— Bagian 2 · فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، … —
Bagian 2
فأين هذا من دق الرجل، وثني العطف، وتحريك الرأس، والصياح، والزعق، والمكاء، والتصدية؟ ! قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . فليت شعري! ما الذي يورث خشية الله تعالى؟ ! أألحان الكرماني ونغمات الترمذي، أو فهم معانيه، وتدبر آياته، واستخلاص حكمه وعجائب مضمونه؟ ! قال بهز بن حكيم: " صليت خلف زرارة بن أوفى، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ ، فخر ميتا، فكنت ممن حمله ". وقال أبو الربيع إدريس الخولاني: " كان أبو بكر البصري قد أوتي الحزن وحسن الصوت، وقراءته تقع على القلب من فضله، وكان يأتي إلى الليث بن سعد فيقرأ عنده، ويبكي الليث وأصحابه، ويقول الليث: لقد جعل الله لقراءته سلطانا على الأعين ". وقرأ رجل عند عمر بن الخطاب: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ، حتى إذا بلغ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ ؛ قال عمر: " بهذا جرى الحديث ".
وإنما كان همه في معنى الآية، لا في ترجيع ونغمة. قال ابن أبي عبلة: " كانت أم الدرداء تأتينا من دمشق إلى بيت المقدس على بغلة لها، فإذا مرت بالجبال؛ تقول لقائدها: أسمع الجبال ما وعدها ربها، فيرفع صوته بهذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ ". وروى مالك قال: " قيل لزيد بن ثابت: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه ". ٢ - فصل في معنى الألحان قد ذكرنا أن مالكا كره القراءة بالألحان:
صف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك؟ قال: كي أتدبره وأقف عليه ". ٢ - فصل في معنى الألحان قد ذكرنا أن مالكا كره القراءة بالألحان:
قال مالك: " ولا يعجبني النبر والهمز في القراءة ". وقال نافع بن أبي نعيم: " سمعت عبد الله بن هرمز يسأل عن النبر في القراءة؟ فقال: إن كانت العرب تنبر؛ فإن القرآن أحق أن ينبر ". وقال محمد بن جعفر: " نهيت عن نبر القرآن في النوم ". ومعنى هذا أن يمطط الحروف، ويفرط في المد، ويشبع الحركات حتى تصير حروفا؛ فإنه متى أشبع حركة الفتح؛ صارت ألفا، وإن أشبع حركة الضم صارت واوا، وإن أشبع حركة الكسر؛ صارت ياء! وأعظم من هذا أن الحرف الذي فيه واو واحدة تصير واوات كثيرة، ويكون في الحرف ألف واحد فيجعلونه ألفات كثيرة، وكذلك كل حرف من الآية يزيد فيه من الحروف بحسب ما تحتاج إليه نغمته ولحنه، فيزيل الحرف عن معناه، فتلحق الزيادة والنقصان على حسب النغمات والألحان، فلا تخلو من زيادة أو نقصان، وهذا أمر ليس في كلام العرب، ولا تعرفه الفصحاء والشعراء إذا ثبت هذا. واختلف قول الشافعي في هذا الأصل: فروى عنه المزني: " ولا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت ". وروى عنه الربيع بن سليمان الجيزي أنه كره القراءة بالألحان. واحتجوا لهذه المقالة - أعني: قول المزني - بضروب من الحجج: منها قوله ﵇: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» !
قلنا: لا حجة فيه؛ فإن التحسين أن يقرأه ترتيلا وحدرا وتحزينا، وقد بينا معنى الترتيل، فتكون آية الترتيل مفسرة. واستدلوا بقول النبي ﷺ: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن» ! هذا لفظ " الصحيح ". وقد روي: « ... لنبي حسن الترنم بالقرآن» . والجواب: " ما أذن ": معناه: استمع، قال الله ﷿: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ؛ أي: استمعت. وقال الناظم:
قد روي: « ... لنبي حسن الترنم بالقرآن» . والجواب: " ما أذن ": معناه: استمع، قال الله ﷿: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ؛ أي: استمعت. وقال الناظم:
أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن وروى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» . قلنا: لفظ التغني يحتمل ثلاثة معان: أحدها: الاستغناء. وهكذا رواه البخاري عن سفيان مفسرا، فقال: " قال سفيان: يستغني به ". وهكذا فسره أبو عبيد، فقال: " هو من الاستغناء ". وقد جاء في اللغة: يتغنى؛ بمعنى: يستغني؛ قال الناظم: وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغني وروى الكسائي عن امرأة من العرب وقد سئلت عن أعنز عجاف في بيتها، فقالت: " نتغنى بها ". وروى ابن وهب في " موطئه " أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس! تعلَّموا!»
«إن الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطي، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بجرم الحشف. اللهم هل بلغت؟» ؛ ثلاثا. وهذا واضح في صحة قول سفيان. والقول الثاني: أن المراد به الجهر، حكى أبو سليمان الخطابي: يتغنى؛ إذا أعلى صوته، وزعم أن رجلا منهم قال لآخر: غن يا ابن أخي! يقول: سل حاجتك، وارفع صوتك. والثالث: تحسين الصوت. فعلى هذا نقول بموجبه: فإنا نستحب تحسين الصوت، وهو الترتيل والحدر والتحزن. واستدلوا بما رواه البخاري؛ قال: «سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كان يمد مدا. ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ؛ يمد (بسم الله) ، ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) » . وقال عبد الله بن مُغَفَّلٍ: «رأيت النبي ﷺ على ناقته وهي تسير وهو يقرأ»
«من سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع» . وروى مسلم في " صحيحيه " عن معاوية بن قرة: «سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ النبي ﷺ في مسير له سورة الفتح على راحلته، فرجع في قراءته» . قال معاوية: " لولا أني أخاف أن يجتمع علي الناس؛ لحكيت لكم قراءته "، وروى أنه كان يقرأ: " آآ آ ". فالجواب نقول: كل هذا حجة عليكم، إذ ليس فيه للألحان ذكر؛ لأن النبي ﷺ كانت قراءته ترتيلا. قالت عائشة: «كان النبي ﷺ يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها» . وهذا هو المروي عن أكثر الصحابة، وهو نص القرآن. وقد سئل مالك عن الهذ في القراءة؟ فقال: " من الناس من إذا هذ؛ كان أخف عليه، وإذا رتل؛ أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في ذلك على ما يخف عليهم، وذلك واسع ".
قال القاضي أبو الوليد: " ومعنى هذا أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه، فيقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، فأما من تساوى في حقه الأمران؛ فالترتيل أولى ". ورأيت أصحاب الشافعي يرفعون الخلاف ويجمعون بين قوليه، فقالوا: الموضع الذي قال: " لا بأس به ": إذا لم يمطط ويفرط في المد، والذي كرهه: إذا أفرط فيه على الوجه الذي بيناه. وأما الترجيع؛ فإن أراد به ترديد الكلمة؛ مثل أن يتلو آية تخويف أو تحزين فيرددها خوفا أو تخشعا؛ فلا بأس به. ٣ -[فصل ما لا ينبغي في قراءة القرآن] وسئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، وكل رجل منهم يقرئ العُصبَة يفتح عليهم؟ قال: " إنه حسن لا بأس به ". وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ". وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
". وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية، وهو الذي يسمى القراءة بالإدارة؛ فكرهه مالك وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ".
