— Bagian 3 · والهداية ثلاث منازل: الأولى تعريف طريق الخير وال… —
Bagian 3
والهداية ثلاث منازل: الأولى تعريف طريق الخير والشر المشار إليه بقوله ﷿: (وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَينِ) ، وقد أنعم الله به على كافة عباده، بعضهم بالعقل وبعضهم على ألسنة رسله. ولذلك قال تعالى: (وَأَمَّا ثمودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلى الهُدَى) . والثانية ما يمد به العبد حالاً بعد حال بحسب ترقيه في العلوم، وزيادته في صالح الأعمال. وإياه عني بقوله تعالى: (وَالَّذينَ اهْتَدُوا زَادَهُمْ هُدى وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، والثالثة هو النور الذي يشرق في عالم الولاية والنبوة، فيهتدي به إلى ما لا يهتدي إليه، ببضاعة العقل الذي به يحصل التكليف وإمكان التعلم. وإياه عني بقوله تعالى: (قُلْ إِنّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى) ،
فإضافة إلى نفسه وسماه الهدى المطلق. وهو المسمى حياة في قوله: (أَوْ مَنْ كَانَ مَيّتَاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورَاً يَمْشي به في النَّاسِس) ، وقوله تعال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) . وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية، التي تعين الإنسان على توجهه إلى مقاصده، فتوجيه على ما فيه صلاحه، وتفتره عما فيه فساده، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) . وأما التسديد، فهو أن يقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب، ليهجم عليه في أسرع وقت، فالرشد تنبيه بالتعريف، والتسديد إعانة ونصرة بالتحريك، وأما التأييد، فهو تقوية أمره بالبصيرة من داخل، وتقوية البطش من خارج، وهو المراد بقوله تعالى: (إذْ أَيَّدتُكَ بروحِ القُدُسِ) ، ويقرب منه العصمة، وهو فيض إلهي يقوى به الإنسان
مره بالبصيرة من داخل، وتقوية البطش من خارج، وهو المراد بقوله تعالى: (إذْ أَيَّدتُكَ بروحِ القُدُسِ) ، ويقرب منه العصمة، وهو فيض إلهي يقوى به الإنسان
على تحري الخير، وتجنب الشر، حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس. وإياه عنى بقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا لَوْلاَ أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّه) ، ولن تستتب هذه الأمور، إلا بما يمد الله به عبده من الفهم الثاقب الصافي، والسمع المصغي الواعي، والقلب البصير المراعي، والمعلم الناصح، والمال الزائد، على مقتضى المهمات لقلة القاصر، لا ما يشغل عن الدين لكثرته، والعشيرة والعز الذي يصون عن سفه السفهاء، ويرفع ظلم الأعداء. فبهذه الأسباب تكمل السعادات.
بيان غاية السعادات ومراتبها اعلم أن السعادة الحقيقية هي الآخروية، وما عداها سميت سعادة إما مجازاً أو غلطاً، كالسعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة، وإما صدقاً ولكن الاسم على الآخروية أصدق. وذلك كل ما يوصل إلى السعادة الآخروية ويعين عليه. فإن الموصل
إلى الخير والسعادة، قد يسمى خيراً وسعادة. والأسباب النافعة المعينة، تشرحها تقسيمات أربعة: الأول منها ما هو نافع في كل حال، وهي الفضائل النفسية، ومنها ما ينفع في حال دون حال، ونفعها أكثر كالمال القليل. ومنها ما ضرره أكثر في حق أكثر الخلق، وذلك بعض أنواع العلوم والصناعات. ولما كثر الالتباس في هذا، وجب على العاقل الاستظهار بمعرفة حقائق هذه الأمور، حتى لا يؤثر الضار على النافع، بل النافع على الرفيع، والرفيع على النفيس الأهم، فيطول عليه الطريق. فكم من ناظر يحسب الشحم فيمن شحمه ورم! وكم من طالب حبلاً ليتمنطق به، فيأخذ حية فيظنها حبلاً فتلدغه! والعلم الحقيقي هو الذي يكشف عن هذه الأمور. التقسيم الثاني: إن الخيرات بوجه آخر تنقسم إلى مؤثرة لذاتها، وإلى مؤثرة لغيرها، وإلى مؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها. فينبغي أن يعرف مراتبها، ليعطي كل رتبة حقها.
اني: إن الخيرات بوجه آخر تنقسم إلى مؤثرة لذاتها، وإلى مؤثرة لغيرها، وإلى مؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها. فينبغي أن يعرف مراتبها، ليعطي كل رتبة حقها.
فالمؤثرة لذاتها السعادة الآخروية، فليس وراء تلك الغاية غاية أخرى. والمؤثرة لغيرها من المال، كالدراهم والدنانير. فلولا أن الحاجات تنقضي بها لكانت كالحصباء، وسائر الجواهر الخسيسة. والمؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها، كصحة الجسم. فإن الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي يراد سلامة الرجل له، فيريد أيضاً سلامة الرجل م حيث هي سلامة. التقسيم الثالث: إن الخيرات تنقسم من وجه آخر إلى نافع وجميل ولذيذ. والشرور ثلاثة ضار وقبيح ومؤلم. فكل واحد ضربان، أحدهما مطلق، وهو الذي يجمع الأوصاف الثلاثة في الخير، كالحكمة، فإنها نافعة وجميلة ولذيذة، وفي الشر، كالجهل، فإنه ضار وقبيح ومؤلم. والثاني مقيد، وهو الذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض. فرب نافع مؤلم، كقطع الأصبع الزائدة، والسلعة الخارجة، ورب نافع قبيح كالحمق، فإنه راحة حيث قيل: استراح من لا عقل له، أي لا يغتم للعواقب، فيستريح في الحال،
ورب نافع من وجه، ضار من وجه، كإلقاء المال في البحر، عند خوف الغرق فإنه ضار للمال، ونافع في نجاة النفس، والنافع قسمان: قسم ضروري، كالفضائل النفسية، والاتصال إلى سعادة الآخرة، وقسم قد يقوم غير مقامه، فلا يكون ضرورياً، كالسكنجبين في تسكين الصفراء. التقسيم الرابع: إن اللذات بحسب القوى الثلاث والمشتهيات الثلاثة ثلاث، إذ اللذة هي عبارة عن إدراك المشتهى، والشهوة عبارة عن انبعاث النفس لنيل ما تتشوقه، لذة عقلية أو بدنية مشتركة مع جميع الحيوانات، وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات. أما العقليات، كلذة العلم والحكمة، وهي أقلها وجوداً وأشرفها. أما قتلها، فلأن الحكمة لا يستلذها إلا الحكيم، وقصور الرضيع عن إدراك لذة العسل والطيور السمان والحلاوات الطيبة لا يدل على أنها ليست لذيذة، واستطابته للبن لا تدل على أنه أطيب الأشياء. والناس كلهم إلا النادر ممنون في صبا الجهل بالعنة في رتبة العلم. فلذلك يستلذون الجهل، وقال الشاعر: ومَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مريضٍ ... يَجِدُ مُرّاً به الماء الزّلالا وأما أشرفيتها، فلأنها لازمة لا تزول، ودائمة لا تحول،
وباقية لذاتها، وثمرها في الدار الآخرة إلى غير نهاية. والقادر على الشريف الباقي، إذا رضي بالخسيس الفاني، كان مصاباً في عقله، محروماً بشقاوته وإدباره. وأقل أمر فيه أن الفضائل النفسية، لا سيما العلم والعقل، لا تحتاج إلى أعوان وحفظة، بخلاف المال. فإن العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم يزيد بالإنفاق، والمال ينقص به، والعلم نافع في كل حال ومطلقاً وأبداً، والمال يجذب إلى الرذيلة وتارة إلى الفضيلة. ولذلك ذمّ في القرآن في مواضع، وإن سمي خيراً في مواضع. الثانية هي اللذة المشتركة بين الإنسان وبين سائر الحيوانات، كلذة المأكل والمشرب والمنكح، وهي أكثرها وجوداً. الثالثة التي يشارك فيها الإنسان بعض الحيوانات، وهي لذة الرياسة والغلبة، وهي أشد التصاقاً بالعقلاء، ولذلك قيل: " آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة ". وكيف تكون لذة الجماع والأكل لذة مطلقة، وهي من وجه إزالة ألم؟ ولذلك قال الحسن: " الإنسان صريع جوع وقتيل شبع ". وجميع لذات الدنيا سبع: مأكل ومشرب ومنكح
كيف تكون لذة الجماع والأكل لذة مطلقة، وهي من وجه إزالة ألم؟ ولذلك قال الحسن: " الإنسان صريع جوع وقتيل شبع ". وجميع لذات الدنيا سبع: مأكل ومشرب ومنكح
وملبس ومسكن ومشموم ومسموع ومبصرز وهي بجملتها خسيسة، كما روي عن عليّ كرم الله وجهه، إذ قال لعمار بن ياسر، وقد رآه يتنفس كالحزين: " يا عمار، إن كان تنفسك على الآخرة فقد ربحت تجارتك، وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك. فإن وجدت لذاتها المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملبوسات والمسكونات والمشمومات المسموعات والمبصرات. فأما المأكولات، فأفضلها العسل، وهو صنعة ذباب. والمشروبات أفضلها الماء، وهو أهون موجود، وأعز مفقود. وأما المنكوحات، فمبال في مبال، وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها، ويراد أقبح شيء منها. وأما الملبوسات فأفضلها الديباج وهو نسج دودة. والمشمومات فأفضلها المسك، وهو دم فارة، والمسموعات، فريح هابة في الهواء، والمبصرات فخيالات صائرة إلى فناء ". هذا كلامه.
