— Bagian 12 · وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَ… —
Bagian 12
وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ﷺ.
رواية أم هانئ عن الإسراء: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ﵂، واسمُها هِنْدٌ، فِي مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا وهو في بيتي: نائم عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِي، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أهبَّنا١ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، قَالَ: يَا أُمَّ هَانِئٍ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بيت المقدس فصليت فيه، ثم صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمْ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذْتُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَتَكَشَّفَ عَنْ بَطْنِهِ كَأَنَّهُ قُبْطِيَّةٌ٢ مَطْوِيَّةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يا نبي الله: لا تحدث بهذا للناس فَيُكَذِّبُوكَ وَيُؤْذُوكَ؛ قَالَ: وَاَللَّهِ لِأُحَدِّثَنَّهُمُوهُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ لِجَارِيَةٍ لِي حَبَشِيَّةٍ: وَيْحَكَ اتْبَعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَسْمَعِي مَا يَقُولُ لِلنَّاسِ، وَمَا يَقُولُونَ لَهُ. فَلَمَّا خَرَجَ رسول الله ﷺ إلى النَّاسِ أَخْبَرَهُمْ، فَعَجِبُوا وَقَالُوا: مَا آيَةُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَإِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا قَطُّ؛ قَالَ: "آيَةُ ذَلِكَ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابَّةِ، فندَّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَا متوجه إلَى الشَّامِ ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إذَا كُنْتُ بِضَجَنَانَ٣ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ: فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءِ، فَكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ مَا فِيهِ.
بَنِي فُلَانٍ: فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءِ، فَكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ مَا فِيهِ. ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ؛ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ عِيرَهُمْ الْآنَ يصوِّب٤ مِنْ الْبَيْضَاءِ، ثَنِيَّةِ التَّنْعِيمِ، يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ، عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ: إحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، وَالْأُخْرَى بَرْقَاءُ". قَالَتْ: فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثَّنِيَّةَ فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوَّلُ مِنْ الْجَمَلِ٥ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ عَنْ الْإِنَاءِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمْ هَبُّوا فَوَجَدُوهُ مغصَّ كَمَا غَطَّوْهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً. وَسَأَلُوا الْآخَرِينَ وَهُمْ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: صَدَقَ وَاَللَّهِ، لَقَدْ أُنْفِرْنَا فِي الْوَادِي الَّذِي ذَكَرَ، وَنَدَّ لَنَا بَعِيرٌ فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إلَيْهِ، حَتَّى أخذناه. قصة المعراج: الرسول ﷺ يصعد إلى السماء الأولى: وقال ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ: وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إذَا حُضر؟ فَأَصْعَدَنِي صَاحِبِي فِيهِ؛ حتى
انْتَهَى بِي إلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْحَفَظَةِ، عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ لَهُ: إسْمَاعِيلُ، تَحْتَ يَدَيْهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ"، قَالَ: يَقُولُ رسول الله ﷺ حين حَدَّث بِهَذَا الْحَدِيثِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] "فَلَمَّا دُخل بِي قَالَ: مَنْ هَذَا يَا جبريل؟ قال: مُحَمَّدُ. قَالَ: أوَقد بُعث؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فدعا لي بخير: وقاله". صفة مالك خازن النار: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَلَقَّتْنِي الْمَلَائِكَةُ حِينَ دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَلْقَنِي مَلَكٌ إلَّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، يَقُولُ خَيْرًا وَيَدْعُو بِهِ حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَدَعَا بِمِثْلِ مَا دَعَوْا بِهِ، إلَّا أنه لم يضحك، ولم أر منه الْبِشْرِ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْرِهِ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْمَلَكُ الَّذِي قَالَ لِي كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَضْحَكْ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ الَّذِي رأيت من غيره؟ " قَالَ: "فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: أَمَا إنَّهُ لَوْ ضَحِكَ إلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ، أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، لَضَحِكَ إلَيْكَ، وَلَكِنَّهُ لا يضحك، هذا مالك صاحب النار".
إنَّهُ لَوْ ضَحِكَ إلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ، أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، لَضَحِكَ إلَيْكَ، وَلَكِنَّهُ لا يضحك، هذا مالك صاحب النار". من صفات جهنم أعاذنا اللهّ منهما: فقال رسول الله ﷺ: "فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ، وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَكَانِ الذي وُصف لكم: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٣١] أَلَا تَأْمُرُهُ أَنْ يُرِيَنِي النَّارَ؟ فَقَالَ: بَلَى، يَا مَالِكُ، أرِ مُحَمَّدًا النَّارَ". قَالَ: "فَكَشَفَ عنها غطاءها"، فقال: "فَفَارَتْ وَارْتَفَعَتْ، حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَأْخُذَنَّ مَا أَرَى". قَالَ: "فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ يَا جِبْرِيلُ، مُرْهُ فَلْيَرُدَّهَا إلَى مَكَانِهَا". قَالَ: "فَأَمَرَهُ، فَقَالَ لَهَا: اخْبِى، فرجعتْ إلَى مَكَانِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ. فَمَا شَبَّهْتُ رُجُوعَهَا إلَّا وُقُوعَ الظِّلِّ. حَتَّى إذَا دَخلت مِنْ حَيْثُ خَرَجَتْ رَد عَلَيْهَا غطاءَها". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، رَأَيْتُ بِهَا رَجُلًا جَالِسًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ، فَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْرًا ويُسَر بِهِ، وَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ وَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرضت عَلَيْهِ: أُفٍّ، وَيَعْبِسُ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ". قَالَ: "قُلْتُ مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، تُعرض عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ سُرَّ بِهَا وَقَالَ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ. وَإِذَا مَرَّتْ بَهْ رُوحُ الْكَافِرِ منهم أنف منها وكرهها، وساءه ذلك، وقال: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ".
جَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ. وَإِذَا مَرَّتْ بَهْ رُوحُ الْكَافِرِ منهم أنف منها وكرهها، وساءه ذلك، وقال: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ". قَالَ: "ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإِبل، في أيديهم قطع من نار كالأنهار، يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أموال اليتامى ظلمًا".
قَالَ: "ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ١، يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ كالإِبل الْمَهْيُومَةِ٢ حِينَ يُعرضون عَلَى النَّارِ، يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ". قَالَ: "قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا". قَالَ: "ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ سمين طَيِّبٌ، إلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثٌّ مُنْتِنٌ، يَأْكُلُونَ مِنْ الْغَثِّ الْمُنْتِنِ، وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ". قَالَ: "قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ منهن". قَالَ: "ثُمَّ رَأَيْتُ نِسَاءً مُعَلَّقَاتٍ بِثُدِيِّهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ ليس منهم، فأكل حرائبهم٣، وطلع على عوراتهم".
َّدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ ليس منهم، فأكل حرائبهم٣، وطلع على عوراتهم". ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: "ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا فيها ابنا الخالة: عيسى ابن مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ صُورَتُهُ كَصُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"، قَالَ: "قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ". قَالَ: "ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ فَسَأَلْتُهُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: هَذَا إدْرِيسُ"، قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ، قَالَ: "ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، عَظِيمُ الْعُثْنُونِ٤، لَمْ أَرَ كَهْلًا أَجْمَلَ، مِنْهُ"، قَالَ: "قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا المحبَّب في قومه هارون بن عمران".
قَالَ: "ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ آدَمُ١ طَوِيلٌ أَقْنَى٢، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ؛ فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ. ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ إلَى بَابِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ"، قَالَ: "قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إبْرَاهِيمُ". قَالَ: "ثُمَّ دَخَلَ بِي الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا جَارِيَةً لَعْسَاءَ٣ فَسَأَلْتهَا: لِمَنْ أَنْتِ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتُهَا؛ فَقَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ"، فبشَّر بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حارثة. قال ابن إسحاق: ومن حديث ابن مَسْعُودٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْعَدْ بِهِ إلَى سَمَاءٍ مِنْ السَّمَوَاتِ إلَّا قَالُوا لَهُ حِينَ يَسْتَأْذِنُ فِي دُخُولِهَا: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ؛ فَيَقُولُونَ: أوَقَدْ بعث إليه؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُونَ: حيَّاه اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَصَاحِبٍ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ انْتَهَى بِهِ إلَى رَبِّهِ، فَفَرَضَ عَلَيْهِ خمسين صلاة في كل يوم.
ّهُ مِنْ أَخٍ وَصَاحِبٍ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ انْتَهَى بِهِ إلَى رَبِّهِ، فَفَرَضَ عَلَيْهِ خمسين صلاة في كل يوم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَقْبَلْتُ رَاجِعًا، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ كَانَ لَكُمْ، سَأَلَنِي: كَمْ فُرض عَلَيْكَ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ؛ فَقَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ ثَقِيلَةٌ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ ضَعِيفَةٌ، فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ وَعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي وَعَنْ أُمَّتِي، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ لِي مثل ذلك؛ فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي وَعَنْ أُمَّتِي، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ؟ فَرَجَعْتُ فسألت ربي فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، كُلَّمَا رَجَعْتُ إلَيْهِ، قَالَ: فارجع، فاسأل ربك حَتَّى انْتَهَيْتُ إلَى أَنْ وَضَعَ ذَلِكَ عَنِّي، إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ رَاجَعْتُ رَبِّي وَسَأَلْتُهُ، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، فَمَا أَنَا بِفَاعِلِ، فَمَنْ أَدَّاهُنَّ مِنْكُمْ إيمَانًا بِهِنَّ، وَاحْتِسَابًا لَهُنَّ، كَانَ لَهُ أجر خمسين صلاة".
حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، فَمَا أَنَا بِفَاعِلِ، فَمَنْ أَدَّاهُنَّ مِنْكُمْ إيمَانًا بِهِنَّ، وَاحْتِسَابًا لَهُنَّ، كَانَ لَهُ أجر خمسين صلاة".
المستهزئون بالرسول وكفاية الله أمرهم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدِّيًا إلَى قَوْمِهِ النَّصِيحَةَ عَلَى ما يلقى منهم من التكذيب والأذى وَكَانَ عُظَمَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قومهم. مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَي بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ أَبُو زَمَعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ، فقال: اللهم أعم بصره، وأثكله ولده. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. وَمِنْ بَنِي سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سعيد بن سهم. وَمِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ مَلَكَانَ. فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ، وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِهْزَاءَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . مَا فعل الله بالمستهزئين: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ فَعَمِيَ. وَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَأَشَارَ إلَى بطنه، فاستسقى بطنه فمات منه حَبْنا١.
وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ، كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ، وَهُوَ يَجُرُّ سَبَلَهُ١، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ يَرِيشُ نَبلا لَهُ، فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ، فَخَدَشَ فِي رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ، وَلَيْسَ بِشَيْءِ، فَانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. وَمَرَّ بَهْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، فَأَشَارَ إلَى أَخْمَصِ رِجْلِهِ وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ٢، فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ. وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ، فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَامْتَخَضَ قَيْحًا، فَقَتَلَهُ. قِصَّةُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدوسي: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ الْوَلِيدَ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ وَكَانُوا ثَلَاثَةً: هِشَامَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْ بَنِيَّ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ، فَلَا تُضَيِّعُوا فِيهِنَّ: دَمِي فِي خُزَاعَةَ فَلَا تطلنَّه٣، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُسَبُّوا بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَرِبَايَ فِي ثَقِيفٍ، فَلَا تَدَعُوهُ حَتَّى تَأْخُذُوهُ، وَعُقْرِي عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَلَا يَفُوتَنَّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ قَدْ زَوَّجَهُ بِنْتًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا عَنْهُ، فلم يدخلها عليه حتى مات.
نْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَلَا يَفُوتَنَّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ قَدْ زَوَّجَهُ بِنْتًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا عَنْهُ، فلم يدخلها عليه حتى مات. فلما هلك الوليد بن المغيرة وثب بَنُو مَخْزُومٍ عَلَى خُزَاعَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ عَقْلَ الْوَلِيدِ، وَقَالُوا: إنَّمَا قَتَلَهُ سَهْمُ صَاحِبِكُمْ وَكَانَ لِبَنِي كَعْبٍ حِلْفٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةُ ذَلِكَ، حَتَّى تَقَاوَلُوا أَشْعَارًا، وَغَلُظَ بَيْنَهُمْ الْأَمْرُ وَكَانَ الَّذِي أَصَابَ الْوَلِيدَ سَهْمُهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بْنِ مَخْزُومٍ: إنِّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا فَتَهْرُبُوا ... وَأَنْ تَتْرُكُوا الظهرَان تَعْوِي ثعالبُهْ٤ وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا ... وَأَنْ تَسْأَلُوا أَيُّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهُ؟ ٥ فَإِنَّا أَنَاسٌ لَا تُطَلُّ دِمَاؤُنَا ... وَلَا يتعالى صاعدًا من نحاربه٦
ِجِزْعَةِ أَطْرِقَا ... وَأَنْ تَسْأَلُوا أَيُّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهُ؟ ٥ فَإِنَّا أَنَاسٌ لَا تُطَلُّ دِمَاؤُنَا ... وَلَا يتعالى صاعدًا من نحاربه٦
وَكَانَتْ الظَّهْرَانُ وَالْأَرَاكُ مَنَازِلَ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خُزَاعَةَ. فَأَجَابَهُ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ، أَخُو بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا نُؤتَى الْوَلِيدَ ظُلامةً ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا تَزُولُ كَواكِبُهْ ويُصرع مِنْكُمْ مُسمن بَعْدَ مُسْمِنٍ ... وتُفتح بَعْدَ الْمَوْتِ قَسْرًا مَشَارِبُهْ١ إذَا مَا أَكَلْتُمْ خُبْزَكُمْ وَخَزِيرَكُمْ ... فَكُلُّكُمْ بَاكِي الْوَلِيدِ وَنَادِبُهْ٢ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ تَرَادُّوا وَعَرَفُوا أَنَّمَا يَخْشَى الْقَوْمُ السَّبة فَأَعْطَتْهُمْ خُزَاعَةُ بَعْضَ الْعَقْلِ وَانْصَرَفُوا عَنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا اصْطَلَحَ الْقَوْمُ قَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ: وقائلةٍ لَمَّا اصْطَلَحْنَا تَعَجُّبًا ... لِمَا قَدْ حَمَلْنَا لِلْوَلِيدِ وَقَائِلِ أَلَمْ تُقسموا تُؤْتُوا الْوَلِيدَ ظُلَامَةً ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا كَثِيرَ الْبَلَابِلِ٣ فَنَحْنُ خَلَطْنَا الْحَرْبَ بِالسِّلْمِ فَاسْتَوَتْ ... فأمَّ هَوَاهُ آمِنًا كُلُّ رَاحِلِ ثُمَّ لَمْ يَنْتَهِ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ حَتَّى افْتَخَرَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَصَابُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. فلحق بالوليد وبولده وقومه من ذلك ما حذر، فَقَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ: أَلَا زَعَمَ المغيرة أن كعبًا ... بمكة منهم قدر كبير فلا تفخر مغير أَنْ تَرَاهَا ... بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ٤ بِهَا آبَاؤُنَا وَبِهَا وُلدنا ... كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ٥
بير فلا تفخر مغير أَنْ تَرَاهَا ... بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ٤ بِهَا آبَاؤُنَا وَبِهَا وُلدنا ... كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ٥
وَمَا قَالَ المغيرةُ ذَاكَ إلَّا ... ليعلمَ شأنَنا أَوْ يَسْتَثِيرُ فَإِنَّ دمَ الْوَلِيدِ يُطَلُّ إنَّا ... نَطُلُّ دِمَاءً أَنْتَ بِهَا خَبِيرُ كَسَاهُ الْفَاتِكُ الْمَيْمُونُ سَهْمًا ... زُعَافًا وهْو مُمْتَلِئٌ بَهِيرُ١ فَخَرَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مُسلحبًّا ... كَأَنَّهُ عِنْدَ وَجْبَتِهِ بَعِيرُ سيكفيني مطال أبي هشام ... صغار جعدة الأوتار خُورُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا واحدًا أقذع فيه. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَهُوَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ عَاتِكَةُ؛ بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، لِوَصِيَّةِ أَبِيهِ إيَّاهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ، وَأُصِيبَ بَهْ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَمَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بِذِي الْمَجَازِ، فقال الناس: أخفر أَبُو سُفْيَانَ فِي صِهْرِهِ، فَهُوَ ثَائِرٌ بِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بِاَلَّذِي صَنَعَ ابْنُهُ يَزِيدُ –وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا حَلِيمًا مُنْكَرًا يُحِبُّ قَوْمَهُ حُبًّا شَدِيدًا- انْحَطَّ سَرِيعًا إلَى مَكَّةَ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حَدَثٌ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَأَتَى ابْنَهُ وَهُوَ فِي الْحَدِيدِ، فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَيِّبِينَ، فَأَخَذَ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هدَّه مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ! أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بعضَهم بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْس.
عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هدَّه مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ! أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بعضَهم بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْس. سنؤتيهم العَقْل إن قبلوه، وأطفئ لك الأمرَ. فَانْبَعَثَ حسانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ فِي دَمِ أَبِي أزَيْهر، وَيُعَيِّرُ أَبَا سُفْيَانَ خُفْرَته ويُجْبِنه، فَقَالَ: غَدَا أهلُ ضَوْجَىْ ذِي الْمَجَازِ كِلَيْهِمَا ... وَجَارَ ابنِ حربٍ بالمغمَّس مَا يغدُو٢ وَلَمْ يَمْنَعْ العيرُ الضَّروطُ ذمارَه ... وَمَا مَنَعَتْ مخزاةَ والدِها هندُ٣
كَسَاكَ هِشَامُ بنُ الْوَلِيدِ ثيابَه ... فأبْلِ وأخْلِفْ مثلَها جُدُدًا بَعْدُ قَضَى وَطَرًا مِنْهُ فَأَصْبَحَ مَاجِدًا ... وأصبحتَ رَخْوًا مَا تُخبُّ وَمَا تعدُو١ فَلَوْ أَنَّ أَشْيَاخًا ببدرٍ تَشَاهَدُوا ... لَبَلَّ نعالَ القومِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ٢ فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ قَوْلُ حَسَّانَ قَالَ: يُرِيدُ حَسَّانُ أَنْ يَضْرِبَ بَعْضَنَا بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ، بِئْسَ والله ما ظن. وَلَمَّا أَسْلَمَ أهلُ الطَّائِفِ كلَّم رسولَ اللَّهِ ﷺ خالدُ بنُ الوليد فِي رِبَا الْوَلِيدِ، الَّذِي كَانَ فِي ثَقِيفٍ، لِمَا كَانَ أَبُوهُ أَوْصَاهُ بِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ لِي بعضُ أهلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا بِأَيْدِي النَّاسِ نَزَلْنَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ خَالِدٍ الرِّبَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى آخر القصة فيها. دوس تحاول الثأر لأبي أزيهر: وَلَمْ يَكُنْ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ ثَأْرٌ نَعْلَمُهُ، حَتَّى حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا أَنَّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْداس الفِهْري خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَرْضِ دَوْس، فَنَزَلُوا عَلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أمُّ غَيْلان، مَوْلَاةٌ لِدَوْسٍ، وَكَانَتْ تمشِّط النِّسَاءَ، وتجهِّز الْعَرَائِسَ، فَأَرَادَتْ دَوْسٌ قَتْلَهُمْ بِأَبِي أُزَيْهِرٍ، فَقَامَتْ دُونَهُمْ أمُّ غَيْلَانَ وَنِسْوَةٌ مَعَهَا، حَتَّى مَنَعَتْهُمْ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ: جَزَى اللهُ عَنَّا أمَّ غَيْلان صَالِحًا ... ونسوَتها إذْ هُنَّ شُعْثٌ عواطلُ فَهُنَّ دَفَعْنَ الموتَ بعدَ اقترابِه ... وَقَدْ برزتْ لِلثَّائِرِينَ المقاتلُ دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فسالت شعابُها٣ ... بعز وأدَّتها الشَّراجُ القوابلُ٤
ّ دَفَعْنَ الموتَ بعدَ اقترابِه ... وَقَدْ برزتْ لِلثَّائِرِينَ المقاتلُ دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فسالت شعابُها٣ ... بعز وأدَّتها الشَّراجُ القوابلُ٤
وعَمرًا جًزًاهُ اللهُ خَيْرًا فَمَا وَنَى ... وَمَا بردتْ مِنْهُ لديَّ المفاصلُ فَجَرَّدْتُ سَيْفِي ثُمَّ قمتُ بنصلِه ... وَعَنْ أيِّ نفسٍ بعدَ نَفْسِي أقاتل أم غيلان وأم جميل: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ الَّتِي قَامَتْ دُونَ ضِرَارٍ أُمُّ جَمِيلٍ، وَيُقَالُ أُمُّ غَيْلَانَ؛ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ غَيْلَانَ قَامَتْ مَعَ أُمِّ جَمِيلٍ فِيمَنْ قَامَ دونه. فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ أُمُّ جَمِيلٍ، وَهِيَ تُرَى أَنَّهُ أَخُوهُ. فَلَمَّا انْتَسَبَتْ لَهُ عَرَفَ الْقِصَّةَ فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ بِأَخِيهِ إلَّا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ غازٍ، وَقَدْ عَرَفْتُ منَتّكَ عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهَا عَلَى أَنَّهَا ابْنَةُ سَبِيلٍ. قَالَ الرَّاوِي: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ ضِرار لَحِقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يضربه بعَرض الرمح ويقول: انج يابن الْخَطَّابِ لَا أَقْتُلُكَ؛ فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بعد إسلامه. وفاة أبي طالب وخديجة، وما عاناه رسول الله ﷺ بعدهما
عَرض الرمح ويقول: انج يابن الْخَطَّابِ لَا أَقْتُلُكَ؛ فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بعد إسلامه. وفاة أبي طالب وخديجة، وما عاناه رسول الله ﷺ بعدهما قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رسول الله ﷺ في بَيْتِهِ: أَبَا لَهَبٍ، والحَكم بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وعُقْبة بْنَ أَبِي مُعَيْط، وعَدِي بْنَ حَمْرَاءَ الثَّقَفِيَّ، وَابْنَ الأصْداء الْهُذَلِيَّ؛ وَكَانُوا جِيرَانَهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ –فِيمَا ذُكِرَ لِي– يَطْرَحُ عَلَيْهِ ﷺ رحِم الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمته١ إذَا نُصبت لَهُ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِجْرًا٢ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إذَا صَلَّى، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا طَرَحُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَذَى –كَمَا حَدَّثَنِي عُمر بْنُ عَبْدِ الله بن عروة بن الزبير، عن عروةبن الزُّبَيْرِ– يَخْرُجُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعُودِ، فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا! ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فتتابعت على
ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فتتابعت على
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَصَائِبُ بهُلْك خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْق عَلَى الْإِسْلَامِ، يَشْكُو إلَيْهَا؛ وبُهلْك عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ لَهُ عَضَدًا وحِرْزًا فِي أَمْرِهِ، ومَنَعة وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهاجره إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سفيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رسول ﷺ ذَلِكَ التُّرَابَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا: "لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ". قَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: "مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ، حَتَّى مَاتَ أَبُو طالب". المشركون يطلبون عهدًا بينهم وبين الرسول قبل موت أبي طالب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا ثِقَلُه، قَالَتْ قُرَيْشٌ بعضُها لِبَعْضِ: إنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كلِّها، فانطلِقوا بنا إلى أبي طالب، فيأخذ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وليعطِه مِنَّا، وَاَللَّهِ مَا نأمَن أَنْ يبتزُّونا١ أمرَنا.
قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كلِّها، فانطلِقوا بنا إلى أبي طالب، فيأخذ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وليعطِه مِنَّا، وَاَللَّهِ مَا نأمَن أَنْ يبتزُّونا١ أمرَنا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبد بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلَّمُوهُ؛ وَهُمْ أشرافُ قَوْمِهِ: عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ علمتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وتخوَّفْنا عَلَيْكَ، وَقَدْ علمتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فادْعه فَخُذْ لَهُ مِنَّا، وَخُذْ لَنَا مِنْهُ، ليكفَّ عَنَّا، ونكفَّ عَنْهُ، وليدعَنا ودينَنَا، وندَعه ودينَه؛ فَبَعَثَ إليه أبو طالب، فجاءه، فقال: يابن أَخِي، هَؤُلَاءِ أشرافُ قَوْمِكَ، قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ، لِيُعْطُوكَ، وَلِيَأْخُذُوا مِنْكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعطونيها تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ". قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وأبيكَ، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ؛ قَالَ: "تَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا الله، وتخلعون ما تعبدون
مِنْ دُونِهِ". قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الآلهةَ إلَهًا واحدًا، إن أمرَك لعَجب! قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ، فانطلِقُوا وامضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وبينه. قال: ثم تفرقوا. رجاء الرسول إسلام أبي طالب: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: والله يابن أَخِي، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا، قَالَ: فَلَمَّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إسْلَامِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: "أَيْ عَمِّ، فَأَنْتَ فقُلْها أَسْتَحِلَّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يومَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى حِرص رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عليه، قال: يابن أَخِي، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السُّبَّة عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إنَّمَا قُلْتهَا جَزعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا، لَا أَقُولُهَا إلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا. قَالَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ: نَظَرَ الْعَبَّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ: فَأَصْغَى إلَيْهِ بأذنِه، قال: فقال يابن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ أسمعْ".
