— Bagian 1 · ﷽ —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
﷽ وَبِه نستعين
الْحَمد لله حمداً يوافي جزيلَ نعمائه، ويكافئ مزيدَ آلائه. . وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا محمدٍ خَاتم أَنبيائه، وعَلى آله وَصَحبه وأوليائه. أما بعدُ: فَهَذَا مختصَر فِي سيرة سيّدنا محمدٍ رَسُول الله [ﷺ] جمعتُه من كتبٍ فِي الْمَغَازِي والسِيَر، واعتمدتُ فِيمَا فِيهِ من التَّصْحِيح وتأريخ الْمَغَازِي على الْحَافِظ النَّاقِد الحجّة، محدِّث الإِسلام شرف الدّين أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن الدمياطيّ. واقتصرتُ فِي كثيرٍ ممّا فِيهِ خلافٌ على مَا حَرَّره، لاعتنائه بالسِيَر، وَطول ممارستِه لَهَا - رحِمَه الله تَعَالَى، ونفعَ بِمَا جمعتُه من ذَلِك، وسلكَ بِنَا فِي سُبل رِضَاهُ أحسنَ المسالك - آمين. نَسَبُ رسولِ الله [ﷺ] وأَسماؤُه
هُوَ أَبُو الْقَاسِم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب - واسْمه شَيْبةُ
الحَمد، بن هَاشم - واسْمه عَمْرو العُلا - بن عبد مَنَاف - واسْمه المُغيرة - بن قُصَيّ - واسْمه زَيْد ويُدعى مُجمّعاً - بن كِلاب بن مُرَّةَ بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالِب بن فِهْر، وَهُوَ قُرَيْش على الصَّحِيح، ابْن مالِك بن النَّضْر - واسْمه قيس، وَقيل: إِنَّه قُرَيْش - بن كِنَانَة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة: واسْمه عَامر، وَقيل: عَمْرو بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدنان. إِلَى هُنَا إِجْمَاع الأمّة.
ش - بن كِنَانَة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة: واسْمه عَامر، وَقيل: عَمْرو بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدنان. إِلَى هُنَا إِجْمَاع الأمّة.
وَفِيمَا بعد عدنان إِلَى آدم خِلافٌ كثير، وعَدنان - بِلَا شكّ - من وَلَد إِسْمَاعِيل رَسُول الله [ﷺ] وَالَّذِي اخْتَارَهُ بعض النسّابين فِي نسب عدنان أنَّه ابْن أُدّ بن أُدَد بن اليَسَع بن الهَميْسَع بن سَلامان بن نبت بن حَمَل بن قَيذار بن الذَّبِيح إِسْمَاعِيل بن الْخَلِيل إِبْرَاهِيم بن تارح، وَهُوَ آزر، بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عَابِر، وَهُوَ هود النبيّ / ١ ظ. [ﷺ]- وَهُوَ جماع قيس ويَمن، ابْن شالخ بن أرفخشذ بن سَام بن نوح بن لَمك بن متُّوشلخ بن أَخْنُوخ، وَهُوَ إِدْرِيس النبيّ ﵇ بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شِيث، وَهُوَ هبة الله، ابْن آدم أبي مُحَمَّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطيّ: هَكَذَا سَاقه أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن
أسعد بن عليّ النسّابة الجوّاني. وَقَالَ: وَهَذِه أصحّ الطّرق وأحسنها وأوضحها، وَهِي رِوَايَة شُيُوخنَا فِي النَسب. قلتُ: وَمَا ذكره من أنَّ الذَّبيح إِسْمَاعِيل هُوَ الَّذِي صحّحه جمَاعَة من محققي الْعلمَاء. وَأَكْثَرهم على أَنه إِسْحَاق [ﷺ] . وَمن أَسْمَائِهِ [ﷺ] أحمدُ، والمَاحي، والحَاشر، والعَاقبُ، والمُقَفِّي، ونبيُّ التَّوبَة، ونبيُّ الرَّحْمة، ونبيُّ المَلْحَمة والفاتحُ، وعبدُ الله، والمبشِّر، والنَّذيرُ، والأمين، والمصطفى، والمتوكِّل، وطه ويَس. قَالَ ابْن دِحيَة فِي كِتَابه (المستوفي فِي أَسمَاء الْمُصْطَفى) إِنَّه إِذا فُحص
عَن جُمْلَتهَا من الْكتب المتقدِّمة، وَالْقُرْآن الْكَرِيم والْحَدِيث النَّبَوِيّ بلغت الثلاثمائة. أمّ رَسُول الله [ﷺ]
لْمُصْطَفى) إِنَّه إِذا فُحص
عَن جُمْلَتهَا من الْكتب المتقدِّمة، وَالْقُرْآن الْكَرِيم والْحَدِيث النَّبَوِيّ بلغت الثلاثمائة. أمّ رَسُول الله [ﷺ]
هِيَ آمنةُ بنتُ وَهْبٍ بن عبد مَنَاف بن زُهْرَةَ بن كِلاب بن مُرَّة. [وأُمُّها بَرَّة بنتُ عبد العُزّى بن عُثْمَان بن عبد الدَّار بن قصي بن كلاب، وأمُّها أمُّ حَبيب بنت أَسَد بن عبد العُزّي بن قُصيّ بن كِلاب] وأمُّها برّة بنت عَوْف بن عَبيد بن عَوِيج بن عَدِّيّ بن كَعْب. وأُمّ وهْب بن عبد مَناف قَيْلَة بنت أبي كَبْشَة وَجْز بن غَالب بن الْحَارِث بن عَمْرو بن مِلكان بن أَفصى بن حَارثة مِن خُزاعة. وَأَبُو كَبْشَة هَذَا هُوَ الَّذِي نُسب إِلَيْهِ رَسُول الله [ﷺ] فِي قَول أبي سُفيان بن حُرب حِين خرج من عِنْد هِرْقَل: لقد أمِرَ أمْرُ ابْن أبي كَبْشَة، إِنَّه ليخافُه مَلِكُ بني الْأَصْفَر. وعَبَدَ / ٢ و. أَبُو كَبْشَة هَذَا الشِّعْرَى، وَخَالف العربَ، فَلذَلِك كَانَت قريشُ تَنسُبُ رسولَ الله [ﷺ] إِلَيْهِ لمُخَالفَته لَهُم، كَمَا خالفَهم أَبُو كبْشة. وَرُوِيَ أنّ آمِنَة بنت وهْب بن عبد مَنَاف كَانَت فِي حِجْر عمَّها وهُيب بن
بُ رسولَ الله [ﷺ] إِلَيْهِ لمُخَالفَته لَهُم، كَمَا خالفَهم أَبُو كبْشة. وَرُوِيَ أنّ آمِنَة بنت وهْب بن عبد مَنَاف كَانَت فِي حِجْر عمَّها وهُيب بن
عبد مَنَاف، فَمشى إِلَيْهِ عبد المطْلب بن هَاشم بِابْنِهِ عبد الله، فَخَطب آمنةَ، فزوّجها إيّاه، وخطب إِلَيْهِ عبد الْمطلب فِي مَجْلِسه ذَلِك ابنتَه هالةَ بنتُ وهُيب على نَفسه، فزوَّجه إِيَّاهَا. فَقَالَ النَّاس: فَلَجَ عبدُ الله على أَبيه، لأنَّ وهباً كَانَ من أشرف قُرَيْش. وَقيل: إِن الَّذِي زوّج آمِنَة أَبوهَا، فَدخل عبدُ الله على آمِنَة حِين تزوَّجها فوقعَ عَلَيْهَا، فَحملت برَسُول الله [ﷺ] فِي شِعْب أبي طَالب عِنْد الجَمْرَة الكُبرى، وَقيل: الْوُسْطَى. ورويَ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تَقول: مَا شعرتُ أَنِّي حملتُ بِهِ، وَلَا وجدتُ لَهُ ثِقْلاً كَمَا تجدُ النساءُ، إِلَّا أَنِّي أنكرتُ رفع حَيضَتي، وربّما كَانَت ترفعني وتعودُ وأتاني أتٍ وَأَنا بَين النَّائِم وَالْيَقظَان، فَقَالَ: هَل شَعرت أَنَّك حَملتِ؟ فَكَأَنِّي أَقُول: مَا أَدري. فَقَالَ: إنكِ قد حَملتِ سيِّدَ هَذِه الأُمَّة ونَبيَّها. وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ. قَالَت: فَكَانَ ذَلِك ممّا يَقَّنَ عِنْدِي الحَملَ. ثمَّ أَمهلَني حَتَّى إِذا دَنَتْ ولادتي أَتَانِي ذَلِك الْآتِي فَقَالَ: قُولي أُعيذه بالواحدِ من شرِّ كلِّ حاسِد. قَالَت: فكنتُ أَقُول ذَلِك. ويُروى أنّ الله تَعَالَى لمّا أَرَادَ خَلقَ نَبيِّه [ﷺ] فِي بطن أمِّه آمِنَة فِي لَيْلَة رَجب لَيْلَة الْجُمُعَة أَمر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة رضوانَ خازنَ الجِنانِ أنْ يفتح أَبْوَاب الفردوس، وَنُودِيَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض، بأنّ النُّور الْمكنون المخزون الَّذِي يكون مِنْهُ النبيُّ الْهَادِي فِي هَذِه اللَّيْلَة يَستقرُّ فِي بطن أُمِّه الَّذِي فِيهِ يتمّ خَلْفُه، ويخرجُ إِلَى
النَّاس بشيراً وَنَذِيرا. وَقيل: حَملتْ برَسُول الله [ﷺ]- فِي أيّام / ٢ ظ. التَّشريق. واختُلف فِي زمَان حَملِها برَسُول الله -[ﷺ]- فَقيل: تِسْعَة أشهر، وَقيل: عشرَة، وَقيل: ثَمَانِيَة، وَقيل: سَبْعَة، وَقيل: ستّة. وَقيل غير ذَلِك. وتوفيّ عبدُ الله والدُ رَسُول الله [ﷺ] بدار النَّابِغَة بِالْمَدِينَةِ، عِنْد أخوالِه بني عَديّ بن النَجَّار. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وأغربَ عبد الْغَنِيّ فَحكى قولا أَنه توفّي بالأبواء بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وَتُوفِّي عبد الله، ورسولُ الله [ﷺ] حَمْلٌ على الصَّحِيح. قيل: قبل وِلَادَته بشهرين، وَقيل: توفّي وَله شَهْرَان، وَقيل: سَبْعَة أَشهرٍ، وَقيل: ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ شهرا. ولعَبْد الله يَوْم توفّي خمسٌ وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل: ثمانٍ وَعِشْرُونَ. وَقيل: ثَلَاثُونَ، وَقيل: ثَمَان عشرَة. وَترك أُمَّ أَيمن، وخمسةَ أَجمالٍ، وقِطعةَ غَنمٍ، وسيفاً، وَهُوَ مأثور، فورِثَ ذَلِك رسولُ الله [ﷺ] .