ومن آفاتها أن كل واحدة منها يتبرم بها بعد استيفائها في لحظة. فليعتبر حالة الفراغ عن الجماع والأكل بما قبله، ولينظر كيف ينقلب المطلوب مهروباً عنه في الحال، فأين يوازي هذا ما تدوم لذته، ولا تفنى أبد الآباد راحته؟ وهو الابتهاج بكمال النفس بالفضائل النفسية، خصوصاً الاستيلاء على الكل بالعلم والعقل.
بيان ما يحمد ويذم من أفعال شهوة البطن والفرج والغضب: أما شهوة البطن فداعية إلى الغذاء، والمطعم ضربان: ضروري وغير ضروري. أما الضروري، فهو الذي لا يستغني عنه في قوام البدن، كالطعام الذي يتغذى به، والماء الذي يرتوي به، وهو ينقسم إلى محمود ومكروه، ومذموم ومحظور. أما المحمود، فأن يقتصر على تناول ما لا يمكنه الاشتغال والتقوى على العلم والعمل إلا به، ولو اقتصر عنه لتحللت قواه واختل بدنه، فهذا المقدار، إذا تناوله من حيث يجب كما يجب، فهو
ى تناول ما لا يمكنه الاشتغال والتقوى على العلم والعمل إلا به، ولو اقتصر عنه لتحللت قواه واختل بدنه، فهذا المقدار، إذا تناوله من حيث يجب كما يجب، فهو
معذور، بل مشكور ومأجور، إذ البدن مركب النفس، لتقطع به منازلها إلى الله تعالى. وكما أن الجهاد عبادة، فإمداد فرس المجاهدة بما يقويه على السير بالمجاهد أيضاً عبادة، ولذلك قال ﵇: " عند أكل الصالحين تنزل الرحمة "، وذلك إذا تناوله تناول من اضطر إلى شيء، يود لو استغنى عنه. وإدخال الطعام البطن وإخراجه قريب. ولذلك قيل: من كان همّه ما يدخل في بطنه، كانت قيمته ما يخرج منه. وليعلم الآكل أنه في تناول فضلات الأشجار والنبات كالخنزير في تناول عذرة الإنسان وفضلته، وكالجعل في تناول فضلة الحيوان. ولو كان للأشجار ألسنة، لناطقت متناول فضلاتها بالتشبيه بهذا المتناول لفضلة الحيوان. وأما المكروه، فهو الإسراف والإمعان من الحلال والزيادة على قدرة البلغة. قال ﵇:
" ما من وعاء أبغض إلى الله تعالى من بطن مليء من حلال "، وهو أيضاً مضر من جهة الطب، فإنه أصل كل داء. قال ﵇: " البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء، وعوّدوا كل جسد ما اعتاد ". فقال محققو الطب: لم يدع ﵇ شيئاً من الطب إلا وأدرجه تحت هذه الكلمات الثلاث. ولا ينبغي أن يستهين طالب السعادة بهذه الزيادة، وإن سميناها مكروهاً لا محظوراً، فإنه مكروه سريع السياقة إلى المحظورات، بل إلى أكثر المحظورات. فإن مثار الشرور قوة الشهوات، ومقوي الشهوات هي الأغذية. فامتلاء البطن مقوي للشهوب، وتقوي الشهوة داعية للهوى، والهوى أعظم جند الشيطان، الذي إذا تسلط سباه عن ربه وصرفه عن بابه. وإمداد جنود الأعداء بالمقويات يكاد ينزل منزلة عين العداوة. فلهذا يكاد تكون الكراهية فيه حضراً. ولذلك قيل لبعضهم: " ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد أنهك ".
فقال: " لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن يجمع بي فيورّطني. ولئن أحمله على الشدائد أحب إليّ من أن يحملني على الفواحش ". فإن قلت: فما المقدار المحمود؟ فعلم أنه نبه ﵇ على التقدير بخبرين، أحدهما قوله: " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس "، فأما اللقيمات فهي دون العشرة ويقرب منه قوله ﵇: " المؤمن يأكل في معي واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء "، والأحب الأكل في سبع البطن، فإن غلب النهم ففي الثلث. وأظن أن الحد ثلث في حق الأكثر، وإن كان ذلك قد يختلف باختلاف الأشخاص. وعلى الجملة فلا بد أن يكون دون الشبع، حتى يخف البدن للعبادة والتهجد باليل، وتضعف القوى عن الانبعاث إلى الشهوات. وأما المحظور فهو التناول مما حرم الله ﷿ من مال الغير أو المحرمات.
ن الشبع، حتى يخف البدن للعبادة والتهجد باليل، وتضعف القوى عن الانبعاث إلى الشهوات. وأما المحظور فهو التناول مما حرم الله ﷿ من مال الغير أو المحرمات.
وأفحشها شرب المسكر، فإنه أعظم آلات الشيطان في إزالة العقل، الذي هو من حزب الله، وأوليائه، وآثار الشهوة والقوى السبعية التي هي من أحزاب الشيطان وأوليائه. وهذا حكم المطاعم على الإجمال. ولا يطمعن أحد في سلوك طريق السعادة، قبل أن يراعي أمر المطعم في مقداره ووجه حله، فإن المعدة منبع القوى، فكأنه الباب والمفتاح إلى الخير والشر جميعاً. ولذا عظم في الشرع أمر الصوم لأنه على الخصوص يتوجه إلى قهر أعداء الله تعالى كما روي: " إن الصوم لي وأنا الذي أجزي به "، إلى غير ذلك مما ورد فيه. وأما شهوة الفرج، فأفعالها تنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور. أما المحمود فهو المقدار الذي لا بد منه لحفظ النوع، فإن النكاح ضروري لبقاء نوع الإنسان باتصال نسله، كما أن الغذاء ضروري لبقاء شخصه إلى حين أجله. والشهوة خلقت باعثة على إبقاء النسل، بطريق الوطء، كما
خلق الجوع باعثاً على إبقاء الشخص بالأكل، ولذلك قال: " تناكحوا، تناسلوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم ". فمن كان قصده في النكاح أمرين: أحدهما النسل لكثرة المباهاة، وأن يلحقه بعده ولد صالح يدعو له، والثاني أن يدفع عن نفسه فضلة المني، التي إذا اجتمعت كانت كالمرة، والدم إذا اجتمع عظمت نكايته في البدن بإثارة المرض، وفي الدين بالدعوة إلى الفجور، فالنكاح على هذا الوجه محمود وسنة وداخل تحت قوله: " من احب فطرتي فليستسن بسنتي ". ومن نكح فقد حصّن نصف دينه. ولا بأس بغرض ثالث، وهو أن يكون في بيته من يدبر أمر منزله، ليتفرغ هو للعلم والعبادة، فيصير النكاح على هذا الوجه من جملة العبادات، فإن الأعمال بالنيات. وإمارة هذا أن لا يطلب من المرأة إلا الجمال للتحصن، وحسن الخلق في تدبير المنزل، والديانة للصيانة والنسب الديني فقط. فإنه إمارة الديانة وحسن الخلق، فإن
إمارة هذا أن لا يطلب من المرأة إلا الجمال للتحصن، وحسن الخلق في تدبير المنزل، والديانة للصيانة والنسب الديني فقط. فإنه إمارة الديانة وحسن الخلق، فإن
العرق نزاع، ولذلك قال ﵇: " عليك بذات الدين، تربت يداك، وإياكم وخضراك الدمن ". وقال: " تخيروا لنطفكم ". وليطلب صحة البدن وأن لا يكون عقيماً لأجل الولد فإنه المقصود. ولذلك كره العزل، وإتيان المرأة من ورائها، فإنه إهمال للحراثة، ونساؤكم حرث لكم. ولا بأس بطلب الأبكار، لتستحكم الألفة، وقد ندب الشرع إليها. وأما المكروه فأن يقصد التمتع بقضاء الشهوة فقط، ثم يمعن فيه ويواظب عليه، وربما يتناول ما يزيد في شهوته، وذلك مضر شرعاً، ولا كراهية فيه في نفسه، فإنه مباح،
