— Bagian 11 · ٣٢٠ الحبشه والكعبة —
Bagian 11
٣٢٠ الحبشه والكعبة ٣٢١ مثل: من دخل ظفار حمر ٣٢٢ زرقاء اليمامة وطسم وجديس ٣٢٣ قصة ملك الحضر «س» ٣٢٣ خبر الساطرون ٣٢٤ اسم الساطرون ونسبه ٣٢٥ الجرامقة
رقم موضوع ٣٢٥ وصف الحضر «ش» ٣٢٦ قصة الضيزن عند السهيلى ٣٢٦ النضيرة بنت الضيزن وسابور ٣٢٨ من الذى استباح الحضر؟ هشام بن عبد الملك وعظة ٣٢٩ ابن الأهتم ٣٣٠ قصيدة لعدى بن زيد فى الاعتبار ٣٣١ عدى بن زيد الذى قتله النعمان ٣٣٤ قصيدة عمرو بن آلة فى الضيزن ٣٣٥ من قصيدة الأعشى عن الحضر ٣٣٦ نعم ينعم ن. ل ٣٣٦ من شرح قصيدة عدى بن زيد ٣٣٦ تصريف ربية ن. ل ٣٣٦ تأنيث ربية «ش» ن. ل ٣٣٧ وهل ووهم ن. ل ٣٣٧ الخابور ٣٣٨ ذكر ولد نزار بن معد «س» ٣٤٠ أنمار بن نزار أبو بجيلة وخثعم ٣٤٢ جرير البجلى ونسبه ٣٤٣ المنافرة ٣٤٣ الفرافصة رفع جواب الشرط والشرط ٣٤٣ مضارع ن. ل ٣٤٤ عيلان ٣٤٤ خندف وأولادها ٣٤٥ أيام الأسبوع فى الجاهلية ن. ل رقم موضوع عَمْرَو بْنَ لُحَيّ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي ٣٤٦ النّارِ «س» ٣٤٦ لم سمى أولاد خندف بهذا؟ ٣٤٧ نسب عمرو بن لحى ٣٤٨ أبو هريرة وأسماؤه ٣٤٩ أول من بحر البحيرة أول ما كانت عبادة الحجارة ٣٥٠ وأول من أتى بها مكة «س» ٣٥١ بقايا من دين إبراهيم فى مكة «س» أصنام قوم نوح والقبائل ٣٥١ العربية «س» اسم همدان ونسبه عند ابن ٣٥٢ إسحاق «س» ٣٥٤ هبل وإساف ونائله «س» ٣٥٥ الأصنام فى البيوت «س» ٣٥٥ العزى واللات ومناة «س» ٣٥٧ أصل عبادة الأوثان ٣٥٧ عمرو بن لحى وعبادة الأصنام ٣٥٨ التلبية فى الجاهلية ٣٥٨ رواية البخارى عن عبادة الأصنام ٣٥٩ رأى الطبرى فى أصنام قوم نوح ٣٦٠ ضبط وبرة ودومة الجندل ن. ل ٣٦٠ اشتقاق طىء ن. ل ٣٦٠ جر. ن. ل ش وغيرها ٣٦٢ لا نولك أن تفعل ن. ل ٣٦٢ تنوفة ووزنها وجمعها
أى الطبرى فى أصنام قوم نوح ٣٦٠ ضبط وبرة ودومة الجندل ن. ل ٣٦٠ اشتقاق طىء ن. ل ٣٦٠ جر. ن. ل ش وغيرها ٣٦٢ لا نولك أن تفعل ن. ل ٣٦٢ تنوفة ووزنها وجمعها
رقم موضوع ٣٦٣ ضبط ملكان وملكان ن. ل منع حبيب من الصرف فى اسم ٣٦٤ محمد بن حبيب ن. ل ٣٦٤ السهيلى يروى قصة أساف ونائلة ٣٦٥ الترخيم فى غير النداء ن. ل ابن إسحاق يعود إلى ذكر ٣٦٦ الأصنام «س» ٣٦٦ الغبغب ٣٦٧ رضاء وهادمها المستوغر «س» ٣٦٨ الأسود بن يعفر «س» ابن إسحاق يتكلم عن البحيرة ٣٦٨ والسائبة وغيرهما «س» الحامى والبحيرة والسائبة ٣٦٩ والوصيلة عند العرب «س» ٣٧٠ آيات قرآنية تندد بهذه البدع س ٣٧١ جمع بحيرة ووصيلة وسائبة وحام ن. ل السهيلى يتحدث عن قصة أجأ ٣٧١ وسلمى ٣٧١ اشتقاق طىء «ش» ن. ل ٣٧٢ الصنم ذو الخلص معنى قيس وهشام ونوفل ٣٧٣ والنسب إلى امرىء القيس ن. ل ٣٧٣ مأخذ كلمة حندج ن. ل ٣٧٣ النسب إلى المركب «ش» ن. ل ٣٧٤ حال من المصدر ن. ل حكم المصدر إذا حذف غير رقم موضوع ٣٧٤ حكمه إذا لفظ ن. ل ٣٧٤ جرير البجلى وهدم ذى الخلصة تأويل: كان يقال له الكعبة اليمانية ن. ل ٣٧٥ والشآمية ٣٧٥ له بمعنى من أجله ن. ل ٣٧٥ ذو الخلصة وآخر الزمان ٣٧٦ المستوغر وزهير بن جناب من المعمرين ٣٧٦ بنو جناب ٣٧٨ الرباب امرأة الحسين ٣٧٨ من معمرى العرب ٣٧٩ شعر المستوغر فى رضاء ٣٨٠ الخورنق وقصة سنمار ٣٨١ قصيدة الأسود بن بعفر عن آل محرق ٣٨١ معنى السدير ن. ل رأى السهيلى فيما قيل عن البحيرة ٣٨١ والسائبة تحريم تخصيص الذكور دون ٣٨٢ الإناث بالهبات ٣٨٣ نسب خزاعة «س» ٣٨٥ قريش «س» ٣٨٦ ولد النضر «س» ٣٨٧ أولاد مالك وابنه فهر «س» ٣٨٧ غالب وزوجاته وأولاده «س» ٣٨٨ نسل لؤى «س» ٣٨٨ بنانة «س»
رقم موضوع ٣٨٩ أمر سامة بن لؤى «س» ٣٩٠ حول وجمع بحيرة وحائل ن. ل ٣٩٠ السهيلى يتكلم عن نسب خزاعة ٣٩١ بطن مر ٣٩٢ دمشق ن. ل ٣٩٢ أصل جيرون «ش» ن. ل ٣٩٣ قصة أبى دهبل وقصيدته النونية ٣٩٣ بنو كنانة ٣٩٤ تفصيل القول فى قريش ٣٩٦ لم لقب قريش بهذا؟ ٣٩٨ تفسير بيت رؤبة عن القروش ٣٩٨ تفسير شعر كثير «أليس أبى بالصلت» ٣٩٩ تفسير قول جربر بن الخطفى ٤٠٠ بنو الأدرم ٤٠٣ ماوية امرأة لؤى واشتقاق اسمها ن. ل بنانة وعائذة وبنو ناجية وذبيان ٤٠٣ وسامة ٤٠٣ قصة سامة مرة أخرى ٤٠٤ تفسير بنانة ٤٠٥ المسودة «ش» ٤٠٥ ضبط ربان «ش» ن. ل ٥٠٦ ضبط ذبيان واشتقاقها ن. ل ٤٠٦ رد الكلمة على ما قبلها فى الإعراب ن. ل ٤٠٧ لم سميت ناجية بهذا رأى ابن حزم فى بنى ناجية «ش» ٤٠٨ الفرق بين كلمتى الرسول والمرسل ن. ل رقم موضوع إعراب بعض كلمات البيت ٤٠٨ الأول من شعر سامة ن. ل ٤٠٩ إعراب «وخروس السرى» ن. ل ٤١٠ أمر عوف بن لؤى «س» ٤١١ مكانة مرة وسادات مرة «س» ٤١١ قصيدة الحارث بن ظالم «س» ٤١١ انتساب مرة إلى غطفان «س» شعر الحصين بن الحمام وعامر ٤١٢ الخصفى ٤١٤ بنو كعب «س» ٤١٤ نسب بارق «س» ٤١٥ ولدا كلاب وأمهما «س» ٤١٥ نسب جعثمة «س» ٤١٥ عود إلى أولاد كلاب ٤١٦ أولاد قصى وعبد مناف «س» ٤١٦ شرح شعر الحارث بن ظالم ٤١٧ المرباع ٤١٧ شرح شعر الحصين بن الحمام ٤١٨ خارجة بن سنان وزهير ٤١٨ شرح شعر عامر الخصفى ٤١٩ مزينة ٤٢٠ الحوأب ٤٢١ حديث السهيلى عن البسل ٤٢١ آمين وبسلا ن. ل ٤٢١ المروراة وعثوثل وصمحمح وغيرهما ٤٢٢ أعلام وأنساب
رقم الموضوع ٤٢٤ الكميت ٤٢٤ محا السيف ما قال ابن دارة ٤٢٥ الجدرة ٤٢٥ الديل والدئل والدّول ن. ل ٤٢٧ النسبة إلى دئل ن. ل ٤٢٨ شعر كعب بن مالك الأنصارى فى غزوة السويق ٤٢٩ أولاد هاشم وأمهانهم «س» ٣٤٠ أولاد عبد المطب بن هاشم «س» ٤٣١ العواتك اللاتى ولدن النبى ﷺ رقم الموضوع ٤٣٢ وهم ابن إسحاق فى نسب أم صفية ٤٣٣ بطون جنب ٤٣٣ عبد شمس وهاشم ٤٣٥ فاطمة بنت الأجحم وأم العباس ٤٣٦ جحل بن عبد المطلب ٤٣٧ الزبير عم الرسول «ص» ٤٣٨ زيادة الميم فى ابن وعبد «ش» ن. ل ٤٣٩ أبو لهب ٤٣٩ أمهات النبى «ص» ٤٤٣ تصويب الخطأ
الجزء الثاني [مقدمة المحقق] بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الذين اهتدوا بهديه إلى يوم الدين. «أما بعد» فباسم الله نقدم الجزء الثانى من «الروض الأنف» للسهيلى والسيرة النبوية لابن هشام، سائلين الله أن يعين على التمام، وأن يجعل عملنا هذا صالحة عنده. إنه سميع مجيب. القاهرة- حلوان- مدينة الزهراء ١٩ من رمضان سنة ١٣٨٧ ٢٠ من ديسمبر سنة ١٩٦٧ عبد الرحمن الوكيل
[ «أمهات رسول الله ﷺ» :]
قال ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رَسُولَ اللهِ- ﷺ سَيّدَ وَلَدِ آدَمَ، مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَأُمّهِ: آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضر. وَأُمّهَا: بَرّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ. وَأُمّ بَرّةَ: أُمّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ. وَأُمّ أُمّ حَبِيبٍ: بَرّةَ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بن عدىّ بن كعب ابن لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النّضْرِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَرَسُولُ اللهِ- ﷺ أَشْرَفُ وَلَدِ آدَمَ حَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، وَأُمّهِ ﷺ.
[ «حديث مولد رسول الله ﷺ» .] إشَارَةٌ إلَى ذِكْرِ احتفار زمزم:
شْرَفُ وَلَدِ آدَمَ حَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، وَأُمّهِ ﷺ.