مَولِدُ رَسُول الله [ﷺ]
الْمَشْهُور أنّ سيّدنا رَسُول الله [ﷺ] ولِدَ بمكّةَ عَام الْفِيل، وَقيل: بعده بِثَلَاثِينَ عَاما. وَقيل بِأَرْبَعِينَ، فِي شهر ربيعٍ الأول، يَوْم الِاثْنَيْنِ. قيل: لعشرةٍ خَلَت مِنْهُ، حِين طلع الفجرُ، وَقيل: ثَانِيَة، وَقيل: ثَالِثَة، وَقيل: ثامنه، وَقيل: ثَانِي عشره. وَلم يذكر ابْن إِسْحَاق غَيره. وَقيل: فِي صَفَر، وَقيل: فِي الثَّانِي عشر من شهر رَمَضَان، وَقيل: فِي شهر ربيع الآخر. وَالصَّحِيح الأوَّل. وَكَانَ قدومُ أَصْحَاب الْفِيل قبل ذَلِك فِي المحرَّم. وليلةَ ميلاده انشقَّ إيوَان كِسرى حَتَّى سُمع صوتُهَ، وَسقط مِنْهُ أَربع عشرَة شُرفةً، وخمدت نارُ فَارس، وَلم تَخمد قبل ذَلِك بأَلفِ عامٍ، وغاضت بُحيرة ساوة. وَرَأَتْ أمُّه آمنةُ حِين. وَضعته كأنّه خرج مِنْهَا نورٌ أَضَاءَت مِنْهُ قصورُ الشَّام. ووُلدَ [ﷺ] / ٣ و. مختوناً مَسْرُوراً، مَقْبُوضَة أصابعُ يَدَيْهِ، مُشِيرا بالسَّبَّابة كالمسبِّح بهَا، وَرُوِيَ أَنّ عبد الْمطلب خَتَنَه يومَ سابِعه، وَجعل لَهُ مأدُبةً، وسمّاه
سْرُوراً، مَقْبُوضَة أصابعُ يَدَيْهِ، مُشِيرا بالسَّبَّابة كالمسبِّح بهَا، وَرُوِيَ أَنّ عبد الْمطلب خَتَنَه يومَ سابِعه، وَجعل لَهُ مأدُبةً، وسمّاه
مُحَمَّدًا. وَرُوِيَ أنَّ جِبْرِيل ﵇ خَتنه حِين طهَّر قلبَه [ﷺ] وَكَانَ إِبْلِيس يخرق السَّمَوَات السبعَ، فَلَمَّا وُلد عِيسَى [ﷺ] حُجب من ثَلَاث سموات، وَكَانَ يصل إِلَى أَربَعٍ، فَلَمَّا وُلدَ مُحَمَّد [ﷺ] حُجب من السَّبع، ورُميت الشَّيَاطِين بالشُّهب الثواقب. وَرُوِيَ أنّ إِبْلِيس رنَّ أربعَ رنّات، رنَّةً حِين لُعنَ، ورنّةً حِين أُهبط، ورنّةً حِين ولُد رَسُول الله [ﷺ] ورنّةً حِين نزلت فَاتِحَة الْكتاب. مَنْ أَرضَعَه وحَضَنه [ﷺ]
لمّا ولَدتْه [ﷺ] أُمُّه أرضَعته سَبْعَة أَيَّام، ثمَّ أَرضعته ثُوَيْبَةُ الأَسلمية مولاة أبي لَهَبٍ أيّاماً، وأرضعت مَعَه أَبَا سَلمة عبد الله بن عبد الأَسَد المخزوميّ بلَبن ابْنهَا مَسْرُوح، وَهِي أمُّ عمِّه حمزةَ من الرَضَاعة. وَكَانَ رَسُول الله [ﷺ] يَصِلُها وَهِي بِمَكَّة. وَكَانَت خديجةُ تُكرمها، وَقيل: إِنَّهَا سَأَلت أَبَا لَهَبٍ فِي أنْ تبتاعها مِنْهُ لتِعتقِها فَلم يفعل، فلمّا هَاجر رَسُول الله [ﷺ] إِلَى الْمَدِينَة أَعتقها أَبُو لَهَبٍ وَقيل: أعْتقهَا أَبُو لَهَبٍ حِين بشَّرتْه بِوِلَادَة رَسُول الله [ﷺ] وَكَانَ رَسُول الله [ﷺ] يبْعَث إِلَيْهَا من الْمَدِينَة بصِلةٍ وكِسوةٍ، حَتّى جَاءَهُ خبرُها أَنَّهَا قد توفيت مَرجِعَه من خيبَر، فَقَالَ: مَا فعل ابنُها مَسْروح؟ فَقيل: مَاتَ
عَث إِلَيْهَا من الْمَدِينَة بصِلةٍ وكِسوةٍ، حَتّى جَاءَهُ خبرُها أَنَّهَا قد توفيت مَرجِعَه من خيبَر، فَقَالَ: مَا فعل ابنُها مَسْروح؟ فَقيل: مَاتَ
قبلهَا. وَلم يبقَ من قرابتها أَحدٌ. واختُلف فِي إسْلَامهَا، وَرَأى أَبَا لَهَب بعضُ أهلهِ فِي النّوم / ٣ ظ. بِشَرِّ حَيْبَةٍ، فَقَالَ: مَاذَا لقيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَب: لم نَذقْ بَعدَكم رخاءً، غير أَنِّي سُقيتُ فِي هَذِه بعتاقتي ثُويبة. وَأَشَارَ إِلَى النُقرة الَّتِي بَين الإِبهام وَالَّتِي تَلِيهَا من الْأَصَابِع. ثمَّ أَرضعته [ﷺ] أُمُّ كَبشةَ، حليمةُ بنت أبي ذُؤَيْب عبد الله بن الْحَارِث السَّعْديّة، فَروِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: لما وضعتهُ فِي حِجْري أقبل عَلَيْهِ ثَديايَ بِمَا شَاءَ من اللَّبن، فَشرب حَتَّى رُوِيَ، وَشرب مَعَه أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ، وناما، وَمَا كَانَ أَخُوهُ ينَام قبل ذَلِك، وَمَا كَانَ فِي ثَدييّ مَا يرويهِ، وَلَا فِي شارفِنا مَا يُغذِّيه، وَقَامَ زَوجي إِلَى شارفنا، فَنظر إِلَيْهَا فَإِذا هِيَ حافلٌ، فحلَب مِنْهَا مَا شرب، وشربت حَتَّى انتهينا ريا وشبعاً. فبتنا بِخَير لَيْلَة، وَلما رَجعْنَا - تَعْنِي إِلَى بَلَدهَا - ركبت أَتَانِي، وحملتُه عَلَيْهَا، فوَاللَّه لَقَطعتْ بالرَّكب مَا يقدر عَلَيْهَا شيءٌ من حُمُرهم، حَتَّى إنَّ صَواحبي لَيقلْنَ لي: ويحكِ يَا بنت أبي ذُؤيب، ارْبَعي علينا، أَلَيْسَ هَذِه أتانُك الَّتِي كنتِ خرجتِ عَلَيْهَا؟ فَأَقُول لهنّ: بلَى وَالله، إِنَّهَا لهيَ. فيقلن: وَالله إنّ لَهَا لَشأناً. وَكَانَت قبل ذَلِك قد أضرّ بالرّكبِ انقطاعُها عَنْهُم لِضعفها وهزالها. قَالَت حليمة فقدِمنا منازلَنا، وَمَا أعلمُ أَرضًا من أرضِ الله أَجدَبَ مِنْهَا، وَكَانَت غَنمي تروح عليّ حِين قَدِمْنا بِهِ مَعنا شِباعاً،
فنحلُب ونشربُ، وَمَا يحلُب إنسانٌ قَطْرة لبنٍ، وَمَا يجدهَا فِي ضَرع، حَتَّى كَانَ الحاضرُ من قَوْمنا يَقُولُونَ لرعاتهم: ويْلَكم اسرَحوا حَيْثُ يَسرَحُ راعي بنت أبي ذُؤَيب [فتروح أغنامهم جياعاً مَا تَبِضّ بقطرة لبنٍ، وَتَروح غنمي شِباعاً لَبَنًا] . وأرضعتْ مَعَه [ﷺ] ابنَ عمِّه أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب بلبَن ابْنهَا / ٤ و. عبد الله أخي أُنيَسةَ، وَقيل: حُذَافة وَهِي الشَّيماء، أَوْلَاد الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى بن رِفَاعَة السَّعْدِيّ. وَقد قيل: إِنَّه أسلم، والشَّيماء هِيَ الَّتِي كَانَت تَحضُنُ رَسُول الله [ﷺ] مَعَ أُمِّها وتُوَرّكه، وَهِي الَّتِي قدِمتْ عَلَيْهِ فِي وَفد هَوازن. وَكَانَ حَمزةُ عمُّ رَسُول الله [ﷺ] مُستَرضَعاً لَهُ فِي بَني سَعْد بن بَكْر، فأرضعت أمُّه رَسُول الله [ﷺ] يَوْمًا وَهُوَ عِنْد أُمِّه حليمة، وَكَانَ حمزةُ رضيعَ النبيِّ [ﷺ] من وَجْهَيْن، من جِهَة ثُويْبَة، وَمن جِهَة السَّعْديّة. وَعند حليمة شُقَّ صَدره [ﷺ] . ومُلئ حكمةَ وإيماناً، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: كَانَ يشبُّ فِي الْيَوْم شبابَ الصبيِّ فِي شهرٍ، فَلَمَّا شبّ ردّته إِلَى أمِّه وَهُوَ ابْن خمس سِنِين وشهرٍ، وَقيل: أَربع سِنِين، وَقيل: سنتَيْن وشهرٍ. وقدمت حليمةُ على رَسُول الله [ﷺ] مكةَ وَقد تزوجّ خديجةَ، فشكَتْ إِلَيْهِ
جَدْبَ الْبِلَاد، فكلّم لَهَا خَدِيجَة فأعطتها أَرْبَعِينَ رَأْسا من الْغنم، وبعيراً مُوقَّعاً للظعينة، أَي مذلَّلاً، فَانْصَرَفت إِلَى أَهلهَا. قَالَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي ﵀: وَلَا يُعرف لَهَا صُحبة وَلَا إِسْلَام قَالَ: وَقد وَهلَ فِيهَا غير واحدٍ، فذكروها فِي الصَّحَابَة، وَلَيْسَ بِشَيْء، وحَضنَته [ﷺ] أُمُّ أَيْمَن بَرَكةُ الحَبشيّة مَعَ أمِّه، وَبعد موتِها، وَكَانَ وَرِثها من أبيهِ، وَكَانَت دايتَه. وَقَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله [ﷺ] شكا جَوعاً قطّ، وَلَا عَطَشاً، وَكَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من ماءِ زَمْزَم شربةً، فربّما عَرضتُ عَلَيْهِ الْغذَاء فَيَقُول: أَنا شَبعان. وَفَاة آمِنَة أمّ رَسُول الله [ﷺ] / ٤ ظ
َكَانَ يَغْدُو إِذا أصبح فيشرب من ماءِ زَمْزَم شربةً، فربّما عَرضتُ عَلَيْهِ الْغذَاء فَيَقُول: أَنا شَبعان. وَفَاة آمِنَة أمّ رَسُول الله [ﷺ] / ٤ ظ
وَرُوِيَ أنَّ آمِنَة خرجت برَسُول الله [ﷺ] وَهُوَ ابْن سِتّ سِنِين إِلَى أَخْوَاله بني عَديّ بن النجّار بِالْمَدِينَةِ تزورهم بِهِ، وَمَعَهَا أُمُّ أَيْمَن تحضُنه، وهم على بَعِيرَيْنِ، فَنزلت بِهِ فِي دَار النَّابِغَة، فأقامت بِهِ عِنْدهم شهرا، فَكَانَ رَسُول الله
[ﷺ] يذكر أموراً كَانَت فِي مقَامه ذَلِك، وَنظر إِلَى الدَّار حِين هَاجر إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ: هَا هُنَا نزلت بِي أُمِّي، وَفِي هَذِه الدَّار قُبِر أبي عبد الله، وأحسنتُ العومَ فِي بِئْر بني عَديّ بن النجار. وَكَانَ قومٌ يَخْتَلِفُونَ ينظرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَت أُمُّ أَيْمن: فسمعتُ أحدَهم يَقُول: هُوَ نبيُّ هَذِه الأُمّة، وَهَذِه دَار هجرته، فوَعيْتُ ذَلِك كلَّه من كَلَامه. ثُمَّ رجعَتْ بِهِ أمُّه إِلَى مكّة، فلمّا كَانُوا بالأَبْواء تُوفِّيت آمِنَة بنت وهب، ودُفنت هُنَاكَ، فرجعتْ بِهِ أُمُّ أَيمن على البعيرَيْن اللذيْن قدمِوا عَلَيْهِمَا إِلَى مكّة. فَلَمَّا مرَّ رَسُول الله [ﷺ] فِي عُمرة الحُدَيْبيّة بالأَبْواء قَالَ: إنّ الله قد أذِنَ لمحمدٍ فِي زِيَارَة قبر أمّه، فَأَتَاهُ رَسُول الله [ﷺ] فأصلحه، وَبكى عِنْده، وَبكى الْمُسلمُونَ لبكاء رَسُول الله [ﷺ] فَقيل لَهُ، فَقَالَ: أدركَتْني رحمتُها فبكيتُ. وَقيل: تُوفّيت آمنةُ أُمُّ رَسُول الله [ﷺ] بِمَكَّة، ودُفنت فِي شِعبٍ من شِعاب الحَجون بمكَّةَ. حَكَاهُ ابْن الْأَثِير قَالَ: وَهُنَاكَ حطَّ النبيُّ [ﷺ] على ابْن مَسْعُود لَيْلَة الجِنِّ. وَقيل: توفيت وَله -[ﷺ]- ثَمَان سِنِين، وَقيل: سبعٌ، وَقيل: أربعٌ. والمشهورُ مَا حكيناه أَولا من أَنَّهَا توفيت بالأَبْواء وَرَسُول الله [ﷺ] ابْن ستِ سِنِين، وَبِذَلِك جزم ابْن سعد وَابْن فَارس وَالشَّيْخ شرف الدّين الدمياطيّ، وَغَيرهم، رَحِمهم الله تَعَالَى.
بالأَبْواء وَرَسُول الله [ﷺ] ابْن ستِ سِنِين، وَبِذَلِك جزم ابْن سعد وَابْن فَارس وَالشَّيْخ شرف الدّين الدمياطيّ، وَغَيرهم، رَحِمهم الله تَعَالَى.
