة
كَمَا تنْقَلب النواة شَجَرَة والبذور زرعا وَمن لَا نواة لَهُ فَكيف يحصل لَهُ نخل فَكَذَلِك من لَا يعرف الله فِي الدُّنْيَا فَكيف يرَاهُ فِي الْآخِرَة وَلما كَانَت الْمعرفَة على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة كَانَ التجلي أَيْضا على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة فاختلاف التجلي بِالْإِضَافَة إِلَى اخْتِلَاف المعارف كاختلاف النَّبَات بالاضافة إِلَى اخْتِلَاف البذور إِذْ تخْتَلف لَا محَالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها وَلذَلِك قَالَ ﵇ إِن الله تجلى للنَّاس عَامَّة وَلأبي بكر خَاصَّة لِأَنَّهُ فضل النَّاس بسر وقر فِي صَدره بِلَا جرم تفرد يالتجلي وكل من لم يعرف الله فِي الدُّنْيَا لَا يرَاهُ فِي الْآخِرَة إِذْ لَيْسَ يسْتَأْنف لأحد فِي الْآخِرَة مَا لم يَصْحَبهُ من الدُّنْيَا وَلَا يحصد أحد إِلَّا مَا زرع وَلَا يحْشر الْمَرْء إِلَّا على مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَلَا يَمُوت إِلَّا على مَا عَاشَ عَلَيْهِ فَمَا صَحبه من الْمعرفَة هِيَ الَّتِي يتنعم بهَا بِعَينهَا فَقَط إِلَّا انها تنْقَلب مُشَاهدَة بكشف الغطاء عَنْهَا فتتضاعف اللَّذَّة كمل تتضاعف لَذَّة العاشق إِذْ استبدل بخيال صُورَة المعشوق رُؤْيَة صورته فان ذَلِك هُوَ مُنْتَهى لذته فاذا نعيم الْجنَّة بِقدر حب الله تَعَالَى وَحب الله تَعَالَى بِقدر الْمعرفَة فَأصل السعادات هِيَ الْمعرفَة الَّتِي عبر الشَّرْع عَنْهَا بالايمان فَإِذا قلت فلذة الرُّؤْيَة إِن كَانَ لَهَا نِسْبَة إِلَى لَذَّة الْمعرفَة فَهِيَ قَليلَة وَإِن كَانَت أضعافها لِأَن لَذَّة الْمعرفَة فِي الدُّنْيَا قَليلَة ضَعِيفَة فتضاعفها إِلَى حد قريب لَا يَنْتَهِي فِي الْقُوَّة إِلَى إِن يستحقر سَائِر لذات الْجنَّة فِيهَا
فَاعْلَم أَن هَذَا الاحتقار للذة الْمعرفَة مصدره الْخُلُو عَن الْمعرفَة فَمن خلا عَن الْمعرفَة كَيفَ يدْرك لذتها وان انطوى على معرفَة ضَعِيفَة وقلب مشحون بعلائق الدُّنْيَا فَكيف لذتها فللعارفين فِي معرفتهم وفكرتهم ولطائف مناجاتهم لله تَعَالَى لذات لَو عرضت عَلَيْهِم الْجنَّة فِي الدُّنْيَا بَدَلا عَنْهَا لم يستبدلوا بهَا الْجنَّة ثمَّ هَذِه اللَّذَّة مَعَ كمالها لَا نِسْبَة لَهَا أصلا إِلَى لَذَّة اللِّقَاء والمشاهدة كَمَا لَا نِسْبَة للذة خيال المعشوق إِلَى رُؤْيَته واظهار عظم التَّفَاوُت بَينهمَا لَا يُمكن الا بِضَرْب مِثَال فَنَقُول لَذَّة النّظر إِلَى وَجه المعشوق فِي الدُّنْيَا تَتَفَاوَت بِأَسْبَاب أَحدهَا كَمَال جمال المعشوق ونقصانه وَالثَّانِي كَمَال قُوَّة الْحبّ وَالثَّالِث كَمَال الادراك وَالرَّابِع اندفاع الْعَوَائِق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فَقدر عَاشِقًا ضَعِيف الْعِشْق ينظر إِلَى وَجه معشوقه من وَرَاء ستر رَقِيق على بعد بِحَيْثُ يمْنَع انكشاف كنه صورته فِي حَالَة اجْتمع عَلَيْهِ عقارب وزنانير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة لَا يَخْلُو عَن لَذَّة مَا من مُشَاهدَة جمال معشوقه فَلَو طرأت على الْفجأَة حَالَة انهتك بهَا السّتْر واشرق بِهِ الضَّوْء واندفع عَنهُ المؤذيات وَبَقِي سليما فَارغًا وهجم عَلَيْهِ الشَّهْوَة القوية المفرطة والعشق المفرط حَتَّى بلغ أقْصَى الغايات فَانْظُر كَيفَ تتضاعف اللَّذَّة حَتَّى لَا يبْقى للأولى إِلَيْهِ نِسْبَة يعْتد بهَا فَكَذَلِك فَافْهَم نِسْبَة لَذَّة النّظر إِلَى لَذَّة الْمعرفَة فالستر الرَّقِيق مِثَال للبدن والاشتغال بِهِ والعقارب والزنابير مِثَال للشهوات المتسلطة على الانسان من الْجُوع والعطش وَالْغَضَب وَالْغَم والحزن وَضعف الشَّهْوَة وَالْحب مِثَال لقُصُور النَّفس فِي الدُّنْيَا ونقصانها عَن الشوق إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى والتفاته إِلَى أَسْفَل السافلين وَهُوَ مثل قُصُور الصَّبِي عَن مُلَاحظَة لَذَّة الرِّئَاسَة والعكوف على اللّعب بالعصفور فالعارف وَإِن قويت فِي الدُّنْيَا مَعْرفَته فَلَا يَخْلُو
لين وَهُوَ مثل قُصُور الصَّبِي عَن مُلَاحظَة لَذَّة الرِّئَاسَة والعكوف على اللّعب بالعصفور فالعارف وَإِن قويت فِي الدُّنْيَا مَعْرفَته فَلَا يَخْلُو عَن هَذِه الشَّهَوَات وَلَا يتَصَوَّر أَن يَخْلُو عَنْهَا الْبَتَّةَ نعم قد تضعف هَذِه الْعَوَائِق فِي بعض الْأَحْوَال وَلَا تدوم فَلَا
جرم يلوح من كَمَال الْمعرفَة مَا يبهت الْعقل ويعظم لذته بِحَيْثُ يكَاد الْقلب ينفطر لعظمته وَلَكِن يكون ذَلِك كالبرق الخاطف وقلما يَدُوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر مَا يشوشه وينغصه وَهَذِه ضَرُورَة دائمة فِي هَذِه الْحَيَاة الفانية وَلَا تزَال هَذِه اللَّذَّة منغصة إِلَى الْمَوْت وانما الْحَيَاة الطّيبَة بعد الْمَوْت وَإِنَّمَا الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان لَو كَانُوا يعلمُونَ وكل من انْتهى إِلَى هَذِه الرُّتْبَة فانه يحب لِقَاء الله فيحب الْمَوْت وَلَا يكرههُ إِلَّا من حَيْثُ ينْتَظر زِيَادَة استكمال فِي الْمعرفَة فان بَحر الْمعرفَة لَا سَاحل لَهُ والاحاطة بكنه جلال الله محَال وَكلما كثرت الْمعرفَة بِاللَّه وبصفاته وبأفعاله وبأسرار مَمْلَكَته وقويت كثر الابتهاج باللقاء وَعظم اللَّهُمَّ لَا تخرجنا من هَذِه الدَّار إِلَّا عارفين مستكملين فِي الْمعرفَة مستغرقين فِي الوحدانية منقطعين عَن علائق الدُّنْيَا وزخارفها بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
معرفَة الْبَارِي ﷻ
ّا عارفين مستكملين فِي الْمعرفَة مستغرقين فِي الوحدانية منقطعين عَن علائق الدُّنْيَا وزخارفها بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
معرفَة الْبَارِي ﷻ
تنعطف فائدتها على مَا سبق من معرفَة النَّفس وقواها وَبِذَلِك نتدرج إِلَى معرفَة الْحق ﷻ وَمَعْرِفَة صِفَاته وأفعاله لِأَن المبادىء انما ترَاد للنهايات والنهايات انما تظهر للمبادىء فَكل علم لَا يُؤَدِّي إِلَى معرفَة الْبَارِي ﷻ فَهُوَ عديم الجدوى والفائدة وَقَلِيل النَّفْع والعائدة فَنَقُول إِنَّا أثبتنا النَّفس على الْجُمْلَة بِمَعْرِِفَة آثارها وأفعالها فَالنَّفْس النباتية عرفناها بآثارها من التغذية والتنمية وتوليد الْمثل وَالنَّفس الحيوانية بآثارها من الْحس وَالْحَرَكَة الاختيارية وَالنَّفس الانسانية بِالتَّحْرِيكِ وَإِدْرَاك الكليات وَعلمنَا أَن هَذِه الْأَفْعَال تتَعَلَّق بمبدأ يُسمى ذَلِك المبدأ نفسا فَيكون قوامها ووجودها وخاصيتها بذلك المبدأ الَّذِي هُوَ النَّفس فَكَذَلِك فَاعْلَم أَن الْمَوْجُود على قسمَيْنِ إِمَّا أَن يتَعَلَّق وجوده بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ يلْزم من عدم ذَلِك الْغَيْر عَدمه أَو لَا يتَعَلَّق فان تعلق سميناه مُمكنا وَإِن لم يتَعَلَّق سميناه وَاجِبا بِذَاتِهِ فَيلْزم من هَذَا فِي وَاجِب الْوُجُود معرفَة أُمُور الْأَمر الأول أَنه لَا يكون عرضا لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بالجسم وَيلْزم عَدمه بِعَدَمِ الْجِسْم الثَّانِي لَا يكون جسما لِأَن الْجِسْم منقسم بالكمية إِلَى الْأَجْزَاء فَتكون الْجُمْلَة مُتَعَلقَة بالأجزاء فَتكون معلولة وَأَيْضًا فان الْجِسْم مركب من الْمَادَّة وَالصُّورَة وكل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَعَلق بِالْآخرِ نوع تعلق