قال القاضي أبو الوليد: " إنما كرهه للمجاراة في حفظه، والمباهاة بالتقدم فيه ". وأما القوم يجتمعون في المسجد أو غيره، فيقرأ لهم الرجل الحسن الصوت؛ فإنه ممنوع؛ قاله مالك؛ لأن القراءة مشروعة على وجه العبادة، والانفراد بذلك أولى، وإنما يقصد بهذا صرف وجوه الناس، والأكل به خاصة، ونوع من السؤال به، وهذا مما يجب تنزيه القرآن عنه. وأما قراءة القرآن في الطرق؛ فقد قال مالك في " العتبية ": " أما الشيء اليسير؛ فلا بأس به، وأما الذي يديم ذلك؛ فلا ". قال سحنون: " ولا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع ". قيل: فالرجل يخرج من قريته؛ أيقرأ ماشيا؟ قال: " نعم ". قيل فيخرج إلى السوق، فيقرأ في نفسه ماشيا؟ قال: " أكره أن يقرأ في السوق ". وسئل عن القراءة في الحمام؟ فقال: " ليس الحمام موضع قراءة، وإن قرأ الإنسان الآيات؛ فلا بأس بذلك ". ٤ - فصل [التفقه في القرآن] ومما ابتدعه الناس في القرآن الاقتصار على حفظ حروفه؛ دون التفقه فيه:
روى مالك في " موطئه ": " أن عبد الله بن عمر مكث في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها ". قال علماؤنا: معنى ذلك: أنه كان يتعلم فرائضها، وأحكامها، وحلالها، وحرامها، ووعدها، ووعيدها، وغير ذلك من أحكامها. وروي عن مالك في " العتبية " قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى، فكتب عمر: أن افرض لهم في الديوان. قال: فكثر من يطلب القرآن، فكتب إليه من قابل أنه قد جمع القرآن سبع مائة رجل. فقال عمر: إني لأخشى أن يسرعوا في القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين. فكتب ألا يعطيهم شيئا ". قال مالك: " معناه: مخافة أن يتأولوه غير تأويله ". وهذا هو حال المقرئين في هذه الأعصر؛ فإنك تجد أحدهم يروي القرآن بمائة رواية، ويثقف حروفه تثقيف القدح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:
دح، وهو أجهل الجاهلين بأحكامه، فلو سألته عن حقيقة النية في الوضوء، ومحلها، وعزوبها، ورفضها، وتفريقها على أعضاء الوضوء؛ لم يخرج جوابا، وهو يتلو عمره:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ . بل لو سألته عن أول درجة، فقلت له: أمر الله تعالى على الوجوب هو؟ أم على الندب والاستحباب؟ أم على الوقف؟ أم على الإباحة؟ فطلبته بفهم هذه الدقائق ووجوهها وترتيبها؛ لم يجد جوابا! وسئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، فقال: " ما أرى هذا ينبغي ". وإنما وجه إنكاره ما تقرر في الصحابة من كراهة التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه. ومن ذلك حديث مالك عن عبد الله بن مسعود: إنكم في زمان كثير فقاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يبدؤون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان قليل فقاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يبدؤون أهوائهم قبل أعمالهم. وقال الحسن: " إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ، وما تدبر آياته إلا اتباعه بعلمه، أما والله ما هو
بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما رئي القرآن له في خلق ولا عمل، وإن أحدهم ليقول: والله إني لأقرأ السورة في نفس [واحد] ، ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء الورعة، متى كان القراء يقولون مثل هذا؟ ! لا كثر الله في الناس مثل هذا ". قال الحسن: " ولقد قرأ القرآن ثلاثة نفر: فرجل قرأ القرآن، فأعده بضاعة؛ يطلب به ما عند الناس، من مصر إلى مصر. وقوم قرؤوا القرآن فثقفوه تثقيف القدح، فأقاموا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به ما عند الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم، وما أكثر هذا الصنف من حملة القرآن! لا كثر الله صنفهم تعالى ". قال: " ورجل قرأ القرآن، فبدأ بدواء ما يعلم من القرآن، فجعله على داء قلبه، فهملت عيناه، وسهر نومه، وتسربل الحزن، وارتدى الخشوع، فبهم يسقي الله الغيث، وينفي العدو، ويدفع البلاء، فوالله لهذا الضرب من حملة القرآن أقل في الناس من الكبريت الأحمر ". وقد قال الله تعالى فيمن يحفظ الكتب المنزلة من السماء ولا يعلم أحكامها وحلالها وحرامها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
نزلة من السماء ولا يعلم أحكامها وحلالها وحرامها: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾
كانوا يحفظون التوراة ولا يعلمون ما استودع الله تعالى فيها من الحكم والعبر، فوصفهم الله تعالى بأنه ليس عندهم من ذلك إلا أماني، والأماني: التلاوة، واحدها: أمنية؛ قال الناظم: تمنى كتاب الله آخر ليلة ... تمني داود الزبور المنزلا وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ، فشبه تالي القرآن من غير أن يفهمه كمثل الحمار يحمل أسفارا، وفيه وجهان: ١ - قال ابن عباس: " كلفوا العمل بها، فأقروا بها، ثم لم يعملوا بما فيها ". ٢ - والثاني: أن هذا من الحمالة والضمان، لا من الحمل على الظهر؛ يقول: حملوا ما في التوراة، ثم لم يرضوا بها. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ؛ قال الفراء: " الأسفار: الكتب العظام، واحدها سفر، وهو مأخوذ من الإسفار، قال الله العظيم: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ ؛ لأن الكتاب يسفر عما استودعته فيه؛ فكما أن الحمار يحملها ولا
يدري ما فيها، كذلك التوراة والإنجيل إذا دلتهم على نبوة محمد ﷺ، ثم لم يقروا به، ولم يعملوا بما فيها من الدلالة على نبوته؛ لم ينفعهم حفظها. فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا، ثم لا يفهمه، ولا يعمل بما فيه، وفيه قال الناظم: زوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك لا يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر فبئس مثل القوم. وأيضا؛ فقد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ . قال سفيان: " ليس في كتاب الله تعالى آية أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ، وإقامتها: فهمها والعمل بها ".
أشد علي من قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ، وإقامتها: فهمها والعمل بها ".
٥ -[فصل كتابة القرآن] ومن ذلك ما روي في " المستخرجة "؛ قال: " كره مالك أن يكتب القرآن أسداسا وأسباعا في المصاحف، وشدد فيه الكراهية، وعابه ". قال: " قد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه ". قيل لمالك: هل يكتب في السورة عدة آيِهَا؟ فكره ذلك في أمهات المصاحف، وكره أن يشكل أو ينقط. فأما ما يتعلم فيه الصبيان وألواحهم؛ فلا بأس به. قيل لمالك: فما كتب اليوم من المصاحف؛ يكتب على ما أحكم الناس من الهجاء اليوم؟ قال: " لا، ولكن يكتب على الكتابة الأولى ". قال: " وبيان ذلك أن براءة لم يوجد في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فتركت؛ لئلا يوضع شيء في غير موضعه، ويكتب في الألواح في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، سواء بدأ بأول [الـ] سورة أو غيره؛ لأنه لا يجعل إماما ". قيل لمالك: كيف قدمت السور الكبار في التأليف وقد نزل بعضه قبل بعض؟ قال: " أجل! ولكن أراهم إنما ألفوه على ما كانوا يسمعون من قراءة النبي ﷺ ".
قال: " وكره مالك علم الأعشار في المصاحف بالحمرة ونحوه، وقال: يعشر بالحبر ". وقال غيره: أول من أحدث الأعشار والأخماس وكتب أوائل السور بالحمرة الحجاج بن يوسف. ٦ - فصل فيما أحدث من الحوادث والبدع في المساجد فمن ذلك المحاريب: روى عبد الرزاق في: " مصنفه "؛ قال: " جاء الحسن إلى ثابت البناني يزوره، فحانت الصلاة، فقال: تقدم يا أبا سعيد. فقال الحسن: بل أنت تقدم. قال ثابت: والله لا أتقدمك أبدا. فتقدم الحسن واعتزل الطاق أن يصلي فيه ". قال: " وكره الصلاة في طاق الإمام: النخعي، وسفيان الثوري، وإبراهيم التيمي ". قال الضحاك بن مزاحم: " أول شرك كان في أهل الصلاة هذه
المحاريب ". وصلى في طاق الإمام: سعيد بن جبير، ومعمر. وروي أن النبي ﷺ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» . قال ابن عباس: أما والله لتزخرفنها. وروي «أن أبي بن كعب وأبا الدرداء ذرعا المسجد، ثم أتيا النبي ﷺ بالذراع، فقال النبي ﷺ: بل عريش كعريش موسى: ثمام وخشب، فالأمر أعجل من ذلك» . وروى البخاري في " صحيحه " أن عمر أمر ببنيان مسجد، وقال: أكن الناس من المطر، إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس! . وقال أيضا: أليس يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا.
وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. وقال أبو الدرداء: " إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم؛ فالدبار عليكم ". وقال حوشب الطائي: " ما أساءت أمة أعمالها؛ إلا زخرفت مساجدها، ولا هلكت أمة قط؛ إلا من قبل علمائها ". وقال علي: " إن القوم إذا زينوا مساجدهم؛ فسدت أعمالهم ". وأصل الزخرف الذهب، وإنما يعني به تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه؛ إذا موهه وزينه بالباطل. والمعنى في ذلك: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص بالعمل، فصار أمركم إلى المراءاة في
عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص بالعمل، فصار أمركم إلى المراءاة في
المساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها. ومر ابن مسعود على مساجد منقشة بالكوفة، فقال: " من بنى هذا أنفق مال الله في معصيته ". وكان يقول: " سيأتي بعدكم قوم يرفعون الطين ويضعون الدين، ويسمنون البراذين، ويصلون في قبلتكم ". وروى ابن وهب عن مالك، قال: لقد كره الناس يوم بني المسجد حين عمل بالذهب والفسيفساء - يعني: الفصوص - ورأوا أن ذلك مما يشغل الإنسان في صلاته بالنظر إليه ". قال مالك: " وكان الوليد بن عبد الملك بنى المسجد بناء عجيبا ". قال ابن القاسم: " وسمعت مالكا يذكر مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته، فقال: كره الناس ذلك حين فعله؛ لأنه يشغلهم بالنظر إليه. ولما ولي عمر بن عبد العزيز؛ أراد نزعه، فقيل له: إنه لا يخرج منه كبير شيء من الذهب، فتركه ". وروى سعيد بن عفير في " تاريخه ": " أن عمر بن عبد العزيز أمر بمسجد دمشق أن ينزع ما فيه من الفسيفساء ومذهبة، وبيعه، وإدخال ثمنه في بيت المال، فكلمه كبراء أهل دمشق، وأخبروه بما لقي المسلمون في بنائه مع الوليد السنين الطويلة، وحمل فسيفسائه من أرض الروم، فأمر أن تستر عجائبه
ثمنه في بيت المال، فكلمه كبراء أهل دمشق، وأخبروه بما لقي المسلمون في بنائه مع الوليد السنين الطويلة، وحمل فسيفسائه من أرض الروم، فأمر أن تستر عجائبه
بالكرابيس - يعني: ثياب القطن الغلاظ -؛ لئلا يلهي المصلي ". وإنما فعل ذلك حين حاجه الدمشقيون، فقال: " حمل الوليد من ذلك ما تحمل "! ثم بلغ عمر بن عبد العزيز أن بطريقا عظيما وفد من أرض رومية - دمرها الله - فلما نظر إلى مسجد دمشق - وكان قبل ذلك كنيسة -؛ هاله ذلك، وقال: ما كنا نتحدث بتعجيل دولتنا، والله ما رفع هذا البيت لنا ولا لغيرنا من ملوك الأرض وأهل القوة في إقبال الدنيا وعمارتها، ورفع لهم ذلك عند انقطاع من الدنيا وإذن في خرابها، وإن لهم لدولة مدة طويلة. فبلغ مقالته عمر بن عبد العزيز، فقال: " لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا للكفار ". فأمر كاتبه بتخريق رقعة الستور. وسئل مالك عن المساجد: هل يكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ نحو آية الكرسي، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ونحوها؟ فقال: " أكره أن يكتب في قبلة المسجد بشيء من القرآن والتزويق ". ويقول: " إن ذلك يشغل المصلي ". ولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف بالجدران؟ ! وقال أصبغ: " كان في جوار ابن القاسم مسجد بني من الأموال الحرام،
: " إن ذلك يشغل المصلي ". ولقد كره مالك أن يكتب القرآن في القراطيس، فكيف بالجدران؟ ! وقال أصبغ: " كان في جوار ابن القاسم مسجد بني من الأموال الحرام،
فكان لا يصلي فيه، ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهي أحق ما احتيط فيه ". قال محمد بن مسلمة: " ولا يؤتى شيء من المساجد يعتقد فيه الفضل بعد الثلاثة مساجد؛ إلا مسجد قباء ". قال: " ويكره أن يعمد له يوما بعينه يؤتى فيه؛ خوفا من البدعة، وأن يطول الناس الزمان، فيجعل ذلك عيدا يعتمد، أو فريضة تؤخذ، ولا بأس أن يؤتى في كل حين؛ ما لم تجئ فيه بدعة ". قال: " فأما سواه من المساجد؛ فلم أسمع عن أحد أنه أتاها راكبا ولا ماشيا كما أتى قباء، وقد قال عمر: لو كان بأفق من الآفاق؛ لضربنا إليه أكباد الإبل ". قال ابن وهب: " سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له: مسجد الخلوق، ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر، أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين إلى الصلاة فيه؟ فقال: لا والله ". قال وهب بن منبه: " وفيما أوحى الله تعالى إلى أشعياء ﵇: قل لبني إسرائيل يتقربون إلي بذبح الغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويشيدون البيوت، ويزرقون المساجد، وأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وإلى
تزويق المساجد ولست آتيها! إنما أمرت برفعها؛ لأذكر فيها وأسبح ". ٧ - فصل [القصص في المساجد] قال مالك: " وإني لأكره القصص في المساجد ". قال: " وقد قال تميم الداري لعمر بن الخطاب: دعني أدع الله وأقص وأذكر الناس. فقال عمر: لا. فأعاد عليه. فقال: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري؛ فاعرفوني! ". قال مالك: " ولا أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة ". قال: " وليس على الناس أن يستقبلوهم كالخطيب ". قال: " وكان ابن المسيب وغيره يتخلفون والقاص يقص ". قال مالك: " ونهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول: افعلوا كذا وكذا ". قال سالم: " وكان ابن عمر يلفى خارجا من المسجد، فيقول: ما أخرجني إلا صوت قاصكم هذا ". وقال أبو إدريس الخولاني: " لأن أرى في ناحية المسجد نارا تأجج أحب
من أن أرى قاصا يقص ". قال علماؤنا ﵏: لم يقص في زمان النبي ﷺ ولا في زمان أبي بكر وعمر، حتى ظهرت الفتنة، فظهرت القصص. فلما دخل علي المسجد؛ أخرج القصاص من المسجد، وقال: " لا يقص في مسجدنا ". حتى انتهى إلى الحسن، في علوم الأعمال والأحوال، فاستمع إليه، ثم انصرف ولم يخرجه. وجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد، فوجد قاصا يقص، فوجه إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد، فأخرجه. قال مالك بن أنس: «كان رجل من المنافقين يقوم كل جمعة في المسجد، فيحض على طاعة رسول الله ﷺ، فلما كان يوم خيبر؛ انصرف بالناس من قتال العدو، ثم قام بعد ذلك في المسجد، فحض على طاعة رسول الله ﷺ، فأمر به النبي ﷺ، فأخرج من المسجد، فقال: لا أبالي ألا أصلي في حش بني فلان» . قال أبو التياح: " قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء، ويمدون أيديهم! فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء
حش بني فلان» . قال أبو التياح: " قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء، ويمدون أيديهم! فقال الحسن: رفع الصوت بالدعاء
بدعة، ومد الأيدي بالدعاء بدعة، والقصص بدعة ". وقيل لابن سيرين: " لو قصصت على إخوانك؟ فقال: قد قيل: لا يتكلم على الناس إلا أمير أو مأمور أو أحمق، ولست بأمير، ولا مأمور، وأكره أن أكون الثالث ". قال معاوية بن قرة: " قلت للحسن البصري: أعود مريضا أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أو أجلس إلى قاص؟ فقال: شيع جنازتك. قلت استعان بي رجل في حاجة؛ أعينه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب في حاجتك ... حتى جعله خيرا من مجالس الفراغ ". وقال ضمرة: " قلت للثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ قال: ولوا البدع ظهوركم ". وقال أبو معمر: " رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد، وقاص يقص في المسجد، فقيل له: يا أبا الحكم! إن الناس ينظرون إليك. فقال: إني في خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة ". " ولما دخل سليمان بن مهران الأعمش البصرة؛ نظر إلى قاص يقص في
أبا الحكم! إن الناس ينظرون إليك. فقال: إني في خير مما هم فيه، أنا في سنة وهم في بدعة ". " ولما دخل سليمان بن مهران الأعمش البصرة؛ نظر إلى قاص يقص في
المسجد، فقال: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، وحدثنا الأعمش عن أبي وائل ... ". قال: " فتوسط الأعمش الحلقة، ورفع يديه، وجعل ينتف شعر إبطيه! فقال له القاص: يا شيخ! ألا تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟! فقال الأعمش: الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه. قال: كيف ذلك؟ قال: لأني في سنة وأنت في كذب، أنا الأعمش، وما حدثتك مما تقول شيئا! ! فلما سمع الناس ذكر الأعمش؛ انفضوا عن القاص، واجتمعوا حوله، وقالوا: حدثنا يا أبا محمد! ". وقال أحمد بن حنبل: " أكذب الناس القصاص والسؤال، وما أحوج الناس إلى قاص صادق صدوق؛ لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر ". قيل له: أكنت تحضر مجالسهم؟ قال: " لا ". وروي أن عامر بن عبد الله بن قيس المعروف بـ (راهب هذه الأمة) انقطع عن مجلس الحسن البصري، فجاءه الحسن في منزله، فإذا عامر في بيت قد لف رأسه، وليس في البيت إلا رمل، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله! لم نرك منذ أيام؟ فقال له: إني كنت أجلس هذه المجالس، أسمع تخليطا وتغليطا، وإني كنت أسمع مشيختنا فيما روي عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: «إن أصفى»
عبد الله! لم نرك منذ أيام؟ فقال له: إني كنت أجلس هذه المجالس، أسمع تخليطا وتغليطا، وإني كنت أسمع مشيختنا فيما روي عن نبينا ﷺ أنه كان يقول: «إن أصفى»
«الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا، وأكثر الناس ضحكا في الجنة أطولهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا» ، فوجدت البيت أخلى لقلبي، وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها. فقال له الحسن: أما إنه لم يعن مجالسنا هذه، إنما عنى مجالس القصاص في الطرق، والذين يخلطون ويقدمون ويؤخرون. قال ابن القاسم: " وأول قاص كان بالمدينة إنما جعله عمر بن عبد العزيز ولم يكن بها قبل ذلك قاص ". قال مالك: " لم يكن القصاص فيما مضى حتى كان عمر بن عبد العزيز أميرا، فجعل قاصا ورزقه دينارين في الشهر ". وفي كتاب الوضوء من " المدونة ": أن عمر بن عبد العزيز كان له قاص؛ يعني: واعظا يذكره. ٨ - فصل آداب المسجد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ . دلت الآية على أن المساجد إنما رفعت لأعمال الآخرة؛ دون حرث الدنيا واكتسابها.
ولقد كره مالك التابوت الذي جعل في المسجد للصدقات، ورآه من حرث الدنيا. وسئل مالك عن الأكل في المسجد، فقال: " أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق ويسير الطعام؛ فأرجو أن يكون خفيفا، ولو خرج إلى باب المسجد؛ كان أعجب إلي، وأما الكثير؛ فلا يعجبني، ولا في رحابه ". قال مالك: " وأكره المراويح التي في مقدم المسجد، التي يروح بها الناس ". قال مالك: " وما كان يفعل ذلك فيما مضى، ولا أجيز للناس أن يأتوا بالمراويح يتروحون بها ". وقال في الذي يأكل اللحم في المسجد؛ قال: " أليس يخرج يغسل يده؟ ". قالوا: بلى. قال: " فليخرج ليأكل ". قال: " وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد ". وقال: " إنما ذلك لما قيل في ألسنة الأعاجم أنها خب ". قال: " فلا يفعل في المسجد شيء من الخب ". قال: " وهو لمن يحسن العربية أشد خبا ".
قال: " وأكره أن يبني مسجدا ويتخذ فوقه مسكنا يسكن فيه بأهله، ولا يقلم أظفاره في المسجد، ولا يقص فيه شاربه، وإن أخذه في ثوبه، وأكره أن يتسوك في المسجد من أجل ما يخرج من المسواك فيلقيه في المسجد ". قال: " ولا أحب أن يتمضمض في المسجد، وليخرج؛ ليفعل ذلك ". وأما المبيت في المسجد: فجوزه مالك للغرباء دون الرجل الحاضر. وقال ابن القاسم في " العتبية ": " لا بأس به للحاضر الضعيف، دون من له منزل ". وروى ابن حبيب عن ابن وهب: " لا يرقد شاب في المسجد ". قال مالك: " قد كان يبيت في المسجد أهل الصفة وغيرهم؛ لعدم البيوت ". قال ابن عمر: " ما كان لي مبيت ولا مأوى على عهد النبي ﷺ إلا المساجد ". وقد كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة. وفي الحديث: «قيل: يا رسول الله! أتأذن لي في الترهب؟ قال: ترهب.»
ى على عهد النبي ﷺ إلا المساجد ". وقد كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة. وفي الحديث: «قيل: يا رسول الله! أتأذن لي في الترهب؟ قال: ترهب.»
قال ابن حبيب: " لا بأس بالاستلقاء في المسجد للراحة ". قال: " ولا بأس بالقائلة في المسجد والنوم فيه نهارا للحاضر المقيم، ولا بأس بالمبيت فيه للمسافر والمنتاب إلى أن يرتاد مسكنا، ولا ينبغي أن يتخذه مسكنا؛ إلا رجل قد تبتل للعبادة، وتجرد فيه لقيام الليل، فلا بأس أن يكون في دهره إذا كان مرافقه لوضوئه ومعاشه في غير المسجد ". وفي الحديث: " «إن الله تعالى يقول: إني أهم بعذاب عبادي، فأنظر إلى عمار المساجد، وجلساء القرآن، وولدان الإسلام، فيسكن غضبي» ". وروى عباد بن تميم عن عمه: " «أنه رأى النبي ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الأخرى» ". قال ابن المسيب: " وكان عمر وعثمان يفعلان ذلك ". قال: " وسئل مالك عن الرجل يتخذ في المسجد فراشا يجلس عليه، أو وسادة يتكئ عليها؟ قال: ليس ذلك من عمل الناس، ولا أحبه ".
وكان يرخص في الخمرة والنخاع والمصليات، ويقول: " قد كان ذلك يتخذ في مسجدنا ليستوطأ أو يستدفأ به من برد الحصباء في شدة البرد ". والخمرة: حصير من جريد. والنخاع: بسط طوال. قال: " وكانت الأقناء تعلق في المسجد على عهد النبي ﷺ؛ لمكان أضياف النبي ﷺ المساكين؛ يأكلون منه، وأراه حسنا أن يعلق في سائر البلاد التي فيها التمر في المساجد ". وسئل مالك عن الرجل في رمضان يكون في المسجد فيأتيه الطعام؟ فقال: " أما الشيء الخفيف؛ مثل السويق والطعام اليسير؛ فأرجو أن يكون خفيفا، وأما الطعام؛ مثل اللحم والألوان؛ فلا يعجبني ". فقيل له: فرحاب المسجد؟ قال: " رحاب المسجد من المسجد ". وكره أكل الطعام في المسجد، قيل له: فإن بعض الأئمة يعشون الناس في المسجد. قال: " ليس بإمام الذي يطعم الناس في المسجد ".