[ «حديث مولد رسول الله ﷺ» .] إشَارَةٌ إلَى ذِكْرِ احتفار زمزم:
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: وكان من حديث رسول الله- ﷺ مَا حَدّثَنَا بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البكّائى، عن مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ: بَيْنَمَا عَبْدُ الْمُطَلّبِ بن هشام نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ أُتِيَ، فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ، وَهِيَ دَفْنٌ بَيْنَ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ: إسَافٍ ونائلة، عند ــ
مَنْحَرِ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ جُرْهُمُ دَفَنَتْهَا حِينَ ظَعَنُوا من مكة، وهى: بئر إسماعيل ابن إبْرَاهِيمَ- ﵉ الّتِي سَقَاهُ اللهُ حِينَ ظَمِئَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَالْتَمَسَتْ لَهُ أُمّهُ مَاءً فَلَمْ تَجِدْهُ، فَقَامَتْ إلَى الصّفَا تَدْعُو اللهَ، وَتَسْتَغِيثُهُ لِإِسْمَاعِيلَ، ثُمّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَفَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ. وَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ ﵇، فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي الْأَرْضِ، فَظَهَرَ الْمَاءُ، وَسَمِعَتْ أُمّهُ أَصْوَاتَ السّبَاعِ فَخَافَتْهَا عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ تَشْتَدّ نَحْوَهُ، فَوَجَدَتْهُ يَفْحَصُ بِيَدِهِ عَنْ الْمَاءِ من تحت خدّه ويشرب، فجعلته حسيّا [الحسى: الحفيرة الصغيرة] . [أمر جرهم، ودفن زمزم] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ جُرْهُمٍ، وَدَفْنُهَا زَمْزَمَ، وَخُرُوجُهَا مِنْ مَكّةَ، وَمَنْ وَلِيَ أَمْرَ مَكّةَ بَعْدَهَا إلَى أَنْ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ زَمْزَمَ، مَا حَدّثَنَا بِهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: لَمّا توفى إسماعيل ابن إبْرَاهِيمَ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ- مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلِيَهُ- ثُمّ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيّ: ــ
يْتَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ- مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَلِيَهُ- ثُمّ وَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَهُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيّ: ــ (بَابُ مَوْلِدِ النّبِيّ ﷺ ذَكَرَ نَسَبَ أُمّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَأَنّ زُهْرَةَ هُوَ: ابْنُ كِلَابٍ، وَفِي الْمَعَارِفِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ: أَنّ زُهْرَةَ اسْمُ امْرَأَةٍ عُرِفَ بِهَا بَنُو زُهْرَةَ، وَهَذَا مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَإِنّمَا هُوَ اسْمُ جَدّهِمْ- كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَالزّهْرَةُ فِي اللّغَةِ: إشْرَاقٌ فِي اللّوْنِ، أَيّ لَوْنٍ كَانَ مِنْ بَيَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنّ الْأَزْهَرَ هُوَ الْأَبْيَضُ خَاصّةً، وَأَنّ الزّهْرَ اسْمٌ للأبيض من النّوّار،
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيّ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو إسْمَاعِيلَ، وَبَنُو نابت مع جدّهم: مضاض بن عمرو وأخوالهم من جُرْهُمٍ، وَجُرْهُمٌ وَقَطُورَاءُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ مَكّةَ، وَهُمَا ابْنَا عَمّ، وَكَانَا ظَعَنَا مِنْ الْيَمَنِ، فَأَقْبَلَا سَيّارَةً، وَعَلَى جُرْهُمٍ: مُضَاضُ بْنُ عَمْرِو، وَعَلَى قَطُورَاءَ: السّمَيْدَعُ رَجُلٌ مِنْهُمْ. وَكَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ الْيَمَنِ لَمْ يَخْرُجُوا إلّا وَلَهُمْ مَلِكٌ يُقِيمُ أَمْرَهُمْ. فَلَمّا نَزَلَا مَكّةَ رَأَيَا بَلَدًا ذَا مَاءٍ وَشَجَرٍ، فَأَعْجَبَهُمَا فَنَزَلَا بِهِ. فَنَزَلَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ بِأَعْلَى مَكّةَ بِقُعَيْقِعَانَ، فَمَا حَازَ. وَنَزَلَ السّمَيْدَعُ بِقَطُورَاءَ، أَسْفَلَ مَكّةَ بِأَجْيَادِ، فَمَا حَازَ. فَكَانَ مُضَاضٌ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَكَانَ السّمَيْدَعُ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَكُلّ فِي قَوْمِهِ لَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ثُمّ إنّ جُرْهُمَ وَقَطُورَاءَ بغى بعضهم ــ
مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَكُلّ فِي قَوْمِهِ لَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. ثُمّ إنّ جُرْهُمَ وَقَطُورَاءَ بغى بعضهم ــ وَخَطّأَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ: إنّمَا الزّهْرَةُ إشْرَاقٌ فِي الْأَلْوَانِ كُلّهَا، وَأَنْشَدَ فِي نُورِ الْحَوْذَانِ، وَهُوَ أَصْفَرُ: تَرَى زَهْرَ الْحَوْذَانِ حَوْلَ رِيَاضِهِ ... يُضِيءُ كَلَوْنِ الْأَتْحَمِيّ الْمُوَرّسِ «١» وَفِي حَدِيثِ يَوْمِ أُحُدٍ: نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ وَعَيْنَاهُ تزهران تحت المغفر.
عَلَى بَعْضٍ، وَتَنَافَسُوا الْمُلْكَ بِهَا، وَمَعَ مُضَاضٍ يَوْمَئِذٍ: بَنُو إسْمَاعِيلَ وَبَنُو نَابِتٍ، وَإِلَيْهِ وِلَايَةُ الْبَيْتِ دُونَ السّمَيْدَعِ. فَسَارَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، فخرج مضاض ابن عَمْرٍو مِنْ قُعَيْقِعَانَ فِي كَتِيبَتِهِ سَائِرًا إلَى السّمَيْدَعِ، وَمَعَ كَتِيبَتِهِ عُدّتُهَا مِنْ الرّمَاحِ وَالدّرَقِ وَالسّيُوفِ وَالْجِعَابِ، يُقَعْقِعُ بِذَلِك مَعَهُ، فَيُقَالُ: مَا سُمّيَ قُعَيْقِعَانُ بِقُعَيْقِعَانَ إلّا لِذَلِك. وَخَرَجَ السّمَيْدَعُ مِنْ أَجْيَادٍ، وَمَعَهُ الْخَيْلُ وَالرّجَالُ، فَيُقَال: مَا سُمّيَ أَجْيَادٌ: أَجِيَادًا إلّا لِخُرُوجِ الْجِيَادِ مِنْ الْخَيْلِ مَعَ السّمَيْدَعِ مِنْهُ. فَالْتَقَوْا بِفَاضِحٍ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ السّمَيْدَعُ، وَفُضِحَتْ قَطُورَاءُ. فَيُقَالُ: ما سمّى فاضح فاضحا إلا لذاك. ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فَسَارُوا حَتّى نَزَلُوا الْمَطَابِخَ: شِعْبًا بِأَعْلَى مَكّةَ، وَاصْطَلَحُوا بِهِ، وَأَسْلَمُوا الْأَمْرَ إلَى مُضَاضٍ. فَلَمّا جمع إليه أمر مَكّةَ، فَصَارَ مُلْكُهَا لَهُ نَحَرَ لِلنّاسِ فَأَطْعَمَهُمْ، فَاطّبَخَ النّاسُ وَأَكَلُوا، فَيُقَالُ: مَا سُمّيَتْ الْمَطَابِخُ: الْمَطَابِخَ إلّا لِذَلِك. وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنّهَا إنّمَا سُمّيَتْ الْمَطَابِخَ، لَمّا كَانَ تُبّعٌ نَحَرَ بِهَا، وَأَطْعَمَ، وَكَانَتْ مَنْزِلَهُ، فَكَانَ الّذِي كَانَ بَيْنَ مُضَاضٍ وَالسّمَيْدَعِ أَوّلَ بَغْيٍ كَانَ بمكة فيما يزعمون. ثُمّ نَشَرَ اللهُ وَلَدَ إسْمَاعِيلَ بِمَكّةَ، وَأَخْوَالُهُمْ من جُرْهُمٍ وُلَاةُ الْبَيْتِ وَالْحُكّامُ بِمَكّةَ، لَا يُنَازِعُهُمْ وَلَدُ إسْمَاعِيلَ فِي ذَلِكَ لِخُئُولَتِهِمْ وَقَرَابَتِهِمْ، وَإِعْظَامًا لِلْحُرْمَةِ أَنْ يَكُونَ بِهَا بَغْيٌ أَوْ قِتَالٌ. فَلَمّا ضَاقَتْ مَكّةُ عَلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَا يُنَاوِئُونَ قَوْمًا إلّا أَظْهَرَهُمْ الله عليهم بدينهم فوطئوهم. ــ
َلَمّا ضَاقَتْ مَكّةُ عَلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَا يُنَاوِئُونَ قَوْمًا إلّا أَظْهَرَهُمْ الله عليهم بدينهم فوطئوهم. ــ زَمْزَمُ: وَذَكَرَ فِيهِ خَبَرَ إسْمَاعِيلَ، وَأُمّهِ، وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْهُ. وَذَكَرَ أَنّ جِبْرِيلَ- ﵇ هَمَزَ بِعَقِبِهِ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَنَبَعَ الماء، وكذلك زمزم
[استيلاء كنانة وخزاعة على البيت ونفى جرهم]
[ «بنو بكر يطردون جرهما» ]
ثُمّ إنّ جُرْهُمًا بَغَوْا بِمَكّةَ، وَاسْتَحَلّوا خِلَالًا مِنْ الْحُرْمَةِ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ الّذِي يُهْدَى لَهَا، فَرَقّ أَمْرَهُمْ. فَلَمّا رَأَتْ بَنُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَغُبْشَانُ مِنْ خُزَاعَةَ ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مَكّةَ. فَآذَنُوهُمْ بِالْحَرْبِ فَاقْتَتَلُوا، فَغَلَبَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ وَغُبْشَانُ، فَنَفَوْهُمْ مِنْ مَكّةَ. وَكَانَتْ مَكّةُ فِي الْجَاهِلِيّةِ لَا تُقِرّ فِيهَا ظُلْمًا وَلَا بَغْيًا، وَلَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدٌ إلّا أَخَرَجَتْهُ، فَكَانَتْ تُسَمّى: النّاسّةَ، وَلَا يُرِيدُهَا مَلِكٌ يَسْتَحِلّ حُرْمَتَهَا إلّا هَلَكَ مَكَانَهُ، فَيُقَالُ: إنّهَا مَا سُمّيَتْ بِبَكّةِ إلّا أَنّهَا كَانَتْ تَبُكّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إذا أحدثوا فيها شيئا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنّ بَكّةَ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكّةَ؛ لِأَنّهُمْ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ: يَزْدَحِمُونَ، وَأَنْشَدَنِي: إذَا الشّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكّهْ ... فَخَلّهِ حَتّى يَبُكّ بَكّهُ أَيْ: فَدَعْهُ حَتّى يَبُكّ إبِلَهُ، أَيْ يُخَلّيهَا إلَى الْمَاءِ، فَتَزْدَحِمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِعَامَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. ــ
وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِعَامَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. ــ تَسَمّى: هَمْزَةَ جِبْرِيلَ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الزّايِ، وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا: هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، لِأَنّهَا هَزْمَةٌ «١» فِي الْأَرْضِ، وَحُكِيَ فِي اسْمِهَا: زُمَازِمُ وَزَمْزَمُ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْمُطْرِزِ، وَتُسَمّى أَيْضًا: طَعَامُ طعم، وشفاء سقم. وقال الجربىّ: سميت:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيّ بِغَزَالِيّ الْكَعْبَةِ وَبِحَجَرِ الرّكْنِ، فدفنهما فِي زَمْزَمَ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ إلَى الْيَمَنِ، فَحَزِنُوا عَلَى مَا فَارَقُوا مِنْ أَمْرِ مَكّةَ وَمُلْكِهَا حُزْنًا شَدِيدًا، فَقَالَ عمرو ابن الحارث بْنِ مُضَاضٍ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِمُضَاضٍ الْأَكْبَرِ: وَقَائِلَةٍ وَالدّمْعُ سَكْبٌ مُبَادِرُ ... وَقَدْ شَرِقَتْ بِالدّمْعِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكّةَ سَامِرُ فَقُلْتُ لَهَا وَالْقَلْبُ مِنّي كَأَنّمَا ... يُلَجْلِجُهُ بَيْنَ الْجَنَاحَيْنِ طَائِرُ بَلَى نَحْنُ كُنّا أَهْلَهَا، فَأَزَالَنَا ... صُرُوفُ اللّيَالِي، وَالْجُدُودِ الْعَوَاثِرِ وَكُنّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ، وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ ... بِعَزّ، فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ مَلَكْنَا فَعَزّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا ... فَلَيْسَ لِحَيّ غَيْرِنَا ثَمّ فَاخِرُ أَلَمْ تُنْكِحُوا مِنْ خَيْرِ شَخْصٍ عَلِمْته ... فَأَبْنَاؤُهُ مِنّا، وَنَحْنُ الْأَصَاهِرُ فَإِنْ تَنْثَنِ الدّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا ... فَإِنّ لَهَا حَالًا، وَفِيهَا التّشَاجُرُ فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ ... كَذَلِكَ- يَا لِلنّاسِ- تَجْرِي الْمَقَادِرُ
بِحَالِهَا ... فَإِنّ لَهَا حَالًا، وَفِيهَا التّشَاجُرُ فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ ... كَذَلِكَ- يَا لِلنّاسِ- تَجْرِي الْمَقَادِرُ أَقُولُ إذَا نَامَ الْخَلِيّ، وَلَمْ أَنَمْ ... : أَذَا الْعَرْشِ: لَا يَبْعُدُ سُهَيْلٌ وَعَامِرٌ وَبُدّلْت مِنْهَا أَوْجُهًا لَا أُحِبّهَا ... قَبَائِلُ مِنْهَا حِمْيَرُ ويحابر ــ زَمْزَمَ، بِزَمْزَمَةِ الْمَاءِ، وَهِيَ صَوْتُهُ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ: سُمّيَتْ زَمْزَمَ؛ لِأَنّ الْفَرَسَ كَانَتْ تَحُجّ إلَيْهَا فِي الزّمَنِ الْأَوّلِ، فَزَمْزَمَتْ عَلَيْهَا. وَالزّمْزَمَةُ: صَوْتٌ يُخْرِجُهُ الْفَرَسُ مِنْ خَيَاشِيمِهَا عِنْدَ شُرْبِ الْمَاءِ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ- ﵁ إلَى عماله: أن انهو الفرس عن الزّمزمة، وأنشد المسعودى:
وَصِرْنَا أَحَادِيثَا وَكُنّا بِغِبْطَةٍ ... بِذَلِكَ عَضّتْنَا السّنُونَ الْغَوَابِرُ فَسَحّتَ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ ... بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ، وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ وَتَبْكِي لِبَيْتٍ لَيْسَ يؤذى حَمَامُهُ ... يَظَلّ بِهِ أَمْنًا، وَفِيهِ الْعَصَافِرُ وَفِيهِ وُحُوشٌ- لَا تُرَامُ- أَنِيسَةٌ ... إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ، فليست تغادر قال ابن هشام: «فَأَبْنَاؤُهُ منا» ، عن غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا يَذْكُرُ بَكْرًا وَغُبْشَانُ، وَسَاكِنِي مَكّةَ الّذِينَ خَلَفُوا فِيهَا بَعْدَهُمْ: يَا أَيّهَا النّاسُ سِيرُوا إنّ قَصْرَكُمْ ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا حُثّوا الْمَطِيّ، وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمّتِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ، وَقَضّوا مَا تُقَضّونَا كُنّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ، فَغَيّرَنَا ... دَهْرٌ، فَأَنْتُمْ كَمَا كُنّا تَكُونُونَا قَالَ ابن هشام: هذا ما صح له منها. وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم بِالشّعْرِ: أَنّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَوّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْعَرَبِ، وَأَنّهَا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ، وَلَمْ يُسَمّ لى قائلها. ــ زَمْزَمَتْ الْفَرَسُ عَلَى زَمْزَمَ ... وَذَاكَ فِي سَالِفِهَا الأقدم «١»
ا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ، وَلَمْ يُسَمّ لى قائلها. ــ زَمْزَمَتْ الْفَرَسُ عَلَى زَمْزَمَ ... وَذَاكَ فِي سَالِفِهَا الأقدم «١»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ- ﵁ أَنّهَا سُمّيَتْ: زَمْزَمَ لِأَنّهَا زُمّتْ بِالتّرَابِ؛ لِئَلّا يَأْخُذَ الْمَاءُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَوْ تُرِكَتْ لَسَاحَتْ عَلَى الْأَرْضِ حَتّى تَمْلَأَ كُلّ شَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالزّمْزَمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْكَثْرَةُ وَالِاجْتِمَاعُ قَالَ الشّاعِرُ: وَبَاشَرَتْ مَعْطَنَهَا الْمُدَهْثَمَا ... وَيَمّمَتْ زُمْزُومَهَا الْمُزَمْزِمَا «١» سَبَبُ نُزُولِ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ مَكّةَ: الْمُدَهْثَمُ: اللّيّنُ، وَكَانَ سَبَبُ إنْزَالِ هَاجَرَ وَابْنِهَا إسْمَاعِيلَ بِمَكّةَ وَنَقْلِهَا إلَيْهَا مِنْ الشّامِ أَنّ سَارّةَ بِنْتَ عَمّ إبْرَاهِيمَ- ﵇ شَجَرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَاجَرَ أَمْرٌ، وَسَاءَ مَا بَيْنَهُمَا، فَأُمِرَ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَسِيرَ بِهَا إلَى مَكّةَ، فَاحْتَمَلَهَا عَلَى الْبُرَاقِ «٢» وَاحْتَمَلَ مَعَهُ قِرْبَةً بِمَاءِ ومزود تمر، وسار بها
َا، فَأُمِرَ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَسِيرَ بِهَا إلَى مَكّةَ، فَاحْتَمَلَهَا عَلَى الْبُرَاقِ «٢» وَاحْتَمَلَ مَعَهُ قِرْبَةً بِمَاءِ ومزود تمر، وسار بها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَتّى أَنْزَلَهَا بِمَكّةَ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ «١» ، ثُمّ وَلّى رَاجِعًا عَوْدَهُ عَلَى بَدْئِهِ «٢» ، وَتَبِعَتْهُ هَاجَرُ «٣» وَهِيَ تَقُولُ: آللهُ أَمَرَك أَنْ تَدَعَنِي، وَهَذَا الصّبِيّ فِي هَذَا الْبَلَدِ الْمُوحِشِ، وَلَيْسَ مَعَنَا أَنِيسٌ؟! فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: إذًا لَا يُضَيّعُنَا «٤» ، فجعلعت تَأْكُلُ مِنْ التّمْرِ، وَتَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْقِرْبَةِ، حَتّى نَفِدَ الْمَاءُ، وَعَطِشَ الصّبِيّ، وَجَعَلَ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ «٥» ، وَجَعَلَتْ هِيَ تَسْعَى مِنْ الصّفَا إلَى الْمَرْوَةِ، وَمِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصّفَا؛ لِتَرَى أَحَدًا، حَتّى سَمِعَتْ صَوْتًا عِنْدَ الصّبِيّ، فَقَالَتْ: قَدْ أسمعت، إنْ كَانَ عِنْدَك غَوْثٌ، ثُمّ جَاءَتْ الصّبِيّ، فَإِذَا الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ خَدّهِ، فَجَعَلَتْ تَغْرِفُ بِيَدَيْهَا، وَتَجْعَلُ فِي الْقِرْبَةِ. قَالَ النّبِيّ- ﷺ: لَوْ تَرَكَتْهُ لَكَانَتْ عَيْنًا، أَوْ قَالَ: نَهَرًا مَعِينًا، وَكَلّمَهَا الْمَلَكُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ- ﵇ وَأَخْبَرَهَا أَنّهَا مَقَرّ ابْنِهَا وَوَلَدِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ «٦» ، وَأَنّهَا مَوْضِعُ بيت الله الحرام، ثم ماتت.
كُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ- ﵇ وَأَخْبَرَهَا أَنّهَا مَقَرّ ابْنِهَا وَوَلَدِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ «٦» ، وَأَنّهَا مَوْضِعُ بيت الله الحرام، ثم ماتت.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَاجَرُ، وَإِسْمَاعِيلُ- ﵇ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وقبرها فى الحجر، وثمّ قبر إسماعيل- ﵇ وَكَانَ الْحِجْرُ قَبْلَ بِنَاءِ الْبَيْتِ زَرْبًا لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ ﷺ «١» وَيُقَالُ: إنّ أَوّلَ بَلَدٍ مِيرَتْ مِنْهُ أُمّ إسْمَاعِيلَ ﵇، وَابْنُهَا التّمْرَ: الْقَرْيَةُ الّتِي كَانَتْ تُعْرَفُ بِالْفُرْعِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ قَطُورَا وَجُرْهُمٌ وَالسّمَيْدَعُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ نُزُولَ جُرْهُمً، وَقَطُورَا عَلَى أُمّ إسْمَاعِيلَ هَاجَرَ، وَجُرْهُمٌ: هُوَ قَحْطَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ شَالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ، وَيُقَالُ: جُرْهُمُ بْنُ عَابِرٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنّهُ كَانَ مَعَ نُوحٍ ﵇ فِي السّفِينَةِ، وَذَلِكَ أَنّهُ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ، وَمِنْهُمْ تَعَلّمَ إسْمَاعِيلُ الْعَرَبِيّةَ. وَقِيلَ: إنّ اللهَ تَعَالَى أَنْطَقَهُ بِهَا إنْطَاقًا، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً «٢» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَمّا قَطُورَا، فَهُوَ قَطُورَا بْنُ كَرْكَرَ. وَأَمّا السّمَيْدَعُ الّذِي ذَكَرَهُ، فَهُوَ السّمَيْدَعُ بْنُ هَوْثَرَ- بِثَاءِ مُثَلّثَةٍ- قَيّدَهَا الْبَكْرِيّ- بْنُ لَاي بْنِ قَطُورَا بْنِ كَرْكَرَ بْنِ عِمْلَاقٍ، وَيُقَالُ: إنّ الزّبّاءَ الْمَلِكَةَ كَانَتْ مِنْ ذُرّيّتِهِ، وَهِيَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ أُذَيْنَةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ حَسّانَ، وَبَيْنَ حَسّانَ، وَبَيْنَ السّمَيْدَعِ آبَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَصِحّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنّ حَسّانَ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، لِبُعْدِ زَمَنِ الزّبّاءِ مِنْ السّمَيْدَعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضٍ الْأَكْبَرِ بْنِ عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بن بنت «١» جرهم. جياد وقعيقعار: فَصْلٌ: وَذَكَرَ وِلَايَةَ جُرْهُمٍ الْبَيْتَ الْحَرَامَ دُونَ بَنِي إسْمَاعِيلَ إلَى أَنْ بَغَوْا فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ أَوّلَ بَغْيٍ فِي الْحَرَمِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَرْبِ جُرْهُمٍ لِقَطُورَا. وَأَمّا أَجْيَادٌ فَلَمْ يُسَمّ بِأَجْيَادِ مِنْ أَجْلِ جِيَادِ الْخَيْلِ، كَمَا ذَكَرَ لِأَنّ جِيَادَ الْخَيْلِ لَا يُقَالُ فِيهَا: أجياد، وإنما أجياد: جمع جيد «٢» .