ضَمُّ عبد الْمطلب ثمَّ أبي طَالب رَسُول الله [ﷺ] / ٥ وَرُوِيَ أنّ عبد الْمطلب ضمَّ رَسُول الله [ﷺ] إِلَيْهِ بعد وَفَاة أمّه، ورقّ عَلَيْهِ رِقّةً لم يرقَّها على وَلَدِه، وَكَانَ يقرِّبه مِنْهُ ويُدْنيه، ويَدخل عَلَيْهِ إِذا خَلاَ وَإِذا نامَ، وَكَانَ يَجلس على فرَاشه فَيَأْخذهُ أعمامُه ليؤخِّروه عَنهُ، فَيَقُول عبد الْمطلب إِذا رأى ذَلِك: دَعُوا ابْني، إِنَّه لَيؤنِسُ مُلْكاً. وَفِي رِوَايَة: دَعوا ابْني فوَاللَّه إنَّ لَهُ لَشأناً. وَقَالَ عبد الْمطلب لأمّ أَيْمن، وَكَانَت تحضنُ رَسُول الله [ﷺ] : يَا بَرَكة لَا تغفلي عَن ابْني فإنّي وجدتُه مَعَ غلمانٍ قَرِيبا من السِّدْرة، وإنّ أهل الْكتاب يَزْعمُونَ أنّ ابْني نبيُّ هَذِه الأمّة. وَكَانَ عبد الْمطلب لَا يَأْكُل طَعَاما إِلَّا قَالَ: عليَّ بِابْني. فيُؤتى بِهِ إِلَيْهِ. ولمّا حَضرته الْوَفَاة أوصى أَبَا طَالب بِحِفْظ رَسُول الله [ﷺ] . وحِياطته. وَمَات فدُفن بالحَجون، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: خمس وَتِسْعين، وَقيل: مائةٍ وعشرٍ، وَقيل: مائةٍ وَعشْرين، وَقيل: مائةٍ وَأَرْبَعين سنة. سُئل رَسُول الله [ﷺ] أَتذْكر موتَ عبد الْمطلب؟ قَالَ: نعم، أَنا يَوْمئِذٍ ابْن ثَمَان سِنِين. قَالَه الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي، وَجزم بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيل: تُوفِّي عبد المطَّلب، ولرسول الله [ﷺ] ستُ سِنِين، وَقيل: عشرٌ، وَقيل:
ثلاثٌ، وَهُوَ أبعد الْأَقْوَال. ثمَّ كفله عمُّه أَبُو طَالب بعد وَفَاة عبد المطَّلب، وَكَانَ بِهِ رَفِيقًا، وَكَانَ يُحبّه حُبَّاً شَدِيدا لَا يُحبّه وَلَدَه، وَكَانَ لَا ينَام إلاّ إِلَى جَنبه، ويخرجُ فَيخرج مَعَه، وَكَانَ يَخصّه بِالطَّعَامِ، وَكَانَ إِذا أكل عِيالُ أبي طَالب فُرادى أَو جَمِيعًا لم يَشبعوا، وَإِذا أكل مَعَهم رَسُول الله [ﷺ] شبِعوا، فَكَانَ إِذا أَرَادَ أَن يُغدِّيهم أَو / ٥ ظ. يُعشِّيهم يَقُول: كَمَا أَنْتُم حَتَّى يَأْتِي ابْني، فَيَأْتِي رَسُول الله [ﷺ] فيأكل مَعَهم. فيَفصِلون من طعامهم، وَكَانَ الصّبيان يُصْبِحُونَ شعثاً رُمْصَاً، ويَصبح رَسُول الله [ﷺ] دَهيناً كحيلاً، وطهّره الله من دَنَس الْجَاهِلِيَّة، وَمن كل عَيبٍ، فَلم يعظّم لَهُم صَنَماً قطُّ، وَلم يحضر مَشهداً من مَشاهد كفرِهم، وَكَانُوا يطلبونه لذَلِك فَيمْتَنع ويعصمه الله تَعَالَى من ذَلِك. وَكَانَ يُعرَفُ فِي قومه بالأَمين، لِما شاهدوه من أَمانته وصِدْق طَهَارَته، وَصِفَاته العَليّة [ﷺ] خُرُوج النبيّ [ﷺ] إِلَى الشَّام ثمَّ شهودُه بُنْيَانَ الْكَعْبَة
لمّا بلغ النبيُّ [ﷺ] اثْنَتَيْ عشرَة سنة وشهرين وَعشرَة أَيَّام، وَقيل: تسعَ سِنِين. خرج مَعَ عمّه أبي طَالب إِلَى الشَّام حَتَّى بلغ بُصْرى فَرَآهُ بَحيري الرَّاهبُ فَعرفهُ بصفتِه فجاءَ وأخذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: هَذَا سيّد الْعَالمين، هَذَا رَسُول
أبي طَالب إِلَى الشَّام حَتَّى بلغ بُصْرى فَرَآهُ بَحيري الرَّاهبُ فَعرفهُ بصفتِه فجاءَ وأخذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: هَذَا سيّد الْعَالمين، هَذَا رَسُول
ربّ الْعَالمين، هذاَيبعثُه اللهُ رَحمةً للْعَالمين. فَقَالُوا لَهُ: من أينَ علمتَ هَذَا؟ قَالَ: إِنَّكُم حِين أقبلتم من العَقَبة لم يبقَ حَجَرٌ وَلَا شجرٌ إلاّ خَرَّ سَاجِدا، وَلَا يسْجد إِلَّا لنبيٍّ، وَإِنَّا نجده فِي كُتبنا. وَقَالَ لأبي طَالب: لَئِن قدمتَ بِهِ الشَّام لَتقتلنَّه اليهودُ. وَسَأَلَهُ أَنْ يردَّه خوفًا من الْيَهُود فردّه. ثمَّ خرج [ﷺ] مرّة ثَانِيَة إِلَى الشَّام مَعَ مَيْسَرة غُلَام خَدِيجة ﵂ فِي تِجَارَة لَهَا قبل أنْ يتزوّجها، فَلَمَّا قدمَ الشامَ نزل تَحت ظلِّ شجرةٍ قَرِيبا من صَوْمعة لنَسْطُور الرَّاهب، فَقَالَ: مَا نزلَ تَحت هَذِه الشجرةِ قطُّ إِلَّا نبيٌّ. ثمَّ قَالَ لمَيْسَرة: أَفِي عَينيه حُمرَةٌ؟ قَالَ: نعم لَا تُفارقه. قَالَ: هُوَ نبيٌّ، وَهُوَ آخرِ الْأَنْبِيَاء / ٦ و. ثمَّ بَاعَ رَسُول الله [ﷺ] سِلْعتَه، فَوَقع بَينه وَبَين رجل تَلاحٍ، فَقَالَ: احلِفْ بِاللات والعُزَّى. فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] : مَا حلفتُ بهما قطُّ، إِنِّي لأمرُّ فأُعْرِض عَنْهُمَا. فَقَالَ الرجل: القولُ قولُك: ثمَّ قَالَ لِمَيْسَرةَ: هَذَا - واللهِ - نَبيٌّ تَجدُه أحبارُنا مَنعوتاً فِي كتبهمْ. وَكَانَ مَيْسَرةَ إِذا كَانَت الهاجرة واشتدَّ الحَرُّ يَرى مَلَكين يُظلِّلان رسولَ الله [ﷺ] من الشَّمْس، فوعى ذَلِك كلَّه مَيْسَرةَ. وَكَانَ قد ألْقى الله عَلَيْهِ المحبَّة من مَيْسَرة، وَكَانَ كأنّه عبدٌ لَهُ. وَبَاعُوا تِجَارَتهمْ وربحوا ضعفَ مَا كَانُوا يربحون، فلمّا رجعُوا وَدخل رَسُول الله [ﷺ] مَكَّة رَأَتْهُ خديجةُ وَهُوَ على بعيره، ومَلَكان يُظلاَّنه، فأَرتْه نِساءها فعجبنَ لذَلِك، وَدخل عَلَيْهَا رَسُول الله [ﷺ] فَأَخْبرهَا بِمَا ربحوا فِي وجههم ذَلِك، فسُرَّت بِهِ، فَلَمَّا دخل مَيْسَرةُ عَلَيْهَا أخْبرته بِمَا رأتْ. فَقَالَ مَيْسَرةُ: قد رَأَيْت هَذَا منذُ خروجنا من الشَّام.
ربحوا فِي وجههم ذَلِك، فسُرَّت بِهِ، فَلَمَّا دخل مَيْسَرةُ عَلَيْهَا أخْبرته بِمَا رأتْ. فَقَالَ مَيْسَرةُ: قد رَأَيْت هَذَا منذُ خروجنا من الشَّام. وأخبرها بِمَا قَالَ نَسطور الراهبُ، وَبِمَا قَالَ الآخرُ.
وَلما بلغ النبيُّ [ﷺ] خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة، وَقيل: خمْسا وَعشْرين، اجْتمعت قريشُ لِبُنيان الكعبةِ، وَالَّذِي حَملهم على ذَلِك أنّ بابَ الْكَعْبَة كَانَ بِالْأَرْضِ، وَكَانَ السَّيلُ يدْخل من أَعلَى مَكَّة حَتَّى يدْخل الْبَيْت، فانصدع، وسرق طِيبَ الكعبةِ، فخافوا أنْ ينهدم الْبَيْت. وَرُوِيَ أنّ سَبَب انهدامِها أَنّ امْرَأَة جَاءَت بِمجمرة تجمِّر الْكَعْبَة، سقطتْ مِنْهَا شرارةٌ فتعلّقت بكسوة الْكَعْبَة فاحترقت، وَلما أَجمعُوا على هدمها قَالَ بَعضهم: لَا تُدخلوا فِي بنائها من كَسْبكم إلاّ طيِّباً مَا لم تَقطعوا فِيهِ رَحِماً / ٦ ظ. وَلم تَظلِموا فِيهِ أحدا. فَبَدَأَ الْوَلِيد بن المُغيرة بهَدْمها، وَأخذ المِعْولَ، ثمَّ قَامَ عَلَيْهَا يطْرَح الْحِجَارَة وَهُوَ يَقُول: اللَّهمَّ لم تُرَعْ إِنَّمَا نريدُ الْخَيْر. فهدَم وهَدمتْ قريشٌ. ثمَّ أخذُوا فِي بنائها، فلمّا انْتَهوا إِلَى حَيْثُ يُوضَع الركنُ من الْبَيْت قَالَت كلُّ قَبيلَة: نَحن أحقُّ بِوَضْعِهِ. وَاخْتلفُوا حَتَّى همّوا بِالْقِتَالِ، وقرَّبت بَنو عبد الدَّار جَفْنةً مَمْلُوءَة دَمَاً، ثمَّ تعاقدوا هم وَبَنُو عَديّ على الْمَوْت، وأدخلوا أيديَهم فِي ذَلِك الدَّم فِي تِلْكَ الجَفْنة، فسُمُّوا " لَعَقة الدَّم " ثمَّ اتّفقوا على أنْ يجْعَلُوا بَينهم أَوّل مَنْ يدْخل من بَاب بني شَيبةَ، يقْضِي بَينهم، فَكَانَ رَسُول الله [ﷺ] أوَّلَ مَنْ
دخل من بَاب بني شيبَة، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الأمينُ، قد رَضينا بِمَا يقْضِي بَيْننَا، ثمَّ أَخْبرُوهُ الخبرَ، فوضعَ رَسُول الله [ﷺ] رِدَاءَهُ، وبَسَطَه فِي الأَرْض، ثمَّ وضَع الرُّكْن فِيهِ، ثمَّ قَالَ: " لِتأخذْ كلُّ قبيلةٍ بناحيةٍ من الثَّوب، ثُمَّ ارفعوه جَمِيعًا " فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذا بلغُوا بِهِ موضعَه، وضَعَه رَسُول الله [ﷺ] بِيَدِهِ الطاهرة، ثمَّ بَنوا عَلَيْهِ، حَتَّى انْتَهوا إِلَى مَوضِع الخُشب، فَكَانَ خَمْسَة عشر جَائزاً سقفوا الْبَيْت عَلَيْهِ، وَبَنوهُ على ستّة أَعمدةٍ، وأخرجوا الحَجر من الْبَيْت. وحُكي أنّ ارْتِفَاع الْكَعْبَة كَانَ من عهد إِسْمَاعِيل تِسْعَة أَذرعٍ، وَلم يكن لَهَا سَقفٌ، فَلَمَّا بنتهَا قريشٌ زادوا فِيهَا تِسْعَة أَذرعٍ، وَرفعُوا بابَها عَن الأَرْض، ليدخلوا مَنْ شاؤوا ويَمنَعوا مَنْ شَاؤُوا. مَبعثُ النبيّ [ﷺ]
كَانَ أول مَا بُدئ بِهِ رَسُول الله [ﷺ] من الوَحْي الرُّؤيا الصَّالِحَة فِي النّوم، فَكَانَ لَا يَرى رُؤْيا إلاّ جَاءَت ٧ / و. مثلَ فَلَق الصُّبح، ثمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاء، فَكَانَ يَخْلُو بغارِ حِرَاء فيتعبَّد فِيهِ اللَّيَالِي ذَات العَدَد قبل أنْ يَنزِع إِلَى أَهله، ويتزوَّد لذَلِك، ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزوَّد لمثلهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحقُّ وَهُوَ فِي غَار حِرَاء، فَجَاءَهُ المَلكُ فَقَالَ: اقرأْ. قَالَ: فقلتُ: مَا أَنا بقارئ. قَالَ: فأَخذني فغطَّني حَتَّى بلغَ مِنّي الجَهْدَ، ثمَّ أَرسلني، فَقَالَ: اقرأْ. فقلتُ: مَا
هُ المَلكُ فَقَالَ: اقرأْ. قَالَ: فقلتُ: مَا أَنا بقارئ. قَالَ: فأَخذني فغطَّني حَتَّى بلغَ مِنّي الجَهْدَ، ثمَّ أَرسلني، فَقَالَ: اقرأْ. فقلتُ: مَا