الثَّالِث أَنه لَا يكون مثل الصُّورَة لِأَنَّهَا مُتَعَلقَة بالمادة وَلَا يكون مثل الْمَادَّة لِأَنَّهَا مَحل الصُّورَة وَلَا تُوجد إِلَّا مَعهَا الرَّابِع أَنه لَا يكون وجوده غير ماهيته لِأَن الْمَاهِيّة غير الْآنِية والوجود الَّذِي الْآنِية عبارَة عَنهُ عَارض للماهية وكل عَارض مَعْلُول لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَوْجُودا بِذَاتِهِ مَا كَانَ عارضا لغيره إِذْ مَا كَانَ عارضا لغيره فَلهُ تعلق بِغَيْرِهِ وعلته إِن كَانَ غير الْمَاهِيّة فَلَا يكون وَاجِب الْوُجُود الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ كل الموجودات وَإِن كَانَ علته الْمَاهِيّة فالماهية قبل الْوُجُود لَا تكون عِلّة لِأَن السَّبَب مَا لَهُ وجود تَامّ فَقبل الْوُجُود لَا يكون لَهُ وجود فَثَبت أَن وَاجِب الْوُجُود آنيته ماهيته وَإِن وجوب الْوُجُود لَهُ كالماهية لغيره وَمن هَذَا يظْهر أَن وَاجِب الْوُجُود لَا يشبه غَيره الْبَتَّةَ وَلَا يصل أحد إِلَى كنه مَعْرفَته الْخَامِس أَنه لَا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ على وَجه يتَعَلَّق ذَلِك الْغَيْر بِهِ على معنى أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة للْآخر فيتقابلان فَإِن هَذَا محَال السَّادِس أَنه لَا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ على وَجه يتَعَلَّق ذَلِك الْغَيْر بِهِ على سَبِيل التضايف لِأَنَّهُ يكون مُمكن الْوُجُود السَّابِع أَنه لَا يجوز أَن يكون شَيْئَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاجِب الْوُجُود كَمَا لَا يكون للبدن الْوَاحِد إِلَّا نفس وَاحِدَة فَلَا يكون للْعَالم إِلَّا رب وَاحِد هُوَ مبدع الْكل وَيتَعَلَّق بِهِ الْكل تعلق الْوُجُود والبقاء وَأَيْضًا فَلَو كَانَ وَاجِب الْوُجُود اثْنَيْنِ فَبِمَ يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فَإِن كَانَ بِعَارِض فَيكون كل مِنْهُمَا معلولا وَإِن كَانَ بذاتي فَيكون مركبا وَلَا يكون وَاجِب الْوُجُود الثَّامِن إِن كل مَا سوى وَاجِب الْوُجُود يَنْبَغِي أَن يكون صادرا من وَاجِب الْوُجُود كَمَا أَن النَّفس كَمَال جسم طبيعي آلي فَكَذَلِك الرب موجد الْكل وَبِه كَمَال الْكل وَبَقَاء الْكل وجمال الْكل وَقد ذكرنَا أَن وَاجِب الْوُجُود لَا يكون
ا أَن النَّفس كَمَال جسم طبيعي آلي فَكَذَلِك الرب موجد الْكل وَبِه كَمَال الْكل وَبَقَاء الْكل وجمال الْكل وَقد ذكرنَا أَن وَاجِب الْوُجُود لَا يكون
إِلَّا وَاحِدًا فَمَا عداهُ لَا يكون وَاجِبا بل مُمكنا فيفتقر إِلَى وَاجِب الْوُجُود فان قيل فَمَا الدَّلِيل على أَن فِي الْوُجُود موجدا وَاجِب الْوُجُود يتَعَلَّق الْكل بِهِ وَلَا يتَعَلَّق وجوده بِغَيْرِهِ فَيكون مُنْتَهى الموجودات وَمن عِنْده نيل الطلبات قُلْنَا لِأَن الْمَوْجُود إِمَّا أَن يكون وَاجِب الْوُجُود أَو مُمكن الْوُجُود وممكن الْوُجُود لَا بُد وَأَن يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ وجودا ودواما والعالم بأسره مُمكن الْوُجُود فَيتَعَلَّق بِوَاجِب الْوُجُود أما مَا يبتنى على بَيَان أَن النَّفس جَوْهَر لَيْسَ لَهُ مِقْدَار وكمية وَقد أثبتنا ذَلِك ببراهين فَاعْلَم أَولا أَن النَّفس جَوْهَر والباري لَيْسَ بجوهر لِأَن الْجَوْهَر هُوَ الْمَوْجُود لَا فِي مَوْضُوع أَي إِذا وجد يكون وجوده لَا فِي مَوْضُوع وَهَذَا يشْعر بالحدوث والجوهر عبارَة عَن حَقِيقَة وجود وواجب الْوُجُود حَقِيقَته وجوده ووجوده حَقِيقَته فَإِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنا أثبتنا وجود النَّفس وَأَنه جَوْهَر ببرهان خاصي وبرهان تقريبي الْمُقدمَات والبرهان الخاصي أَن النَّفس لَا يعزب ذَاته عَن ذَاته وَإِذا كَانَ فِي الْوُجُود من مبدعاته مَا يكون بِهَذِهِ الصّفة فَمَا تَقول فِي مَوْجُود ينَال بِهِ كل حق وجوده فَإِن كل حق من حَيْثُ حَقِيقَته الذاتية الَّتِي بهَا هُوَ حق مُتَّفق وَاحِد غير مشار اليه فَكيف القيوم على الملكوت وَإِذا كَانَت النَّفس لَا تعزب ذَاته عَن ذَاته مَعَ أَنه لَيْسَ بِوَاحِد صرف فالواحد الْحق الَّذِي لَا يحوم حول وحدانيته التكثر والتجزي والتثني أولى بِأَن لَا يعزب ذَاته عَن ذَاته فَيكون عَالما بِنَفسِهِ وعالما بِجَمِيعِ مَا أبدعه واخترعه وأوجده وَكَونه لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَهَذَا هُوَ معنى الْحَيّ فَإِن الْحَيّ هُوَ الْوَاحِد الْعَالم بِذَاتِهِ وَقد بَينا أَن النَّفس وَاحِد لَيْسَ لَهَا كمية وَمِقْدَار فَكَذَلِك فَاعْلَم أَنه لَيْسَ للمبدع
حَيّ فَإِن الْحَيّ هُوَ الْوَاحِد الْعَالم بِذَاتِهِ وَقد بَينا أَن النَّفس وَاحِد لَيْسَ لَهَا كمية وَمِقْدَار فَكَذَلِك فَاعْلَم أَنه لَيْسَ للمبدع الْحق سُبْحَانَهُ كمية وَمِقْدَار وَمن هَذَا يعرف أَن جَمِيع مَا يهذي بِهِ الْمُشبه من إِثْبَات الْجِهَات والفوقية وَالصُّورَة وَالْمَكَان والانتقال كُله بَاطِل وَلَيْسَ الْبَارِي تَعَالَى جوهرا يقبل الأضداد فيتغير وَلَا عرضا فَيَسْبق وجوده الْجَوْهَر وَلَا يُوصف بكيف فيشابه
ويضاهى وَلَا بكم فَيقدر ويجزأ وَلَا بمضاف فيوازى فِي وجوده ويحاذى وَلَا بأين فيحاط بِهِ ويحوى وَلَا بمتى فَينْتَقل من مُدَّة إِلَى أُخْرَى وَلَا بِوَضْع فيختلف عَلَيْهِ الهيئات ويكتنفه الْحُدُود والنهايات وَلَا بجده فيشمله شَامِل وَلَا بانفعال فيغير وجوده فَاعل وَإِذا ثَبت أَن وَاجِب الْوُجُود لَيْسَ فِي ذَاته كَثْرَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بُد من وصف وَاجِب الْوُجُود بأوصاف فَلَا بُد أَن تثبت الْأَوْصَاف على وَجه لَا يُؤَدِّي إِلَى الْكَثْرَة فننزهه عَن أَن يكون لَهُ جنس أَو فصل فَإِن من لَا إشتراك لَهُ مَعَ غَيره فَلَا فصل لَهُ يفصله عَن سواهُ وَمن هَذَا يعلم أَن جَمِيع أَسْمَائِهِ تَعَالَى حَتَّى الْوُجُود على سَبِيل الإشتراك لَا على سَبِيل التواطؤ وَلَا تثبت الصِّفَات على وَجه يكون عرضيا كاللون الْقَائِم بِالْمحل وكعلمنا الْعَارِض على الذَّات لِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى تقدم وَتَأَخر وتكثر بل تثبت الصِّفَات على وَجه الْإِضَافَة إِلَى الْأَفْعَال أَو على سَبِيل الْعِلَل والأسباب والمواد عَنهُ
ِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى تقدم وَتَأَخر وتكثر بل تثبت الصِّفَات على وَجه الْإِضَافَة إِلَى الْأَفْعَال أَو على سَبِيل الْعِلَل والأسباب والمواد عَنهُ فيتبين من هَذَا أَنه حَيّ لِأَنَّهُ عَالم بِذَاتِهِ وَنثْبت أَنه عَالم لِأَنَّهُ مُجَرّد عَن الْمَادَّة ووجوده لذاته وَمَا يكون وَاحِدًا بَرِيئًا عَن الْمَادَّة تكون ذَاته حَاصِلا لَهُ فَيكون عَالما بِذَاتِهِ لَا يعزب عَنهُ ذَاته وَعلمه بِذَاتِهِ لَيْسَ زَائِدا على ذَاته حَتَّى يُوجب فِيهِ كَثْرَة وَذَلِكَ لِأَن الانسان إِذا علم نَفسه فمعلومه أهوَ غَيره أَو عينه فَإِن كَانَ غَيره فَإِنَّهُ لم يعلم نَفسه بل علم غَيره وَإِن كَانَ معلومه هُوَ عينه فالعالم هُوَ نَفسه والمعلوم هُوَ نَفسه فقد اتَّحد الْعَالم والمعلوم فَكَذَلِك فَافْهَم فِي الْبَارِي ﷻ وكما أَن الْعَالم هُوَ الْمَعْلُوم فَكَذَلِك الْعلم هُوَ الْمَعْلُوم كَمَا أَن الْحس هُوَ المحسوس لِأَن المحسوس هُوَ الَّذِي انطبع فِي الحاس لَا الْخَارِج فَكَذَلِك الْعلم هُوَ الْمَعْلُوم وَإِنَّمَا تخْتَلف الْعبارَات بِالْعلمِ والعالم والمعلوم وَتبين مِنْهُ أَنه عَالم بِجَمِيعِ أَنْوَاع الموجودات وأجناسها فَلَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من