ل: " رحاب المسجد من المسجد ". وكره أكل الطعام في المسجد، قيل له: فإن بعض الأئمة يعشون الناس في المسجد. قال: " ليس بإمام الذي يطعم الناس في المسجد ".
قال أشهب: " وسئل مالك عن قوم يفطرون في رمضان على الكعك والتمر المنزوع نواه والزبيب؟ قال: ما يعجبني، كيف يصنعون بأذاه وبالمضمضة؟ قيل: يؤتى به في منديل وليس به أذى، ويخرجون من المسجد فيتمضمضون. قال: إن كان هذا؛ فأرجو أن يكون خفيفا ". وروى ابن وهب عن مالك: " ولو خرج إلى باب المسجد، فأكل وشرب هناك؛ كان أحب إلي ". وقال ابن عبد الحكم: " سمعت مالكا يسأل عن الماء الذي يسقى في المسجد، أترى أن نشرب منه؟ قال: نعم؛ وإنما جعل للعطشان، ولم يرد به أهل المسكنة، فلم يترك شربه؟ ولم يزل هذا من أمر الناس بهذا المكان وغيره ". قال ابن حبيب: " رأيت القرب بالماء العذب معلقة في مسجد الرسول ﷺ على الحصباء وتحتها أقداح نضار، فمن أحب شرب الماء في المسجد ". قال ابن القاسم: " رأيت مالكا يشرب في المسجد ". قال ابن حبيب: " وقد فعله ابن الزبير في المسجد الحرام، ورأيت ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة يشربون الماء في المسجد ". وكره مالك قتل القمل ودفنها في المسجد، ولا يطرحها من ثوبه في المسجد، ولا يقتلها بين النعلين في المسجد. وقال مالك في المعتكف: " لا يدخل إليه حجام؛ ليأخذ من شعره وأظفاره ".
قال ابن القاسم: " إنما كرهه لحرمة المسجد ". وروى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك: " أنه نهى عن قتل القمل والبراغيث في المسجد، ولا يدفنها فيه ". قال ابن حبيب: " أخبرني مطرف أن البرغوث كان أخف عند مالك من القمل، وليصرها حتى يلقيها خارجا ". «ورأى النبي ﷺ في جدار مخاطا أو بصاقا أو نخامة في القبلة، فحكه» . وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» . قال مالك: " لا أرى أن يبصق على حصير المسجد ويدلكه برجله، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير، وإن كان المسجد محصبا؛ فلا بأس أن يحفر الحصباء ويبصق فيه ويدفنه ". قال ابن القاسم: " إن لم يكن المسجد محصبا، لا يقدر على دفن البصاق فيه؛ فلا يبصق فيه ". وسئل مالك عن التنخم في النعلين، فقال: " إن كان لا يصل التنخم تحت الحصير؛ فلا بأس، وإن كان يصل؛ فلا يتنخم في نعليه ". قال محمد بن مسلمة: " لم يزل الناس يتنخمون في المسجد ويبصقون فيه منذ كان، قبل أن يحصب وبعدما حصب، وأخبرني مالك أن أول من حصبه عمر بن الخطاب، وإن الناس كانوا يبصقون قبل أن يحصب عن يسارهم ".
ون في المسجد ويبصقون فيه منذ كان، قبل أن يحصب وبعدما حصب، وأخبرني مالك أن أول من حصبه عمر بن الخطاب، وإن الناس كانوا يبصقون قبل أن يحصب عن يسارهم ".
قال: " فكان مالك يفتي به في المساجد التي ليست محصبة ". وسئل مالك عن السؤال الذين يسألون في المساجد ويلحون في المسألة؟ قال: " أرى أن ينهوا عن ذلك ". وقال غيره: يحرم الصدقة. وروى مالك في " موطئه ": أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه من يبيع في المساجد؛ دعاه، فسأله: ما معك؟ وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد بيع ما عنده؛ قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذه سوق الآخرة. قال القاضي أبو الوليد: العمل في المسجد على ضربين: قربة وغير قربة: فالقرب: مثل الصلاة، والتلاوة، والذكر، ويدخل فيه درس العلم والمناظرة فيه. وما ليس بقرب؛ فعلى ضربين: أفعال، وأقوال: فأما الأفعال؛ فكالبيع، والشراء، والأكل، وعمل الصنائع، ونحوه. فأما البيع: فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة ": " لا بأس أن يقضى الرجل في المسجد ذهبا، فأما ما كان بمعنى التجارة والصرف؛ فلا أحبه ". وإنما أراد بالقضاء المعتاد الذي فيه يسير العمل، وقليل العين، وأما لو كان قضاء المال جسيما، يحتاج إلى المؤنة والوزن والانتقاد، ويكثر فيه العمل؛ فإنه مكروه.
وقال مالك في " المبسوط ": " لا أحب لأحد أن يظهر سلعة في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلا ثوبا عليه، أو سلعة تقدمت رؤيته لها ومعرفته بها؛ فيواجبه البيع فيها؛ فلا بأس به ". وقال محمد بن مسلمة: " لا ينبغي لأحد أن يبيع في المسجد ولا يشتري شيئا حاضرا ولا غائبا: أما الحاضر؛ فإن المسجد ليس بموضع للسلع، ولو جاز ذلك؛ صار المسجد سوقا. وأما ما ليس بحاضر؛ كالدور والأصول وبيع الصفة وأشباه ذلك؛ فلما فيه من اللغط واللغو، وعلى هذا القول دل قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية ". وقد كره غيره أن يشتري الرجل في المسجد القربة من الماء؛ ليسيلها، وقال: يخرج إلى الباب، ويشتريها هنالك، ثم يسيلها. وفي الحديث: " «لا تقوم الساعة حتى يتبايع الناس في المساجد» ".
ل في المسجد القربة من الماء؛ ليسيلها، وقال: يخرج إلى الباب، ويشتريها هنالك، ثم يسيلها. وفي الحديث: " «لا تقوم الساعة حتى يتبايع الناس في المساجد» ".
وروى البخاري «أن النبي ﷺ سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فقال: أيها الناشد! غيرك الواجد» . وروى مسلم في " صحيحه " «أن رسول الله ﷺ سمع رجلا ينشد ناقته في المسجد، فقال: لا جمعها الله عليك! إن المساجد لم تبن لهذا» . قال مالك في " المبسوط ": " ولو لم يرفع بذلك صوته؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه من جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع ". وأما الكتابة في المساجد: فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة " في ذكر الحق يكتب في المسجد؛ قال: " أما الشيء الخفيف؛ فنعم، وأما الشيء يطول؛ فلا أحبه ". ويجري على أصل محمد بن مسلمة أن لا يكتب فيه اليسير ولا الكثير ". قال القاضي أبو الوليد: " ولم أر شيئا في كتب المصاحف في المساجد ".
قال: " فأما الرجل المتوقي الذي يصون المساجد ويكتب المصاحف؛ ظاهره الجواز ". وأما تعليم الصبيان في المساجد: فكرهه سحنون، ويتفرع في تعليله وجهان: أحدهما: قلة توقيهم للنجاسة. والثاني: أنه صنعه وتكسب. قال القاضي أبو الوليد: " فيلزم على هذا التعليل منع كتابة المصاحف فيه ". قال ابن حبيب: " ويكره دخول الصبيان المسجد وتعليمهم فيه؛ إلا أن يدخل الصبي للصلاة ثم يخرج ". وقال غيره: في تعليمهم فيه بالأجر تكسب، وهي إجازة من جنس التجارة، وقد نهي عنه، ويجوز أن يؤتى بالصبي إلى المسجد إذا كان قد علم الأدب، ولم يعبث لصغره، ثم يخرج. وأما الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة التي لا تتعلق بالقرب: فقد قال سحنون: " لا يجلس فيه للخياطة ". ويلزم أن تكون سائر الأعمال التي في معنى الخياطة على ذلك.