ولكنه انصراف عن الله إلى اتباع الهوى وتشبّه بالثيران والحمر. وإثارة لشهوة بالمطعومات القوية والأسباب الباعثة تضاهي إثارة سراسباع ضارية، وبهائم عادية، ثم الانتهاض بعدها للخلاص منها. وأما المحظور، فعلى وجهين: أحدهما أن يقضي الشهوة في محل الحرث، ولكن بغير عقد شرعي، ولا على الوجه المأمور، وهو الزنا. وقد قرن ذلك بالشرك حيث قال: (الزاني لا يَنْكَحُ إلا زَانِيَة أو مُشْرِكة) . والثاني تعاطيه في غير محل الحرث، وهو أفحش من الزنا لأن الزاني لم يضيع الماء، بل وضعه في محل الحرث على غير الوجه المأمور. وهذا قد ضيّع، وكان ممن قال الله تعالى: (وَيُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسَلَ) . ولذلك سميت اللواطة الإسراف، فقال تعالى: (إنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُم قَوْمٌ مُسْرِفُون) . فهذه مراتب الناس في شهوة الفرج. وقد ينتهي بعض الضلال إلى العشق، وهو عين الحماقة وغاية الجهل بما وضع الجماع له،
ومجاوزة لحدّ البهائم في تملك النفس، وضبطها لها، لأن المتعشق لم يقنع بإرادة شهوة الجماع، وهي أقبح الشهوات وأجدرها بأن يستحي منها، حتى اعتقد أن لا تنقضي إلا في محل واحد، والبهيمة تقضي الشهوة أنى اتفق فتكتفي به. وهذا لا يكتفي إلا من معشوقته، حتى ازداد به ذلاً إلى ذل وعبودية إلى عبودية. واستسخر العقل لخدمة الشهوة، وقد خلق ليكون آمراً مطاعاً لا يكون خادماً للشهوة، محتاناً لأجلها، وهو مرض نفس فارغة لا همة لها. وإنما يجب الاحتراز من أوائلها، وهو معاودة النظر والفكر، وإلا فبعد الاستحكام يعسر دفعها. وكذلك عشق الجاه والمال والعقار والأولاد، حتى حب اللعب بالطيور والنرد والشطرنج، فإن هذه الأمور تستولي على طائفة ينقضي عليهم الدين والدنيا، ولا يصبرون عنها. ومثال ردّ الشهوة في أول انبعاثها صرف عنان الدابة عن توجهها إلى باب دار تدخله، فما أهون منعها وصرف عنانها. ومثال علاجها بعد استحكامها أن تترك الدابة، حتى تدخل وتجاوز الباب، ثم تأخذ بذنبها جاراً لها إلى وراء، وما أعظم التفاوت بين الأمرين! فليكن الاحتياط في بدايات الأمور، فأما أواخرها فلا تقبل الإصلاح في الأكثر، إلا بجهد شديد يوازي نزع الروح.
وأما أفعال الغضب فتنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور. أما المحمود ففي موضعين: أحدهما المسمى غيرة، وهو أن يقصد حريم الرجل ويتعرض لمحارمه. فالغضب له ولدفعه محمود، وقلة التأثر به خنوثة وركاكة، ولذلك قال ﵇: " إن سعداً لغيور، وإن الله أغير منه "، وقد وضع الله الغيرة في الرجال، لحفظ الأنساب. فإن النفوس لو تسامحت بالتزاحم على النساء لاختلطت الأنساب. ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في نسائها. والثاني الغضب عند مشاهدة المنكرات والفواحش، غيرة على الدين، وطلباً للانتقام، ولذلك مدحوا بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولذلك قال ﵇: " خير أمتي أحداؤها "،
ب عند مشاهدة المنكرات والفواحش، غيرة على الدين، وطلباً للانتقام، ولذلك مدحوا بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولذلك قال ﵇: " خير أمتي أحداؤها "،
فالمراد به الحدة لحمية الدين. ولذلك قال تعالى: (وَلاَ تَأْخْذُكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دينِ اللهِ) . ومع هذه فالسلطان إذا غضب عند جناية جانٍ، فينبغي أن يحبسه ولا يبادر إلى عقوبته حتى يجدد النظر فيه، فإن الغضب غول العقل، فربما يحمله على مجاوزة حد الواجب في الانتقام. وأما المكروه فغضبه عند فوات حظوظه المباحة نيلها، كغضبه على خادمه وعبده عند كسر آنيته، أو توانيه في خدمته، بحكم تغافل يمكن الاحتزاز عنه. فهذا لا ينتهي إلى حد المذموم، ولكن العفو والتجاوز أولى وأحب. ولذلك قيل لواحد حكيم: لا تصفح عن عبدك وهو يقصر في خدمتك، فيفسد باحتمالك. فقال: " لأن يفسد عبدي في صلاح نفسي خير من أن تفسد نفسي في صلاح عبدي ". فإن احتمال ذلك إصلاح للنفس والانتقام إصلاح للعبد.
وأما المذموم فهو الاستشاطة عن الفخر والتكبر والمباهاة والمنافسة والحقد والحسد، وعن أمور واهية تتعلق بالحظوظ البدنية، من غير أن يكون في الانتقام مصلحة في المستقبل ديناً ودنيا، وهو الغالب على أكثر الخلق، وهو انقياد للخلق الذي يضاد الحلم والتحلم. فإن الحلم عبارة عن إمساك النفس عن هيجان الغضب، والتحلم عن إمساكها عن قضاء الوطر منه، إذا هاج، والكمال في الحلم، ولكن التحلم صبر على المكروه، وفيه أيضاً خير كثير. فهذه مراتب أفعال الغضب. والناس في الغضب يختلفون، فبعضهم كالحلفاء، سريع التوقد، سريع الخمود، وبعضهم كالقطا بطيء الخمود، وبعضهم بطيء التوقد سريع الخمود، وهو الأحمد، ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة. وأسباب الغضب أما من جهة المزاج، فالحرارة واليبوسة، يدل عليهما تعريف الغضب، فإن الغضب معناه غليان دم القلب، فإن كان على من فوقك في القدرة على الانتقام، تولد منه
ب أما من جهة المزاج، فالحرارة واليبوسة، يدل عليهما تعريف الغضب، فإن الغضب معناه غليان دم القلب، فإن كان على من فوقك في القدرة على الانتقام، تولد منه
انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى القلب، وكان حزناً، ولأجله يصفر الوجه. وإن كان على من دونك تولد منه ثوران دم القلب، لا انقباضه، فيكون منه الغضب الحقيقي وطلب الانتقام. وإن كان على نظيرك في القدرة على الانتقام، تولد منه تردد الدم بين انقباض وانبساط، ويختلف به لون الوجه فيحمر ويصفر ويضطرب. وبالجملة قوة الغضب محلها القلب، ومعناه حركة الدم وغليانه. وأما ما وراء المزاج، فالاعتياد، فإن من يعاشر جماعة يباهون بالغضب والطباع السبعية انطبع ذلك فيه. وإن من خالط أهل الهدوء والوقار أثرت العادة أيضاً فيه. وأما سببه المخرج له من القوة إلى الفعل في الحال، فهو العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والاستهزاء والضيم وطلب ما فيه التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام، وكل ذلك مذموم. وحق من اعتراه الغضب أن يتفكر فيما قاله بعض الحكماء لبعض السلاطين وقد سأله حيلة في دفع الغضب، فقال: " ينبغي أن تذكر أنه يجب
أن تطيع لا أن تطاع فقط، وأن تَخدم لا أن تُخدم فقط، وأن تَحتمل لا أن تُحتَمل فقط، وأن تعلم أن الله يراك دائماً، فإذا فعلت ذلك لم تغضب ". واعلم أن الغضب له فروع كما سبق، ومن جملتها الشجاعة والتهور والمنافسة والغبطة والحسد على ما سبق، ولكن نزيدها شرحاً. أما الشجاعة فخلق بين التهور والجبن، فإن اعتبر إضافتها إلى النفس فهي صرامة القلب في الأهوال وربط الجأش عند المخاوف، وإن اعتبر بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة وتولدها من الغضب وحسن الأمل وبها يصابر الإنسان الشدائد، بل بها يصبر عن المعاصي، فإن الغضب إذا سلّط على الشهوة زجرها. ولما كان الدين شطره رغبة في الخير، وشطره تركاً للشر قال ﵇: " الصبر نصف الإيمان "، ولما كان بعض الشرور في شهوة الفرج والبطن،
