— Bagian 11 · ّهِ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْحَارِثُ بْن… —
Bagian 11
ّهِ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَجَعَا بِهِ إلَى مَكَّةَ فَحَبَسَاهُ بِهَا حَتَّى مَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ.
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عُمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، يُشَكُّ فِيهِ أَكَانَ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ أَمْ لَا؟ ومُعَتِّب بن عوف بن عامر من خزاعة. ومن بني جُمَح بن عَمرو بن هُصَيْص بن كعب: عثمان بن مَظْعون بن حبيب بن وهْب بن حُذافة بن جُمَح. وابنه السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ الله بن مظعون. مِنْ سَهْمٍ: وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبٍ: خُنَيس بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بن وائل، حبس بمكة بعد هجرة الرسول ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى قدم بعد بدر وأحد والخندق. وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ ربيعة، حليف لهم، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمة بْنِ حذافة بن غانم. وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ بن مَخْرمَة بن عبد العُزى بن أبي قَيْسٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ حُبس عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، فَانْحَازَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا، وَأَبُو سَبْرة بْنُ أَبِي رُهْم بْنِ عَبْدِ العُزى، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ سُهيل بْنِ عَمْرٍو، وَالسَّكْرَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ: سَوْدة بِنْتُ زَمْعة بْنِ قَيْسٍ، مَاتَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رسول الله ﷺ إلى الْمَدِينَةِ، فَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ سَوْدة بِنْتِ زَمْعة. وَمِنْ حلفائهم: سعد بن خولة.
مَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رسول الله ﷺ إلى الْمَدِينَةِ، فَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ سَوْدة بِنْتِ زَمْعة. وَمِنْ حلفائهم: سعد بن خولة. من الْحَارِثِ: وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهر: أَبُو عُبَيدة بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهير بْنِ أَبِي شَدَّادٍ، وسُهَيل بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْح بْنِ رَبِيعَةَ بن هلال. فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلًا. من دخل مكة بجوار من مهاجري الحبشة: فَكَانَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِجِوَارٍ، فِيمَنْ سُمي لَنَا: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ الجُمحي، دَخَلَ بِجِوَارِ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، دَخَلَ بِجِوَارٍ مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ خَالَهُ. وَأُمُّ أَبِي سَلَمَةَ: بُرَّة بِنْتُ عبد المطلب.
عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا عثمانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَإِنَّ صَالِحَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا رَأَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَلَاءِ، وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ غُدُوِّي وَرَوَاحِي آمِنًا بِجِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَأَصْحَابِي وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنْ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللَّهِ مَا لَا يُصِيبُنِي، لنقصٌ كَبِيرٌ فيِ نَفْسِي. فَمَشَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، وفتْ ذمتُك، قَدْ رددتُ إلَيْكَ جوارَك، فقال له: يابن أَخِي لَعَلَّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ؟ قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْمَسْجِدِ، فَارْدُدْ عليَّ جِوَارِي عَلَانِيَةً كَمَا أجرتُك عَلَانِيَةً. قَالَ: فَانْطَلَقَا فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: هَذَا عُثْمَانُ قَدْ جَاءَ يردَّ عَلَيَّ جِوَارِي، قَالَ: صَدَقَ، قَدْ وَجَدْتُهُ وَفِيًّا كَرِيمَ الجوار، ولكني قد أحببت ألا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ جوارَه، ثُمَّ انْصَرَفَ عُثْمَانُ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ فِي مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُنْشِدُهُمْ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَبِيدٌ: أَلَا كُلُّ شيءٍ مَا خَلَا اللَّهَ باطلُ قَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ. قَالَ لَبِيدٌ: وكلُّ نعيمٍ لَا محالةَ زائلُ
مَعَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَبِيدٌ: أَلَا كُلُّ شيءٍ مَا خَلَا اللَّهَ باطلُ قَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ. قَالَ لَبِيدٌ: وكلُّ نعيمٍ لَا محالةَ زائلُ قَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ مَا كَانَ يُؤذَى جَلِيسُكُمْ، فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إنَّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ، قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتَّى شَرِيَ١ أمرُهما، فَقَامَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَطَمَ عينَه فخضَّرها، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى مَا بَلَغَ مِنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَمَا والله يابن أخي كَانَتْ عينُك عَمَّا أَصَابَهَا لَغَنِيَّةٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي ذمةٍ مَنِيعَةٍ. قَالَ: يَقُولُ عُثْمَانُ: بَلْ وَاَللَّهِ إنَّ عَيْنِي الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللَّهِ، وَإِنِّي لَفِي جوار من هو
َ: يَقُولُ عُثْمَانُ: بَلْ وَاَللَّهِ إنَّ عَيْنِي الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللَّهِ، وَإِنِّي لَفِي جوار من هو
أَعَزُّ مِنْكَ وَأَقْدَرُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فقال له الوليد: هلم يابن أَخِي، إنْ شِئْتَ فَعُدْ إلَى جِوَارِكَ، فَقَالَ: لا. أبو سلمة في جوار أبي طالب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا أَبُو سَلَمة بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، فَحَدَّثَنِي أَبِي: إسحاقُ بْنُ يَسار عَنْ سَلمة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمَّا اسْتَجَارَ بِأَبِي طَالِبٍ، مَشَى إلَيْهِ رجال من بن مخزوم، فقالوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، لَقَدْ منعتَ مِنَّا ابنَ أَخِيكَ مُحَمَّدًا، فَمَا لَكَ وَلِصَاحِبِنَا تَمْنَعُهُ مِنَّا؟ قَالَ: إنَّهُ اسْتَجَارَ بِي، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَمْنَعْ ابنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعْ ابنَ أَخِي، فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَى هذا الشيخ، لا تزالون تتواثبون عَلَيْهِ فِي جوارِه مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، وَاَللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ عَنْهُ أَوْ لَنَقُومَنَّ مَعَهُ فِي كلِّ مَا قَامَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَا أَرَادَ. قَالَ: فَقَالُوا: بَلْ نَنْصَرِفُ عَمَّا تَكْرَهُ يَا أَبَا عتبةَ، وَكَانَ لَهُمْ وَلِيًّا وَنَاصِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ، فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو طَالِبٍ حَيْنَ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ، وَرَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ يحرِّض أَبَا لَهَبٍ عَلَى نُصرتِه وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَإِنَّ امْرَأً أَبُو عُتَيْبة عَمُّه ... لَفِي روضةٍ مَا إنْ يُسامُ المَظالمَا أَقُولُ لَهُ، وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي ... أَبَا مُعْتب ثبتْ سوادَك قائمَا١ وَلَا تقبلنَّ الدهرَ مَا عشتَ خُطةً ... تُسَب بِهَا إمَّا هَبطت الْمَوَاسِمَا وولِّ سبيلَ العجزِ غيرَك منهمُ ... فَإِنَّكَ لَمْ تُخلَقْ عَلَى العجزِ لازمًا
تقبلنَّ الدهرَ مَا عشتَ خُطةً ... تُسَب بِهَا إمَّا هَبطت الْمَوَاسِمَا وولِّ سبيلَ العجزِ غيرَك منهمُ ... فَإِنَّكَ لَمْ تُخلَقْ عَلَى العجزِ لازمًا وحاربْ فإن الحربَ نُصْف وما تَرَى ... أَخَا الحربِ يُعطى الخسْفَ حَتَّى يُسالما وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عليكَ عَظِيمَةً ... وَلَمْ يَخْذُلُوكَ غَانِمًا أَوْ مُغارِما جَزَى اللهُ عَنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفلًا ... وتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقوقا وَمَأْثَمَا بتفريقِهم مِنْ بعدِ وُد وألفَةٍ ... جَمَاعَتَنَا كَيْمَا يَنَالُوا المحارِما كَذَبْتُمْ وبيتِ اللَّهِ نُبزَى مُحَمَّدًا ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشِّعْب قَائِمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نُبْزَى: نُسْلَبُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَقِيَ منها بيت تركناه.