، قال: فقال يابن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ أسمعْ". مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرَّسُولِ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرهط الذين كانوا قد اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا رَدُّوا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ١، ٢] إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٥٧] يَعْنُونَ النَّصَارَى، لِقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ثُمَّ هَلَكَ أَبُو طالب. سعي الرسول إلى الطائف وموقف ثقيف منه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللَّهِ ﷿، فخرج إليهم وحدَه. الثلاثة الذين نزل بهم رسول الله ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، عَمَد إلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ،
القُرَظي، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، عَمَد إلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ،
وَهُمْ إخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيل بْنُ عَمرو بْنِ عُمَير، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمرو بْنِ عُمَير، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَير بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقدة بْنِ غِيَرَة بْنِ عَوْف بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَح، فَجَلَسَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، وَكَلَّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ: هُوَ يَمْرُط١ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ! وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ -فِيمَا ذُكِرَ لِي: "إذَا فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنِّي"، وَكَرِهَ رسول الله ﷺ إن يَبْلُغَ قَوْمَهُ عَنْهُ، فيُذْئرهم٢ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ عَبيد بْنُ الأبْرص: وَلَقَدْ أَتَانِي عَنْ تميمٍ أَنَّهُمْ ... ذَئِروا لقَتْلى عَامِرٍ وَتَعَصَّبُوا
رهم٢ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ عَبيد بْنُ الأبْرص: وَلَقَدْ أَتَانِي عَنْ تميمٍ أَنَّهُمْ ... ذَئِروا لقَتْلى عَامِرٍ وَتَعَصَّبُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وعبيدَهم، يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَلْجَئُوهُ إلَى حَائِطٍ٣ لعُتبة بْنِ رَبِيعَةَ وشَيْبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ، فَعَمَدَ إلَى ظِلِّ حَبَلة٤ مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إلَيْهِ، وَيَرَيَانِ مَا لَقِيَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَقَدْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذُكِرَ لِي، الْمَرْأَةَ الَّتِي مِنْ بَنِي جُمَح، فَقَالَ لَهَا: ماذا لقينا من أحمائك؟ فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ – فِيمَا ذُكِرَ لِي: "اللَّهُمَّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُني؟ إلَى بَعِيدٍ يتجَهَّمني٥؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عليَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظلماتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أمرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنزل بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عليَّ سُخْطُك، لَكَ العُتْبَى حَتَّى ترضَى، وَلَا حولَ وَلَا قوةَ إلَّا بك".
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ، عُتبة وشَيْبة، وَمَا لَقِيَ، تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا١، فدعوَا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا، يُقَالُ لَهُ عَدَّاس، فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطفًا مِنْ هَذَا الْعِنَبِ، فَضَعْهُ فِي هَذَا الطَّبَقِ، ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ. فَفَعَلَ عَدَّاس، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يديْ رسول الله ﷺ، ثم قَالَ لَهُ: كُلْ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَهُ، قَالَ: "بِاسْمِ اللَّهِ"، ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاس فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أهلُ هَذِهِ الْبِلَادِ، فَقَالَ لَهُ رسول الله ﷺ: "ومن أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاس، وَمَا دينُك؟ " قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوى؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"؛ فَقَالَ لَهُ عَدَّاس: وَمَا يُدريك مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ"، فَأَكَبَّ عَدَّاس عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. قَالَ: يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَّا غلامُك فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ. فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَداس قالا له: ويلك يا عَدَّاس! ما لك تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي، مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ؛ قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ، لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّ دينَك خَيْرٌ من دينه.
أَخْبَرَنِي بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ؛ قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ، لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّ دينَك خَيْرٌ من دينه. وفد جن نصيبين: قَالَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ الطَّائِفِ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ، حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بنَخْلة٢ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ ﵎، وَهُمْ فِيمَا ذُكر لِي سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ أَهْلِ نَصِيبِينَ فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَى مَا سَمِعُوا، فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] . إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَقَالَ ﵎: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ . [الْجِنِّ: ١] . إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هذه السورة.
٣١] وَقَالَ ﵎: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ . [الْجِنِّ: ١] . إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هذه السورة.
عَرْضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نفسه على القبائل: عرض نفسه في المواسم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ: وَقَوْمُهُ أشدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خلافِه وَفِرَاقِ دِينِهِ، إلا قليلًا مستضعَفين ممن آمن به. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِض نفسَه فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ، عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَل، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يبينَ لهم ما بعثه به الله. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ أَصْحَابِنَا، مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَاد الدِّيَلي، أَوْ مَنْ حَدَّثَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَبِيعَةُ بْنُ عِبَاد. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسين بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبيد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عِبَاد، يُحَدِّثُهُ أَبِي، قَالَ: إنِّي لَغُلَامٌ شَابٌّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَقُولُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي، وَتُصَدِّقُوا بِي، وَتَمْنَعُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ١ عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ.
عُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ١ عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ. فَإِذَا فَرَغَ رسول الله ﷺ من قَوْلِهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ، قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أقَيْش، إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، مَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو لَهَبٍ. قال ابن هشام: قال النابغة:
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أقَيْشٍ ... يُقَعْقِعُ خلفَ رجْليه بِشَن١ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ أَتَى كِنْدة فِي مَنَازِلِهِمْ، وفيهم سيد لهم يقال: مُلَيْح، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ ﷿، وَعَرَضَ عليهم نفسه، فأبَوْا عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصين: أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَحْسَنَ اسمَ أَبِيكُمْ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عبد الله بن كعب بن مالك: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ العرب أقبح عليهم ردًا منهم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ ﷿، وعرض عليهم نفسَه، فقال رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرة بْنُ فِرَاسٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِرَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْخَيْرِ بْنِ قُشَير بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصعة: وَاَللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمَّ قَالَ: أرأيتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أفَتُهدَف٢ نحورُنا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ؛ فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
َهُ: أفَتُهدَف٢ نحورُنا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ؛ فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَلَمَّا صَدَرَ الناسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمْ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا. قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلافٍ، هل لذُنَاباها من
مَطْلب١، وَاَلَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تقوَّلها إسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عنكم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسلام، ويَعْرض عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ مِنْ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ لَا يَسْمَعُ بِقَادِمِ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنْ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إلَّا تصدَّى له، فدعا إلى الله، وعرَض عليه ما عنده. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الظَّفري عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: قَدِمَ سُويد بْنُ صَامِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف، مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَكَانَ سُوَيْدُ إنَّمَا يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمْ: الْكَامِلَ، لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا ولوترى ... مقالتَه بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْري٢
لَدِهِ وَشِعْرِهِ وَشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا ولوترى ... مقالتَه بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْري٢ مقالتُه كالشهدِ مَا كَانَ شَاهِدًا ... وبالغيبِ مأثورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النحرِ٣ يَسرك بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيَمِهِ ... نميمةُ غِشٍّ ِّتبتري عَقَبَ الظهرِ٤ تُبين لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كاتمٌ ... مِنْ الغلِّ والبغضاءِ بالنظرِ الشَّزْرِ فرِشْنِي بخير طالَما قد بَرَيْتَني ... وخيرُ الموالي من يَريشُ ولايَبْرِي٥ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ وَنَافَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيم، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زِعْب بْنِ مَالِكٍ على مائة نَاقَةٍ، إلَى كَاهِنَةٍ مِنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ، فَقَضَتْ لَهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا هُوَ والسَّلَمي، لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهَا، فَلَمَّا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الطَّرِيقُ، قَالَ: مَالِي يَا أَخَا بَنِي سُلَيم قَالَ: أَبْعَثُ إلَيْكَ بِهِ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِذَلِكَ إذَا فُتَّني به؟ قَالَ: كَلَّا، وَاَلَّذِي نَفْسُ سُوَيد بِيَدِهِ، لَا تُفَارِقَنِّي حَتَّى أوتَى بِمَالِي، فاتَّخذا فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَوْثَقَهُ رِبَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى بَعَثَتْ إلَيْهِ سُلَيم بِاَلَّذِي له، فقال في ذلك:
لا تحسبنِّي يابنَ زِغْبِ بْنِ مَالِكٍ ... كَمَنْ كُنت تُرْدِي بالغيوبِ وتَخْتِلُ تَحَوَّلْتَ قِرْنا إذْ صُرِعْت بعزةٍ ... كَذَلِكَ إِنَّ الحازمَ المتحوِّل ضربتُ بِهِ إبْطَ الشَّمَالِ فَلَمْ يزلْ ... عَلَى كلِّ حالٍ خدُّه هُوَ أسفلُ فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يَقُولُهَا. فَتَصَدَّى لَهُ رسول الله ﷺ حين سَمِعَ بِهِ، فَدَعَاهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيد: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَمَا الَّذِي مَعَكَ؟ " قَالَ: مَجَلَّةُ لُقمان١ –يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ– فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اعْرِضْهَا عَلَيَّ"، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: "إنَّ هَذَا لَكَلَامٌ حَسَنٌ، وَاَلَّذِي مَعِي أَفَضْلُ مِنْ هَذَا، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عليَّ، هُوَ هُدى وَنُورٌ"، فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُد مِنْهُ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإذا كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ: إنَّا لَنَرَاهُ قَدْ قُتل وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعاث٢. إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصَّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الحُصَيْن بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ ُمعاذ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الحَيْسَر، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتية مِنْ بَنِي عَبْدِ الأشْهل، فِيهِمْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الحِلْف مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رسول الله ﷺ،
بَنِي عَبْدِ الأشْهل، فِيهِمْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الحِلْف مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رسول الله ﷺ،
فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: "هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ " فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: "أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عليَّ الْكِتَابَ". قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ غلامًا حدثًا: أي قوم، وهذا وَاَللَّهِ خيرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ. قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الحَيْسر، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ بْنِ مُعاذ، وَقَالَ: دَعْنا مِنْكَ فلَعَمْري لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا. قَالَ: فَصَمَتَ إيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إلى المدينة، وكان وَقْعَةُ بُعاث بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما سمع. إسلام الأنصار: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا.
ْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادة، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَنْتُمْ؟ " قَالُوا نَفَرٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، قَالَ: "أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ " قَالُوا: نَعَمْ؛ قَالَ: "أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ " قَالُوا: بلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الإِسلام، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ قال: وكان مما صنع الله لهم به فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أهلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم١ بِبِلَادِهِمْ. فَكَانُوا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إنَّ نَبِيًّا مبعوثٌ الآنَ، قَدْ أَظَلَّ زمانُه، نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قتلَ عَادٍ وإرَم. فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: يَا قَوْمِ، تَعلَّموا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا تسبقُنكم إلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الإِسلام، وَقَالُوا: إنَّا قَدْ تَرَكْنَا قومَنا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَنَدْعُوهُمْ إلَى أمرك، ونعرض عَلَيْهِمْ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فإن يجمعهم الله عليك فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعِينَ إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا. أسماء من التقوا به ﷺ من الخزرج: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي: سِتَّةُ نَفَرٍ مِنْ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَهُوَ تَيْم اللَّهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمرو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ: أَسْعَدُ بْنُ زُرارة بْنِ عُدَس بْنِ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْم بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ؛ وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَاد بْنِ مَالِكِ بْنِ غُنْم بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْم بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. قَالَ ابنِ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْق بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْق بْنِ عَبْدِ حارثة بن مالك بن غضب بن جُشم بْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْق. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ الْأَزْرَقِ.
ْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْق. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ الْأَزْرَقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَلِمة بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَم بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بن غَنْم بن كعب بن سلمة: قُطْبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن غَنْم بن سَواد. قال ابن هشام: عمرو بن سواد، وليس لسواد ابن يقال له: غَنْم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سَلمة: عقبة بن عامر بن نابي بن زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ. وَمِنْ بَنِي عُبَيد بْنِ عدي بن غَنْم بن كعب بن سَلَمة: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيد. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رسولَ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ.
للَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ.
بيعة العقبة الأولى: حَتَّى إذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنْ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فلقُوه بِالْعَقَبَةِ: قَالَ: وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بيعةِ النساءِ١، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب. مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرارة بْنِ عُدَس بْنِ عُبَيد بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْم بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ؛ وَعَوْفٌ، وَمُعَاذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَواد بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْم بْنِ مَالِكِ بن النجار، وهما ابنا عفراء. وَمِنْ بَنِي زُرَيق بْنِ عَامِرٍ رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العَجْلان بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْق، وذَكْوان بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلَدة بن مُخْلِد بن عامر بن زُريْق. قال ابن هشام: ذَكْوان، مهاجري أنصاري. وَمِنْ بَنِي عَوْف بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي غَنْم بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ: عُبادة بْنُ الصامت بن قيس بن أصْرم بن فِهْر بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْم؛ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
نِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ: عُبادة بْنُ الصامت بن قيس بن أصْرم بن فِهْر بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْم؛ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمة بْنِ أصْرم بْنِ عَمرو بْنِ عَمَّارة، مِنْ بَنِي غُصَيْنة، من بَلِيّ حليف لهم. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ الْقَوَاقِلُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ الرَّجُلُ دَفَعُوا لَهُ سَهْمًا وَقَالُوا لَهُ: قَوْقِلْ بِهِ بِيَثْرِبَ حَيْثُ شئتَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَوْقَلَةُ: ضَرْبٌ من المشي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ومنِ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي العَجْلان بْنِ زَيْدِ بْنِ غنْم بْنِ سَالِمٍ: الْعَبَّاسُ بن عبادة بن نَضَلة بن مالك بن العَجْلان. ومن بني سَلَمة بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سارِدَة بْنِ تَزِيد بن جُشَم بن الخزرج، ثم من بني حرام بن كعب بن غَنْم بن سلمة: عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام. وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْم بْنِ كَعْبِ بن سلمة: قُطبة بن عامر بن حَديدة بن عمرو بن غَنْم بن سواد. وشهدها من الأوس ابن حارثة بن ثعلبة بن عَمرو بن عامر، ثم من بني عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهان، وَاسْمُهُ مَالِكٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التَّيِّهَانُ: يُخَفَّفُ ويثقل، كقوله ميْت وميِّت. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بن الأوس: عُوَيْم بن ساعدة.
كٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التَّيِّهَانُ: يُخَفَّفُ ويثقل، كقوله ميْت وميِّت. وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بن الأوس: عُوَيْم بن ساعدة. نص البيعة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْثد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اليزَني، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيلة الصَّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبادة بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفترض الحرب، على ألا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أولادَنا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي معروف: "فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ ﷿، إنْ شَاءَ عَذَّب وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الخَوْلاني أَبِي إدْرِيسَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: بَايَعْنَا، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ليلة العقبة الأولى على ألا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أولادَنا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي معروف: "فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك فَأُخِذْتُمْ بحدِّه فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ ﷿ إنْ شَاءَ عَذَّبَ، وإن شاء غفر".
إرسال مصعب بن عمير مَعَ وَفْدِ الْعَقَبَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ مُصْعَب بْنَ عُميْر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ مُصْعَبٌ. وَكَانَ منزَله١ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرارة بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ. قَالَ ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قَتادة: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضٌ. أول جمعة أقيمت بِالْمَدِينَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيف، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي: كعبِ بْنِ مَالِكٍ، حِينَ ذَهَبَ بصرُه، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ بِهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَسَمِعَ الأذانَ بِهَا صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. قَالَ: فَمَكَثَ حِينًا عَلَى ذَلِكَ لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا بِي لَعَجْزٌ، أَلَّا أَسْأَلَهُ مَا لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرارة؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا كُنْتُ أَخْرُجُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أبتِ، مَا لَكَ إذَا سَمِعْتَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّيْتَ عَلَى أَبِي أمامة؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ فِي هَزم النَّبِيتِ، مِنْ حَرَّة بَنِي بَياضة، يُقَالُ لَهُ: نَقيع الخَضمات، قَالَ: قُلْتُ: وَكَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا.