وبعضها في غيرهما قال: " الصوم نصف الصبر ". والصبر صبران، صبر جسمي وهو تحمل المشاق بالمدن، أما فعلاً كتعاطي الأعمال الشاقة، وأما انفعالاً كاحتمال الضرب الشديد والمرض العظيم. والمحمود التام هو الضرب الثاني وهو الصبر النفسي. فإن عن تناول المشتهيات، سمي عفة، وإن كان على احتمال مكروه، اختلفت أسماؤه بحسب اختلاف المكروه، فإن كان في مصيبة، اقتصر على اسم الصبر، ويضاده الجزع والهلع، وإن كان في احتمال غني سمي ضبط النفس ويضاده البطر، وإن كان في حرب سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب، سمي حلماً، ويضاده التذمر، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر، ويضاده الضجر والتبرّم وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام سمي كتم السر،
الغيظ والغضب، سمي حلماً، ويضاده التذمر، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر، ويضاده الضجر والتبرّم وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام سمي كتم السر،
وإن كان على فضول العيش سمي زهد وقناعة، ويضاده الحرص والشره، ولذلك قال تعالى: (والصَّابِرِينَ في البَأْسَاءِ) أي المصيبة والضراء، أي الفقر وحين البأس، أي المحاربة، (أولَئِكَ الذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئكَ هُم المُتَّقون) وأما الغبطة والمنافسة والحسد التي هي من جملة الفروع أيضاً، فالغبطة محمودة والحسد مذموم. قال ﵇: " المؤمن يغبط والمنافق يحسد ". والمنافسة محمودة قال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ) . والغبطة تمني الإنسان أن ينال كل ما ناله أمثاله، من غير أن يغتنم لنيل غيره. فإذا انضم إليه الجد والتشمير في الوصول إلى مثله أو خير منه، فهو منافسة. والحسد هو تمني زوال النعمة عن مستحقيها، وربما كان مع سعي في إزالتها. والخبيث الحسود من يكون ساعياً في الإزالة من غير أن يطلبها لنفسه. والحسد غاية البخل، إذ البخيل يبخل بمال نفسه، والحسود يبخل بمال الله على غيره.
وقيل: الحسد والحرص هما ركنا الذنوب ولهما ضرب المثل بآدم وإبليس، إذ حسد إبليس آدم فصار لعيناً، وحرص آدم على ما نهي عنه فأُخرج من الجنة. فهما شجران يثمران الهموم والغموم والخسران، فمن قطع عروقها نجا، وبالجملة فالحسد عين الحماقة، لأن من لا يغنم بخير يصل إلى أهل المغرب، مع أنه لا يناله بوجه، فلم يغتم بخير يصل إلأى عشيرته وشركائه وجيرانه وأهل بلده، وربما بوجه، فلم يغتم بخير يصل إلى عشيرته وشركائه وجيرانه وأهل بلده، وربما ينال منه حظاً. وقوله ﵇: " لا حسد إلا في اثنين: رجل أتاه الله مالاً فجعله في حق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها "، إنما أراد به الغبطة، فإن الحسد قد يطلق لإرادتها. فهذا هو القول في ضبط أفعال هذه الصفات. فإن قلت: فمن ضبط أفعال هذه القوى حتى حدث في نفسه، من أفعاله أخلاق راسخة يتيسر بها هذه الأفعال، فهل يكون عفيفاً؟ فاعلم أن العفة لا تتم بهذا القدر ما لم ينضم إليه عفة اليد واللسان والسمع والبصر، وحدّها
ن أفعاله أخلاق راسخة يتيسر بها هذه الأفعال، فهل يكون عفيفاً؟ فاعلم أن العفة لا تتم بهذا القدر ما لم ينضم إليه عفة اليد واللسان والسمع والبصر، وحدّها
في اللسان الكف عن السخرية والغيبة والنميمة والكذب والهمز والتنابذ بالألقاب، وفي السمع ترك الإصغاء إلى قبائح اللسان من الغيبة وغيرها، وإلى استماع الأصوات المحرمة وكذلك في جميع الجوارح والقوى. وعماد عفة الجوارح كلها ألا يطلقها في شيء مما يختص بها، إلا فيما يسوّغه العقل والشرع، وعلى الحد الذي يسوّغه ثم لا تتم بذلك، ما لم يكن قصده في الإقدام والإحجام تحري الفضيلة وطلب التقرب إلى الله ﷿ ونيل مرضاته. فأما إن كان قصده بعفته انتظاراً لما هو أكثر، أو لأنه لا يوافق مزاجه أو لخمود شهوته، أو لاستشعار خوف في عاقبته، كسقوط حشمته أو لأنه ممنوع من تناوله، فكل ذلك ليس بعفة، وإنما كل ذلك تجارة وترك حظ لحظ يماثله. وكل ذلك غير كاف في تحصيل العفة، فليعلم ذلك، ولنخض بعد ذلك في تعريف التعلم والتعليم وتهذيب القوة العقلية.
بيان شرف العقل والعلم والتعليم قد عرفت فيما سبق أن العلم والعمل هما وسيلتا السعادة، وأن العمل لا يتصور إلا بعلم بكيفية العمل، وأن العلم الذي ليس بعملي، كالعلم بالله وصفاته وملائكته، مقصود، فقد استفدت منه أن العلم أصل الأصول، فلا بد أن نرشدك الآن إلى طريق التعلم والتعليم. ولننبه أولاً على شرف هذه الأمور، وندل عليه، فنقول: أما التعليم، فهو أشرف الأعمال. والصناعات ثلاثة أقسام: أما أصول لأقوام للعالم دونها وهي أربعة: الزراعة والحياكة والبناية والسياسة، وأما مهيئة لكل واحدة منها وخادمة لها، كالحدادة للزراعة، والحلاجة والغزل للحياكة،
وأما متممة لكل واحدة من ذلك ومزينة لها، كالطحانة والخبز للزراعة، والقصارة والخياطة للحياكة. وذلك بالإضافة إلى قوام العالم الأرضي، مثل أجزاء الشخص بالإضافة إليه، فإنها ثلاثة أضرب: أما أصول كالقلب والكبد والدماغ، وأما مرشحة لتلك الأصول وخادمة لها، كالمعدة والعروق والشرايين، وأما مكملة ومزينة لها، كالهدب والحاجب. وأشرف أصول الصناعات السياسات، إذ لا قوام للعالم إلا بها، وهي أربعة أضرب: الأول سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة، في ظاهرهم وباطنهم، والثاني الخلفاء والولاة والسلاطين، وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً، لكن على ظاهرهم لا على باطنهم، والثالث العلماء والحكماء، وحكمهم على باطن الخواص فقط، والرابع الوعاظ والفقهاء وحكمهم على باطن العامة فقط. فأشرف هذه السياسات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس. وبرهان ذلك أن شرف الصناعة، إنما يكون
باعتبار النسبة إلى القوة المبرزة المظهرة لها، كفضل معرفة الحكمة على معرفة اللغات، فإن الأولى متعلقة بالقوة العقلية التي هي أشرف القوى، والأخرى متعلقة بالقوة الحسية، وهي السمع. وأما بحسب عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة، وأما بحسب شرف الموضوع المعمول فيه، كفضل الصياغة على الدباغة. وليس يخفى أن العلوم العقلية تدرك بالعقل، الذي هو أشرف القوى، وبه يتوصل إلى جنة المأوى، وهو أبلغ نفع وأعمه، وموضوعه الذي يعمل فيه نفوس البشر، وهي أفضل موضوع، بل أشرف موجود في هذا العالم. فإفادة العلم من وجه صناعة، ومن وجه عبادة الله تعالى، ومن وجه خلافة الله هو أجل خلافة. فإن الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم، الذي هو أخص صفاته، فهو كالخازن لأنفس خزائنه. ثم هو مأذون له في الإنفاق على كل محتاج إليه، فأيّ رتبة أجلّ من كون العبد واسطة بين ربه وخلقه، في تقربهم إلى الله زلفى، وسياقتهم إلى جنة المأوى؟.