٩ - فصل في البطحاء روى مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء، وقال: " من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة ". واعلموا أنه لما رأى عمر جلوس الناس في المسجد، وحديثهم فيه، وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط - وهو المختلط من القول وارتفاع الأصوات - وربما تناشدوا شعرا واتسع الخوض في أخبار الدنيا: بنى البطحاء مرتفعة نحو الذراع وحصرها بجدار قصير، وبسطها بالحصباء ملاصقة المسجد، ليخلص المسجد لذكر الله تعالى. قال السائب: كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال لي: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟ ! إن مسجدنا هذا لا نرفع فيه الأصوات.
وقال ابن القاسم في " المبسوط ": " رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد ". وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين: إحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا؛ لأنه مما أمر بتعظيمه وتوقيره. والثانية: أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فكان يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولا. قال مالك في " العتبية ": " وقد كان عمر بن الخطاب يجلس في المسجد ويجلس إليه رجال، فيحدثهم عن الأجناد، ويحدثونه بالأحاديث ". وفي لفظ آخر: " ويحدثونه عن أحاديث النبي ﷺ ". فيقتضي هذا أن الحديث على وجه لا لغط فيه ولا رفع صوت، والأمر الخفيف من ذلك إذا لم يطل؛ أنه لا بأس به، لا سيما في مثل أخبار الأجناد والسرايا. وقد روي أن مسجدا من المساجد ارتفع إلى السماء شاكيا من أهله يتكلمون فيه بكلام الدنيا، فاستقبلته الملائكة، فقالوا: " بعثنا بهلاكهم ". وروي أن الملائكة يشكون إلى الله تعالى من نتن فم المغتابين والقائلين في المساجد بكلام الدنيا. وروي أن المسيح ﵇ مر على قوم يتنازعون في المسجد،
اكهم ". وروي أن الملائكة يشكون إلى الله تعالى من نتن فم المغتابين والقائلين في المساجد بكلام الدنيا. وروي أن المسيح ﵇ مر على قوم يتنازعون في المسجد،
فجعل يضربهم ويقول: " يا بني الأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقا، إنما هذا سوق الآخرة ". وجوز مالك التعزير في المسجد بالأسواط اليسيرة دون ما كثر من الضرب والحدود. ١٠ - فصل في اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة قال ابن وهب: " سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة؛ يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى لللناس إلى غروب الشمس؟ فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه ". قال ابن وهب: " وسمعت مالكا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء؟ فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع ". قال مالك في " العتبية ": " وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء؛ فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة؛ رجع فصلى في المسجد ". وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر، فقال " يا أيها الناس!
رجع فصلى في المسجد ". وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر، فقال " يا أيها الناس!
إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة، أدركت الناس لا يصنعون هذا ". قال مالك بن أنس: " ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم ". قال: " وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته ". قال الحارث بن مسكين: " كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب ". وقال إبراهيم النخعي: " الاجتماع يوم عرفة أمر محدث ". وقال عطاء الخراساني: " إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك؛ فافعل ". وكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة. فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن
يدخل في الدين ما ليس منه. وقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة! وكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام! ! وروى المالكي في كتاب " رياض النفوس ": " أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يغير في القيروان على موضع ناس حاكة، فإذا كانت أيام العشر؛ يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فنهاهم، فلم ينتهوا، ثم نهاهم، فلم ينتهوا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". قال: " فدعا الله عليهم، فانقرضوا، وخربت ديارهم برهة من الزمان ". ١١ - فصل في منتصف شعبان قال الله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ .
اعلموا - رحمكم الله - أن لأهل العلم في هذه الليلة قولين: فقال بعضهم: هي ليلة النصف من شعبان. واستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها؛ فإن الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ ... حتى يطلع الفجر» . وهذا مذهب عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: " هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد ". وروى عثمان بن المغيرة؛ قال: قال النبي ﷺ: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في الموتى» .
وقال قتادة، وابن زيد، ومجاهد، والحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأكثر علماء العراق: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على نبيه في الليالي والأيام. قالوا: فيبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كل أجل وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة. قال سعيد بن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد، ولا ينقص ". وقال هلال بن يساف: " انتظروا القضاء في شهر رمضان ". وعلى هذا القول علماء المسلمين. وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: " ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها ". وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: " لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته ".
ها فضلا على ما سواها ". وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: " لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته ".
وكان زياد قاصا. والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ . وهذه الكناية كناية عن غير مذكور؛ إلا أنه قد جرى في قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ... ؛ نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله جبريل ﵇ على النبي محمد ﷺ نجوما. وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. ألا تراه سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من خصائص ليلة القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة؟ والاشتقاق يقتضيه أيضا؛ لأنه مأخوذ من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها. وقيل: ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري. وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول. وقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها. وهذه المعاني هي تحقيق البركة، فأما مجرد فصل القضاء، وفرق كل أمر حكيم؛ فهو عمل الله تعالى. فبان بهذا أن قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ؛ إنما أراد به ليلة القدر. وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ؛ أي يفصل ويبرم، هو المعنى الذي ذكرناه في معنى القدر. وأخبرني أبو محمد المقدسي؛ قال: " لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في أول سنة (٤٤٨) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في
ا حدثت عندنا في أول سنة (٤٤٨) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في
المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة! ! ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد. وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا "! فقلت له: فأنا رأيت تصليها في جماعة؟ قال: " نعم؛ وأستغفر الله منها "! قال: " وأما صلاة رجب؛ فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربع مائة، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك ". ١٢ -[فصل مسجد مكة] وروى الأزرقي في " كتاب مكة " بإسناده عن عثمان الأسود؛ قال: " كنت مع مجاهد، فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل! إن هذا لفعل اليهود ". وروى أيضا بإسناده عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ؛ قال: " إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يأمروا بمسحه، ولقد
تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح ". ١٣ - فصل في رجب نذكر أولا الأشهر الحرم وخصائصها وصيامها وقيامها، وهل أحكامها منسوخة أم لا؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ، وهن: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. ومعنى حُرُمٌ: تعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما تعظم في غيرها. وكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه؛ لم يهجه، وكانوا يسمون رجبا: (منصل الأسنة) ؛ ينزعون فيه الأسنة من الرماح؛ توقيا للقتال. وأصل هذا اللفظ من (الحرام) ، و (الحرام) : المحظور بعض أحواله، فالأم حرام؛ لحظر نكاحها، والخمر حرام؛ لحظر شرابها والاتخاذ لها والمعاملة بها، والمسجد الحرام؛ لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله بما يبتذل به غيره.
وأما قوله تعالى في أول (براءة) : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ . . .؛ ففيه قولان: أحدهما: أن المراد بها هذه بعينها. والثاني: أن المراد بها الأربعة التي جعل الله لهم أن يسيحوا فيها آمنين، وهو قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم، وصفر، وربيع، وعشر من ربيع الآخر. قاله الحسن. فأما قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فقال ابن عباس: " الضمير عائد على الشهور كلها ". وقال قتادة: " بل هو عائد على الأربعة الحرم؛ لعظم أمرها ". فإن قيل: لم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟ قلنا: أفعال القديم عندنا لا تعلل؛ لأنه تعالى لا يفعل لغرض وعلة، ومن لا يفعل لغرض وعلة؛ لا يجوز أن يقال فيه: لم فعل؟ ولم لم يفعل؟ وأصحاب اللطف يجيبون عن ذلك؛ لما في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها؛ لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسا؛ لانطفاء النائرة في تلك المدة، وانكشاف الحمية، ولأن
ك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها؛ لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسا؛ لانطفاء النائرة في تلك المدة، وانكشاف الحمية، ولأن
الأشياء تجر إلى أشكالها، وتباعد من أضدادها. وإنما سمي رجب [بذلك] ؛ لأنهم كانوا يرجبونه؛ أي: يعظمونه؛ يقال: رجَّبْته ورجَبْته؛ بالتشديد والتخفيف؛ أي: عظمته. قال الكميت: ولا غيرهم أبقى لنفسي جنة ... ولا غيرهم ممن أجل وأرجب وقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه؛ من قولهم: رجل أرجب؛ إذا كان أقطع لا يمكنه العمل. وفي الحديث: «إن في الجنة نهرا؛ يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب؛ شرب منه» .