دُخُولُ أَبِي بَكْرٍ فِي جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ ثم رده عليه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن مُسلم الزهري عن عُروة عن عائشة ﵄، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وَأَصَابَهُ فِيهَا الْأَذَى، وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَا رَأَى، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، حَتَّى إذَا سَارَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، لَقِيَهُ ابْنُ الدُّغُنَّة، أَخُو بني عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَحَابِيشُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَحَابِيشُ: بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَالْهُونُ بْنُ خُزيمة بْنِ مُدركة، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَحَالَفُوا جَمِيعًا، فسُموا الْأَحَابِيشَ لِلْحِلْفِ. وَيُقَالُ: ابْنُ الدُّغَيْنَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حدثني الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قَالَتْ: فَقَالَ ابْنُ الدُّغُنة: أَيْنَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي وَآذَوْنِي، وَضَيَّقُوا عليَّ، قَالَ: ولمَ؟ فَوَاَللَّهِ إنَّكَ لتَزين الْعَشِيرَةَ، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتُكعبِ الْمَعْدُومَ١، ارْجِعْ فَأَنْتَ فِي جِوَارِي. فَرَجَعَ مَعَهُ، حَتَّى إذَا دَخَلَ مَكَّةَ، قَامَ ابْنُ الدُّغنة فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؛ إنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَا يعرضنَّ لَهُ أَحَدٌ إلا لِخير. قالت: فكفوا عنه.
قَامَ ابْنُ الدُّغنة فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؛ إنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَا يعرضنَّ لَهُ أَحَدٌ إلا لِخير. قالت: فكفوا عنه. قَالَتْ: وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَسْجِدٌ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فِي بَنِي جُمَح، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا؟ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اسْتَبْكَى. قَالَتْ: فَيَقِفُ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ، يَعْجَبُونَ لِمَا يرَوْن مِنْ هَيْئَتِهِ. قَالَتْ: فَمَشَى رِجَالٌ من قريش إلى ابن الدُّغنَّة، فقالوا: يابن الدغنة، إنك تُجِيرُ هَذَا الرَّجُلَ ليؤذيَنا! إنَّهُ رَجُلٌ إذَا صَلَّى وَقَرَأَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمَّدٌ يَرِقُّ وَيَبْكِي؛ وَكَانَتْ لَهُ هَيْئَةٌ وَنَحْوٌ؛ فَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ عَلَى صِبْيَانِنَا وَنِسَائِنَا وَضَعَفَتِنَا أَنْ يَفْتِنَهُمْ؛ فَأْتِهِ فمرْه أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَلْيَصْنَعْ فِيهِ مَا شَاءَ. قَالَتْ: فَمَشَى ابْنُ الدُّغُنَّةِ إلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ؛ إنِّي لَمْ أجرْك لِتُؤْذِيَ قومَك؛ إنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مكانَك الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَتَأَذَّوْا بِذَلِكَ مِنْكَ، فَادْخُلْ بَيْتَكَ، فَاصْنَعْ فيه ما أحببت قال: أو أرد عَلَيْكَ جوارَك وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ؟ قَالَ فارددْ عليَّ جواري؛ قال: قد رددته عليك
كَ، فَادْخُلْ بَيْتَكَ، فَاصْنَعْ فيه ما أحببت قال: أو أرد عَلَيْكَ جوارَك وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ؟ قَالَ فارددْ عليَّ جواري؛ قال: قد رددته عليك
قَالَتْ: فَقَامَ ابْنُ الدُّغنَّة، فَقَالَ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ قَدْ ردَّ عليَّ جِوَارِي فَشَأْنُكُمْ بِصَاحِبِكُمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَقِيَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ عَامِدٌ إلَى الْكَعْبَةِ، فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا. قَالَ: فمرَّ بِأَبِي بَكْرٍ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، أَوْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَا تَرَى إلَى مَا يَصْنَعُ هَذَا السَّفِيهُ؟ قَالَ: أَنْتَ فعلتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ. قَالَ: وَهُوَ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، مَا أَحْلَمَكَ! أَيْ رَبِّ، مَا أَحْلَمَكَ! أَيْ رب، ما أحلمك! حديث نَقْضِ الصَّحِيفَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمْ الَّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبُوهَا، ثُمَّ إنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الَّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ نفرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُبل فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُبيب بْنِ نَصْرِ بْنِ جُذَيمة بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْل بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلة بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصَلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، فَكَانَ -فِيمَا بَلَغَنِي- يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْب لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا حَتَّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشِّعْب خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ،