أَنا بقارئ. قَالَ: فأَخذ فِي الثانيةَ فَغطَّني حى بلغ مني الجَهْدَ، ثمَّ أَرْسلنِي، فَقَالَ: اقرأْ. فقلتُ: مَا أَنا بقارئ. قَالَ: فأَخذني فغطَّني الثَّالِثَة حَتَّى بلغ منّي الجَهْدَ. ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ فَرجع بهَا رَسُول الله [ﷺ] يَرْجُف فؤادُه، فَدخل على خَدِيجَة بنت خوَيلد. فَقَالَ: زمِّلوني زمَّلوني. فزمّلوه حَتَّى ذهبَ عَنهُ الرَّوع. فَقَالَ لِخَدِيجَة، وأخبرها الخبرَ: " لقد خَشِيتُ على نَفسِي ". فَقَالَت خديجةُ: كَلاّ، وَالله مَا يُخزِيكَ اللهُ أبدا، إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِلُ الكلَّ، وتَكسِبُ المعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيفَ، وتُعين على نَوَائِب الحقِّ. فانطلقتْ بِهِ خديجةُ حَتَّى أَتت بِهِ ورَقَةَ بن نوفَل بن أسَد بن عبد العُزَّى، ابْن عمِّ خَدِيجَة، وَكَانَ امْرَءًا تنصَّر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يكْتب الْكتاب العِبرانيّ، فَيكْتب من الإِنجيل بالعِبرانيّة مَا شَاءَ الله أنْ يكْتب. وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عَمِيَ. فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة: يَا بنَ عَمَّ، اسْمَعْ من ابْن أخيكَ. فَقَالَ لَهُ ورقة: يَا ابنَ أخي، مَاذَا ترى؟ فَأخْبرهُ خبرَ مَا رأى. فَقَالَ لَهُ ورَقَةُ: هَذَا النامُوسُ الَّذِي أُنزِلَ على مُوسى [ﷺ] يَا لَيتني فِيهَا جَذَعٌ. يَا لَيْتَني أَكونُ حَيَّاً إِذْ يُخرجُكَ قومُك فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] أَوَ مُخرِجيَّ هُمْ؟ قَالَ: نعم، لم يأتِ رجل قطُّ بِمثل مَا
ي فِيهَا جَذَعٌ. يَا لَيْتَني أَكونُ حَيَّاً إِذْ يُخرجُكَ قومُك فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] أَوَ مُخرِجيَّ هُمْ؟ قَالَ: نعم، لم يأتِ رجل قطُّ بِمثل مَا
جِئْت إِلَّا عودي. وَإِن يدركني يومُك أنصرك نصرا مؤزراً ثمَّ لم يَنْشَبْ ورَقَةُ / ٧ ظ. أنْ تُوفِّيَ، وفتَرَ الْوَحْي. قَالَ الزُّهْري: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلَمة بن عبد الرَّحْمَن: أنّ جَابر بن عبد الله الأنصاريّ قَالَ وَهُوَ يحدِّث عَن فَتْرَة الْوَحْي، فَقَالَ فِي حديثٍ: " بَيْنَمَا أَنا أَمشي إذْ سمعتُ صَوتا من السماءِ، فرفعتُ بَصَري، فَإِذا المَلَكُ الَّذِي جاءَني بِحِرَاء جالسٌ على كُرسيٍّ بَين السماءِ وَالْأَرْض، فَرُعِبتُ مِنْهُ. فقلتُ: زَمِّلوني. فَأنْزل الله ﷿ ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ إِلَى قَوْله ﴿فاهجر﴾ فحميَ الوحيُ وتتابعَ ". وَسَأَلَ الحارثُ بن هِشَام رسولَ الله [ﷺ] فَقَالَ: يَا رَسُول الله! كَيفَ يأْتيكَ الوحيُ؟ فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] : " أَحْيَانًا يأتيني مثلَ صَلْصَلة الجَرْس، وَهُوَ أَشَدُّه عليّ، فيُفْصَم عَنِّي وَقد وَعَيْتُ عَنهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فأَعِي مَا يقولُ " قَالَت عَائِشَة ﵂: " وَلَقَد رأيتُه يَنزِلُ عَلَيْهِ الوحيُ فِي الْيَوْم
َنهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانا يتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فأَعِي مَا يقولُ " قَالَت عَائِشَة ﵂: " وَلَقَد رأيتُه يَنزِلُ عَلَيْهِ الوحيُ فِي الْيَوْم
الشديدِ البردِ فيفصِم عَنهُ، وَإِن جَبينه يتفصَّد عرقاً ". وَكَانَ مَبدأ النبوّة فِيمَا قيل يَوْم الإِثنين ثامن شهر ربيعٍ الأوّل. وَقيل فِي شهر رَمَضَان. وَقيل: فِي شهر رَجَب، وسِنُّه [ﷺ] أَرْبَعُونَ سَنة. وَقيل: أَرْبَعُونَ وَعشرَة أَيَّام. وَقيل: أَرْبَعُونَ وشهران. وَقيل: ثلاثٌ وَأَرْبَعُونَ. وروى ابنُ إِسْحَاق وغيرُه: أنّ جِبْرِيل [ﷺ] أَتَى النَّبِي [ﷺ] أوّلَ مَا أُوحيَ إِلَيْهِ فعلَّمه الوضوءَ وصلّى بِهِ. فَأتى النَّبِي [ﷺ] خَدِيجَة فعلَّمها الوضوءَ وصلّى بهَا كَمَا فعل جِبْرِيل ﵇. وَعَن مُقاتل بن سُليمان: أنّ الصَّلَاة فُرضت فِي أول الإِسلام رَكعتين بالغَداة ورَكعتين بالعَشِيِّ، ثمَّ فُرض الخَمسُ ليلةَ المِعراج. وَأقَام الرَّسُول [ﷺ] بِمَكَّة بعد الْبعْثَة ثلاثَ سِنِين يَدْعُو إِلَى اللهِ مُستخفياً، ثمَّ نَزل عَلَيْهِ فِي السّنة الرَّابِعَة قَوْله تَعَالَى / ٨ و. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر وَأعْرض عَن الْمُشْركين﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ فأعلن الدُّعَاء إِلَى الإِسلام. وكفّار قُرَيْش غير مُنكرين لِما يَقُول، فَكَانَ إِذا مرَّ بهم فِي مجَالِسهمْ يُشيرون إِلَيْهِ: إنّ
غُلَام بني عبد الْمطلب ليُكلَّم من السَّمَاء. فَكَانَ ذَلِك حَتَّى عابَ آلهتَهم، وذكرَ آبَاءَهُم الَّذين مَاتُوا على الْكفْر، فانتصبوا لعداوته وعداوة مَنْ آمنَ بِهِ، يُعذِّبون مَنْ لَا مَنَعةَ عِنْده أشدَّ الْعَذَاب، ويُؤذون من لَا يقدرونَ على عَذابه. وَكَانَ أوّلَ مَنْ آمن بِهِ خديجةُ، وعليٌّ، وَأَبُو بكر، وَزيد بن حَارِثَة، ثمَّ عُثْمَان بن عفَّان، والزُّبير، وَعبد الرَّحْمَن بن عوْف، وَسعد بن أَبي وقَّاص، وَطَلْحَة بن عُبيد الله، بدُعاء أبي بكر إيّاهم إِلَى الْإِسْلَام، ﵃. ذِكُر الهجرتين إِلَى الحَبشة لمّا كثر الْمُؤْمِنُونَ، واشتدَّ عَلَيْهِم أَذَى الْمُشْركين أذِنَ الله تَعَالَى لَهُم فِي الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة، فَهَاجَرَ إِلَيْهَا اثْنَا عشَرَ رجلا، وأربعُ نسوةٍ: عُثمان بن عفَّان، وَهُوَ أَوّل مَنْ خرج فارّاً بدِينه. وَمَعَهُ زَوجته رقية بنت رَسُول الله [ﷺ] وَأَبُو حُذيفة بن عُتْبة، وَزَوجته سَهْلة بنت سُهَيل، وَأَبُو سَلَمة بن عبد الْأسد، وَامْرَأَته أمّ سَلَمة، والزُّبير بن العَوَّام، ومُصْعب بن عُمَير، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعُثْمَان بن مَظْعون، وعامر بن رَبيعة، وَامْرَأَته ليلى بنت أبي حَثْمةَ، وَأَبُو سَبْرة بن أبي رُهْم، وحاطِب بن عَمْرو العامريّان، وسُهَيل بن وَهْب. وَعبد الله بن مَسْعُود وَكَانَ مخرجُهم فِي شهر رَجَبٍ من السّنة الْخَامِسَة من النبوّة.
بن أبي رُهْم، وحاطِب بن عَمْرو العامريّان، وسُهَيل بن وَهْب. وَعبد الله بن مَسْعُود وَكَانَ مخرجُهم فِي شهر رَجَبٍ من السّنة الْخَامِسَة من النبوّة.
وَخرجت قُرَيْش فِي آثَارهم، فَلم يُدركوا مِنْهُم أَحداً. وَأَقَامُوا بالحَبَشة فِي أحسن جِوَارٍ، فبلَغهم أنّ أهل مَكَّة / ٨ ظ. أَسْلمُوا فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّة، حَتَّى إِذا كَانُوا دون مَكَّة بساعةٍ لَقوا رَكْباً من كِنانة، فَسَأَلُوهُمْ عَن قريشٍ، وَعَن حَالهم، فَذكرُوا مَا هُم عَلَيْهِ مِن الشرِّ، فائتمر الْقَوْم فِي الرُّجُوع إِلَى أَرض الْحَبَشَة [ثمَّ] قَالُوا: قد بَلغْنا مكةَ، ندخلُ فَنَنْظُر مَا فِيهِ قريشٌ، ويُحدث عهدا مَنْ أرادَ بأَهْله، ثمَّ يَرجع. فَدَخَلُوا مكةَ، وَلم يدْخل أحدٌ مِنْهُم إِلَّا بجوَارٍ أَو مُستخفيا، إِلَّا ابْن مَسْعُود فَإِنَّهُ مكث يَسِيرا ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَرض الْحَبَشَة، وَلم يدْخل مَكَّة. وَكَانَ قدومهم مَكَّة فِي شوّال سنة خمسٍ من النبوّة، فَلَقوا من قُرَيْش تَعنيفاً شَدِيدا، ونالوهم بالأذى الشَّديد، وسَطَت بهم عَشَائِرهمْ، فأذِن لَهُم رَسُول الله [ﷺ] فِي الْخُرُوج إِلَى أَرض الْحَبَشَة مرَّةً ثَانِيَة. فَقَالَ عُثْمَان: يَا رسولَ اللهِ، فهجرتُنا الأولى وَهَذِه إِلَى النجاشيّ، ولستَ مَعنا. فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] : " أَنْتُم مهاجرون إِلَى الله وإليّ. لكم هَاتَانِ الهجرتان جَمِيعًا " فَقَالَ عُثْمَان: فحسبُنا يَا رَسُول الله. وَهَاجرُوا إِلَى الْحَبَشَة وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ هاجرَ من الرِّجَال ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ - إنْ كَانَ فيهم عمّار فَإِنَّهُ يُشكُّ فِيهِ - قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَمن النِّسَاء إِحْدَى عشرَة قرشيّة وسبعُ غرائب. وَأَقَامُوا بِأَرْض الْحَبَشَة عِنْد النجاشيّ على أحسن حالٍ.
حصر قُرَيْش رَسُول الله [ﷺ] فِي الشِعّب
من النِّسَاء إِحْدَى عشرَة قرشيّة وسبعُ غرائب. وَأَقَامُوا بِأَرْض الْحَبَشَة عِنْد النجاشيّ على أحسن حالٍ.
حصر قُرَيْش رَسُول الله [ﷺ] فِي الشِعّب
لما بلغ قُريْشًا بِمَكَّة إكرامُ النجاشيّ للْمُسلمين كبُر ذَلِك عَلَيْهِم، وغَضِبُوا على رسولِ الله [ﷺ] وَأَصْحَابه، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم: أنْ لَا تُناكحوهم وَلَا تُبايعوهم وَلَا تخالطوهم. وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة / ٩ و. بَغيِض بن عَامر بن هَاشم بن عبد مَناف بن عبد الدَّار بن قصيّ، فشُلَّت يدُه، وعَلَّقوا الصحيفةَ فِي جَوف الْكَعْبَة، وحصروا بني هَاشم فِي شِعْب أبي طَالب لَيْلَة هِلَال المحرَّم سنة سبعٍ من النبوّة، وانحاز بَنو الْمطلب بن عبد مَناف إِلَى أبي طَالب فِي شِعْبه مَعَ بني هَاشم، وَخرج أَبو لَهَبٍ إِلَى قُرَيْش يُظاهرهم على بني هَاشم، وَبني المطّلب، وَقَطعُوا عَنْهُم المِيَرة والمادّةَ، فَكَانُوا لَا يخرجُون إِلَّا من مَوسِمٍ إِلَى مَوسِمٍ، حَتَّى بَلغهُمْ الجَهْدُ، وسُمعت أصوات صِبيانهم من وَرَاء الشِّعْب، فمِن قريشٍ مَنْ سَرَّه ذَلِك، ومِنهم مَنْ سَاءَهُ. وَقَالُوا: انْظُرُوا مَا أصَاب بَغْيضَ بن عَامر.