فَلَمْ يُسَمّ بِأَجْيَادِ مِنْ أَجْلِ جِيَادِ الْخَيْلِ، كَمَا ذَكَرَ لِأَنّ جِيَادَ الْخَيْلِ لَا يُقَالُ فِيهَا: أجياد، وإنما أجياد: جمع جيد «٢» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَذَكَرَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ أَنّ مُضَاضًا ضَرَبَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَجْيَادَ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ، فَسُمّيَ الْمَوْضِعُ: بِأَجْيَادِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَمِنْ شِعْبِ أَجْيَادٍ تَخْرُجُ دَابّةُ الْأَرْضِ الّتِي تُكَلّمُ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التّوْأَمَةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «١» ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِي أَخْبَارِ مَكّةَ أَنّ قُعَيْقِعَانَ سُمّيَ بِهَذَا الِاسْمِ حِينَ نَزَلَ تُبّعٌ مَكّةَ، وَنَحَرَ عِنْدَهَا وَأَطْعَمَ، وَوَضَعَ سِلَاحَهُ وَأَسْلِحَةَ جُنْدِهِ بِهَذَا الْمَكَانِ، فَسُمّيَ: قُعَيْقِعَانَ بِقَعْقَعَةِ السّلَاحِ فِيهِ- وَاَللهُ أَعْلَمُ. جُرْهُمٌ تَسْرِقُ مَالَ الْكَعْبَةِ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ اسْتِحْلَالَ جُرْهُمٍ لِحُرْمَةِ الْكَعْبَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنّ إبْرَاهِيمَ ﵇، كَانَ احْتَفَرَ بِئْرًا قَرِيبَةَ الْقَعْرِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، كَانَ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى إلَيْهَا، فَلَمّا فَسَدَ أَمْرُ جُرْهُمٍ سَرَقُوا مَالَ الْكَعْبَةِ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً، فَيَذْكُرُ أَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ دَخَلَ الْبِئْرَ لِيَسْرِقَ مَالَ الْكَعْبَةِ، فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ مِنْ شَفِيرِ الْبِئْرِ فَحَبَسَهُ فِيهَا، ثُمّ أُرْسِلَتْ عَلَى الْبِئْرِ حَيّةٌ لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْجَدْيِ، سَوْدَاءُ الْمَتْنِ، بَيْضَاءُ الْبَطْنِ، فَكَانَتْ تُهَيّبُ مَنْ دَنَا مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَتْ فِي الْبِئْرِ- فِيمَا ذَكَرُوا- نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَسَنَذْكُرُ قِصّةَ رَفْعِهَا عِنْدَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ إنْ شَاءَ اللهُ.
َامَتْ فِي الْبِئْرِ- فِيمَا ذَكَرُوا- نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَسَنَذْكُرُ قِصّةَ رَفْعِهَا عِنْدَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ إنْ شَاءَ اللهُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَيْنَ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ: فَصْلٌ: فَلَمّا كَانَ مِنْ بَغْيِ جُرْهُمٍ مَا كَانَ، وَافَقَ تَفَرّقَ سَبَأٍ مِنْ أَجْلِ سَيْلِ الْعَرِمِ، وَنُزُولَ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ أَرْضَ مَكّةَ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ طَرِيفَةَ الْكَاهِنَةِ، وَهِيَ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ مُزَيْقِيَاءَ «١» وَهِيَ مِنْ حِمْيَرَ، وَبِأَمْرِ عِمْرَانَ ابن عَامِرٍ أَخِي عَمْرٍو، وَكَانَ كَاهِنًا أَيْضًا، فَنَزَلَهَا هُوَ وَقَوْمُهُ، فَاسْتَأْذَنُوا جُرْهُمًا أَنْ يُقِيمُوا بِهَا أَيّامًا، حَتّى يُرْسِلُوا الرّوّادَ، وَيَرْتَادُوا مَنْزِلًا حَيْثُ رَأَوْا مِنْ الْبِلَادِ، فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ جُرْهُمٌ، وَأَغْضَبُوهُمْ، حَتّى أَقْسَمَ حَارِثَةُ أَلّا يَبْرَحَ مَكّةَ إلّا عَنْ قِتَالٍ وَغَلَبَةٍ، فَحَارَبَتْهُمْ جُرْهُمٌ، فَكَانَتْ الدّوْلَةُ لِبَنِي حَارِثَةَ عَلَيْهِمْ، وَاعْتَزَلَتْ بَنُو إسْمَاعِيلَ، فَلَمْ تَكُنْ مَعَ أَحَدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَلَكَتْ خُزَاعَةُ- وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ- مَكّةَ، وَصَارَتْ وِلَايَةُ الْبَيْتِ لَهُمْ، وَكَانَ رَئِيسُهُمْ عَمْرَو بْنَ لُحَيّ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ قَبْلُ، فَشَرّدَ بَقِيّةَ جُرْهُمٍ، فَسَارَ فَلّهُمْ فِي الْبِلَادِ، وَسُلّطَ عَلَيْهِمْ الذّرّ وَالرّعَافُ «٢» ، وَأَهْلَكَ بَقِيّتَهُمْ السّيْلُ بِإِضَمَ، حَتّى كَانَ آخِرَهُمْ مَوْتًا امْرَأَةٌ رِيئَتْ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِزَمَانِ، فَعَجِبُوا مِنْ طُولِهَا وَعِظَمِ خِلْقَتِهَا، حَتّى قَالَ لَهَا قَائِلٌ: أَجِنّيّةٌ أَنْتِ أَمْ إنْسِيّةٌ؟!، فَقَالَتْ: بَلْ إنْسِيّةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، وَأَنْشَدَتْ رَجَزًا فِي مَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَاسْتَكْرَتْ بَعِيرًا مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَاحْتَمَلَاهَا عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْبَعِيرِ إلَى أَرْضِ خَيْبَر، فَلَمّا أَنْزَلَاهَا بِالْمَنْزِلِ الّذِي رَسَمَتْ لَهُمَا، سَأَلَاهَا عَنْ الْمَاءِ، فَأَشَارَتْ لَهُمَا إلَى مَوْضِعِ الْمَاءِ، فَوَلّيَا عَنْهَا، وَإِذَا الذّرّ قَدْ تَعَلّقَ بِهَا، حَتّى بَلَغَ خَيَاشِيمَهَا وَعَيْنَيْهَا، وَهِيَ تُنَادِي بِالْوَيْلِ وَالثّبُورِ حَتّى دَخَلَ حَلْقَهَا، وَسَقَطَتْ لِوَجْهِهَا، وَذَهَبَ الْجُهَنِيّانِ إلَى الْمَاءِ، فَاسْتَوْطَنَاهُ، فَمِنْ هُنَالِكَ صَارَ مَوْضِعَ جُهَيْنَةَ بِالْحِجَازِ وَقُرْبَ الْمَدِينَةِ، وَإِنّمَا هُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَقُضَاعَةُ: من ريف العراق. غربة الحارث بن مضاصه: فَصْلٌ: رَجْعُ الْحَدِيثِ. وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضِ ابن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هي بْنِ نَبْتِ بْنِ جُرْهُمٍ الْجُرْهُمِيّ قَدْ نَزَلَ بِقَنَوْنَا «١» مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، فَضَلّتْ لَهُ إبِلٌ، فَبَغَاهَا حَتّى أَتَى الْحَرَمَ، فَأَرَادَ دُخُولَهُ، لِيَأْخُذَ إبِلَهُ، فَنَادَى عَمْرُو بْنُ لُحَيّ: مَنْ وَجَدَ جُرْهُمِيّا، فَلَمْ يَقْتُلْهُ، قُطِعَتْ يَدُهُ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْحَارِثُ، وَأَشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ مَكّةَ، فَرَأَى إبِلَهُ تُنْحَرُ، وَيُتَوَزّعُ لَحْمُهَا، فَانْصَرَفَ بَائِسًا خَائِفًا ذَلِيلًا، وَأَبْعَدَ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ غُرْبَةُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الّتِي تُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ، حَتّى قَالَ الطّائِيّ: غُرْبَةٌ «٢» تَقْتَدِي بِغُرْبَةِ قَيْسِ بْ ... نِ زُهَيْرٍ وَالْحَارِثِ بْنِ مُضَاضِ وَحِينَئِذٍ قال الحارث الشعر الذى رسمه ابن إسحق وهو قوله:
ِيّ: غُرْبَةٌ «٢» تَقْتَدِي بِغُرْبَةِ قَيْسِ بْ ... نِ زُهَيْرٍ وَالْحَارِثِ بْنِ مُضَاضِ وَحِينَئِذٍ قال الحارث الشعر الذى رسمه ابن إسحق وهو قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصّفَا. الشّعْرَ، وَفِيهِ: وَنَبْكِي لِبَيْتِ لَيْسَ يُؤْذَى حِمَامُهُ ... تَظَلّ بِهِ أَمْنًا، وَفِيهِ الْعَصَافِرُ «١» أَرَادَ: الْعَصَافِيرُ، وَحَذَفَ الْيَاءَ ضَرُورَةً، وَرَفَعَ الْعَصَافِيرَ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: وَتَأْمَنُ فِيهِ الْعَصَافِيرُ، وَتَظَلّ بِهِ أَمْنًا، أَيْ: ذَاتَ أَمْنٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُون أَمْنًا جَمْعَ آمِنٍ مِثْلُ: رَكْبٍ جَمْعُ: رَاكِبٍ، وَفِيهِ: وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكّةَ سَامِرُ: السّامِرُ: اسْمُ الْجَمَاعَةِ يَتَحَدّثُونَ بِاللّيْلِ، وَفِي التّنْزِيلِ: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) الْمُؤْمِنُونَ: ٦٧ وَالْحَجُونُ «٢» بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى فَرْسَخٍ وَثُلُثٍ مِنْ مَكّةَ، قَالَ الْحُمَيْدِيّ: كَانَ سُفْيَانُ رُبّمَا أَنْشَدَ هَذَا الشّعْرَ، فَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَلَيْسَتْ تُغَادِرُ: وَلَمْ يَتَرَبّعْ وَاسِطًا وَجُنُوبَهُ ... إلَى السّرّ مِنْ وَادِي الْأَرَاكَةِ حَاضِرُ وَأَبْدَلَنِي رَبّي بِهَا دَارَ غُرْبَةٍ ... بِهَا الْجُوعُ بَادٍ، وَالْعَدُوّ الْمُحَاصِرُ «٣»
َهُ ... إلَى السّرّ مِنْ وَادِي الْأَرَاكَةِ حَاضِرُ وَأَبْدَلَنِي رَبّي بِهَا دَارَ غُرْبَةٍ ... بِهَا الْجُوعُ بَادٍ، وَالْعَدُوّ الْمُحَاصِرُ «٣»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاسِطٌ وَعَامِرٌ وَجُرْهُمٌ: قَالَ الْحُمَيْدِيّ: وَاسِطٌ: الْجَبَلُ الّذِي يَجْلِسُ عِنْدَهُ الْمَسَاكِينُ، إذَا ذَهَبَتْ إلَى مِنَى. وَقَوْلُهُ فِيهِ: لَا يَبْعَدْ سُهَيْلٌ وَعَامِرُ عَامِرٌ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكّةَ، يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ بِلَالٍ ﵁: وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي عَامِرٌ وَطَفِيلُ «١» . عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ هَكَذَا، وَجُرْهُمٌ هَذَا هُوَ الّذِي تَتَحَدّثُ بِهَا الْعَرَبُ فِي أَكَاذِيبِهَا، وَكَانَ مِنْ خُرَافَاتِهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ أَنّ جُرْهُمًا ابْنٌ لِمَلَكِ أُهْبِطَ مِنْ السّمَاءِ لِذَنْبِ أَصَابَهُ، فَغُضِبَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا أُهْبِطَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ، ثُمّ أُلْقِيَتْ فِيهِ الشّهْوَةُ، فَتَزَوّجَ امْرَأَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ جُرْهُمًا، قال قائلهم: لاهمّ إنّ جُرْهُمًا عِبَادُكَا ... النّاسُ طُرْفٌ، وَهُمْ تِلَادُكَا [بِهِمْ قَدِيمًا عَمِرَتْ بِلَادُكَا] «٢» مِنْ كِتَابِ الْأَمْثَالِ للأصبهانى:
