سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya عبد الملك بن هشام (w. 213 H). Tahqiq: طه عبد الرؤوف سعد.

Bagian 19 dari 23 594 halaman

— Bagian 19 · بَنِي بَكْرٍ كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي عَامِ… —

Bagian 19

بَنِي بَكْرٍ كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ابْنٍ لِحَفْصِ بن الأخْيَف، أحد بني

مَعيص بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَي، خَرَجَ يَبْتَغِي ضَالَّةً لَهُ بضَجنان، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثَ فِي رَأْسِهِ ذُؤابة، وَعَلَيْهِ حُلَّة لَهُ، وَكَانَ غُلَامًا وَضِيئًا نَظِيفًا، فَمَرَّ بِعَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ المُلَوَّح، أَحَدِ بَنِي يَعْمَر بْنِ عوف بن كعب بن عامر بن لَيْث بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة، وَهُوَ بضَجْنان، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غلامُ؟ قال: أنا ابنٌ لحفصِ بن الأخْيف الْقُرَشِيِّ. فَلَمَّا ولَّى الْغُلَامُ، قَالَ عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ: يَا بَنِي بَكْرٍ، مَا لَكُمْ فِي قُرَيْشٍ مِنْ دَمٍ؟ قَالُوا: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّ لَنَا فِيهِمْ لَدِمَاءً، قَالَ: مَا كَانَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ برَجُله إلَّا كَانَ قَدْ اسْتَوْفَى دَمَهُ. قَالَ: فَتَبِعْهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَقَتَلَهُ بدمٍ كَانَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ؟ فَتَكَلَّمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَزِيدَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كَانَتْ لَنَا فِيكُمْ دِمَاءٌ، فَمَا شِئْتُمْ؟ إنْ شِئْتُمْ فأدُّوا عَلَيْنَا مَا لَنَا قِبَلَكم، وَنُؤَدِّي مَا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّمَا هِيَ الدِّمَاءُ: رَجُلٌ بِرَجُلِ، فَتَجَافَوْا عَمَّا لَكُمْ قِبَلَنَا، وَنَتَجَافَى عَمَّا لَنَا قِبَلَكُمْ، فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: صَدَقَ، رَجُلٌ بِرَجُلِ. فَلَهَوْا عَنْهُ، فَلَمْ يُطْلِبُوا بِهِ.

بَلَكُمْ، فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: صَدَقَ، رَجُلٌ بِرَجُلِ. فَلَهَوْا عَنْهُ، فَلَمْ يُطْلِبُوا بِهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا أَخُوهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْص بْنِ الْأَخْيَفِ يَسِيرُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، إذْ نَظَرَ إلَى عَامِرِ بْنِ يزيد بْنِ الملَوَّح عَلَى جَمَلٍ لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ حَتَّى أَنَاخَ بِهِ، وَعَامِرٌ مُتَوَشِّحٌ سَيْفَهُ، فَعَلَاهُ مِكْرَزٌ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ خَاضَ بَطْنَهُ بِسَيْفِهِ؟ ثُمَّ أَتَى بِهِ مَكَّةَ، فَعَلَّقَهُ مِنْ اللَّيْلِ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ رَأَوْا سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ مُعَلَّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: إنَّ هَذَا لَسَيْفُ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَدَا عَلَيْهِ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ حَرْبِهِمْ، حَجَزَ الإسلامُ بينَ النَّاسِ فَتَشَاغَلُوا بِهِ، حَتَّى أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ المسيرَ إلَى بَدْرٍ، فَذَكَرُوا الَّذِي بينهم وبينَ بني بكر فخافوهم. وَقَالَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فِي قَتْلِهِ عَامِرًا: لَمَّا رأيتُ أَنَّهُ هُوَ عَامِرٌ ... تَذَكَّرْتُ أشلاءَ الحبيبِ الملحَّبِ١ وَقُلْتُ لِنَفْسِي: إنَّهُ هُوَ عامرٌ ... فَلَا تَرْهبيه، وَانْظُرِي أيَّ مَرْكبِ وأيقنتُ أَنِّي إنْ أجَلِّلْه ضَرْبَةً ... مَتَى مَا أصبْه بالفُرافرِ يَعْطَبِ خفضتُ لَهُ جَأْشِي وألقيتُ كَلْكَلي ... عَلَى بطلٍ شاكي السلاحِ مُجَرَّب٢

وَلَمْ أَكُ لَمَّا الْتَفَّ رُوعِي وَرُوعُهُ ... عُصَارَةَ هُجُنٍ مِنْ نِسَاءٍ وَلَا أَبِ حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَلَمْ أَنْسَ ذَحْلَهُ ... إذَا مَا تَنَاسَى ذَحْلَهُ كُلُّ عَيْهَبِ١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَرَافِرُ في غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: الرَّجُلُ الْأَضْبَطُ، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ: السَّيْفُ، وَالْعَيْهَبُ: الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ، وَيُقَالُ لِتَيْسِ الظِّبَاءِ وَفَحْلِ النَّعَامِ: الْعَيْهَبُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْهَبُ: الرَّجُلُ الضَّعِيفُ عَنْ إدْرَاكِ وتره. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا أَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ ذَكَرَتْ الَّذِي كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ، فَكَادَ ذَلِكَ يُثْنِيهِمْ، فَتَبَدَّى لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَكُمْ جَارٌ مِنْ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا. خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَصْحَابِهِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَرَجَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَمَانِ ليالٍ خَلَوْنَ من شهر رمضان، واستعمل عمرو ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، وَيُقَالُ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤي، عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَدَّ أَبَا لُبَابَةَ من الروحاء، واستعمله على المدينة. اللواء والرايتان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أبيض. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ إحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ، وَالْأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الْأَنْصَارِ.

ُولِ اللَّهِ ﷺ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ إحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُقَالُ لَهَا: الْعُقَابُ، وَالْأُخْرَى مَعَ بَعْضِ الْأَنْصَارِ. عَدَدُ إبِلِ المسلمين إلى بدر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ إبِلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَاعْتَقَبُوهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ، مَوْلَيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بعيرًا.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَعَلَ عَلَى السَّاقة قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ أَخَا بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ. وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ معاذ، فيما قال ابن هشام. الطريق إلَى بَدْرٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ طَرِيقَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، عَلَى نَقْب الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَلَى الْعَقِيقِ، ثُمَّ عَلَى ذِي الحُليفة، ثُمَّ عَلَى أُولَاتِ الجَيْش. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ،: ذات الجيش.