نه. ثم هو مأذون له في الإنفاق على كل محتاج إليه، فأيّ رتبة أجلّ من كون العبد واسطة بين ربه وخلقه، في تقربهم إلى الله زلفى، وسياقتهم إلى جنة المأوى؟.
وأما شرف العلم والعقل فمدرك بضرورة العقل والشرع والحس. أما الشرع، فقد قال ﵇: " أول ما خلق الله العقل. فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليّ منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب ". وهذا العقل الذي يدرك به الإنسان الأشياء يجري من العقل الأول الذي خلق الله ﷿ مجرى النور من الشمس. فإن هذه العقول عقول بالإضافة إلى الأشخاص وذلك مطلق من غير إضافة. وأما دلالة العقل على شرف العقل، فهو أن ما لا ينال سعادة الدنيا والآخرة إلا به، فكيف لا يكون أشرف الأشياء؟ وبالعقل صار الإنسان خليفة الله وبه تقرب إليه وبه تم دينه. ولذلك قال ﵇: " لا دين لمن لا عقل له "، وقال: " لا يعجبكم إسلام امرئ حتى تعرفوا عقله ". ولهذا قيل:
" من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه "، وناهيك به شرفاً أن قد شبّه الله سبحانه العقل بالنور فقال: (اللهُ نورُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ) ، أي منورهما، وأكثر ما يطلق النور والظلمات في القرآن على العلم والجهل، مثل قوله تعالى: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ) ، وإنما كان ذلك بالعقل، ولذلك قال ﵇ لعلي ﵁: " إذا تقرب الناس لخالقهم بأبواب البر، فتقرب أنت بعقلك، تتنعم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة ". وسنذكر وجه التقرب بالعقل. وأما الحس بمجرده، فكاف في إدراك شرف العقل والعلم، حتى أن أكبر الحيوانات شخصاً، أقواها بدناً، إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام، واستشعر الخوف منه، لإحساسه بأنه مستدل عليه بجبلته. وأقرب الناس إلى البهائم أجلاف العرب والترك، ورعاة البهائم منهم. ولو وقع فيما بينهم راع أو فر منهم عقلاً، وأكثر منهم دراية
سه بأنه مستدل عليه بجبلته. وأقرب الناس إلى البهائم أجلاف العرب والترك، ورعاة البهائم منهم. ولو وقع فيما بينهم راع أو فر منهم عقلاً، وأكثر منهم دراية
بصناعتهم، لو قرّوه طبعاَ. ولذلك ترى الأتراك بالطبع يبالغون في توقير شيوخهم، لأن التجربة ميْزتهم عنهم بمزيد علم، ولذلك قال ﵇ مطلقاً: " الشيخ في قومه كالنبي في أمته ". وإنما وقار النبي في أمته بعلمه وعقله، لا بقوة شخصه وجمال بدنه، وكثرة ماله وقوة شوكته. ولذلك قصد كثير من المعاندين قتل رسول الله ﵇، فلما وقع طرفهم عليه هابوه وتراءى لهم نور الله في وجهه، معرباً عن تميّزه ملقياً للرعب في صدور معانديه، وقد سمى الله ﷿ العلم روحاً، فقال: (وكذلك أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمرنا) . وسماه حياة فقال تعالى: (أَوْ مَنْ كَانَ مَيِّتَاً فَأَحْيَيْنَاهُ) ، وقال ﵇: " ما خلق الله خلقاً أكرم من العقل ". ولو جلبت الأخبار الواردة في الحث على طلب العلم، لطال المقال. وأيّ تشريف يزيد على قوله: " إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم إرضاء بما يصنع ".
بيان وجوب التعلم لإظهار شرف العقل اعلم أن شرف العقل، من حيث كونه مظنة العلم والحكمة وآلة له، ولكن نفس الإنسان معدن للعلم والحكمة، ومنبع لها، وهي مركوزة فيها بالقوة في أول الفطرة، لا بالفعل، كالنار في الحجر والماء في الأرض والنخل في النواة. ولا بد من سعي في إبرازه بالفعل، كما لا بد من سعي في حفر الآبار لخروج الماء. ولكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما هو كامن محتاج في استنباطه إلى حفر وتعب، ومنه ما يحتاج فيه إلى تعب قليل، كذلك العلم في النفوس البشرية، ممننه ما يخرج إلى الفعل من القوة بغر تعلم بشري، كحال الأنبياء ﵈، فإن علومهم تظهر من جهة الملأ الأعلى، من غير واسطة بشريّ، ومنه ما يطول الجهد فيه كأحوال العامة من الناس، لا سيما ذوو البلادة، الذين كبر سنهم في الغفلة والجهل، ولم يتعلموا زمن الصبا،
ومنه ما يكفي فيه السعي القليل، كحال الأذكياء من الصبيان. ولكون العلوم مركوزة في النفوس، قال الله تعالى: (وَإِذَا أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بَلَى) . فالمراد بإقرار نفوسهم المعنى الذي أشرنا إليه، من كونها موجودة بالقوة دون إقرار الألسنة، فإنها لم تحصل من كلّهم عند الظهور، بل من بعضهم، وكذلك قوله تعالى: (وَلَئَنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُن الله) ، معناه لئن اعتبرت أحوالهم شهدت نفوسهم وبواطنهم بذلك، " فطرة الله التي فطر الناس عليها ". فكل آدمي فطر على الإيمان وما جاء الأنبياء إلا بالوحيد. ولذلك قال: " قولوا لا إله إلا الله ". فإنه لن يصادف إلا من هو مصدق بالإله، وإنما غلط في عينه أو صفته. ثم لما كان الإيمان بالله مركوزاً في النفوس بالفطرة، انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفار، وإلى من أجال خاطره، فتذكر وكان كمن جمل شهادة
أو صفته. ثم لما كان الإيمان بالله مركوزاً في النفوس بالفطرة، انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفار، وإلى من أجال خاطره، فتذكر وكان كمن جمل شهادة
فنسيها بغفلة ثم تذكرها. ولذلك قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرون) ، (وَلْيذَكّرّ أوْلوا الألبابِ) ، (وَاذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقُهُ الذي وَاثَقَكُمْ بِه) ، (وَلَقَدْ يَسّرنا القُرآنَ لِلذِّكر فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر) . والتذكير هو أكثر ما يعبر به، وتسمية هذا النمط تذكراً ليس ببعيد. وكأن التذكير ضربان: أحدهما أن يتذكر صورة كانت مكتسبة في قلبه بالعقل، ثم غابت عنه، والآخر أن يكون تذكره لصورة مضمّنة بالفطرة في الإنسان. ولذلك قال المحققون: التعلم ليس يجلب للإنسان شيئاً من خارج بل يكشف الغطاء عما حصل في النفوس بالفطرة، كحال مظهر الماء من الأرض، ومظهر الصور في المرآة بالجلاء. وهذه حقائق ظاهرة للناظرين بعين العقل، ثقيلة على من جمد به قصوره على أول رتبة صبيان المكتب، في اعتلاق طبعهم بسوابق الخيالات، من ظواهر الألفاظ، من غير تحقيق لها.