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ قال ابن عباس: " باستحلال القتل والغارة في جميع شهور السنة ". وقيل في التفسير: " ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ في الأشهر الحرم؛ بالعمل بمعصية الله تعالى، وترك طاعته ". وقال محمد بن إسحاق بن يسار: " لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا؛ كما فعل أهل الشرك، وهي النسيء ". قال قتادة: " إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والظلم والذنب فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما شاء، ويصطفي من خلقه من شاء ". واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: فقال قتادة وعطاء الخرساني: " كان القتال كبيرة من الكبائر في الأشهر الحرم، ثم نسخ وأحل القتال فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ؛ يقول: فيهن وفي غيرهن ". وقال الزهري: " كان النبي ﷺ يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله تعالى من تحريم ذلك، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . . .، فأحل قتال
غيرهن ". وقال الزهري: " كان النبي ﷺ يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله تعالى من تحريم ذلك، حتى نزلت ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . . .، فأحل قتال
المشركين ". قال محمد بن إسحاق: " فسألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام؟ فقال: هذا منسوخ، ولا بأس فيه وفي غيره؛ لأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وفي بعض ذي القعدة ". وهذا واضح في استحلاله ونسخه. وقيل: إنه غير منسوخ. قال ابن جريج: " حلف عطاء بن أبي رباح بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في المحرم، ولا في الأشهر الحرم؛ إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت ". قال ابن حبان: " نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة ".
- فأما فضل صيامها: فروى أبو داود «أن النبي ﷺ قال لرجل قد غيره طول الصيام: لمَ عذَّبت نفسك؟ صم شهر الصبر، ويوما من كل شهر. قال: زدني؛ فإني فيَّ قوة.»
«قال: صم يومين. قال زدني؛ فإن في قوة. قال: صم ثلاثة أيام. قال: زدني؛ فإن في قوة. قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك» . انظر في السند؛ فإنه يرويه عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سعيد الجُريري عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها عن النبي ﷺ! وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل» . قال عثمان بن حكيم: " سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، ويفطر حتى نقول: إنه لا يصوم» . وروى مالك والبخاري ومسلم عن عائشة «أن النبي ﷺ ما كان يخص شهرا من السنة بصوم» . وروى ابن وضاح أن عمر بن الخطاب كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجبا كله.
قال أبو محمد بن أبي زيد: " وكره ابن عباس صيام رجب كله؛ خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض ". وروي أن ابن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه أهل الجاهلية. وعن ابن عباس: " لا تتخذوا رجبا عيدا؛ إذا أفطرتم قضيتموه ". وعن أبي بكر أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب، فقال: " ما هذا؟ قالوا: رجب؛ نصومه. فقال: أجعلتم رجبا كرمضان؟ ! ". وقد ورى ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب» . والله أعلم بصحة هذا الخبر؛ لأنه ليس على شرط الصحة. وروى الفاكهي في " كتاب مكة " بإسناده عن خرشة بن الحر؛ قال: " رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أيدي أو أكف الناس في رجب
ة هذا الخبر؛ لأنه ليس على شرط الصحة. وروى الفاكهي في " كتاب مكة " بإسناده عن خرشة بن الحر؛ قال: " رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أيدي أو أكف الناس في رجب
إذا رفعوها حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا؛ فإن رجبا كان أهل الجاهلية يعظمونه ". وروى أيضا بإسناده عن ابن عباس؛ قال: لا تتخذوا رجبا عيدا ترونه حتما مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم. دلت هذه الآثار على أن الذي في أيدي الناس من تعظيمه إنما هي غبرات من بقايا عقود الجاهلية. وروى مسلم في " صحيحه ": " أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر: بلغني أنك تحرم صوم رجب! فقال لها ابن عمر: فكيف بمن يصوم الأبد؟ ! ". وقديما حرف العامي على الخاص: هذا ابن عمر كان يكره صوم رجب كله؛ إما حذرا أن يعتقد الجاهل أنه مفروض، وإما حذرا أن يعتقده سنة ثابتة موقتة، فقال الناس: حرم ابن عمر صيام رجب. وهذا التحريف ديدن الناس اليوم. والله المستعان! وفي الجملة: أنه يكره صومه على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام؛ حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة - مع ظهور صيامه - أنه فرض كرمضان. أو: أنه سنة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة.
المسلمون بالصوم في كل عام؛ حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة - مع ظهور صيامه - أنه فرض كرمضان. أو: أنه سنة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة.
أو: أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور، جار مجرى صوم عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض، ولو كان من باب الفضائل؛ لسنه ﵇ أو فعله ولو مرة في العمر؛ كما فعل في صوم عاشوراء، وفي الثلث الغابر من الليل، ولما لم يفعل؛ بطل كونه مخصوصا بالفضيلة، ولا هو فرض ولا سنة باتفاق، فلم يبق لتخصيصه بالصيام وجه، فكره صيامه والدوام عليه؛ حذرا من أن يلحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام. فإن أحب امرؤ أن يصومه علي وجه تؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعد فرضا أو سنة؛ فلا بأس بذلك. ١٤ - فصل في جوامع من البدع روى محمد بن وضاح؛ قال " كان نافع يكره الضج مع الإمام حين يقرأ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ، ونحوه، وكرهه سفيان ". وقال المعرور بن سويد: " خرجنا حجاجا مع عمر بن الخطاب، فلقينا مسجدا، فجعل الناس يصلون فيه، فقال عمر: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم باتباع مثل هذا حتى اتخذوها بيعا، فمن عرضت له فيها صلاة؛ فليصل، ومن تعرض له صلاة؛ فليمض ".
وروى مالك: " أن عمر بن الخطاب ضرب المنكدر على صلاة بعد العصر ". ورواه غيره: " فقيل له: أعلى الصلاة؟ قال: " على خلاف السنة ". وقال ابن عباس: «قال لي النبي ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: هات القط! . فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف، فقال: مثل هذا - ثلاث مرات - وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» . وقال مالك في " المدونة ": " بلغني أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانو يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة؛ كما تركت اليهود والنصارى في
كم بالغلو في الدين» . وقال مالك في " المدونة ": " بلغني أن بعض أصحاب النبي ﷺ كانو يكرهون أن يترك الرجل العمل يوم الجمعة؛ كما تركت اليهود والنصارى في
السبت والأحد ". وروى أستاذنا القاضي أبو الوليد في " المنتقى " أن ابن عمر حضر جنازة، فقال: " لتسرعن بها وإلا رجعت! ". انظروا - رحمكم الله - لما ترك الإسراع - وهو سنة -؛ هم ابن عمر بالانصراف، ولم ير أن قيراطين من الأجر بقيا بترك سنة من سنن النبي ﷺ! وسئل مالك: هل يقول عند أضحيته: اللهم منك وإليك؟ فقال: " لا، وهذة بدعة ". قال مالك بن أنس: " وليس أيضا هذا موضع الصلاة على النبي ﷺ ". قال مالك بن أنس: " وقول الناس: يبدأ بيمين النعش؛ هذه بدعة ". وقال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب: «ما أخوف ما تخاف على أمة محمد ﷺ؟ قال: أئمة مضلين. قال: صدقت، قد أسر إليَّ ذلك رسول الله ﷺ» .
