— Bagian 20 · ليبِ٤ —
Bagian 20
ليبِ٤ أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقُّا ... وأمرُ اللَّهِ يأخدُ بالقَلوبِ؟ فَمَا نَطَقُوا، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا: صدقتَ وكنتَ ذَا رأيٍ مُصيبِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُلقوا فِي القَليب، أُخِذَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فسُحب إلَى الْقَلِيبِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا بَلَغَنِي- فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتبة، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا حُذَيْفَةَ، لَعَلَّكَ قَدْ دَخَلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ؟ " أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شككتُ فِي أَبِي وَلَا فِي مصرعه، ولكني كُنْتُ أَعْرِفُ مَنْ أَبِي رَأْيًا وَحِلْمًا وَفَضْلًا، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ ذَلِكَ إلَى الِإسلام، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أَصَابَهُ، وَذَكَرْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ، بَعْدَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُو لَهُ، أَحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْرٍ، وَقَالَ لَهُ خيرًا. الْفِتْيَةِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وكان الفتية
الَّذِينَ قُتلوا بِبَدْرِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ، فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧] فتية مُسَمَّين: مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عبد المطلب بن أَسَدٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو قَيْسِ بْنُ الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بْنِ مَخْزُومٍ، وَأَبُو قَيْس بْنُ الْوَلِيدِ بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بْنِ مَخْزُومٍ. وَمِنْ بَنِي جمَح: عَلِيُّ بْنُ أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بْنِ جُمَح. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصِ بْنُ مُنَبه بن الحجاج بن عامر بن حُذيفة بن سعد بن سَهْمٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَسْلَمُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرَ رسول الله ﷺ إلى الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَعَشَائِرُهُمْ بِمَكَّةَ وَفَتَنُوهُمْ فَافْتَتَنُوا، ثُمَّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى بَدْرٍ فَأُصِيبُوا به جميعًا.
دِينَةِ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَعَشَائِرُهُمْ بِمَكَّةَ وَفَتَنُوهُمْ فَافْتَتَنُوا، ثُمَّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى بَدْرٍ فَأُصِيبُوا به جميعًا. فيء بدر: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِمَا فِي الْعَسْكَرِ، مِمَّا جَمع النَّاسُ، فجُمع، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَقَالَ مَنْ جَمَعَهُ: هُوَ لَنَا. وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ وَيَطْلُبُونَهُ: وَاَللَّهِ لَوْلَا نَحْنُ مَا أَصَبْتُمُوهُ، لَنَحْنُ شَغلْنا عَنْكُمْ الْقَوْمُ حَتَّى أَصَبْتُمْ مَا أَصَبْتُمْ، وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مخافةَ أَنْ يُخالف إلَيْهِ الْعَدُوُّ: وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنَّا، وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ الْعَدُوَّ إن مَنَحَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَكْتَافَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْمَتَاعَ حِينَ لَمْ يَكُنْ دونَه مَنْ يَمْنَعُهُ، وَلَكِنَّا خِفنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرَّة الْعَدُوِّ، فَقُمْنَا دونَه فَمَا أَنْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنَّا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ من أصحابنا عن سليمان بن مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -وَاسْمُهُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلان فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: سَأَلْتُ عُبادة بْنَ الصَّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ، فَقَالَ: فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ، فَقَسَمَهُ رسول الله ﷺ بين الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاء. يَقُولُ: عَلَى السَّوَاءِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بعضُ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أسَيد السَّاعِدِيِّ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أصبتُ سيف بني عائط الْمَخْزُومِيِّينَ الَّذِي يسمَّى المَرْزُبان يَوْمَ
َنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أسَيد السَّاعِدِيِّ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أصبتُ سيف بني عائط الْمَخْزُومِيِّينَ الَّذِي يسمَّى المَرْزُبان يَوْمَ
بَدْرٍ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الناسَ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ النَّفْل، أقبلتُ حَتَّى أَلْقَيْتُهُ فِي النَّفَلِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا سُئله، فَعَرَفَهُ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ، فَسَأَلَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فأعطاه إياه. بُشرى الفتح: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عندَ الْفَتْحِ عبدَ الله بن رَواحة بَشِيرًا إلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، بِمَا فَتَحَ اللَّهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ زَيد بْنَ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السَّافلة. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَأَتَانَا الْخَبَرُ -حِينَ سَوَّيْنا الترابَ عَلَى رُقية ابنة رسول الله ﷺ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلفني عَلَيْهَا مَعَ عُثْمَانَ- أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ قَدْ قَدِمَ. قَالَ: فَجِئْتُهُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْمُصَلَّى قَدْ غَشِيَهُ النَّاسُ، وَهُوَ يَقُولُ: قُتل عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وزَمْعَة بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو البَخْتري الْعَاصِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبيه ومُنبه ابْنَا الْحَجَّاجِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أبتِ، أحقٌّ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ يَا بني.
اصِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبيه ومُنبه ابْنَا الْحَجَّاجِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أبتِ، أحقٌّ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ يَا بني. الرجوع إلى المدينة: ثُمَّ أَقْبَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ الْأُسَارَى مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِمْ عُقبة بْنُ أَبِي مُعَيْط، والنَّضر بْنُ الْحَارِثِ، وَاحْتَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ النَّفَلَ الَّذِي أُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ عَلَى النَّفَلِ عبدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْف بْنِ مَبْذُولِ بْنِ غَنْم بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ فَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: إنَّهُ عَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْباء: أقِمْ لَهَا صدورَها يَا بَسْبَسُ ... لَيْسَ بِذِي الطَّلْحِ لَهَا مُعَرَّسُ وَلَا بصحراءِ غُمَيْر مَحْبَس ... إنَّ مَطَايَا القومِ لَا تُخَيَّس١ فحمْلُها عَلَى الطَّرِيقِ أكْيَس ... قَدْ نَصَرَ اللَّهُ وفرَّ الأخْنَسُ ثُمَّ أَقْبَلَ رسول الله ﷺ حتى إذَا خَرَجَ مِنْ مَضيق الصَّفْرَاءِ نَزَلَ عَلَى كَثِيبٍ بَيْنَ الْمَضِيقِ وَبَيْنَ النَّازِيَةِ -يُقَالُ لَهُ: سَيْرٌ- إلَى سَرْحة بِهِ فَقَسَمَ هُنَالِكَ النَّفَلَ الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى السَّوَاءِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنِّئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ سَلَمة بْنُ سَلَامَةَ -كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمر بْنِ قَتَادَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومان-: مَا الَّذِي تهنئوننا به؟
قَالَ: تَقُولُ سَوْدة: وَاَللَّهِ إنِّي لَعِنْدَهُمْ إذْ أُتِينَا، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى، قَدْ أُتِيَ بِهِمْ. قَالَتْ: فرجعتُ إلَى بَيْتِي، ورسولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ سُهيل بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ، مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنقه بِحَبْلٍ قَالَتْ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ كَذَلِكَ أَنْ قُلْتُ: أَيْ أَبَا يَزِيدَ: أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، أَلَا مُتم كِرَامًا، فَوَاَللَّهِ مَا أَنْبَهَنِي إلَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَيْتِ: "يَا سَوْدة، أَعَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ تُحرّضين؟! " قَالَتْ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُ أَبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أن قلتُ ما قلتُ. الإيصاء بالأسارى: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نُبيه بْنُ وَهْبٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ بِالْأُسَارَى فَرَّقَهُمْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: "اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا". قَالَ: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ بْنُ عُمَير بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو مُصْعَب بْنِ عُمير لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي الْأُسَارَى. قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ: مَرَّ بِي أَخِي مُصْعب بْنُ عُمير وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْسِرُنِي، فَقَالَ: شُدَّ يَدَيْكَ بِهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَتَاعٍ، لَعَلَّهَا تَفْدِيهِ مِنْكَ، قَال وَكُنْتُ فِي رَهط مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ، فَكَانُوا إذَا قدَّموا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصُّونِي بِالْخُبْزِ، وَأَكَلُوا التَّمْرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلَّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ: فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ، فَيَرُدُّهَا عليَّ ما يَمَسُّهَا.
ِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلَّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ: فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ، فَيَرُدُّهَا عليَّ ما يَمَسُّهَا. بُلُوغُ مصاب قريش في رجالها إلَى مَكَّةَ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ أَبُو عَزِيزٍ صَاحِبَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرِ بَعْدً النَّضر بْنِ الْحَارِثِ، فَلَمَّا قَالَ أَخُوهُ مُصْعب بْنُ عُمَير لِأَبِي اليَسَر، وَهُوَ الَّذِي أَسَرَهُ، مَا قَالَ، قَالَ لَهُ أَبُو عَزيز: يَا أَخِي، هَذِهِ وَصاتُك بِي، فَقَالَ لَهُ مُصْعَب: إنَّهُ أَخِي دونَك. فسألتْ أُمُّهُ عَنْ أَغْلَى مَا فُدِي بِهِ قُرشي، فَقِيلَ لَهَا: أَرْبَعَةُ آلَافِ درهم، فبعثته بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَفَدَتْهُ بِهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الحَيْسُمان بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الخُزاعي، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: قُتل عُتبة بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبة بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلف، وزَمْعة بْنُ الْأَسْوَدِ، ونُبيه ومُنبه ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَأَبُو البَخْتري بْنُ هِشَامٍ، فَلَمَّا جَعَلَ يُعَدِّدُ أشرافَ قُرَيْشٍ قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الحِجْر: وَاَللَّهِ إن يَعْقل هذا فاسئلوه عني فقالوا: مَا فَعَلَ صَفْوان بْنُ أُمَيَّةَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الحِجْر، وَقَدْ وَاَللَّهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتلا.
عني فقالوا: مَا فَعَلَ صَفْوان بْنُ أُمَيَّةَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الحِجْر، وَقَدْ وَاَللَّهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتلا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسين بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبيد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرمة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كنتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وكان الِإسلام قد أدخلنا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَأَسْلَمَ الْعَبَّاسُ وَأَسْلَمَتْ أُمُّ الْفَضْلِ وأسلمتُ وَكَانَ الْعَبَّاسُ يَهَابُ قومَه وَيَكْرَهُ خلافَهم وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ مُتَفَرِّقٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ قَدْ تخلَّف عَنْ بَدْرٍ، فَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِي بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا صَنَعُوا، لَمْ يَتَخَلَّفْ رَجُلٌ إلَّا بَعَثَ مَكَانَهُ رَجُلًا، فَلَمَّا جَاءَهُ الْخَبَرُ عَنْ مُصَابِ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، كَبَتَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا قُوَّةً وعِزًّا. قَالَ: وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا، وَكُنْتُ أَعْمَلُ الْأَقْدَاحَ، أَنْحَتُهَا فِي حُجرة زَمْزَمَ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَجَالِسٌ فِيهَا أنْحَتُ أَقْدَاحِي، وَعِنْدِي أمُّ الْفَضْلِ جَالِسَةٌ، وَقَدْ سَرَّنا مَا جَاءَنَا مِنْ الْخَبَرِ، إذْ أَقْبَلَ أَبُو لَهَبٍ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ بِشَر. حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُب الْحُجْرَةِ١، فَكَانَ ظَهْرُهُ إلَى ظَهْرِي. فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إذْ قال الناس: هذا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ- قَدْ قَدِمَ.
إذْ قال الناس: هذا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ الْمُغِيرَةُ- قَدْ قَدِمَ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هلمَّ إليَّ، فَعِنْدَكَ لَعَمْرِي الْخَبَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ إلَيْهِ والناس قيام عليه، فقال: يابن أَخِي، أَخْبِرْنِي كَيْفَ كَانَ أَمْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ لَقِينَا القومَ فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافَنَا يَقُودُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا، وَيَأْسِرُونَنَا كَيْفَ شَاءُوا، وَاَيْمُ اللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا لُمت النَّاسَ، لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خَيْل بُلْق، بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاَللَّهِ مَا تُليق شَيْئًا٢، وَلَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَرَفَعْتُ طُنُب الْحُجْرَةِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قُلْتُ: تِلْكَ وَاَللَّهِ الْمَلَائِكَةُ قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فضرب بها وجهي ضربةً شديدة. قال: وثاورْتُه٣ فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِي الْأَرْضَ، ثُمَّ بَرَكَ عليَّ يَضْرِبُنِي، وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا. فَقَامَتْ أُمُّ الْفَضْلِ إلَى عَمُودٍ مِنْ عُمد الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَتْهُ فَضَرَبَتْهُ فلَعت٤ فِي رَأْسِهِ شَجَّة منْكَرة، وَقَالَتْ: اسْتَضْعَفَتْهُ أَنْ غَابَ عَنْهُ سيدُه؟ فَقَامَ مُولِّيا ذَلِيلًا، فَوَاَللَّهِ مَا عَاشَ إلَّا سبعَ ليالٍ حَتَّى رَمَاهُ الله بالعَدَسة٥ فقتلته. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّاد، قَالَ: نَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: لَا تَفْعَلُوا فيبلُغَ مُحَمَّدًا وأصحابَه، فيشمَتوا بكم ولا تبعثوا في
أَسْرَاكُمْ حَتَّى تسْتأنوا بِهِمْ لَا يَأْرَبُ١ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْفِدَاءِ. قَالَ وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ المطَّلب قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ، زَمعة بْنُ الْأَسْوَدِ، وعَقيل بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْحَارِثُ بْنُ زَمعة، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَ لِغُلَامِ لَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: اُنْظُرْ هَلْ أحِلَّ النَّحْب، هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا؟ لَعَلِّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ، يَعْنِي زَمَعَةَ، فَإِنَّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إلَيْهِ الْغُلَامُ قَالَ: إنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلَّتْهُ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الْأَسْوَدُ: أَتَبْكِي أَنْ يَضلَّ لَهَا بعيرٌ ... ويمنعُها مِنْ النومِ السُّهودُ فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْر وَلَكِنْ ... عَلَى بدرٍ تقاصرتِ الجُدودُ عَلَى بدرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصيْصٍ ... ومخزومٍ ورَهْط أَبِي الوليدِ وبَكِّي إنْ بكيتِ عَلَى عَقيل ... وَبَكِّي حَارِثًا أسَدَ الأسودِ وبكيِّهم وَلَا تَسَمى جَمِيعًا ... وَمَا لِأَبِي حَكيمةَ مِنْ نَدِيدِ٢ أَلَا قَدْ سَادَ بعدَهُمُ رِجَالٌ ... وَلَوْلَا يومُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودوا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا إقْوَاءٌ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَشْعَارِهِمْ، وَهِيَ عِنْدَنَا إكْفَاءٌ٣. وَقَدْ أَسْقَطْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا.
