سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya عبد الملك بن هشام (w. 213 H). Tahqiq: طه عبد الرؤوف سعد.

Bagian 5 dari 23 594 halaman

— Bagian 5 · َ: ابْنُ سِتِّينَ، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ –… —

Bagian 5

َ: ابْنُ سِتِّينَ، وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ –ﷺ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَسَمِعَ حَسَّانُ مَا سَمِعَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. إعْلَامُ جده لولادته وما فعله به: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ ﷺ أَرْسَلَتْ إلَى جَدِّه عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّهُ قَدْ وُلد لَكَ غُلَامٌ، فَأْتِهِ فانظرْ إلَيْهِ، فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ، وحَدَّثَتْه بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَمَا قِيلَ لَهَا فيه، وما أمرت به أن تسمِّيَه. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَخَذَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ فَقَامَ يَدْعُو اللَّهَ، وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أعطاه١.

ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلَى أُمِّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا، والتُمس لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرُّضعاءُ١. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاضِعُ. وَفَى كِتَابِ اللَّهِ ﵎ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ ٢ [القصص: ١٢] . مرضعته حليمة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاسْتَرْضَعَ لَهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ ابنة أبي ذُؤيْب. نسب مرضعته: وَأَبُو ذُؤيْب: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ شِجْنَة بن جابر بن رِزام بن

ِ بْنِ بَكْرٍ. يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ ابنة أبي ذُؤيْب. نسب مرضعته: وَأَبُو ذُؤيْب: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ شِجْنَة بن جابر بن رِزام بن

نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّة بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكرمة بن خَصَفة بن قَيْس بن عَيْلان. زوج حليمة ونسبه: وَاسْمُ أَبِيهِ الَّذِي أَرْضَعَهُ ﷺ– الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ مَلان بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيَّة بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ١. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: هِلَالُ بْنُ نَاصِرَةَ. أولاد حليمة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ: عَبْدُ الله بن الحارث، وأنَيْسة بنت الحارث، وخِذامة٢ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى اسْمِهَا فَلَا تُعرف فِي قَوْمِهَا إلَّا بِهِ. وَهُمْ لِحَلِيمَةِ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَذْكُرُونَ أَنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مع أمها إذْ كان عندهم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَهْم بْنُ أَبِي جَهْم مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الجُمحي، عَنْ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أو عمن حدثه عنه قال:

ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَهْم بْنُ أَبِي جَهْم مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الجُمحي، عَنْ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أو عمن حدثه عنه قال:

حديث حليمة: كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤيب السَّعْدية، أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ١، تُحدِّث: أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، قَالَتْ: وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ، لَمْ تُبقِ لَنَا شَيْئًا: قَالَتْ: فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ لِي قمْراء، مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاَللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَمَا نَنَامُ لَيلَنا أجمعَ مِنْ صَبِيِّنَا الَّذِي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجَوْعِ، مَا فِي ثَدْيَيَّ مَا يُغْنِيهِ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يغدِّيه -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: يغذِّيه٢- وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الغَيْث وَالْفَرَجَ، فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ، فَلَقَدْ أدَمْتُ٣ بالرَّكْب، حَتَّى شقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وعَجَفًا، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ، فَمَا مِنَّا امْرَأَةٌ إلَّا وَقَدْ عُرض عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فتأباه، إذا قيل لها

إنَّهُ يَتِيمٌ، وَذَلِكَ: أَنَّا إنَّمَا كُنَّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصَّبِيِّ، فَكُنَّا نَقُولُ: يَتِيمٌ؟! وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ وجَدُّه؟ فَكُنَّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمَّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قلتُ لِصَاحِبِي: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاَللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ، فلآخذنَّه، قَالَ: لَا عليكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى اللَّهُ أَنْ يجعلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالَتْ: فذهبتُ إلَيْهِ فأخذتُه، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أخذِه إلَّا أَنِّي لَمْ أجد غيرَه. الخير الذي أصاب حليمة: قَالَتْ: فَلَمَّا أخذتُه، رجعتُ بِهِ إلَى رَحْلِي فَلَمَّا وَضَعْتُهُ فِي حِجْري أَقَبْلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ٢، فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ نَامَا، وَمَا كُنَّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ، فَإِذَا إنَّهَا لَحَافِلٌ، فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِب، وشربتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا رِيًّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالَتْ: يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تعلَّمي وَاَللَّهِ يَا حليمةُ، لَقَدْ أخذتِ نَسمةً مُبَارَكَةً، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ. قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجْنَا وركبتُ أَتَانِي، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِي، فَوَاَللَّهِ لقطعتْ بالرَّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ حُمُرِهم، حَتَّى إنَّ صَوَاحِبِي لِيَقُلْنَ لِي: يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤيْب، ويحكِ! ارْبَعِي عَلَيْنَا، أليستْ هَذِهِ أتانَك الَّتِي كنتِ خَرَجْتُ عَلَيْهَا؟ فَأَقُولُ لَهُنَّ: بَلَى وَاَللَّهِ. إنَّهَا لَهِيَ هِيَ فيقلْنَ: وَاَللَّهِ إنَّ لَهَا لشأَنًا. قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ.

هُنَّ: بَلَى وَاَللَّهِ. إنَّهَا لَهِيَ هِيَ فيقلْنَ: وَاَللَّهِ إنَّ لَهَا لشأَنًا. قَالَتْ: ثُمَّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ. وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أجدبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عليَّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبَّنا. فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ. وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ، وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْع. حَتَّى كَانَ الْحَاضِرُونَ من قومنا

يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ: وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يسرحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤيب فَتَرُوحُ أغنامُهم جِيَاعًا مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ غَنَمِي شِباعا لُبَّنًا، فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنْ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتَّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وفصلتُه؛ وَكَانَ يشِبُّ شَبَابًا لَا يشبُّه الْغِلْمَانُ، فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتَّى كان غلامًا جَفرًا. رجوع حليمة به إلى مكة أول مرة: قَالَتْ: فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ وَنَحْنُ أحرصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا؛ لِمَا كُنَّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ؛ فَكَلَّمْنَا أمَّه، وقلتُ لَهَا: لَوْ تَرَكْتُ بُنَيَّ عِنْدِي حَتَّى يغلُظَ، فَإِنِّي أَخْشَى عليه وباء مَكَّةَ قَالَتْ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتَّى رَدَّتْهُ معنا. حديث الملكين اللذين شقا بطنه: قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ، فَوَاَللَّهِ إنَّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا بشهر مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْم لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطانه١، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقَعَا وجْهُه. قَالَتْ: فَالْتَزَمْتُهُ وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا لَكَ يَا بُنَيّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وشقَّا بَطْنِي، فالتمسا شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا إلى خِبائنا.

جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وشقَّا بَطْنِي، فالتمسا شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا إلى خِبائنا. حليمة ترد محمدًا ﷺ إلَى أُمِّهِ: قَالَتْ: وَقَالَ لِي أَبُوهُ: يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ، فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قَالَتْ: فاحتملناه، فقدمنا به على أمّه، فقالت: مَا أَقْدَمَكَ بِهِ يَا ظِئْرُ، وَقَدْ كنتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: فقد بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عليَّ، وتخوفتُ الْأَحْدَاثَ عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ إلَيْكَ كَمَا تُحِبِّينَ. قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُكَ، فأصدُقيني خَبَرَكَ. قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْني حَتَّى أخبرتُها. قَالَتْ: أفتخوفتِ عَلَيْهِ الشيطانَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: كَلَّا. وَاَللَّهِ مَا للشيطان عليه من