لوم وَتبين مِنْهُ أَنه عَالم بِجَمِيعِ أَنْوَاع الموجودات وأجناسها فَلَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من
ذَلِك وَلَا أكبر لِأَنَّهُ يعلم ذَاته فَيَنْبَغِي أَن يُعلمهُ على مَا هُوَ عَلَيْهِ لِأَن ذَاته مُجَرّد لذاته وذاته مبدأ ومبدع لجَمِيع الموجودات وَهُوَ فياض يفِيض الْوُجُود على الْكل فَيعلم مَا يوجده وَيتبع ذَاته وَكَثْرَة الْعُلُوم المتعددة لَا تُؤدِّي إِلَى كَثْرَة فِي ذَاته لِأَن علمه لَا يبتني على تَقْدِيم الْمُقدمَات وإجالة الْفِكر وَالنَّظَر وذاته فياضة للعلوم على الْخلق لَا أَنه يكْتَسب من الْخلق علما فَعلمه سَبَب الْوُجُود لَا الْوُجُود سَبَب علمه وَعِنْده مَفَاتِيح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَهُوَ كَمَا يعلم الْأَجْنَاس والأنواع يعلم الممكنات الْحَادِثَة وان كُنَّا نَحن لَا نعلمها لِأَن الْمُمكن مَا دَامَ يعرف مُمكنا يَسْتَحِيل أَن يعلم وُقُوعه أَو لَا وُقُوعه لِأَنَّهُ انما يعلم مِنْهُ وصف الامكان وَمَعْنَاهُ أَنه يُمكن أَن يكون وَيُمكن أَن لَا يكون وَلَكِن كل مُمكن بِنَفسِهِ فَهُوَ وَاجِب بِسَبَبِهِ فَإِن علم وجود سَببه كَانَ وجوده وَاجِبا فَلَو اطَّلَعْنَا على جَمِيع أَسبَاب شَيْء وَاحِد وَعلمنَا وجودهَا قَطعنَا بِوُجُود ذَلِك الشَّيْء
ِسَبَبِهِ فَإِن علم وجود سَببه كَانَ وجوده وَاجِبا فَلَو اطَّلَعْنَا على جَمِيع أَسبَاب شَيْء وَاحِد وَعلمنَا وجودهَا قَطعنَا بِوُجُود ذَلِك الشَّيْء وَالْأول الْحق يعلم الْحَوَادِث وأسبابها لِأَن الْكل يرتقي اليه فِي سلسلة الترقي فَلَمَّا كَانَ عَالما بترتيب الْأَسْبَاب كَانَ عَالما بِالْكُلِّ اسبابها ونتائجها فنزه علمه من الْحس والخيال والتكثر والتغير ثمَّ بعد ذَلِك فَافْهَم علمه فاذا فهمت علمه فَاعْلَم أَنه مُرِيد وَله إِرَادَة وعناية وَلَكِن إِرَادَته وعنايته لَا تزيد على ذَاته وَبَيَانه أَنه مُرِيد لِأَن الْفَاعِل إِمَّا أَن يكون بالطبع وَتَعَالَى عَنهُ أَو بالارادة والطبع هُوَ الْفِعْل الْخَالِي عَن الْعلم بالمفعول بل بدخل الافعال الطبيعية فِي الْوُجُود على سَبِيل التسخير وَالْفَاعِل بالارادة هوالذي لَهُ الْعلم بمفعولاته فاذا هُوَ عَالم بمفعولاته ومخلوقاته وَهُوَ رَاض بِهِ غير كَارِه فَيجوز أَن يعبر عَن هَذَا بالارادة وعَلى الْجُمْلَة فتخصيص الْأَفْعَال وتميزها بَعْضهَا عَن بعض دَلِيل على وجود الارادة وعنايته هُوَ تصور نظام الْكل وَكَيْفِيَّة معلولاته على الْوَجْه الْأَحْسَن الأبلغ فِي النظام وَلَيْسَ لَهُ ميل وغرض يحملهُ على مَا يُريدهُ فَلَيْسَ شَيْء أولى بِهِ وَلَا يفعل ليخلص عَن مذمة أَو يطْلب محمدة
وَكَذَلِكَ كَمَا أَنه عَالم مُرِيد فَهُوَ قَادر لِأَن الْقَادِر عبارَة عَمَّن يفعل إِن شَاءَ وَلَا يفعل إِن لم يَشَأْ والقادر قَادر بِاعْتِبَار أَنه يفعل إِن شَاءَ لَا بِاعْتِبَار أَنه لَا بُد وَأَن يَشَأْ فَكل مَا هُوَ مُرِيد لَهُ فَهُوَ كَائِن وَمَا لَيْسَ مرِيدا لَهُ فَغير كَائِن وَالْأول تَعَالَى حَكِيم لِأَن الْحِكْمَة إِمَّا أَن تكون عبارَة عَن الْعلم بحقائق الْأَشْيَاء وَلَا أعلم مِنْهُ أوتكون عبارَة عَمَّن يفعل فعلا مُرَتبا محكما جَامعا لكل مَا يحْتَاج اليه من كَمَال وزينة وَفعله هَكَذَا فِي غَايَة الاحكام والكمال ولجمال والزينة أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى وَهُوَ جواد لِأَن الْجُود إِفَادَة الْخَيْر والانعام بِهِ من غير غَرَض فَالْأول تَعَالَى أَفَاضَ الْجُود على الموجودات كلهَا كَمَا يَنْبَغِي وعَلى مَا يَنْبَغِي من غير ادخار مُمكن من ضَرُورَة أَو حَاجَة أَو زِينَة وكل ذَلِك بِلَا غَرَض وَلَا فَائِدَة فَهُوَ الْجواد الْحق والوهاب الْمُطلق وَاسم الْجُود على غَيره مجَاز وَالْأول تَعَالَى مبتهج بِذَاتِهِ على معنى كَمَال الْعلم وَكَمَال الْمَعْلُوم أَو كَمَال الْجُود وَالْفضل على الْمَوْجُود لِأَنَّهُ أَشد الْأَشْيَاء إدراكا لأشد الْأَشْيَاء كمالا الَّذِي هُوَ منزه عَن طبيعة الامكان والمادة والكمال فِي الْبَرَاءَة عَن الْمَادَّة ولوازمها والتقدس عَن طبيعة الامكان ولواحقها خَاتِمَة واعتذار
اعْلَم أَنا وان تدرجنا إِلَى معرفَة ذَاته وَصِفَاته من معرفَة النَّفس فَذَلِك على سَبِيل الِاسْتِدْلَال وَإِلَّا فَالله تَعَالَى منزه عَن جَمِيع صِفَات الْمَخْلُوقَات فَلَا يُوصف جلّ أَن يُوصف وَجل أَن يُقَال جلّ وَعز أَن يُقَال عز وأكبر أَن يُقَال أكبر وَإِذا بلغ الْكَلَام إِلَى الله تَعَالَى فامسكوا لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك وَفَوق مَا يصفه الواصفون فلك الْعُلُوّ الْأَعْلَى فَوق كل عَال
َلَام إِلَى الله تَعَالَى فامسكوا لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك وَفَوق مَا يصفه الواصفون فلك الْعُلُوّ الْأَعْلَى فَوق كل عَال
والجلال الأمجد فَوق كل جلال ضلت فِيك الصِّفَات وتقدست دُونك النعوت وحارت فِي كبريائك لطائف الأوهام وَهَذِه كَلِمَات الْأَبْرَار المصطفين الأخيار وَهَذَا دَلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يُقَال فِي حَقه مَا يجر نفعا أَو يدْفع ضرا أَو يجلب سُرُورًا أَو يُوجب لَذَّة وابتهاجا أَو يحدث فَرحا وضحكا أَو يُورث عشقا ومحبة تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَمَا ورد من هَذِه الْأَلْفَاظ فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار فتفسر بثمراتها ونهاياتها لَا بعوارضها ومباديها
القَوْل فِي معرفَة تَرْتِيب أَفعَال الله وتوجيه الاسباب الى المسببات
وَهَذَا أَيْضا انما يعلم من تَرْتِيب معرفَة تَأْثِير النَّفس فِي قواها وبدنها اعْلَم أَن مبدأ فعل الْآدَمِيّ إِرَادَة يظْهر أَثَرهَا أَولا فِي الْقلب فيسري مِنْهُ أثر بِوَاسِطَة الرّوح الحيواني الَّذِي هُوَ بخار لطيف فِي تجويف الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ثمَّ يسري مِنْهُ أثر إِلَى الأعصاب الْخَارِجَة من الدِّمَاغ وَمن الأعصاب إِلَى الأوتار والرباطات الْمُتَعَلّقَة بالعضل فينجذب بِهِ الأوتار فيتحرك بِهِ الاصبع فيتحرك بالأصابع الْقَلَم وبالقلم المداد مثلا وَيحدث مِنْهُ صُورَة مَا يُرِيد كِتَابَته على وَجه القرطاس على الْوَجْه المتصور فِي خزانَة التخيل فَإِنَّهُ مَا لم يتَصَوَّر فِي خياله صُورَة الْمَكْتُوب أَولا لَا يُمكن إحداثه على الْبيَاض ثَانِيًا