بيان أنواع العقل إعلم أن العقل ينقسم إلى غريزي وإلى مكتسب. فالغريزي هو القوة المستعدة لقبول العلم، ووجوده في الطفل، كوجود النخل في النواة. والمكتسب المستفاد هو الذي يحصل من العلوم، إما من حيث لا يدري، كفيضان العلوم الضرورية عليه، بعد التمييز من غير تعلم، وإما من حيث يعلم مدركه، وهو التعلم. ولانقسام العقل إلى قسمين قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه: رَأيتُ العقلَ عقلين ... فمطبوعٌ ومسموع ولا ينفعُ مسموعٌ ... إذا لم يك مطبوع كما لا تنفعُ الشمسُ ... وَضَوءَ العَينِ ممنوع والأول هو المراد بقوله: " ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل "، والثاني هو المراد بقوله ﵇ لعلي: " إذا تقرب الناس بأبواب البر، فتقرب أنت بعقلك ". والأول يجري مجرى البصر للجسم، والثاني يجري مجرى نور الشمس،
العقل "، والثاني هو المراد بقوله ﵇ لعلي: " إذا تقرب الناس بأبواب البر، فتقرب أنت بعقلك ". والأول يجري مجرى البصر للجسم، والثاني يجري مجرى نور الشمس،
ولا منفعة في النور عند عمي البصر، ولا يجدي البصر عند عدم النور. فكذلك بصر الباطن، وهو العقل، وهو أشرف من البصر الظاهر إذ النفس كالفارس، والبدن كالفرس، وعمي الفأس أضّر من عمى الفرس. ولمشابهة بصره الباطن الظاهر قال تعالى: (مَا كَذَبَ الفُؤادُ مَا رَأَى) ، وقال: (وَكَذَلِكَ نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السَّمَواتِ والأَرْض) . وسمي ضده عمى، قال تعالى: (فَإِنّها لا تَعْمَى الأبصار وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصّدُور) . وقال: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذه أَعْمَى فَهُوَ في الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبيلاً) . وبالجملة من لم يكن بصيرة عقله نافذة، فلا تعلق به من الدين إلا قشوره، بل خيالاته وأمثلته، دون لبابه وحقيقته. فلا تدرك العلوم الشرعية، إلا بالعلوم العقلية، فإن العقلية كالأدوية للصحة،
والشرعية كالغذاء، والنقل جاء من العقل، وليس لك أن تعكس. والنفس المريضة المحرومة من الدواء تتضرر بالأغذية ولا تنتفع. ولذلك قال تعالى: (في قُلُوبِهِم مَرَضٌ) ، لما كانوا لا ينتفعون بالقرآن. والمقلد الأعمى، إذا تأمل أمور مواد الشرع يتراءى له أمور متناقضة، وهي كذلك بالإضافة إلى ما فهمه. ثم قد تجبن نفسه عن التأمل فيه لضعف عقله وخور طبعه، فيتكلف الغفلة عنه خيفة أن ينكسر تقليده، وقد يتأمله فيدرك تناقضه، فيتحير ويبطل يقينه. ولو نظر بعين البصيرة، لبطل التناقض ورأى كل شيء في موضعه. ومثاله مثال الأعمى الذي دخل داراً فعثر بالكوز والطشت وأثاث الدار، فقال: لمَ وضعتم هذا على الطريق، لم لا تردونها إلى محلها. فقيل له: إن كلاً في موضعه، ولكن الخلل في البصر. فهذا بيان نسبة العلم المستفاد من العقل. واعلم أن المكتسب من العلوم بواسطة العقل ينقسم إلى المعارف الدنيوية
والآخروية، وطريقاهما متنافيان. فمن صرف عنايته إلى أحدهما، اقتصرت بصيرته في الآخر على الأكثر. ولذلك ضرب الإمام علي ﵁ ثلاثة أمثلة. فقال: " إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي ميزان، وكالمشرق والمغرب، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ". ولذلك نرى الأكياس في أمور الدنيا جهالاً في أمور الآخرة، وبالعكس. ولذلك قال ﵇: " الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ". وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى البله: " أكثر أهل الجنة البله "، يعني في أمور الدنيا. ولذلك قال الحسن البصري: " أدركنا أقواماً لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا شياطين ". ومهما سمعت أمراً غريباً من أمور الدين، فلا يبعدنّك عن قبوله أنه لو كان حقيقياً لأدركه الأكياس من أرباب الدنيا ودقائق الصناعات الهندسية وغيرها، إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب، فكذلك أمر الدنيا والآخر. ولذلك قال تعالى: (إن الَّذِينَ لاَ يَرْجَوْنَ لِقَاءَنَا وَرَضَوا بالحياةِ الدُّنْيا
ر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب، فكذلك أمر الدنيا والآخر. ولذلك قال تعالى: (إن الَّذِينَ لاَ يَرْجَوْنَ لِقَاءَنَا وَرَضَوا بالحياةِ الدُّنْيا
واَطْمَأَنّوا بها) الآيتين. وقوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهراً مِنَ الحَياةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرَةِ هُمْ غَافِلُون) . ولا يكاد يجمع بينهما إلا من رشحه الله لتدبير الخلق في معاشهم ومعادَهم وهم الأنبياء المؤيدون بروح القدس، المستمدون من قوة تتسع لجميع الأمور، ولا تضيع. فأما النفوس الضيقة، إذا شغلت بأمر انصرفت عن غيره، ولن نقدر على الاستكمال منهما جميعاً.
بيان وظائف المتعلم والمعلم في العلوم المسعدة أما المعلم، فوظائفه كثيرة، وتجمع تفاصيلها عشر جمل. الوظيفة الأولى أن يقدم طهارة النفس عن رديء الأخلاق. فكما لا تصح عبادة الجوارح في الصلاة، إلا بطهارة الجوارح،
والعلم عبادة النفس، وفي لسان الشرع عبادة القلب، فلا يصح إلا بطهارة القلب عن خبائث الأخلاق، وأنجاس الصفات. قال ﵇: " بني الدين على النظافة ". وهو كذلك باطناً كما أنه كذلك ظاهراً، وقال تعالى: (إنّما المشْرِكُونَ نَجَسٌ) ، فنبّه به على أن الطهارة والنجاسة غير مقصورتين على الظاهر. ولذلك قال ﵇: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ". والقلب منزل الملائكة، ومحل نظرهم ومصب أثرهم، والصفات الردية كلاب مانعة، ومهما اعتقد في بيت الدين صفات لا تساوي سائر الصفات المحمودة أولى، وبيت الدين هو القلب، وعليه تغلب الكلام مرة، والملائكة أخرى، فإن قلت: فكم طالب رديء الأخلاق، حصّل العلوم؟
ين صفات لا تساوي سائر الصفات المحمودة أولى، وبيت الدين هو القلب، وعليه تغلب الكلام مرة، والملائكة أخرى، فإن قلت: فكم طالب رديء الأخلاق، حصّل العلوم؟
فما أبعدك عن فهم العلم الحقيقي الديني، الجالب للسعادة. فما يحصّله صاحب الأخلاق الردية حديث ينظمه بلسانه مرة، وبقلبه أخرى، وكلام يردده، ولو ظهر نور العلم على قلبه، لحسنت أخلاقه، فإن أقل درجات العلم أن يعرف أن المعاصي سموم مهلكة، مبطلة للحياة الأبدية، فإن منشأها الصفات الردية. وهل رأيت من عرف السم فتناوله؟ ولهذا قال علي السلام: " من ازداد علماً ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعداً ". ولهذا قال بعض المحققين: معنى قولهم تعلمنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا الله، أي العلم امتنع وأبى أن يحصل، وما حصل كان حديثاً ولم يكن علماً تحقيقياً. فإن قلت: إني أرى جماعة من فضلاء الفقهاء قد تبخروا فيها مع سوء أخلاقهم، فيقال لك: إذا عرفت مراتب العلوم ونسبتها إلى سلوك السعادة، عرفت أن ما يعرفه أولئك الفقهاء قليل الغناء في المقصود، وإن كان لا ينفك عن تعلق به في حق من يقصد به التقرب. الوظيفة الثانية: أن يقلل علائقه من الأشغال الدنيوية، ويبعد عن الأهل والولد والوطن، فإن العلائق صارفة وشاغلة للقلوب،
(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجل مِنْ قَلبَين فِي جَوْفِهِ) ، وكلما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق. ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك، فإنك من إعطائه إياك بعضه على خطر. والفكرة مهما توزعت على أمور، كانت كجدول ماؤه منكشف منبسط، فينشفه الهوى والأرض، ولا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزرعة وينتفع به. الوظيفة الثالثة: أن لا يتكبر على العلم وأهله ولا يتآمر على المعلم، بل يلقي إليه بزمام أمره، في تفصيل طريق التعلم، ويذعن لنصحه إذعان المريض للطبيب. أما التكبر على العلم، فإنه يستنكف من استفادته ممن يعرفه، وهو عين الحمق، بل الحكمة ضالة كل حكيم. فحيث يجدها، ينبغي أن يغتنمها، ويستفيدها، ويتقلد بها المنة. فَالعِلْمُ حَربٌ لِلفَتى المتَعَالِي ... كَالسَّيْل حَربٌ لِلمَكَانِ العَالِي فلا بد من التواضع، ولذلك قال الله تعالى: (إنّ فِي ذَلك لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ ألقَى السَّمعَ وَهُوَ شَهِيد) ، أي يكون مشتغلاً بالعلم، وهو المراد بمن له قلب، أو كان فيه من العقل ما يحمله على
إلقاء السمع وحسن الإصغاء والضراعة. ومهما أشار المعلم في طريق التعلم بما يراه المتعلم عين الخطأ ويعتقده قطعاً، فليتهم نفسه وليصبر، وليتبع معلمه، فإن خطأ معلمه خير من صواب نفسه، كسالك الطريق يكون قد استفاد بالتجربة ما يتعجب المبتدئ منه. وعلى هذا نبّه الله تعالى في قصة الخضر وموسى فإنه قال: (هَل اتَّبعُكَ عَلى أن تُعَلِّمَنِ ممَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) ، إلى قوله: (فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شيء حتى أحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) . ثم لم يصبر وراجعه وراده إلى أن قال: (هَذَا فِراقٌ بَيني وَبَينك) .