ِ فِي الشِّعْب لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا حَتَّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشِّعْب خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدْخُلُ الشِّعْب عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بزًا أو برًا، فيفعل به مثل ذلك. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّهُ مَشَى إلَى زُهير بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر بْنِ مَخْزُومٍ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهير، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثيابَ، وتَنكح النِّسَاءَ، وأخوالُك حَيْثُ قَدْ علمتَ، لَا يُباعون وَلَا يُبتاع مِنْهُمْ، وَلَا يَنكحون وَلَا يُنكح إلَيْهِمْ؟ أَمَا إنِّي أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا أخوالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ دَعَوْتَهُ إلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَكَ إلَيْهِ أَبَدًا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نقضِها حَتَّى أنقضَها، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ لَهُ زُهير: أَبْغِنَا رَجُلًا ثَالِثًا. فذهب إلى المطْعِم بن عدي، فَقَالَ لَهُ: يَا مُطعم أَقَدْ رضيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ! أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لتجدنَّهم إلَيْهَا
مِنْكُمْ سِرَاعًا، قَالَ وَيْحَكَ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا، قال: من هو؟ قال: أنا، فقال: أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَير بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ أبغنا رابعًا. فذهب إلى البَخْتري بن هشام، فقال لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ للمُطعم بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهير بن أبي أمية، والمطم بْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَا مَعَكَ، قَالَ أَبْغِنَا خَامِسًا. فَذَهَبَ إلَى زَمْعَة بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بن أسد، فكلمه وذكر لَهُ قَرَابَتَهُمْ وحقَّهم، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قال: نعم، ثم سمَّى له القوم. فاتَّعدوا خَطْمَ الْحَجُونِ١ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ. فَأَجْمَعُوا أمرَهم وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهير: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ، فَأَكُونُ أولَ مَنْ يَتَكَلَّمُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهير بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلة، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أهلَ مَكَّةَ، أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثيابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاَللَّهِ لَا أقعدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ.
يابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاَللَّهِ لَا أقعدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كذبتَ وَاَللَّهِ لَا تُشق، قَالَ زَمْعة بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاَللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حيثُ كُتبت، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمعة، لَا نَرْضَى مَا كُتب فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ، قَالَ المطعِم بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتب فِيهَا، قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بليلٍ، تَشُووِر فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا المكان. وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ المطْعِم إلَى الصَّحِيفَةِ ليشقَّها، فَوَجَدَ الأرَضَة قَدْ أكلتها، إلا "باسمك اللهم". وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ٢ بْنُ عِكْرِمَةَ. فشُلت يده فيما يزعمون.
ّحِيفَةِ ليشقَّها، فَوَجَدَ الأرَضَة قَدْ أكلتها، إلا "باسمك اللهم". وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ٢ بْنُ عِكْرِمَةَ. فشُلت يده فيما يزعمون.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أن رسول الله ﷺ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ؛ إنَّ رَبِّي اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تدعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ لِلَّهِ إلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهُ الظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ؛ فَقَالَ: أربُّك أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أحدٌ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمَّ صَحِيفَتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا، وَانْزِلُوا عَمَّا فِيهَا، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا دَفَعْتُ إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ: رَضِينَا. فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ نَظَرُوا. فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرًّا. فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرهْط مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصحيفةِ ما صنعوا١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا مُزقت الصَّحِيفَةُ وَبَطَلَ مَا فِيهَا. قَالَ أَبُو طَالِبٍ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُوا فِي نَقْضِهَا يَمْدَحُهُمْ: أَلَا هَلْ أَتَى بَحْرِيَّنا صُنْعُ رَبِّنَا عَلَى ... نَأْيِهِمْ واللهُ بالناسِ أرْوَدُ٢ فَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ الصحيفةَ مُزقت وأنْ كلُّ ... مَا لَمْ يَرْضه اللَّهُ مُفسِد تُرَاوِحُهَا إفْكٌ وَسِحْرٌ مجمَّعٌ ... وَلَمْ يُلفَ سِحر آخِرَ الدَّهْرِ يَصْعَد تَدَاعَى لَهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرٍ ... فَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدَّدُ٣ وَكَانَتْ كِفَاءً رَقْعَةٌ بِأَثِيمَةٍ ... لِيُقْطَعَ مِنْهَا سَاعِدٌ وَمُقَلَّدُ٤ ويَظْعنُ أهلُ المكَّتين فَيَهْرُبُوا ... فرائصُهم من خشيةِ الشرِّ تَرْعَد ويُتْرَك حَرَّات يقلب أمرَه ... أيتهِم منهم عِنْدَ ذَاكَ ويُنجِدُ٥
قَلَّدُ٤ ويَظْعنُ أهلُ المكَّتين فَيَهْرُبُوا ... فرائصُهم من خشيةِ الشرِّ تَرْعَد ويُتْرَك حَرَّات يقلب أمرَه ... أيتهِم منهم عِنْدَ ذَاكَ ويُنجِدُ٥ وَتَصْعَدُ بَيْنَ الأخْشَبَيْن كتيبةٌ ... لَهَا حُدُج سَهْمٌ وَقَوْسٌ ومِرْهد٦ فَمَنْ يَنَش مِنْ حضَّار مَكَّةَ عِزُّهُ ... فعِزتنا فِي بَطْنِ مكة أتلدُ