ءٌ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَشْعَارِهِمْ، وَهِيَ عِنْدَنَا إكْفَاءٌ٣. وَقَدْ أَسْقَطْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو وَداعة بْنُ ضُبَيْرة السَّهْمي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ لَهُ بِمَكَّةَ ابنًا كَيِّسًا تاجرًا ذا مال، وكأنكم به قَدْ جَاءَكُمْ فِي طَلَبِ فِدَاءِ أَبِيهِ"، فَلَمَّا قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم لَا يَأْرَبُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَداعة -وَهُوَ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِّي-: صَدَقْتُمْ، لَا تَعْجَلُوا، وانسلَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذَ أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَانْطَلَقَ بِهِ. فداء سُهَيل بن عمرو: قَالَ، ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، فَقَدِمَ مِكْرَز بْنُ حَفْصِ بْنِ الأخْيف فِي فَدَاءِ سُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ الَّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عوف، فقال:
ْرَز بْنُ حَفْصِ بْنِ الأخْيف فِي فَدَاءِ سُهَيل بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ الَّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُم، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عوف، فقال:
أسرتُ سُهيْلا فَلَا أَبْتَغِي ... أَسِيرًا بِهِ مِنْ جميعِ الأممْ وخِنْدف تَعْلَمُ أنَّ الْفَتَى ... فَتَاهَا سُهَيل إذَا يُظَّلَمْ ضربتُ بِذِي الشَّفْر حَتَّى انْثَنَى ... وأكرهتُ نَفْسِي عَلَى ذِي العَلَمْ وَكَانَ سُهَيل رَجُلًا أَعْلَمَ مِنْ شَفَتِهِ السُّفْلَى١. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشِّعْرَ لِمَالِكِ بْنِ الدُّخْشُم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَي، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثنيتي سَهل بْنِ عَمْرٍو، ويَدْلَع٢ لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا: قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا أمثِّل بِهِ فَيُمَثِّلُ اللَّهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعُمَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "إنَّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذمُّه". قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَ ذَلِكَ الْمَقَامِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَاوَلَهُمْ فِيهِ مِكْرَز وَانْتَهَى إلَى رِضَاهُمْ، قَالُوا: هَاتِ الَّذِي لَنَا، قَالَ: اجْعَلُوا رِجْلِي مَكَانَ رِجْلِهِ، وَخَلُّوا سَبِيلَهُ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْكُمْ بِفِدَائِهِ، فخَلَّوْا سَبِيلَ سُهَيل، وَحَبَسُوا مِكْرزًا مَكَانَهُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ مِكْرز: فديتُ بأذوادٍ ثِمانٍ سِبا فَتى ... يَنَالُ الصميمَ غُرمُها لَا الْمُوَالَيَا رهنْتُ يَدَيَّ والمالُ أيسرُ مِنْ يَدَيَّ ... عليَّ وَلَكِنِّي خَشيت المخازِيَا وقلتُ: سُهيلٌ خيرُنا فَاذْهَبُوا بِهِ ... لأبنائِنا حَتَّى نُديرَ الْأَمَانِيَا
َيَّ والمالُ أيسرُ مِنْ يَدَيَّ ... عليَّ وَلَكِنِّي خَشيت المخازِيَا وقلتُ: سُهيلٌ خيرُنا فَاذْهَبُوا بِهِ ... لأبنائِنا حَتَّى نُديرَ الْأَمَانِيَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا لمِكْرَز. أَسْرُ عَمْرِو بن أبي سفيان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَ لِبِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ عَمْرِو بن أبي
سُفْيَانَ بِنْتُ أَبِي عَمْرٍو، وَأُخْتُ أَبِي مُعَيط بْنِ أَبِي عَمْرٍو- أَسِيرًا فِي يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَسْرَى بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَقِيلَ لِأَبِي سُفْيَانَ: افْدِ عَمرًا ابْنَكَ، قَالَ: أَيُجْمَعُ عليَّ دَمِي وَمَالِي؟ قَتَلُوا حَنْظلة، وأفْدِي عَمرًا! دَعُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ يُمسكوه مَا بَدَا لَهُمْ. قَالَ: فبينما هو كذلك، حبوس بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ خَرَجَ سعدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ أكَّال، أَخُو بَنِي عَمرو بْنِ عَوْف ثُمَّ أَحَدُ بَنِي مُعَاوِيَةَ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ مُرَيَّةٌ لَهُ، وَكَانَ شَيْخًا مُسْلِمًا، فِي غَنَمٍ لَهُ بالنَّقيع١ فخرج من هنالك مُعْتَمِرًا، وَلَا يَخْشَى الَّذِي صُنع بِهِ، لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ يُحبس بِمَكَّةَ، إنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا. وَقَدْ كَانَ عَهِدَ قُرَيْشًا لَا يَعْرضون لِأَحَدٍ جَاءَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا إلَّا بِخَيْرٍ، فَعَدَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَكَّةَ فَحَبَسَهُ بِابْنِهِ عَمْرو، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أرهطَ ابنِ أكَّالٍ أَجِيبُوا دُعاءَه ... تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسلموا السَّيدَ الكَهْلاَ فَإِنَّ بَنِي عَمْرو لئامٌ أذِلةٌ ... لَئِنْ لَمْ يَفُكُّوا عَنْ أسيرِهم الكَبْلا فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ سَعْدٌ يومَ مكةَ مُطلقًا ... لَأَكْثَرَ َفيكم قبلَ أَنْ يُؤْسَرَالقَتْلا بعَضْبٍ حُسَامٍ أَوْ بصفراءَ نبعةٍ ... تحنُّ إذَا مَا أنْبِضَتْ تَحْفِزُ النَّبلا٢ وَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يعطيَهم عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَيَفُكُّوا بِهِ صَاحِبَهُمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَبَعَثُوا بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَخَلَّى سَبِيلَ سعد.
هم عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَيَفُكُّوا بِهِ صَاحِبَهُمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَبَعَثُوا بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَخَلَّى سَبِيلَ سعد. قصة زينب بنت الرسول وزوجها أبي العاص: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، خَتْن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وزوج ابنته زينب.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أسرهِ خِرَاش بْنُ الصِّمَّة، أحد بني حرام. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ مِنْ رِجَالِ مَكَّةَ الْمَعْدُودِينَ، مَالًا، وَأَمَانَةً، وَتِجَارَةً، وَكَانَ لِهَالَةَ بِنْتِ خوَيْلد، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ خَالَتَهُ. فَسَأَلَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَوِّجَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُخَالِفُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فزوَّجه، وَكَانَتْ تَعُدُّهُ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا: فَلَمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِنُبُوَّتِهِ آمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ وَبَنَاتُهُ، فصدَّقْنه، وشَهدْن أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْحَقُّ، ودِنَّ بدينه، وثبت أبو العاص على شركه.