سَبِيلٍ، وَإِنَّ لِبُنَيّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ. قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حملتُ به: أنه خرج مني نور أضاء قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ. ثُمَّ حَمَلْتُ بِهِ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ: مِنْ حَمْلٍ قطُّ كان أخفَّ وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بالأرضِ، رَافِعٌ رَأَسَهُ إلَى السَّمَاءِ. دعيه عنك، وانطلقي راشدة. الرسول يُسأل عن نفسه وإجابته –ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ثَوْر بْنُ يَزِيدَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان الكَلاعي: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَنَا دعوةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وبُشْرى أَخِي عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قصورَ الشَّامِ١، واسْتُرضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْما لَنَا: إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بطَسْت مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا. ثُمَّ أَخَذَانِي فَشَقَّا بَطْنِي، وَاسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فشقَّاه فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا. ثُمَّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ٢، ثُمَّ قَالَ أحدُهُما لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بهم فوزنتُهم

لْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثَّلْجِ حَتَّى أَنْقَيَاهُ٢، ثُمَّ قَالَ أحدُهُما لِصَاحِبِهِ: زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بهم فوزنتُهم

ثم قال: زنه بمائة مِنْ أُمَّتِهِ. فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ، ثُمَّ قَالَ: زَنِّهِ بِأَلْفِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ. فَقَالَ: دَعْهُ عَنْكَ، فَوَاَللَّهِ لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لوزنها". رعيه ﷺ الغنم وافتخاره بقرشيته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ رعَى الْغَنَمَ"، قِيلَ: وَأَنْتَ يَا رسول الله؟ قال: "وأنا"١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: "أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ، واستُرضعت فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بكر". افتقاد حليمة لَهُ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ النَّاسُ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ لَمَّا قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ أضلَّها فِي النَّاسِ، وَهِيَ مُقبلة بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ قَدِمْتُ بِمُحَمَّدٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا كُنْتُ بِأَعْلَى مَكَّةَ أضلَّني، فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُكَ وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يُعَوِّذه وَيَدْعُو لَهُ، ثُمَّ أرسل به إلى أمه آمنة.

َكَّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يُعَوِّذه وَيَدْعُو لَهُ، ثُمَّ أرسل به إلى أمه آمنة. سبب آخر لرجوع حَلِيمَةَ بِهِ ﷺ إلَى مكة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ مِمَّا هَاجَ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ عَلَى رَدِّهِ إلَى أُمِّهِ، مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمِّهِ مِمَّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ، وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلَّبُوهُ، ثُمَّ قَالُوا لَهَا: لَنَأْخُذَنَّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنَّ بِهِ إلَى مَلِكنا وَبَلَدِنَا؛ فَإِنَّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ، فَزَعَمَ الَّذِي حَدَّثَنِي أنها لم تكد تنفلت به منهم٢.

وَفَاةُ آمِنَةَ: وَحَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَهَا وفاة أمه ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وجدِّه عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كَلَاءَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ستَّ سِنِينَ، تُوفيت أُمُّهُ آمنة بنت وهب. عمر رسول الله ﷺ حين وفاة أمه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةُ تُوفيت وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ– ابنُ ستِّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ، بين مكة، والمدينة، وكانت قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ، مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ تُزيره إيَّاهُمْ، فَمَاتَتْ، وَهِيَ راجعة به إلى مكة١. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هاشم: سَلْمى بنت عَمرو النَّجَّارية، فهذه الخئولة الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيهم.

إجلال عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَهُ "ﷺ": قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَ يُوضعَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِراش فِي ظلِّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِراشه ذَلِكَ، حَتَّى يَخْرَجَ إلَيْهِ، لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي، وَهُوَ غُلَامٌ جَفْر، حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَأْخُذَهُ أَعْمَامُهُ، لِيُؤَخِّرُوهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ: دَعُوا ابْنِي، فَوَاَللَّهِ إنَّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمَّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، وَيَسُرُّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ. وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا رُثي بِهِ مِنَ الشِّعْرِ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِي سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سنين. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبد بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ. عبد المطلب يطلب من بناته أن يرثينه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَعَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ، وكُنَّ ستَّ نِسْوَةٍ: صَفية، وبَرَّة، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وأمَيْمة، وأرْوَى، فَقَالَ لَهُنَّ: ابْكِينَ عليَّ حَتَّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشِّعْرَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا رَوَاهُ عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ سَعِيدِ بن المسيب، كتبناه: رثاء صفية بنت عبد المطلب لأبيها: فقالت صفية بنت عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أرِقتُ لصوتِ نائحةٍ بليلٍ ... عَلَى رَجلٍ بِقَارِعَةِ الصَّعيدِ

رثاء صفية بنت عبد المطلب لأبيها: فقالت صفية بنت عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أرِقتُ لصوتِ نائحةٍ بليلٍ ... عَلَى رَجلٍ بِقَارِعَةِ الصَّعيدِ فَفَاضَتْ عندَ ذلكُمُ دموعي ... على خدي كَمُنْحَدِر الفريدِ١

عَلَى رجلٍ كريمٍ غيرِ وَغْلٍ ... لَهُ الفضلُ المُبينُ عَلَى العبيدِ عَلَى الفيَّاض شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أبيكِ الخيرِ وارثِ كلَّ جودِ١ صدوقٍ في المواطِن غير نِكْسٍ ... ولا سَخْت المقامِ وَلَا سَنيد٢ طويلِ الْبَاعِ، أرْوَعِ شَيْظَمِىٍّ ... مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حميدِ رفيعِ الْبَيْتِ أبلَج ذِي فُضول ... وغيثِ النَّاسِ فِي الزَّمَنِ الحَرودِ كريمِ الجدِّ لَيْسَ بِذِي وُصُومٍ ... يروقُ عَلَى المُسوَّد والْمَسُودِ عَظِيمِ الحِلمِ مِنْ نفرٍ كِرَامٍ ... خَضَارِمة مَلَاوِثَةٍ أسودِ٣ فَلَوْ خَلَد امْرُؤٌ لِقَدِيمِ مَجْدٍ ... وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الخلودِ لَكَانَ مُخَلَّدًا أُخْرَى اللَّيَالِي ... لفضلِ المجدِ والحسبِ التليدِ رثاء بَرَّة بنت عبد المطلب لأبيها: وَقَالَتْ بَرَّة بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أعَيْنيَّ جُودَا بدمعٍ دِرَرْ ... عَلَى طَيِّب الخِيم والمعتصرْ عَلَى مَاجِدِ الجَدِّ وَارَى الزنادِ ... جَمِيلِ المُحَيَّا عَظِيمِ الخطرْ عَلَى شَيْبةِ الحمدِ ذِي المَكْرُمات ... وَذِي الْمَجْدِ والعزِّ والمفتخرْ وَذِي الحلمِ والفصْلِ في النائبات ... كثيرِ المكارَمِ، جَمِّ الفَخَرْ لَهُ فَضْلُ مجدٍ عَلَى قومِه ... مُنير، يلوحُ كضوءِ القمرْ أَتَتْهُ الْمَنَايَا، فَلَمْ تُشْوِه ... بصرْفِ الليالى، ورَيْب القدَرْ٤

، جَمِّ الفَخَرْ لَهُ فَضْلُ مجدٍ عَلَى قومِه ... مُنير، يلوحُ كضوءِ القمرْ أَتَتْهُ الْمَنَايَا، فَلَمْ تُشْوِه ... بصرْفِ الليالى، ورَيْب القدَرْ٤

رثاء عاتكة بنت عبد المطلب لأبيها: وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أعَيْنيَّ جودَا، وَلَا تَبْخَلا ... بدمعِكما بعدَ نَوْم النِّيَامِ أعَيْنيَّ واسحَنْفرا واسكُبا ... وَشُوبَا بكاءَكما بالْتِدام أعَيْنيَّ، وَاسْتَخْرِطَا واسجُما ... عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْس كَهام كَرِيمِ الْمَسَاعِي، وَفِيِّ الذِّمَامِ١ ... عَلَى شَيْبةِ الْحَمْدِ، وَارَى الزِّنَادِ وَذِي مَصْدَق بعدُ ثَبْت المُقام ... وسيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصامة ومُرْدِي المخاصمَ عِنْدَ الخصام٢ ... وسهل الخليقة طَلْق اليديْن وفٍ عُدْمِلىٍّ صَمِيمٍ لُهَام٣ ... تَبَنَّك فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ رَفِيعُ الذؤابةِ صَعْب المَرَامِ رِثَاءُ أُمِّ حَكِيمٍ بنت عبد المطلب لأبيها: وَقَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءِ بنتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أَلَا يَا عينُ جُودِي واستهلِّي ... وبَكِّي ذَا النَّدَى والمَكْرُماتِ أَلَا يَا عينُ ويْحَك أَسْعِفِينِي ... بدمعٍ مِنْ دموعٍ هاطلاتِ وبَكِّي خَيرَ مَنْ رَكبَ الْمَطَايَا ... أباكِ الخيرَ تيَّار الفُراتِ

طويلَ الْبَاعِ شَيْبة ذَا الْمَعَالِي ... كريمَ الْخَيم محمودَ الهِباتِ وَصُولًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرِزِيّا ... وغَيْثا فِي السِّنِينَ المُمْحِلاتِ ولَيْثًا حَيْنَ تَشْتجرُ العَوالي ... تَرُوقُ لَهُ عيونُ النَّاظِرَاتِ عَقيلَ بَنِي كِنانةَ والمُرَجَّى ... إذَا مَا الدهرُ أقبلَ بالهِناتِ ومَفْزَعَها إذَا مَا هَاجَ هَيْج ... بِداهيةٍ، وخَصْمَ المُعْضِلاتِ فبكِّيه وَلَا تَسَمِي بحُزْنٍ ... وبكِّي مَا بقيتِ الباكياتِ رثاء أميمة بنت عبد المطلب لأبيها: وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: أَلَا هَلَكَ الرَّاعِي العشيرةَ ذُو الفَقْدِ ... وَسَاقِي الحجيجَ، وَالْمُحَامِي عَنْ المجدِ وَمَنْ يُؤْلف الضيفَ الغريبَ بيوتَه ... إذَا مَا سماءُ الناسِ تبخلُ بالرعدِ كسبتَ وَلَيَدًا خَيْرَ مَا يكسبُ الْفَتَى ... فَلَمْ تَنْفكك تزدادُ يَا شَيْبةَ الحمدِ أَبُو الْحَارِثِ الْفَيَّاضُ، خلَّى مكانَه ... فَلَا تبعدنْ، فكلُّ حَيٍّ إلَى بُعْدِ فَإِنِّي لَبَاكٍ مَا بقيتُ ومُوجع ... وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لِمَا كَانَ مِنْ وَجْدِي سَقَاكَ وَلِيُّ النَّاسِ فِي القَبرُ مُمطرًا ... فَسَوْفَ أبَكِّيه، وَإِنْ كَانَ فِي اللحْدِ فَقَدْ كَانَ زَيْنا للعشيرةِ كلِّها ... وَكَانَ حَمِيدًا حيثُ ما كان مِنْ حَمْدِ رثاء أروى بنت عبد المطلب لأبيها: وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: بَكَتْ عَيْنَيَّ، وحُقَّ لَهَا البكاءُ ... عَلَى سَمْحٍ، سجيتُه الحياءُ عَلَى سَهلِ الخليقةِ أبطَحي ... كَرِيمِ الْخِيمِ، نِيَّتُهُ العَلاءُ عَلَى الفياضِ شيبةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيكِ الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفاء طويلِ الْبَاعِ أمْلس، شَيْظميّ ... أَغَرَّ كَأَنَّ غرتَه ضياءُ أَقَبِّ الكَشْحِ، أروعَ ذِي فُضولٍ ... لَهُ المجدُ المقدَّمُ والسناءُ أبيِّ الضيْمِ، أَبْلَجَ هِبْرِزيّ ... قَدِيمِ المجد ليس له خَفاءُ ومَعْقَلِ مالكٍ، وربيعِ فِهْرٍ ... وفاصِلِها إذَا التُمِس القَضَاءُ١

َّمُ والسناءُ أبيِّ الضيْمِ، أَبْلَجَ هِبْرِزيّ ... قَدِيمِ المجد ليس له خَفاءُ ومَعْقَلِ مالكٍ، وربيعِ فِهْرٍ ... وفاصِلِها إذَا التُمِس القَضَاءُ١

وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا ... وَبَأْسًا حَيْنَ تنسَكب الدماءُ إذَا هَابَ الكُماةُ الموتَ حَتَّى ... كَأَنَّ قلوبَ أَكْثَرِهِمْ هواءُ مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشيب ... عليه حين تُبْصره البهاءُ١ إعجاب عبد المطلب بالرثاء: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ، وَقَدْ أصمت: أن هكذا فابكينني. نسب المسيِّب بن حَزْن: قال ابن هشام: المسيِّب بْنُ حَزْن بْنِ أَبِي وَهْب بْنِ عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. رثاء حذيفة بن غانم لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ٢ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ، وَفَضْلَ قُصي عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُخِذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكَّةَ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ: عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَافْتَكَّهُ: أَعَيْنِيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ عَلَى الصَّدْرِ ... وَلَا تَسْأَمَا أسْقِيتُما سَبَل القَطر وَجُودَا بِدَمْعٍ، وَاسْفَحَا كُلَّ شَارِقٍ ... بُكَاءَ امْرِئٍ لَمْ يُشْوِه نَائِبُ الدَّهْرِ وسُحَّا، وجُمَّا، وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا ... عَلَى ذِي حَيَاءٍ من قريش، وذي سِتر

كُلَّ شَارِقٍ ... بُكَاءَ امْرِئٍ لَمْ يُشْوِه نَائِبُ الدَّهْرِ وسُحَّا، وجُمَّا، وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا ... عَلَى ذِي حَيَاءٍ من قريش، وذي سِتر

عَلَى رَجُلٍ جَلْدِ القُوى، ذِي حَفِيظَةٍ ... جَمِيلِ المحيَّا غَيْرِ نِكْس وَلَا هذْرِ١ عَلَى الماجدِ البُهلول ذي الباع واللهى ... رَبِيعِ لُؤيّ فِي القُحُوط وَفِي العُسْر عَلَى خير حافٍ مِنْ مَعَد وَنَاعِلٍ ... كَرِيمَ الْمَسَاعِي، طَيِّبَ الخِيم والنحْرِ وخيرهمُ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا ... وَأَحْظَاهُمْ بالمُكرمات وَبِالذِّكْرِ وأولاهمُ بالمجدِ والحلمِ والنُّهى ... وبالفضْل عِنْدَ المُجْحِفات مِنْ الغُبْر عَلَى شيبةِ الحمدِ الَّذِي كَانَ وجهُه ... يضيءُ سوادَ اللَّيْلِ كَالْقَمَرِ البدْرِ وَسَاقِي الحجيجَ ثم للخُبز هاشمٌ ... وعبد مناف، ذلك السيد الفِهْري طوى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ، فأصبحتْ ... سقايتُه فَخْرًا عَلَى كلِّ ذِي فَخْر لِيَبْكِ عَلَيْهِ كلُّ عانٍ بكرُبةٍ ... آل قُصي مِنْ مُقلّ وَذِي وَفْرِ بَنُوهُ سَراة، كهلُهم وشبابُهم ... تفيَّق عنهمْ بيضةُ الطَّائِرِ الصَّقْرِ قُصَي الَّذِي عَادَى كنانةَ كلَّها ... وَرَابَطَ بيتَ اللَّهِ فِي العُسر وَالْيُسْرِ فَإِنْ تكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وصرفُها ... فَقَدْ عَاشَ ميمونَ النقيبةِ والأمرِ وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غيرَ عُزَّلٍ ... مصاليتَ، أمثالَ الرُّدَيْنيَّة السُّمْرِ أَبُو عُتْبَةَ الملقَى إليَّ حِبَاؤُهُ ... أغرُّ، هِجانُ اللونِ مِنْ نَفر غُرِّ وحمزةُ مثلُ البدرِ، يَهْتَزُّ للنَّدَى ... نقيُّ الثيابِ والذّمامِ مِنْ الغَدْرِ وعبدُ منافٍ مَاجِدٌ ذُو حَفيظةٍ ... وَصولٌ لِذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي الصهرِ كهولُهم خيرُ الكهولِ، ونسلُهم ... كنسلِ الملوكِ، لَا تبورُ وَلَا تَحَرَّى٢ مَتَى مَا تُلاقي منهمُ الدهرَ نَاشِئًا ... تجدْه بإجْريَّا أوائله يَجْري هُمُ مَلَئُوا البطحَاء مَجْدًا وعزَّةً ... إذَا استُبق الخيراتُ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ وَفِيهِمْ بُنَاةٌ للعُلا وعِمارة ... وعبدُ مناف جَدُّهمْ، جابرُ الكسر

بإنكاحِ عوفي بنتَه ليجيرَنا ... مِنْ أَعْدَائِنَا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهر فَسِرْنَا تِهامِي البلادِ ونجدَها ... بأمنِه حَتَّى خَاضَتْ العيرُ فِي الْبَحْرِ وَهُمْ حَضَرُوا والناسُ بادٍ فريقُهم ... وَلَيْسَ بِهَا إلَّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو١ بنوْها دِيَارًا جَمةً، وطَوَوْا بِهَا ... بِئَارًا تسُحُّ الماءَ من ثَبَجِ البحرِ لَكَيْ يشربُ الحجاجُ مِنْهَا، وغيرُهم ... إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبح تَابِعَةِ النَّحْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تظلُّ ركابهُمُ ... مُخيسةً بَيْنَ الأخاشبِ والحِجْرِ وقِدْما غَنِينا قبلَ ذَلِكَ حِقبةً ... وَلَا نستَقي إلَّا بخُمَّ أَوْ الحَفْرِ وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذنبَ يُنقَم دونَه ... وَيَعْفُونَ عَنْ قولِ السفاهةِ والهُجْرِ وَهُمْ جَمَعُوا حلفَ الْأَحَابِيشِ كلِّها ... وَهُمْ نكَّلوا عَنَّا غُواةَ بَنِي بكرِ فخارجَ إمَّا أهلكنَّ، فَلَا تَزَلْ ... لَهُمْ شَاكِرًا حَتَّى تُغيَّب فِي القبرِ وَلَا تَنْسَ مَا أسدَى ابنُ لُبنى؛ فَإِنَّهُ ... قَدْ أَسْدَى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْكَ بالشكرِ وَأَنْتَ ابْنُ لُبْنَى مِنْ قُصَيٍّ إذَا انْتَمَوْا ... بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصَّدْرِ وَأَنْتَ تَنَاوَلْتَ العُلا، فَجَمَعْتَهَا ... إلَى مَحتدٍ للمجدِ ذِي ثَبَج جَسْرِ سبقتَ وفُتَّ القومَ بَذْلًا وَنَائِلًا ... وسُدْتَ وَلَيَدًا كلَّ ذي سؤددٍ غَمْرِ وأمُّك سِر مِنْ خُزاعة جوهرٌ ... إذَا حَصَّل الأنسابَ يَوْمًا ذَوُو الخُبْرِ إلَى سَبَأِ الْأَبْطَالِ تُنْمَى، وَتَنْتَمِي ... فأكرمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذُرا الزُّهرِ أَبُو شَمِر مِنْهُمْ، وعمرُو بنُ مَالِكٍ ... وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ٢ وأسعدُ قادَ الناسَ عِشْرِينَ حِجةً ... يؤيدُ فِي تلك المواطنِ بالنصر٣

ِنْهُمْ، وعمرُو بنُ مَالِكٍ ... وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ٢ وأسعدُ قادَ الناسَ عِشْرِينَ حِجةً ... يؤيدُ فِي تلك المواطنِ بالنصر٣

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "أُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزاعة"، يَعْنِي أَبَا لَهَبٍ، أُمُّهُ: لُبْنَى بِنْتُ هَاجِرٍ الْخُزاَعِيِّ، وَقَوْلُهُ: "بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسحاق. رثاء مطرود الخزاعي لعبد المطلب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزاَعِيُّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وبَني عَبْدِ مَنَافٍ: يَا أَيُّهَا الرجلُ المُحَوِّل رحلَه ... هَلَّا سألتَ عَنْ آلِ عَبْدِ منافِ هَبَلَتْكَ أمُّك، لَوْ حَللتَ بدارِهم ... ضَمِنُوك مِنْ جُرْم وَمِنْ إقْرافِ١ الْخَالِطِينَ غنيَّهم بفقيرِهمً ... حَتَّى يعودَ فقيرُهم كَالْكَافِي المنعِمين إذَا النُّجُومُ تغيَّرت ... وَالظَّاعِنِينَ لرحلةِ الِإيلافِ والمطعمينَ إذَا الرياحُ تناوحتْ ... حَتَّى تغيبَ الشمسُ فِي الرّجَّاف٢ إمَّا هَلَكْتَ أَبَا الفِعالِ فَمَا جَرَى ... مِنْ فوقِ مِثْلِكَ عَقْد ذاتِ نطافِ٣ إلَّا أَبِيكَ أَخِي الْمَكَارِمِ وحدَه ... وَالفيض مُطَّلب أبي الأضيافِ٤ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسِّقَايَةَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ العباس

ُطَّلب أبي الأضيافِ٤ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسِّقَايَةَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ العباس

ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنًّا١، فَلَمْ تَزَلْ إلَيْهِ، حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ. فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ، فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبَّاسِ، بِوِلَايَةِ الْعَبَّاسِ إياها، إلى اليوم. كفالة أبي طالب رسول الله ﷺ: وكان رسول الله ﷺ بعد عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- يُوصِي بِهِ عمَّه أَبَا طَالِبٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لأبٍ وَأُمٍّ. أُمُّهُمَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمرو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْد بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عمران بن مخزوم. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ، فَكَانَ إلَيْهِ وَمَعَهُ. اللهبي العائف: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عبَّاد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ لِهْبٍ قَالَ ابْنُ هشام: ولهْب: من أزد شَنُوءة٢، كَانَ عَائِفًا، فَكَانَ إذَا قَدِم مَكَّةَ أَتَاهُ رِجَالُ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ويعتافُ٣ لَهُمْ فيهم. قال: فأتى به

أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ غُلَامٌ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ، فَنَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: الْغُلَامُ. عليَّ بِهِ فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حرصَه عَلَيْهِ غيَّبه عَنْهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ! رُدوا عليَّ الغلامَ الَّذِي رَأَيْتُ آنِفًا، فَوَاَللَّهِ ليكوننَّ لَهُ شَأْنٌ. قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طالب. قصة بحيرى: محمد ﷺ يخرج مع عمه إلى الشام: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْب تَاجِرًا إلَى الشَّامِ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ، وَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ صَبَّ١ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- فرقَّ له، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ به معه٢. بحيرى يحتفي بتجار قريش: فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وبها رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ: بَحيرَى٣ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ مُنْذُ قطُّ رَاهِبٌ، إلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهَا -فِيمَا يَزْعُمُونَ- يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ ببحِيرى، وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَعْرِض لَهُمْ،

كَابِرٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ ببحِيرى، وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَعْرِض لَهُمْ،

حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ. فَلَمَّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وذلك -فيما يزعمون- عن شيء رآه فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ فِي الرَّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ تُظِلُّه مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظلِّ شجرةٍ قَرِيبًا مِنْهُ، فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حَيْنَ أظلَّت الشجرةَ، وتهصَّرت أغصانُ الشجرةِ عَلَى رسول الله ﷺ حتى استظلَّ تَحْتَهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَحيرى نَزَلَ من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصُنع، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا، كُلُّكُمْ صغيرُكم وَكَبِيرُكُمْ وعبدُكم وحرُّكم، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاَللَّهِ يَا بَحيرَى إن لك لشأنًا اليوم! ما كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِنَا، وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا، فَمَا شَأْنُكَ اليومَ؟! قَالَ لَهُ بَحيرَى: صدقتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أحببتُ أَنْ أكرمَكم، وأصنعَ لَكُمْ طَعَامًا، فَتَأْكُلُوا مِنْهُ كُلُّكُمْ. فَاجْتَمِعُوا إلَيْهِ وَتَخَلَّفَ رسولُ الله –ﷺ– من بَيْنِ القومِ، لِحَدَاثَةِ سنِّه، فِي رحالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ بَحيرى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَا يتخلفنَّ أحدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي، قَالُوا لَهُ: يَا بَحيرى، مَا تَخَلَّفَ عَنْكَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يأتيَك إلَّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، اُدْعُوهُ، فليحضرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ.

إلَّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، اُدْعُوهُ، فليحضرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْمِ: وَاَللَّاتِ وَالْعُزَّى، إنْ كَانَ لَلُؤمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابنُ عَبْدِ الله بن عبد المطب عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنَنَا، ثُمَّ قَامَ إلَيْهِ فاحتضنه، وأجلسه مع القوم. بحيرى يتثبت من محمد ﷺ: فَلَمَّا رَآهُ بَحيرى، جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتَّى إذَا فَرَغَ القومُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرَّقُوا، قَامَ إلَيْهِ بَحِيرَى، فقال: يَا غلامُ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ بَحيرى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ –ﷺ– قال: لا تسألني باللات والعزى شيئًا، فَوَاَللَّهِ مَا أبغضتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا، فَقَالَ لَهُ بَحيرى: فَبِاَللَّهِ إلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ. فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ: من نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وأمورِه، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ –ﷺ– يُخْبِرُهُ، فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحيرى مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَى ظهرهِ؛ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مثلَ أثرِ المِحْجَم١. بَحيرى يوصي أبا طالب بمحمد ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ لَهُ بَحيرى: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا، قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي، قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ وَأُمُّهُ حُبلى بِهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يهودَ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ رأوْه، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنه شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، فأسرعْ بِهِ إلى بلاده. بعض من أهل الكتاب يريدون بمحمد ﷺ وسلم الشر: فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا، حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ فَزَعَمُوا فِيمَا رَوَى النَّاسُ: أَنَّ زرَيْرًا وتَمامًا ودَريسًا -وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ- قَدْ كانوا رأوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا رَآهُ بَحِيرَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادُوهُ، فَرَدَّهُمْ عَنْهُ بَحيرى، وذكَّرهم اللَّهَ وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذكرِه وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ إنْ أَجْمَعُوا لِمَا أَرَادُوا بِهِ لَمْ يَخْلُصُوا إلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ، حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ، وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عنه. محمد ﷺ يشب على مكارم الأخلاق:

َيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ، حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ، وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عنه. محمد ﷺ يشب على مكارم الأخلاق: فَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ ويحفظُه وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، حتى بلغ أن كان رجلا أفضلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وأحسنَهم خُلقًا، وأكرمَهم حَسَبًا، وأحسنَهم جِوَارًا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلمًا، وأصدقَهم حَدِيثًا، وأعظمَهم أَمَانَةً، وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الفُحش وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تدنِّس الرِّجَالَ تنزُّها وَتَكَرُّمًا، حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إلَّا الْأَمِينُ، لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الأمورِ الصالحة. رسول الله ﷺ يحدث عن حفظ الله له: وَكَانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذُكر لِي يحدِّث عَمَّا كَانَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِ، أَنَّهُ قال:

"لَقَدْ رأيتُني فِي غلمانِ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لبعضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ، كُلُّنَا قَدْ تعرَّى، وَأَخَذَ إزارَه، فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، يَحْمِلُ عَلَيْهِ الحجارةَ، فَإِنِّي لأقْبل مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ، إذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ -مَا أَرَاهُ- لَكْمَةً وَجِيعَةً ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ إزارَك. قَالَ: "فَأَخَذْتُهُ وَشَدَدْتُهُ عليَّ، ثُمَّ جَعَلْتُ أحملُ الحجارةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عليَّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي"١. حَرْبُ الفِجَار: قَالَ ابْنُ هشامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أربعَ عشْرةَ سَنَةً، أَوْ خَمسَ عشْرةَ سَنَةً -فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبيدة النَّحْوِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرو بْنِ العَلاء-هاجت حرب الفِجَار٢ بين قريش ومن معها من كِنانة، وبين قَيْس عَيْلان.

َةً -فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبيدة النَّحْوِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرو بْنِ العَلاء-هاجت حرب الفِجَار٢ بين قريش ومن معها من كِنانة، وبين قَيْس عَيْلان.

سببها: وَكَانَ الَّذِي هَاجَهَا أَنَّ عُروةَ الرَّحال بْنَ عُتْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعة بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هَوَازِنَ، أَجَارَ لَطيمةً١ لِلنُّعْمَانِ بْنِ المُنذِر، فَقَالَ لَهُ البرَّاض بْنُ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي ضَمرة بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة: أَتُجِيرُهَا عَلَى كِنَانَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلَى الْخَلْقِ، فَخَرَجَ فِيهَا عُرْوَةُ الرحَّال، وَخَرَجَ البرَّاض يَطْلُبُ غَفْلَتَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ بتَيْمَن ذِي طِلال بِالْعَالِيَةِ، غَفَلَ عُروة، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْبَرَّاضُ، فَقَتَلَهُ فِى الشِّهْرِ الْحَرَامِ، فَلِذَلِكُ سُمِّي: الْفِجَارُ. وَقَالَ الْبَرَّاضُ فِي ذَلِكَ: وداهيةٍ تُهمُّ الناسَ قَبْلِي ... شَدَدْتُ لَهَا -بَنِي بَكْرٍ- ضُلوعي هدمتُ بِهَا بيوتَ بَنِي كلابٍ ... وأرضعتُ المواليَ بالضُّروع٢ رفعتُ لَهُ بِذِى طَلَّالَ كفِّي ... فَخَرَّ يميدُ كالجِذْعِ الصريع٣

وقال لَبيد بنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفْرِ بْنِ كِلَابٍ: أبلغْ -إِنْ عَرَضْتَ- بَنِي كلابٍ ... وعامرَ والخطوبُ لَهَا مَوَالِي وبلِّغ -إِنْ عَرَّضْتَ- بَنِي نُمَيْر ... وأخوالَ القَتِيلِ بَنِي هلالِ بِأَنَّ الوافدَ الرَّحَّالَ أَمْسَى ... مُقيمًا عِنْدَ تَيْمَنَ ذِي طِلَالِ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِى أَبْيَاتٍ لَهُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ. قتال هوازن لقريش: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَتَى آتٍ قُرَيْشًا، فَقَالَ: إِنَّ البرَّاض قَدْ قَتَلَ عُروةَ، وَهُمْ فِي الشهر الحرام بعُكَاظ، وهَوازن لا تشعر، ثُمَّ بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ فَأَتْبَعُوهُمْ، فَأَدْرَكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى جَاءَ اللَّيْلُ، وَدَخَلُوا الحرمَ، فَأَمْسَكَتْ عَنْهُمْ هَوَازِنُ، ثُمَّ الْتَقَوْا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَيَّامًا، وَالْقَوْمُ مُتَسَانَدُونَ، عَلَى كُلِّ قبيلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ، وَعَلَى كل قبيل من قيس رئيسٌ منهم. الرسول ﷺ يشهد القتال وهو صغير: وَشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ أَيَّامِهِمْ، أَخْرَجَهُ أَعْمَامُهُ مَعَهُمْ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ أنَبِّلُ على أعمامي، أي أردّ عنهم نَبْلَ عدوِّهم، إذا رموهم بها. سن رسول الله ﷺ في هذه الحرب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: هَاجَتْ حَرْبُ الفِجَار، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ عِشْرِينَ سنة. سبب تسمية هذا اليوم بالفجار: وَإِنَّمَا سُمي يومَ الْفُجَّارِ، بِمَا استحلَّ هَذَانِ الْحَيَّانِ: كِنَانَةُ وقَيْس عَيْلان فِيهِ مِنْ الْمَحَارِمِ بينهم. قائد قريش وكنانة: وَكَانَ قَائِدُ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ حَرْبُ بْنُ أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ الظَّفَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِقَيْسٍ عَلَى كِنَانَةَ، حَتَّى إذَا كَانَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ كَانَ الظَّفَرُ لِكِنَانَةِ عَلَى قِيسٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدِيثُ الْفُجَّارِ أَطْوَلُ مِمَّا ذَكَرْتُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم١.

بْنُ هِشَامٍ: وَحَدِيثُ الْفُجَّارِ أَطْوَلُ مِمَّا ذَكَرْتُ، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم١.

حَدِيثُ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ ﵂: سِنُّهُ ﷺ حين زواجه: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً١، تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ٢ بنتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرة بن كعب بن لُؤَي بن غالب، فِيمَا حَدَّثَنِي غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهل الْعِلْمِ عَنْ أَبِي عَمرو الْمَدَنِيِّ. خُرُوجُهُ ﷺ إلى التجارة بمال خديجة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً، ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إيَّاهُ، بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رسول الله ﷺ ما بلغها: من

صَدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إلَيْهِ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يخرجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أفضَلَ مَا كَانَتْ تُعطي غيرَه مِنْ التُّجَّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرة، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غلامُها مَيْسَرَةُ، حَتَّى قدم الشام. حديثه ﷺ مع الراهب: فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ظلِّ شجرةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنْ الرُّهْبَانِ، فاطَّلع الراهبُ إلَى مَيْسَرَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَزَلَ تحتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قطُّ إلا نبيٌّ١.

الَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قطُّ إلا نبيٌّ١. ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سلعتَه الَّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يشتريَ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إلَى مكةَ، وَمَعَهُ ميسرةُ، فَكَانَ ميسرةُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ، وَاشْتَدَّ الحرُّ، يرَى مَلَكَيْنِ يظلَّانه مِنْ الشَّمْسِ، وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ، فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا. وحدَّثها مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَمَّا كَانَ يَرَى من إظلالِ الملكين إياه. خديجة ترغب في الزواج منه ﷺ: وَكَانَتْ خديجةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللهُ بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ، فَلَمَّا أخبرها ميسرة مما أخبرها به، بعثت إلى رسول الله

-ﷺ فَقَالَتْ لَهُ فِيمَا يزعمون: يابنَ عَمِّ، إنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ وسِطَتِكَ١ فِي قومِك وَأَمَانَتِكَ، وحسنِ خُلقك، وَصِدْقِ حَدِيثِكَ، ثُمَّ عرضتْ عَلَيْهِ نفسَها، وَكَانَتْ خديجةُ يَوْمئِذٍ أوسطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وأعظمهنَّ شَرَفًا، وَأَكْثَرَهُنَّ مَالًا، كُلُّ قومِها كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ منها لو يقدُرُ عليه. نسب خديجة ﵂: وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلد بْنِ أسَد بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ قصَي بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّة بن كعب بن لُؤَي بن غالب بْنِ فِهْر، وَأُمُّهَا: فاطمةُ بنتُ زائدةَ بنِ الأصمِّ

ابن رَوَاحَةَ بْنِ حَجَر بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيص بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَي بْنِ غَالِبِ بْنِ فَهِرٍّ. وأمُّ فَاطِمَةَ: هالةُ بنتُ عَبْدِ مَنَافِ بن الحارث بن عَمرو بن مُنْقِذ بْنِ عَمرو بْنِ مَعيص بْنِ عَامِرِ بن لؤي بن غالب بن فِهْر. وأم هَالَةَ: قِلابةُ بنتُ سُعَيْد بْنِ سَعْد بْنِ سَهْم بن عَمرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهْر. الرسول ﷺ يتزوج من خديجة بعد استشارة أعمامه: فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ لأعمامِه، فَخَرَجَ مَعَهُ عَمُّهُ حمزةُ١ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵀ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلد٢ بْنِ أسَد فَخَطَبَهَا إليه، فتزوجها. صداق خديجة: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رسولُ اللَّهِ –ﷺ عِشْرِينَ بَكْرة، وَكَانَتْ أولَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ –ﷺ وَلَمْ يتزوجْ عَلَيْهَا غيرَها حَتَّى مَاتَتْ، ﵂. أَوْلَادُهُ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ولدَه كُلَّهم إلَّا إبْرَاهِيمَ: القاسمَ، وَبَهْ كَانَ يُكْنَى ﷺ والطاهرَ وَالطَّيِّبَ٣، وزينبَ ورقيةَ، وأمَ كلثوم، وفاطمةَ، ﵈.

َتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ولدَه كُلَّهم إلَّا إبْرَاهِيمَ: القاسمَ، وَبَهْ كَانَ يُكْنَى ﷺ والطاهرَ وَالطَّيِّبَ٣، وزينبَ ورقيةَ، وأمَ كلثوم، وفاطمةَ، ﵈.

ترتيب ولادتهم: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَكْبَرُ بَنِيهِ: القاسمُ، ثُمَّ الطيبُ، ثُمَّ الطاهرُ، وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ: رقيةُ، ثُمَّ زينبُ، ثُمَّ أمُّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ فاطمةُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا الْقَاسِمُ، وَالطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا بناتُه: فكلُّهنَّ أدركْنَ الإسلامَ، فَأَسْلَمْنَ وهاجرنَ مَعَهُ ﷺ. إبراهيم وأمه: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا إبراهيمُ فَأُمُّهُ: ماريةُ القبطيةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعة، قَالَ: أُمُّ إبْرَاهِيمَ: مَارِيَةُ سُرِّيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْن مِنْ كُورَةِ أنْصِنَا. ورقة يتنبأ له ﷺ بالنبوة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ. ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ١ بنِ نَوْفل بْنِ أسَد بْنِ عَبْدِ العُزَّى -وَكَانَ ابنَ عَمِّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدْ تَتَبَّعَ الكتبَ، وعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ- مَا ذَكَرَ لَهَا غلامُها مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ، إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ، فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةُ، إنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ عرفتُ أَنَّهُ كائنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنتظر، هَذَا زمانُه، أَوْ كَمَا قال: شعر لورقة: فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الأمرَ وَيَقُولُ: حَتَّى مَتَى؟ فَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ: لَجِجْتُ وكنتُ فِي الذكرى لَجوجًا ... لِهَمّ طالما بعثَ النَّشيجَا

َرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الأمرَ وَيَقُولُ: حَتَّى مَتَى؟ فَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ: لَجِجْتُ وكنتُ فِي الذكرى لَجوجًا ... لِهَمّ طالما بعثَ النَّشيجَا

ووصفٍ مِنْ خديجةَ بعدَ وَصْفٍ ... فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خديجَا ببطنِ المَكَّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي ... حَدِيثَكَ أَنْ أَرَى مِنْهُ خُروجَا١ بِمَا خَبَّرْتنا مِنْ قَوْلِ قَسٍّ ... مِنْ الرُهبان أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا بِأَنَّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فينا ... ويخصِمُ مَنْ يكونُ له حجيجا

ويظهرُ فِي البلادِ ضياءُ نورٍ ... يُقيمُ بِهِ البريةَ أَنْ تَمُوجَا١ فيلْقَى مَنْ يحاربُه خَسارًا ... وَيَلْقَى مَنْ يُسَالِمُهُ فُلوجَا فَيَا لَيْتِي إذَا ما كان ذَاكمْ ... شَهِدْتُ فكنتُ أوَّلَهم وُلوجَا وُلوجا في الذي كرهتْ قريشٌ ... وَلَوْ عجَّت بمكتِها عجيجَا أرَجِّي بالذي كرِهوا جميعًا ... بمن يختار مَنْ سَمَكَ البروجَا وهل أمرُ السَّفالةِ غيرُ كُفر ... إلى ذي العرشَ إن سفلوا عُروجَا فَإِنْ يَبْقَوْا وَأبقَ تكنْ أمورٌ ... يَضُجُّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجيجَا وَإِنْ أهلكْ فكلُّ فَتًى سَيَلْقَى ... من الأقدارِ مَتْلَفةً حَرُوجَا

حَدِيثُ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي وَضْعِ الحجر سبب هذا البنيان: قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسولُ الله ﷺ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ١، وَكَانُوا يهمُّون بِذَلِكَ، لِيُسَقِّفُوهَا وَيَهَابُونَ هدمَها، وَإِنَّمَا كَانَتْ رَضْمًا٢ فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رفعَها وتسقيفَها، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزًا لِلْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الَّذِي وُجد عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكًا مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْح بْنِ عَمْرِو مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ. وَتُزْعِمُ قُرَيْشٌ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْك، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بسفينة إلى جدَّة لرجل من تجار

الرُّومِ، فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ١، فَتَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بعضُ مَا يُصلحها، وَكَانَتْ حَيَّةٌ تخرجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُطرَح فِيهَا مَا يُهدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَتَتَشَرَّقُ٢ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا يَهابون، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إلَّا احْزَألَّتْ وَكَشَّتْ٣، وَفَتَحَتْ فَاهَا، وَكَانُوا يَهَابُونَهَا، فَبَيْنَا هِيَ ذَاتُ يَوْمٍ تَتَشَرَّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا، فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رضَى مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ، وَعِنْدَنَا خَشَبٌ، وَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ الحيةَ. أبو وَهْبٍ-خَالُ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما حدث له عند بناء الْكَعْبَةَ: فَلَمَّا أَجْمَعُوا أمرَهم فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا، قَامَ أَبُو وَهْبِ بنُ عَمرو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْد بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.

ْكَعْبَةَ: فَلَمَّا أَجْمَعُوا أمرَهم فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا، قَامَ أَبُو وَهْبِ بنُ عَمرو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْد بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. قَالَ ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم، فَتَنَاوَلَ مِنْ الْكَعْبَةَ حَجَرًا، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكم إلَّا طَيِّبًا، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهر بَغِي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من النَّاسِ، وَالنَّاسُ يَنْحُلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الوليدَ بنَ المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُومٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ حُدِّث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب بْنِ لُؤَي أَنَّهُ رَأَى ابْنًا لجَعْدة بْنِ هُبَيْرة بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمرو يَطُوفُ بالبيت، فسُئل عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا ابْنٌ لجَعْدة بْنِ هُبَيْرة، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ عِنْدَ ذَلِكَ: جَدُّ هَذَا، يَعْنِي: أَبَا وَهْبٍ الَّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنْ الْكَعْبَةِ حَيْنَ أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ لِهَدْمِهَا، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدخلوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلَّا طيِّبًا. لَا تُدْخِلُوا فِيهَا مهرَ بِغَيٍّ وَلَا بَيْعَ ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس.

رَ قُرَيْشٍ، لَا تُدخلوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلَّا طيِّبًا. لَا تُدْخِلُوا فِيهَا مهرَ بِغَيٍّ وَلَا بَيْعَ ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس.

شعر في أبي وهب: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو وَهْبٍ: خَالُ أَبِي رسول الله ﷺ وكان شَرِيفًا، وَلَهُ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ: وَلَوْ بِأَبِي وِهبٍ أنختُ مَطيِتي ... غَدَتْ مِنْ نَدَاه رحلُها غيرَ خائبِ بأبيضَ مِنْ فرْعَىْ لؤيِّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا حُصِّلت أنسابُها فِي الذوائبِ أبيٍّ لِأَخْذِ الضَّيْمِ يرتاحُ للنَّدَى ... توسَّطَ جَدَّاه فروعَ الأطايبِ عَظِيمِ رَمادِ القِدْرِ يَمَلَّا جفانَه ... من الخبزِ يعلوهنَّ مثلُ السبائبِ نصيب قبائل قريش في تجزئة الكعبة: ثم إن قريشًا تجزأت الْكَعْبَةَ، فَكَانَ شِقُّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وزُهرة، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِي لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَقَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمح وسَهْم، ابنيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شِقُّ الحِجْر لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بن قُصَي، ولبني أسد بن عبد العُزَّى بْنِ قُصي، وَلِبَنِي عَدِي بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَي وَهُوَ الحَطيم.

، وَكَانَ شِقُّ الحِجْر لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بن قُصَي، ولبني أسد بن عبد العُزَّى بْنِ قُصي، وَلِبَنِي عَدِي بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَي وَهُوَ الحَطيم. الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ يبدأ بهدم الكعبة: ثُمَّ إنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وفَرِقُوا مِنْهُ. فَقَالَ الوليدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ المِعْوَلَ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَمْ ترَعْ١ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَمْ نَزِغْ– اللَّهُمَّ إنَّا لَا نريدُ إلَّا الخيرَ، ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنَيْنِ، فَتَرَبَّصَ الناسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ صنعَنا، فَهَدَمْنَا!! فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إلَى الْأَسَاسِ، أساسِ إبراهيِم ﵇، أَفْضَوْا إلَى حجارةٍ خُضْر كالأسْنمةٍ٢ آخذٍ بعضُها بعضًا:

امتناع قريش عن هدم الأساس وسببه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الحديثَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجرين مِنْهَا ليقلعَ بِهَا أحدَهما، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الحجرُ تنقَّضت مكةُ بأسْرِها، فانتهوا عن ذلك الأساس. الكتاب الذي وُجد في الركن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ، حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رجلٌ مِنْ يهودَ، فَإِذَا هُوَ: "أَنَا اللهُ ذُو بكةَ، خَلَقْتهَا يومَ خلقتُ السمواتِ والأرضَ، وصورتُ الشمسَ والقمرَ، وَحَفَفْتهَا بسبعةِ أملاكٍ حُنفاء، لَا تَزُولُ حَتَّى يزولَ أخشباها، مُبَارك لأهلها في الماءِ واللبن"١. قال ابن هشام: أخشباها: جبلاها. الكتاب الذي وجد في المقام: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ: "مكةُ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رزقُها مِنْ ثلاثةِ سُبلٍ، لَا يحلُّها أولُ مِنْ أهلِها"٢.

نَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ: "مكةُ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رزقُها مِنْ ثلاثةِ سُبلٍ، لَا يحلُّها أولُ مِنْ أهلِها"٢.

حجر الكعبة المكتوب عليه العظة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْم أَنَّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ مَبْعثِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً إنْ كَانَ مَا ذُكر حَقًّا، مَكْتُوبًا فِيهِ: "مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا، يَحْصُدْ غِبْطَةً، وَمَنْ يَزْرَعْ شَرًّا، يَحْصُدْ نَدَامَةً، تَعْمَلُونَ السيئاتِ، وتُجزَوْن الْحَسَنَاتِ؟! أَجَلْ، كَمَا لَا يُجتنى مِنْ الشَّوْكِ العنب". الاختلاف بين قريش في وضع الحجر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْها، حَتَّى بَلَغَ البنيانُ موضعَ الرُّكْنِ، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ ترفعَه إلَى موضعِه دُونَ الْأُخْرَى، حَتَّى تحاوروا وتحالفوا؛ وأعدُّوا للقتال. لعقَة الدم: فقرَّبتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنة مَمْلُوءَةً دَمًا؛ ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدي بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَي عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الجَفْنة، فسُمُّوا: لَعَقَةَ الدَّمِ، فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أربعَ ليالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ إنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي المسجدِ، وتشاوروا وتناصفوا. أبو أمية بن المغيرة يجد حلا: فزعم بعضُ أهل الرواية: أن أَبَا أميَّة بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمر بن مخزوم، وكان عَامئذٍ أسنَّ قُرَيْشٍ كلِّها، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ -فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ- أولَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فيه ففعلوا.

ا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ -فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ- أولَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فيه ففعلوا. الرسول ﷺ يضع الحجر: فَكَانَ أولَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأوْه قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينا، هَذَا محمدٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الخبرَ قَالَ ﷺ: "هَلُمّ إليَّ ثَوْبًا"، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الركنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لِتَأْخُذَ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنْ الثوْب، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا"، فَفَعَلُوا: حَتَّى إذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هو بيده، ثم بنى عليه١.

وكانت قريش تُسمِّي رسولَ اللَّهِ ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين. شعر الزبير في الحية التي كانت تمنع قريش من بنيان الكعبة: فلما فرغوا من البنيان، وبَنَوْها على ما أرادوا، قال الزبيرُ بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بنيانَ الْكَعْبَةِ لَهَا: عَجِبْتُ لِمَا تصَوَّبتِ الْعُقَابُ ... إلَى الثعبانِ وهْيَ لَهَا اضطرابُ وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ ... وَأَحْيَانًا يكونُ لَهَا وِثابُ إذَا قُمنا إلَى التأسيسِ شَدَّتْ ... تُهيِّبنا البناءَ وَقَدْ تُهابُ فَلَمَّا أَنَّ خَشينا الرِّجزَ جَاءَتْ ... عقابُ تَتْلَئِبُّ لَهَا انصبابُ١ فضمَّتها إلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ ... لَنَا البنيانَ لَيْسَ لَهُ حجابُ فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إلَى بِنَاءٍ ... لَنَا مِنْهُ القواعدُ والترابُ غَداةَ نُرَفِّع التأسيسَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينا ثيابُ٢ أعزَّ بِهِ المليكُ بَنِي لُؤَيٍّ ... فَلَيْسَ لأصلِه مِنْهُمْ ذهابُ وقد حَشَدَتْ هناك بنوعدى ... ومُرة قَدْ تقدَّمها كلابُ فَبَوَّأنا المليكُ بذاكَ عزًا ... وعندَ اللهِ يُلتَمس الثوابُ

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَلَيْسَ عَلَى مَساوِينا ثياب١ ارتفاع الكعبة وكسوتها: وَكَانَتِ الكعبةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ –ﷺ ثَمَانِي عَشرةَ ذِراعًا، وَكَانَتْ تُكْسى القِباطيَّ، ثُمَّ كُسيت البرودَ، وأولُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ: الحجاجُ بْنُ يُوسُفَ. حَدِيثُ الحُمس: قريش تبتدع الحُمس: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ -لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ- ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْس٢ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ، وَأَهْلُ الحُرمة، ووُلاة الْبَيْتِ، وقُطَّان مَكَّةَ وساكنُها، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مثلُ حقِّنا، وَلَا مثلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تعرفُ لَهُ الْعَرَبُ مثلَ مَا تعرِفُ لَنَا، فَلَا تعظِّموا شَيْئًا مِنْ الحِلِّ كَمَا تُعظمون الحرمَ، فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ استخفَّت العربُ بحُرمتِكم، وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمُوا مِنْ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمُوا مِنْ الْحَرَمِ، فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجِّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ ﷺ ويَرَوْن لسائر العرب أن يُفِيضُوا مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أهلُ الْحَرَمِ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نخرجَ مِنْ الْحُرْمَةِ، وَلَا نُعَظِّمُ غيرَها، كَمَا نُعَظِّمُهَا نَحْنُ الحُمْس، وَالْحُمْسُ: أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمَّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الَّذِي لَهُمْ، بِوِلَادَتِهِمْ إيَّاهُمْ، يَحِلُّ لَهُمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ، ويَحرُم عَلَيْهِمْ مَا يَحرُم عليهم.

اكِنِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الَّذِي لَهُمْ، بِوِلَادَتِهِمْ إيَّاهُمْ، يَحِلُّ لَهُمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ، ويَحرُم عَلَيْهِمْ مَا يَحرُم عليهم.

القبائل التي آمنت مَعَ قُرَيْشٍ بالْحُمْس: وَكَانَتْ كِنانة وخُزَاعة قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدة النَّحْوِيُّ: أَنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صعصَعة بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازن دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْشَدَنِي لعَمْرو بن مَعْدِ يكَرِب: أعباسُ لَوْ كَانتْ شِيَارًا جيادُنا ... بتثليثِ مَا ناصَيْتَ بَعْدِي الأحامِسا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَثْلِيثُ: موضع من بلادهم. والشِّيَار: الْحِسَانُ. يَعْنِي بِالْأَحَامِسِ: بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعة. وَبِعَبَّاسٍ: عَبَّاسَ بْنَ مِرْداس السُّلَميّ، وَكَانَ أَغَارَ على بنى زُبَيْد بتثليث. وهذا البيت في قَصِيدَةٍ لِعَمْرٍو. وَأَنْشَدَنِي للَقِيط بْنِ زُرارة الدَّارَمِي فِي يَوْمِ جَبَلة١: أجْذِمْ إلَيْكَ إنَّهَا بَنُو عَبْس ... المعْشَرُ الحِلَّةُ فِي القَوْمِ الحُمْس٢ لِأَنَّ بَنِي عَبْس كَانُوا يَوْمَ جَبَلة حُلَفَاءَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ صصَعة. يَوْمَ جَبَلَةَ: ويومُ جَبَلة: يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ بَنِي حَنْظلة بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيد مَنَاةَ بن تميم، وبين بني عامر بن صصَعة، فَكَانَ الظَّفَر فِيهِ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى بَنِي حَنْظلة، وقُتل يَوْمئِذٍ لَقِيطُ بْنُ زُرارة بْنُ عُدُس، وَأُسِرَ حاجبُ بْنُ زُرارة بْنِ عُدُس٣، وَانْهَزَمَ عَمرو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ. فَفِيهِ يَقُولُ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ: كَأَنَّكَ لَمْ تشهدْ لَقيطًا وَحَاجِبًا ... وعَمرو بنَ عَمروٍ إذا دَعَوْا: يَا لَدَارِمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له.

جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ: كَأَنَّكَ لَمْ تشهدْ لَقيطًا وَحَاجِبًا ... وعَمرو بنَ عَمروٍ إذا دَعَوْا: يَا لَدَارِمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ له.

يَوْمُ ذِي نَجَب: ثُمَّ التَقوا يومَ ذِي نَجَب فَكَانَ الظَّفر لِحَنْظَلَةَ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، وقُتل يومئذٍ حسانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الكِنْديُّ وَهُوَ أبو كَبْشة. وَأُسِرَ يَزِيدُ بْنُ الصَّعِق الْكِلَابِيُّ وَانْهَزَمَ الطُّفيْل بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو عَامِرِ بْنِ الطفَيْل. فَفِيهِ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ: ومنهنَّ إذْ نجَّى طُفَيل بْنُ مَالِكٍ ... عَلَى قُرْزُل رَجْلا ركوضَ الْهَزَائِمِ١ وَنَحْنُ ضَرَبْنَا هامةَ ابنِ خُوَيْلدٍ ... نزيدُ عَلَى أُمِّ الفِراخ الْجَوَاثِمَ٢ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. فَقَالَ جَرِيرٌ: ونحن خَضَبْنا لابنِ كبشةَ تاجَه ... ولاقى امرءًا فِي ضَمةِ الخيلِ مِصقَعَا٣ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَحَدِيثُ يَوْمِ جَبَلة، وَيَوْمِ ذِي نَجَب أطولُ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ يومِ الفِجَار. ما زادته قريش فِي الحُمْس: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ابْتَدَعُوا فِي ذَلِكَ أُمُورًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ، حَتَّى قَالُوا: لَا يَنْبَغِي للحُمْس أَنْ يأتَقِطوا الأقِط، وَلَا يَسْلَئُوا السمنَ وَهُمْ حُرم، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعَرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا-إنْ اسْتَظَلُّوا- إلَّا فِي بُيُوتِ الأدَم مَا كَانُوا حُرُمًا، ثُمَّ رَفَعُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا به معهم

Bagian 5 dari 23