ُشْداً) ، إلى قوله: (فَلاَ تَسْأَلْني عَنْ شيء حتى أحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً) . ثم لم يصبر وراجعه وراده إلى أن قال: (هَذَا فِراقٌ بَيني وَبَينك) .
ثم نبّه على أسرار ما استبعده، كما ورد به القرآن، فعرف الله موسى أن العلم يعلم ما لا ينتهي إليه عقل المتعلم ووهمه. وبالجملة فكل متعلم لم يتبع مراسم معلمه في طريق التعلم، فأحكم عليه بالإخفاق وقلة النجح، فإن قلت فقد قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذَّكْرِ إِنْ كُنْتُم لاَ تَعْلَمُون) ، فاعلم أن هذا ليس مناقضاً لمنع موسى من السؤال، ولا لما ذكرناه، لأن النهي هو منع عن طلب، ما لم يبلغ إلى حدّ يدركه. فإذا منعه المعلّم من السؤال عنه، فليمتنع. والأمر هو حثّ على معرفة تفصيل ما تقتضيه رتبته من العلم. الوظيفة الرابعة: إن الخائض في العلوم النظرية لا ينبغي أن يصغي أولاً إلى الاختلاف الواقع بين الفرق والشبه المشككة والمحيرة، ما لم يكن بعد تمهيد قوانينه. فإن ذلك يفتر عزمه في أصل العلم،
ويؤيسه عن حقيقة الدرك، لأسباب ذكرناها في كتاب " معيار العلم ". فليتقن الأصول والرأي الذي اختاره استاذه وطريقه. ثم ليخض بعد ذلك في تعريف الشبه وتعقبها، ولهذا نهى الله تعالى من لم يقو في الإسلام عن مخالطة الكفار، حتى قيل كان أحد أسباب تحريم الخنزير ذلك، إذ كان أكثر أطعمة الكفار، فحرّم ذلك ليكون مزجرة للمسلمين عن مؤاكلتهم، التي كانت سبباً للمخالطة. ولهذا يجب صيانة العوام عن مجالس أهل الأهواء، كما يُصان الحرم عن مخالطة المفسدين. فأما من قويت في الدين شكيمته، واستقر في نفسه برهانه وحجته، فلا بأس عليه بالمخالطة، بل الأحب المخالطة والإصغاء إلى الشبه والاشتغال بحلّها، ويكون به مجاهداً. فإن القادر يستحب له التهجم على صف الكفار، والعاجز يكره له ذلك.
يه بالمخالطة، بل الأحب المخالطة والإصغاء إلى الشبه والاشتغال بحلّها، ويكون به مجاهداً. فإن القادر يستحب له التهجم على صف الكفار، والعاجز يكره له ذلك. ومن هذا الأصل غلط من ظنّ أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء في الدين، حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رآني في الابتداء قال صدّيقاً، ومن رآني في الانتهاء قال زنديقاً، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتسكن ظواهر الأعضاء،
فيظن أن ذلك تهاون بالعبادات، هيهات! فذلك استغراق لمخّ العبادات ولبابها وغايتها، ولكن أعين الخفافيش تكلّ عن درك نور الشمس. الوظيفة الخامسة: للمتعلم أن لا يدع فناً من فنون العلم، ونوعاً من أنواعه إلا وينظر فيه نظراً يطّلع به على غايته ومقصده وطريقه. ثم إن ساعده العمر وأتته الأسباب طلب التبحّر فيه، فإن العلوم كلها متعاونة مترابطة بعضها ببعض، ويستفيد منه في الحال حتى لا يكون معادياً لذلك العلم بسبب جهله به. فإن الناس أعداء ما جهلوا. قال تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيم) ، قال الشاعر: وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِدْ مُراً بِهِ المَاءُ الزُّلاَلاَ فلا ينبغي أن يستهين بشيء من أنواع العلوم، بل ينبغي أن يحصّل كل علم ويعطيه حقه ومرتبته، فإن العلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله، أو معينة على أسباب السلوك، ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصد. والقوام بها حفظته كحفظة الرباطات والثغور على طريق الجهاد والحج، ولكل واحد منها رتبه. الوظيفة السادسة: أن لا يخوض في فنون العلم دفعة، بل
يراعي الترتيب، فيبدأ بالأهم فالأهم، ولا يخوض في فنّ حتى يستوفي الفن الذي قبله، فإن العلوم مرتبة ترتيباً ضرورياً وبعضها طريق إلى بعض. والموفق مراعي ذلك الترتيب والتدريج. قال تعالى: (الذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَه حَقَّ تَلاَوَتِه) ، أي لا يجاوزون فناً حتى يحكموه علماً وعملاً. وليكن قصده من كل علم يتحرّاه الترقي إلى ما فوقه. وينبغي أن لا تحكم على علم بالفساد لوقوع الاختلاف بين أصحابه فيه، ولا بخطأ واحد أو آحاد فيه، ولا بمخالفتهم موجب العلم بالعمل، فيرى جماعة تركوا النظر في العقليات والفقهيات، متعللين فيها بأنه لو كان لها أصل لأدركها أربابها. وقد مضى كشف هذه الشبهة في كتابنا " معيار العلم "، ويرى قوم يعتقدون صحة النجوم لصواب اتفق لواحد، وطائفة يعتقدون بطلانه لخطأ اتفق لواحد، والكل خطأ. بل ينبغي أن يعرف الشيء في نفسه، فلا كل علم يستقل به كل شخص. ولذلك قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه: " لا تعرف الحق بالرجال، إعرف الحق تعرف أهله ". الوظيفة السابعة: إن العمر إذا لم يتسع لجميع العلوم، فينبغي أن يأخذ من كل شيء أحسنه، فيكتفي بشمة من كل
" لا تعرف الحق بالرجال، إعرف الحق تعرف أهله ". الوظيفة السابعة: إن العمر إذا لم يتسع لجميع العلوم، فينبغي أن يأخذ من كل شيء أحسنه، فيكتفي بشمة من كل
علم، ويصرف الميسور من العمر إلى العلم الذي هو سبب النجاة والسعادة، وهو غاية جميع العلوم، وهي معرفة الله على الحقيقة والصدق. فالعلوم كلها خدم لهذا العلم، وهذا العلم حرّ لا يخدم غيره. ولهذا قال تعالى: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُم فِي خَوْضِهِم يَلْعَبُون) ، وليس المراد تحريك عضلات اللسان بهذه الحروف، ولذا قال: " من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة "، فإن حركة الأطراف قليل الغناء، إذا لم يكن مؤثراً في القلب، أو لم يكن صادراً عن أثر راسخ في القلب، أو له اعتقاد يسمى إيماناً. ثم ينتهي ترتيبه إلى مثل إيمان أبي بكر، الذي وزن بإيمان العالمين لرجح. هذا مع التصريح بأنه ما فضلكم بكثرة صيام وصلاة ولكن بسرّ وقر في قلبه. فإن كان منتهى العلم بالله اعتقاد ما أعتقده المقلّد المتكلّم المتعلم بتحرير الدليل، فما عندي أن هذا يعجز عنه عمر وعثمان وكافة الصحابة، حتى كان قد فضلهم أبو بكر به. وبهذا يستبين للمنصف أن طريق الصوفية، وإن كان يرى مائلاً عن أكثر الظواهر، فمشهود له من الشرع بشواهد قوية. فلا ينبغي أن يعاديها الجاهل لجهله وقصوره عنها.
ذا يستبين للمنصف أن طريق الصوفية، وإن كان يرى مائلاً عن أكثر الظواهر، فمشهود له من الشرع بشواهد قوية. فلا ينبغي أن يعاديها الجاهل لجهله وقصوره عنها.