فأقاموا فِي الشِّعْب ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أَطلَع اللهُ رسولَه على أمرِ صحيفتهم، وأنّ الأرَضَة أَكلت مَا كَانَ فِيهَا من ظُلْمٍ وجَوْر، وَبَقِي مَا كَانَ فِيهَا من ذِكر الله. فَأخْبرهُم أَبُو طَالب. فأرسلوا إِلَى الصَّحِيفَة فوجدوها كَمَا قَالَ رَسُول الله [ﷺ] . وتلاوم رجالٌ من قريشٍ، فلبسوا السلاحَ، ثمَّ خَرجُوا إِلَى بني هَاشم وَبني المطَّلب، فأمروهم بِالْخرُوجِ إِلَى مساكنهم، فَفَعَلُوا. وَكَانَ خروجُهم من الشِّعْب فِي السّنة الْعَاشِرَة، وَقيل: مَكَثُوا فِي الشِّعْب سَنتين. موت أبي طَالب وَخَدِيجَة ثمَّ خُرُوج النبيّ [ﷺ] إِلَى الطَّائِف ثمَّ رُجُوعه إِلَى مَكَّة
ي السّنة الْعَاشِرَة، وَقيل: مَكَثُوا فِي الشِّعْب سَنتين. موت أبي طَالب وَخَدِيجَة ثمَّ خُرُوج النبيّ [ﷺ] إِلَى الطَّائِف ثمَّ رُجُوعه إِلَى مَكَّة
مَاتَ أَبُو طَالب فِي السّنة الْعَاشِرَة من البَعْث، وَقيل: فِي التَّاسِعَة بعد الْخُرُوج من الشِّعْب، وَله سبعٌ وَثَمَانُونَ سنة. وَمَاتَتْ خَدِيجَة، فنالت قريشٌ من النبيِّ [ﷺ] مَا لم تكن تَنال فِي حَيَاة أبي طَالب. فَخرج إِلَى الطَّائِف، هُوَ وَزيد بن حَارِثَة، وَذَلِكَ فِي ليالٍ بَقينَ من شَوَّال سنة عشرٍ / ٩ ظ. من النبوَّة، وَقيل: غير ذَلِك. فَأَقَامَ بِالطَّائِف لَا يَدَعُ أحدا من أَشْرَافهم إلاّ جَاءَهُ وكلَّمه، فَلم يُجيبوه، وخافوا على أحداثهم، وَقَالُوا: يَا
مُحَمَّد أُخرج من بَلدنا. وأَغروا بِهِ سفهاءهم، فَجعلُوا يَرمونه بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى إنَّ رِجْلَيْ رَسُول الله [ﷺ] لَتدْمَيَان، وَزيد بن حَارِثَة يَقيهِ بِنَفسِهِ. حَتَّى لقد شُجَّ فِي رَأسه شِجاجاً. فَانْصَرف رَسُول الله [ﷺ] من الطَّائِف رَاجعا إِلَى مَكَّة وَهُوَ محزونٌ. فَلَمَّا نزل نَخلَةَ قَامَ يصلِّي من اللَّيْل فصُرِف إِلَيْهِ نفرٌ من الجِنِّ سبعةٌ من أهل نَصِيبِين فَاسْتَمعُوا الْقُرْآن وَهُوَ يقرأُ سُورَة الجِنِّ، وَلم يَشعر بهم رسولُ الله [ﷺ] حَتَّى نزل عَلَيْهِ ﴿وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن﴾ وأسْلَموا. وَأقَام بنخلَة أيّاماً ثمَّ أَرَادَ الرُّجُوع إِلَى مكةَ، فَقَالَ لَهُ زيد بن حَارِثَة: كَيفَ تدخُل عَلَيْهِم وهم أَخرجوك؟ فَقَالَ: " يَا زيد، إنَّ الله جاعلٌ لِما ترى فَرَجَاً ومَخْرَجاً، وإنَّ الله ناصرُ دينه، ومُظهر نبيّه " ثمَّ سَار إِلَى حِراء فَأرْسل رجلا من خُزَاعة إِلَى مُطْعِم بن عَديّ: أَدخُلُ فِي جوارك؟ فَقَالَ: نعم، ودعا بَنيهِ وقومَه، وَقَالَ: البسوا السلاحَ، وَكُونُوا عِنْد أَرْكَان الْبَيْت، فَإِنِّي قد أَجرْتُ محمَّداً. فَدخل رَسُول الله [ﷺ] وَمَعَهُ زيد بن حَارِثَة حَتَّى انْتهى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام، فَقَامَ مُطعم بن عَديّ على رَاحِلَته فَنَادَى: يَا معشرَ قريشٍ، إِنِّي قد أَجرتُ محمّداً فَلَا يَهِجْه أَحدٌ مِنْكُم. فَانْتهى رَسُول الله [ﷺ] إِلَى الرُّكْن فاستلمه، وصلَّى رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرف إِلَى بَيته، ومُطِعم بن عَديّ وَولده مُطيفون بِهِ.
الْإِسْرَاء والمعراج
نْتهى رَسُول الله [ﷺ] إِلَى الرُّكْن فاستلمه، وصلَّى رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرف إِلَى بَيته، ومُطِعم بن عَديّ وَولده مُطيفون بِهِ.
الْإِسْرَاء والمعراج
ثمَّ أُسريَ بجَسَد رَسُول الله [ﷺ] المكَرَّم، من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى، ثمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاء العُليا، إِلَى سِدْرَة المُنتهى، إِلَى مستوىً سمِعَ فِيهِ صَريفَ الأقلام، وفُرض عَلَيْهِ وعَلى أُمَّته الصَّلَوَات الْخمس، وَذَلِكَ لَيْلَة سبع عشرَة / ١٠ و. من شهر ربيعٍ الأوّل، وَقيل: غير ذَلِك فِي تأريخه، والأوَّل هُوَ المرويُّ عَن عائشةَ وأُمِّ سَلَمة وأُمِّ هَانِئ، وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الله بن عَبَّاس ﵃. وسِنُّه [ﷺ] حِين الإِسراء اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سَنة، وَقيل غير ذَلِك. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْإِسْرَاء والمعراج، هَل كَانَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة، أَوْ لَا. وأيّهما كَانَ قبل الآخر. وَهل كَانَ ذَلِك كلُّه فِي الْيَقَظَة أَو فِي الْمَنَام. أَو بعضه فِي الْيَقَظَة، وَبَعضه فِي الْمَنَام. وَالْقَوْل أَنه كَانَ فِي الْمَنَام ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم. وَفِي صَبِيحَة لَيْلَة الْمِعْرَاج كَانَ نزُول جِبْرِيل ﵇ وإمامتُه بالنبيّ [ﷺ] ليُريَه أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس.
وَلما أَخبر رَسُول الله [ﷺ] قُريْشًا بالإِسراء استهزؤوا بِهِ، فجلّى الله لَهُ بيتَ المقْدِس، فوصفَه لَهُم وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ. وَقَالُوا: أَخبِرْنا عَن عِيْرنا. فَقَالَ: " مررتُ على عير بني فلَان بِالرَّوْحَاءِ قد أَضَلُّوا نَاقَة لَهُم، وَانْطَلَقُوا فِي طلبَهَا فمررت فانتهيتُ إِلَى رِحالهم، وَلَيْسَ بهَا مِنْهُم أَحدٌ، فَإِذا قَدحٌ من ماءٍ فشربتُ مِنْهُ فسَلوهم عَن ذَلِك. ثمَّ انْتَهَيْت إِلَى عِيْر بني فلانٍ بالأَبواء، يقدُمها جَملٌ أوْرقُ هَا هِيَ تَطلع عَلَيْكُم من الثَنيَّة، وفيهَا فلانٌ وفلانٌ، وعِدّتُها كَذَا وَكَذَا، وأَحمالُها كَذَا وَكَذَا " فانطَلَقوا فوجدوا الأمرَ كَمَا قَالَ [ﷺ] فَرَمَوْهُ بالسِّحر، ولَجُّوا فِي طُغيانهم يَعمهُون. بدءُ إِسْلَام الْأَنْصَار
، وأَحمالُها كَذَا وَكَذَا " فانطَلَقوا فوجدوا الأمرَ كَمَا قَالَ [ﷺ] فَرَمَوْهُ بالسِّحر، ولَجُّوا فِي طُغيانهم يَعمهُون. بدءُ إِسْلَام الْأَنْصَار
أَقَامَ رَسُول الله [ﷺ] مَا أَقَامَ بمكّةَ يَدْعُو الْقَبَائِل إِلَى الله، ويَعرض نفسَه عَلَيْهِم كلَّ سنةٍ فِي المواسم أنْ يؤوه، حَتَّى يبلِّغ رِسَالَة: ١٠ /؟ . ربّه وَلَهُم الجَنَّة، وَلَيْسَت قبيلةَ من الْعَرَب تستجيبُ لَهُ، حَتَّى أَرَادَ الله إظهارَ دينه، وَنصر نبيّه وإنجازَ مَا وَعَدَه، فساقه إِلَى هَذَا الحيِّ من الْأَنْصَار، لِما يُرِيد اللهُ بهم الكرَامة، فَانْتهى إِلَى نفر مِنْهُم ثمانيةٍ عِنْد العَقبة فِي الْمَوْسِم، وهم يَحلِقون
رؤوسَهم، فَجَلَسَ إِلَيْهِم، فَدَعَاهُمْ إِلَى الله ﷿ وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن، فَقَالَ بَعضهم لبعضٍ: إنّه النبيّ الَّذِي تُوعِدُكم بِهِ يهود، فَلَا يَسبِقُنَّكم إِلَيْهِ، فاستجابوا لله وَلِرَسُولِهِ، فآمنوا بِهِ، وصدّقوا، وهم أَسعد بن زُرَارة، ومَعَاذ بن عفراء، ورَافع بن مَالك، وذَكْوان بن عبد قيس، وعُبَادة بن الصَّامت، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن يَزيد بن ثَعلبةَ من بَلِيٍّ حليفٌ لَهُم، وَأَبُو الهَيثم بن التَّيْهان حليفٌ لَهُم، وعُوَيم بن سَاعدة. وَقيل: بل كَانُوا ستَّةً، أسعد بن زُرَارة، وعَوْف بن الحارِث، ورَافع بن مَالك، وقُطْبة بن عَمْرو بن نابي، وَجَابِر بن عبد الله، لم يكن قبلهم أحدٌ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا عندنَا أثبتُ مَا سمعنَا فيهم، وَهُوَ المُجْتَمع عَلَيْهِ.
ُطْبة بن عَمْرو بن نابي، وَجَابِر بن عبد الله، لم يكن قبلهم أحدٌ، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا عندنَا أثبتُ مَا سمعنَا فيهم، وَهُوَ المُجْتَمع عَلَيْهِ. وَقدمُوا الْمَدِينَة فدَعَوْا إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى فَشَا فِيهَا، وَلم يَبقَ دارٌ من دُور الْأَنْصَار إلاّ وفيهَا ذِكرٌ من رَسُول الله [ﷺ] . فأوّل مسجدٍ قُرئ فِيهِ الْقُرْآن مَسْجِد بني زُرَيق، ثمَّ فِي الْعَام الْقَابِل لقِيه اثْنَا عشر رجلا من الْأَنْصَار عِنْد الْعقبَة، أسعَد بن زرَارة، وعَوْف ومُعاذ ابْنا عَفْراء، وذَكْوان بن عبد قيس، ورَافع بن مَالك، وقُطْبة بن عَامر، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن يزِيد بن ثَعلبة من بَلِيٍّ حَلِيف، وعُبَادةَ بن الصَّامت، وعبّاس بن عُبَادة بن نَضْلة، وعُقْبة بن عَامر بن نابي، فَهَؤُلَاءِ عشرَة من الْخَزْرَج. وَمن الْأَوْس رجلَانِ، عُوَيم بن سَاعدة وَأَبُو / ١١ و. الهَيثم بن التَّيْهان من
بَلِيٍّ حَلِيف بني الْأَشْهَل، كَذَا قَالَ الدمياطيّ - رَحمَه الله تَعَالَى - وَذكر ابْن حزم أنَّه من بَني عبد الأَشْهل، وَلم يقل إِنَّه حَلِيف. فأسلموا وَبَايَعُوا على بَيْعَة النِّساء، على أنْ لَا نُشْركَ بِاللَّه شَيْئا، وَلَا نَسرق، وَلَا نَزني، وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا، وَلَا نأتي ببُهْتانٍ نَفتريه بَين أَيْدِينَا وأرجلنا، وَلَا نَعْصِيهِ فِي مَعروف، فَمنْ وفّى فلَهُ الجنَّة، وَمن عَشيَ عَن ذَلِك شَيْئا فإنّ أمره إِلَى الله، إنْ شاءَ عذَّبه، وإنْ شاءَ عَفا عَنهُ. وَلم يكن فُرض القتالُ بعدُ. ثمَّ انصرفوا إِلَى الْمَدِينَة. وَأظْهر الله الإِسلام، وَبعث مَعَهم رسولُ الله [ﷺ] ابنَ أمِّ مَكْتُوم، كَمَا قَالَ ابْن حزم. ومُصعب بن عُميْر يُعلّم مَنْ أسلم، وَيَدْعُو إِلَى الله مَنْ لم يُسلم، فَنزل بِالْمَدِينَةِ على أسعد بن زُرارة، فَكَانَ يُقرئهم الْقُرْآن ويعلّمهم شرائع الإِسلام، فَقيل إنّه جمَّع بهم أول جُمعةٍ جُمِّعت فِي الإِسلام، فِي هَزْم حَرَّة بني بَيَاضَة، فِي نَقيع يُقال لَهُ: نَقيع الخَضِمات، وهم أَرْبَعُونَ رجلا، وَبِهَذَا جزم ابْن حزم. وَعند ابْن إِسْحَاق: أنّ أوّل مَنْ جمّع بهم أسعد بن زُرارة.
َة، فِي نَقيع يُقال لَهُ: نَقيع الخَضِمات، وهم أَرْبَعُونَ رجلا، وَبِهَذَا جزم ابْن حزم. وَعند ابْن إِسْحَاق: أنّ أوّل مَنْ جمّع بهم أسعد بن زُرارة.