ى مَكَّةَ، عَلَى نَقْب الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَلَى الْعَقِيقِ، ثُمَّ عَلَى ذِي الحُليفة، ثُمَّ عَلَى أُولَاتِ الجَيْش. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ،: ذات الجيش. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَرَّ عَلَى تُرْبان، ثُمَّ عَلَى مَلَل، ثُمَّ غَميس الحَمام مِنْ مَرَرَيْن، ثم على صُحَيْرات الْيَمَامِ، ثُمَّ عَلَى السَّيالة، ثُمَّ عَلَى فَجِّ الرَّوْحاء، ثُمَّ عَلَى شَنُوكة، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُعْتَدِلَةُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الظَّبْيَةُ: عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ- لَقُوا رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ النَّاسِ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا. فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: سلِّم على رسول الله ﷺ قَالَ: أَوَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فسلَّم عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَمَّا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ. قَالَ لَهُ سَلَمة بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقش: لَا تَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبِلْ عليَّ فَأَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ. نَزَوْتَ عَلَيْهَا، فَفِي بَطْنِهَا مِنْكَ سَخْلة١، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَهْ أفحشْتَ على الرجل"، ثم أعرض عن سَلمة.

َا أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ. نَزَوْتَ عَلَيْهَا، فَفِي بَطْنِهَا مِنْكَ سَخْلة١، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَهْ أفحشْتَ على الرجل"، ثم أعرض عن سَلمة. وَنَزَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سَجْسج وَهِيَ بِئْرُ الرَّوْحاء ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا، حَتَّى إذَا كَانَ بالمنْصَرَف، تَرَكَ طَرِيقَ مَكَّةَ بِيَسَارٍ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى النَّازِيَةِ، يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتَّى جَزَع وَادِيًا٢، يُقَالُ لَهُ رُحْقان، بَيْنَ النَّازِيَةِ وَبَيْنَ مَضِيق الصَّفْراء، ثُمَّ عَلَى الْمَضِيقِ، ثُمَّ انْصَبَّ مِنْهُ، حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الصَّفْرَاءِ، بعثَ بَسْبَس بْنَ الجُهَني حليفَ بَنِي سَاعِدَةَ، وعَدِي بْنَ أَبِي الزّغْباء الْجُهَنِيَّ، حَلِيفَ بَنِي النَّجَّارِ، إلَى بَدْرٍ يَتَحَسَّسَانِ لَهُ الْأَخْبَارَ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رسول الله ﷺ، وقد قدمها. فلما استقبل في الصَّفراء، وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ جَبَلين، سَأَلَ عَنْ جَبَلَيْهِمَا مَا اسْمَاهُمَا؟ فَقَالُوا: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا مُسْلح، وللآخر: هذا مُخْزِئ، وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِهِمَا فَقِيلَ: بَنُو النَّارِ وَبَنُو حُراق، بَطْنَانِ مِنْ بَنِي غِفار فَكَرِهَهُمَا رسولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُرُورُ بَيْنَهُمَا، وَتَفَاءَلَ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَسْمَاءِ٣ أَهْلِهِمَا: فَتَرَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّفْرَاءَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: ذَفِرَان، فجزع فيه، ثم نزل.

وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] . وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بَرْك الْغِمَادِ١ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ. استشارة الْأَنْصَارِ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَشِيرُوا عليَّ أَيُّهَا النَّاسُ" وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بُرآء مِنْ ذمامِك حَتَّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا، فَأَنْتَ فِي ذِمَّتِنَا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أبناءَنا ونساءَنا. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتخوَّف أَلَّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ.

عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوٍّ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَجَلْ": قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عهودَنا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فخُضته لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تخلَّف مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُريك مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عينُك، فسِر بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فسُر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ونشَّطه ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "سِيرُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي الْآنَ أنظر إلى مصارع القوم". ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَفران، فَسَلَكَ عَلَى ثَنايا، يُقَالُ لَهَا: الأصَافِر، ثُمَّ انْحَطَّ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: الدَّبَّة، وَتَرَكَ الحَنَّان بِيَمِينٍ وَهُوَ كَثيب عَظِيمٌ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخ من العرب، فسأله

ُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخ من العرب، فسأله

عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاكَ". قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ الشَّيْخُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الَّذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَحْنُ مِنْ مَاءٍ"، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: ذَلِكَ الشَّيْخُ: سُفْيَانُ الضَّمْري.

صَرَفَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: ذَلِكَ الشَّيْخُ: سُفْيَانُ الضَّمْري. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى مَاءِ بَدْرٍ، يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ لَهُ عَلَيْهِ -كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- فَأَصَابُوا رَاويةً١ لِقُرَيْشٍ فِيهَا أسْلَم، غُلَامُ بَنِي الحجَّاج، وعَرِيض أَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَتَوْا بِهِمَا فَسَأَلُوهُمَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَقَالَا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ، بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ فَكَرِهَ القومُ خبرَهما، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَا لِأَبِي سُفْيَانَ، فَضَرَبُوهُمَا. فَلَمَّا أَذْلَقُوهُمَا٢ قَالَا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا. وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وَقَالَ: "إذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، وَاَللَّهِ إنَّهُمَا لِقُرَيْشِ، أَخْبِرَانِي عَنْ قُرَيْشٍ؟ " قَالَا: هُمْ وَاَللَّهِ وَرَاءَ هَذَا الكَثيب الَّذِي تَرَى بالعُدْوة القُصْوى -وَالْكَثِيبُ: العَقَنْقَل- فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَمْ الْقَوْمُ؟ " قَالَا: كَثِيرٌ؟ قَالَ: "مَا عِدَّتُهُمْ؟ " قَالَا: لَا نَدْرِي، قَالَ: "كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟ " قَالَا: يَوْمًا تِسْعًا، وَيَوْمًا عَشْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "القوم فيما بين التسعمائة وَالْأَلْفِ".

الَ: "كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟ " قَالَا: يَوْمًا تِسْعًا، وَيَوْمًا عَشْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "القوم فيما بين التسعمائة وَالْأَلْفِ". ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: "فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ " قَالَا: عُتْبَةُ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو البخْتَري بْنُ هِشَامٍ، وحَكيم بْنُ حِزام، ونوْفل بْنُ خوَيلد، وَالْحَارِثُ بْنُ عامر بن نَوْفل، وطُعَيْمة بن عَدِي بن نَوْفل، والنَّضْر بْنِ الْحَارِثِ، وزَمَعَة بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبَيه، ومُنَبّه ابْنَا الْحَجَّاجِ، وسُهَيل بْنُ عَمْرٍو، وعَمرو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إلَيْكُمْ أَفْلَاذَ٣ كَبِدِهَا".