لاهمّ إنّ جُرْهُمًا عِبَادُكَا ... النّاسُ طُرْفٌ، وَهُمْ تِلَادُكَا [بِهِمْ قَدِيمًا عَمِرَتْ بِلَادُكَا] «٢» مِنْ كِتَابِ الْأَمْثَالِ للأصبهانى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَكّةُ وَأَسْمَاؤُهَا: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَكّةَ وَبَكّةَ، وَقَدْ قِيلَ فِي بَكّةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنّهَا تَبُكّ الْجَبَابِرَةَ، أَيْ تَكْسِرُهُمْ وَتَقْدَعُهُمْ، وَقِيلَ: مِنْ التّبَاكّ، وَهُوَ: الِازْدِحَامُ، وَمَكّةُ مَنْ تَمَكّكْت الْعَظْمَ، إذَا اجْتَذَبْت مَا فِيهِ مِنْ الْمُخّ، وَتَمَكّكَ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ النّاقَةِ، فَكَأَنّهَا تَجْتَذِبُ إلَى نَفْسِهَا مَا فِي الْبِلَادِ مِنْ النّاسِ وَالْأَقْوَاتِ الّتِي تَأْتِيهَا فِي الْمَوَاسِمِ، وَقِيلَ: لَمّا كَانَتْ فِي بَطْنِ وَادٍ، فَهِيَ تُمَكّكُ الْمَاءَ مِنْ جِبَالِهَا وَأَخَاشِبِهَا عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَتَنْجَذِبُ إلَيْهَا السّيُولُ، وَأَمّا قَوْلُ الرّاجِزِ الّذِي أَنْشَدَهُ ابْنُ هِشَامٍ: إذَا الشّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكّهْ ... فَخَلّهِ حَتّى يَبُكّ بَكّهْ «١» فَالْأَكّةُ: الشّدّةُ، وَإِكَاكُ الدّهْرِ: شدائده.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ يُقَالُ لَهَا: النّاسّةُ، وَهُوَ مِنْ نُسْت «١» الشّيْءَ إذَا أَذَهَبْته، وَالرّوَايَةُ فِي الْكِتَابِ بِالنّونِ، وَذَكَرَ الْخَطّابِيّ [فِي غَرِيبِهِ] أَنّهُ يُقَالُ لَهَا: الْبَاسّةُ أَيْضًا بِالْبَاءِ، وَهُوَ مِنْ بسّت الجبال بسّا، أَيْ: فُتّتْ وَثُرّيَتْ، كَمَا يُثَرّى السّوِيقُ، قَالَ الراجز: لا تخبزا خبزا وبسّابسّا «٢» يَقُولُ: لَا تَشْتَغِلَا بِالْخَبْزِ، وَثَرّيَا الدّقِيقَ وَالْتَقِمَاهُ «٣» . يُقَالُ: إنّ هَذَا الْبَيْتَ لِلِصّ أَعْجَلَهُ الْهَرَبُ. وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الْخَبْزَ: شِدّةُ السّوْقِ، والبسّ: ألين منه، وبعده:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَا تَرَكَ السّيْرُ لَهُنّ نَسّا وَمِنْ أَسْمَاءِ مَكّةَ أَيْضًا: الرّأْسُ، وَصَلَاحُ، وَأُمّ رُحْمٍ، وَكُوثَى، وَأَمّا الّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الدّجّالُ، فَهِيَ: كُوثَى رَبّا «١» وَمِنْهَا كَانَتْ أُمّ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ تَقَدّمَ اسْمُهَا، وَأَبُوهَا هُوَ الّذِي احْتَفَرَ نَهْرَ كُوثَى، قَالَهُ الطّبَرِيّ. أسطورة: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ: يَا أَيّهَا النّاسُ سِيرُوا إنّ قَصْرَكُمْ ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا «٢» وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّهَا وُجِدَتْ بِحَجَرِ بِالْيَمَنِ، وَلَا يُعْرَفُ قَائِلُهَا، وَأَلْفَيْت فِي كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ سُفْيَانَ بْنِ الْعَاصِي خَبَرًا لهذه الأبيات، وأسنده أبو الحرث مُحَمّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُعْفِيّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ السّلَامِ الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ التّمّارُ، قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، قَالَ: وُجِدَ فِي بِئْرٍ بِالْيَمَامَةِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، وَهِيَ بئر طسم وجد يس فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا:
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، قَالَ: وُجِدَ فِي بِئْرٍ بِالْيَمَامَةِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ، وَهِيَ بئر طسم وجد يس فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: مُعْنِقُ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحِجْرِ مِيلٌ، وَهُمْ مِنْ بَقَايَا عَادٍ، غَزَاهُمْ تُبّعٌ، فَقَتَلَهُمْ، فَوَجَدُوا فِي حَجَرٍ مِنْ الثّلَاثَةِ الأحجار مكتوبا:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَا أَيّهَا الْمَلِكُ الّذِي ... بِالْمُلْكِ سَاعَدَهُ زَمَانُهْ مَا أَنْتَ أَوّلَ مَنْ عَلَا ... وَعَلَا شئون النّاسِ شَانُهْ أَقْصِرْ عَلَيْك مُرَاقِبًا ... فَالدّهْرُ مَخْذُولٌ أَمَانُهْ كَمْ مِنْ أَشَمّ مُعَصّبٍ ... بِالتّاجِ مَرْهُوبٍ مَكَانُهْ قَدْ كَانَ سَاعَدَهُ الزّمَا ... نُ، وَكَانَ ذَا خَفْضٍ جَنَانُهْ تَجْرِي الْجَدَاوِلُ حَوْلَهُ ... لِلْجُنْدِ مُتْرَعَةً جِفَانُهْ قَدْ فَاجَأَتْهُ مَنِيّةٌ ... لَمْ يُنْجِهِ مِنْهَا اكْتِنَانُهْ وَتَفَرّقَتْ أَجْنَادُهُ ... عَنْهُ، وَنَاحَ بِهِ قِيَانُهْ وَالدّهْرُ مَنْ يَعْلِقْ بِهِ ... يَطْحَنْهُ، مُفْتَرِشًا جِرَانُهْ وَالنّاسُ شَتّى فِي الْهَوَى ... كَالْمَرْءِ مُخْتَلِفٌ بَنَانُهْ وَالصّدْقُ أَفْضَلُ شِيمَةٍ ... وَالْمَرْءُ يَقْتُلُهُ لِسَانُهْ وَالصّمْتُ أَسْعَدُ لِلْفَتَى ... وَلَقَدْ يُشَرّفُهُ بَيَانُهْ وَوُجِدَ فِي الْحَجَرِ الثّانِي مَكْتُوبًا أَبْيَاتٌ: كُلّ عَيْشٍ تَعِلّهْ ... لَيْسَ لِلدّهْرِ خَلّهْ يَوْمُ بُؤْسَى وَنُعْمَى ... وَاجْتِمَاعٍ وَقِلّهْ حُبّنَا الْعَيْشَ وَالتّكَا ... ثُرَ جَهْلٌ وَضِلّهْ بَيْنَمَا الْمَرْءُ نَاعِمٌ ... فِي قُصُورٍ مُظِلّهْ فِي ظِلَالٍ وَنِعْمَةٍ ... سَاحِبًا ذَيْلَ حُلّهْ لَا يَرَى الشّمْسَ مِلْغَضَا ... رَةِ إذْ زَلّ زَلّهْ
ا الْمَرْءُ نَاعِمٌ ... فِي قُصُورٍ مُظِلّهْ فِي ظِلَالٍ وَنِعْمَةٍ ... سَاحِبًا ذَيْلَ حُلّهْ لَا يَرَى الشّمْسَ مِلْغَضَا ... رَةِ إذْ زَلّ زَلّهْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَمْ يُقَلْهَا، وَبَدّلَتْ ... عِزّةَ الْمَرْءِ ذِلّهْ آفَةُ الْعَيْشِ وَالنّعِ ... يمِ كُرُورُ الْأَهِلّهْ وَصْلُ يَوْمٍ بِلَيْلَةِ ... وَاعْتِرَاضٌ بِعِلّهْ وَالْمَنَايَا جَوَاثِمُ ... كَالصّقُورِ الْمُدِلّهْ بِاَلّذِي تَكْرَهُ النّفُ ... وسُ عَلَيْهَا مُطِلّهْ وَفِي الْحَجَرِ الثّالِثِ مَكْتُوبًا: يَا أَيّهَا النّاسُ سِيرُوا إنّ قَصْرَكُمْ ... أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا حُثّوا الْمَطِيّ، وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمّتِهَا ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضّوا مَا تُقَضّونَا كُنّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ فَغَيّرَنَا ... دَهْرٌ فَأَنْتُمْ كَمَا كُنّا تَكُونُونَا وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيّ فِي كِتَابِهِ فِي فَضَائِلِ مَكّةَ زِيَادَةً فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهِيَ: قَدْ مَالَ دَهْرٌ عَلَيْنَا ثُمّ أَهْلَكَنَا ... بِالْبَغْيِ فِينَا وَبَزّ النّاسِ نَاسُونَا إنّ التّفَكّرَ لَا يُجْدِي بِصَاحِبِهِ ... عِنْدَ الْبَدِيهَةِ فِي عِلْمٍ لَهُ دُوّنَا قَضّوا أُمُورَكُمْ بِالْحَزْمِ إنّ لَهَا ... أُمُورَ رُشْدٍ رَشَدْتُمْ ثَمّ مَسْنُونَا وَاسْتَخْبِرُوا فِي صَنِيعِ النّاسِ قَبْلَكُمْ ... كَمَا اسْتَبَانَ طَرِيقٌ عِنْدَهُ اُلْهُونَا كُنّا زَمَانًا مُلُوكَ النّاسِ قَبْلَكُمْ ... بِمَسْكَنِ فِي حَرَامِ اللهِ مَسْكُونَا وَوُجِدَ عَلَى حَائِطٍ قَصِيرٍ بِدِمَشْقَ لِبَنِي أُمَيّةَ مَكْتُوبًا: يَا أَيّهَا الْقَصْرُ الذى كانت ... تحفّ به المواكب
[اسْتِبْدَادُ قَوْمٍ مِنْ خُزَاعَةَ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ وَلِيَتْ الْبَيْتَ دُونَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَكَانَ الّذِي يَلِيهِ مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغُبْشَانِيّ، وَقُرَيْشٌ إذْ ذَاكَ حُلُولٌ وَصِرَمٌ، وَبُيُوتَاتٌ مُتَفَرّقُونَ فِي قَوْمِهِمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَلِيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، حَتّى كَانَ آخِرُهُمْ حُلَيْلُ بْنِ حُبْشِيّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عمرو الخزاعي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ حُبْشِيّةُ بْنُ سَلُولَ. ــ أَيْنَ الْمَوَاكِبُ وَالْمَضَ ... ارِبُ وَالنّجَائِبُ وَالْجَنَائِبْ أَيْنَ العساكر والدّس ... اكر والمقانب والكتائب ما با لهم لَمْ يَدْفَعُوا ... لَمّا أَتَتْ عَنْك النّوَائِبْ مَا بَالُ قَصْرِك وَاهِيًا ... قَدْ عَادَ مُنْهَدّ الْجَوَانِبْ وَوُجِدَ فِي الْحَائِطِ الْآخَرِ مِنْ حِيطَانِهَا جَوَابُهَا: يَا سَائِلِي عَمّا مَضَى ... مِنْ دَهْرِنَا وَمِنْ الْعَجَائِبْ وَالْقَصْرِ إذْ أَوْدَى، فَأَضْحَى ... بَعْدُ مُنْهَدّ الْجَوَانِبْ وَعَنْ الْجُنُودِ أُولِي الْعُقُو ... دِ، وَمَنْ بِهِمْ كُنّا نُحَارِبْ وَبِهِمْ قَهَرْنَا عَنْوَةً ... مَنْ بِالْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبْ وَتَقُولُ: لِمْ لَمْ يَدْفَعُوا ... لَمّا أَتَتْ عَنْك النّوَائِبْ هَيْهَاتَ لَا يُنْجِي مِنْ المو ... ت الكتائب والمقانب