وَأقَام ذَكْوان بن عبد قيس بمكَّةَ مَعَ رَسُول الله [ﷺ] ، فَهُوَ مُهاجريٌّ أنصاريّ، قُتل يَوْم أُحُد. قَالَه ابْن حزم، وَأسلم على يَديْ مُصعبٍ خلْقٌ كثير من الْأَنْصَار، مِنْهُم أُسَيْد بن حُضَيْر ثمَّ سعد بن مُعاذ فِي يَوْم وَاحِد. وَقَالَ سعدٌ لِقَوْمِهِ بني عبد الْأَشْهَل فِي الْيَوْم الَّذِي أسلم فِيهِ: كلامُ رِجالِكم ونسائِكم عليَّ حرامٌ إنْ لم تؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله. فآمنوا كلُّهم، الرجالُ والنساءُ، فِي ذَلِك الْيَوْم، خلا عَمرو بن ثَابت بن وَقْش، فَإِنَّهُ تأخَّر إسلامُه إِلَى يَوْم أُحد، فَأسلم واستُشْهد، وَلم يكن سجدَ لله سجَدةً / ١١ ظ. قطُّ، فأَخبرَ رَسُول الله [ﷺ] أَنه من أهل الْجنَّة. وَلم يكن فِي بني عبد الْأَشْهَل مُنَافِق وَلَا منافقة، كَانُوا كلّهم مُخلصين، رضوَان الله عَلَيْهِم. قَالَه ابْن حزم. وَلما حضرو زمانُ الحَجّ مَشى أَصْحَاب رَسُول الله [ﷺ] الَّذين أَسْلمُوا بِالْمَدِينَةِ، بعضُهم إِلَى بعض، وتواعدوا المسيرَ إِلَى الحجّ، وموافاةَ رَسُول الله [ﷺ] والإِسلام يومئذٍ فاشٍ بِالْمَدِينَةِ. فَخَرجُوا وَمَعَهُمْ مُصعب بن عُميرْ حَتَّى قدمُوا على رَسُول الله [ﷺ] مكَّةَ، فسلَّموا عَلَيْهِ، فواعدهم مِنىً وسط أيّام التَّشْرِيق، لَيْلَة النَفْر الأَول، إِذا هدأت الرِجْل أنْ يوافوه فِي الشِّعْب الأَيمن إِذا انحدروا من مِنىً أَسْفَل العَقَبة حَيْثُ الْمَسْجِد الْيَوْم، وأَمَرهم أنْ لَا ينبهِّوا نَائِما، وَلَا ينتظروا غَائِبا. فَوَافى رسولُ الله [ﷺ] فِي الْمَكَان الْمَذْكُور، وَمَعَهُ عمُّه العبّاسُ
َسْجِد الْيَوْم، وأَمَرهم أنْ لَا ينبهِّوا نَائِما، وَلَا ينتظروا غَائِبا. فَوَافى رسولُ الله [ﷺ] فِي الْمَكَان الْمَذْكُور، وَمَعَهُ عمُّه العبّاسُ
مُتَوثَّقاً لَهُ، فَبَايعُوا رسولَ الله [ﷺ] على أنْ يَمنعوا مِنْهُ مَا يَمنعون مِنْهُ نساءَهم وأبناءهم وأنفسهم. فَقيل: أوّل مَنْ بايعَ البَراء بن مَعْرور، وَقيل: الْهَيْثَم بن التَّيْهان، وَقيل: أسعد بن زُرارة، وَكَانَ عِدَّتهم ثَلَاثَة وَسبعين رجلا وَامْرَأَتَيْنِ. وَقَالَ لَهُم رَسُول الله [ﷺ] : " إنّ مُوسَى أَخذ من بني إِسْرَائِيل اثْنَي عشَرَ نَقِيبًا، فَلَا يَجِدنَّ أحدٌ مِنْكُم فِي نَفسه أنْ يُؤخَذ غيرُه، فإنّما يختارُ لي جِبْرِيل. . " فَلَمَّا تخيَّرهم قَالَ للنقباء: " أَنْتُم كُفَلاء على غَيْركُمْ، كَكَفالة الحواريِّين لعيسى بن مَرْيم، وَأَنا كفيلٌ على قومِي؟ " قَالُوا: نعم. وَانْصَرفُوا إِلَى رِحالهم، وَقد طابت نفس رَسُول الله [ﷺ] إِذْ جعل اللهُ لَهُ مَنَعةً وقوماً أهلَ / ١٢ و. حَربٍ وعُدَّةٍ ونَجدةٍ هِجرةُ الْمُسلمين ثمَّ هِجرةُ رَسُول الله [ﷺ] إِلَى الْمَدِينَة
لمّا رَجَعَ الْأَنْصَار إِلَى الْمَدِينَة جعل البلاءُ يشتدّ على الْمُسلمين من الْمُشْركين لِما يَعلمون من الْخُرُوج، فضيَّقوا عَلَيْهِم، ونالوا مِنْهُم مَا لم يَكُونُوا ينالون من الشَّتم والأَذى، فشَكَا ذَلِك أصحابُ رَسُول الله [ﷺ] إِلَيْهِ، واستأذَنوه فِي الهِجرة إِلَى الْمَدِينَة، فأَذِن لَهُم، فَخَرجُوا أرْسالاً مختفين، وَقدمُوا على
لأَذى، فشَكَا ذَلِك أصحابُ رَسُول الله [ﷺ] إِلَيْهِ، واستأذَنوه فِي الهِجرة إِلَى الْمَدِينَة، فأَذِن لَهُم، فَخَرجُوا أرْسالاً مختفين، وَقدمُوا على
الْأَنْصَار فِي دُورهمْ فآووهم ونصروهم، وواسوهم. قَالَ ابْن حزم: فَقيل: أولُ مَنْ خرج أَبُو سَلَمة بن عبد الْأسد المَخزوميّ، وَقيل: إِنَّه هَاجر قبلَ بيعَة الْعقبَة بسَنة، وَحَال بَنو المُغيرة بينَه وَبَين إمرأته، ابنةِ عمِّهم، وَهِي أُمُّ سَلَمة أمّ الْمُؤمنِينَ، فأُمسكت بمكةَ نَحْو سنة، ثمَّ أُذِن لَهَا فِي اللَّحاقِ بزوجها فلحقت بِهِ. وَقَالَ غير ابْن حزم: أوّل مَنْ هَاجر مُصعب بن عُميرْ. وَكَانَ سَالم مَولى أبي حُذَيفة يَؤمُّ الْمُهَاجِرين بقُباء قبل أنْ يَقدم رَسُول الله [ﷺ] . وَلم يَبقَ بمكَّة إلاّ رَسُول الله [ﷺ] وَأَبُو بكرٍ وعليُّ، أَو مفتونٌ مَحبوسٌ، أَو مريضٌ، أَو ضعيفٌ عَن الْخُرُوج. وَرَأى الْمُشْركُونَ ذَلِك فخافوا خروجَ رسولِ الله [ﷺ] فَاجْتمعُوا فِي دَار النَّدوَة، وَلم يتخلَّف أحدٌ من أهل الرَّأْي والحِجَا مِنْهُم، لِيتشاوروا فِي أمرِ رَسُول الله [ﷺ] . ويُسمَّى الْيَوْم الَّذِي اجْتَمعُوا فِيهِ يَوْم (الزَّحمة) وحضرهم إِبْلِيس - لَعنة الله عَلَيْهِ - فِي صُورَة شيخٍ كبيرٍ من أهل نَجدٍ، فتذاكروا / ١٢ ظ. أمرَ رَسُول الله
[ﷺ] فَأَشَارَ بعضُهم بحبسه وَأَشَارَ بعضُهم بنفْيه فردَّ ذَلِك إِبْلِيس وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا برأيٍّ. فَقَالَ أَبُو جهل: أرى أنْ نأخذَ من كل قبيلةٍ من قُرَيْش غُلَاما نَهْداً جَلداً، ثمّ نُعطيه سَيْفا صارِماً، فيضربونَه ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فيتفرَّق دَمُه فِي الْقَبَائِل، فَلَا يَدري بَنو عبد منَاف بعد ذَلِك مَا يَصنعون. فَقَالَ إِبْلِيس: الله دَرُّ الْفَتى، هَذَا الرأيُّ وإلاّ فَلَا. فتفرّقوا على ذَلِك، وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ. فَأتى جبريلُ النبيَّ [ﷺ] فأَعلمه بذلك، وأَمره أنْ لَا ينامَ فِي مضجعِه تِلْكَ اللَّيْلَة، وأمرَ رسولُ الله [ﷺ] عَليّاً أنْ يبيتَ فِي مَضجعه تِلْكَ الليلةَ، فَبَاتَ فِيهِ عليٌّ، وتغشّى بُرْداً أحمرَ حَضْرميّاً، كَانَ رَسُول الله [ﷺ] يَنام فِيهِ. وَاجْتمعَ النفرُ من قريشٍ يتطلّعون من صِير الْبَاب، ويَرصُدونه يُريدون بياته، ويأتمرون أيّهم يحمل عَلَيْهِ. فَخرج رَسُول الله [ﷺ] وهم جُلوسٌ على الْبَاب، فَأخذ حَفْنةً من ترابٍ، فَجعل يَذرّه على رؤوسهم، وَيَتْلُو ﴿يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ حَتَّى بلغ ﴿وَسَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَمضى رَسُول الله [ﷺ] فَأَتَاهُم آتٍ ممّن لم يكن مَعَهم. فَقَالَ: مَا تَنتظرونَ هَا هُنا؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا. قَالَ خِبتُم وخسِرْتُم. قدْ - وللهِ - مرَّ بكم، مَا تركَ مِنْكُم رجلا إِلَى وضعَ على رأسِه تُراباً، وانطلقَ لحاجتِه. أَفلا ترونَ مَا بكمْ؟ قَالُوا: وَالله مَا أبصرناهُ، وَقَامُوا يَنْفُضون الترابَ عَن رؤوسِهم، ثمَّ جعلُوا ينظرُونَ فيَروْنَ عليّاً على الفراشِ مُلتحِفاً بِبُرْدِ رسولِ الله [ﷺ] فَيَقُولُونَ: واللهِ إنّ هَذَا لمحمدٌ نَائِما، عَلَيْهِ بُردُهُ فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى أَصْبحُوا. فقامَ عليٌّ / ١٣ و. عَن الفراشِ فَقَالُوا: واللهِ
ُولُونَ: واللهِ إنّ هَذَا لمحمدٌ نَائِما، عَلَيْهِ بُردُهُ فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى أَصْبحُوا. فقامَ عليٌّ / ١٣ و. عَن الفراشِ فَقَالُوا: واللهِ
لقد صَدَقَنا الَّذِي كَانَ حَدَّثنا. وسألوا عليّاً عَن رَسُول الله [ﷺ] قَالَ: لَا عِلمَ لي بِهِ. وَكَانَ مِمَّا أَنزل الله - تَعَالَى - فِي ذَلِك ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ وَصَارَ رَسُول الله [ﷺ] إِلَى منزل أبي بكرٍ ﵁ ظُهرَاً، فَقَالَ: " أَخرِجْ مَنْ عندكَ " فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا هما ابنتايَ. فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] : " إنَ الله قد أَذنَ لي فِي الْهِجْرَة " فَقَالَ أَبُو بكر: الصَّحَابةَ يَا رَسُول الله. فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] : " نعم " قَالَ أَبُو بكر: فخذْ بأَبي أنتَ وأُمِّي إِحْدَى راحلَتيّ هَاتين. فَقَالَ رَسُول الله [ﷺ] : بالثَّمن. وَكَانَ أَبُو بكر اشتراهما بثمانِ مائَة [دِرْهَم] من نَعَمِ بني قُشَير. فَأعْطى النبيَّ [ﷺ] إِحْدَاهمَا بالثَّمنِ، وَهِي القَصْواء. ثمَّ خرج هُوَ وَأَبُو بكرٍ، فمضيا إِلَى غارِ ثَوْرٍ فدخلاه. فَأمر اللهُ شَجَرَة فَنَبَتَتْ فِي فمِ الْغَار، فسترتْ وجهَ رَسُول الله [ﷺ] وأمرَ اللهُ العنكبوتَ فنسجتْ على فمِ الْغَار، وأمرَ حَمامتين وحشيَّتين فوقفتا بفمِ الغارِ، وأَقبل فِتيانُ قريشٍ فَرَأَوْا ذَلِك فانصرفوا، ومكثَ رَسُول الله [ﷺ] وَأَبُو بكر فِي الغَار ثلاثَ ليالٍ يَبيتُ عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر الصدِّيق يتسَمّع الْأَخْبَار بِالنَّهَارِ، ويُخبرهما بِمَا سَمِعَ. وَذكر ابْن حزم: أنّ أسماءَ كَانَت تأتيهما بِالطَّعَامِ، وَكَانَت لأبي بكر مِنْحةُ غنم يرعاها عامرُ بن فُهيْرة. وَكَانَ يَأْتِيهم بهَا لَيْلًا فيحتلبون. فَإِذا كَانَ السّحَر
ءَ كَانَت تأتيهما بِالطَّعَامِ، وَكَانَت لأبي بكر مِنْحةُ غنم يرعاها عامرُ بن فُهيْرة. وَكَانَ يَأْتِيهم بهَا لَيْلًا فيحتلبون. فَإِذا كَانَ السّحَر
سَرَح مَعَ / ١٣ ظ. النَّاس. قَالَت عائشةُ: وجهّزنَاهما أحبَّ الجِهاز، وصَنعْنا لَهُم سُفْرة فِي جِرَاب، فقَطعتْ أسماءُ بنت أبي بكر قِطعةً من نطاقها فأوكَت بِهِ الجرابَ، وقَطعتْ أُخْرَى فصيَّرته عِصاماً لفم القِرْبة، فبذلك سُمِّيت بِذَات النِّطَاقين. واستأجرَ أَبُو بكر هادياً خِرِّيتاً من بني الدِّيِل، يُقَال لَهُ: عبد الله بن أُريقِط، على دِين الكُفر، ولكنّهما أَمِناه. وَقَالَ ابْن حزم: إنّ النَّبِي وَأَبا بكر خرجا من بابٍ وَاسع فِي جَانب الْغَار، فتَحه اللهُ لَهما فِي الْوَقْت فِي صَخرة صَمَّاءَ لَا تؤثّر فِيهَا المعاولُ، فأَمالَها اللهُ ﷿ بقُدرته. وأتاهما عبد الله بن أُريْقط براحلتيهما صُبح اللَّيْلَة الثالثةِ، وأَتتهما أسماءُ بالسُّفْرة، وعلَّقتها، فركبا الرَّاحلتين، وَأَرْدَفَ أَبُو بكر مَوْلَاهُ عامرَ بن فُهَيْرة، وَمَعَهُمْ دليلُهم عبد الله بن الأُرَيِقط. وَكَانَت هِجرته [ﷺ] يَوْم الإِثنين فِي شهر ربيعٍ الأول. وَقيل: فِي صَفَر. وسِنُّه [ﷺ] ثَلَاث وَخَمْسُونَ على الصَّحِيح، وَقيل: خمس وَخَمْسُونَ، وَقيل: خَمْسُونَ. وَعرض للنبيّ [ﷺ] سُرَاقَةُ بن مَالك بن جُعْشُم، وَهُوَ على فَرس، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله [ﷺ] فساخت قَوَائِم فرسه. فَقَالَ: يَا محمّد، ادعُ الله لي أنْ يُطلقَ فَرسي وأرجع عَنْك، وأرُدَّ مَنْ ورائي. فَفعل. فأُطلق، وَرجع، فَوجدَ النَّاس يَلْتَمِسُونَ رَسُول الله [ﷺ] فَقَالَ: ارْجعُوا فقد استبرأتُ لكم مَا هَا هُنا، وَقد عَلِمتم بَصَري بالأَثَر. فَرَجَعُوا عَنهُ. ومرَّ النبيُّ [ﷺ] بخيْمَتي أمِّ مَعْبَدٍ عَاتِكَة بنت
خَالِد، أُخْت خُنيس بن خَالِد الصحابيّ. وَكَانَ منزلهَا القُدَيد، فَنظر النبيُّ [ﷺ] إِلَى شاةٍ فِي كِسر الْخَيْمَة، فَقَالَ: " مَا هَذِه الشَّاة يَا أُمَّ مَعْبَد؟ " قَالَت: شَاة / ١٤ و. خلفهَا الْجهد عَن الْغنم. قَالَ: بهَا من لبن؟ قَالَت: هِيَ أَجهَدُ من ذَلِك. قَالَ: " أتأذنينَ لي أنْ أَحلبَها؟ " قَالَت: نَعمْ بأَبي وأُمي، إِن رأيتَ بهَا حَلَباً فاحلِبها. فمسحَ بيدِه الطاهرة ضَرْعَها، وسمّى الله تَعَالَى، وَقَالَ: اللهمَّ بارِكْ لَهَا فِي شاتِها " فتفاجَّتْ عَلَيْهِ، ودَرَّت واجترَّت، فَدَعَا بإناءٍ لَهَا يَريضُ الرَّهطَ. فحلبَ فيهِ ثجّاً حَتَّى علاهُ البهاءُ، فَسَقَاهَا فَشَرِبت حَتَّى رَويَتْ، وَسَقَى أَصحابَه حَتَّى رَوُوا. وشربَ آخِرَهم. وَقَالَ: " ساقي القومِ آخرُهم " ثمَّ حلبَ فِي الإِناء ثَانِيًا حتّى ملأَه، ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا. وَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وأصبحَ صوتٌ بمكّةَ عَالِيا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، يسمعُونَ الصوتَ وَلَا يرَوْنَ مَنْ يَقُوله، وَهُوَ يَقُول:
(جَزَى اللهُ ربُّ النَّاس خير جَزائهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيمتَيْ أُّمِّ مَعبدِ)
(هُما نزلا بالهَدْيِ واهتديا بهِ ... فقد فازَ مَنْ أَمسى رَفيقَ محمَّدِ)
(فيا لِقُصَيٍّ مَا زَوَى اللهُ عنكمُ ... بهِ مِنْ فَعالٍ لَا تَجارَى وسُؤْدَد)
(لِيهن بني كعبٍ مكانُ فتاتِهم ... ومقعدُها للْمُؤْمِنين بَمرْصَد)
(سَلُوا أُختكمْ عنْ شاتِها وإِنائها ... فإنكمُ إنْ تسْأَلوا الشَّاةَ تَشْهدِ)
(دَعاها بشَاةٍ حائلٍ فتحلَّبتْ ... عَلَيْهِ صَريحاً ضَرَّهُ الشاةِ مُزْبِدِ)
(فغادَرَه رَهْناً لَدَيْهَا لحالِبٍ ... يُردّدها فِي مَصْدرٍ ثُمَّ مَوْرِد)
ها بشَاةٍ حائلٍ فتحلَّبتْ ... عَلَيْهِ صَريحاً ضَرَّهُ الشاةِ مُزْبِدِ)
(فغادَرَه رَهْناً لَدَيْهَا لحالِبٍ ... يُردّدها فِي مَصْدرٍ ثُمَّ مَوْرِد)
وانْتهى النبيُّ [ﷺ] إِلَى بني عَمْرو بن عَوْف بِقُبَاء. فَجَلَسَ فيهم، وَقَامَ أَبُو بكر يُذكِّر الناسَ، وَجَاء الْمُسلمُونَ يُسلِّمون على رَسُول الله [ﷺ] . وَنزل رَسُول الله [ﷺ] على كُلْثُوم بن الهِدْم، وَقيل: سعْد بن خَيْثَمة. وَقَالَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي: إنّ الثبْت أَنه نزل على كُلْثُوم بن الهِدْم. قَالَ: ولكنّه كَانَ يتحدًّث / ١٤ ظ. مَعَ أَصْحَابه فِي منزل سعْد بن خَيْثَمة، فَلذَلِك قيل: نزل على سعْد بن خَيْثَمة.
وتأخّر عليّ ﵁ بمكّةَ ثلاثةَ أيامٍ حَتَّى أدّى ودائع كَانَت عِنْد رَسُول الله [ﷺ] للنَّاس. ثمَّ لَحق بالنبيِّ [ﷺ] بقُبَاء. وَأقَام رَسُول الله [ﷺ] فِي بني عَمْرو بن عَوْف أَربع عشرَة لَيْلَة. وَقيل: أَرْبعا. وَخرج يومَ الجُمعة. فجمَّع فِي بني سَالم بمَن كَانَ مَعَه من الْمُسلمين، وهم مائَة. هَكَذَا ذكر الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي ﵀ وَلَا يصحّ خروجُه يَوْم الْجُمُعَة على القَوْل بِأَنَّهُ أَقَامَ ببني عَمْرو بن عَوْف أَربع عشرَة مَعَ جزمه بِأَنَّهُ قدم يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيعٍ الأول. ويُتصوَّر ذَلِك على قَول بَعضهم: أَنه خرج من الْغَار لَيْلَة الِاثْنَيْنِ أوّلَ شهر ربيعٍ الأول، وَقدم الْمَدِينَة يومَ الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة مَضَت مِنْهُ. وَلِهَذَا - وَالله أعلم - عدل ابْن حزم عَن تعْيين مُدَّة الْمقَام، وَذكر أَنه أَقَامَ بِقُبَاء أيّاماً، وأَسَّس مسجدَها. لِأَنَّهُ جَزَم بأنَّه قِدم يَوْم الِاثْنَيْنِ، ثَانِي عشر من ربيعٍ الأول، وَالله أعلم. وَقيل: قدِم المدينةَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمانٍ خلت من ربيعٍ الأول. وَقيل: يَوْم الِاثْنَيْنِ مُستهلَّه. وَقيل غير ذَلِك.
من ربيعٍ الأول، وَالله أعلم. وَقيل: قدِم المدينةَ يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمانٍ خلت من ربيعٍ الأول. وَقيل: يَوْم الِاثْنَيْنِ مُستهلَّه. وَقيل غير ذَلِك. وَجعل النَّاس يُكلِّمون رسولَ الله [ﷺ] فِي النُّزُول عَلَيْهِم عِنْد رحيلهِ بَعْدَمَا جَمَّع فِي بني سَالم، وَيَأْخُذُونَ بِخطَام ناقتِه. فَيَقُول: " خَلُّوا سبيلَها فَإِنَّهَا مأمورةٌ " فبَرَكت عِنْد مَوضِع مَسْجِد رَسُول الله [ﷺ] وَهُوَ يومئذٍ يُصلِّي فِيهِ رجالٌ من الْمُسلمين؛ وَهُوَ مِرْبد لسَهْلٍ وسُهَيلٍ غلامين من بني مَالك بن النجَّار.
وَبَقِي النبيُّ [ﷺ] على ظهر النَّاقة لم ينزل / ١٥ و، فَقَامَتْ ومشَت غيرَ بعيدٍ، وَرَسُول الله [ﷺ] لَا يَثْنيها، ثمَّ التفتَتْ خلفَها، فرجعتْ إِلَى مَكَانهَا الَّذِي بَرَكت فِيهِ، فبَركت ثَانِيَة واستقرَّتْ. وَقد قيل: إنَّ جَبَّار بن صَخْر من بني سَلِمة - من صالحي الْمُسلمين - جَعَل يَنخَسُ ناقةَ النبيّ [ﷺ] لِتقوم، مُنَافَسَة لبني النجَّار أنْ ينزلَ رَسُول الله [ﷺ] عِندهم فَلم تَقُم، ونزلَ رَسُول الله [ﷺ] عَنْهَا، فَحمل أَبُو أَيُّوب رَحْلَ النبيّ [ﷺ] فَأدْخلهُ دارهَ. وكلَّمَ الناسُ رسولَ الله [ﷺ] ثَانِيًا فِي النُّزُول عَلَيْهِم. فَقَالَ: " المرءُ مَعَ رَحْلِه " وَنزل دارَ أبي أَيّوب، وَجَاء أسْعد بن زُرَارة فَأخذ بزِمَام راحلتِه، فَكَانَت عِنْده. قَالَ زيد بن ثَابت: فأوّلُ هديّة دخلتْ على رَسُول الله [ﷺ] فِي منزل أبي أَيُّوب هديّة دخلتُ أَنا بهَا قَصْعةُ مَثْرود، فِيهَا خُبزٌ وسَمْنٌ ولَبَن. فقلتُ: أرسلتْ بِهَذِهِ القَصْعة أُمّي. فَقَالَ: " باركَ اللهُ فيكَ " ودعا أَصْحَابه فَأَكَلُوا. فَلم أَرمَّ البابَ حَتَّى جَاءَت قَصْعةُ سَعد بن عُبادة ثَريدٌ وعُرَاقٌ. وَمَا كَانَ من ليلةٍ إِلَّا وعَلى بَاب رَسُول الله [ﷺ] الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة، يحملون الطَّعَام، يتناوبون ذَلِك، حَتَّى تحوّلَ رَسُول الله [ﷺ] من منزل أبي أَيُّوب، وَكَانَ مقامُه فِيهِ سَبْعَة أشهرِ. وَسَأَلَ [ﷺ] عَن المِرْبَد الَّذِي بَركت النَّاقة فِيهِ. فأُخبر خَبرُه. فَقيل: اشْتَرَاهُ
رَسُول الله [ﷺ] بِعشْرَة دَنَانِير، وَفِي الصَّحِيح أنّ بني النجَّار امْتَنعُوا من بَيعه، وبَذَلوه لله ﷿ وأَمَرَ [ﷺ] بِبِنَاء الْمَسْجِد فبُني باللَّبِن. وجُعلت عِضَادَتاه وسَواريه جُذُوعَ النّخل، وسَقفُه الجريد / ١٥ ظ. وجُعل طولُه ممّا يلِي القِبلةَ إِلَى مؤخره مائَة ذراعٍ. وَفِي الْجَانِبَيْنِ الآخرين مثل ذَلِك، فَهُوَ مربَّعٌ. وَيُقَال: كَانَ أقلَّ من الْمِائَة. وجُعل الأساسُ قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذرع على الأَرْض بالحِجارة. ثمَّ بَنوه بالِلَّبن. وبَناه رَسُول الله [ﷺ] وأصحابُه. وَكَانَ يَنقل مَعَهم الحِجارَة وَيَقُول: (اللهمَّ لَا عيشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرة ... فاغفرِ للأنصارِ والمُهاجرة)
وَجعل يَقُول: (هَذَا الحِمالُ لَا حِمالُ خَيبرْ ... هَذَا أَبَرُّ رَبَّنا وأَطْهرْ)