َسُولَهُ ﷺ بِنُبُوَّتِهِ آمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ وَبَنَاتُهُ، فصدَّقْنه، وشَهدْن أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْحَقُّ، ودِنَّ بدينه، وثبت أبو العاص على شركه. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ زَوَّجَ عُتبة بْنَ أَبِي لَهَبٍ رُقية، أَوْ أُمَّ كُلْثُومٍ١. فَلَمَّا بَادَى قُرَيْشًا بِأَمْرِ الله تعالى وبالعداوة، قالوا: إنكم قد فَرَّغْتم مُحَمَّدًا مِنْ هَمِّهِ، فردُّوا عَلَيْهِ بناتِهِ، فَاشْغَلُوهُ بهنَّ فَمَشَوْا إلَى أَبِي الْعَاصِ فَقَالُوا لَهُ: فَارِقْ صَاحِبَتَكَ وَنَحْنُ نُزَوِّجُكَ أَيَّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شئتَ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، إنِّي لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِامْرَأَتِي امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُثْنِي عَلَيْهِ فِي صِهْره خَيْرًا، فِيمَا بَلَغَنِي، ثُمَّ مَشَوْا إلَى عُتبة بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالُوا لَهُ: طَلِّق بِنْتَ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ نُنْكِحُكَ أَيَّ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ شئتَ: فَقَالَ: إنْ زَوَّجْتُمُونِي بِنْتَ أَبَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَارَقْتُهَا، فَزَوَّجُوهُ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وفارقها، ولم يكن أدخل بِهَا فَأَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنْ يَدِهِ كَرَامَةً لَهَا، وَهَوَانًا لَهُ، وخَلَفَ عَلَيْهَا عثمانُ بْنُ عَفَّانَ بعده. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُحل بِمَكَّةَ وَلَا يُحرم مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ الِإسلام قَدْ فرَّق بَيْنَ زَيْنَبَ بنت رسول الله ﷺ حِينَ أَسْلَمَتْ وَبَيْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، إلا أن رسول الله ﷺ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَتْ مَعَهُ عَلَى إسْلَامِهَا وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَارَتْ قُرَيْشٌ إلَى بَدْرٍ، صَارَ
فِيهِمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ فَأُصِيبَ فِي الأسارَى يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أهلُ مَكَّةَ فِي فداءِ أُسَرَائِهِمْ، بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بقلادةٍ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى عَلَيْهَا قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهَا رسول الله ﷺ رَقَّ لَهَا رِقةً شَدِيدَةً وَقَالَ: "إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا مالَها، فَافْعَلُوا؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَطْلَقُوهُ وَرَدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا. خُرُوجُ زَيْنَبَ إلَى الْمَدِينَةِ: قَالَ: وَكَانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، أَنْ يخلي سبيل زينب، أَوْ كَانَ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِي إطْلَاقِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيُعلم مَا هُوَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ إلَى مَكَّةَ وخُلي سَبِيلُهُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مَكَانَهُ، فَقَالَ: كُونَا بِبَطْنِ يأجَج حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ، فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَانِي بِهَا. فَخَرَجَا مكانَهما، وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرِ أَوْ شَيْعِه١، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تَجَّهز.
نِي بِهَا. فَخَرَجَا مكانَهما، وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرِ أَوْ شَيْعِه١، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تَجَّهز. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حُدثت عَنْ زَيْنَبَ أَنَّهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا أَتَجَهَّزُ بِمَكَّةَ لِلُّحُوقِ بِأَبِي لَقِيَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكَ تُرِيدِينَ اللُّحُوقَ بِأَبِيكَ؟ قالت: مَا أردتُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَةَ عَمِّي، لَا تَفْعَلِي، إنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ بِمَتَاعِ مِمَّا يَرْفُقُ بِكَ فِي سَفَرِكَ، أَوْ بِمَالٍ تَتَبَلَّغِينَ بِهِ إلَى أَبِيكَ، فَإِنَّ عِنْدِي حَاجَتَكَ، فَلَا تَضْطَني٢ مِنِّي فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْنَ النِّسَاءِ مَا بَيْنَ الرِّجَالِ. قَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاهَا قَالَتْ ذَلِكَ إلَّا لِتَفْعَلَ، قَالَتْ: وَلَكِنِّي خِفتُها، فَأَنْكَرْتُ أَنْ أَكُونَ أُرِيدُ ذَلِكَ، وَتَجَهَّزْتُ. فَلَمَّا فَرَغَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَهَازِهَا قَدَّم لَهَا حَمُوها كِنانةُ بْنُ الربيعِ أَخُو زَوْجِهَا بَعِيرًا، فَرَكِبَتْهُ، وَأَخَذَ قوسَه وَكِنَانَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا نَهَارًا يقود بها، وهي في هَوْدج
مُوها كِنانةُ بْنُ الربيعِ أَخُو زَوْجِهَا بَعِيرًا، فَرَكِبَتْهُ، وَأَخَذَ قوسَه وَكِنَانَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا نَهَارًا يقود بها، وهي في هَوْدج
لَهَا. وَتَحَدَّثَ بِذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا حَتَّى أَدْرَكُوهَا بِذِي طُوى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا هبَّار بْنُ الْأَسْوَدِ بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والفِهْري، فروَّعها هَبَّار بالرُّمح وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا -فِيمَا يَزْعُمُونَ- فَلَمَّا رِيعتْ طرحتْ ذَا بَطْنِهَا. وَبَرَكَ حَمُوهَا كِنَانَةُ، وَنَثَرَ كِنَانَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا يَدْنُو مِنِّي رَجُلٌ إلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا، فتكَرْكر١ النَّاسُ عَنْهُ. وَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ فِي جلَّة مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، كُفَّ عَنَّا نبلَك حَتَّى نكلمَك فَكَفَّ، فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إنَّكَ لَمْ تُصب، خَرَجْتَ بِالْمَرْأَةِ عَلَى رُءُوسِ الناسِ عَلَانِيَةً، وَقَدْ عرفتَ مصيبتَنا ونكبتَنا، وَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا مِنْ مُحَمَّدٍ فَيَظُنُّ النَّاسُ إذَا خَرَجْتَ بِابْنَتِهِ إلَيْهِ عَلَانِيَةً عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، أَنَّ ذَلِكَ عَنْ ذُلّ أَصَابَنَا عَنْ مُصِيبَتِنَا الَّتِي كَانَتْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَّا ضَعْف ووَهْن، ولعَمري مَا لَنَا بِحَبْسِهَا عَنْ أَبِيهَا مِنْ حَاجَةٍ، ومالنا في ذلك من ثُؤْرة٢، وَلَكِنْ ارْجِعْ بِالْمَرْأَةِ، حَتَّى إذَا هَدَأَتْ الأصواتُ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنْ قَدْ رَدَدْنَاهَا، فسُلَّها سِرًّا، وَأَلْحِقْهَا بِأَبِيهَا قَالَ: فَفَعَلَ. فَأَقَامَتْ لياليَ، حَتَّى إذَا هَدَأَتْ الأصواتُ خَرَجَ بِهَا لَيْلًا حَتَّى أَسْلَمَهَا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَاحِبِهِ، فَقَدِمَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ.
أصواتُ خَرَجَ بِهَا لَيْلًا حَتَّى أَسْلَمَهَا إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَاحِبِهِ، فَقَدِمَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: أَوْ أَبُو خَيْثمة، أَخُو بَنِي سَالِمِ بن عَوْفٍ فِي الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأَبِي خَيْثَمَةَ-: أَتَانِي الَّذِي لَا يقدرُ الناسُ قَدْرَه ... لزينَب فِيهِمْ مِنْ عُقوقٍ ومَأثَم وإخراجُها لَمْ يُخْزَ فِيهَا محمدٌ ... عَلَى مَأقِطٍ وَبَيْنَنَا عِطْرُ مَنْشَمِ٣ وَأَمْسَى أَبُو سفيانَ مِنْ حِلْفِ ضَمْضَمً ... وَمِنْ حَرْبِنَا فِي رَغْمَ أنفٍ ومَنْدم قرنَّا ابنَه عَمرًا ومولَى يَمِينِهِ ... بِذِي حَلَقٍ جَلْد ِالصَّلاصلِ مُحكَمِ٤ فأقسمْتُ لَا تَنْفكُّ مِنَّا كَتَائِبُ ... سُراةُ خَميسٍ فِي لُهامٍ مُسَوَّمِ٥ نزوعُ قُرَيْشَ الكفرِ حَتَّى نَعُلَّها ... بخاطمةٍ فوقَ الأنوفِ بميْسَمِ٦
نُنَزِّلُهُمْ أكنافَ نجدٍ ونخلةٍ ... وَإِنْ يُتْهموا بالخيلِ والرَّجْلِ نُتهِمِ١ يَدَ الدهرِ حَتَّى لَا يُعَوَّجُ سِربُنا ... ونُلحقهم آثارَ عادٍ وجُرْهم٢ ويندَم قومٌ لَمْ يُطيعوا مُحَمَّدًا ... عَلَى أمرِهم وَأَيُّ حِينٍ تَنَدُّمِ فأبلغْ أَبَا سفيانَ إمَّا لَقِيتَه ... لَئِنْ أنتَ لَمْ تُخلصْ سُجُودًا وتُسْلم فأبشرْ بخزْيٍ فِي الحياةِ معُجَّلٍ ... وسِرْبالِ قارٍ خَالِدًا فِي جَهنمِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَسِرْبَالِ نَارٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ، الَّذِي يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ: كَانَ فِي الأسَارَى وَكَانَ حِلْفُ الْحَضْرَمِيِّ إلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مَوْلَى يَمِينِ أَبِي سُفْيَانَ، الَّذِي يَعْنِي: عُقبة بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَأَمَّا عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَقُتِلَ يوم بدر. وَلَمَّا انْصَرَفَ الَّذِينَ خَرَجُوا إلَى زَيْنَبَ لَقِيَتْهُمْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ لَهُمْ: أَفِي السِّلمِ أعْيارٌ جَفاءً وغِلظةً ... وَفِي الحربِ أشباهُ النساءِ العَوارِكِ٣ وَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، حِينَ دَفَعَهَا إلَى الرَّجُلَيْنِ: عَجبتُ لهبَّارٍ وأوباقِ قومِهِ ... يُرِيدُونَ إخْفَارِي ببنتِ محمدِ ولستُ أُبَالِي مَا حَيِيتُ عَدِيدَهُمْ ... وَمَا استجمَعَتْ قَبْضًا يَدِي بالمهتدِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَير بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الدَّوْسي. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: بَعَثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّة أَنَا فِيهَا. فَقَالَ لَنَا: "إنْ ظَفِرْتُمْ بهبَّار بْنِ الْأَسْوَدِ، أَوْ الرَّجُلِ الْآخَرِ الَّذِي سَبَقَ معه إلى زينب
رسولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّة أَنَا فِيهَا. فَقَالَ لَنَا: "إنْ ظَفِرْتُمْ بهبَّار بْنِ الْأَسْوَدِ، أَوْ الرَّجُلِ الْآخَرِ الَّذِي سَبَقَ معه إلى زينب
-قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ سَمَّى ابنُ إسْحَاقَ الرجلَ فِي حَدِيثِهِ وَقَالَ: هُوَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ- فحرِّقوهما بِالنَّارِ" قَالَ، فَلَمَّا كَانَ الغدُ بَعَثَ إلَيْنَا. فَقَالَ: "إنِّي كُنْتُ أمرتُكم بِتَحْرِيقِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إنْ أَخَذْتُمُوهُمَا. ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يعذِّب بالنارِ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ ظَفَرْتُمْ بِهِمَا فَاقْتُلُوهُمَا". إسْلَامُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَقَامَ أَبُو الْعَاصِ بِمَكَّةَ، وَأَقَامَتْ زَيْنَبُ عِنْدَ رسول الله ﷺ بالمدينة. حِينَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الِإسلام. حَتَّى إذَا كَانَ قُبَيل الْفَتْحِ، خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ تَاجِرًا إلَى الشَّامِ، وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا، بِمَالٍ لَهُ وَأَمْوَالٍ لِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، أَبْضَعُوهَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ وَأَقْبَلَ قَافِلًا، لَقِيَتْهُ سَرِيَّة لِرَسُولِ الله ﷺ فأصابوا ماله، وَأَعْجَزَهُمْ هَارِبًا، فَلَمَّا قَدِمَتْ السَّرِيَّةُ بِمَا أَصَابُوا مِنْ مَالِهِ، أَقْبَلَ أَبُو الْعَاصِ تَحْتَ اللَّيْلِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَجَارَ بِهَا، فَأَجَارَتْهُ، وَجَاءَ فِي طَلَبِ مالهِ، فَلَمَّا خَرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الصُّبْحِ كَمَا حَدَّثَنِي يزيدُ بْنُ رُومَانَ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، صَرَخَتْ زينبُ مِنْ صُفَّة النِّسَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي قَدْ أجرتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسِ! هَلْ سَمِعْتُمْ ما سمعت؟ " قالوا: نعم؟ قال: "وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ من ذلك حتى سمعت ما سمعتُ، إنَّهُ يُجير عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ".
الوا: نعم؟ قال: "وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ من ذلك حتى سمعت ما سمعتُ، إنَّهُ يُجير عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ". ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ، فَقَالَ: "أَيْ بُنَية، أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، وَلَا يخلصنَّ إلَيْكَ، فَإِنَّكَ لَا تَحِلِّينَ لَهُ". قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَى السَّرية الَّذِينَ أَصَابُوا مَالَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إنَّ هَذَا الرجل منا حيثُ قد علمتم، أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا، فَإِنْ تُحسنوا وَتَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ، فَإِنَّا نُحب ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَأَنْتُمْ أحقُّ بِهِ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ، فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لِيَأْتِيَ بالدَّلْوِ، وَيَأْتِيَ الرَّجُلُ بالشَّنَّة وبالِإداوة١، حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ لِيَأْتِيَ بالشَظاظ٢، حَتَّى رَدُّوا عَلَيْهِ مالَه بأسرِه، لَا يَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ احتمله إلَى مَكَّةَ، فَأَدَّى إلَى كلِّ ذِي مَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ مالَه، وَمَنْ كَانَ أَبْضَعَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَلْ بَقِيَ لأحد منكم عندي مال لم يأخذه
قَالُوا: لَا. فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَجَدْنَاكَ وفِيًّا كَرِيمًا، قَالَ: فَأَنَا أشهدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاَللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنْ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ إلَّا تخوّفي أن تظنوا أني أَرَدْتُ أَنْ آكلَ أموالَكم، فَلَمَّا أَدَّاهَا اللَّهُ إلَيْكُمْ وَفَرَغْتُ مِنْهَا أسلمتُ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قال ابن إسحاق: وحدثني داودُ بن الحُصَيْن عَنْ عِكرمة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَدَّ عليه رسول الله ﷺ زينبَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَمْ يُحدثْ شَيْئًا١ بعد ستِ سنين. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ لَمَّا قَدِم مِنْ الشَّامِ وَمَعَهُ أَمْوَالُ الْمُشْرِكِينَ، قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُسلم وَتَأْخُذَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، فَإِنَّهَا أَمْوَالُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ: بِئْسَ مَا أَبْدَأُ بِهِ إسْلَامِي أَنْ أَخُونَ أَمَانَتِي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التنَوري، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عامر الشَّعبي، بنحو من حديث أي عبيدة عن أبي العاص. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ مِمَّنْ سُمى لَنَا مِنْ الْأُسَارَى مِمَّنْ مُنَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، من بني عبد شمس بن عبد مناف: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ مَنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ بُعِثَتْ زينب بنت رسول الله ﷺ بِفِدَائِهِ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: المطَّلب بْنُ حَنْطَب بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيدة بْنِ عُمر بْنِ مَخْزُومٍ، كَانَ لِبَعْضِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فتُرك فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى خَلَّوا سَبِيلَهُ. فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ زَيْد، أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي النجَّار.
َتَّى خَلَّوا سَبِيلَهُ. فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ زَيْد، أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي النجَّار. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصَيْفي بن أبي رفاعة بن عابد بن عبد اللَّهِ بْنِ عُمر بْنِ مَخْزُومٍ، تُرك فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا لَمْ يأتِ أَحَدٌ فِي فِدَائِهِ أَخَذُوا عَلَيْهِ ليبعثنَّ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ، فخلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمْ يَفِ لَهُمْ بِشَيْءٍ فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ: وَمَا كَانَ صَيفيٌّ ليُوفي ذِمَّةً ... قَفا ثعلبٍ أَعْيَا ببعضِ الموارِدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ له.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو عزَّة، عَمرو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أهَيْب بْنِ حُذافة بْنِ جُمَح، كَانَ مُحْتَاجًا ذَا بَنَاتٍ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسول الله لقد عرفتَ مالي مِنْ مَالٍ، وَإِنِّي لَذُو حَاجَةٍ، وَذُو عِيَالٍ، فامنُنْ عليَّ؟ فمنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلَّا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا. فَقَالَ أَبُو عَزَّةَ فِي ذَلِكَ، يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ فِي قَوْمِهِ: مَنْ مُبلغ عَنِّي الرسولَ مُحَمَّدًا ... بِأَنَّكَ حقٌّ والمليكُ حَميدُ وَأَنْتَ امرؤ تدعو إلى الحقِّ والهدَى ... عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ العظيمِ شهيدُ وأنتَ امْرُؤُ بوِّئتَ فِينَا مَباءةً ... لَهَا درجاتٌ سَهْلةٌ وصعودُ١ فَإِنَّكَ مَنْ حَارَبْتَهُ لمُحارَبٌ ... شَقِيّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لسعيدُ وَلَكِنْ إذَا ذُكرْتُ بَدْرًا وأهلَه ... تأوَّب مَا بِي حَسرةٌ وقعودُ٢ ثَمَنُ الْفِدَاءِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: كَانَ فِدَاءُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِلرَّجُلِ، إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، إلَّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، فمنَّ رسول الله ﷺ عليه. إسلام عُمير بن وَهْب بعد تحريض صفوان له عَلَى قَتْلِ الرَّسُولِ
لِلرَّجُلِ، إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، إلَّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، فمنَّ رسول الله ﷺ عليه. إسلام عُمير بن وَهْب بعد تحريض صفوان له عَلَى قَتْلِ الرَّسُولِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي محمدُ بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: جَلَسَ عُمَيْر بْنُ وَهْبٍ الجُمحي مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ مُصاب أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ -فِي الحِجْر- بِيَسِيرٍ، وَكَانَ عُمير بْنُ وَهْبٍ شَيْطانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤذِي رسولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، ويَلْقَون مِنْهُ عَنَاءً وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ ابنهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْر فِي أُسَارَى بَدْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَسَرَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ أَحَدُ بَنِي زُرَيْق. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفر بْنِ الزُّبير، عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: فَذَكَرَ أصحابَ القَليب ومُصابهم، فَقَالَ صَفْوَانُ: وَاَللَّهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خيرٌ؟ قَالَ لَهُ عُمير: صدقتَ وَاَللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا دَيْن عليَّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ، وعيالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعةَ بَعْدِي، لَرَكِبْتُ إلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أقتلَه، فَإِنَّ لِي قِبَلَهُمْ عِلَّةً: ابْنِي أَسِيرٌ فِي أيديهم قال: فاغتنمها صفوان
وَقَالَ: عليَّ دينُك، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ، وعيالُك مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ. مَا بَقُوا، لَا يَسَعُني شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُ عُمَير: فَاكْتُمْ شأني وشأنك قال: أفعل. قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ عُمير بِسَيْفِهِ، فشُحِذ لَهُ وسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِم الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْر بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا السيفَ، فَقَالَ: هَذَا الْكَلْبُ عدوُّ اللَّهِ عُمَيْر بْنُ وَهْب، وَاَللَّهِ مَا جَاءَ إلَّا لشرٍّ. وَهُوَ الَّذِي حَرَّش بينَنا، وحَزَرنا١ لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ دَخَلَ عُمر عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْر بنَ وَهْب قَدْ جَاءَ متوشِّحًا سيفَه: قَالَ: "فأدخلْه عليَّ"، قَالَ: فَأَقْبَلَ عمر حتى أخذ بحمَّالة سيفه فرط عُنقه فلبَّبه بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
لِ اللَّهِ ﷺ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ: "أرسلْه يَا عُمَرُ، ادْنِ يَا عُمير؟ " فَدَنَا ثُمَّ قَالَ: انْعَمُوا صَبَاحًا، وَكَانَتْ تحيةَ أهلِ الجاهليةِ بينَهم، فَقَالَ رسول الله ﷺ: "فقد أَكْرَمَنَا اللَّهُ بتحيةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمير، بِالسَّلَامِ: تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إنْ كنتُ بِهَا لحديثُ عَهْدٍ. قَالَ: "فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فأحْسنوا فِيهِ، قَالَ: "فَمَا بَالُ السيفُ فِي عُنُقِكَ؟ " قَالَ: قبَّحها اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أغنتْ عَنَّا شَيْئًا؟ قَالَ: "اصدقْني، مَا الَّذِي جئتُ لَهُ؟ " قَالَ: مَا جئتُ إلَّا لِذَلِكَ. قَالَ: "بَلْ قعدتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجْر، فَذَكَرْتُمَا أصحابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتُ، لَوْلَا دَيْنٌ عليَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أقتلَ مُحَمَّدًا، فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاَللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ"، قَالَ عُمَيْر: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتُ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنْ الْوَحْيِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إلَّا اللَّهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي للإِسلام وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شهادةَ الحقِّ. فَقَالَ
ْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إلَّا اللَّهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي للإِسلام وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شهادةَ الحقِّ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ، وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ، وَأَطْلِقُوا لَهُ أسيره"، ففعلوا. ثُمَّ قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ، شَدِيدَ الْأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ ﷿، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تأذنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكَّةَ، فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ، وَإِلَّا آذَيْتُهُمْ فِي دِينِهِمْ كما كنت أوذي أصحابك في دينهم؟ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْر بْنُ وَهْبٍ، يَقُولُ: أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمْ الْآنَ فِي أَيَّامٍ، تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ، وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرُّكْبَانَ، حَتَّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إسْلَامِهِ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَدًا، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعِ أَبَدًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمَ عُمير مَكَّةَ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ، ويؤذِي مَنْ خَالَفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كثير.
: فَلَمَّا قَدِمَ عُمير مَكَّةَ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ، ويؤذِي مَنْ خَالَفَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كثير. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وعُمير بْنُ وَهْبٍ، أَوْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، قَدْ ذُكِرَ لِي أَحَدُهُمَا، الَّذِي رَأَى إبْلِيسَ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ يوم بدر، فقيل: أين، أي سُراق؟ ومَثَلَ١ عَدُوُّ اللَّهِ فَذَهَبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ . فَذَكَرَ اسْتِدْرَاجَ إبْلِيسَ إيَّاهُمْ، وَتَشَبُّهَهُ بسُراقة بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشم لَهُمْ، حِينَ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَناة بْنِ كِنَانَةَ فِي الْحَرْبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ وَنَظَرَ عَدُوُّ اللَّهِ إلَى جُنُودِ اللَّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، قَدْ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ رسولَه ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ . وَصَدَقَ عَدُوُّ اللَّهِ، رَأَى مَا لَمْ يَرَوْا، وَقَالَ: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] فَذُكِرَ لِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنه فِي كُلِّ مَنْزِلٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ لَا يُنْكِرُونَهُ، حَتَّى إن كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَالْتَقَى الْجَمْعَانِ نَكَصَ عَلَى عقبيه، فأوردهم ثم أسلمهم. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَكَصَ: رَجَعَ: قَالَ أوْس بن حجر، أَحَدُ بَنِي أسْد بْنِ عَمرو بْنِ تَمِيمٍ: نكصتُم عَلَى أعقابِكم يومَ جئتُمُ ... تُزَجُّونَ أنفالَ الخميسِ العَرَمْرَمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت: قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ آوَوْا نبيَّهم ... وصدَّقوه وأهلُ الأرضِ كُفَّارُ إلَّا خصائصَ أقوامٍ همُ سَلَفٌ ... لِلصَّالِحِينَ مَعَ الأنصارِ أنصارُ مُسْتبشرين بقَسْمِ اللَّهِ قولُهم ... لما أتاهم كريمُ الأصلِ مُختارا أَهْلًا وَسَهْلًا فَفِي أَمْنٍ وَفِي ... سَعَةٍ نعمَ النَّبِيُّ ونعمَ القَسْمُ والجارُ فَأَنْزَلُوهُ بدارٍ لَا يُخاف بِهَا ... مَنْ كَانَ جارَهمُ دَارًا هىَ الدارُ وقاسَمُوه بِهَا الأموالَ إذْ قَدِمُوا ... مُهَاجِرِينَ وقَسْمُ الجاحدِ النارُ سِرنا وَسَارُوا إلَى بَدْرٍ لِحيْنهمُ ... لَوْ يَعْلَمُونَ يقينَ العلمِ مَا سَارُوا دَلاَّهُمُ بغرورٍ ثُمَّ أسْلَمهم ... إنَّ الخبيثَ لِمَنْ والاَه غَزَّارُ وَقَالَ إنِّي لَكُمْ جَار فأوردَهم ... شَرَّ المواردِ فِيهِ الخِزْي والعارُ ثُمَّ الْتَقَيْنَا فولَّوْا عَنْ سَراتِهمُ ... مِنْ مُنْجدينَ وَمِنْهُمْ فِرْقَةٌ غَارُوا١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قولَه: "لَمَّا أَتَاهُمْ كريمُ الأصلِ مختارُ" أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ. المطْعِمون مِنْ قريش: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْمُطْعِمُونَ٢ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: العباس بن عبد المطلب بن هاشم. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتبة بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. وَمِنْ بني نَوْفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نَوْفل، وطُعَيْمة بن عدي بن نوفل، يعتقبان ذلك. ومن في أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى: أَبَا البخْتري بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ. وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ: يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ.
عَبْدِ العُزَّى: أَبَا البخْتري بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ. وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ: يَعْتَقِبَانِ ذَلِكَ.
ومن بني عبد الدار بن قُصي: النَّضْر بن الحارث بن كَلَدة بن علقمة بن عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقمة بْنِ كَلَدة بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدار. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وَمِنْ بَنَى جُمح: أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفِ بْنِ وَهْب بن حُذافة بن جُمَح. ومن بني سَهْم بْنِ عَمرو: نُبَيها ومُنبِّهًا ابْنَيْ الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذيفة بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْم، يعتقبان ذلك. ومن بني عامر بن لُؤَي: سُهيل بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نَصْر بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْل بْنِ عَامِرٍ. أَسَمَاءُ خيل المسلمين يوم بدو: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْخَيْلِ، فَرَسُ مَرْثَد بْنِ أَبِي مَرْثَد الغَنَوِي، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: السَّبَلُ وَفَرَسُ المِقْداد بْنِ عَمْرو البَهْراني، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: بَعْزجة، وَيُقَالُ له: سَبْحة وَفَرَسُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ يُقَالُ له: اليَعْسوب. قال ابن هشام: ومع المشركين مائة فرس. نزول سورة الأنفال تصف أحداث بدر:
ه: سَبْحة وَفَرَسُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ يُقَالُ له: اليَعْسوب. قال ابن هشام: ومع المشركين مائة فرس. نزول سورة الأنفال تصف أحداث بدر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ بَدْرٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ الْأَنْفَالَ بِأَسْرِهَا، فَكَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنْهَا فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّفَلِ حِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] فَكَانَ عُبادة بْنُ الصَّامِتِ -فِيمَا بَلَغَنِي- إذَا سُئل عَنْ الْأَنْفَالِ، قَالَ: فِينَا مَعْشَرَ أَهْلِ بَدْرٍ نَزَلَتْ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا حِينَ سَاءَتْ فِيهِ أخلاقُنا، فردَّه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَمَهُ. بَيْنَنَا عَنْ بَوَاء -يَقُولُ عَلَى السَّوَاءِ- وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ وصلاح ذات البين. ثُمَّ ذَكَرَ القومَ ومسيرَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ عَرَفَ القومُ أن قريشًا
قْوَى اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ وصلاح ذات البين. ثُمَّ ذَكَرَ القومَ ومسيرَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ عَرَفَ القومُ أن قريشًا
قَدْ سَارُوا إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْعِيرَ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ : أَيْ كَرَاهِيَةً لِلِقَاءِ الْقَوْمِ، وَإِنْكَارًا لِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، حِينَ ذُكِرُوا لَهُمْ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ : أَيْ الْغَنِيمَةَ دُونَ الْحَرْبِ ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٥٧] : أَيْ بِالْوَقْعَةِ الَّتِي أَوْقَعَ بِصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَقَادَتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ : أَيْ لِدُعَائِهِمْ حِينَ نَظَرُوا إلَى كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ بِدُعَاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وَدُعَائِكُمْ ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ : أَيْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ الْأَمَنَةَ حِينَ نِمْتُمْ لَا تَخَافُونَ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ لِلْمَطَرِ الَّذِي أَصَابَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَحَبَسَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَسْبِقُوا إلَى الْمَاءِ، وَخَلَّى سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] : أَيْ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ شَكَّ الشَّيْطَانِ، لِتَخْوِيفِهِ إيَّاهُمْ عَدُوَّهُمْ وَاسْتِجْلَادِ١ الْأَرْضِ لَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إلَى منزلهم الذي سبقوا إليه عدوَّهم.
كُمْ شَكَّ الشَّيْطَانِ، لِتَخْوِيفِهِ إيَّاهُمْ عَدُوَّهُمْ وَاسْتِجْلَادِ١ الْأَرْضِ لَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إلَى منزلهم الذي سبقوا إليه عدوَّهم. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ : أَيْ آزِرُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢، ١٣] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ : أَيْ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ لِئَلَّا يَنْكُلُوا عَنْهُمْ إذَا لَقُوهُمْ، وَقَدْ وَعَدَهُمْ اللَّهُ فِيهِمْ مَا وعدهم. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى، فِي رَمْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُمْ بِالْحَصْبَاءِ مِنْ يَدِهِ، حِينَ رَمَاهُمْ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ : أَيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ، لَوْلَا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ نَصْرِكَ، وَمَا أَلْقَى فِي صُدُورِ عَدُوِّكَ مِنْهَا حِينَ هَزَمَهُمْ اللَّهُ ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧] : أَيْ لِيُعَرِّفَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فِي إظْهَارِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ حقه، ويشكروا بذلك نعمته.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ : أَيْ لِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ: اللَّهُمَّ أَقْطَعَنَا للرحمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يُعرف، فأحْنه الغَداة. وَالِاسْتِفْتَاحُ: الْإِنْصَافُ فِي الدُّعَاءِ. يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ : أَيْ لِقُرَيْشِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ : أَيْ بِمِثْلِ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَصَبْنَاكُمْ بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] : أَيْ أَنَّ عَدَدَكُمْ وَكَثْرَتَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ لَنْ تغنيَ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَإِنِّي مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْصُرهُمْ على من خالفهم. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ . أَيْ لَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ لِقَوْلِهِ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مِنْهُ، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ : أَيْ كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، ويُسرون لَهُ الْمَعْصِيَةَ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ : أي المنافقين الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ، بُكم عَنْ الْخَيْرِ، صُم عَنْ الْحَقِّ، لَا يَعْقِلُونَ: لَا يَعْرِفُونَ مَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّقْمَةِ والتَّباعة١ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ ٢، أي لأنفذ لهم الَّذِي قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنَّ الْقُلُوبَ خَالَفَتْ ذَلِكَ منهم، ولو خرجوا معكم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مَا وَفَوْا لَكُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا خَرَجُوا عَلَيْهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ : أَيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أَعَزَّكُمْ اللَّهُ بِهَا بَعْدَ الذُّلِّ، وَقَوَّاكُمْ بِهَا بَعْدَ الضَّعْفِ،
رَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ : أَيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أَعَزَّكُمْ اللَّهُ بِهَا بَعْدَ الذُّلِّ، وَقَوَّاكُمْ بِهَا بَعْدَ الضَّعْفِ، وَمَنَعَكُمْ بِهَا مِنْ عَدُوِّكُمْ بَعْدَ الْقَهْرِ مِنْهُمْ لَكُمْ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ لَا تُظْهِرُوا لَهُ مِنْ الْحَقِّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ، ثُمَّ تُخَالِفُوهُ فِي السِّرِّ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ، وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ : أَيْ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، لِيُظْهِرَ اللَّهُ بِهِ حَقَّكُمْ، وَيُطْفِئَ بِهِ بَاطِلَ مَنْ خالفكم. ثُمَّ ذَكَّر رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، حِينَ مَكَرَ بِهِ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يُثبتوه أَوْ يُخْرِجُوهُ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ : أَيْ فَمَكَرْتُ بِهِمْ بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.
َوْ يُثبتوه أَوْ يُخْرِجُوهُ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ : أَيْ فَمَكَرْتُ بِهِمْ بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.
ما نزل في غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم: ثُمَّ ذَكَرَ غِرة قُرَيْشٍ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، إذْ قَالُوا ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كَمَا أَمْطَرْتهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٢٧] أَيْ بَعْضِ مَا عَذَّبْتُ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُهُ، وَلَمْ يُعَذِّبْ أُمَّةً وَنَبِيُّهَا مَعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا. وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ، يَذْكُرُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرَّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، حِينَ نَعَى سُوءَ أَعْمَالِهِمْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ : أَيْ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَعَبْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ اتَّبَعَكَ، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ حُرْمَتَهُ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ: أَيْ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ بِكَ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُمْ ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ. وَالتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ.
يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُمْ ﴿إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ. وَالتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ. قال عنترة بن عَمرو بن شَدَّادٍ العبْسي: ولرُبَّ قِرْنٍ قَدْ تركتُ مُجَدَّلًا ... تَمكُو فريصتُهُ كشِدْقِ الأعْلمِ١ يَعْنِي: صَوْتَ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الطَّعْنَةِ، كَأَنَّهُ الصَّفِيرُ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الطِّرِمَّاح بْنُ حَكِيمٍ الطَّائِيُّ: لَهَا كلَّما رِيعت صَداة ورَكْدةَ ... بمُصْدَانِ أعلَى ابنَي شَمامِ البَوائنِ٢ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَعْنِي الأرْوِية، يَقُولُ: إذَا فَزِعَتْ قَرَعَتْ بِيَدِهَا الصَّفاةَ ثُمَّ رَكَدَتْ -تَسْمَعُ صَدَى قرعها بيدها الصَّفاة- مثل التصفيق. والمُضْدان: الحِرْز وابنا شمام جبلان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ ﷿ وَلَا يُحِبُّهُ، وَلَا مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَلَا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤، ٣٥] : أَيْ لِمَا أَوْقَعَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ القتل. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ بَيْنَ نزول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [الْمُزَّمِّلُ: ١] ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا، إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا، وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ إلَّا يَسِيرٌ، حَتَّى أَصَابَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ بدر. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَنْكَالُ: الْقُيُودُ وَاحِدُهَا: نِكْل. قَالَ رُؤبة بْنُ العَجَّاج: يَكْفِيكَ نِكْلي بَغْيَ كلِّ نِكْلِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ما نزل في معاوني أبي سُفْيَانَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي النَّفَرَ الَّذِينَ مَشَوْا إلَى أَبِي سُفْيَانَ، وَإِلَى مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِلْكَ التِّجَارَةِ، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُقَووهم بِهَا عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَعَلُوا. ثُمَّ قَالَ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لِحَرْبِكَ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أَيْ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.