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ بَسْبَس بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْباء قَدْ مَضَيَا حَتَّى نَزَلَا بَدْرًا، فَأَنَاخَا إلَى تَلٍّ قَرِيبٍ مِنْ الماء، ثم أخذا شَنًّا لهما١ يسقيان فِيهِ، ومَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ عَلَى الْمَاءِ فَسَمِعَ عَدِيٌّ وَبَسْبَسُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَاضِرِ٢، وَهُمَا يَتلازمان٣ عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَلْزُومَةُ٤ تَقُولُ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّمَا تَأْتِي العيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غدٍ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ، ثُمَّ أَقْضِيكَ الَّذِي لَكَ، قَالَ مَجْدِي: صدقتِ، ثُمَّ خلَّص بَيْنَهُمَا. وَسَمِعَ ذَلِكَ عَدي وبَسْبس، فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فأخبراه بما سمعا. نجاة أبي سفيان بِالْعِيرِ: وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، حَتَّى تَقَدَّمَ الْعِيرَ حذَرًا، حَتَّى وَرَدَ الْمَاءَ؟ فَقَالَ لِمَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو: هَلْ أحسستْ أَحَدًا؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْكَرَهُ، إلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ قَدْ أَنَاخَا إلَى هَذَا التَّلِّ، ثُمَّ اسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا. فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ مُناخَهما، فَأَخَذَ مِنْ أبعارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى؟ فَقَالَ: هَذِهِ وَاَللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ عَنْ الطَّرِيقِ، فساحَلَ بِهَا٥، فترك بدرًا بيسار وانطلق حتى أسرع.

هِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا، فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ عَنْ الطَّرِيقِ، فساحَلَ بِهَا٥، فترك بدرًا بيسار وانطلق حتى أسرع. قَالَ: وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا نَزَلُوا الجُحْفة، رَأَى جُهَيم بن الصَّلْت بن مَخْرمة بن عبد الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا، فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، وَإِنِّي لَبَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ، إذْ نَظَرْتُ إلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتَّى وَقَفَ، وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ؟ ثُمَّ قَالَ: قُتل عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَف، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَعَدَّدَ رِجَالًا مِمَّنْ قُتل يَوْمَ بدرِ، مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فِي لَبَّة بَعِيرِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ؟ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أخْبية الْعَسْكَرِ إلَّا أَصَابَهُ نَضْح مِنْ دَمِهِ. قَالَ: فبلغتْ أَبَا جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَذَا أَيْضًا نَبِيٌّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ المقتول إن نحن التقينا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ أحْرز عِيرَهُ، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ: إنَّكُمْ إنَّمَا خَرَجْتُمْ لتَمنعوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، فَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا -وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يجتمع لهم به

ا؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا -وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يجتمع لهم به

سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الجُزر، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ ونُسْقي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وجَمْعنا، فَلَا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضوا. وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ: وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهرة وَهُمْ بالجُحْفة: يَا بَنِي زُهرة، قَدْ نجَّى اللَّهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وخَلَّص لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرمة بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا لِي جُبْنَها وَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تخرجوا في ضَيْعة، لَا مَا يَقُولُ هَذَا، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ. فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيّ وَاحِدٌ، أَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مُطاعًا، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلَّا وَقَدْ نَفر مِنْهُمْ نَاسٌ، إلَّا بَنِي عَدِي بْنِ كَعْبٍ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَرَجَعَتْ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيق، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ، وَمَشَى الْقَوْمُ. وَكَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -وَكَانَ فِي الْقَوْمِ- وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ، فَقَالُوا: واللَه لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا، أَنَّ هَوَاكُمْ لَمَعَ مُحَمَّدٍ: فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مكة مع من رجع، وقال طالب بن أَبِي طَالِبٍ: لَا هُمَّ إمَّا يَغْزُوَنَّ طالبْ ... فِي عُصبةٍ مُحَالِفٌ مُحاربْ فِي مِقْنبٍ مِنْ هَذِهِ المقانبْ ... فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غيرَ السالبْ١ وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ"، وَقَوْلُهُ: "وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ" عَنْ غَيْرِ واحد من الرواة للشعر.

بُ غَيْرَ الْغَالِبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ "فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ"، وَقَوْلُهُ: "وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ" عَنْ غَيْرِ واحد من الرواة للشعر. قريش تنزل بالعدوة والمسلمون بِبَدْرِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلُوا بالعُدْوَة القُصْوَى مِنْ الْوَادِي، خَلْفَ العَقَنْقَل وَبَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ يَلْيَل، بَيْنَ بَدْرٍ وَبَيْنَ العَقَنْقَل الْكَثِيبُ الَّذِي خَلْفَهُ قُرَيْشٌ، والقُلُب٢ بِبَدْرِ فِي العُدْوة الدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ يَلْيَل إلَى المدينة. وبعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا٣، فَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنْهَا مَا لَبَّد لَهُمْ الأرضَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ عَنْ السَّيْرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهَا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا جمعه. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبادرهم إلى الماء، حَتَّى إذَا جَاءَ أَدُنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نزل به.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فحُدثت عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلمة، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا: أَنَّ الحُباب بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الجَموح قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أرأيتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أنزلَكه اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرأيُ والحربُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: "بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ ثُمَّ نُغَوِّر مَا وَرَاءَهُ مِنْ القُلُب، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فنمْلؤه مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ أشرتَ بِالرَّأْيِ". فَنَهَضَ رسول الله ﷺ ومن مَعَهُ مِنْ النَّاسِ فَسَارَ حَتَّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أمر بالقُلُب فغُوِّرت، وبنى حَوْضا على القُلُب الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فيه الآنية.

نْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أمر بالقُلُب فغُوِّرت، وبنى حَوْضا على القُلُب الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فيه الآنية. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدث: أَنَّ سَعْدَ بْنَ معاذ قال: يا نبي الله، ألا نبتني لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، ونُعد عِنْدَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ، فَلَحِقْتَ بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَكَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ، ثُمَّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عريشٌ، فكان فيه ارتحال قريش ودعاء الرسول عليهم: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ ارْتَحَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أَصْبَحَتْ، فَأَقْبَلَتْ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصوَّب مِنْ العَقَنْقَل -وَهُوَ الْكَثِيبُ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ إلَى الْوَادِي- قَالَ: "اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بخُيلائها وَفَخْرِهَا، تُحادُّك وتكذِّب رسولَك، اللَّهُمَّ فنصرَك الَّذِي وَعَدْتنِي، اللَّهُمَّ أحِنْهم١ الْغَدَاةَ". وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَقَدْ رَأَى عتبةُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ-: "إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدوا".

لْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ-: "إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدوا". وَقَدْ كَانَ خُفاف بْنُ أَيْمَاءَ بْنِ رَحَضة الغِفاري، أَوْ أَبُوهُ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، بَعَثَ إلَى قُرَيْشٍ، حِينَ مَرُّوا بِهِ، ابْنَا لَهُ بِجَزَائِرِهِ٢ أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَقَالَ: إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نُمِدَّكُمْ بِسِلَاحِ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ: أَنْ وصَلَتْك رَحِم، قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ فلعَمْري لَئِنْ كُنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا مِنْ ضَعْفٍ عَنْهُمْ، وَلَئِنْ كُنَّا إنَّمَا نُقَاتِلُ اللَّهَ، كَمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ، فَمَا لِأَحَدِ بِاَللَّهِ مِنْ طَاقَةٍ.

فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ أَقْبَلَ نفرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى وَرَدُوا حوضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "دَعُوهُمْ"، فَمَا شَرِبَ مِنْهُ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ إلَّا قُتل، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حَكيم بْنِ حِزَامٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقتل، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فحسن إسلامه. فكان إذا جهد فِي يَمِينِهِ، قَالَ: لَا وَاَلَّذِي نَجَّانِي مِنْ يوم بدر.

ِ حِزَامٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُقتل، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فحسن إسلامه. فكان إذا جهد فِي يَمِينِهِ، قَالَ: لَا وَاَلَّذِي نَجَّانِي مِنْ يوم بدر. قال ابن إسحاق: وحدثني أبي: إسحاق بن يَسَارٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: لَمَّا اطْمَأَنَّ الْقَوْمُ، بَعَثُوا عُمَير بْنَ وَهْبٍ الجُمَحي فَقَالُوا: احْزُروا لَنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْعَسْكَرِ ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رَجُلٍ، يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ، وَلَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتَّى أَنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ؟ قَالَ: فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتَّى أَبْعَدَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، وَلَكِنِّي قَدْ رَأَيْتُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، البَلايا١ تَحْمِلُ الْمَنَايَا، نَوَاضِحُ٢ يَثْرب تَحْمِلُ الموتَ النَّاقِعَ، قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلَّا سُيُوفُهُمْ، وَاَللَّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقتل رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى يَقتل رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خيرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَرُوا رَأْيَكُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي النَّاسِ، فَأَتَى عُتبة بْنَ رَبِيعَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، إنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، وَالْمُطَاعُ فِيهَا، هَلْ لَكَ إلَى أَنْ لَا تَزَالَ تُذكر فِيهَا بِخَيْرِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنَّاسِ، وَتَحْمِلُ أمرَ حَلِيفِكَ عَمرو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: قَدْ فعلتُ، أَنْتَ عليَّ بِذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ حَلِيفِي، فَعَلَيَّ عقلُه وَمَا أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية.

ِكَ عَمرو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: قَدْ فعلتُ، أَنْتَ عليَّ بِذَلِكَ، إنَّمَا هُوَ حَلِيفِي، فَعَلَيَّ عقلُه وَمَا أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية. الحنظلية ونسبها: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْحَنْظَلِيَّةُ أُمُّ أَبِي جَهْلٍ، وَهِيَ أَسَمَاءُ بِنْتُ مُخَرَّبة، أَحَدُ بَنِي نَهْشِل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ فَإِنِّي لَا أَخْشَى أَنْ يَشْجُرَ أَمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ، يَعْنِي أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَام. ثُمَّ قَامَ عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ خَطِيبًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تلْقَوْا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا، وَاَللَّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النظر إليه، قَتل ابنَ عمه وابنَ خَالِهِ، أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ، فَارْجِعُوا وَخَلُّوا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ أَصَابُوهُ فَذَاكَ الَّذِي أَرَدْتُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ألفاكم ولم تَعَرَّضوا منه ما تريدون.

قَالَ حَكيم: فانطلقتُ حَتَّى جئتُ أَبَا جَهْلٍ، فَوَجَدْتهُ قَدْ نَثَل١ دِرْعًا لَهُ مِنْ جِرَابِهَا، فَهُوَ يَهْنِئها٢ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُهيئها- فقلتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَمِ إنَّ عُتْبَةَ أَرْسَلَنِي إلَيْكَ بِكَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي قَالَ، فَقَالَ: انْتَفَخَ وَاَللَّهِ سَحْرُه حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، كَلَّا وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وبينَ مُحَمَّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أكلةَ جَزُور، وَفِيهِمْ ابْنُهُ، فَقَدْ تخوَّفكم عَلَيْهِ. ثُمَّ بَعَثَ إلى عامر بن الحَضْرمي، فقال: هذا يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ، فَقُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَك، وَمَقْتَلَ أَخِيكَ. فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الحَضْرمي فَاكْتَشَفَ ثُمَّ صَرَخَ: واعَمْراه. واعَمْراه، فحميت الحرب، وحَقِب٣ الناس، واستوثقوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرِّ. وَأُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ الرأيُ الَّذِي دَعَاهُمْ إلَيْهِ عُتْبَةُ. فَلَمَّا بَلَغَ عُتبة قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ "انْتَفَخَ والله سَحْرُه"، ال: سَيَعْلَمُ مُصَفِّرُ استِه٤ مَنْ انْتَفَخَ سَحْرُه، أَنَا أَمْ هُوَ؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: السَّحْر: الرِّئَةُ وَمَا حَوْلَهَا مِمَّا يَعْلَقُ بِالْحُلْقُومِ مِنْ فَوْقِ السُّرَّةِ. وَمَا كَانَ تَحْتَ السُّرَّةِ، فَهُوَ القُصْب، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: رَأَيْتُ عَمرو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَه فِي النَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ. ثُمَّ الْتَمَسَ عُتبة بَيْضةً ليُدخلها فِي رَأْسِهِ، فَمَا وَجَدَ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اعْتَجَرَ٥ عَلَى رَأْسِهِ بُبرد لَهُ.

يُدخلها فِي رَأْسِهِ، فَمَا وَجَدَ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اعْتَجَرَ٥ عَلَى رَأْسِهِ بُبرد لَهُ. مَقْتَلُ الأسود بن عبد الأسد الْمَخْزُومِيِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ خَرَجَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا سيِّئ الخُلُق، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لأشربنَّ مِنْ حوضِهم، أَوْ لأهدِمَنَّه. أَوْ لأموتَنَّ دُونَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ، خَرَجَ إلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا الْتَقَيَا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَأَطَنَّ٦ قدمَه بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَهُوَ دُونَ الحَوْض فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخَبُ رِجْلُهُ دَمًا نَحْوَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ حَبَا إلى الحَوْض حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر بيمينه، وَأَتْبَعَهُ حمزةُ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ.