[تَزَوّجُ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ حُبّى بِنْتَ حُلَيْلٍ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ قُصَيّ بْنَ كلاب خطب إلى حليل بن حبشية بنته حُبّى، فَرَغِبَ فِيهِ حُلَيْلٌ فَزَوّجَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الدّارِ. وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزّى، وَعَبْدًا. فَلَمّا انْتَشَرَ وَلَدُ قُصَيّ، وَكَثُرَ مَالُهُ، وَعَظُمَ شرفه، هلك حليل.
َتْ لَهُ عَبْدَ الدّارِ. وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزّى، وَعَبْدًا. فَلَمّا انْتَشَرَ وَلَدُ قُصَيّ، وَكَثُرَ مَالُهُ، وَعَظُمَ شرفه، هلك حليل.
[ «قصى يتولى أمر البيت» :] فَرَأَى قُصَيّ أَنّهُ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِأَمْرِ مَكّةَ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيّ بَكْرٍ، وَأَنّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَصَرِيحُ وَلَدِهِ. فَكَلّمَ رِجَالًا من قريش، وبنى كنانة، وَدَعَاهُمْ إلَى إخْرَاجِ خُزَاعَةَ وَبَنِيّ بَكْرٍ مِنْ مكة، فأجابوه. وكان ربيعة ابن حَرَامٍ مِنْ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ قد قدم مكة بعد ما هُلْكِ كِلَابٍ، فَتَزَوّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ سيل، وزهرة يومئذ رجل، وقصىّ فطيم، فاحتملهما إلى بلاده، فحملت قضيّا مَعَهَا، وَأَقَامَ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لِرَبِيعَةَ رِزَاحًا. فَلَمّا بَلَغَ قُصَيّ، وَصَارَ رَجُلًا أَتَى مَكّةَ، فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمّا أَجَابَهُ قَوْمُهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، كَتَبَ إلَى أَخِيهِ مِنْ أُمّهِ، رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، يَدْعُوهُ إلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ، فَخَرَجَ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَعَهُ إخْوَتُهُ: حُنّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَحْمُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَجُلْهُمَةُ بْنُ ربيعه، وهم لغير أمه فَاطِمَةَ، فِيمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فِي حَاجّ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ لِنُصْرَةِ قُصَيّ. وَخُزَاعَةُ تَزْعُمُ أَنّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيّةَ أَوْصَى بِذَلِكَ قُصَيّا وَأَمَرَهُ بِهِ حِينَ انْتَشَرَ لَهُ مِنْ ابْنَتِهِ مِنْ الْوَلَدِ مَا انْتَشَرَ. وَقَالَ: أَنْتِ أَوْلَى ــ
ْنَ حُبْشِيّةَ أَوْصَى بِذَلِكَ قُصَيّا وَأَمَرَهُ بِهِ حِينَ انْتَشَرَ لَهُ مِنْ ابْنَتِهِ مِنْ الْوَلَدِ مَا انْتَشَرَ. وَقَالَ: أَنْتِ أَوْلَى ــ
بِالْكَعْبَةِ، وَبِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، وَبِأَمْرِ مَكّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ قُصَيّ مَا طَلَبَ، وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَيّ ذلك كان. [مَا كَانَ يَلِيهِ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ مِنْ الْإِجَازَةِ لِلنّاسِ بِالْحَجّ] وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ بن أد بن طابخة بن إلياس بن مُضَرَ يَلِي الْإِجَازَةَ لِلنّاسِ بِالْحَجّ مِنْ عَرَفَةَ، وولده من بعده، وكان يقال له ولولده: صُوفَةُ. وَإِنّمَا وَلِيَ ذَلِكَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ، لِأَنّ أُمّهُ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، وَكَانَتْ لَا تَلِدُ، فَنَذَرَتْ لِلّهِ إنْ هِيَ وَلَدَتْ رَجُلًا: أَنْ تَصّدّقَ بِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ عَبْدًا لَهَا يَخْدُمُهَا، وَيَقُومُ عَلَيْهَا، فَوَلَدَتْ الْغَوْثَ، فَكَانَ يَقُومُ عَلَى الْكَعْبَةِ فِي الدّهْرِ الْأَوّلِ مَعَ أَخْوَالِهِ مِنْ جُرْهُمٍ، فَوَلِيَ الْإِجَازَةَ بِالنّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، لِمَكَانِهِ الّذِي كَانَ بِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ حَتّى انْقَرَضُوا. فَقَالَ مُرّ بْنُ أَدّ لِوَفَاءِ نَذْرِ أُمّهِ: إنّي جَعَلْتُ ربّ من بنيّه ... رَبِيطَةً بِمَكّةَ الْعَلِيّه فَبَارِكْنَ لِي بِهَا أليّهْ ... وَاجْعَلْهُ لِي مِنْ صَالِحِ الْبَرِيّه وَكَانَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ- فِيمَا زَعَمُوا- إذَا دَفَعَ بِالنّاسِ قَالَ: لاهُمّ إنّي تَابِعٌ تَبَاعَهُ ... إنْ كَانَ إثم فعلى قضاعه قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، وَتُجِيزُ بِهِمْ إذَا نَفَرُوا مِنْ مِنًى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنّاسِ، لَا يَرْمُونَ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حَتّى يَرْمِي. فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَاتِ الْمُتَعَجّلُونَ يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قُمْ فَارْمِ حَتّى نَرْمِيَ مَعَك، فَيَقُولُ: لَا وَاَللهِ، حَتّى تَمِيلَ الشّمْسُ، فَيَظَلّ ذَوُو الْحَاجَاتِ الّذِينَ يُحِبّونَ التّعَجّلَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، ويستعجلونه بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ لَهُ: وَيْلَكَ! قُمْ فَارْمِ، فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، حَتّى إذَا مَالَتْ الشّمْسُ، قَامَ فرمى، ورمى الناس معه. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَأَرَادُوا النّفْرَ مِنْ مِنًى، أَخَذَتْ صُوفَةُ بِجَانِبَيْ الْعَقَبَةِ، فَحَبَسُوا النّاسَ وَقَالُوا: أَجِيزِى صُوفَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَحَدٌ مِنْ النّاسِ حَتّى يَمُرّوا، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ، خُلّيَ سَبِيلُ النّاسِ، فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ، فَكَانُوا كَذَلِكَ، حَتّى انْقَرَضُوا، فَوَرِثَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِمْ بِالْقُعْدُدِ بَنُو سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فِي آلِ صَفْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شجنة. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَفْوَانُ بْنُ جُنَابِ بْنِ شجنة عُطَارِدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ صَفْوَانُ هُوَ الّذِي يُجِيزُ لِلنّاسِ بِالْحَجّ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمّ بَنَوْهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتّى كَانَ آخِرَهُمْ الّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَغْرَاءَ السّعْدِيّ: لَا يَبْرَحُ النّاسُ مَا حَجّوا مُعَرّفَهُمْ ... حَتّى يُقَالَ: أَجِيزُوا آلَ صَفْوَانَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَدْوَانُ مِنْ إفَاضَةِ الْمُزْدَلِفَةِ] وَأَمّا قَوْلُ ذِي الْإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيّ، وَاسْمُهُ: حُرْثَانُ بْنِ عَمْرٍو، وَإِنّمَا سُمّيَ ذَا الْإِصْبَعِ؛ لِأَنّهُ كَانَ لَهُ إصْبَعٌ فَقَطَعَهَا. عَذِيرَ الْحَيّ مِنْ عدوا ... ن كَانُوا حَيّةَ الْأَرْضِ بَغَى بَعْضُهُمْ ظُلْمًا ... فَلَمْ يُرْعِ عَلَى بَعْضِ وَمِنْهُمْ كَانَتْ السّادَا ... تُ وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ النّا ... سَ بِالسّنّةِ وَالْفَرْضِ وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي ... فَلَا يُنْقَضُ ما يقضى وهذه الأبيات فى قصيدة له- فلأن الإضافة مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ- فِيمَا حَدّثَنِي زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بْنِ إسْحَاقَ- يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. حَتّى كَانَ آخِرَهُمْ الّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ أَبُو سَيّارَةَ، عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ، فَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ: نَحْنُ دَفَعْنَا عَنْ أَبِي سَيّارَهْ ... وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فَزَارَهْ حَتّى أَجَازَ سَالِمًا حِمَارَهْ ... مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهُ قَالَ: وَكَانَ أَبُو سَيّارَةَ يَدْفَعُ بِالنّاسِ عَلَى أَتَانٍ له؛ فلذلك يقول: سالما حماره. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لما حماره. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ قُصَيّ وَخُزَاعَةُ وَوِلَايَةُ الْبَيْتِ: فَصْلٌ: فِي حَدِيثِ قُصَيّ ذَكَرَ فِيهِ أَنّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، هَكَذَا بِالْقَافِ، وَهِيَ الرّوَايَةُ الصّحِيحَةُ، وَفِي بَعْضِ النّسَخِ: فَرْعَةُ بِالْفَاءِ، وَالْقُرْعَةُ بِالْقَافِ هِيَ: نخبة الشى، وَخِيَارُهُ، وَقَرِيعُ الْإِبِلِ: فَحْلُهَا، وَقَرِيعُ الْقَبِيلَةِ: سَيّدُهَا، وَمِنْهُ اُشْتُقّ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَغَيْرُهُ مِمّنْ سُمّيَ مِنْ الْعَرَبِ بِالْأَقْرَعِ. وَذَكَرَ انْتِقَالَ وِلَايَةِ الْبَيْتِ مِنْ خُزَاعَةَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ سَبَبِ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَنّ قُصَيّا رَأَى نَفْسَهُ أَحَقّ بِالْأَمْرِ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّ حُلَيْلًا كَانَ يُعْطِي مَفَاتِيحَ الْبَيْتِ ابْنَتَهُ حُبّى، حِينَ كَبِرَ وَضَعُفَ، فَكَانَتْ بِيَدِهَا، وَكَانَ قُصَيّ رُبّمَا أَخَذَهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَفَتَحَ الْبَيْتَ لِلنّاسِ وَأَغْلَقَهُ، وَلَمّا هَلَكَ حُلَيْلٌ أَوْصَى بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ إلَى قُصَيّ، فَأَبَتْ خُزَاعَةُ أَنْ تُمْضِيَ ذَلِكَ لِقُصَيّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ هَاجَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُزَاعَةَ، وَأَرْسَلَ إلَى رِزَاحٍ أَخِيهِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَيْهِمْ. وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنّ أَبَا غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَاسْمُهُ: سُلَيْمٌ- وَكَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ الْكَعْبَةِ- بَاعَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ مِنْ قُصَيّ بِزِقّ خَمْرٍ، فَقِيلَ: أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَةِ أَبِي غُبْشَانَ «١» ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيّ وَالْأَصْبَهَانِيّ فِي الْأَمْثَالِ. وَكَانَ الْأَصْلُ فِي انْتِقَالِ وِلَايَةِ الْبَيْتِ مِنْ وَلَدِ مُضَرَ إلَى خُزَاعَةَ أَنّ الْحَرَمَ حِينَ ضَاقَ عَنْ وَلَدِ نِزَارٍ، وَبَغَتْ فِيهِ إيَادٌ أَخْرَجَتْهُمْ بَنُو مُضَرَ بن نزار، وأجلوهم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ عَنْ مَكّةَ، فَعَمَدُوا فِي اللّيْلِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَاقْتَلَعُوهُ، وَاحْتَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ فَرَزَحَ الْبَعِيرُ بِهِ، وَسَقَطَ إلَى الْأَرْضِ، وَجَعَلُوهُ عَلَى آخَرَ، فَرَزَحَ أَيْضًا، وَعَلَى الثّالِثِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأَوْا ذَلِكَ دَفَنُوهُ وَذَهَبُوا، فَلَمّا أَصْبَحَ أَهْلُ مَكّةَ، وَلَمْ يَرَوْهُ، وَقَعُوا فِي كَرْبٍ عَظِيمٍ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ قَدْ بَصُرَتْ بِهِ حِينَ دُفِنَ، فَأَعْلَمَتْ قَوْمَهَا بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ أَخَذَتْ خُزَاعَةُ عَلَى وُلَاةِ الْبَيْتِ أَنْ يَتَخَلّوْا لَهُمْ عَنْ وِلَايَةِ الْبَيْتِ، وَيَدُلّوهُمْ عَلَى الْحَجَرِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمِنْ هُنَالِكَ صَارَتْ وِلَايَةُ الْبَيْتِ لِخُزَاعَةَ إلَى أَنْ صَيّرَهَا أَبُو غُبْشَانَ إلَى عَبْدِ مَنَافٍ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزّبَيْرِ. نَشْأَةُ قُصَيّ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ أَنّ قُصَيّا نَشَأَ فِي حَجْرِ رَبِيعَةَ بْنِ حَرَامٍ، ثُمّ ذَكَرَ رُجُوعَهُ إلَى مَكّةَ، وَزَادَ غَيْرُهُ فِي شَرْحِ الْخَبَرِ، فَقَالَ: وَكَانَ قُصَيّ رَضِيعًا حِين احْتَمَلَتْهُ أُمّهُ مَعَ بَعْلِهَا رَبِيعَةَ، فَنَشَأَ وَلَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ أَبًا إلّا رَبِيعَةَ، وَلَا يُدْعَى إلّا لَهُ، فَلَمّا كَانَ غُلَامًا يَفَعَةً أَوْ حَزَوّرًا «١» سَابّهُ رَجُلٌ مِنْ قُضَاعَةَ، فَعَيّرَهُ بِالدّعْوَةِ، وَقَالَ: لَسْت مِنّا، وَإِنّمَا أَنْتَ فِينَا مُلْصَقٌ، فَدَخَلَ عَلَى أُمّهِ، وَقَدْ وَجَمَ لِذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيّ صَدَقَ، إنّك لَسْت مِنْهُمْ، وَلَكِنّ رَهْطَك خَيْرٌ مِنْ رَهْطِهِ، وَآبَاؤُك أَشْرَفُ مِنْ آبَائِهِ، وَإِنّمَا أَنْتَ قُرَشِيّ، وَأَخُوك وَبَنُو عَمّك بِمَكّةَ، وَهُمْ جِيرَانُ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، فَدَخَلَ فِي سَيّارَةٍ حَتّى أَتَى مَكّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنّ اسمه: زيد، وإنما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَدَخَلَ فِي سَيّارَةٍ حَتّى أَتَى مَكّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنّ اسمه: زيد، وإنما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ كَانَ قُصَيّا أَيْ بَعِيدًا عَنْ بَلَدِهِ فَسُمّيَ: قُصَيّا «١» . الْغَوْثُ بْنُ مُرّ وَصُوفَةُ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ الْغَوْثِ بْنِ مُرّ، وَدَفْعِهِ بِالنّاسِ مِنْ عَرَفَةَ «٢» ، وَقَالَ بَعْضُ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ إنّ وِلَايَةَ الْغَوْثِ بْنِ مُرّ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ مُلُوكِ كِنْدَةَ «٣» . وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ إثْمًا فَعَلَى قُضَاعَةَ. إنّمَا خَصّ قُضَاعَةَ بِهَذَا؛ لِأَنّ مِنْهُمْ مُحِلّينَ يستحلّون الأشهر الحرم، كما كانت خثعم وطىّء تَفْعَلُ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ النّسَأَةُ تَقُولُ إذَا حَرّمَتْ صَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَشْهُرِ بَدَلًا مِنْ الشّهْرِ الْحَرَامِ- يَقُولُ قَائِلُهُمْ: قَدْ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ الدماء إلا دماء المحلّين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَصْلٌ: وَأَمّا تَسْمِيَةُ الْغَوْثِ وَوَلَدِهِ صُوفَةَ، فَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ. فَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدِ اللهِ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاضِي فِي أَنْسَابِ قُرَيْشٍ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ صُوفَةَ: الْبَيْتَ الْوَاقِعَ فِي السّيرَةِ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ السّعْدِيّ، وَهُوَ: لَا يَبْرَحُ النّاسُ مَا حَجّوا مُعَرّفَهُمْ الْبَيْتَ. وَبَعْدَهُ: مَجْدٌ بَنَاهُ لَنَا قِدْمًا أَوَائِلُنَا ... وَأَوْرَثُوهُ طِوَالَ الدّهْرِ أَحْزَانَا «١» وَمَغْرَاءُ: تَأْنِيثُ أَمْغَرَ، وَهُوَ الْأَحْمَرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْرَابِيّ لِلنّبِيّ- ﷺ: أَهُوَ هَذَا الرّجُلُ الْأَمْغَرُ؟ ثُمّ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَصُوفَةُ وَصُوفَانُ يُقَالُ لِكُلّ مَنْ وَلِيَ مِنْ الْبَيْتِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، أَوْ قَامَ بِشَيْءِ مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ، أَوْ بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الْمَنَاسِكِ يُقَالُ لهم: صوفة وصوفان. قال أبو عبيدة:
ا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، أَوْ قَامَ بِشَيْءِ مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ، أَوْ بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الْمَنَاسِكِ يُقَالُ لهم: صوفة وصوفان. قال أبو عبيدة:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِأَنّهُ بِمَنْزِلَةِ الصّوفِ، فِيهِمْ الْقَصِيرُ وَالطّوِيلُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ، لَيْسُوا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَنّهُ حَدّثَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَثْرَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ السّائِبِ الْكَلْبِيّ قَالَ: إنّمَا سُمّيَ الْغَوْثُ بْنُ مُرّ: صُوفَةَ، لِأَنّهُ كَانَ لَا يَعِيشُ لِأُمّهِ وَلَدٌ، فَنَذَرَتْ: لَئِنْ عَاشَ لَتُعَلّقَنّ بِرَأْسِهِ صُوفَةَ، وَلَتَجْعَلَنّهُ رَبِيطًا لِلْكَعْبَةِ، فَفَعَلَتْ، فَقِيلَ لَهُ: صُوفَةُ، وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ: الرّبِيطُ وَحَدّثَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِقَالُ بْنُ شَبّةَ قَالَ: قَالَتْ أُمّ تَمِيمِ بْنِ مُرّ- وَوَلَدَتْ نِسْوَةً- فَقَالَتْ: لِلّهِ عَلَيّ. لَئِنْ وَلَدْت غُلَامًا لَأُعَبّدَنّهُ لِلْبَيْتِ، فَوَلَدَتْ الْغَوْثَ، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ مُرّ، فَلَمّا رَبَطَتْهُ عِنْدَ الْبَيْتِ أَصَابَهُ الْحَرّ، فَمَرّتْ بِهِ- وَقَدْ سَقَطَ وَذَوَى وَاسْتَرْخَى فَقَالَتْ: مَا صَارَ ابنى إلا صوفة، فسمّى صوفة «١» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَنُو سَعْدٍ وَزَيْدِ مَنَاةَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ وِرَاثَةَ بَنِي سَعْدٍ إجَازَةَ الْحَاجّ بِالْقُعْدُدِ مِنْ بَنِي الغوث ابن مُرّ، وَذَلِكَ أَنّ سَعْدًا هُوَ: ابْنُ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرّ، وَكَانَ سَعْدٌ أَقْعَدَ بِالْغَوْثِ بْنِ مُرّ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَرَبِ «١» ، وَزَيْدُ مَنَاةَ بْنُ تَمِيمٍ يُقَالُ فِيهِ: مَنَاةُ وَمَنَاءَةُ بِالْهَمْزِ «٢» ، وَتَرْكِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ- إذَا هُمِزَ- مَفْعَلَةً مِنْ نَاءَ يَنُوءُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: فَعَالَةً مِنْ الْمَنِيئَةِ، وَهِيَ: الْمَدْبَغَةُ، كَمَا قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ لِأُخْرَى: [تَقُولُ لَك أُمّي] : أَعْطِينِي نَفْسًا أَوْ نَفْسَيْنِ أَمْعَسُ بِهِ مَنِيئَتِي، فَإِنّي أَفِدَةٌ. النّفْسُ: قِطْعَةٌ مِنْ الدّبَاغِ، وَالْمَنِيئَةُ: الْجِلْدُ فِي الدّبَاغِ، وَأَفِدَةٌ: مُقَارِبَةٌ لِاسْتِتْمَامِ مَا تُرِيدُ صَلَاحَهُ وَتَمَامَهُ مِنْ ذَلِكَ الدباغ «٣» وأنشد أبو حنيفة:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذَا أَنْتَ بَاكَرْت الْمَنِيئَةَ بَاكَرَتْ ... قَضِيبَ أَرَاكٍ بَاتَ فِي الْمِسْكِ مُنْقَعًا وَأَنْشَدَ يَعْقُوبُ: إذَا أَنْتَ بَاكَرْت الْمَنِيئَةَ بَاكَرَتْ ... مَدَاكًا لَهَا مِنْ زَعْفَرَانٍ وَإِثْمِدَا «١» اشْتِقَاقُ الْمُزْدَلِفَةِ: فَصْلٌ: وَأَمّا قَوْلُهُ: فَلِأَنّ الْإِفَاضَةَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ فَالْمُزْدَلِفَةُ: مُفْتَعِلَةٌ مِنْ الِازْدِلَافِ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ. وَفِي التنزيل: (وَأَزْلَفْنا ثَمَ