نَشَأْنَا بِهَا والناسُ فِيهَا قَلَائِلُ ... فَلَمْ ننْفكك نَزْدَادُ خَيْرًا ونُحمد ونُطعم حَتَّى يَتْرُكَ الناسُ فضلَهم ... إذَا جُعِلَتْ أَيْدِي المُفيضين ترعَد١ جَزَى الله رهطًا بالحَجون تتابعوا ... عَلَى ملإِ يُهْدِي لِحَزْمٍ ويُرشِد قُعودًا لَدَى خَطْمِ الحَجون كَأَنَّهُمْ ... مقاولةٌ بَلْ هُمْ أعزُّ وأمجدُ٢ أَعَانَ عَلَيْهَا كلُّ صَقْرٍ كَأَنَّهُ ... إذَا مَا مَشَى فِي رَفْرفِ الدرعِ أحردُ٣ جَرِيٌّ عَلَى جُلَّى الخطوبِ كَأَنَّهُ ... شِهاب بكَفّيْ قابسٍ يتوقدُ٤ مِنْ الْأَكْرَمِينَ مِنْ لُؤيِّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا سِيم خَسْفًا وجهُه يتربَّدُ طويلُ النِّجاد خارجٌ نِصْفُ ساقِه ... عَلَى وجهِه يُسْقَى الغَمامُ ويُسْعَد عظيمُ الرمادِ سيدٌ وابنُ سيدٍ ... يَحُضُّ عَلَى مَقرَى الضيوفِ ويحْشِدُ وَيَبْنِي لأبناءِ العشيرةِ صالِحًا ... إذَا نَحْنُ طُفنا فِي البلادِ ويَمْهَدُ ألَظَّ بِهَذَا الصِلح كُلُّ مُبرإ ... عَظِيمِ اللِّوَاءِ أَمْرُهُ ثَمَّ يُحمدُ٥ قَضَوْا مَا قَضَوْا فِي لَيْلِهِمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا ... عَلَى مَهَلٍ وَسَائِرُ النَّاسِ رُقَّدُ همُ رَجعوا سهلَ بنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا ... وسُر أَبُو بَكْرٍ بِهَا ومحمدُ مَتَى شُرك الأقوامُ فِي جُل أمرِنا ... وَكُنَّا قَدِيمًا قبلَها نتوددُ وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نقِرُّ ظُلَامَةً ... وَنُدْرِكُ ما شئنا ولا نتشددُ فيا لَقُصيُّ هَلْ لَكُمْ فِي نفوسِكم ... وَهَلْ لَكُمْ فِيمَا يجيءُ بَهْ غَدُ فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ قائل ... لديك البيانُ لو تكلمت أسودُ٦
يا لَقُصيُّ هَلْ لَكُمْ فِي نفوسِكم ... وَهَلْ لَكُمْ فِيمَا يجيءُ بَهْ غَدُ فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ قائل ... لديك البيانُ لو تكلمت أسودُ٦
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَبْكِي المطْعِم بْنَ عَدِيٍّ حِينَ مَاتَ، وَيَذْكُرُ قِيَامَهُ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ: أَيَا عينُ فَابْكِي سيدَ القومِ وَاسْفَحِي ... بدمعٍ وَإِنْ أنزَفْتِه فَاسْكُبِي الدمَا وبكِّي عظيمَ المُشعرين كليْهما ... عَلَى النَّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلَّمَا فَلَوْ كَانَ مجدٌ يُخلد الدهرَ وَاحِدًا ... مِنْ الناسِ، أَبْقَى مجدُه اليومَ مُطْعِمَا أجرتَ رسولَ الله منهم فأصبحوا ... عبيدَك ما لي مُهلّ وأحْرَمَا فَلَوْ سُئلتْ عَنْهُ مَعَدٌّ بأسرِها ... وقحطانُ أَوْ بَاقِي بقيةِ جُرْهُمَا لَقَالُوا هُوَ الموفِي بخُفْرَةِ جَارِهِ ... وذمتُه يَوْمًا إذَا مَا تذمَّما١ فَمَا تطلعُ الشمسُ المنيرةُ فوقَهم ... عَلَى مثلِه فِيهِمْ أعَزَّ وأعظمَا وآبَى إذَا يَأْبَى وألْينَ شِيمَةً ... وأنومَ عَنْ جَارٍ إذَا الليلُ أَظْلَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "كِلَيْهِمَا" عَنْ غير ابن إسحاق. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: "أجرْت رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ"، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَلَمْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، مِنْ تَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ، صَارَ إلَى حِرَاءٍ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: أَنَا حَلِيفٌ، وَالْحَلِيفُ لَا يُجِيرُ. فَبَعَثَ إلَى سُهيل بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: إنَّ بَنِي عَامِرٍ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ. فَبَعَثَ إلَى المطْعِم بْنِ عَدِيٍّ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَسَلَّحَ الْمُطْعِمُ وأهلُ بَيْتِهِ، وَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُدْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى عِنْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ. فَذَلِكَ الَّذِي يعني حسان بن ثابت.
أَنْ اُدْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى عِنْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ. فَذَلِكَ الَّذِي يعني حسان بن ثابت. قال ابن إسحاق: وقال حسانُ بن ثابت أَيْضًا: يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو لِقِيَامِهِ فِي الصَّحِيفَةِ: هَلْ يُوفينَّ بَنُو أميةَ ذِمَّةً ... عَقْدًا كَمَا أوْفَى جِوارُ هِشَامِ مِنْ مَعْشَرٍ لَا يَغْدِرون بجارِهم ... للحارث بن حُبَيِّب بن سُحَام وَإِذَا بَنُو حِسْلٍ أَجَارُوا ذِمَّةً ... أوفَوْا وأدَّوْا جارَهم بسلاَمَ وكان هشام أحد سُحام. قال ابن هشام: ويقال: سخام.
إسلام الطفيل بن عمرو الدَّوْسي: قريش تحذره من استماعه للرسول: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ، يَبْذُلُ لَهُمْ النَّصِيحَةَ، وَيَدْعُوهُمْ إلَى النَّجَاةِ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ، حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ يحذِّرونه النَّاسَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَرَبِ. وَكَانَ الطُّفَيْل بْنُ عَمرو الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ قَدِمَ مكةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ الطُّفيل رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا طُفَيْلُ، إنَّكَ قَدِمْتَ بلادَنا، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أعضَل بِنَا١، وَقَدْ فرَّق جَمَاعَتَنَا، وشتَّت أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كالسحرِ يفرِّق بَيْنَ الرجلِ وبينَ أَبِيهِ، وبينَ الرجلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ زوجتِه، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قومِك مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تكلمنَّه وَلَا تسمعنَّ منه شيئًا.
خِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ زوجتِه، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قومِك مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تكلمنَّه وَلَا تسمعنَّ منه شيئًا. استماعه للرسول ﷺ: قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا زَالُوا بِي حَتَّى أجمعتُ ألا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلِّمَهُ، حَتَّى حشوتُ فِي أُذُنَيَّ حِينَ غَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا٢ فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسمعَه. قَالَ: فغدوْت إلَى المسجدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَقُمْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، فَأَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بعضَ قولِه. قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا. قَالَ: فقلتُ فِي نَفْسِي: واثُكْلَ أُمِّي، وَاَللَّهِ إنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عليَّ الحسنُ مِنْ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أسمعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ! فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَأْتِي بَهْ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ كَانَ قبيحًا تركته. قَالَ: فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ قومَك قَدْ قَالُوا لِي كَذَا وكذا، للذي قالوا؛ فوالله ما
بَرحوا يخوِّفونني أمرَك حَتَّى سَددت أُذُنَيَّ بكُرْسُف لِئَلَّا أسمعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسمعني قولَك، فَسَمِعْتُهُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عليَّ أمرَك. قَالَ: فَعَرَضَ عليَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإسلامَ، وَتَلَا عليَّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قطُّ أحسنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أعدلَ مِنْهُ. قَالَ: فأسلمتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الحقِّ، وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي امْرُؤٌ مطاعٌ فِي قَوْمِي وَأَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِمْ، وَدَاعِيهمْ إلَى الإِسلام، فادعُ اللَّهَ أَنْ يجعلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجعلْ له آيةً. آية للطفيل ليصدقه قومه: قَالَ: فخرجتُ إلَى قَوْمِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِثَنيَّة١ تُطلعني عَلَى الْحَاضِرِ٢ وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عينيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ؛ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلةٌ وقعتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دينَهم قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي. قَالَ: فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطي كَالْقِنْدِيلِ المعلَّق، وَأَنَا أَهْبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثَّنيةِ، قَالَ: حَتَّى جئتُهم فأصبحتُ فيهم. إسلام والد الطُّفيل وزوجه: قَالَ: فَلَمَّا نَزَلْتُ أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَالَ: فَقُلْتُ: إليكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فلستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي قَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أسلمتُ وتَابعت دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ: قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، فَدِينِي دينُك؛ قَالَ: فَقُلْتُ: فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ. قَالَ: فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ. قَالَ: ثُمَّ جاء فعرضت عليه الإسلام، فأسلم.
َابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ. قَالَ: فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ. قَالَ: ثُمَّ جاء فعرضت عليه الإسلام، فأسلم. قَالَ: ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فقلتُ: إلَيْكَ عَنِّي، فلستُ مِنْكَ ولستِ مِنِّي؟ قَالَتْ: لِمَ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ فَرَّقَ بَيْنِي وبينَك الإِسلامُ، وتابعتُ دينَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ؛ قَالَ: قُلْتُ: فَاذْهَبِي إلَى حِنَا ذِي الشَّرَى -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حِمَى ذِي الشَّرَى- فَتَطَهَّرِي مِنْهُ. قَالَ: وَكَانَ ذُو الشَّرَى صَنَمًا لِدَوْسٍ، وَكَانَ الحمى حمى حموه له، وبه وَشَل٣ من ماء يهبط من جبل.
قال: فقالت: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَتَخْشَى عَلَى الصِّبْية مِنْ ذِي الشَّرَى شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فذهبتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فعرضتُ عليها الإِسلام، فأسلمت. ثُمَّ دَعَوْتُ دَوْسًا إلَى الإِسلام، فَأَبْطَئُوا عليَّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنه قد غلبني على دوس الزِّنا، فادعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهدِ دَوْسًا، ارْجِعْ إلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الإِسلام حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، حَتَّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْس، ثُمَّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ المسلمين. ثُمَّ لَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفَّيْنِ، صَنَمِ عَمرو بْنِ حُمَمة حتى أحرقه.
حَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفَّيْنِ، صَنَمِ عَمرو بْنِ حُمَمة حتى أحرقه. إحراق صنم ذي الكفين: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ طُفَيْلٌ يُوقِدُ عَلَيْهِ النَّارَ وَيَقُولُ: يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لستُ مِنْ عبادِكا ... ميلادُنا أقدمُ مِنْ ميلادِكا٢ إني حشوتُ النارَ في فؤادِكا قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قَبَضَ اللهُ رسولَه ﷺ فَلَمَّا ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ، خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحة، وَمِنْ أَرْضِ نَجْدٍ كُلِّهَا. ثُمَّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ، فَرَأَى رُؤْيَا وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فاعبرُوها لِي، رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي حُلق، وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنَّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَأَدْخَلَتْنِي فِي فرجِها، وَأَرَى ابْنِي يَطْلُبُنِي حَثِيثًا ثُمَّ رَأَيْتُهُ حُبس عَنِّي؛ قَالُوا: خَيْرًا؛ قَالَ: أَمَّا أَنَا وَاَللَّهِ فَقَدْ أَوَّلْتُهَا: قَالُوا: مَاذَا؟ قَالَ: أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ، وَأَمَّا الطَّائِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَدَخَلَتْنِي فَرْجَهَا فَالْأَرْضُ تُحفر لِي، فَأُغَيَّبُ فِيهَا، وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي إيَّايَ ثُمَّ حَبْسُهُ عَنِّي، فَإِنِّي أُرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي. فقُتل ﵀ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ اسْتَبَلَّ٣ مِنْهَا، ثُمَّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ شَهِيدًا.