ه القرطاس على الْوَجْه المتصور فِي خزانَة التخيل فَإِنَّهُ مَا لم يتَصَوَّر فِي خياله صُورَة الْمَكْتُوب أَولا لَا يُمكن إحداثه على الْبيَاض ثَانِيًا وَمن استقرأ أَفعَال الله تَعَالَى وَكَيْفِيَّة إحداثه النَّبَات وَالْحَيَوَان على الأَرْض بِوَاسِطَة تَحْرِيك السَّمَاوَات وَالْكَوَاكِب وَذَلِكَ بِطَاعَة الْمَلَائِكَة لَهُ بتحريك السَّمَاوَات علم أَن تصرف الْآدَمِيّ فِي عالمه أَعنِي بدنه يشبه تصرف الْخَالِق فِي الْعَالم الْأَكْبَر وَهُوَ مثله وانكشف لَهُ أَن نِسْبَة شكل الْقلب إِلَى تصرفه نِسْبَة الْعَرْش وَنسبَة الْقلب إِلَى الدِّمَاغ نِسْبَة الْعَرْش إِلَى الْكُرْسِيّ وَأَن الْحَواس لَهُ كالملائكة الَّذين يطيعون طبعا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لأَمره خلافًا والأعصاب
كالسماوات وَالْقُدْرَة فِي الْأصْبع كالطبيعة المسخرة المركوزة فِي الْأَجْسَام والمواد كالعناصر الَّتِي هِيَ أُمَّهَات المركبات فِي قبُول الْجمع والتفريق والتركيب والتمزيج وخزانة التخيل كاللوح الْمَحْفُوظ فمهما اطلع بِالْحَقِيقَةِ على هَذِه الموازنة عرف كَيْفيَّة تَرْتِيب أَفعَال الله تَعَالَى فِي الْملك والملكوت وَذَلِكَ يحْتَاج إِلَى تَطْوِيل وَهَذِه إِشَارَة إِلَى جُمْلَتهَا أَقسَام أَفعَال الله ﷾
َيْفيَّة تَرْتِيب أَفعَال الله تَعَالَى فِي الْملك والملكوت وَذَلِكَ يحْتَاج إِلَى تَطْوِيل وَهَذِه إِشَارَة إِلَى جُمْلَتهَا أَقسَام أَفعَال الله ﷾
قد ذكرنَا أَن القوى تَنْقَسِم إِلَى محركة ومدركة والمدركة تَنْقَسِم إِلَى ظَاهِرَة كالحواس الْخمس وباطنة كالمشاعر الْبَاطِنَة كالتخيل وَالوهم وَغير ذَلِك ثمَّ مَا يخْتَص بالانسان الْعقل وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى الْعقل النظري والعملي فَكَذَلِك فَافْهَم ان جَمِيع أَفعَال الله تَعَالَى تَنْقَسِم إِلَى عقول مُجَرّدَة عَن الْموَاد مُشَاهدَة لجلال الله تَعَالَى وَلَهُم رموق الْجلَال الْأَعْلَى وَلَهُم الْوُصُول بِلَا انْفِصَال وَإِلَى نفوس محركة للسماوات وَإِلَى أجسام وكما أَن الْجِسْم الَّذِي هُوَ الْبدن يتأثر من القوى المركبة فِيهِ وَلَا يُؤثر وَالْعقل العملي يُؤثر فِي القوى الحيوانية ويتأثر من الْعقل النظري والقوى الحيوانية تتأثر من الْعقل العملي وتؤثر فِي الْجِسْم وأعضاء الْبدن فَكَذَلِك فَافْهَم أَن جَمِيع أَفعَال الله تَعَالَى تَنْقَسِم إِلَى هَذِه الْأَقْسَام متأثر لَا يُؤثر ومؤثر لَا يتأثر فالمتأثر الَّذِي لَا يُؤثر هُوَ أجسام الْعَالم والمتأثر الَّذِي يُؤثر هِيَ النُّفُوس فتتأثر من الْعُقُول وتؤثر فِي اجسام السَّمَاوَات بِالتَّحْرِيكِ وبواسطة تَحْرِيك السَّمَاوَات فِي عَالم العناصر والعقول تُؤثر وَلَا تتاثر بل كمالاتها حَاضِرَة مَعهَا لَيْسَ لَهَا استكمال وان كَانَت تِلْكَ الكمالات من رَبهَا وخالقها ومبدعها تَعَالَى وتقدس فالطبيعة فِي عَالم الْأَجْسَام مسخرة للنَّفس تفعل فعلا سَوَاء علمت مَا تفعل أَو لم تعلم كَمَا أَن النَّفس مُدبرَة لِلْعَقْلِ تعلما سَوَاء طلبت الْعُلُوم أَو لم تطلب فانتهجت الطبيعة بالتسخير منهاج مَا فَوْقهَا بِالتَّدْبِيرِ وَعبر التَّنْزِيل عَن ذَلِك بقوله ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد وَإِنَّا لموسعون وَالْأَرْض فرشناها فَنعم الماهدون وَمن﴾
﴿كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ فالمخلوقات كلهَا مفطورة على الازدواج لطيفها وكثيفها معقولها ومحسوسها فَفِي المركبات ازدواج وَفِي البسائط ازدواج وَبَين البسائط والمركبات ازدواج والنفوس بِوَاسِطَة الأفلاك معطية والعناصر قَابِلَة وَبَين الْمُعْطِي والقابل نتائج ومواليد من الْمَعَادِن والنبات وَالْحَيَوَان وَالْإِنْسَان وَبَين الْعقل وَالنَّفس ازدواج كَمَا بَين الْقَلَم واللوح ازدواج ومواليدهما للروحانيات من الْعُقُول والنفوس وَمن لَهُ الْخلق وَالْأَمر متعال على الازدواج أَدَاء وقبولا سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا تَقْسِيم آخر وَهُوَ أَن القوى الحيوانية والإنسانية مَعَ جسم الْبدن مُتَفَاوِتَة فِي الْفضل والكمال مترتبة فِي الشّرف والتمام فَكَذَلِك فَاعْلَم أَن الموجودات بِاعْتِبَار الْكَمَال وَالنُّقْصَان تَنْقَسِم إِلَى مَا هُوَ بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى أَن يمده غَيره ليكتسب مِنْهُ وَصفا بل كل مُمكن فَهُوَ مَوْجُود لَهُ حَاضر مَعَه وَيُسمى تَاما وَإِلَى مَا لَا يحضر مَعَه كل مُمكن لَهُ بل لَا بُد من أَن يحصل لَهُ مَا لَيْسَ حَاصِلا لَهُ وَهَذَا يُسمى نَاقِصا قبل حُصُول التَّمام لَهُ ثمَّ النَّاقِص يَنْقَسِم إِلَى مَا لَا يحْتَاج إِلَى أَمر خَارج عَن ذَاته حَتَّى يحصل لَهُ مَا يَنْبَغِي أَن يحصل فَهَذَا يُسمى مكتفيا وَإِلَى مايحتاج وَيُسمى نَاقِصا مُطلقًا فالتام هُوَ الْعقل والناقص هُوَ الْأَجْسَام والناقص من وَجه كَامِل من وَجه هُوَ النَّفس كَمَا أَن الْبدن وكل ماتركب من العناصر نَاقص والكامل هُوَ الْعقل والناقص الْكَامِل هُوَ القوى الروحانية من التخيل وَالوهم وَغير ذَلِك
نوع آخر من الْمعرفَة
َن الْبدن وكل ماتركب من العناصر نَاقص والكامل هُوَ الْعقل والناقص الْكَامِل هُوَ القوى الروحانية من التخيل وَالوهم وَغير ذَلِك
نوع آخر من الْمعرفَة
وكما أَن حَرَكَة الْجِسْم تدل على المحرك والمتحرك إِذا لم يكن طبيعيا فَيدل على مدرك يحركه بالارادة والمدرك قد يكون ظَاهرا وَقد يكون بَاطِنا وَقد يكون عقليا نظريا أَو عمليا فَكَذَلِك فَاعْلَم أَن وجود الْأَجْسَام مقعر فلك الْقَمَر قَابِلَة للتركيب فَإِن الطين مثلا مركب من المَاء وَالتُّرَاب فَنَقُول هَذَا التَّرْكِيب الْمشَاهد يدل على وجود الْحَرَكَة المستقيمة وتدل الْحَرَكَة من حَيْثُ مسافتها على ثُبُوت جِهَتَيْنِ محدودتين مختلفتين بالطبع وَيدل اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ على وجود جسم مُحِيط كالسماء وتدل الْحَرَكَة من حَيْثُ حدوثها على أَن لَهَا سَببا ولسببها سَببا إِلَى غير نِهَايَة وَلَا يُمكن ذَلِك إِلَّا بحركة السَّمَاء حَرَكَة دورية وَالْحَرَكَة الدورية لاتكون إِلَّا ارادية والارادة الْجُزْئِيَّة لَا تكون إِلَّا مستمدة من إِرَادَة كُلية والإرادة الْجُزْئِيَّة تكون للنَّفس والإرادة الْكُلية تكون لِلْعَقْلِ فقد ثَبت بِهَذَا وجود العناصر الْقَابِلَة للتركيب وَوُجُود السَّمَاوَات المتحركة المحركة للعناصر وَالسَّمَاوَات المتحركة تدل على محركات هِيَ نفوس سَمَاوِيَّة والنفوس مستمدة من الْعُقُول وَالْكل مُسْتَند إِلَى الله تَعَالَى إبداعا وانشاء واختراعا وخلقا واحداثا وتكوينا وايجادا وإبداء واعادة وبعثا فَلهُ الْملك كُله وَالْملك
ن الْعُقُول وَالْكل مُسْتَند إِلَى الله تَعَالَى إبداعا وانشاء واختراعا وخلقا واحداثا وتكوينا وايجادا وإبداء واعادة وبعثا فَلهُ الْملك كُله وَالْملك
كُله هُوَ الأول بِلَا أول كَانَ قبله الآخر بِلَا آخر يكون بعده الَّذِي قصرت عَن رُؤْيَته أبصار الناظرين وعجزت عَن نَعته أَوْهَام الواصفين ابتدع الْخلق بقدرته ابتداعا واخترعهم على مَشِيئَته اختراعا فَأَشْرَف المبدعات هُوَ الْعقل أبدعه بِالْأَمر من غير سبق مَادَّة وزمان وَمَا هُوَ إِلَّا مَسْبُوق بِالْأَمر فَقَط وَلَا يُقَال فِي الْأَمر أَنه مَسْبُوق بالباري تَعَالَى وَلَا مَسْبُوق بل التَّقَدُّم والتأخر انما يعتوران على الموجودات الَّتِي هِيَ تَحت التضاد والباري تَعَالَى هُوَ الْمُقدم الْمُؤخر لَا الْمُتَقَدّم الْمُتَأَخر وَمَا دون الْعقل هُوَ النَّفس وَهُوَ مَسْبُوق بِالْعقلِ وَالْعقل مُتَقَدم عَلَيْهِ بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان والمادة فالسبق بِالذَّاتِ انما ابْتَدَأَ من الْعقل فَقَط والسبق بِالزَّمَانِ إِنَّمَا ابْتَدَأَ من النَّفس والسبق بِالْمَكَانِ انما ابْتَدَأَ من الطبيعة فالطبيعة إِذا سَابِقَة على الْمَكَان والمكانيات وَلَا يعتورها الْمَكَان بل يبتدي الْمَكَان من تحريكها أَو حركتها فِي الْجِسْم وَالنَّفس سَابِقَة على الزَّمَان والزمانيات وَلَا يعتورها الزَّمَان بل الزَّمَان والدهر يبتدىء مِنْهَا أَعنِي من شوقها إِلَى كَمَال الْعقل وَالْعقل سَابق على الذوات والذاتيات وَلَا يعتوره الذَّات والجوهرية بل الجوهرية انما تبتدىء مِنْهُ أَعنِي هُوَ مبدأ الْجَوَاهِر وَالسَّابِق على الذوات والجواهر والدهر وَالزَّمَان وَالْمَكَان والجسم والمادة وَالصُّورَة وَلَا يُوصف بِشَيْء مِمَّا تَحْتَهُ إِلَّا بالمجاز وَمن لَهُ الْخلق وَالْأَمر فَلهُ الْملك وَالْملك وَهُوَ الأول وَالْآخر حَتَّى يعلم أَنه لَيْسَ بزماني وَهُوَ الظَّاهِر وَالْبَاطِن حَتَّى يعلم أَنه لَيْسَ بمكاني ﷻ وتقدست أسماؤه ونعني بِالْأَمر الْقُوَّة الالهية وَالَّذِي يُقَال من أَن الْعقل صدر عَنهُ بالابداع شَيْء لَيْسَ ادِّعَاء بِأَنَّهُ الْمُبْدع كلا بل
ﷻ وتقدست أسماؤه ونعني بِالْأَمر الْقُوَّة الالهية وَالَّذِي يُقَال من أَن الْعقل صدر عَنهُ بالابداع شَيْء لَيْسَ ادِّعَاء بِأَنَّهُ الْمُبْدع كلا بل نعني بِهِ تَنْزِيه الْحق الأول أَن يفعل بِالْمُبَاشرَةِ فَأَما الْمُبْدع بِالْحَقِيقَةِ فَهُوَ من لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك اسْمه وكما أَن النَّفس وَاحِدَة وَلها قوى واشراقها على الْبدن وَالروح الحيواني يفعل فِي كل مَوضِع فعلا آخر لاخْتِلَاف القوى فَفِي مَوضِع الابصار وَفِي مَوضِع السّمع وَفِي مَوضِع الشم وَفِي مَوضِع الْحس الْمُشْتَرك وَفِي مَوضِع التخيل والتوهم وَغير
ذَلِك فَكَذَلِك أَمر الأول الْحق ﷻ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وجود الْعقل ابداع وبالنسبة إِلَى وجوده فِي دَوَامه تَكْمِيل بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّفس تتميم وتوجيه من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل وبالنسبة إِلَى الطبيعة تَحْرِيك وبالنسبة إِلَى الْأَجْسَام تصريف وبالنسبة إِلَى الطبائع والعناصر تَعْدِيل وبالنسبة إِلَى المركبات تَصْوِير وبالنسبة إِلَى المصورات احياء وبالنسبة إِلَى الْحَيَوَان إحساس وهداية وبالنسبة إِلَى الْعقل الانساني تَكْلِيف وتعريف وبالنسبة إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَمر وَكَلَام وكلمات وَقَول وَكتاب ورسالات مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي باذنه مَا يَشَاء إِنَّه عَليّ حَكِيم فَالْأَمْر الْأَعْلَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكونات عبارَة عَن التكوين والابداع وبالنسبة إِلَى جزئيات الْمُكَلّفين عبارَة عَن القَوْل الَّذِي هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَالْخَبَر والاستخبار فَظَاهر الْأَمر التكويني أوضاع الْمَلَائِكَة وسوقها الموجودات إِلَى كمالاتها وكمالات الموجودات قبُولهَا الْأَمر وكمالات الْمُكَلّفين قبُولهَا للثَّواب فَمن لم يقبل الْأَمر اخْرُج من عَالم الْحق والاخراج من الْحق لعن كَحال الشَّيْطَان الأول إِذْ لم يقبل الْأَمر فَأخْرج من جنَّة الْعقل وَقيل اخْرُج مِنْهَا فانك رجيم وَذَلِكَ معنى اللَّعْن وَمن قبل الْأَمر ادخل فِي عَالم الثَّوَاب وتحققت فِيهِ الملكية كَحال الْمَلَائِكَة المأمورين بِالسُّجُود إِذْ قبلوا فَدَخَلُوا فِي عَالم الثَّوَاب
ْن وَمن قبل الْأَمر ادخل فِي عَالم الثَّوَاب وتحققت فِيهِ الملكية كَحال الْمَلَائِكَة المأمورين بِالسُّجُود إِذْ قبلوا فَدَخَلُوا فِي عَالم الثَّوَاب وكما تَسْتَغْنِي القوى النباتية والحيوانية والانسانية عَن إمداد النَّفس لَحْظَة وَاحِدَة بل لَا بُد من دوَام الأشراق عَلَيْهَا وامداد تأثيرها حَتَّى يَنْتَظِم الْعَالم الصَّغِير فَكَذَلِك فِي الْعَالم الْكَبِير نقُول فِي المبدا إِن كل صَاحب مرتبَة وَإِن تولى مَا قيض لَهُ وأرصد لعمله فَلَنْ يَسْتَغْنِي عَمَّا فَوْقه بالامداد لَهُ والافاضة عَلَيْهِ وَالنَّظَر اليه والتأييد لَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْعود إِن كل صَاحب مرتبَة وَإِن نقل عمله إِلَى مافوقه فَلَنْ يَنْقَطِع عمله من معملته بِالْكُلِّيَّةِ وَلَو انْقَطع عمل الطبيعة لبطلت القوى
النباتية وببطلانها بطلت القوى الحيوانية وَكَذَلِكَ لَو انْقَطع عمل النَّفس لبطلت القوى الحيوانية وببطلانها بطلت الانسانية وَكَذَلِكَ لَو انْقَطع عمل الْعقل لبطلت القوى الانسانية وببطلانها بطلت النُّبُوَّة فالطبيعة حافظة للنَّفس النباتية وَالنَّفس حافظة للنفوس الحيوانية وَالْعقل حَافظ للنَّفس الناطقة الانسانية وَأمر الْبَارِي تَعَالَى حَافظ للنَّفس القدسية النَّبَوِيَّة إِن كل نفس عَلَيْهَا حَافظ هَذَا على الْعُمُوم ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ أَي بِأَمْر الله وَهَذَا على الْخُصُوص فَالْأول الْحق كَمَا أبدع الْعقل الأول أكمله بِالْفِعْلِ وكما اخترع بِوَاسِطَة النَّفس أتمهَا بِالْقُوَّةِ المتوجهة إِلَى كَمَال الْعقل وكما ابتدع بواسطتها الطبيعة أمدها بالتحرك وكما أحدث الْأَجْسَام قدرهَا بالتصريف وكما ركب العناصر سواهَا بالاعتدال وكما عدل الأمشاج والأمزجة أظهرها بالتصور وكما صورها أَحْيَاهَا بالنفوس وكما سخرها بالنفوس دبرهَا بالعقول وكما دبر الْعُقُول سَاقهَا إِلَى معادها بالتكليف والشرائع فَأمر وَنهى وَبشر وأنذر ووعد وأوعد على لِسَان الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
وكما دبر الْعُقُول سَاقهَا إِلَى معادها بالتكليف والشرائع فَأمر وَنهى وَبشر وأنذر ووعد وأوعد على لِسَان الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ خلقه الْعَالم كمن بنى دَارا وسرح فِيهَا من عبيده خلقا كثيرا فرتب لكل وَاحِد مِنْهُم مَا خلقه لأَجله وَقطع عَنْهُم نظره وتدبيره وَعلمه وَقدرته وإرادته فهم بخلقه يعْملُونَ لِلْأَمْرِ وبحكمه يتصرفون فَلَا الدَّار محتاجة فِي بَقَائِهَا إِلَى مُمْسك إِذْ قد اسْتغنى الْبناء عَن الْبَانِي كَمَا ظَنّه قوم وَلَا أَهلهَا محتاجون إِلَى مُدبر ومقدر إِذا استغنوا بفطرتهم على مَا هم عَلَيْهِ عَن تَجْدِيد أحد وبنيان بَان كَمَا يخيله قوم بل كَمَا كَانُوا مُحْتَاجين فِي وجودهم إِلَى خلقه تَعَالَى كَانُوا مُحْتَاجين فِي دوَام وجودهم بذواتهم لم يكن دوَام وجودهم بذواتهم فَهُوَ القيوم على الملكوت ﷻ وكما اسْتكْمل الْآدَمِيّ بدنا بالطبيعة حَتَّى عَاشَ فِي هَذَا الْعَالم فَيجب أَن
يستكمل نفسا بالشريعة حَتَّى يعِيش فِي ذَلِك الْعَالم فقيضت الْمَلَائِكَة مسخرين للطبيعة فَحصل كَمَال الْأَبدَان وَبعث الْأَنْبِيَاء ﵈ مُدبرين للشريعة حَتَّى حصل كَمَال النُّفُوس وكما أَن الصفوة فِي المزاج انما حصلت بابتلاء الامشاج واستخلاص الْموَاد حَتَّى صَار مولودا سميعا بَصيرًا فِي هَذَا الْعَالم كَذَلِك الصفوة فِي النُّفُوس إِنَّمَا حصلت بابتلاء التكاليف واستخلاص النُّفُوس حَتَّى صَار سميعا بَصيرًا كَامِلا فِي ذَلِك الْعَالم وَلَوْلَا تِلْكَ التصفية لم يكن ليَبْعَث ملك إِلَى عَالم الْأَرْحَام وَلَوْلَا هَذِه التصفية لم يكن ليَبْعَث نَبِي إِلَى عَالم الْأَحْكَام وأعجب بروحانيين متوسطين فِي الْخلق وجسمانيين متوسطين فِي الْأَمر وَالْمَلَائِكَة يحشرون الْخلق من التُّرَاب إِلَى تَمام الْخلقَة الانسانية لهَذَا الْعَالم والأنبياء ﵈ يحشرون الْخلق من الْجَهْل إِلَى تَمام الْفطْرَة الملكية لذَلِك الْعَالم فالملائكة والأنبياء ﵈ فِي عالمي الْخلق وَالْأَمر عُمَّال الْأَمر الْأَعْلَى وكل بأَمْره يعْملُونَ وَمن خَشيته مشفقون يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون فَإِن قَالَ قَائِل مَا ذكرْتُمْ فِي إِثْبَات هَذِه المعارج والموازنات بَين النَّفس وَبَين الله تَعَالَى وَصِفَاته وأفعاله كلهَا تُشِير إِلَى إِثْبَات مشابهة ومضاهاة بَين العَبْد وَبَين الله وَمَعْلُوم شرعا وعقلا إِن الله لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَأَنه لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء
اهاة بَين العَبْد وَبَين الله وَمَعْلُوم شرعا وعقلا إِن الله لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَأَنه لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء فَالْجَوَاب أَن نقُول قد أَشَرنَا فِي إِثْبَات هَذِه المعارف مَا يُوجب تقدس الْبَارِي عَن جَمِيع صِفَات مبدعاته ومكوناته وَمَعَ هَذَا مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله ﷾ عرفت أَنه لَا مِثَال لَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَن نظن أَن الْمُشَاركَة فِي كل وصف توجب الْمُمَاثلَة أفترى أَن الضدين متماثلان وَبَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون بعد فَوْقه وهما يَشْتَرِكَانِ فِي أَوْصَاف كَثِيرَة إِذْ السوَاد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضا وَفِي كَونه لونا وَفِي كَونه مدْركا بالبصر وَأمر آخر سواهُ أفترى ان من قَالَ إِن الله مَوْجُود لَا فِي مَحل وَإنَّهُ
حَيّ سميع بَصِير عَالم مُرِيد مُتَكَلم قَادر فَاعل والانسان أَيْضا كَذَلِك قد شبه وَأثبت الْمثل هَيْهَات لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبهة إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود وَهُوَ يُوهم المشابهة بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية وَالْفرس وَإِن كَانَ بَالغا فِي الكياسة لَا يكون مثلا للانسان لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ فِي النَّوْع وانما يشابهه فِي الكياسة الَّتِي هِيَ عارضة خَارِجَة عَن النَّوْع والماهية المقومة لذات الانسانية الخاصية الالهية هِيَ الْمَوْجُود بِذَاتِهِ الَّذِي يُوجد عَنهُ كل مَا فِي الامكان وجوده على أحسن وُجُوه النظام والكمال وَهَذِه الخاصية لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة الْبَتَّةَ والمماثلة بهَا لَا تحصل فكون العَبْد رحِيما صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سميعا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا
كَة الْبَتَّةَ والمماثلة بهَا لَا تحصل فكون العَبْد رحِيما صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سميعا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا بل أَقُول الخاصية الألهية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله تَعَالَى وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ وَلذَلِك لم يُعْط أجل خلقه إِلَّا أَسمَاء حجبه بهَا فَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فو الله مَا عرف الله غير الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يَعْنِي على سَبِيل الاحاطة والكمال فَهُوَ الله المنزه عَن الْمَاهِيّة الْأَحَد الْمُقَدّس عَن الكمية الصَّمد المتعالي عَن الْكَيْفِيَّة الَّذِي لم يلد بل هُوَ الْمُبْدع وَلم يُولد بل هُوَ قديم الْوُجُود وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله هَذَا مَا أردنَا أَن نذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب وَقد كشفت الغطاء عَن وُجُوه الْأَسْرَار المخزونة وَرفعت الْحجاب عَن كنوز الْعُلُوم ودللت على الْأَسْرَار المخزونة وأبديت فِيهِ الْعُلُوم المكنونة المضنون بهَا تقربا إِلَى الأخوان الَّذين لَهُم قُوَّة القريحة وصفاء الذِّهْن وزكاء النَّفس ونقاء الحدس وتيقنا بِأَن الزَّمَان قد حلا من الْوَارِثين لهَذِهِ الْأَسْرَار تلقفا وَمن المقتصرين على الاحاطة بهَا استنباطا وتاسيا من أَن يكون للراغب فِي تخليد الْعلم وإيراثه من بعده وَجه حِيلَة الا تدوينه وإيداعه الْكتب مسطرا مرقوما دون الِاعْتِمَاد على رَغْبَة متعلم فِي تحَققه على وَجهه وَحفظه وإيراثه من بعده وَدون الِاعْتِمَاد على همم أهل الْعَصْر وَمن يكون بعدهمْ مثلهم فِي الْبَحْث
والتفتيش وَإِزَالَة الاشكال وَحل الاشكال والغوص فِي غوامض الْعُلُوم فَمن أَيْن للغراب هوي الْعقَاب وَمن أَيْن للضباب صوب السَّحَاب ثمَّ إِنِّي حرمت على جَمِيع من يَقْرَؤُهُ من الاخوان الَّذين لَهُم الْمُنَاسبَة العلوية والقريحة الصافية أَن يبذله لنَفس شريرة أَو معاندة أَو يطْلعهَا عَلَيْهِ أويضعه فِي غير مَوْضِعه فَمن منح الْجُهَّال علما أضاعه ... وَمن منع المستوجبين فقد ظلم فان وجد من يَثِق بنقاء سَرِيرَته واستقامة سيرته وبتوقفه عَمَّا يتسرع اليه الوسواس وبنظره إِلَى الْحق بِعَين الرِّضَا والصدق فليؤته مجزئا مدرجا يستغرس مِمَّا يسلفه لما يستقبله وعاهده بِاللَّه وبأيمان لَا مخارج لَهَا أَن يجْرِي فِيمَا يؤتيه مجراك متأسيا بك فان أذاع هَذَا الْعلم وأضاعه فَالله بيني وَبَينه وَكفى بِاللَّه حسيبا وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل نعم الْمولى وَنعم النصير
تَنْبِيه وجد فِي آخر النُّسْخَة الَّتِي طبعنا عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب هَذِه الْعبارَة قد استراح من كمد الانتهاض إِلَى نقل هَذَا الْكتاب من السوَاد إِلَى الْبيَاض أَحْمد بن شعْبَان بن يحيى الأندلسي الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْعَزِيز الْأَمِير وَذَلِكَ بتاريخ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس عشر من شهر رَجَب الْأَصَم سنة ١٠٦٦ هـ على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى التَّسْلِيم وان تَجِد عَيْبا فسد الخللا ... جلّ من لَا عيب فِيهِ وَعلا
َامِس عشر من شهر رَجَب الْأَصَم سنة ١٠٦٦ هـ على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى التَّسْلِيم وان تَجِد عَيْبا فسد الخللا ... جلّ من لَا عيب فِيهِ وَعلا
القصيدة الهائية مَا بَال نَفسِي تطيل شكواها ... إِلَى الورى وَهِي ترتجي الله يفْسد إخلاصها شكايتها ... ذَاك الَّذِي راعها وأرداها لَو أَنَّهَا من مليكها اقْتَرَبت ... واخلصت ودها لأدناها لَكِنَّهَا آثرت بريته ... عَلَيْهِ جهلا بِهِ فأقصاها أفقرها للورى وَلَو لجأت ... اليه من دونهم لأغناها تَشْكُو إِلَى خلقه كَأَنَّهُمْ ... قد ملكوا نَفعهَا وضراها لَو فوضت أمرهَا لخالقها ... وصححت صدقهَا وتكلاها عوضهَا من همومها فرجا ... وَلم يَدعهَا بطول غماها تسخطه فِي رضَا بريته ... تَبًّا لَهَا مَا أجل بلواها لَو أَنَّهَا للعباد مسخطة ... مرضية رَبهَا لأرضاها لدي نفس أحب أنعتها ... لتعرفوا نعتها وأسماها فاسمع صفاتي لَهَا لَعَلَّك أَن ... تفهم ذَا اللب سر مَعْنَاهَا تسْعَى إِلَى اللَّهْو وَهُوَ غايتها ... يَا وَيْلَهَا مَا أضرّ مسعاها أزجرها وَهِي لي مُخَالفَة ... كأنني لست من أوداها