نْ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَتْ فِي عَدْوَانَ فَالْمُزْدَلِفَةُ: مُفْتَعِلَةٌ مِنْ الِازْدِلَافِ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ. وَفِي التنزيل: (وَأَزْلَفْنا ثَمَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْآخَرِينَ) وَقِيلَ: بَلْ الِازْدِلَافُ: هُوَ الِاقْتِرَابُ، وَالزّلْفَةُ: الْقُرْبَةُ، فَسُمّيَتْ مُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنّ النّاسَ يَزْدَلِفُونَ فِيهَا إلَى الْحَرَمِ، وَفِي الْخَبَرِ: أَنّ آدَمَ ﵇ لَمّا هَبَطَ إلَى الْأَرْضِ «١» لَمْ يَزَلْ يَزْدَلِفُ إلَى حَوّاءَ، وَتَزْدَلِفُ إلَيْهِ، حَتّى تَعَارَفَا بِعَرَفَةَ، وَاجْتَمَعَا بِالْمُزْدَلِفَةِ فَسُمّيَتْ: جُمَعًا، وَسُمّيَتْ: الْمُزْدَلِفَةَ «٢» . ذُو الْإِصْبَعِ وَآلُ ظَرِبٍ: وَأَمّا ذُو الْإِصْبَعِ «٣» الّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ: حُرْثَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ فِيهِ: حرثان ابن الْحَارِثِ بْنِ مُحَرّثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بن ثعلبة بن ظرب، وظرب هو: والدعامر بْنِ الظّرِبِ الّذِي كَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قِصّتَهُ فِي الْخُنْثَى، وَفِيهِ يَقُولُ الشاعر [المتلمّس] :
وظرب هو: والدعامر بْنِ الظّرِبِ الّذِي كَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ، وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قِصّتَهُ فِي الْخُنْثَى، وَفِيهِ يَقُولُ الشاعر [المتلمّس] :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تُقْرَعُ الْعَصَا ... وَمَا عُلّمَ الْإِنْسَانُ إلّا لِيَعْلَمَا «١» وَكَانَ قَدْ خَرِفَ، حَتّى تَفَلّتَ ذِهْنُهُ، فَكَانَتْ الْعَصَا تُقْرَعُ لَهُ إذَا تَكَلّمَ فِي نَادِي قَوْمِهِ تَنْبِيهًا لَهُ؛ لِئَلّا تَكُونَ لَهُ السّقْطَةُ فِي قَوْلٍ أَوْ حُكْمٍ. وَكَذَلِكَ كَانَ ذُو الْإِصْبَعِ، كَانَ حَكَمًا فِي زَمَانِهِ، وَعَمّرَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَسُمّيَ ذَا الْإِصْبَعِ؛ لِأَنّ حَيّةً نَهَشَتْهُ فِي أُصْبُعِهِ. وَجَدّهُمْ ظَرِبٌ: هُوَ عَمْرُو بْنُ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَدْوَانَ، وَاسْمُ عَدْوَانَ: تَيْمٌ، وَأُمّهُ: جَدِيلَةُ بِنْتُ أُدّ بْنِ طَابِخَةَ، وَكَانُوا أَهْلَ الطّائِفِ، وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ فِيهَا حَتّى بلغوازهاء سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمّ هَلَكُوا بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بعض، وكان ثقيف
ةَ، وَكَانُوا أَهْلَ الطّائِفِ، وَكَثُرَ عَدَدُهُمْ فِيهَا حَتّى بلغوازهاء سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمّ هَلَكُوا بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلَى بعض، وكان ثقيف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَهُوَ قَسِيّ بْنُ مُنَبّهٍ صِهْرًا لِعَامِرِ بْنِ الظّرِبِ، كَانَتْ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَامِرٍ، وَهِيَ أُمّ أَكْثَرِ ثَقِيفٍ، وَقِيلَ: هِيَ أُخْتُ عَامِرٍ، وَأُخْتُهَا لَيْلَى بِنْتُ الظّرِبِ هِيَ: أُمّ دَوْسِ بْنِ عَدْنَانَ، وَسَيَأْتِي طَرَفٌ مِنْ خَبَرِهِ فِيمَا بَعْدُ- إنْ شَاءَ اللهُ- فَلَمّا هَلَكَتْ عَدْوَانُ، وَأَخْرَجَتْ بَقِيّتَهُمْ ثَقِيفٌ مِنْ الطّائِفِ، صَارَتْ الطّائِفُ بِأَسْرِهَا لِثَقِيفِ إلَى الْيَوْمِ. وَقَوْلُهُ: حَيّةَ الْأَرْضِ: يُقَالُ فُلَانٌ حَيّةُ الْأَرْضِ، وَحَيّةُ الْوَادِي إذَا كَانَ مَهِيبًا يُذْعَرُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ حَسّانُ: يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم ... لِلّهِ دُرّ أَبِيكُمْ حَيّةِ الْوَادِي يَعْنِي بِحَيّةِ الْوَادِي: خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁. فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ: عَذِيرَ الْحَيّ مِنْ عَدْوَانَ «١» . نَصَبَ عَذِيرًا عَلَى الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ، كَأَنّهُ يَقُولُ: هَاتُوا عَذِيرَهُ، أَيْ: مَنْ يَعْذِرُهُ، فَيَكُونُ الْعَذِيرُ بِمَعْنَى: الْعَاذِرِ، وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى: الْعُذْرِ مَصْدَرًا كَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ. أَبُو سَيّارَةَ: وَذَكَرَ أَبَا سَيّارَةَ، وَهُوَ عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْمُهُ: الْعَاصِي. قَالَهُ الْخَطّابِيّ. واسم الأعزل: خالد، ذكره الأصبهانى، وكانت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَهُ أَتَانٌ عَوْرَاءُ، خِطَامُهَا لِيفٌ، يُقَالُ: إنّهُ دَفَعَ عَلَيْهَا فِي الْمَوْقِفِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِيّاهَا يَعْنِي الرّاجِزُ فِي قَوْلِهِ: حَتّى يُجِيزَ سَالِمًا حِمَارَهْ. وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَتَانُ سَوْدَاءَ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ: لاهمّ مالى فِي الْحِمَارِ الْأَسْوَدِ ... أَصْبَحْت بَيْنَ الْعَالَمِينَ أُحْسَدُ فَقِ أَبَا سَيّارَةَ الْمُحَسّدَ ... مِنْ شَرّ كُلّ حَاسِدٍ إذْ يَحْسُدُ وَأَبُو سَيّارَةَ هَذَا هُوَ الّذِي يَقُولُ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرَ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ: لَا هُمّ إنّي تَابِعٌ تَبَاعَهْ «١»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللهُمّ بَغّضْ بَيْنَ رِعَائِنَا، وَحَبّبْ بَيْنَ نِسَائِنَا، وَاجْعَلْ الْمَالَ فِي سَمْحَائِنَا: وَهُوَ أَوّلُ مَنْ جَعَلَ الدّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، فِيمَا ذَكَرَ أَبُو الْيَقْظَانِ، حَكَاهُ عَنْهُ حَمْزَةُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيّ. وَقَوْلُهُ: وَعَنْ مَوَالِيهِ بَنِي فَزَارَهْ. يَعْنِي بِمَوَالِيهِ: بَنِي عَمّهِ، لِأَنّهُ مِنْ عَدْوَانَ وَعَدْوَانُ وَفَزَارَةُ: مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقَوْلُهُ: مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهْ. أَيْ: يَدْعُو اللهَ ﷿، يَقُولُ: اللهُمّ كُنْ لنا جارا مما نخافه، أى: مجيرا.
قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقَوْلُهُ: مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو جَارَهْ. أَيْ: يَدْعُو اللهَ ﷿، يَقُولُ: اللهُمّ كُنْ لنا جارا مما نخافه، أى: مجيرا.
[أَمْرُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ: حَكَمٌ يَقْضِي يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيّ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا نَائِرَةٌ، وَلَا عُضْلَةٌ فِي قَضَاءٍ إلّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ، ثُمّ رَضُوا بِمَا قَضَى فيه، فاختصم إليه فى بعض ما كانو يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فِي رَجُلٍ خُنْثَى، لَهُ مَا للرجل، وله ما للمرأة، فقالوا: أنجعله رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؟ وَلَمْ يَأْتُوهُ بِأَمْرِ كَانَ أَعْضَلَ مِنْهُ. فَقَالَ: حَتّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ، فو الله مَا نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ! فَاسْتَأْخَرُوا عَنْهُ. فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا يُقَلّبُ أَمْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، لَا يَتَوَجّهُ لَهُ مِنْهُ وَجْهٌ، وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: سُخَيْلَةُ تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذا سرحت فيقول: صَبّحْتِ وَاَللهِ يَا سُخَيْلُ! وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: مَسّيْتِ وَاَللهِ يَا سُخَيْلُ! وَذَلِك أَنّهَا كَانَتْ تُؤَخّرُ السّرْحَ حَتّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ النّاسِ، وتؤخّر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس. فلما رأت سهره وقلقه، وقلّه قراره على فراشه قالت: مالك لا أبالك! مَا عَرَاك فِي لَيْلَتِك هَذِهِ؟ قَالَ: وَيْلَك! دَعِينِي، أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِك، ثُمّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تَأْتِيَ مِمّا أَنَا فِيهِ بِفَرَجٍ، فَقَالَ: وَيْحَك! اُخْتُصِمَ إلَيّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى، أَأَجْعَلُهُ رجلا أو امرأة؟ ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .



