سيرة ابن هشام

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya عبد الملك بن هشام (w. 213 H). Tahqiq: طه عبد الرؤوف سعد.

Bagian 6 dari 23 594 halaman

— Bagian 6 · مِنْ الحِلِّ إلَى الحَرم إذَا جَاءُوا حُجاجًا أو… —

Bagian 6

مِنْ الحِلِّ إلَى الحَرم إذَا جَاءُوا حُجاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفون بِالْبَيْتِ إذَا قَدِموا أولَ طوافهمِ إلَّا فِي ثِيَابِ الحُمْس. فَإِنَّ لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا شَيْئًا طافوا بالبيت عُراةَ. اللَّقىَ عند الحمس: فإن تكرَّمنهم متُكرِّم من رجل أو امرأة، ولم يجدوا ثِيَابَ الْحُمْسِ؛ فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ الحِل، أَلْقَاهَا إذَا فرغِ مِنْ طَوَافِهِ، ثُمَّ لَمْ ينتفعْ بِهَا، وَلَمْ يَمَسَّها هو، ولا أحدٌ غيرُه أبدا. وكانت الْعَرَبُ تُسمى تِلْكَ الثِّيَابَ: اللَّقَى، فَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ العربَ. فَدَانَتْ بِهِ، وَوَقَفُوا عَلَى عرفَاتٍ، وَأَفَاضُوا مِنْهَا، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عُراةً، أَمَّا الرِّجَالُ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَتَضَعُ إحْدَاهن ثيابَها كلَّها إلَّا دِرْعًا مُفَرَّجًا عَلَيْهَا، ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ١، وَهِيَ كَذَلِكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ: اليومَ يَبْدو بَعْضُهُ، أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أحِلُّه وَمَنْ طَافَ مِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الْحِلِّ أَلْقَاهَا؛ فَلَمْ يَنْتَفِعُ بِهَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَذْكُرُ شَيْئًا تَرَكَهُ مِنْ ثِيَابِهِ، فَلَا يَقْرَبُهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ: كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهَا كَأَنَّهَا ... لَقًى بَيْنَ أيدي الطائفين حَريمُ يقول: لا تمس٢.

ُ مِنْ ثِيَابِهِ، فَلَا يَقْرَبُهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ: كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهَا كَأَنَّهَا ... لَقًى بَيْنَ أيدي الطائفين حَريمُ يقول: لا تمس٢.

الإسلام يبطل عادات الحمس: فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ، وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجِّهِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] يَعْنِي قُرَيْشًا، وَالنَّاسُ: الْعَرَبُ، فَرَفَعَهُمْ فِي سُنَّةِ الْحَجِّ إلَى عَرَفَاتٍ وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حرَّموا عَلَى النَّاسِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، حَيْنَ طَافُوا عُراةً، وحرَّموا مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْحِلِّ مِنْ الطَّعَامِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١، ٣٢] ١، فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الحُمْس، وَمَا كَانَتْ قريش ابتدعت منه، عن النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ، حَيْنَ بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسولَه ﷺ.

٣١، ٣٢] ١، فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الحُمْس، وَمَا كَانَتْ قريش ابتدعت منه، عن النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ، حَيْنَ بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسولَه ﷺ. الرسول ﷺ يخالف الحمْس قبل الرسالة: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمرو بْنِ حَزْم، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْر بْنِ مُطْعِم، عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبير بْنِ مُطْعم. قَالَ: لَقَدْ رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يدفعَ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ اللَّهِ لَهُ، ﷺ تسليمًا كثيرًا٢.

إخْبَارُ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَالْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ والرهبان من النصارى: الكهان والأحبار والرهبان يتحدثون بمبعثه: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، وَالْكُهَّانُ مِنْ الْعَرَبِ، قَدْ تَحَدَّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قبلَ مَبْعَثِهِ، لَمَّا تقاربَ مِنْ زَمَانِهِ. أَمَّا الأحبارُ مِنْ يهودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، فعمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إلَيْهِمْ فِيهِ. وَأَمَّا الكهانُ مِنْ الْعَرَبِ: فَأَتَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنْ الجنِّ فِيمَا تَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ إذ كانت هي لَا تُحجب عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنُّجُومِ، وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا ذكرُ بعضِ أمورِه، لَا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ؛ فَعَرَفُوهَا.

َا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ؛ فَعَرَفُوهَا. قَذْفُ الْجِنِّ بالشُّهُب دلالةً عَلَى مَبْعَثِهِ ﷺ: فَلَمَّا تَقَارَبَ أمرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَضَرَ مبعثُه، حُجبت الشَّيَاطِينُ عَنْ السَّمْعِ، وَحِيلَ بينَها وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَتْ تقْعدُ لاستراقِ السَّمْعِ فِيهَا فرُموا بِالنُّجُومِ، فَعَرَفَتْ الجنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ١ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْنَ بَعَثَهُ، وَهُوَ يَقُصُّ عَلَيْهِ خبرَ الجنِّ إذْ حُجبوا عَنْ السَّمْعِ، فعَرفوا مَا عَرَفوا، وَمَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حَيْنَ رَأوْا مَا رَأوْا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ٢ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا

عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا، وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ١-٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا، وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٩، ١٠] . فَلَمَّا سَمِعَتْ الجنُّ القرآنَ عَرفتْ أَنَّهَا إنَّمَا مُنعت مِنْ السَّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يُشْكل الوحيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَيَلْتَبِسُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ، لِوُقُوعِ الحجَّة، وقطْع الشُّبْهة١. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، ثُمَّ: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩، ٣٠] الآيات. وَكَانَ قولُ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وغيرهم إذا سافر فنزل فيَ وادٍ مِنْ الْأَرْضِ ليبيتَ فِيهِ، قَالَ: إنِّي أعوذُ بعزيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ الجنِّ الليلةَ من شرِّ ما فيه.

نْ قُرَيْشٍ وغيرهم إذا سافر فنزل فيَ وادٍ مِنْ الْأَرْضِ ليبيتَ فِيهِ، قَالَ: إنِّي أعوذُ بعزيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ الجنِّ الليلةَ من شرِّ ما فيه.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّهَق: الطُّغْيَانُ والسَّفَه. قَالَ رُؤبة بْنُ العَجَّاج: إذْ تَسْتَبي الهيَّامة المُرَهَّقَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. والرَّهق أَيْضًا: طلبك الشيء حتى تدنوَ منه، أو لا تأخذه. قال رُوُبة بْنُ العَجَّاج يَصِفُ حَمِيرِ وَحْشٍ: بَصْبَصْنَ واقْشَعرَرْنَ مِنْ خَوف الرَّهَقْ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ له. والرَّهق أيضًا: مصدرٌ لقول الرجل: رَهِقْتُ الإِثم أَوْ العُسْر الَّذِي أَرْهَقَتْنِي رَهَقًا شَدِيدًا؛ أَيْ: حملتُ الإِثم أَوْ العُسر الَّذِي حملني حَمْلًا شَدِيدًا، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] وقوله: ﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] . ثقيف أول من فَزعت برمي الجن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أن أولَ الْعَرَبِ فَزِع لِلرَّمْيِ بِالنُّجُومِ -حَيْنَ رُمي بِهَا- هَذَا الْحَيُّ مِنْ ثَقِيفٍ، وَأَنَّهُمْ جَاءُوا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: عَمرو بْنُ أُمِّيَّةَ أَحَدُ بَنِي عِلاَج -قَالَ: وَكَانَ أَدْهَى الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهَا رَأْيًا- فَقَالُوا لَهُ: يَا عَمرو، أَلَمْ ترَ مَا حَدَثَ فِي السماءِ مِنْ الْقَذْفِ بِهَذِهِ النُّجُومِ. قَالَ: بَلَى، فَانْظُرُوا، فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمَ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدى بِهَا فِي البرِّ وَالْبَحْرِ، وتعرَف بِهَا الأنواءُ مِنْ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ لِمَا يُصلح الناسَ فِي مَعَايِشِهِمْ، هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا، فَهُوَ وَاَللَّهِ طيُّ الدُّنْيَا، وهلاكُ هَذَا الْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غيرَها، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْخَلْقَ، فَمَا هو١؟ الرسول يسأل الأنصار عن قولهم في رجم الجن بالشهب وتوضيحه للأمر:

تَةٌ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْخَلْقَ، فَمَا هو١؟ الرسول يسأل الأنصار عن قولهم في رجم الجن بالشهب وتوضيحه للأمر: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسين بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أن رسولَ الله ﷺ قَالَ لَهُمْ: "مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النَّجْم الَّذِي يُرْمَى بِهِ؟ " قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا نَقُولُ حَيْنَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ، مُلّك مَلِك، وُلد مَوْلُودٌ، مَاتَ مولود،

فقال رسول الله ﷺ: "لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَكُنَّ اللَّهَ ﵎ كَانَ إذَا قَضى فِي خلقِه أَمْرًا سَمِعه حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فسبَّحوا، فسبَّح مَنْ تَحتَهم، فَسَبَّحَ لتسبيحِهم مَن تحتَ ذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ التَّسْبِيحُ يهبطُ حَتَّى ينتهىَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسَبِّحُوا، ثُمَّ يَقُولُ بعضُهم لِبَعْضٍ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: سَبَّحَ مَن فَوْقَنَا فَسَبَّحْنَا لِتَسْبِيحِهِمْ، فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فوقَكم: مِمَّ سَبَّحُوا؟ فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى حملةِ العرشِ، فيُقال لَهُمْ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَضَى اللهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، للأمرِ الَّذِي كَانَ، فَيَهْبِطُ بِهِ الخبرُ مِنْ سماءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِي إلَى السماءِ الدُّنْيَا، فَيَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَتَسْتَرِقُهُ الشياطينُ بِالسَّمْعِ، عَلَى تَوَهُّمٍ وَاخْتِلَافٍ، ثُمَّ يَأْتُوا بِهِ الْكُهَّانَ مِنْ أهلِ الْأَرْضِ فَيُحَدِّثُوهُمْ بِهِ.. فَيُخْطِئُونَ وَيُصِيبُونَ، فَيَتَحَدَّثُ بِهِ الْكُهَّانُ فَيُصِيبُونَ بَعْضًا وَيُخْطِئُونَ بَعْضًا. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ ﷿ حَجَبَ الشَّيَاطِينَ بِهَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُقْذَفون بِهَا، فَانْقَطَعَتْ الكهانةُ اليومَ فَلَا كهانةَ"١.

طِئُونَ بَعْضًا. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ ﷿ حَجَبَ الشَّيَاطِينَ بِهَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُقْذَفون بِهَا، فَانْقَطَعَتْ الكهانةُ اليومَ فَلَا كهانةَ"١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمرو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبيبة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسين بْنِ عَلِيٍّ ﵃ بمثل حديث ابن شهاب عنه. الغيطَلة وصاحبها: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْم يُقَالُ لَهَا الغَيْطَلة كانت كاهنة في الجاهلية، فلما جاءها صاحبُها فِي لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي، فأنْقَض تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: أدْرِ مَا أدْرِ. يَوْمَ عَقْر ونحْر، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حَيْنَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ؟ ثُمَّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى، فأنْقَض تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: شُعوب، ما شُعوب؛ تُصْرَع فيه كَعْب لجُنوب. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، قَالُوا: مَاذَا يُرِيدُ؟ إن هذا لأمر هو كائن، فانظروا

مَا هُوَ؟ فَمَا عَرَفُوهُ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ بالشِّعْب، فَعَرَفُوا أَنَّهُ الَّذِي كَانَ جَاءَ بِهِ إلَى صَاحِبَتِهِ. نَسَبُ الْغَيْطَلَةِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الغَيْطلة مِنْ بَنِي مُرة بْنِ عَبْدِ مُناة بْنِ كِنَانَةَ، إخْوَةِ مُدْلج بْنِ مُرة١ وَهِيَ أُمُّ الْغَيَاطِلِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ: لَقَدْ سَفُهَت أحلامُ قَوْمٍ تبدَّلوا ... بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِلِ فَقِيلَ لولدها: وَهُمْ مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، سَأَذْكُرُهَا في موضعها -إن شاء الله تعالى. كاهن جَنْب يذكر خبر الرسول ﷺ: قال ابن إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ الجُرَشيُّ: أَنَّ جَنْبًا٢ بَطْنًا مِنْ الْيَمَنِ، كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا ذُكر أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ، قَالَتْ لَهُ جَنْب: اُنْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ طَوِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ يَنْزُو، ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ، وطهَّر قلبَه وَحَشَاهُ، ومُكثه فِيكُمْ أَيُّهَا الناس قليل، ثم اشتد في جبله راجعًا من حيث جاء.

َّاسُ، إنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ، وطهَّر قلبَه وَحَشَاهُ، ومُكثه فِيكُمْ أَيُّهَا الناس قليل، ثم اشتد في جبله راجعًا من حيث جاء.

سواد بن قارب يحدث عمر بن الخطاب عن صاحبه من الجن: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ حُدِّث: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخطاب، بينما هو جالس فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ١ مِنْ الْعَرَبِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، يُرِيدُ عمرَ بنَ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁ قَالَ: إنَّ هَذَا الرَّجُلُ لعلَى شِركه مَا فَارَقَهُ بعدُ، ولقد كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فسلَّم عَلَيْهِ الرَّجُلُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁ هَلْ أَسْلَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهُ: فَهَلْ كُنتَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَقَدْ خِلْتَ فِيّ٢، وَاسْتَقْبَلْتنِي بِأَمْرٍ مَا أَرَاكَ قلتَه لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ مُنْذُ وليتَ مَا وليتَ، فَقَالَ عُمَرُ: اللهمَّ غُفرًا، قَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى شَرٍّ مِنْ هَذَا، نَعْبُدُ الأصنامَ، وَنَعْتَنِقُ الأوثانَ، حَتَّى أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِرَسُولِهِ وبالإِسلام، قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ كنتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فأخبرْني مَا جَاءَكَ بِهِ صاحبُك، قَالَ: جَاءَنِي قَبْلَ الإِسلام بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعه٣، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إلَى الْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا، وَإِيَاسِهَا مِنْ دِينِهَا، ولحوقها بالقلاص وأحلامها. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ سَجْعٌ، وَلَيْسَ بِشِعْرٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُ النَّاسَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبح لَهُ رجلٌ مِنْ الْعَرَبِ عِجْلًا، فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَسْمَه

ِّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبح لَهُ رجلٌ مِنْ الْعَرَبِ عِجْلًا، فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَسْمَه

ليقْسِم لَنَا مِنْهُ، إذْ سمعتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا مَا سمعتُ صَوْتًا قطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وَذَلِكَ قُبَيْل الإِسلام بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعه، يَقُولُ: يَا ذَريح١، أمرٌ نَجِيحٌ، رجلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رَجُلٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَأَنْشَدَنِي بعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا تَهْوِي إلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا ما بلغنا من الكهان العرب. إنذار يهود برسول الله ﷺ: اليهود -لعنهم الله- يعرفونه ويكفرون بِهِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: إنَّ مِمَّا دَعَانَا إلَى الإِسلام، مَعَ رحمة الله تعالى وهُداه، لما كنا نسمع من رجال يهود، كُنا أهلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنا مِنْهُمْ بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبعث الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وِإرَم، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.

كرهون، قالوا لنا: إنه تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبعث الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وِإرَم، فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ رسولَه ﷺ أَجَبْنَاهُ، حِينَ دَعَانَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ مِنْ الْبَقَرَةِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسْتَفْتِحُونَ: يَسْتَنْصِرُونَ، وَيَسْتَفْتِحُونَ أَيْضًا: يَتَحَاكَمُونَ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] . سلَمة يذكر حديثَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَنْذَرَ بِالرَّسُولِ ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صالحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيد أَخِي بَنِي عَبْدِ الأشْهل عَنْ سَلَمة بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ١ -وَكَانَ سَلَمة مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ- قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ فِي بَنِي عَبْدِ الأشْهل، قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ سَلَمَةُ: وأنا يومئذ أَحْدَثِ مَنْ فِيهِ سِنًّا، عليَّ بُردة لِي، مُضْطَجِعٌ فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي، فَذَكَرَ القيامةَ وَالْبَعْثَ والحسابَ وَالْمِيزَانَ والجنةَ وَالنَّارَ، قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوَثَانٍ، لَا يرَوْن أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَالُوا لَهُ: ويحكَ يَا فُلَانُ!! أوَترى هَذَا كَائِنًا، أَنَّ النَّاسَ يُبْعثون بعدَ موتِهم إلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي يحلَف بِهِ، ولَوَدَّ أَنَّ لَهُ بحظِّه مِنْ تِلْكَ النَّارِ أعظمَ تَنور فِي الدَّارِ، يَحْمُونَهُ ثُمَّ يُدخلونه إيَّاهُ فَيُطَيِّنُونَهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ ينجوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ! فَمَا آيةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ- فَقَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إليَّ، وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إنْ يَسْتنفدْ هَذَا الْغُلَامُ عمرَه يدركْه قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاَللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا رَسُولَهُ ﷺ وَهُوَ حيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا،

مرَه يدركْه قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاَللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا رَسُولَهُ ﷺ وَهُوَ حيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ. وَيْحك يَا فلانُ!! ألستَ الَّذِي قلتَ لَنَا فِيهِ مَا قلتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ ليس به. ابن الهيبان اليهودي يتسبب في إسْلَامُ ثَعْلَبَةَ وَأَسِيدِ ابْنَيْ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمر بْنِ قَتَادَةَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قريظة قال: قَالَ لِي: هَلْ تَدْرِي عمَّ كَانَ إسْلَامُ ثعلبة بن سَعْية وأسِيد بن سَعْية٢ وأسد بْنِ عُبَيْدٍ نَفَرٍ مِنْ بَنِي هَدْل، إخْوَةِ

بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ثُمَّ كانوا ساداتهم في الإسلام، قال: قلت: لا، قَالَ: فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ يَهُودَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الهيَبان١، قَدِم عَلَيْنَا قُبَيْل الْإِسْلَامِ بِسِنِينَ، فَحَلَّ بينَ أَظْهُرِنَا، لَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطْ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أفضلَ مِنْهُ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا فَكُنَّا إذَا قحَط عنا المطر قلنا له: اخرج يابن الهيِّبان فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تُقدِّموا بَيْنَ يدَيْ مخرجِكم صَدَقَةً، فَنَقُولُ لَهُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مُدَّيْن مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَنُخْرِجُهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ بِنَا إلَى ظَاهِرِ حَرَّتنا، فَيَسْتَسْقِي اللَّهُ لَنَا، فَوَاَللَّهِ ما يبرح مجلسه، حتى تمرَّ السحابةُ ونُسْقَى، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غيرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ. قَالَ: ثُمَّ حَضَرَتْهُ الوفاةُ عندَنا، فلما عَرَف أنه ميِّت، قال: أيا مَعْشَرَ يَهُودَ، مَا ترونَه أَخْرَجَنِي مِنْ أرضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالَ: قُلْنَا: إنَّكَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنِّي إنَّمَا قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ أتوكَّف خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أظلَّ زَمَانُهُ.

بُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالَ: قُلْنَا: إنَّكَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنِّي إنَّمَا قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ أتوكَّف خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أظلَّ زَمَانُهُ. وَهَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهاجَرُه، فكنتُ أَرْجُو أَنْ يُبْعث، فَأَتَّبِعَهُ، وَقَدْ أَظَلَّكُمْ زَمَانُهُ، فَلَا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبعث بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا بُعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظة، قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ، وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاَللَّهِ إنَّهُ لِلنَّبِيِّ الَّذِي كَانَ عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ ابْنُ الهيِّبان، قَالُوا: لَيْسَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى وَاَللَّهِ، إنَّهُ لَهُوَ بِصِفَّتِهِ، فَنَزَلُوا وَأَسْلَمُوا، وَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا عَنْ أَخْبَارِ يهود.

حديث إسلام سلمان ﵁: سلمان ﵁ يتشوَّف إلى النصرانية بعد المجوسية: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عُمر بْنِ قَتادة الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمان الفارسي مِنْ فِيه قَالَ: كنتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أهل إصبهان١ من أهل قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: جَيّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَان قَرْيَتِهِ، وكنتُ أحبَّ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، لَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحبس الْجَارِيَةُ. وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطْنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً. قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعة عظيمة، قال: فشُغل فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إنِّي قَدْ شُغلت فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعتي فَاذْهَبْ إلَيْهَا، فاطَّلِعْها -وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ- ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَا تحتبسْ عَنِّي؟ فَإِنَّكَ إنْ احْتَبَسْتَ عَنِّي كنتَ أهمَّ إليَّ مِنْ ضَيْعتي، وشغلْتني عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي. قَالَ: فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعتَه الَّتِي بَعَثَنِي إلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ، لِحَبْسِ أَبِي إيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا سمعتُ أصواتَهم دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ، أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ، أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاَللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاَللَّهِ مَا بَرِحْتُهم حَتَّى غَرَبت الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ.

بَرِحْتُهم حَتَّى غَرَبت الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. فَرَجَعْتُ إلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ؟ أوَلَمْ أَكُنْ عهدتُ إلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، مررتُ بِأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاَللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبت الشَّمْسُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خيرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كلاَّ وَاَللَّهِ، إنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رجليَّ قَيدًا؛ ثُمَّ حَبَسَنِي في بيته. سلمان يهرب إلى الشام: قَالَ: وَبَعَثْتُ إلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إذَا قَدِم عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تجارٌ من النصارى، فأخبروني بهم

مْ: إذَا قَدِم عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ تجارٌ من النصارى، فأخبروني بهم

فقلتُ لَهُمْ: إذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ، وَأَرَادُوا الرجعةَ إلَى بلادِهم، فآذِنوني بِهِمْ: قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرجعةَ إلَى بِلَادِهِمْ، أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رجليَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفَضْلُ أَهْلُ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟ قَالُوا: الأسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. سلمان مع أسقف النَّصَارَى السَّيِّئُ: قَالَ: فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، فَأَحْبَبْتُ أَنَّ أَكُونَ مَعَكَ، وَأَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ، فَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ، وَأُصَلِّيَ مَعَكَ، قَالَ: اُدْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلُ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يعْطه الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سبعَ قِلال مِنْ ذَهَبٍ ووَرِق. قَالَ: فَأَبْغَضْتُهُ بُغضًا شَدِيدًا، لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ النَّصَارَى، لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إنَّ هَذَا كَانَ رجلَ سوءٍ، يَأْمُركُمْ بِالصَّدَقَةِ، ويرغِّبكمٍ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا، اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يعطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُك بذلك؟ قال: فقلت لَهُمْ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، قَالُوا: فدُلنا عليه قال: فأريتهم موضعَه، فاستخرجوا سبعَ قِلال مَمْلُوءَةً ذَهَبًا ووَرِقًا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَصَلَبُوهُ، وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ مكانه.

ّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَصَلَبُوهُ، وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ مكانه. سلمان مع أسقف النصارى الصَّالِحُ: قَالَ: يَقُولُ سلمانُ: فَمَا رأيتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الخمسَ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أفضلَ منه، وأزهدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أرغبَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أدأبَ ليلا ولا نهارًا مِنْهُ. قَالَ: فأحببتُه حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قبله مثله. قال: فأقمت معه زمانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الوفاةُ، فقلتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ، وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِلَى مَنْ تُوصي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَقَدْ هَلَكَ الناسُ، وبدَّلوا وَتَرَكُوا أكثرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إلَّا رَجُلًا بالمَوْصِل، وَهُوَ عَلَى مَا كنتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ. سَلْمَانُ يلحق بأسقف الموصل: فَلَمَّا مَاتَ وغُيب لحقتُ بِصَاحِبِ المَوْصل، فَقُلْتُ لَهُ يَا فُلَانُ، إنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أمره، قال: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ: فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أمرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يلبثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قُلْتُ لَهُ يَا فُلَانُ: إنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إلَيْكَ، وأمرني باللحاق بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ

اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مِنْ تُوصي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ، إلَّا رَجُلًا بنَصِيبين، وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ. سلمان يلحق بأسقف نصيبين: فَلَمَّا مَاتَ وغُيب لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَأَخْبَرْتُهُ خبري، وما أمرني به صاحباي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِيهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاَللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ. فَلَمَّا حُضر، قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ! إنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقيَ أحدٌ عَلَى أمرِنا آمُرُكَ أَنْ تأتيَه إلَّا رَجُلًا بعَمّورِية مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أحببت فأته، فإنه على أمرنا. سلمان يلحق بصاحب عمورية: فَلَمَّا مَاتَ وغُيِّب لحقتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِية، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ، عَلَى هَدْي أَصْحَابِهِ وأمرِهم، قَالَ: واكتسبتُ حتى كان لِي بَقَرَاتٌ وغُنَيْمة.

خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ، عَلَى هَدْي أَصْحَابِهِ وأمرِهم، قَالَ: واكتسبتُ حتى كان لِي بَقَرَاتٌ وغُنَيْمة. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أمرُ الله، فَلَمَّا حُضِر، قُلْتُ لَهُ: يَا فلانُ، إنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ، فَأَوْصَى بِي إلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَحَدٌ عَلَى مِثل مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ بِهِ أَنْ تأتيَه، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زمانُ نبيٍّ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ ﵇، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجَرُه إلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْن، بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى، يَأْكُلُ الهديةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصدقةَ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ استطعتَ أَنْ تلحقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فافعلْ. سلمان يذهب إلى وادي القرى: قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وغُيِّب، وَمَكَثْتُ بَعَمُّورِية مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلب تُجَّارٌ، فقلتُ لَهُمْ: احْمِلُونِي إلَى أَرْضِ العربِ، وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وغُنَيْمتي هَذِهِ، قَالُوا: نَعَمْ فأعطَيْتُهُموها، وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إذَا بَلَغُوا وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النخلَ، فرجوْتُ أَنْ يَكُونَ البلدَ الَّذِي وَصف لِي صاحبي، ولم يحق في نفسي. سلمان يذهب إلى المدينة: فَبَيْنَا أَنَا عندَه، إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظة مِنْ الْمَدِينَةِ، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، والله مَا هُوَ إلَّا أَنْ رأيتُها، فَعَرَفْتهَا بصفةِ صاحبي،

ُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظة مِنْ الْمَدِينَةِ، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، والله مَا هُوَ إلَّا أَنْ رأيتُها، فَعَرَفْتهَا بصفةِ صاحبي،

فَأَقَمْتُ بِهَا، وبُعث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ، لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذكَرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ. سلمان يسمع بهجرة النبي ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَفِي رَأْسِ عذْق لِسَيِّدِي أَعْمَلُ لَهُ فِيهِ. بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي، إذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا فلانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلة، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. نَسَبُ قَيْلَةَ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْلة: بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَة بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سَوْد بن أسْلم بن الْحاف بن قُضاعة، أُمُّ الأوْس وَالْخَزْرَجِ. قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْدَحُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ: بهاليلُ مِنْ أولادِ قَيْلة لَمْ يَجِدْ ... عَلَيْهِمْ خَلِيطٌ فِي مُخالطةٍ عُتْبا مساميحُ أَبْطَالٌ يُرَاحُون للندَى ... يَرَوْنَ عَلَيْهِمْ فِعلَ آبَائِهِمْ نَحْبَا وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

طٌ فِي مُخالطةٍ عُتْبا مساميحُ أَبْطَالٌ يُرَاحُون للندَى ... يَرَوْنَ عَلَيْهِمْ فِعلَ آبَائِهِمْ نَحْبَا وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لَبيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ سَلْمان: فلما سمعتها أخذني العُرَوْراء. قال ابن هشام: العُرَوْراء: الرِّعْدَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَالِانْتِفَاضُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَرَقٌ فَهِيَ الرُّحَضاء، وَكِلَاهُمَا مَمْدُودٌ -حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي، فَنَزَلْتُ عَنْ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ فَغَضِبَ سَيِّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أقبلْ عَلَى عَمَلِكَ، قَالَ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، إنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أستثبته عما قال. سلمان يستوثق من رسالة محمد، ﷺ: قَالَ: وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إلَى رسول الله ﷺ وهو بقُبَاء، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أحقَّ بِهِ مِنْ غيرِكم، قَالَ: فقرَّبته إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَلَمْ يَأْكُلْ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالَ: ثُمَّ انصرفتُ عَنْهُ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى

الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جئتُه بِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي قد رأيتُك لا تأكل الصدقة، فهذه هديةٌ أكرمتُك بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثنتان، قال: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الغَرْقَد، قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رجل من أصحابه، عليَّ شَمْلَتَانِ لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ، عَرَف أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصف لِي، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ. فَنَظَرْتُ إلَى الْخَاتَمِ فعرَفته، فأكببتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ، وَأَبْكِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَحَوَّلْ"، فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْتُ عليه حديثي، كما حدثتك يابن عَبَّاسٍ، فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْمِعَ ذَلِكَ أصحابُه. ثُمَّ شَغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بدر وأحد. سلمان يفكُّ نفسه من الرق بأمر رسول الله ومساعدته ﷺ: قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كاتبْ يَا سَلْمَانُ"، فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بالفَقِير١، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقَالَ رسول الله ﷺ لأصحابه: "أَعِينُوا أَخَاكُمْ"، فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ، الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّة، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّة. وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَدِيَّة، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُ الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حتى اجتمعت لي ثلثمائة وَدِيَّة، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ ففقرْ لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي، أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ". قَالَ ففقَّرْت، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إذَا فَرَغْتُ جئته فأخبرته، فخرج

هَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي، أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ". قَالَ ففقَّرْت، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إذَا فَرَغْتُ جئته فأخبرته، فخرج

رسولُ الله ﷺ مَعِي إلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ إلَيْهِ الوَدِيَّ، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ حَتَّى فَرَغْنَا. فَوَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّة وَاحِدَةٌ١. قَالَ: فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ، وَبَقِيَ عليَّ الْمَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ. مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: "مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ المكاتَب؟ " قَالَ: فدُعيت لَهُ، فَقَالَ: "خُذْ هَذِهِ، فأدِّها مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ". قَالَ: قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ فَقَالَ: "خذْها، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ". قَالَ: فَأَخَذْتهَا، فوزَنْت لَهُمْ مِنْهَا -وَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ-أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حقَّهم مِنْهَا، وعُتق سَلْمَانُ. فشهدتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ الخندقَ حُرًّا، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ سَلْمَانَ: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قلتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِنْ الَّذِي عليَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَلَّبَهَا عَلَى لسانِه، ثُمَّ قَالَ: خُذْهَا فأوفهمْ مِنْهَا، فَأَخَذْتهَا، فأوفيتُهم مِنْهَا حقَّهم كُلَّهُ، أربعين أوقية. حديث سلمان مع الرجل الذي بعمورية: قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: حُدثت عَنْ سلمانَ الفارسِّي: أَنَّهُ قَالَ لرسول الله ﷺ حين أَخْبَرَهُ خَبَرَهُ: إنَّ صَاحِبَ عَمُورِيَّةَ قَالَ لَهُ: ائْتِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أرضِ الشَّامِ، فَإِنَّ بِهَا رَجُلًا٢ بَيْنَ غَيْضتين، يَخْرُجُ فِي كُلِّ سنة

بَرَهُ: إنَّ صَاحِبَ عَمُورِيَّةَ قَالَ لَهُ: ائْتِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أرضِ الشَّامِ، فَإِنَّ بِهَا رَجُلًا٢ بَيْنَ غَيْضتين، يَخْرُجُ فِي كُلِّ سنة

مِنْ هَذِهِ الْغَيْضَةِ إلَى هَذِهِ الْغَيْضَةِ مُسْتَجِيزًا، يَعْتَرِضُهُ ذَوُو الْأَسْقَامِ، فَلَا يَدْعُو لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا شُفي، فَاسْأَلْهُ عَنْ هَذَا الدِّينِ الَّذِي تَبْتَغِي، فَهُوَ يُخْبِرُكَ عَنْهُ، قَالَ سلْمانُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أتيتُ حيثُ وُصف لِي، فَوَجَدْتُ الناسَ قَدْ اجْتَمَعُوا بِمَرْضَاهُمْ هُنَالِكَ، حَتَّى خَرَجَ لَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُسْتَجِيزًا مِنْ إحْدَى الْغَيْضَتَيْنِ إلَى الأخرى، فَغَشِيَهُ النَّاسُ بِمَرْضَاهُمْ، لَا يَدْعُو لِمَرِيضٍ إلَّا شُفِيَ، وَغَلَبُونِي عَلَيْهِ، فَلَمْ أخْلُص إلَيْهِ حَتَّى دَخَلَ الغَيْضةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ، إلَّا مَنْكِبِهِ. قَالَ: فَتَنَاوَلْتُهُ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَالْتَفَتَ إليَّ، فقلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الحَنِيفيَّة دين إبراهيم. قال: إنك لتسألني عَنْ شَيْءٍ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ الناسُ اليومَ، قَدْ أظلَّك زمانُ نَبِيٍّ يُبعث بِهَذَا الدِّينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، فَأتِهِ فَهُوَ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسَلْمَانَ: "لَئِنْ كُنْتَ صَدَّقْتَنِي يَا سَلْمَانُ، لَقَدْ لَقِيتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.." عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. ذِكْرُ وَرَقَةَ بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى وعُبَيْد الله ابن جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الحُوَيْرث وزَيْد بْنِ عَمْرِو بن نُفَيْل:

َيْهِ السَّلَامُ. ذِكْرُ وَرَقَةَ بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى وعُبَيْد الله ابن جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الحُوَيْرث وزَيْد بْنِ عَمْرِو بن نُفَيْل: تشككهم في الوثنية: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فِي عِيدٍ لَهُمْ عِنْدَ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيَنْحَرُونَ لَهُ، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهُ، ويُديرون بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِيدًا لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا، فخلَص مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نَجِيًّا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا، وَلْيَكْتُمْ بعضُكم عَلَى بَعْضٍ، قَالُوا: أَجَلْ، وَهُمْ: وَرَقةُ بْنُ نَوْفل بن أسَد بن عبد العُزَّى بن قُصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤَيٍّ. وعُبَيْد اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئاب بن يَعْمر بن صبْرة بن مُرة بن كبير بن غَنْم بن دودان بن أسد بْنِ خُزيمة، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَعُثْمَانِ بْنِ الحوَيْرث بْنِ أَسَدِ بْنِ عبد العزى بن قصي. وزيد١ بن

عَمرو بْنِ نُفَيْل بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْط بْنِ رِياح بْنِ رَزاح بن عدي بن كعب بن لؤي١. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تعلَّموا وَاَللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ! لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ، مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟! يَا قَوْمِ التمسوا لأنفسكم، فَإِنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَتَفَرَّقُوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم. تنصر وَرَقَةُ وَابْنُ جَحْشٍ: فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَاتَّبَعَ الكتبَ مِنْ أَهْلِهَا، حَتَّى عَلِمَ عِلْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَمَّا عُبَيد اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تنصَّر، وَفَارَقَ الإِسلام، حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نصرانيًّا. ابن جحش يغري مهاجري الحبشة على التنصر: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ عُبَيد اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ-حِينَ تَنَصَّرَ- يَمُرُّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَيَقُولُ: فقَّحْنا وصَأصَأتم، أَيْ أَبْصَرْنَا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تُبصروا بعد، وذلك أَنَّ وَلَدَ الْكَلْبِ، إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ، صَأْصَأَ، لِيَنْظُرَ. وَقَوْلُهُ: فقَّح: فَتَّحَ عينيه.

تُبصروا بعد، وذلك أَنَّ وَلَدَ الْكَلْبِ، إذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ، صَأْصَأَ، لِيَنْظُرَ. وَقَوْلُهُ: فقَّح: فَتَّحَ عينيه.

رسول الله ﷺ يخلف على زوجة ابن جحش بعد وفاته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بنَ حُسين: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ فِيهَا إلَى النَّجَاشِيِّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْري، فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ النَّجَاشِيُّ؛ فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا، وَأَصْدَقَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أربعمائة دِينَارٍ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: مَا نَرَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَقَفَ صَدَاقَ النِّسَاءِ على أربعمائة دِينَارٍ إلَّا عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ الَّذِي أَمْلَكَهَا النَّبِيَّ ﷺ خَالِدُ بْنُ سعيد بن العاص. تنصر ابن الحُوَيْرث وقدومه على قَيْصَرَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ الحُوَيْرث، فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فتنصَّر، وَحَسُنَتْ منزلتُه عندَه. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِعُثْمَانَ بْنِ الحُوَيْرث عِنْدَ قَيْصَرَ حَدِيثٌ، مَنَعَنِي مِنْ ذِكْرِهِ مَا ذَكَرْتُ فِي حَدِيثِ حَرْبِ الْفِجَارِ١. زيد يتوقف عن جميع الأديان: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمرو بن نُفَيْل فوقف، فلم يدخل يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَفَارَقَ دِينَ قَوْمِهِ، فَاعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالذَّبَائِحَ الَّتِي تُذْبَح عَلَى الأوثان٢.

وَنَهَى عَنْ قَتْل الْمَوْءُودَةِ١، وَقَالَ: أعبدُ ربَّ إبْرَاهِيمَ، وبادَى قَوْمَهُ بعيْب مَا هُمْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ أَسَمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكر رضي

قَوْمَهُ بعيْب مَا هُمْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ أَسَمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكر رضي

الله عنهما، قال: لَقَدْ رأيتُ زيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْل شَيْخًا كَبِيرًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا معشرَ قُرَيْشٍ، وَاَلَّذِي نَفْسُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو بِيَدِهِ: مَا أَصْبَحَ مِنْكُمْ أَحَدٌ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أيَّ الْوُجُوهِ أَحَبُّ إلَيْكَ عبدتُك بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحَتِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت أَنَّ ابْنَهُ سَعِيدَ بْنَ زيْد بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْل وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: أَتَسْتَغْفِرُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَإِنَّهُ يُبْعث أُمَّةً وحدَه". شِعْرُ زَيْدٍ فِي فِرَاقِ الوثنية: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ وَمَا كَانَ لَقِيَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ: أرَبًّا وَاحِدًا، أَمْ ألفَ رَبٍّ ... أدِينُ إذَا تُقُسمت الأمورُ عَزَلْتُ اللاتَ والعُزَّى جميعًا ... كذلك يفعلُ الجَلْدُ الصبورُ١

فَلَا العُزَّى أدينُ وَلَا ابنتيْها ... وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أزورُ وَلَا هُبَلًا أَدِينُ، وَكَانَ رَبًّا ... لَنَا فِي الدَّهْرِ إذْ حِلمي يسيرُ عَجِبْتُ وَفِي اللَّيَالِي مُعْجَبات ... وَفِي الْأَيَّامِ يَعْرِفُهَا البصيرُ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَفْنَى رِجَالًا ... كَثِيرًا كَانَ شأنَهمُ الفجورُ وَأَبْقَى آخَرِينَ ببرِّ قومٍ ... فَيَرْبِلُ منهمُ الطفلُ الصغير١ وبَيْنا المرءُ يعثر ثابَ يَوْمًا ... كَمَا يَتروَّح الغصنُ المطيرُ٢ ولكنْ أعبدُ الرحمنَ ربِّي ... ليغفرَ ذنبيَ الربُّ الغفورُ فَتَقْوَى اللهِ رَبِّكُمْ احْفَظُوهَا ... مَتَى مَا تَحْفَظُوهَا لَا تَبُورُوا تَرَى الأبرارَ دارَهُم جِنانٌ ... وللكفارِ حَامِيَةً سعيرُ وخزْي فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتُوا ... يُلَاقُوا مَا تضيقُ بِهِ الصدورُ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيل أَيْضًا -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ إلَّا الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَالْبَيْتَ الْخَامِسَ، وَآخِرَهَا بَيْتًا. وَعَجُزُ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ: إلَى اللَّهِ أهْدِي مِدحتي وَثَنَائِيَا ... وَقَوْلًا رَصِينًا لَا يَنِي الدهرَ بَاقِيَا إلَى الملكِ الأعلى الذي ليس ... فوقَه إلهٌ وَلَا رَبٌّ يكونُ مُدانيَا أَلَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إيَّاكَ والرَّدَى ... فَإِنَّكَ لَا تُخْفِي مِنْ اللَّهِ خافيَا٣ وإياكَ لَا تجعلْ مَعَ اللهِ غيرَهُ ... فإن سبيلَ الرُّشْد أصبحَ باديَا

حَنَانَيْكَ إن الجنَّ كانت رجاءَهم ... وأنتَ إلهي رَبَّنَا ورجَائيَا١ رضيتُ بِكَ اللهمَّ رَبًّا فَلَنْ ... أرَى أدينُ إلها غيرك اللهُ ثانيَا٢ وَأَنْتَ الَّذِي مِنْ فَضْل مَن ورحمةٍ ... بعَثتَ إلَى مُوسَى رَسُولًا مناديَا فَقُلْتُ لَهُ يَا اذْهب وَهَارُونَ فادْعُوَا ... إلَى اللَّهِ فرعونَ الذيِ كَانَ طَاغِيَا٣ وَقُولَا لَهُ آأنْتَ سَوَّيتَ هَذِهِ ... بلا وَتدٍ، حتى اطمأنت كما هيا٤

يَا اذْهب وَهَارُونَ فادْعُوَا ... إلَى اللَّهِ فرعونَ الذيِ كَانَ طَاغِيَا٣ وَقُولَا لَهُ آأنْتَ سَوَّيتَ هَذِهِ ... بلا وَتدٍ، حتى اطمأنت كما هيا٤

وَقُولَا لَهُ: آأنْتَ رَفَّعْتَ هَذِهِ بِلَا ... عَمَدٍ، أرفقْ إذن بِكَ بانيَا١ وَقُولَا. لَهُ: آأنْتَ سوَّيت وَسْطَها ... مُنيرًا، إذ مَا جَنَّه الليلُ هاديَا وَقُولَا لَهُ: مَنْ يرسلُ الشَّمْسَ غُدوةً ... فيُصبح مَا مَسَّتْ مِنْ الْأَرْضِ ضَاحِيَا وَقُولَا لَهُ: مَنْ يُنبتُ الحبَّ فِي ... الثرَى فيصبحُ مِنْهُ البقلُ يهتزُّ رابيَا ويُخرج مِنْهُ حبَّه فِي رءوسِه ... وَفِي ذَاكَ آياتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعيَا وَأَنْتَ بفضلٍ مِنْكَ نجَّيت يُونُسَا ... وَقَدْ بَاتَ فِي أضعافِ حوتٍ لياليَا وإني ولو سَبَّحْتُ بِاسْمِكَ رَبَّنَا ... لأُكْثِر إلَّا مَا غفرتَ خطائيَا٢ فَرَبَّ العبادِ أَلْقِ سَيْبًا وَرَحْمَةً ... عليَّ، وباركْ فِي بنيَّ وماليَا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو يُعَاتِبُ امْرَأَتَهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ الحَضرَمي: نَسَبُ الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ: عَبْدُ الله بْنُ عَبَّادٍ أَحَدُ الصَّدِف، وَاسْمُ الصَّدف: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ السَّكون بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدي، ويقال: كِندة

َضْرَمِيِّ: عَبْدُ الله بْنُ عَبَّادٍ أَحَدُ الصَّدِف، وَاسْمُ الصَّدف: عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ أَحَدُ السَّكون بْنِ أَشْرَسَ بْنِ كِنْدي، ويقال: كِندة

بْنُ ثَوْر بْنِ مُرَتِّع بْنِ عُفَير بْنِ عَدي بن الحارث بن مُرة بن أدد بن زيد بن مهسع بن عمرو بن عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: مُرَتِّع بْنُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كهلان بن سبأ. زيد يعاتب زوجته لمنعها له عن البحث في الحنيفية: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أَجْمَعَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، لِيَضْرِبَ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ ﷺ فَكَانَتْ صفيةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ كَلَّمَا رَأَتْهُ قَدْ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ، وَأَرَادَهُ، آذَنَتْ بِهِ الْخَطَّابَ بْنَ نُفَيل، وَكَانَ الْخَطَّابُ بْنُ نُفَيل عَمَّهُ وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يُعَاتِبُهُ عَلَى فِرَاقِ دِينِ قَوْمِهِ، وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ وكَّل صَفِيَّةَ بِهِ. وَقَالَ: إذَا رَأَيْتِيهِ قَدْ هَمَّ بِأَمْرٍ فآذنيني به -فقال زيد: لا تحسبيني فى الهوان ... صَفِيُّ مَا دَابِي وَدَابُهُ إنِّي إذَا خِفْتُ الهوان ... مشيع ذلل ركابه دعموص أبواب الملوك ... وجانب للخرق نابه قطاع أسباب تذل ... بغير أقران صعابه وإنما أخذ الهوان ... العير إذا يُوهَى إهَابُهْ وَيَقُولُ: إنِّي لَا أُذل ... بِصَكِّ جنبيه صلابه وأخي ابن أمي، ثم ... عمي لا يواتني خطابه وإذا يعاتبني بسوء ... لست أَعْيَانِي جَوَابُهُ وَلَوْ أَشَاءَ لَقُلْتُ مَا ... عِنْدِي مفاتحه وبابه

قول زيد حين يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وحُدثت عَنْ بَعْضِ أهلِ زيدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيل أن: أَنَّ زَيْدًا كَانَ إذَا اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ داخلَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا. عُذتُ بما عاذ به إبراهيمْ ... مستقبلَ الْقِبْلَةَ، وَهُوَ قَائِمُ إذْ قَالَ: أَنْفِي لَكَ اللَّهُمَّ عَانٍ رَاغِمُ ... مَهْمَا تُجَشِّمُنِي فَإِنِّي جَاشِمُ الْبِرَّ أَبْغِي لَا الْخَالَ ... لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ١ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْبِرُّ أَبْقَى لَا الْخَالُ، لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ. قَالَ وَقَوْلُهُ: "مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ" عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنُ نُفَيْلٍ: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا دَحَاهَا فَلَمَّا رَآهَا اسْتَوَتْ عَلَى ... الْمَاءِ، أَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا إذَا هِيَ سِيقَتْ إلَى بَلْدَةٍ ... أطاعت، فصبت عليها سجالًا الخطاب يؤذي زيدًا ويحاصره: وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ آذَى زَيْدًا؛ حَتَّى أَخْرَجَهُ إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَ حِرَاءَ مقابلَ مَكَّةَ، ووكَّل بِهِ الْخَطَّابُ شَبَابًا مِنْ شَبَابِ قُريش وسفهاء من سفهائهم، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَتْرُكُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا سِرًّا مِنْهُمْ، فَإِذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ، آذَنُوا بِهِ الْخَطَّابَ، فَأَخْرَجُوهُ، وَآذَوْهُ كراهيةَ أَنْ يُفسدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَأَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى فِرَاقِهِ فَقَالَ، وَهُوَ يُعَظِّمُ حُرْمَتَهُ عَلَى مَنْ استحلَّ مِنْهُ مَا اسْتَحَلَّ مِنْ قَوْمِهِ: لَا هُمَّ إنِّي مُحرِم لَا حِلّهْ ... وَإِنَّ بَيْتِي أوسطُ المَحِلَّهْ عِنْدَ الصَّفا لَيْسَ بذي مَضَلَّهْ

لَّ مِنْهُ مَا اسْتَحَلَّ مِنْ قَوْمِهِ: لَا هُمَّ إنِّي مُحرِم لَا حِلّهْ ... وَإِنَّ بَيْتِي أوسطُ المَحِلَّهْ عِنْدَ الصَّفا لَيْسَ بذي مَضَلَّهْ

زيد يرحل إلى الشام وموته: ثُمَّ خَرَجَ يطلبُ دينَ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَيَسْأَلُ الرهبانَ وَالْأَحْبَارَ، حَتَّى بَلَغَ الموصِل والجزيرةَ كلَّها، ثُمَّ أَقْبَلَ فجالَ الشامَ كلَّه، حَتَّى انْتَهَى إلَى رَاهِبٍ بميْفَعة١ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أهلِ النَّصْرَانِيَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فَسَأَلَهُ عَنْ الحنيفيةِ دِينِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: إنَّكَ لَتَطْلُبُ دِينًا مَا أَنْتَ بواجدٍ مَنْ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ قَدْ أظلَّ زمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِكَ الَّتِي خرجتَ مِنها، يُبعث بِدِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ، فالحقْ بِهَا، فَإِنَّهُ مَبْعُوثٌ الآنَ، هَذَا زمانُه، وَقَدْ كَانَ شَامَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، فَلَمْ يرضَ شَيْئًا مِنْهُمَا، فَخَرَجَ سَرِيعًا، حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّاهِبُ مَا قَالَ، يُرِيدُ مكةَ، حَتَّى إذَا تَوَسَّطَ بلادَ لخم، عَدَوْا عليه فقتلوه. ورقة يرثي زيدًا: فَقَالَ ورقةُ بنُ نَوْفَلِ بنِ أَسَدٍ يَبْكِيهِ: رشدتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا ... تجنبْتَ تَنُّورًا مِنْ النَّارِ حَامِيَا٢ بِدِينِكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كمثلِه ... وترككَ أوثانَ الطَّوَاغِي كَمَا هيَا وَإِدْرَاكُكَ الدينَ الَّذِي قَدْ طلبتَه ... وَلَمْ تكُ عَنْ توحيدِ ربِّك ساهيَا فأصبحتَ فِي دارٍ كريمٍ مقامُها ... تُعلَّلُ فِيهَا بالكرامةِ لَاهِيَا تُلاقي خليلَ اللهِ فِيهَا، وَلَمْ تكنْ ... مِنْ الناسِ جَبَّارًا إلَى النارِ هاويَا وَقَدْ تدركُ الإنسانَ رَحْمَةُ ربِّه ... ولوكان تحتَ الأرضِ سبعين واديَا٣

يلَ اللهِ فِيهَا، وَلَمْ تكنْ ... مِنْ الناسِ جَبَّارًا إلَى النارِ هاويَا وَقَدْ تدركُ الإنسانَ رَحْمَةُ ربِّه ... ولوكان تحتَ الأرضِ سبعين واديَا٣

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرْوَى لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْت الْبَيْتَانِ الأوَّلان مِنْهَا، وَآخِرُهَا بَيْتًا فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَوْلُهُ: "أَوْثَانِ الطَّوَاغِي" عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. صِفَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من الإِنجيل: يُحَنَّس الحواري يثبت بعثة الرسول ﷺ من الإِنجيل: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ -فِيمَا بَلَغَنِي عَمَّا كَانَ وَضعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِيمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ فِي الإِنجيل لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ -مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا أَثَبَتَ يُحَنَّس الْحَوَارِيُّ لَهُمْ، حِينَ نَسَخَ لَهُمْ الإِنجيل عَنْ عَهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الربَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ بِحَضْرَتِهِمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أحدٌ قَبْلِي، مَا كَانَتْ لَهُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنْ مِنْ الْآنَ بَطِرُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَعُزُّونني، وَأَيْضًا لِلرَّبِّ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَتِمَّ الكلمةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ: أَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا، أَيْ: بَاطِلًا. فَلَوْ قَدْ جَاءَ المنْحمنّا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللهُ إليكم من عند الربِّ، وروح القُدس هَذَا الَّذِي مِنْ عِنْدَ الرَّبِّ خَرَجَ، فَهُوَ شَهِيدٌ عليَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّكُمْ قديْمًا كُنْتُمْ مَعِي فِي هَذَا، قُلْتُ لَكُمْ: لِكَيْمَا لَا تَشْكُوَا. والمُنْحَمَنَّا بِالسُّرْيَانِيَّةِ: مُحَمَّدٌ: وَهُوَ بِالرُّومِيَّةِ: البرقْلِيطِس، ﷺ. مبعث النبي، ﷺ: أخذ الله الميثاق على الرسل بالإِيمان به ﷺ: قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: فلما بلغ

محمد رسول الله ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى١ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ اللهُ ﵎ قَدْ أَخَذَ الميثاقَ عَلَى كلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ قبلَه بالإِيمان بِهِ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يؤدُّوا ذَلِكَ إلَى كلِّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ، فَأَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الحقِّ فِيهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] . أَيْ ثِقَلَ مَا حَمَّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، فَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، وَأَدَّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ، وَصَدَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الكتابين. الرؤيا الصادقة أَوَّلَ مَا بُدئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ الزهريُّ عَنْ عُروة بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أولَ مَا بُدئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النُّبُوَّةِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ: الرُّؤْيَا الصادقةُ، لَا يَرَى رسولُ اللَّهِ ﷺ رُؤْيَا فِي نومِه إلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ قالتْ: وَحَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يخلوَ وحدَه. سلام الحجر وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ، ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْد الله

ْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يخلوَ وحدَه. سلام الحجر وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ، ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْد الله

ابن أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وكان واعيةً، عن بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَهُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أبعدَ حَتَّى تحسَّرَ عَنْهُ البيوتُ، ويُفضى إلَى شِعاب مَكَّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ، إلَّا قَالَ: السلامُ عَلَيْكَ يَا رسولَ اللَّهِ١. قَالَ: فيلتفتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حولَه، وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفِهِ، فَلَا يَرَى إلَّا الشجرَ وَالْحِجَارَةَ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يمكثَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ٢ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ الله، وهو بحراء في شهر رمضان.

نزول جبريل عَلَيْهِ، ﷺ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي، وَهْب بْنُ كَيْسان، مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ. قَالَ: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لعُبَيد بْنِ عُمَيْر بْنِ قَتادة اللَّيْثَيَّ: حَدِّثْنَا يَا عُبَيْدُ، كَيْفَ كَانَ بدْءُ مَا ابتُدئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ النُّبُوَّةِ، حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇؟ قَالَ: فَقَالَ عُبيد -وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ النَّاسِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي حِراء مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تحنَّث بِهِ قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرُّر١. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وثَوْر وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مكانَه ... ورَاقٍ ليَرْقَى فِي حِراءَ ونازِلِ التحنث والتحنف: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: التَّحَنُّثُ وَالتَّحَنُّفُ، يريدون الحَنِيفية فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جَدَفَ وجَدَث. يريدون: القبرَ. قال رؤبةُ بن العَجّاج:

ُ الْعَرَبُ: التَّحَنُّثُ وَالتَّحَنُّفُ، يريدون الحَنِيفية فيبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جَدَفَ وجَدَث. يريدون: القبرَ. قال رؤبةُ بن العَجّاج:

لَوْ كَانَ أَحْجَارِي مَعَ الأجْداف١ يُرِيدُ: الْأَجْدَاثَ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَبَيْتُ أَبِي طَالِبٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فَمَّ، فِي مَوْضِعِ: ثُمَّ، يُبْدِلُونَ الْفَاءَ مِنْ الثَّاءِ. قَالَ ابن إسحاق: حدثني وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: قَالَ عُبَيد: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ٢ ذَلِكَ الشهرَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، يُطعم مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جوارَه، مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ، كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ -إذَا انْصَرَفَ مِنْ جِوَارِهِ- الْكَعْبَةَ، قَبْلَ أَنْ يدخلَ بيتَه، فيطوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ. حَتَّى إذَا كَانَ الشهرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، من السنة التي بعثه اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَذَلِكَ الشهرُ: شهرُ رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى حِراء، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لجوارِه وَمَعَهُ أهلُه، حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ العبادَ بِهَا، جَاءَهُ جبريلُ ﵇ بأمر الله تعالى.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "فَجَاءَنِي جبريلُ، وَأَنَا نَائِمٌ١، بِنَمَطٍ مِنْ دِيباجٍ٢ فيه

كِتَابٌ"، فَقَالَ: اقْرَأْ١، قَالَ: قُلْتُ: "مَا أَقْرَأُ"، قَالَ: "فغتَّني بِهِ٢، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الموتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"؛ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ قُلْتُ: "مَا أَقْرَأُ؟ " قَالَ: "فغتَّني بِهِ، حَتَّى ظننتُ أَنَّهُ الموتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: "مَاذَا أَقْرَأُ؟ " قَالَ: "فغتَّني بِهِ، حَتَّى ظننتُ أَنَّهُ الموتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: فَقُلْتُ: "مَاذَا أَقْرَأُ؟ مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلَّا افْتِدَاءً مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِي". فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١- آخرها] قَالَ: "فَقَرَأْتهَا، ثُمَّ انْتَهَى، فَانْصَرَفَ عَنِّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا". قَالَ: "فخرجتُ حَتَّى إذَا كنتُ فِي وسطٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السماءِ يَقُولُ: يَا محمدُ أَنْتَ رسولُ اللَّهِ، وَأَنَا جبريلُ، قَالَ: فرفعتُ رَأْسِي إلَى السَّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جبريلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ٣ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ، وجعلتُ أصرفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفاقِ السَّمَاءِ، قَالَ: فَلَا أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا إلَّا رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ، فَمَا زلتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي، وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي حَتَّى بَعثَتْ خدِيجةُ رُسلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مكةَ، وَرَجَعُوا إلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ في مكاني ذلك، ثم انصرف عني".

Bagian 6 dari 23