تفهم ذَا اللب سر مَعْنَاهَا تسْعَى إِلَى اللَّهْو وَهُوَ غايتها ... يَا وَيْلَهَا مَا أضرّ مسعاها أزجرها وَهِي لي مُخَالفَة ... كأنني لست من أوداها
تنظر فِي عيب غَيرهَا سفها ... وَكم عُيُوب لَهَا فتنساها قد ظلمتني بِسوء عشرتها ... وَلم تدع لي تقوى وَلَا جاها كَثِيرَة اللَّغْو فِي مجالسها ... قَليلَة الذّكر فِي مصلاها قَليلَة الشُّكْر عِنْد نعمتها ... ضَعِيفَة الصَّبْر عِنْد بلواها بطيئة السَّعْي فِي مصالحها ... سريعة الجري فِي بلاياها كَثِيرَة المطل فِي مواعدها ... كذوبة فِي جَمِيع دَعْوَاهَا بَصِيرَة بالهوى وفتنته ... عمية عَن أُمُور أخراها نشيطة عِنْد وَقت لذتها ... كاسلة عِنْد وَقت ذكرَاهَا نؤومة الْعين عَن عبَادَة من ... أتقن تصويرها فسواها كَثِيرَة الْأَمْن عِنْد صِحَّتهَا ... عَظِيمَة الْخَوْف عِنْد ضراها حليفة الْكبر والرياء فقد ... أفسدها كبرها وأطغاها عَظِيمَة الْمَدْح وَالثنَاء لمن ... يرفع مقدارها ومثواها مطيلة الذَّم بالقبيح لمن ... عرفهَا قدرهَا وطغياها تفرح فِي أكلهَا ومشربها ... وَجها للمنام أغراها ذاكرة للورى مساويهم ... ناسية مَا جناه كفراها كم بَين نَفسِي وَبَين نفس فَتى ... طهرهَا بالتقى ونقاها علمهَا رشدها وبصرها ... ثمَّ بقوت الْحَلَال غداها أَقَامَهَا فِي الدجى على قدم ... فانهملت بالدموع عَيناهَا إِذا اشتهت شَهْوَة يعودها ... بخوف معبودها فسلاها وراضها بالصيام فانقمعت ... بالرغم عَن غيها ومغراها ذاكرة للاله شاكرة ... مخلصة سرها ونجواها لله نفس امرء موفقة ... آوت إِلَى رَبهَا فآواها شرفها رَبهَا وكرمها ... وَمن مياه الْيَقِين أرواها
ا ومغراها ذاكرة للاله شاكرة ... مخلصة سرها ونجواها لله نفس امرء موفقة ... آوت إِلَى رَبهَا فآواها شرفها رَبهَا وكرمها ... وَمن مياه الْيَقِين أرواها
سمت اليه بِحسن فكرتها ... ثمَّ صافي ودادها فصفاها تِلْكَ الَّتِي إِن دعت لحاجتها ... أجابها مسرعا ولباها إِن بليت بالخطوب صبرها ... أَو سَأَلت مَا يُرِيد أَعْطَاهَا لَيست كَنَفس لدي عاصية ... آمرها جاهدا وأنهاها وَهِي لأمر الاله عاصية ... ويلي لما قد جنت وويلاها كَيفَ إِلَى رَبهَا تنوب وَقد ... ذلت لشيطانها فأغراها فَكلما قلت نفس ازدجرى ... وراقبى فِي أمورك الله صمت عَن الْحق وَهِي سامعة ... كأنني مَا أُرِيد إِيَّاهَا لَو علمت بعض مَاله خلقت ... أحزنها علمهَا وأبكاها لَو تعرف الله حق معرفَة ... لصححت برهَا وتقواها لَكِنَّهَا جهلها بخالقها ... أغفلها رشدها وألهاها يَا وَيْح نَفسِي والويح حق لَهَا ... إِن صدها رَبهَا وأرداها تغرها لَذَّة الْحَيَاة وَمَا ... تَدْرِي إِلَى مَا يكون عقباها قد ضقت ذرعا بهَا واحبسها ... لم أك أعصى الاله لولاها إِن أَنا حاولت طَاعَة فترت ... وأظهرت وَحْشَة واكراها صرت مَعَ النَّفس فِي محاربة ... تَأْمُرنِي بالهوى وأنهاها نَحن كقرنين فِي معاركة ... أدرع الصَّبْر عِنْد لقياها وَهِي بجند الْهوى مبارزتي ... وَأي صَبر يُطيق هيجاها إِن جبنت بِالْقِتَالِ شجعها ... أَو ضعفت فِي اللِّقَاء قواها أصرعها تَارَة وتصرعني ... لَكِن لَهَا السَّبق حِين أَلْقَاهَا أحبها وَهِي لي معادية ... كأنني لست من أحباها عدوة لَا أُطِيق أبغضها ... يَا لَيْتَني استطيع أَنْسَاهَا
سابحة فِي بحار فتنتها ... جاثية فِي سدول ظلماها أحسبها إِن أَبَت موافقتي ... خاسرة دينهَا ودنياها يَا رب عجل لَهَا بتوبتها ... واغسل بِمَاء التقى خطاياها إِن تَكُ يَا سَيِّدي معذبها ... من ذَا الَّذِي يرتجي لرحماها فالطف بهَا واغتفر خطيئتها ... إِنَّك خلاقها ومولاها
القصيدة التائية بِنور تجلى وَجهه قدسك دهشتي ... وفيك على أَن لَا خفا بك حيرتي فيا أقرب الْأَشْيَاء من كل نظرة ... لأبعد شَيْء أَنْت عَن كل رُؤْيَة ظَهرت فَلَمَّا أَن بهرت تجليا ... بطنت بطونا كَاد يقْضِي بردتي فأوقعت بَين الْعقل والحس عِنْدَمَا ... خفيت خلافًا لَا يَزُول بصلحة إِذا مَا ادّعى عقل وجودك مُنْكرا ... على الْحس مَا يَنْفِيه قَالَ لَهُ اثْبتْ وَذَلِكَ أَن الْحس ينفيك صُورَة ... يَرَاهَا ويرضى الْعقل فِيك بِحجَّة فَمن هَاهُنَا منشأ الْخلاف ويصعب ... الْوِفَاق بخلف فِي اقْتِضَاء الجبلة فان قلت لم ابصرك فِي كل صُورَة ... أَرَاهَا أحالت ذَاك عين بصيرتي وان قلت إِنِّي مبصر لَك انكرت ... مقالي وَلم تشهد بذلك مقلتي تجليت مني فِي حَتَّى ظَهرت لي ... خفيت خَفَاء دق عَن كل فكرة على أَنه لم يبْق لي جبل رأى ... تجليك لي إِلَّا ودك بصعقة وناجيتني فِي السِّرّ مني فَأَصْبَحت ... وَقد طويت عَمَّا سواك طويتي فَمَا فِي فضل عَنْك يخْطر فِيهِ لي ... سواك فوقتي فِيك غير موقت وَدِيعَة روح الْقُدس نَفسك ردهَا ... فَمن وَاجِبَات الْعقل رد الْوَدِيعَة وَمَا ردهَا إِلَّا بتكميلها بِمَا ... يَلِيق بهَا من كسب كل فَضِيلَة فمهما تجلت من كدورات عَالم الطبيعة شفت جوهرا وتجلت نَصَحْتُك جهدي ان قبلت فَلَا تكن ... على حكم غش حَامِلا لنصيحة
... يَلِيق بهَا من كسب كل فَضِيلَة فمهما تجلت من كدورات عَالم الطبيعة شفت جوهرا وتجلت نَصَحْتُك جهدي ان قبلت فَلَا تكن ... على حكم غش حَامِلا لنصيحة
وَغَايَة مقدوري فَقلت وانما ... قبولك مِمَّا لَيْسَ فِي وسع قدرتي وَهل مُمكن اسعاد من كَانَ قد جرى ... لَهُ قلم فِي اللَّوْح يَوْمًا بشقوة يظنّ الْفَتى لذات دُنْيَاهُ نعْمَة ... وَمَا هِيَ إِلَّا نقمة فِي الْحَقِيقَة ويبلغ مِنْهُ الْجَهْل مَا لَيْسَ يبلغ ال ... عَدو بِحَدّ السَّيْف عِنْد الحظيظة ونفسك فاحفظها وصنها فانما ... سعادتها فِي فعل كل مشقة وَخَالف هَواهَا مَا اسْتَطَعْت فانه عَدو لَهَا يَبْغِي لَهَا كل نكبة لعمري لقد انذرت انذار مُشفق ... وجاوزت فِي الايضاح حد الْوَصِيَّة فَقُمْ وَاسع وانهض واجتهد وابغ مُطلقًا ... بداك على مَا فِيك شَرّ صَنِيعَة فانك من نور مضيء وظلمة ... بِمَا فِيك من جسم وَنَفس نفيسة تسوس الْحَيَاة الْجِسْم وَهِي مسوسة ... بِمَا فِيك من أسرار علم مصونة فشيطان رجم أَنْت أَو ملك بِمَا ... تعانيه من فعل قَبِيح وعفة أَلا ان لي بِالنَّفسِ مني شاغلا ... بِهِ تمّ لي مَا دمت من ملكية جلت شُبْهَة الْأَعْرَاض عني بديهة ... توقد كالمصباح فِي جوهريتي رَأَيْت بهَا النُّور الالهي لائحا ... وَرَاء ستور للأمور دقيقة فحققت مَا قد كنت فِيهِ مشككا ... وعاينت مَا قد كَانَ فِي سر خُفْيَة وَأدْركت مَا الْمَقْصُود من بدأتي وَمَا ال ... مُرَاد باحيائي وموتي ورجعتي بِمِرْآة نفس لَاحَ لي فِي صقالها ال ... مُقَابل للكونين كل حَقِيقَة وَلم يبْق عِنْدِي رِيبَة فِي الَّذِي استرا ... ب مِنْهُ اناس فِي أُمُور كَثِيرَة فَأَلْقَت عصاها النَّفس مني وأيقنت ... بِأَن سفرت عَن وَجه نجعي سفرتي يدل على مَا قلته حَالَة الْكرَى ... إِذا ركد الاحساس مِنْك برقدة وقابل لوح الْغَيْب للنَّفس مِثْلَمَا ... تقَابل مرْآة باخرى صقيلة فيطبع مَا فِي اللَّوْح فِي النَّفس فَهِيَ من ... هُنَاكَ بِعلم الْغَيْب نُسْخَة نُسْخَتي
لوح الْغَيْب للنَّفس مِثْلَمَا ... تقَابل مرْآة باخرى صقيلة فيطبع مَا فِي اللَّوْح فِي النَّفس فَهِيَ من ... هُنَاكَ بِعلم الْغَيْب نُسْخَة نُسْخَتي
وَلَو أمكن التَّجْرِيد فِي كل يقظة ... لشاهدت لَا فِي النّوم كل عَجِيبَة وَمَا هُوَ عِنْد الله مثل لآدَم ... وَلَا ذَنْب ذَا من ذَنْب ذَاك بِنِسْبَة ويطمع جهلا أَن سيدخل جنَّة ... ويغبط فِيهَا نَفسه كل غِبْطَة خلافًا لما يُعْطي الْقيَاس وَلم يقم ... لَهُ الْعقل لَوْلَا النَّقْل برهَان حجَّة أيخرج مِنْهَا آدما إِثْم زلَّة ... وَيدخل هَذَا فعله كل زلَّة وَكَيف ترى يقْضِي الْكَرِيم بهفوة ... ويدني اللَّئِيم النذل مَعَ كل ورطة وَلَوْلَا حَدِيث فِي الشَّفَاعَة قد أَتَى ... وَتَأْويل آيَات لايناس وَحْشَة لما طمعت نفس تفوز بجنة ... إِذا لم تكن من كل اثم تبرت وَمَعَ ذَا اخْتِلَاف النَّاس فِي ذَاك ظَاهر ... تُقَام عَلَيْهِ واضحات الْأَدِلَّة وَإِذ كَانَ قد صَحَّ الْخلاف فَوَاجِب ... على كل ذِي عقل لُزُوم التقية وَترك الْأَمَانِي الخوادع بعد أَن ... رأى بِأَبِيهِ آدم كل عِبْرَة وَلَو كَانَ لَا يَجْزِي مسيء بِفِعْلِهِ ... وَلَا محسن ضَاعَت أُمُور الْبَريَّة وَمَا كَانَ فِي الْأَحْيَاء وَالْمَوْت حِكْمَة ... وَكَانَ محالا حكم كل شَرِيعَة ومستبعد إحياؤنا ومماتنا ... سدى لَا لِمَعْنى فِيهِ سر مشْيَة أيحسن أَن تبنى قُصُور مشيدة ... بِأَحْسَن أوضاع وأجمل بنية وتهدم عدما لَا لِمَعْنى وانه ... ليقبح هَذَا فِي الْعُقُول السليمة وَذَلِكَ شَيْء فعله عَبث وَمَا ... يدبر هَذَا الْكَوْن بالعبثية فَلم يبْق إِلَّا أَن يدبر أمره ... حَلِيم مُحِيط الْعلم عدل الْحُكُومَة فَمَا شقيت نفس أَطَاعَته رهبة ... وماسعدت نفس عصته لرغبة وَلَكِن بِنور الْعلم تسلم هَذِه ... وتعطب جهلا تيك أقبح عطبة فيا عجبا مِمَّن يروم لنَفسِهِ ... خلاصا وَلم يرغب بهَا عَن جريرة وَمن تائب من ذلة لَا ترى لَهُ ... دموع كأفواه الْغَمَام المكبة وَمن مخبر لَا يعجز الله قدره ... عَلَيْهِ وَلَا يخْشَى بَوَادِر نقمة وَمن أشرقت أنوار مرْآة عقله ... على ظلمات الطَّبْع مِنْهُ تجلت
وَثَبت غرس الْعقل فِي الْقلب مثمرا ... لباغي الحيا استقباح كل رذيلة وَمَا وصلت نفس إِلَى عَالم الصَّفَا ... بِمَا دون تَحْصِيل الْعُلُوم الجلية وتمييزها عَن نوعها بمعارف ... يروجها فِي عَالم البشرية وَقد يمْلَأ الْقطر الاناء فيمتلي ... بِهِ المَاء حَتَّى لَا مزِيد لقطرة فاخرجتني عني بادخال محنة ... واوحشتني مني بأنس محبَّة وأسقيتني من خمر حبك شربة ... خماري بهَا بَاقٍ إِلَى يَوْم بعثتي محاني بهَا سكري وأثبتني مَعًا ... فأعجب شَيْء أَن مَا حَيّ مثبتي وَأقر بتني من رمز طرسي أسطرا ... فتمت بهَا تَفْصِيل عقدك جملتي وأقررتني مني عَليّ بأنني ... صحيفَة سر طيها فِيهِ نشرتي وأفشيت بِي سري إِلَيّ فَأَصْبَحت ... وَقد أعربت إِذْ أفصحت عَنهُ عجمتي وأفهمتني مني بِأَن لَيْسَ موطني ... مَكَانا بِهِ فِي عَالم الْحس نشأتي فأبهمت مَا أفهمت إِذْ لَيْسَ مدرك ... لذَلِك إِلَّا من خصصت بحكمة وَمن ذَا الَّذِي خصصت مِنْك بحكمة ... وَلم تَكُ قد عممت مِنْك برحمة فكم اظهرت تِلْكَ الاشارات خافيا ... وان عزبت عَن فهم قوم ودقت وَمَا لَاحَ ذَاك الْبَرْق الا ليهتدي ... بِهِ الركب لَكِن ظلمَة الْجَهْل أعمت لقد سمع الواعي وَقل الَّذِي وعي ... لسكر بِهِ أَهْوى أصمت فأصمت وَكم لَك دَاع مِنْك فِيك مبصر ... لعقلك لَكِن لست تصغي لدَعْوَة
ظلمَة الْجَهْل أعمت لقد سمع الواعي وَقل الَّذِي وعي ... لسكر بِهِ أَهْوى أصمت فأصمت وَكم لَك دَاع مِنْك فِيك مبصر ... لعقلك لَكِن لست تصغي لدَعْوَة
وكل مَرِيض الْجِسْم يُمكن بُرْؤُهُ ... ويعجز أَن يشفى مَرِيض البديهة ويستبعد الْجُهَّال كونا بموطن ... إِذا كَانَ لَا فِي جنب منبت شُعْبَة وَلَو علمُوا مَا عَالم الْعقل مِنْهُم ... وَأَنَّهُمْ بالحس فِي دَار غربَة إِذا ولد الْمَوْلُود سروا بفرحة ... وَمن حَقه أَن يبدلوها بترحة ويبكونه عِنْد الْمَمَات جَهَالَة ... وَمن حَقه إِظْهَار كل مَسَرَّة وَلم يعلمُوا أَن الْولادَة غربَة ... أبيحت لَهُ عَن خير دَار وأسرة وموتته عود لَهُ نَحْو أَهله ... وأوطانه الْأَصْلِيَّة المستلذة وأعجب من هَذَا مقَال جَمِيعهم ... ترى عابدي الْأَوْثَان أَجْهَل أمة وَمَا عظم الْأَوْثَان من كَانَ قبلهم ... كتعظيم أجسام لَهُم مضمحلة فَكل غَدا معبوده الْجِسْم فاستووا ... وَلَكنهُمْ لم يستووا عِنْد نِيَّة فقد وَقَعُوا مَعَ علمهمْ فِي ضَلَالَة ... إِذا اعْتبرت أربت على كل ضلة فياليت شعري كَيفَ صمت عُقُولهمْ ... وداعيك فيهم مسمع كل فطنة وكل فعال لم أكن متقربا ... إِلَيّ بِهِ أعظمت فِيهِ خطيتي فقربي بِهِ بعد وربحي خسارة ... وعزي بِهِ ذل ونفعي مضرتي لِأَنِّي فِيهِ قُمْت غير موجه ... لَدَى فعله وَجْهي إِلَى وَجه وجهتي فدنت بِأَمْر حرمته شريعتي ... واحييت حكما قد أماتته سنتي فَكَانَت بتركي فِي مناهيه غفلتي ... نِهَايَة تأديبي وفرط عقوبتي تشَتت عَقْلِي فِيك بعد تجمع ... كَمَا اجْتمعت بلواي بعد تشَتت هوى فِيك لي لَا مُنْتَهى لامتداده ... لدي وَلَا مِنْهُ خلاص بسلوة ازيد بلَى إِذْ يستجد وَلم يكن ... بتجديد صبري فِيهِ أبلى بليتي يُعِيد ويبدي أَولا مِنْهُ آخر ... فقد شف جسمي سر عود وبدأة أَلا لَا تلمني إِن شطحت فانه ... قَلِيل لسكر حل بِي مِنْك شطحتي
ديد صبري فِيهِ أبلى بليتي يُعِيد ويبدي أَولا مِنْهُ آخر ... فقد شف جسمي سر عود وبدأة أَلا لَا تلمني إِن شطحت فانه ... قَلِيل لسكر حل بِي مِنْك شطحتي
وَلَا تنهني إِن تهت سكرا معربدا ... فَأَنت الَّذِي استحسنت فِيك هتيكتي وَلَا تلح إِن غنيت فِيك تطربا ... فَلَو وجدت وجدي الْجبَال لغنت وَمن عجب حمل الْجبَال هوى بِهِ ... طلعت وَعَن حملي قَدِيما تأبت فَمن قيس ليلى العامرية فِي الْهوى ... وَمن قيس لبنى أَو كثير عزة إِذا تليت آيَات ذكري فقابل ال ... مَجْنُون ذكري بِالسُّجُود لحرمتي وَأوجب كل مِنْهُم الْوَقْف عِنْدهَا ... وَسلم أَن لَا قصَّة مثل قصتي فَمن فضل كاسي شرب غَيْرِي وَلم يكن ... يُقَاس بسكري سكر شَارِب فضلتي يبلبل بالي لَا لنوح حمامة ... وينهل دمعي لَا لإيماض برقة وَلَو كنت مُحْتَاجا للتنمم باعث ... يُحَرك أشجاني لبانت نقيصتي ولكنني مني وَفِي نواعش ... تحركني فِي كل سر وجهرة فَلَا رقدة تَغْدُو عَليّ بفترة ... وَلَا يقظة تَغْدُو عَليّ بغفلة فَمن يشك يَوْمًا فِي هَوَاهُ فانني ... لي الشُّكْر أولى فِي الْهوى من شكيتي تسترت جهدي فِي هَوَاك وطاقتي ... فَلَمَّا منعت الصَّبْر أبديت صفحتي فاعلنت مَا أسررت فِيك فَلم يكن ... بقول وَلَا فعل سواك فَضِيحَتِي فَمَا لاشتياقي فِي افتضاحي مدْخل ... وَلَا لدموع فِيك لي مستهلة وَقد كَانَ لي فِي الصَّبْر ستر على الْهوى ... بهتكك ستر الصَّبْر أظهرت عورتي فَلَا مَذْهَب فِي الْحبّ يشبه مذهبي ... وَلَا مِلَّة فِيهِ تقاس بملتي يكل لساني عَن صفاتي وانما ... يعبر عني أنني ذَات وحدة فَكل نعيم دون وَصلي شقوة ... وكل ملذ مؤلم عِنْد لذتي وكل سَبِيل لَيْسَ يُفْضِي سلوكه ... إِلَيّ فقد أفْضى إِلَى كل خيبة وَلَوْلَا هوى لي فِيك يحملني على ... حنوي لم أَعهد اليك بِلَفْظَة وَكنت إِذا زلت بك النَّعْل هاويا ... أَقُول أَلا فَاذْهَبْ إِلَى حَيْثُ أَلْقَت