ثمَّ بَنى النبيُّ [ﷺ] مساكنَه إِلَى جَانب الْمَسْجِد باللَّبن، وسقَّفها بِجذوع النَخل والجَرِيد. وآخى [ﷺ] بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على الحقّ والمواساة فَكَانُوا يَتَوَارثون بذلكَ. حتىَّ نزل قولُه تَعَالَى: ﴿وأُولُوا الأَرْحامِ بَعضُهُم أَولى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ﴾ فَنُسخَ ذَلِك بعد وقْعَة بَدْر. كَانَت هَذِه المؤاخاة بعد بِناء الْمَسْجِد. وَقيل: والمسجدُ يُبنى. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: بعدَ قدومه الْمَدِينَة بِخَمْسَة أشهر. وَقيل: ثَمَانِيَة أشهر. وَكَانَ النبيُّ [ﷺ] قبل الْهِجْرَة آخى بَين الْمُهَاجِرين. وَبلغ أصحابَ النبيِّ [ﷺ] بالحَبشة مهاجَرُه إِلَى الْمَدِينَة، فَرجع مِنْهُم ثلاثةٌ وَثَلَاثُونَ رجلا، وَمن النِّسَاء ثَمَان نِسْوةٍ، فَمَاتَ مِنْهُم رجلَانِ بِمَكَّة، وحُبسَ بمكّةَ سَبْعة نَفَرٍ، وانْتهى البقيّةُ إِلَى النبيّ [ﷺ] بِالْمَدِينَةِ. وَكتب رَسُول الله [ﷺ] إِلَى النَّجاشيّ سنة سَبعٍ من الْهِجْرَة: أنْ يبْعَث مَنْ
ّةَ سَبْعة نَفَرٍ، وانْتهى البقيّةُ إِلَى النبيّ [ﷺ] بِالْمَدِينَةِ. وَكتب رَسُول الله [ﷺ] إِلَى النَّجاشيّ سنة سَبعٍ من الْهِجْرَة: أنْ يبْعَث مَنْ
بقيَ عِنْده من أَصْحَابه. ففعلَ، وقَدموا المدينةَ فوجدوا رَسُول الله [ﷺ] بخَيْبَر. فشخصوا إِلَيْهِ، فوجدوه قد فتح خَيْبَر. فكلَّمَ النبيُّ [ﷺ] الْمُسلمين أنْ يُدخلوهم فِي سُهْمَانِهم، فَفَعَلُوا. وَأقَام / ١٦ و. رَسُول الله [ﷺ] بِالْمَدِينَةِ بعد الْهِجْرَة عشرَ سِنِين بِلا خِلاف. ذكرُ غَزْوَاتِه [ﷺ] فِي هَذِه المدَّة وَبَعض الْحَوَادِث
فَفِي السّنة الأُولى غَزْوَة الأَبْوَاء، وَهِي غَزوة وَدَّان فِي صَفَر. وَفِي هَذِه السّنة جُعلت الصلاةُ الحَضَر أربعَ رَكْعَات، وَكَانَت رَكعتين بعد مَقْدمِه [ﷺ] الْمَدِينَة بشهرٍ. كَذَا قَالَ ابْن إِسْحَاق وغيرُه. وَهُوَ قَول عَائِشَة ﵂ وَقيل: إِنَّهَا فُرضت أَرْبعا إلاّ المَغرب، فَإِنَّهَا فُرضت ثَلَاثًا، والصُبح فُرضت رَكْعَتَيْنِ. وَقيل غير ذَلِك. وَالله أعلم. وفيهَا شُرِع الأَذان، وأَسلم عبد الله بن سَلاَم، وَفِي السّنة الثَّانِيَة غزوةُ بُوَاطٍ فِي شهر ربيعٍ الأول. ثمَّ غَزْوَة بدر الأولى يطْلب كُرْزَ بن جَابر فِي الشَّهْر
ن، وأَسلم عبد الله بن سَلاَم، وَفِي السّنة الثَّانِيَة غزوةُ بُوَاطٍ فِي شهر ربيعٍ الأول. ثمَّ غَزْوَة بدر الأولى يطْلب كُرْزَ بن جَابر فِي الشَّهْر
الْمَذْكُور. ثمَّ غَزْوَة ذِي العُشَيْرة فِي جُمادى الْآخِرَة، ثمَّ غَزْوَة بدرٍ الْكُبْرَى، وَهِي البَطْشَةُ الَّتِي أعزّ الله بهَا الإِسلام، وأهلكَ بهَا رُؤُوس الكَفَرة يَوْم الجُمعَة لسبعَ عشرَة خلونَ من شهر رَمَضَان، حضرَها من الْمُهَاجِرين أَرْبَعَة وَسَبْعُونَ رجلا، وَمن الْأَنْصَار مِائَتَان وواحدٌ وَثَلَاثُونَ رجلا. وَلم يكن [ﷺ] غزا بأَحدٍ من الْأَنْصَار قبل ذَلِك. فَجَمِيع مَنْ حضرها من الْمُسلمين ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة رجالٍ، هَكَذَا ذكر عددَهم شَيخنَا الْحَافِظ شرف الدّين الدمياطي ﵀. ثمَّ قَالَ: وَقيل ثَلَاثمِائَة وبِضْعَة عَشَر. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عِكْرِمَة بن عمّار عَن سِمَاك الحنفيّ عَن ابْن عبّاس عَن عمر بن الْخطاب ﵁: أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة عشر رجلا. وَجزم ابْن عبد البرّ فِي كِتَابه (الدُّرر فِي اخْتِصَار الْمَغَازِي / ١٦ ظ. والسِّيَر) ، بأنَّ الْمُسلمين كَانُوا يَوْم بدرٍ
ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعَة عشر رجلا، عدد الْمُهَاجِرين، ومَنْ ضربَ لَهُ رَسُول الله [ﷺ] بسهمه وَأَجَازَهُ ثَلَاثَة وَثَمَانُونَ رجلا، وَمن الْأَوْس أحد وَسِتُّونَ رجلا، وَمن الْخَزْرَج مائَة وَسَبْعُونَ رجلا. وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ: إنّ البَرَاء بن عَازِب قَالَ: استُصغرتُ أَنا و [ابْن] عُمر يَوْم بَدرٍ. وَكَانَ المهاجرونَ يومَ بدرٍ نَيِّفاً على الستِّين، وَالْأَنْصَار نَيِّفاً وَأَرْبَعين [وَمِائَتَيْنِ] . انْتهى. [واستشْهد مِنْهُم أَرْبَعَة عشَرَ رجلا. وَكَانَ الْمُشْركُونَ بَين تسع الْمِائَة وَالْألف. وقُتل مِنْهُم سَبْعُونَ رجلا] . وَجزم ابْن عبد البرّ بِأَنَّهُم كَانُوا يَوْم بدرٍ تِسْعمائَة وَخمسين رجلا. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عِكْرِمَة عَن سِمَاكٍ عَن ابْن عبّاس عَن
عمر بن الْخطاب ﵁ أَنهم أَلفٌ. ثمَّ غَزْوَة بني قَيْنُقاع فِي شَوَّال: ثمَّ غَزْوَة السَّوِيق فِي ذِي الْحجَّة، ثمَّ غَزْوَة قَرْقَرة الكُدْر فِي المحرّم. وَفِي هَذِه السّنة صُرِفت القبلةُ يَوْم الِاثْنَيْنِ، النّصْف من رَجَب، وَقيل يَوْم الثُّلَاثَاء النّصْف من شعْبَان. وفيهَا فُرض صومُ شهر رَمَضان فِي شعْبَان. وفيهَا فُرضت زَكَاة الفِطْر قبل الْعِيد بيومين قبلَ أَن تُفرض الزَّكَاة فِي الْأَمْوَال كَمَا قَالَ ابْن سعد. وَقَالَ بَعضهم: إنّ الزَّكَاة فُرضت فِي هَذِه السَّنَة. وَقيل: فُرضت قبل الْهِجْرَة بمكةَ. وفيهَا أمرَ النبيُّ [ﷺ] بالأُضْحية. وفيهَا أعرس عليٌّ بفاطمة ﵂ بعد وقْعَة بَدْرٍ. وَفِي السّنة الثَّالِثَة من غَزْوَة غَطَفَان إِلَى نَجْدٍ، وَهِي غَزْوَة أَنمار، وَهِي ذُو
أَمَر فِي شهر ربيعٍ الأول. ثمَّ غَزْوَة بني سُلَيْم ببُحران فِي جُمادَى الْآخِرَة. ثمَّ غَزوة أُحُد يَوْم السبت لسبعٍ خلت من شوّال، تَعبّأَ فِيهَا رَسُول الله [ﷺ] لِلْقِتَالِ، وَهُوَ فِي سَبْعمِائة رجلٍ، وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَة آلَاف رجلٍ، فيهم سَبْعمِائة دارعٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فرَس، وَثَلَاثَة آلَاف بَعيرٍ. وَقيل: كَانَ مَعَ الْمُسلمين خَمْسُونَ فَرَساً. واستُشهد فِيهَا من الْمُسلمين / ١٧ و. سَبْعُونَ ﵃ وَقيل: من الكفّار اثْنَان وَعِشْرُونَ رجلا. ثمَّ غَزْوَة حَمْرَاء الأَسَد فِي شوّال أَيْضا. وَفِي هَذِه السّنة وُلِد الحَسن بن عليّ ﵄ وفيهَا
حُرِّمت الخَمرُ. وَقيل: فِي السّنة الرَّابِعَة. وَفِي السّنة الرَّابِعَة غَزْوَة بَني النَّضِير فِي ربيع الأول، ثمَّ غَزْوَة بدرٍ الصُّغْرَى فِي ذِي الْقعدَة، ثمَّ غَزْوَة ذَات الرّقاع فِي المحرَّم. وَفِي هَذِه الْغُزَاة صلّى سَوَّلَ الله [ﷺ] صَلَاة الخَوف. وَفِي هَذِه السَّنة قُصِرَت الصلاةُ، ونَزلت آيةُ الحِجاب. وولِد الحُسين بن عليّ ﵄ وَكَانَ بَينه
هَذِه الْغُزَاة صلّى سَوَّلَ الله [ﷺ] صَلَاة الخَوف. وَفِي هَذِه السَّنة قُصِرَت الصلاةُ، ونَزلت آيةُ الحِجاب. وولِد الحُسين بن عليّ ﵄ وَكَانَ بَينه
وَبَين أَخِيه الحَسَن طُهرٌ واحدٌ وَفِي السّنة الْخَامِسَة غَزْوَة دُوْمَة الجَنْدل فِي ربيعٍ الأول، ثمَّ غَزْوَة المُرَيْسِيع، وَهِي غَزْوَة بني المُصْطَلِق فِي شعْبَان، ثمَّ غَزْوَة الخَنْدق، وَهِي غَزْوَة الْأَحْزَاب. ثمَّ عَقبهَا غَزْوَة بني قُرَيْظة، كلتاهما فِي ذِي الْقعدَة، وَقيل: كلتاهما فِي شوّال.
قَالَ ابْن حزم: وَالثَّابِت أَنَّها - يَعْنِي غَزْوَة الخَنْدَق - فِي الرابعةِ، لحديثِ ابْن عمر: عُرِضْتُ على النبيِّ [ﷺ] يَوْم أُحُد، وَأَنا ابنُ أربعَ عشرةَ، فردّني، ثمَّ عُرضتُ يَوْم الخَنْدَق وَأَنا ابنُ خمسَ عشرةَ فأجازني، فصحَّ أَنه لم يكن بَينهمَا إلاَّ سَنَة وَاحِدَة فَقَط، فَإِنَّهَا قبلَ دُوْمَة الجَنْدل. وَقيل: إِن الحجّ فُرضَ فِي هَذِه السَنة. وَقيل: سنة ستٍ، وَقيل: سنة سبعٍ. وَقيل: سنة ثمانٍ، وَقيل: سنة تسعٍ. ورجّحه بعض الْعلمَاء. وَقيل غير ذَلِك. وَفِي هَذِه السّنة قصَّة الإِفْك فِي غَزْوَة المُريْسِيع، وَقيل إِنَّهَا فِي السّنة السَّادِسَة. وَنزلت آيَة التَيَمُّم فِي هَذِه السّنة بعد قصَّة الإِفك، وَقيل: نزلت آيَة التَيمُّم فِي السّنة الرَّابِعَة. وَفِي هَذِه السّنة صلّى رَسُول الله [ﷺ] صَلَاة الْخَوْف على قولٍ. وَفِي السّنة السَّادِسَة غَزْوَة بني لِحْيانَ فِي ربيع الأول، ثمَّ غَزْوَة الغابة،
وَهِي ذُو قَرَد، فِي ذِي القِعْدة، ثمَّ غَزْوَة الحُدَيْبيَة فِي ذِي القعْدة أَيْضا. وَفِي هَذِه السّنة قحطَ النَّاس، فَاسْتَسْقَى رَسُول الله [ﷺ] / ١٧ ظ. بِالنَّاسِ فِي شهر رَمَضَان فسُقُوا. وَفِي السّنة السابعةِ غَزْوَة خَيْبَر، فِي جُمَادَى الأُولى، وَقيل: فِي المحرِّم. وَفِي هَذِه السّنة أسلم أَبُو هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصين ﵄. وَفِي السّنة الثَّامِنَة غَزْوَة الفَتْح فِي شهر رَمَضَان، ثمَّ غَزْوَة رَسُول الله [ﷺ] حُنَيْناً فِي شوّال، فِي اثْنَي عشر ألفا من الْمُسلمين، عشرَة آلَاف من أهل