قصة أعشى بني قيس بن ثعلبة: قدومه على الرسول ومدحه: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّة بْنِ خَالِدِ السُّدوسي وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكابة بْنِ صعب بن علي بن بكر بن وائل، خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَلَمْ تغتمضْ عَيْنَاكَ ليلةَ أرمدَا ... وبِتَّ كَمَا بَاتَ السليمُ مُسهَّدَا١ وَمَا ذَاكَ مِنْ عشقِ النساءِ وَإِنَّمَا ... تناسيتَ قبلَ اليوم خلةَ مهدداَ٢ وَلَكِنْ أَرَى الدهرَ الَّذِي هُوَ خَائِنٌ ... إذَا أصلحتْ كَفَّايَ عَادَ فأفسدَا كُهولًا وَشُبَّانًا فَقَدْتُ وَثَرْوَةً ... فللهِ هَذَا الدهرُ كَيْفَ ترددَا وَمَا زِلْتُ أَبْغِي المالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ ... وَلِيدًا وَكَهْلًا حِينَ شبتُ وأمْردَا وأبتذلُ العِيسَ المراقيلَ تُغْتلي ... مسافةَ مَا بينَ النُّجَيْر فصَرْخَدا٣ أَلَا أَيُّهَذَا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمتْ ... فَإِنَّ لَهَا فِي أهلِ يثربَ مَوْعدَا فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فيا رُبّ سائلٍ ... حَفِي عن الأعشى به حيثُ أَصْعَدَا أجدَّتْ بِرِجْلَيْهَا النجاءَ وراجعتْ ... يَدَاهَا خِنافًا لَيِّنًا غيرَ أحْردَا٤ وَفِيهَا إذَا مَا هجَّرَت عَجْرَفِيَّة ... إذَا خِلْتَ حَرْباءَ الظهيرةِ أصْيدَا٥ فآليتُ لا أرثي لَهَا مِنْ كُلالةٍ ... وَلَا مِنْ حَفى حَتَّى تُلاقي محمدَا٦
إذَا مَا هجَّرَت عَجْرَفِيَّة ... إذَا خِلْتَ حَرْباءَ الظهيرةِ أصْيدَا٥ فآليتُ لا أرثي لَهَا مِنْ كُلالةٍ ... وَلَا مِنْ حَفى حَتَّى تُلاقي محمدَا٦
مَتَى مَا تُنَاخِي عندَ بابِ ابنَ هَاشِمٍ ... تُراحي وتَلْقَى مِنْ فواضلِه نَدَى نَبِيًّا يَرَى مَا لَا تروْن وذِكْرُه ... أَغَارَ لَعَمْرِي فِي البلادِ وأنْجدَا لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تغِبُّ ونائِل ... وَلَيْسَ عطاءُ اليومِ مانعَه غدَا أجِدُّك لَمْ تسمعْ وَصَاةَ محمدٍ ... نَبِيِّ الإِلهِ حيثُ أوْصَى وأشْهدَا إذَا أَنْتَ لَمْ ترحلْ بزادٍ مَنْ التُّقَى ... وِلاقيْتَ بعدَ الموتِ مَنْ قَد تَزَوَّدَا ندمتَ على ألا تكونَ كمثلِه ... فتُرْصِدُ للموتِ الَّذِي كَانَ أرْصَدا١ فَإِيَّاكَ والميتَاتِ لَا تقربنَّها ... ولا تأخذَنْ سهمًا حديدًا لتُفْصِدَا ولا النَّصَب الْمَنْصُوبَ لَا تنسكُنَّه ... وَلَا تَعْبُدْ الأوثانَ وَاَللَّهَ فَاعْبُدَا٢ وَلَا تَقْرَبنْ حُرَّةً كَانَ سِرُّها ... عَلَيْكَ حَرَامًا فانْكَحَنْ أَوْ تأبدَا٣ وَذَا الرحِمِ القُرْبَى فَلَا تَقْطعَنَّه ... لعاقبةٍ وَلَا الْأَسِيرَ المقيَّدَا وسبِّح عَلَى حينِ العشياتِ والضُّحَى ... وَلَا تَحْمَدِ الشيطانَ والله فاحمدَا ولاتسْخرَنْ مِنْ بائسٍ ذِي ضَرارَةٍ ... وَلَا تحسَبَنَّ المالَ للمرءِ مُخلِدَا٤ نهاية الأعشى: فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، اعْتَرَضَهُ بعضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، إنَّهُ يحرِّم الزِّنَا، فَقَالَ الْأَعْشَى: وَاَللَّهِ إنَّ ذَلِكَ لَأَمْرٌ مَا لِي فِيهِ مِنْ أرَب، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ الْأَعْشَى: أَمَّا هَذِهِ فَوَاَللَّهِ إنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا لعُلالات، وَلَكِنِّي مُنْصَرِفٌ فأتروَّى مِنْهَا عَامِي هَذَا، ثُمَّ آتِيهِ فأسْلم٥، فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
كِنِّي مُنْصَرِفٌ فأتروَّى مِنْهَا عَامِي هَذَا، ثُمَّ آتِيهِ فأسْلم٥، فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
أبو جهل يُذل للرسول: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَ عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبُغْضِهِ إيَّاهُ، وَشِدَّتِهِ عَلَيْهِ، يُذلُّه اللهُ لَهُ إذَا رَآهُ. أبو جهل والإِراشي: قال ابن إسحاق: حدثني عبدُ الملك بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ وَاعِيَةً، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إِرَاش -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ إرَاشَةَ- بِإِبِلِ لَهُ مَكَّةَ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى نادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدِّينِي١ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقِّي؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: أَتَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الْجَالِسَ –لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَهْزَءُونَ به لما يعلمون ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ- اذْهَبْ إليه فإنه يؤديك عليه. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنَّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقٍّ لِي قِبَلَه، وَأَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ سَأَلْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدِّينِي عَلَيْهِ، يَأْخُذُ لِي حَقِّي مِنْهُ، فَأَشَارُوا لِي إلَيْكَ، فَخُذْ لِي حَقِّي مِنْهُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ؛ قَالَ: انطلقْ إلَيْهِ، وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ. قَالُوا لِرَجُلِ مِمَّنْ مَعَهُمْ: اتبعْه، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ.
نطلقْ إلَيْهِ، وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ. قَالُوا لِرَجُلِ مِمَّنْ مَعَهُمْ: اتبعْه، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ. قَالَ: وَخَرَجَ رسول الله ﷺ حتى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَاخْرُجْ إليَّ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ٢، قَدْ انتُقع لونُه، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ؛ قَالَ: نَعَمْ، لَا تبرحْ حَتَّى أعطيَه الَّذِي لَهُ، قَالَ: فدخل، فخرج إلَيْهِ قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لِلْإِرَاشِيِّ: الْحَق بِشَأْنِكَ، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَخَذَ لي حقي.
