— Bagian 3 · يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُون… —
Bagian 3
يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ، - والأولى استعمال أدب القرآن، وتقديم ما قدم الله، وتأخير ما أخر الله -. وأكل اللحم من غير نهش.
وشرب الماء غير مص. واستعمال السواك غير عرض. والأكل بأزيد من ثلاثة أصابع مكروه. قال: وأرى أن يقاموا من المسجد إذا اجتمعوا فيه للقراءة في يوم الخميس أو غيره. قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " ولا تكتب المصاحف بالذهب، ولا تعشر به، ولا تزوق ". قال: " ومن قرأ منكوسا أدب، والذى يقرأ السورة من آخرها إلى أولها يؤدب ". قال أبو وائل: " جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إن رجلا يقرأ القرآن منكوسا. فقال: ذلك منكوس القلب ".
قال: " ولا يتخذ على القبور مساجد، ويكره أن يبنى على القبور بالحجارة ". قال ابن شعبان: " معناه البلاطة التي ينقش فيها عند رأس الميت ". واعلم أنه روى البخارى: «أن النبي ﷺ جعل حجرا عند قبر عثمان بن مظعون، وقال: أتَعَلَّمُ بهِ قبرَ أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» . وهذا دليل على استحسان جعل الأحجار على القبور علامة، وحمل قول مالك على ظاهره، وأن لا تبنى القبور بالحجارة؛ لأنه قد ثبت «أن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» . رواه أبو داود في " السنن ". ولا يتمسح بقبر النبي ﷺ، ولا يمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيسلم على النبي ﷺ، ثم يدعو مستقبلا القبلة؛ يوليه ظهره - وقيل:
داود في " السنن ". ولا يتمسح بقبر النبي ﷺ، ولا يمسح كذلك المنبر، ولكن يدنو من المنبر، فيسلم على النبي ﷺ، ثم يدعو مستقبلا القبلة؛ يوليه ظهره - وقيل:
لا يوليه ظهره - ويصلي ركعتين قبل السلام عليه. وقيل: واسع أن يسلم عليه قبل أن يركع. قال: " ويكره السجع في الدعاء وغيره، وليس من كلام الماضين ". وروى ابن وهب عن عروة بن الزبير أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه؛ قال: " كذبوا، لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين ". وروى البخاري في " صحيحه " أن ابن عباس قال لعبيد بن عمير: " اقصص يوما ودع يوما، ولا تمل الناس، وإياك والسجع في الدعاء؛ فإن النبي ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك "؛ أي: ترك السجع. قال مالك: " ويقول الداعي في دعائه: اللهم يا رحمن! يا رحيم! ... أحب إلينا من قوله - كما جاء في القرآن -: اللهم ... فقط ". قال: " ولا يؤذن بالجنائز على أبواب المساجد ". قال: " ولا بأس أن يمشي في الخلق يذكر ذلك في خفية ". قال: " ولا يصاح عليها في الطريق ". قال: " ولا يعزى المسلم بقريبه الكافر؛ لقول الله تعالى:
﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: " ولا أعرف رش القبور بالماء حين يفرغ من دفن الميت ". قال: " ولا بأس أن ينزل في القبر بخفيه ونعليه ". قلت: وإن الناس ليقبلون القصة اليوم. وقال غير مالك - وهو الشافعي -: " من بنى مسجدا في طريق واسع بغير إذن الإمام؛ فإن كان لخاصة نفسه؛ لم يجز، وإن كان لجماعة المسلمين، فصدمه إنسان، فمات؛ ففي وجوب الضمان عليه قولان. وكذلك لو حفر بئرا في طريق المسلمين لمنفعة جميعهم؛ مثل أن يحفر بئرا لماء المطر أو نحوه. وكذلك إذا سقف مسجدا فوقع على إنسان، أو فرش حصيرا في المسجد فعثر فيه إنسان، أو وضع فيه جذعا أو رفا، فوقع على إنسان، فإن كان بإذن الإمام؛ فلا ضمان عليه، وإن كان بغير إذنه؛ ففي الضمان قولان ". قال أصحاب الشافعي: " إذا بالت دابة في الطريق، فزلق فيه إنسان، وسقط، ومات؛ وجبت ديته على عاقلة من يده على الدابة؛ سواء كان راكبها،