وقال سهل بن عبد الله: " آخر عقوبة يعاقب بها ضلال هذه الأمة: كفر النعم، واستحسان المساوئ ". وقال مالك ﵀: " دخلت يوما على ابن هرمز، فذكر شرائع الإسلام، وما انتقض منه، وما يخاف من ضيعته ... وإن دموعه لتسيل على لحيته ". قال مالك: " وأخبرني من دخل على ربيعة، فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أدخلت عليك مصيبة؟ قال: لا، ولكن استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم ". وقال يسار أبو الحكم: " خرج رهط من القراء؛ منهم معضد، وعمر بن عتبة، حتى بنوا مسجدا بالنخيلة قريبا من الكوفة، فوضعوا جرارا من ماء، وجمعوا أكواما من الحصباء للتسبيح، ثم أقاموا في مسجدهم يتعبدون، وتركوا الناس، فخرج إليهم ابن مسعود، فقالوا: مرحبا بأبي عبد الرحمن! انزل. فقال: والله ما أنا بنازل حتى يهدم مسجد الخبال هذا. فهدموه، ثم قال لهم: والله إنكم لتمسكون بذنب ضلالة، أو أنتم أهدى ممن كان قبلكم؟ أرأيتم لو أن الناس كلهم صنعوا ما صنعتم؛ من كان يجمعهم لصلاتهم في مساجدهم، ولعيادة مرضاهم، ولدفن موتاهم؟ ! فردهم إلى الناس ". وقال ابن مسعود: " إن منكر اليوم لمعروف قوم ما جاؤوا بعد، وإن معروف اليوم لمنكر ما جاؤوا بعد ".
وقال حسان بن عطية: " ما من قوم يحدثون في دينهم بدعة؛ إلا نزع الله من دينهم من السنة مثلها، ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة ". وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى الإماء عن لبس الإزار؛ يقول: " لا تتشبهن بالحرائر ". وقال لابنه عبد الله: " ألم أخبر أن جاريتك لبست الإزرار؟ لو رأيتها؛ لأوجعتها ضربا ". ومعلوم أن هذه سترة، ولكن فهموا أن مقصود الشرع المحافظة على حدوده، وأن لا يظن الناس أن الحرة والأمة في الستر سواء، فتموت سنة وتَحْيَى بدعة. وقال الحسن: " حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه أو دنياه ".
، وأن لا يظن الناس أن الحرة والأمة في الستر سواء، فتموت سنة وتَحْيَى بدعة. وقال الحسن: " حسب المرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه أو دنياه ".
فقيل: يا أبا سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع. قال: " يقولون ماذا؟ ". قال: يقولون: هذا الحسن رجل صالح. فقال: " الحمد لله الذي ستر القبيح وأظهر الجميل؛ إنما أريد بذلك البدع في الدين والفسوق في الدنيا ". فأخبر أن الشهرة ليست في الأصلح. قال عوف بن مالك الأشجعي: «نظر رسول الله ﷺ إلى السماء، فقال: هذا أوان يرفع العلم. فقال له رجل: يا رسول الله! كيف يرفع العلم وقد أثبت في الكتب، ووعته القلوب؟ فقال: إن كنت لأحسبك أفقه أهل المدينة. ثم ذكر اليهود والنصارى وضلالتهم على ما في أيديهم من كتاب الله تعالى» . قال عوف: " ألا أخبركم بأول ذلك؟ يرفع الخشوع حتى لا يرى خاشع ".
ومعنى قوله ﷺ: «هذا أوان يرفع العلم» ؛ أى: قد قرب. وروى محمد بن وضاح: " أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليهم ". قال: " وكان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء وأحدا. ودخل سفيان بيت المقدس، وصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضا ممن يقتدى به ". قال محمد بن وضاح: " فكم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى، وكم من متحبب إلى الله بما يبغضه الله عليه، ومتقرب إلى الله بما يبعده منه، وكل بدعة زينة وبهجة ". وسئل سفيان الثوري عمن يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ؛ لا يقرأ غيرها، فكرهه، وقال: " إنما أنزل القرآن ليقرأ، ولا يخص شيء دون شيء، وإنما أنتم متبعون، ولم يبلغنا عنهم مثل هذا ".
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ؛ لا يقرأ غيرها، فكرهه، وقال: " إنما أنزل القرآن ليقرأ، ولا يخص شيء دون شيء، وإنما أنتم متبعون، ولم يبلغنا عنهم مثل هذا ".
وسئل مالك بن أنس عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة مرارا؟ فكرهه، وقال: " هذا من محدثات الأمور ". وقال الأوزاعي: " بلغني أن من ابتدع بدعة؛ خلاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء؛ لكي يصطاد به ". وقال بعض الصحابة: أشد الناس عبادة مفتون. واحتج بقول النبي ﷺ في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته، وصيامه في صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّميَّةِ» . وقال حذيفة: " كل عبادة لم يتعبدها أصحاب النبي ﷺ؛ فلا تتعبدها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا يا معشر القراء! وخذوا بطريق من كان قبلكم ". وقال مجاهد: " كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة ". ومعنى التثويب: هؤلاء الذين يقومون على أبواب المساجد، فينادون: الصلاة، الصلاة. وقال علي: " كان للمجوس كتاب كانوا يدرسونه، فوقع ملكهم على
أخته، فأرادوا إقامة الحد عليه، فامتنع، وقال: لا أعلم دينا خيرا من دين آدم، وإنه زوج ابنه من ابنته، ولا أرغب بكم عن دينه. ثم أمر أهله، فقاتلوا القوم، فأسري بكتابهم، ورفع العلم من صدروهم ". وكان يجلس إلى سفيان الثوري فتى كثير التفكر، طويل الإطراق، فأراد سفيان أن يحركه؛ ليسمع كلامه، فقال: " يا فتى! إن من كان قبلنا مروا على خيل عتاق، وبقينا على حمر دبرة ". فقال: " يا أبا عبد الله! إن كنا على الطريق؛ فما أسرع لحوقنا بهم! ". قال مالك: " ولم تكن القراءة في المصحف في المسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج ". قال: " وأكره أن يقرأ في المصحف ".
- ومن البدع اجتماع الناس بأرض الأندلس على ابتياع الحلوى ليلة سبع وعشرين من رمضان. وكذلك على إقامة (ينير) بابتياع الفواكه؛ كالعجم، وإقامة
العنصرة، وخميس إبريل؛ بشراء المجبنات والإسفنج، وهي من الأطعمة المبتدعة، وخروج الرجال جميعا أو أشتاتا مع النساء مختلطين للتفرج. وكذلك يفعلون في أيام العيد، ويخرجون للمصلى، ويقمن فيه الخيم للتفرج لا للصلاة. ودخول الحمام للنساء مع الكتابيات بغير مئزر، والمسلمين مع الكفار
في الحمام والحمام من البدع، ومن النعيم. ورجع الناس ينافسون في الضحية؛ للافتخار لا للسنة، ولا لطلب الأجر، بل لإقامة الدنيا.
- ومن البدع قراءة القارئ يوم الجمعة عشرا من القرآن عند خروج السلطان. وكذلك الدعاء بعد الصلاة. وقراءة الحزب في جماعة. وقراءة سورة الكهف بعد العصر في المسجد في جماعة. وكذلك قول من يقول عند قيام الإمام في المحراب قبل تكبيرة الإحرام: اللهم أقمها وأدمها ما دامت السماوات والأرض!
وهذا دعاء المحال؛ لأن ما بقي لقيام الساعة أقل مما مضى؛ بدليل قوله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وقرن السبابة والوسطى.
- ومن البدع: اتخاذ الألوان، والأكل على الخوان. واستعمال الطيب في آنية الفضة - ويرجع من الوليمة عند رؤية آنية الفضة -.
- ومن البدع: الإنذار للعروس وللجنازة؛ للمباهاة، والتفاخر لكثرة الناس. وكذلك الإنشاد ورفع الصوت عند حمل الجنازة.
- ومن البدع: السؤال في المسجد، والكلام، ولا سيما والإمام
يخطب للجمعة. وكذلك الإنذار للصلاة قبل الإمام وبعده. وعمل التوابيت للموتى. وحفر القبر دون لحد. وكذلك الاجتماع لغير ذكر الله في المسجد. وكذلك تقديم اللحم على الفاكهة، والله تعالى يقول: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، - والأولى استعمال أدب القرآن، وتقديم ما قدم الله، وتأخير ما أخر الله -. وأكل اللحم من غير نهش.