قَالَ: وَجَاءَ الرَّجُلُ الَّذِي بَعَثُوا مَعَهُ فَقَالُوا: وَيْحَكَ! مَاذَا رَأَيْتُ؟ قَالَ عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بابَه، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ روحُه فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ هَذَا حَقَّهُ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقَّهُ. فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: وَيْلَكَ! مَا لَكَ؟ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتُ قطُّ! قَالَ: وَيْحَكُمْ وَاَللَّهِ مَا هُوَ. إلَّا أَنْ ضَرَبَ عليَّ بَابِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فَمُلِئَتْ رُعْبًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إلَيْهِ، وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ، وَلَا قَصَرته، وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، وَاَللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لَأَكَلَنِي. أَمْرُ رُكَانَةَ المطلبي ومصارعته النَّبِيِّ، ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي: إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بن عبد المطلب بن عبد مناف بن أَشَدَّ قُرَيْشٍ؛ فَخَلَا يَوْمًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ياركانة، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوكَ إلَيْهِ؟ قَالَ: إنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ؛ أَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَقُمْ حَتْي أُصَارِعَكَ.
تُكَ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ؛ أَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَقُمْ حَتْي أُصَارِعَكَ. قَالَ: فَقَامَ إلَيْهِ رُكَانَةُ يُصَارِعُهُ فَلَمَّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَضْجَعَهُ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: عُدْ يَا مُحَمَّدُ، فَعَادَ فَصَرَعَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَلْعَجْبُ أَتَصْرَعُنِي؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْتَ أَنْ أُرِيَكَهُ، إنْ اتَّقَيْتَ اللَّهَ وَاتَّبَعْتَ أَمْرِي؛ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَدْعُو لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي، قَالَ: اُدْعُهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رسول الله ﷺ قال: فَقَالَ لَهَا ارْجِعِي إلَى مَكَانِكَ. قَالَ: فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا. قَالَ: فَذَهَبَ رُكانة إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أهلَ الْأَرْضِ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسْحَرَ مِنْهُ قَطُّ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِاَلَّذِي رَأَى وَاَلَّذِي صَنَعَ. قدوم وفد النصارى من الحبشة: أبو جهل يحاول ردهم عن الإسلام: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النَّصَارَى حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ. فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
سَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
عَمَّا أَرَادُوا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى اللَّهِ ﷿ وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ فَاضَتْ أَعَيْنُهُمْ مِنْ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ! بَعَثَكُمْ مَن وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مجالسُكم عندَه، حَتَّى فَارَقْتُمْ دينَكم وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، مَا نَعْلَمُ ركْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ. أَوْ كَمَا قَالُوا. فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَلَكُمْ مَا أنتم عليه، لم نألُ أنفسَنا خيرًا. وَيُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مِنْ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. فَيُقَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٢، ٥٣] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .
مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٢، ٥٣] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَأَلْتُ ابنَ شِهَابٍ الزهريَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي: مَا أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُنَّ أُنْزِلْنَ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] . إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إلَيْهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: خَبَّاب، وَعَمَّارٌ، وَأَبُو فَكيهة يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحرّث، وصُهَيب، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هَزِئَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ، كَمَا تَرَوْنَ؟ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالْهُدَى وَالْحَقِّ! لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمَّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إلَيْهِ، وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ دُونَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
َبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي- كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إلَى مَبْيَعة غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ، يُقَالُ لَهُ: جَبْرٌ، عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاَللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا
مِمَّا يَأْتِي بَهْ إلَّا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ، غُلَامُ بَنِي الحَضْرمي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . [النحل: ١٠٣] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُلحِدون إلَيْهِ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ. وَالْإِلْحَادُ: الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجَّاج: إذَا تَبع الضحاكَ كُلُّ مُلْحِدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي الضَّحَّاكَ الْخَارِجِيَّ، وَهَذَا الْبَيْتُ في أرجوزة له. سبب نزول سُورَةِ الْكَوْثَرِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمي فِيمَا بَلَغَنِي إذَا ذُكر رسول الله ﷺ قال: دَعُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ أَبْتَرُ لَا عَقِب لَهُ لَوْ مَاتَ لَانْقَطَعَ ذكرُه وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الْكَوْثَرَ: ١] مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الدُّنْيَا وما فيها والكوثر: العظيم. معنى الكوثر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ لَبيد بْنُ رَبِيعَةَ الْكِلَابِيُّ: وصاحبُ مَلْحوبٍ فُجعنا بيومِه وعندَ الرداعِ بيتُ آخِرَ كَوْثَرِ يَقُولُ: عَظِيمٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وصاحبُ ملحوبٍ: عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، مَاتَ بِمَلْحُوبِ. وَقَوْلُهُ: "وَعِنْدَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ": يَعْنِي شُرَيح بْنَ الأحْوص بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، مَاتَ بِالرِّدَاعِ. وَكَوْثَرٌ: أَرَادَ: الْكَثِيرَ. وَلَفْظُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ لَفْظِ الْكَثِيرِ. قَالَ الكُميت بْنُ زَيْدٍ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الملك بن مروان: وأنت كثير يابنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ وَكَانَ أَبُوكَ ابنَ الْعَقَائِلِ كوْثرا
ِ. قَالَ الكُميت بْنُ زَيْدٍ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الملك بن مروان: وأنت كثير يابنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ وَكَانَ أَبُوكَ ابنَ الْعَقَائِلِ كوْثرا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عَائِذٍ الهُذلي يَصِفُ حِمَارَ وَحْشٍ: يُحامي الحَقيقَ إذَا مَا احتدَمْن ... وحَمْحَمْنَ فِي كَوْثَرٍ كالجِلال١ يَعْنِي بِالْكَوْثَرِ: الْغُبَارَ الْكَثِيرَ، شَبَّهَهُ لِكَثْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْجِلَالِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضمْري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ؟ قَالَ: "نَهْرٌ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى أيْلة، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، تَرِدُهُ طُيُورٌ لَهَا أَعْنَاقٌ كَأَعْنَاقِ الْإِبِلِ". قَالَ: يَقُولُ عمرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ: آكلُها أَنْعَمُ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا. نُزُولُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] .
لْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا. نُزُولُ: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قومَه إلَى الإِسلام، وَكَلَّمَهُمْ فأبلغ إليهم، فقال زَمَعَة بْنُ الْأَسْوَدِ، والنضْر بْنُ الْحَارِثِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغوث، وأبيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ: لَوْ جُعل مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ مَلَك يُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ ويُرَى مَعَكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨، ٩] . نزول: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَهَمَزُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ الله تعالى
بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَهَمَزُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ الله تعالى
عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] . ذِكْرُ الإِسراء وَالْمِعْرَاجِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ قَالَ: ثُمَّ أسْري بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إيلِيَاء وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ، بِمَكَّةَ فِي قُرَيْشٍ، وَفِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسراه ﷺ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كُلٌّ يحدِّث عَنْهُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ أمرِه حِينَ أُسْرِيَ بِهِ ﷺ، وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ، وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وأمْر مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﷿ فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فِيهِ عِبرة لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدَّقَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﷾ عَلَى يَقِينٍ، فَأَسْرَى بَهْ ﷾ كَيْفَ شَاءَ، لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ، حَتَّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ وقدرتِه الَّتِي يَصنعُ بِهَا ما يريد. رواية ابن مسعود عن الإسراء: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ يَقُولُ:
ِ الْعَظِيمِ وقدرتِه الَّتِي يَصنعُ بِهَا ما يريد. رواية ابن مسعود عن الإسراء: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبُرَاقِ وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُحمل عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ قبلَه، تَضَعُ حافرَها فِي مُنْتَهَى طرفِها فحُمل عَلَيْهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ صاحبُه، يَرَى الآياتِ فِيمَا بَيْنَ السماءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى انْتَهَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبراهيمَ الْخَلِيلَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ جُمعوا لَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ. ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ، إنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ حِينَ عُرضتْ عَلَيَّ: إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَغَرِقَتْ أمتُه، وَإِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوي وغَوتْ أمتُه، وَإِنْ أَخَذَ اللَّبَنَ هُدِيَ وهُديت أمتُه". قَالَ: "فأخذتُ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇: هُديتَ وهُدِيت أمتُك يا محمد". رواية الحسن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الحِجْر، إذْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثانيةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي فَجَاءَنِي الثَّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَخَرَجَ بِي إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا دَابَّةٌ أَبْيَضُ، بَيْنَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، فِي فخذيه جناحان يحفز١ بهما رجله، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعِي لَا يَفُوتُنِي وَلَا أَفُوتُهُ". رواية قتادة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثتُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: حُدثت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ لِأَرْكَبَهُ شَمَسَ٢، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرفته، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحِي يَا بُرَاقُ٣ مِمَّا تَصْنَعُ، فَوَاَللَّهِ مَا رَكِبَكَ عَبْدٌ للهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ". قَالَ: "فَاسْتَحْيَا حَتَّى ارفضَّ٤ عرقا، ثم قرَّ حتى ركبته".
نَعُ، فَوَاَللَّهِ مَا رَكِبَكَ عَبْدٌ للهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ". قَالَ: "فَاسْتَحْيَا حَتَّى ارفضَّ٤ عرقا، ثم قرَّ حتى ركبته". عودة إلى رواية الحسن: قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَضَى جِبْرِيلُ ﵇ مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فأمَّهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا خَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ لَبَنٌ. قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَتَرَكَ إنَاءَ الْخَمْرِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هُديت لِلْفِطْرَةِ، وهُديَتْ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ، وحُرمت عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ. فَقَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ: هَذَا وَاَللَّهِ الإِمْر٥ الْبَيِّنُ، وَاَللَّهِ إنَّ الْعِيرَ لَتُطْرَدُ، شَهْرًا مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ مُدْبِرَةً، وَشَهْرًا مُقْبِلَةً، أَفَيَذْهَبُ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ؟! قَالَ: فَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ، وَذَهَبَ النَّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَصَلَّى فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ؛ فَقَالُوا: بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ في المسجد يحدث به
ى فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ؛ فَقَالُوا: بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ في المسجد يحدث به
النَّاسَ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ ذَلِكَ! فَوَاَللَّهِ إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي أَنَّ الْخَبَرَ لَيَأْتِيهِ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدِّقُهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ مِمَّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ. أحدَّثت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنَّكَ جِئْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"؛ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَصِفْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ جِئْتُهُ قَالَ الْحَسَنُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَرُفِعَ لِي حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ" فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصِفُهُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، كَلَمَّا وَصَفَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى إذَا انْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ فَيَوْمَئِذٍ سَمَّاهُ الصِّدِّيقَ. قَالَ الْحَسَنُ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ إسْلَامِهِ لِذَلِكَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] . فَهَذَا حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسرَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَمَا دَخَلَ فِيهِ من حديث قتادة. رواية عائشة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّ الله أسرى بروحه.
دَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّ الله أسرى بروحه. رواية معاوية: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة. الْإِسْرَاءُ رُؤْيَا: فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا، لِقَوْلِ الْحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ اللَّهِ ﵎: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخَبَرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ إذْ قَالَ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ. فَعَرَفْتُ أَنَّ الْوَحْيَ مِنْ اللَّهِ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي يَقُولُ: تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ، وَعَايَنَ فِيهِ مَا عَايَنَ، مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، عَلَى أَيِّ حَالَيْهِ كَانَ نَائِمًا، أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.
وصفه ﷺ إبراهيم وَمُوسَى وَعِيسَى: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ لِأَصْحَابِهِ إبراهيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ: "أَمَّا إبراهيمُ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ قَطُّ بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ؛ وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَقْنَى١ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ٢؛ وَأَمَّا عِيسَى ابن مَرْيَمَ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ، بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كَثِيرُ خِيلَانِ٣ الْوَجْهِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ٤: تَخَالُ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً، وَلَيْسَ بِهِ ما أَشْبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ". علي يصف الرسول ﷺ: قال ابن هِشَامٍ: وَكَانَتْ صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇: إذَا نَعَتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الممغَّط٥، وَلَا الْقَصِيرِ المتردِّد، وَكَانَ رَبْعة مِنْ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بالجعْد الْقَطَطِ٦ وَلَا السَّبِطِ: كَانَ جَعْدًا رَجِلًا٧، وَلَمْ يَكُنْ بالمطهَّم٨ وَلَا الْمُكَلْثَمِ٩. وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا: أَدْعَجَ١٠ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ١١، جَلِيلَ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ١٢، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ١٣، أَجْرَدَ١٤، شَثْنِ١٥ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ: إذَا مَشَى. تَقَلَّعَ١٦، كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ معًا. بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. أَجْوَدُ النَّاسِ كَفًّا، وَأَجْرَأُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَوْفَى النَّاسِ ذِمَّةً، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ﷺ.