أو قائدها، أو ساقيها. وكذلك إذا رش ماء في الطريق ليزيل شعثه، فزلق به إنسان، أو طرح فيه قشور بطيخ أو غيره، فزلق به إنسان؛ فإن الدية على عاقلته ". ١٥ - فصل من لطيف الكلام في هذا الباب هل الأفضل أن تتحرى النوافل من المواضع التي كان يتحراها رسول الله ﷺ أم لا؟ قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " فأما موضع النافلة في مسجد النبي ﷺ؛ فالأفضل موضع مصلاه ". وقد قيل: إنه أبى أن يحد لموضع منه في النافلة استحباب. ١٦ - شرح وهذان قولان في تعيين محل الفعل: أحدهما: لا يتعين للفضيلة، وإليه صار عمر بن الخطاب، فروى المعرور بن سويد؛ قال: " صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، فقرأ فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ . . .، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فهم يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة
منكم في هذه المساجد؛ فليصل، ومن لا؛ فليمض ولا يتعمدها ". وهكذا أيضا أرسل عمر، فطمس موضع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب الشجرة. وقد ذكرناه. والقول الثاني: يتعين للفضيلة، وبه قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع. «أما سلمة؛ فكان يصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقال له يزيد بن أبي عبيد: أراك تتحرى الصلاة ها هنا؟ قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها» . وأما ابن عمر؛ فروي عنه أنه جاء إلى مسجد بني معاوية من الأنصار، فقال: أين صلى النبي ﷺ من مسجدهم؟ ثم صلى فيه ابن عمر. سأل ابن عمر بلالا: أين صلى النبي ﷺ يوم دخل الكعبة؟ فصلى فيه. وكذلك فعل في مسجد قباء. وروى البخاري: قال موسى بن عقبة: " رأيت سالما - ابن عبد الله - يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه
فعل في مسجد قباء. وروى البخاري: قال موسى بن عقبة: " رأيت سالما - ابن عبد الله - يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه
رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة ". قال موسى: " وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة ". وقد روي «أن ابن عمر أدار راحلته في الطريق مرتين أو ثلاثا، فسئل عن ذلك؟ فقال: رأيت النبي ﷺ أدار راحلته» . وأصل هذا الباب أن زمان الفعل ومكانه وقرائنه كل ذلك شرط في الفعل؛ وجوبا أو استحبابا. وقد بيناه في أصول الفقه. ١٧ - فصل في قراءة القرآن بالإدارة قال مالك في " مختصر ما ليس بالمختصر " لابن شعبان: " ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة؛ كما يفعل أهل الإسكندرية، هذا مكروه ولا يعجبنا ". قال: " ويكره أن يقرئ المقرئ جماعة ". ثم خفف للجماعة بعد. وذكر في " المنتقى "؛ قال: " سئل مالك عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم، فكل قارئ منهم يقرئ العصبة يفتح عليهم؟ قال: إنه حسن، لا بأس به ".
وقد قال مرة: إنه كرهه وعابه، وقال: " يقرأ ذا ويقرأ ذا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ". قال: ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه، أو يقرأ عليه واحد بعد واحد؛ لم أر به بأسا ". وأما أن يجتمع القوم، فيقرؤون في السورة مثل ما يقرأ في الإسكندرية، وهو الذي يسمى الإدارة؛ فكرهه مالك، وقال: " هذا لم يكن من عمل الناس ". قال في " مختصر ما ليس في المختصر ": " والذين يجتمعون ويقرؤون سورة واحدة حتى يختموها كل واحد منهم على إثر صاحبه مكروه منكر ". قال: " فلو قرأ أحد منهم منها آيات، ثم قرأ الآخر على إثر صاحبه، والآخر كذلك؛ لم يكن بذلك بأس، هؤلاء يعرضون بعضهم على بعض ". ١٨ - شرح لم يختلف قوله إلا إذا قرؤوا جماعة معا على المقرئ، وسواء على هذا كانوا في سورة واحدة أو سور مختلفة، والمسألتان لا تفترقان؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يمنع قراءة اثنين معا، سواء قرآ على مقرئ في سورة أو سور، أو قرؤوا بالإدارة في سورة. فإن قيل في مسألة الجماعة على المقرئ: قد وجد الإنصات من
َنْصِتُوا﴾ يمنع قراءة اثنين معا، سواء قرآ على مقرئ في سورة أو سور، أو قرؤوا بالإدارة في سورة. فإن قيل في مسألة الجماعة على المقرئ: قد وجد الإنصات من
المقرئ ولم يوجد في الإدارة! قلنا: قوله تعالى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ خطاب لجميع الحاضرين، فلو قرأ اثنان وأنصت ألف؛ دخل الاثنان في النهي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ متوجه إليهما. ثم يلزم على هذا إذا قرأ جماعة بالإدارة في سورة واحدة، وواحد منصت يستمع: أن ترتفع الكراهة. فالصواب أن يرد أحد جوابيه إلى الآخر، فيمنع في الموضعين، ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ . فإن قيل: إن هذه الآية إنما نزلت في الصلاة بإحماع العلماء: قال ابن مسعود: " كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فنزلت ". وقال بشير بن جابر: " صلى ابن مسعود، فسمع ناسا يقرؤون مع الإمام، فقال لهم: أما آن لكم أن تفقهوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ؟ ". قلنا: من أصلنا أن الخطاب إذا نزل على سبب، وكان مستقلا بنفسه؛ وجب حمله على العموم، ولا يقصر على سببه. فإن قيل: قد قال مالك في " مختصر ما ليس في المختصر ": " من سمع رجلا يقرأ؛ فليس عليه أن يستمع له ".
قال: " ولا حرج على متكلم وقارئ يقرأ ". قال ابن شعبان: " هذا إجماع الأمة، ففيه دليل على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ في الصلاة "! قلنا: معنى هذا إذا قعد جماعة لمعايشهم وأشغالهم، فابتدأ أحدهم بالقراءة من غير إذنهم؛ فليس عليهم أن يستمعوا له، ولهم أن يتكلموا فيما يعنيهم؛ لأن القارئ قد آذاهم وقطعهم عن منافعهم وتجارتهم؛ فقد فعل مكروها. فأما إذا اجتمع القوم للتلاوة والعبادة، أو قرأ القارئ بإذن الجماعة، أو مر الناس إلى مجالس القراء؛ فعليهم أن ينصتوا للقارئ، ولا يتكلموا. فهذا المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ . ألا ترى أن في الخطبة وفي الإمام إذا جهر في الصلاة، ولا يقرأ المأموم ولا يتكلم! وإن كان - أو جاء - رجل يعظك ويقرأ القرآن بحضرتك من غير أن تامره بذلك؛ لم يجب عليك الاستماع، وكان لك أن تتكلم فيما يعنيك. فإن قيل في الصلاة والخطبة: هما واجبان، فكان الاستماع والإنصات واجبين، فأما اجتماع الجماعة للتلاوة فليس بواجب، فلم يكن الإنصات فيه واجبا، فنشأ منه جواز القراءة بالإدارة! قلنا: وإن لم يكن واجبا؛ إلا أن تلاوة القرآن فضيلة ومنقبة، واستماعه أيضا فضيلة، فإذا كان أصل القراءة على وجه مأمور به مندوبا إليه؛ جاز أن يكون الاستماع مأمورا به مندوبا إليه. وقد علل القاضي أبو الوليد المنع من قراءة الإدارة؛ قال: " إنما كرهه مالك للمجاراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه ".
ون الاستماع مأمورا به مندوبا إليه. وقد علل القاضي أبو الوليد المنع من قراءة الإدارة؛ قال: " إنما كرهه مالك للمجاراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه ".
١٩ - فصل في الاجتماع لقراءة القرآن روى أبو داود في " السنن " عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» . وروى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه» . وروى مالك في " الموطإ " عن محمد بن سيرين: " أن عمر بن الخطاب
م الرحمة، وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه» . وروى مالك في " الموطإ " عن محمد بن سيرين: " أن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: ومن أفتاك بهذا! أمسيلمة؟ ". فالجواب: أن هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن على معنى الدرس له والتعلم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المعلم على المتعلم، أو يتساويا في العلم، فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلم؛ دون القراءة معا. وجملة الأمر أن هذه الآثار عامة في قراءة الجماعة معا على مذهب الإدارة، وفي قراءة الجماعة على المقرئ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ خاص في وجوب الإنصات عند القراءة. فإن قيل: الآية خاصة في وجوب الإنصات عند القراءة؛ عامة في المحل، فيخص عمومها، وتحمله على صلاة الجهر وعلى الخطبة؛ بدليل حديثه الخاص، وهو قوله ﷺ: «ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه....» ! قلنا: حديثكم أيضا خاص من وجه، عام من وجه، فخصوصه في تدارس القرآن، وعمومه في وجه التدارس، إذ لم يبين على أي وجه يتلونه ويتدارسونه؛ لأن التدراس يحتمل ما قلتم وقلنا، فنفس الإنصات خصوص غير محتمل، وإنما عمومه في شيء آخر، فأما التلاوة والتدارس؛ فعام في نفسه على ما ذكرناه، فيمضي عليه خصوص آيتنا.
يحتمل ما قلتم وقلنا، فنفس الإنصات خصوص غير محتمل، وإنما عمومه في شيء آخر، فأما التلاوة والتدارس؛ فعام في نفسه على ما ذكرناه، فيمضي عليه خصوص آيتنا.
والسر فيه أن قوله ﷺ: " يتلونه ويتدارسونه " خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم، ورجل واحد يقرأ القرآن؛ لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن ويتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا. وكذلك لو مر العربي بجماعة اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه ولسماع حديث رسول الله ﷺ؛ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم، ويقرؤون العلم والحديث. وإن كان القارئ واحدا. ٢٠ - فصل في التعزية اعلم أن التعزية لأهل المصيبة سنة مرغب فيها، والدليل عليه أن النبي ﷺ قال: «من عزَّى مسلما مصابا؛ كان له مثل أجره» . وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر قال: «قبرنا مع النبي ﷺ ميتا، فلما»
«فرغنا؛ انصرف وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه؛ لقي فاطمة في الطريق، فقال لها: ما أخرجك يا فاطمة؟ . قالت: أتيت - يا رسول الله! - أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به. فقال لها النبي ﷺ: فلعلك بلغت معهم الكُدى! ... » ، فذكر تشديدا في ذلك. قال ربيعة وغيره: " الكُدى: القبور ". وكأنه مأخوذ من الكدية، وهي القطعة الصلبة من الأرض، والقبور إنما تحفر بالمواضع الصلبة؛ لئلا تنهار. وروي أن النبي ﷺ لما توفي جاءت التعزية، فسمعوا صوتا من جانب البيت يقول: " السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب ". ويقال: إنه كان الخَضر ﵇!
إذا ثبت هذا؛ فإن العزاء من حين يموت الميت إلى أن يدفن وعقيب الدفن، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة والثوري: " لا يعزى بعد الدفن؛ لأن الدفن عاقبة أمره، وكما لو طال الزمان ". ودليلنا قوله ﷺ: «من عزى مصابا؛ كان له مثل أجره» ، ولم يفرق. وأيضا؛ فإن عقيب الدفن يكثر الجزع؛ لأنه وقت مفارقة شخصه، والانقلاب عنه، فتستحب التعزية. فحصل اتفاق أبي حنيفة والشافعي على أنه لا يعزى بعد الدفن إذا طال. وروي أن محمد بن عبد الحكم أرسل إلى الشافعي يعزيه في ميت له: إنا معزوك لا أنَّا على ثقةٍ ... من البقاء ولكن سنة الدين فلا المُعزَّى بباق بعد صاحبه ... ولا المُعَزِّي وإن عاش إلى حين
لى الشافعي يعزيه في ميت له: إنا معزوك لا أنَّا على ثقةٍ ... من البقاء ولكن سنة الدين فلا المُعزَّى بباق بعد صاحبه ... ولا المُعَزِّي وإن عاش إلى حين
وأحسن ألفاظ التعزية ما ذكرناه من تعزية الخضر لأمة محمد ﷺ فيه. ويعزى الكبير والصغير، والرجل والمرأة؛ إلا أن تكون شابة؛ فلا يعزيها إلا ذو رحم. قال علماؤنا المالكيون: التصدي للعزاء بدعة ومكروه، فأما إن قعد في بيته أو في المسجد محزونا من غير أن يتصدى للعزاء؛ فلا بأس به؛ فإنه «لما جاء النبي ﷺ نعي جعفر؛ جلس في المسجد محزونا، وعزاه الناس» . قال مالك: " ولا بأس أن يبعث إلى أهل الميت طعام، وسواء فيه القريب والبعيد، وذلك «أن النبي ﷺ لما جاءه نعي جعفر؛ قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فإنه جاءهم ما يشغلهم عنه» ". وهذا الطعام مستحب عند معظم العلماء؛ لأن ذلك من البر والتقرب للأهل والجيران، فكان مستحبا. فأما إذا أصلح أهل الميت طعاما ودعوا الناس إليه؛ فلم ينقل فيه عن القدماء شيء، وعندي أنه بدعة ومكروه.
وهذه المسألة مما وافقنا عليه الشافعي. قال أبو نصر بن الصباغ في " الشامل "؛ قال: " لم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحب ". وقد روى أبو داود في " السنن " أن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام» . وذلك أنه كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله؛ لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها على قبره؛ ليأكلها الطير والسباع فيكون مطعما بعد مماته؛ كما كان مطعما في حياته. ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره؛ حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه؛ حشر راجلا! وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فجاء الإسلام بإبطال ذلك.
لك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره؛ حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه؛ حشر راجلا! وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فجاء الإسلام بإبطال ذلك.
٢١ - فصل [التصبر] اعلم أن التصبر واجب، وإظهار الجزع حرام، والنياحة حرام، والبكاء مباح: فأما الصبر؛ فالقرآن جميعه دل عليه: قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ . ثم وعد ما علمت. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ﴾ إلى قوله: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ . وقد قيل: إنه ليس في كتاب الله تعالى أسلى من هذه الآية. فأما الجزع؛ فليس هو إلا مرارة الفقد، ومضاضة الثكل؛ فإن هذا مركوز في الجبلة، وإنما المذموم إظهار ما لا ينبغي إظهاره بالقول والفعل. وقد قيل لبعض الحكماء - وقد ظهر عليه الحزن والجزع -: أخرج هذا من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل. وأما النياحة؛ فحرام:
وروى أبو سعيد الخدري؛ قال: قال النبي ﷺ: «لعن الله النائحة والمستمعة» . وقال النبي ﷺ: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب» . ومن " صحيح مسلم " عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «ليس منا من حلق، ومن سلق، ومن خرق» . وقال الرسول ﵇: «تكسى النائحة يوم القيامة سربالا من قطران، ودرعا من جرب» . رواه مسلم في " الصحيح ". وفيه أخبار كثيرة عن الرسول ﷺ؛ لأن ذلك يشبه التظلم والاستغاثة على الله ﷿، وفيه تشبه بالاستعداء. وما فعله الله تعالى؛ فهو حق وعدل. وكذلك لا يجوز الصراخ على الميت، والدعاء بالويل والثبور.
فأما البكاء من غير شيء من ذلك؛ فهو مباح. والدليل عليه «أن النبي ﷺ جعل ابنه إبراهيم في حجره، وكان ينزع، فبكى عليه، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» . وروي «أن النبي ﷺ فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: إنها رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» . فإذا ثبت هذا؛ فإن البكاء مباح إلى أن تخرج الروح، فإذا خرجت؛ كره البكاء؛ لما روى عبد الله بن عتيك؛ قال: «جاء رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع النبي ﷺ، وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع. فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال النبي ﷺ: دعهن؛ فإذا وجب؛ فلا تبكين باكية» . يعني: مات.
٢٢ - فصل [المآتم] فأما المآتم؛ فممنوعة بإجماع العلماء: قال الشافعي: " وأكره المآتم، وهو اجتماع الرجال والنساء؛ لما فيه من تجديد الحزن ". قال: " ويكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة ". والمأتم: هو الاجتماع في الصبحة، وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء. وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة، فهو طامة. وقد بلغني عن الشيخ أبي عمران الفاسي - وكان من أئمة المسلمين -
أن بعض أصحابه حضر صبحة، فهجره شهرين وبعض الثالث، حتى استعان الرجل عليه، فقبله وراجعه، وأظنه استتابه ألا يعود. فأما ما يوقد فيها من الشمع والبخور؛ فتبذير وسرف، وإن أنفقه الوصي من مال التركة؛ ضمنه، وسقطت به عدالته، واستأنف الحاكم النظر في الوصاية. قال ابن السماك: " سألت بعض رهبان الأكواخ: لم سمي الاجتماع في المصيبة مأتما؟ قال: فبكى، ثم قال: لأن المجتمع عليه ومن أجله لم يتم ". ٢٣ - فصل [خروج النساء للجنازة] ومن البدع المنكرة عند جماعة العلماء خروج النساء لاتباع الجنائز، والدليل عليه حديث فاطمة الذي ذكرناه في أول الفصل.
". ٢٣ - فصل [خروج النساء للجنازة] ومن البدع المنكرة عند جماعة العلماء خروج النساء لاتباع الجنائز، والدليل عليه حديث فاطمة الذي ذكرناه في أول الفصل.
قال مالك: " وأكره أن تخرج النساء إلى الجنازة، وإن كان من أقاربها؛ إلا الأبوين والزوج والولد والأخوة ". قال علماؤنا: فيجبر الزوج على مضيها خلفه إلى الجنازة دفعة واحدة؛ لأن في منعها إضرارا بها، فإن حلف عليها الطلاق؛ لم يحنث؛ لأن ما يدخل عليها من ضرر الطلاق أكثر من ضرر منع الزيارة؛ بخلاف ما لو حلف عليها أن لا تصلي ولا تصوم؛ فإنها تصلي وتصوم ويحنث. قال مالك: " ولا ينبغي لها أن تخرج فيمن عداهم؛ من عم، أو خال، أو غيرهما، فأما الصلاة؛ فإذا حضرت؛ جاز لها الصلاة على الجنازة ". ٢٤ - فصل [الجنائز] قد ذكرنا عن مالك أنه قال: " لا يؤذن بالجنائز على أبواب المساجد، ولا بأس أن يمشي في الخلق يذكر ذلك في خفية، ولا يصاح عليها في الطريق ". وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقد يحكى عن أبي حنيفة أنه قال: " يجوز أن ينادى على الميت ". وليس يعني ما يفعله الناس اليوم بأرض مصر من الصياح بين يدي الجنازة؛ من حين يخرج الميت إلى أن يتم من دفنه، وإنما يعني " إعلام الناس في مثل أبواب المساجد، ومجامع الناس.
ودليلنا ما روي عن حذيفة بن اليمان؛ قال: «إذا مت؛ فلا تنعوني؛ فإني سمعت النبي ﷺ بأذني هاتين ينهي عن النعي» . قال عبد الله بن المبارك: " تأويله النداء على الميت ". والله أعلم وأحكم. تم كتاب " الحوادث والبدع " بحمد الله تعالى وحسن عونه. وصلى الله على محمد وآله وسلم.