دُعَاءُ عُتْبَةَ إلَى الْمُبَارَزَةِ: قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ بعدُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبة بْنِ رَبِيعَةَ وَابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتبة، حَتَّى إذَا فَصل مِنْ الصَّفِّ دَعَا إلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فِتية مِنْ الْأَنْصَارِ ثَلَاثَةٌ وَهُمْ: عَوْف، ومعُوّذ، ابْنَا الْحَارِثِ وَأُمُّهُمَا عَفْرَاءُ وَرَجُلٌ آخَرُ، يُقَالُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحةَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالُوا: مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ: يَا مُحَمَّدُ، أخرجْ إلَيْنَا أكْفاءَنا مِنْ قَوْمِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قُمْ يَا عُبيدة بْنَ الْحَارِثِ، وَقُمْ يَا حَمْزَةُ، وَقُمْ يَا عَلِيُّ"، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ، قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالَ عُبيدة: عُبَيْدَةُ، وَقَالَ حَمْزَةُ: حَمْزَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: عَلِيٌّ؛ قَالُوا: نَعَمْ، أكْفاء كِرَامٌ، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ، وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ، عُتبة بْنَ رَبِيعَةَ وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبة بْنَ رَبِيعَةَ وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ.

رَزَ عُبَيْدَةُ، وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ، عُتبة بْنَ رَبِيعَةَ وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبة بْنَ رَبِيعَةَ وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلْ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ، كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ١، وكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ بِأَسْيَافِهِمَا عَلَى عُتبة فذَفَّفا٢ عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَا صَاحِبَهُمَا فَحَازَاهُ إلَى أَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمر بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ عُتبة بْنَ ربيعة قال للفتية من الْأَنْصَارُ حِينَ انْتَسَبُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، إنَّمَا نُرِيدُ قَوْمَنَا. الْتِقَاءُ الْفَرِيقَيْنِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تَزَاحَفَ النَّاسُ وَدَنَا بعضُهم مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ أمر رسول الله ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا حَتَّى يأمرَهم، وَقَالَ: إنْ اكْتَنَفَكُمْ الْقَوْمُ فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بالنَّبْل، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. فَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدَّثَنِي أَبُو جعفر محمد بن علي بن الحسين.

ُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَمَا حَدَّثَنِي أَبُو جعفر محمد بن علي بن الحسين. ضرب الرسول ابن غزية: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حَبَّان بْنُ وَاسِعِ بْنِ حَبَّان عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَدَّل صفوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ٣ يُعَدِّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرَّ بسَواد بْنِ غَزِيَّة، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ، سَوَّاد، مُثَقَّلَةٌ، وَسَوَادٌ فِي الْأَنْصَارِ غَيْرُ هَذَا، مُخَفَّفٌ وَهُوَ مُسْتَنْتل٤ مِنْ الصَّفِّ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ مُسْتَنصلِ٥ مِنْ الصَّفِّ فَطُعِنَ فِي بَطْنِهِ بالقدْح، وَقَالَ: "استوِ يَا سَوَّاد" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْجَعْتنِي وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، قَالَ: فأقدْني٦ فَكَشَفَ رسولُ الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: "استقدْ"، قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ فقبَّل بَطْنَهُ: فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَواد؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخرُ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يمسَّ جِلْدِي جلدَك. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بخير، وقاله له. الرسول يناشد رَبَّهُ النَّصْرَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عدَّل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّفُوفَ وَرَجَعَ إلَى الْعَرِيشِ فَدَخَلَهُ، وَمَعَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاشِدُ ربَّه مَا وَعَدَهُ مِنْ النَّصْرِ، وَيَقُولُ فِيمَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إنْ تَهْلك هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبد"، وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بعضَ مُناشدتك رَبَّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنْجِز لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَقَدْ خَفَقَ١ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَفْقةً وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ، ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: "أبشرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نصرُ اللَّهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخذٌ بِعَنَانِ فرس يقوده، على ثناياه النَّقْعُ". أول شهيد من المسلمين: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ رُمِي مِهْجع، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِسَهْمِ فقُتل فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ رُمي حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقة، أَحَدُ بَنِي عَدِي بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ يَشْرَبُ مِنْ الحَوْض، بِسَهْمِ فَأَصَابَ نَحْرَهُ، فقُتل. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى النَّاسِ فحرَّضهم، وَقَالَ: "وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمْ اليومَ رجلٌ فيُقتل صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقبلًا غَيْرَ مُدْبر، إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ". فَقَالَ عُمَيْر بْنُ الحُمام أَخُو بَنِي سَلمة، وَفِي يَدِهِ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهُنَّ: بَخْ بَخْ٢، أَفَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أدخلِ الْجَنَّةَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَذَفَ التَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ القومَ حَتَّى قُتل.

بَيْنَ أَنْ أدخلِ الْجَنَّةَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَذَفَ التَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ القومَ حَتَّى قُتل. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمر بْنِ قَتادة: أَنَّ عَوْفَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُضْحك٣ الرَّبَّ مِنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: "غَمْسه يَده فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا". فَنَزَعَ دِرْعًا كَانَتْ عَلَيْهِ فَقَذَفَهَا، ثُمَّ أَخَذَ سيفَه فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتل. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْر العُذْري، حليف بني زُهرة، أنه حدثه: لَمَّا الْتَقَى الناسُ، وَدَنَا بعضُهم مِنْ بَعْضٍ، قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: اللَّهُمَّ أقطَعنا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يُعْرف، فأحِنْه٤ الغَداةَ. فكان هو المستفتح٥. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الحَصْباء فَاسْتَقْبَلَ قُرَيْشًا بِهَا، ثُمَّ قَالَ: "شاهتِ الوجوهُ"، ثُمَّ نَفَحهم بِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: "شُدُّوا" فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ، فقتَل اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَتل مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وأسَر مَنْ أَسَرَ من أشرافهم. فلما وضع

حَابَهُ فَقَالَ: "شُدُّوا" فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ، فقتَل اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَتل مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وأسَر مَنْ أَسَرَ من أشرافهم. فلما وضع

القومُ أَيْدِيَهُمْ يَأْسِرُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قائمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، متوشِّح السَّيْفِ، فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرَّة الْعَدُوِّ، وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا ذُكِرَ لِي- فِي وَجْهِ سَعْد بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النَّاسَ، فَقَالَ له رسول الله ﷺ: "وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ يَا سعدُ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ الْقَوْمَ؟ " قَالَ: أَجَلْ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللَّهُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ. فَكَانَ الِإثخان فِي الْقَتْلِ بِأَهْلِ الشِّرْكِ أحبَّ إلي من استبقاء الرجال. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: "إنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أخرجوا كرهًا، ولا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا: فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يقتُله وَمَنْ لَقِيَ أَبَا البَخْتَري بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أسد فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتكرَهًا".

هَاشِمٍ فَلَا يقتُله وَمَنْ لَقِيَ أَبَا البَخْتَري بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أسد فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتكرَهًا". قَالَ: فقال أبو حُذيفة: أنقتل آباءَنا وأخواتنا وَعَشِيرَتَنَا. وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟ وَاَللَّهِ لَئِنْ لقيتُه لألحِمنه السَّيْفَ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَأُلْجِمَنَّهُ السَّيْفَ- قَالَ: فَبَلَغَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: "يَا أَبَا حَفْصٍ -قَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ إنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّاني فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي حَفْص- أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ؟ " فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عنقهُ بِالسَّيْفِ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ نَافَقَ فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ: مَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قلتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا إلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّي الشَّهَادَةُ. فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنَّمَا نَهَى رسول الله ﷺ عن قَتْلِ أَبِي البَخْتَري؛ لِأَنَّهُ كَانَ أكفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ، وَلَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَكَانَ مِمَّنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبَتْ قُريش عَلَى بَنِي هاشم وبني المطلب. فلقيه المجَذَّر بن زياد البَلَوي، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْف، فَقَالَ المجَذَّر لِأَبِي البَخْتري: إنَّ رسول الله ﷺ قد نَهَانَا عَنْ قَتْلِكَ -وَمَعَ أَبِي البَختري زَمِيلٌ١ لَهُ، قَدْ خَرَجَ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ جُنادة بْنُ مُلَيحة بِنْتِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، وَجُنَادَةُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْث وَاسْمُ أَبِي البَخْتري: الْعَاصِ-قَالَ: وَزَمِيلِي؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجَذَّرُ: لَا وَاَللَّهِ، مَا نَحْنُ بِتَارِكِي زميلك

١٩٨# مَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِكَ وَحْدَكَ؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، إذَنْ لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ جَمِيعًا، لَا تَتَحَدَّثُ عَنِّي نساءُ مَكَّةَ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ. فَقَالَ أَبُو البَخْتري حِينَ نَازَلَهُ الْمُجَذَّرُ وَأَبَى إلَّا الْقِتَالَ، يَرْتَجِزُ: لَنْ يُسْلِمَ ابنُ حُرةٍ زميلَهْ ... حَتَّى يموتَ أَوْ يَرى سبيلَهْ فاقتتلا، فقتله المجذّر بن زياد. وقال المجذر بن زياد فِي قَتْلِهِ أَبَا البَخْتري: إمَّا جَهِلْتَ أَوْ نسيتَ نَسَبِي ... فأثبِت النسبةَ أَنِّي مَنْ بَلِي الطَّاعِنِينَ برماحِ اليَزني ... وَالضَّارِبِينَ الكبشَ حَتَّى يَنْحَنِيَ بشِّر بيُتمِ مَنْ أَبُوهُ البَخْتري ... أَوْ بَشِّرن بمثلِها من بَني أَنَا الَّذِي يُقال أَصْلِي مَنْ بَلي ... أطعنُ بالصَّعْدةِ حَتَّى تَنْثَني١ وأعبِطِ القِرْنَ بعَضْبٍ مَشْرَفي ... أرْزِمُ للموتِ كإرزامِ المَرِي٢ فَلَا تَرَى مجذَّرًا يَفْرِي فَرِي٣ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "المَري" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. والمَري: النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَنْزَلُ لَبَنُهَا عَلَى عُسر. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ المجذَّر أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ جهدتُ عَلَيْهِ أَنْ يَستأسر فَآتِيكَ بِهِ، فَأَبَى إلَّا أَنْ يُقاتلني، فقاتلتُهُ فقتلتُه. قَالَ ابْنَ هِشَامٌ: أَبُو البَخْتري: الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ.

آتِيكَ بِهِ، فَأَبَى إلَّا أَنْ يُقاتلني، فقاتلتُهُ فقتلتُه. قَالَ ابْنَ هِشَامٌ: أَبُو البَخْتري: الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ. مَقْتَلُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ ابن إسحاق: وحدثنيه أيضًا عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لِي صَدِيقًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو، فتسمَّيت، حِينَ أسلمتُ، عبدَ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يَلْقَانِي إذْ نَحْنُ بِمَكَّةَ فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، أَرَغِبْتَ عَنْ اسْمٍ سماكَه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإني لاأعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك

بِهِ، أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُجِيبُنِي بِاسْمِكَ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَدْعُوكَ بِمَا لَا أَعْرِفُ، قال: فكان إذا دعاين: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، لَمْ أُجِبْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اجعلْ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكُنْتُ إذَا مَرَرْتُ بِهِ قَالَ: يَا عَبْدَ الِإله فَأُجِيبُهُ، فَأَتَحَدَّثُ مَعَهُ حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مررتُ بِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ ابْنِهِ، عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ، آخُذُ بِيَدِهِ وَمَعِي أَدْرَاعٌ قَدْ اسْتَلَبْتُهَا، فَأَنَا أَحْمِلُهَا فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الِإله؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ لَكَ فِيَّ، فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ، هَا اللَّهِ ذَا١. قَالَ: فطرحتُ الْأَدْرَاعَ مِنْ يَدِي، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللَّبَنِ؟ قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ أَمْشِي بِهِمَا.

ذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللَّبَنِ؟ قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ أَمْشِي بِهِمَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِاللَّبَنِ، أَنَّ مَنْ أَسَرَنِي افْتَدَيْتُ مِنْهُ بِإِبِلِ كَثِيرَةِ اللَّبَنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْن، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ لِي أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا: يَا عَبْدَ الِإله، مَن الرَّجُلُ مِنْكُمْ المعلَّم بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ ذَاكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: ذَاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَقُودُهُمَا إذْ رَآهُ بِلَالٌ مِعَى، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ عَلَى تَرْكِ الِإسلام، فيُخرجه إلَى رَمْضَاءَ مَكَّةَ إذَا حَمَيْتُ، فيُضجعه عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ يَأْمُرُ بالصَّخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لَا تَزَالُ هَكَذَا أَوْ تُفَارِقَ دِينَ مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ: أحَدٌ أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ، قَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نجوتُ إنْ نَجَا قَالَ: قُلْتُ: أَيْ بِلَالٌ، أَبِأَسِيرَيَّ قَالَ: لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: قلت أتسمع يابن السَّوْدَاءِ، قَالَ: لَا نجوتُ إنْ نَجَا. قَالَ: ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ. يَا أنصارَ اللَّهِ، رَأْسُ الْكُفْرِ أميةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا. قَالَ: فَأَحَاطُوا بِنَا حَتَّى جَعَلُونَا فِي مِثْلِ المُسْكة٢ وَأَنَا أذُبُّ عَنْهُ. قَالَ: فَأَخْلَفَ٣ رجلٌ السيفَ، فَضَرَبَ رِجْل ابْنِهِ فَوَقَعَ، وَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً مَا سمعتُ مثلَها قَطُّ. قَالَ: فقلتْ: انجُ بِنَفْسِكَ وَلَا نجاءَ بِكَ فَوَاَللَّهِ مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا.

فَوَقَعَ، وَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً مَا سمعتُ مثلَها قَطُّ. قَالَ: فقلتْ: انجُ بِنَفْسِكَ وَلَا نجاءَ بِكَ فَوَاَللَّهِ مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. قَالَ: فَهَبِرُوهُمَا بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُمَا، قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ بِلَالًا، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي وفَجَعني بأسيري. الملائكة تشهد وَقْعَةَ بَدْرٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ حُدث عَنْ

ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفار، قَالَ: أقبلتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشرف بِنَا عَلَى بَدْرٍ، وَنَحْنُ مُشركان، نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّبْرة١، فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ إذْ دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمة الْخَيْلِ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أقدْم حَيْزومُ٢ فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَانْكَشَفَ قناعُ قَلْبِهِ، فَمَاتَ مكانَه، وَأَمَّا أَنَا فكِدْت أهلِك، ثُمَّ تَمَاسَكْتُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِي أسَيد مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بصرُه: لَوْ كنتُ الْيَوْمَ بِبَدْرِ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشِّعْب الَّذِي خرجتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ فِيهِ وَلَا أَتَمَارَى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ: إنِّي لَأَتَّبِعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ، إذْ وَقَعَ رأسُه قَبْلَ أَنْ يصلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسم، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ سِيما الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عمائمَ بِيضًا قَدْ أَرْسَلُوهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَوْمَ حُنين عَمَائِمَ حُمْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ وَكَانَتْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عمائم بيضًا وقد أَرْخَوْهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، إلَّا جِبْرِيلُ فَإِنَّهُ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ.

تْ سِيمَا الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عمائم بيضًا وقد أَرْخَوْهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ، إلَّا جِبْرِيلُ فَإِنَّهُ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسَم، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَلَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى بَدْرٍ مِنْ الْأَيَّامِ، وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَيَّامِ عَددًا ومَددًا لَا يَضْرِبُونَ. مَقْتَلُ أَبِي جَهْلٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَئِذٍ يَرْتَجِزُ، وَهُوَ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ: مَا تَنْقِم الحربُ العَوانُ مِنِّي ... بازلُ عامَيْن حديث سِني٣ لمثلِ هذا ولدتني أمي

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: أحَدٌ أحَدٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَدوه، أَمَرَ بِأَبِي جَهْلٍ أَنْ يُلْتمس فِي الْقَتْلَى. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ، كَمَا حَدَّثَنِي ثَوْر بْنُ يَزِيدَ عَنْ عِكْرمة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا قد حدثني ذلك قالا: قال معاذ بن عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، أَخُو بَنِي سَلمة: سَمِعْتُ الْقَوْمَ وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الحَرَجة -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الحَرَجة: الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ سَأَلَ أَعْرَابِيًّا عَنْ الحَرَجة؟ فَقَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ مِنْ الْأَشْجَارِ لَا يُوصَلُ إلَيْهَا، وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو الحَكم لَا يُخلص إلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فصمَدْتُ نحوَه، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أطنَّت قدمَه١ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَوَاَللَّهِ مَا شَبَّهْتهَا حِينَ طَاحَتْ إلَّا بِالنَّوَاةِ تُطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضخة النَّوَى حِينَ يُضرب بِهَا٢.

طنَّت قدمَه١ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَوَاَللَّهِ مَا شَبَّهْتهَا حِينَ طَاحَتْ إلَّا بِالنَّوَاةِ تُطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضخة النَّوَى حِينَ يُضرب بِهَا٢. قَالَ: وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكرمة عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَحَ يَدِي، فَتَعَلَّقَتْ بجلْدة مِنْ جَنْبي، وَأَجْهَضَنِي٣ القتالُ عَنْهُ، فَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي، وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ بِهَا عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ. ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عَقير: مُعَوّذ بْنُ عَفْرَاءَ، فَضَرَبه حَتَّى أَثْبَتَهُ، فَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ. وَقَاتَلَ مُعَوذ حَتَّى قُتل، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ، حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُلتمس فِي الْقَتْلَى، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي-: "اُنْظُرُوا -إنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فِي الْقَتْلَى-إلَى أَثَرِ جُرح فِي رُكْبَتِهِ؛ فَإِنِّي ازْدَحَمْتُ يوماَ أَنَا وَهُوَ عَلَى مأدُبة لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعان، وَنَحْنُ غُلَامَانِ، وَكُنْتُ أشفَّ مِنْهُ بيَسير، فدفعتُهُ فَوَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَجُحِشَ٤ فِي إحْدَاهُمَا جَحْشًا لَمْ يَزَلْ أَثَرُهُ بِهِ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَق فَعَرَفْتُهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنقه، قال: وقد كان ضبَث بن مَرَّةً بِمَكَّةَ، فَآذَانِي وَلَكَزَنِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: هل

أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عدوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: وَبِمَاذَا أَخْزَانِي أعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ١، أخْبرني لِمَنْ الدَّائِرَةُ اليومُ؟ قَالَ: قُلْتُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ضَبَثَ: قَبَضَ عَلَيْهِ ولَزِمه. قَالَ ضَابِئُ بْنُ الْحَارِثِ البُرْجمي: فَأَصْبَحْتُ مِمَّا كَانَ بَيْني وبينَكم ... مِنْ الودِّ مثلَ الضابثِ الماءَ باليدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أعَارٌ عَلَى رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنْ الدَّائِرَةُ الْيَوْمَ؟ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: قَالَ لِي: لَقَدْ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعي الْغَنَمِ قال: ثم احتززت رأسَه ثُمَّ جِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ؟ قَالَ: فقال رسول الله ﷺ: "آللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ -قَالَ: وَكَانَتْ يَمِينَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قلتُ نَعَمْ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، ثُمَّ أَلْقَيْتُ رأسَه بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَمَرَّ بِهِ: إنِّي أَرَاكَ كَأَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا، أَرَاكَ تَظُنُّ أَنِّي قَتَلْتُ أَبَاكَ، إنِّي لَوْ قَتَلْتُهُ لَمْ أَعْتَذِرْ إلَيْكَ مِنْ قَتْلِهِ وَلَكِنِّي قَتَلْتُ خَالِي الْعَاصِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَأَمَّا أَبُوكَ فَإِنِّي مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَبْحَثُ بَحْثَ الثَّوْرِ بِرَوْقِهِ٢ فَحُدْتُ عَنْهُ، وَقَصَدَ لَهُ ابْنُ عمه على فقتله.

لْمُغِيرَةِ، فَأَمَّا أَبُوكَ فَإِنِّي مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَبْحَثُ بَحْثَ الثَّوْرِ بِرَوْقِهِ٢ فَحُدْتُ عَنْهُ، وَقَصَدَ لَهُ ابْنُ عمه على فقتله. حديث عُكاشة بن مِحْصَن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَاتَلَ عُكَّاشة بْنُ مِحْصَن بْنِ حُرْثان الْأَسَدِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفِهِ حَتَّى انْقَطَعَ فِي يَدِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ جِذْلًا٣ مِنْ حَطب، فَقَالَ: "قاتلْ بِهَذَا يَا عُكَّاشة"، فَلَمَّا أَخَذَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَزَّهُ، فَعَادَ سَيْفًا فِي يَدِهِ طَوِيلَ الْقَامَةِ، شَدِيدَ المتْن، أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ، فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسمى: العَوْن. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهد بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى قُتل فِي الرِّدَّة، وَهُوَ عِنْدَهُ، قَتَلَهُ طُليحة بْنُ خُوَيلد الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ طُليحة فِي ذَلِكَ: فَمَا ظَنُّكُمْ بالقومِ إذْ تَقْتُلُونَهُمْ ... أَلَيْسُوا وَإِنْ لَمْ يُسْلموا برجالِ

طُليحة بْنُ خُوَيلد الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ طُليحة فِي ذَلِكَ: فَمَا ظَنُّكُمْ بالقومِ إذْ تَقْتُلُونَهُمْ ... أَلَيْسُوا وَإِنْ لَمْ يُسْلموا برجالِ

فَإِنْ تَكُ أذاودٌ أصِبْنَ ونِسْوة ... فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بقتلِ حِبال١ نصبْت لَهُمْ صدرَ الحِمالةِ ... إنَّهَا مُعَاوِدَةٌ قِيلَ الكُماة نَزَالِ٢ فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الجِلالِ مَصُونةً ... وَيَوْمًا تَرَاهَا غيرَ ذاتِ جِلالِ٣ عشيَّةَ غادرتُ ابنَ أقرمَ ثَاوِيًا ... وعُكَّاشة الغَنْمِي عندَ حجالِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حِبال: ابْنُ طُلَيحة٤ بْنِ خُوَيلد. وَابْنُ أقْرَم: ثَابِتُ بْنُ أقْرم الْأَنْصَارِيُّ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وعُكَّاشة بْنُ مُحْصَنٍ الَّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "إنَّكَ مِنْهُمْ -أَوْ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ-"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشة وَبَرَدَتْ الدعوةُ" ٥. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِهِ: "مِنَّا خيرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ"، قَالُوا: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "عُكَّاشة بْنُ مِحْصَن"، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الأزْور الْأَسَدِيُّ: ذَاكَ رَجُلٌ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "لَيْسَ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُ منا للحِلْف". قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَادَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ابنَه عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ أَيْنَ مَالِي يَا خبيثُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَبْقَ غيرُ شِكَّةٍ ويَعْبوبْ ... وصارمٌ يَقْتلُ ضُلاَّلَ الشِّيبْ٦ فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي. طَرْحُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْقَلِيبِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بن رومان عن عُروة بن

الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَتْلَى أَنْ يُطرحوا فِي القَليب طُرحوا فِيهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعه فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا لِيُحَرِّكُوهُ، فَتَزَايَلَ لَحْمُهُ، فَأَقَرُّوهُ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مَا غَيَّبَهُ مِنْ التُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا أَلْقَاهُمْ فِي الْقَلِيبِ، وَقَفَ عَلَيْهِمْ رسول الله ﷺ فقال: "يأهلَ القَليب. هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا". قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. أَتُكَلِّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟ فَقَالَ لَهُمْ: "لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَا وعدَهم ربُّهم حَقًّا". قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: لَقَدْ سَمِعُوا مَا قُلْتُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ عَلِمُوا". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُمَيد الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ، رسولَ اللَّهِ ﷺ من جَوف الليل وهو يقول: "يأهلَ القَليب، يَا عتبةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبة بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، فعدَّد مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي القَليب: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وعدَ ربُّكم حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وجدتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟ " فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جيفُوا؟ قَالَ: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أنَ يُجِيبُونِي". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال يوم هذه المقالة: "يأهل القَليب، بِئْسَ عشيرةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ"، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وعدَكم ربُّكم حَقًّا؟ لِلْمَقَالَةِ الَّتِي قَالَ".

ِي وَآوَانِي النَّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ"، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وعدَكم ربُّكم حَقًّا؟ لِلْمَقَالَةِ الَّتِي قَالَ". شِعْرُ حَسَّانَ في ذلك: قال ابن إسحاق: وقال حسانُ بن ثابت: عرفتُ ديارَ زَيْنبَ بالكَثيبِ ... كخَطِّ الوَحْي فِي الورقِ القَشيبِ تداولُها الرياحُ وَكُلُّ جَوْنٍ ... مِنْ الوَسْمِي مُنْهَمِرٍ سكوبِ١ فَأَمْسَى رَسْمُهَا خَلَقًا وأمستْ ... يَبَابًا بعدَ ساكِنِها الحبيبِ فدعْ عَنْكَ التذكُّرَ كلَّ يومٍ ... ورُدَّ حرارةِ الصدرِ الكئيبِ

وخَبِّر بِاَلَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ ... بصِدْقٍ غيرِ إخبارِ الكذوبِ بِمَا صَنَعَ المليكُ غَداةَ بَدْرٍ ... لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّصيبِ غداةَ كَأَنَّ جَمَعَهُئم حِراءٌ ... بدتْ أركانُة جُنْح الغروبِ فلاقَيناهُمُ مِنَّا بجَمْع ... كأسْد الغابِ مردانٍ وشيبِ أمامَ مُحَمَّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ ... عَلَى الأعداءِ فِي لَفْحِ الحروبِ بِأَيْدِيهِمْ صَوارمُ مُرهَفات ... وكلُّ مجرَّب خَاظِي الكُعوبِ١ بَنُو الأوسِ الغَطارفُ وازرَتْها ... بَنُو النجارِ فِي الدينِ الصليبِ٢ فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا ... وعُتبةَ قَدْ تَرَكْنَا بالجَبوبِ٣ وشَيْبةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ ... ذَوِي حسبٍ إذَا نُسبوا حسيبِ يُنَادِيهِمْ رسولُ اللَّهِ لَمَّا ... قَذَفْنَاهُمْ كباكِبَ فِي القَليبِ٤ أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقُّا ... وأمرُ اللَّهِ يأخدُ بالقَلوبِ؟ فَمَا نَطَقُوا، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا: صدقتَ وكنتَ ذَا رأيٍ مُصيبِ

Bagian 19 dari 23