وعلى الجملة فمعرفة الله غاية كل معرفة، وثمرة كل علم، على المذاهب كلها. وقد روي أنه رؤي صورتا حكيمين من الحكماء المتعبدين في مسجد، وفي يد أحدهما رقعة فيها: " إن أحسنت إلى شيء، فلا تظنن أنك أحسنت شيئاً، حتى تعرف الله تعالى، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء ". وفي يد الآخر: " كنت قبل أن عرفت الله أشرب وأظمأ، حتى إذا عرفته رويت بلا شرب ". الوظيفة الثامنة: أن تعرف معنى كون بعض العلوم أشرف من بعض فإن شرف العلم يدرك بشيئين: أحدهما بشرف ثمرته، والآخر بوثاقه دلالته. وذلك كعلم الدين وعلم الطب، الذي ثمرته حياة البدن إلى غاية الموت. وأما الحساب إذا أضفته إلى الطب، فالحساب أشرف باعتبار وثاقه دلالته، فإن العلوم بها ضرورية غير متوقفة على التجربة بخلاف الطب. والطب أشرف باعتبار ثمرته، فإن صحة البدن أشرف من معرفة كمية المقادير. والنظر إلى شرف الثمرة أولى من النظر إلى وثائقه الدليل.
وأشرف العلوم ثمرة العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله وما يعين عليه، فإن ثمرته السعادة الأبدية. الوظيفة التاسعة: أن تعرف أنواع العلوم بقول جملي، وهي ثلاثة: علم يتعلق باللفظ، من حيث يدل على المعنى، وعلم يتعلق بالمعنى المجرّد. أما المتعلق باللفظ، فهو ما عرف به المعاني بالحس وأريد أن تعرف الألفاظ الموضوعة بالاصطلاح للدلالة عليها وهي قسمان: أحدهما علم اللغات، والآخر لواحقها، كعلم الاشتقاق والإعراب والنحو والتصريف وعلم العروض والقوافي، وقد ينتهي إلى العلم بمخارج الحروف وما يتعلق به. وأما المتعلق بالمعنى من حيث يدل الفظ عليه، فعلم الجدل والمناظرة والبرهان والخطابة. فإن الناظر في هذه العلوم عالم باللغة وموجوب الألفاظ، وعالم بالمعاني، وعالم بترتيب إيرادها، وكيفية نظمها على وجه يؤدي إلى تحصيل العلم اليقيني، فيكون برهاناً، أو إلى إفحام الخصم فيكون جدلاً، أو إلى إقناع النفس الإقناع الذي يبتغي الاستدراج والمجادلة،
ظمها على وجه يؤدي إلى تحصيل العلم اليقيني، فيكون برهاناً، أو إلى إفحام الخصم فيكون جدلاً، أو إلى إقناع النفس الإقناع الذي يبتغي الاستدراج والمجادلة،
فيسمى خطابة ووعظاً، ويسمى أيضاً دليلاً، فإنها تدل على المخاطبين على المقاصد، وتسوقهم إلى اعتقاداتهم، التي فيها نجاتهم. وعليه أكثر دلالات الأخبار والقرائن المستدل بها على الكفار. وهو أكثر أنواع الأدلة نفعاً، وأعمقها في حق الجماهير جدوى. فأما البرهان الحقيقي اليقيني، فلا يستقل بفهمه ودركه إلا أكابر العلماء المحققين الذين لا تسمح الأعصار بآحادهم. وأما الجدل فأقل الأقسام فائدة في الإرشاد، إذ المحقق لا يقنع بما يبني دلالته على تسليم الخصم، وليس مسلماً في نفسه. والعامي لا يفهمه بل يكلّ فهمه عن دركه، والمشاغب المناظر في أكثر الأمر، إذا أفحم استمر على اعتقاده وأحال بالقصور على نفسه، وقال: لو كان صاحب مذهبي حياً وحاضراً، لقدر على الانفصال عنه، وأكثر ما ذكره المتكلمون في مناظراتهم مع الفرق جدليات، وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه. ولذلك لا تنكشف مناظرة عن تنبه متنبه برجوعه عن مذهبه إلى غيره. وأما القسم الثالث المتعلق بالمعنى، فضربان: علمي مجرد وعملي. أما العلمي فمعرفة الله تعالى ومعرفة
الملائكة وملكوت السموات والأرض وآيات الآفاق والأنفس وما بث فيها من دابة، ومعرفة الكواكب السماوية والآثار العلوية، ومعرفة أقسام الموجودات كلها، وكيفية ترتب البعض منها على البعض، وكيفية ارتباط البعض منها بالبعض، وكيفية ارتباطها بالأول الحق المقدس عن الارتباط بغيره، ومعرفة القيامة والحشر والنشر والجنة والنار والصراط والميزان، ومعرفة الجن والشياطين، وتحقق أن ما سبق إلى الإفهام العامية من ظاهر هذه الألفاظ، حتى تخيلوا منها في الله تعالى أموراً، من كونه على العرش وفوق العالم بالمكان وقبله بالزمان، وما اعتقدوه في الملائكة والشياطين، وفي أحوال الآخرة من الجنة والنار، هل هي كما اعتقدوه من غير تفاوت، أو هي أمثلة وخيالات، ولها معان سوى المفهوم عن ظاهرها؟ فتحقق هذه الأمور بالصدق والحقيقة الصافية عن الشك، ورجم الظنون المنفكة عن المرية والتخمين، هي العلوم النظرية المجردة عن العمل.
وأما العملي فهي الأحكام الشرعية، والعلوم الفقهية، والسنن النبوية. وذلك معرفة سياسة النفس مع الأخلاق كما مضى، ومعرفة تدبير أهل البيت والولد والمطعم والملبس. وكيفية المعيشة والمعاملة. وهذا علم الفقه، ويشتمل على ربع المعاملات والنكاح والعقوبات. ثم إذا عرف أنواعها، فينبغي أن يعرف مراتبها، كيلا يضيع العمر إلا في المقصود، أو فيما يقرب منه. وأما المقتنع بالقسم الأول المتعلق باللفظ، فمختصر على القشر المحض. والقانع منه بالنحو والإعراب والعروض ومخارج الحروف، فقانع أيضاً من القشرة بأوجهها. وأما الخائض في تعرف الطريق الذي به يتميز الدليل الحقيق عن الإقناع، فمشتغل بأمر مهم. فإن اقتصر عليه فهو مقتصر على الآلة والوسيلة، كمن يقصد الحج فيشتري الجمل ويعدّ الزاد والراحلة، ويقعد في بيته. فلذلك مهم وضروري لكونه آلة ضرورية، ولكن إذا لم
صر عليه فهو مقتصر على الآلة والوسيلة، كمن يقصد الحج فيشتري الجمل ويعدّ الزاد والراحلة، ويقعد في بيته. فلذلك مهم وضروري لكونه آلة ضرورية، ولكن إذا لم
يستعمل في المقصد، لا فائدة له. فلا خير في مجرد السلاح إذ لم يستعمل في القتال. وأما الخائض في العلوم العملية المقتصر عليها، أعني الفقهيات وتفصيلها، فحالة أقرب من حال المقتصر على اللغات، فهو بالإضافة إليه عظيم القدر، كما أن العلم باللغات أيضاً بالإضافة إلى العلم بالرقص والزمّر عظيم، ولكن أن أضيف إلى جانب المقصود، فهو في غاية البعد ولا يتشكل ذلك إلا بمثال. فإذا علق السيد عتق عبده على أن يحج، ووعده بعد ذلك بما ينال به الرئاسة، فله ثلاث مقامات في الوصول إلى سعادة العتق وما بعده. الأول تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الرواية وإعداد الزاد، والآخر السلوك لمفارقة الوطن والتوجه إلى المقصد منزلاً بعد منزل، والثالث الاشتغال بالحج ركناً فركناً، ثم العتق معه، مع التعرض لاستحقاقه المال الموصل إلى السعادة، وله في كل مقام منازل من أول إعداد الأسباب إلى آخره، ومن أول سلوك الطريق إلى آخره. وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من
ابتدأ بالاستعداد، ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك. فوازن الحج مما نحن فيه كمال النفس بطهارة الأخلاق، وقطع الرذائل كلها، وكمالها مع ذلك بانكشاف الحقائق لها. ومثال المال الموصل إلى الرئاسة ها هنا الموت، الذي يكشف الحجاب الحائل بينه وبين رتبة مشاهدة نفسه، وكمالها وجمالها، ليرى نفسه من الكمال في أعلى عليّين، فيفرح به ويسرّ سروراً مؤبداً. ومثال سلوك منازل الطريق منزلاً بعد منزل سلوك مهذّب الأخلاق في محو الأخلاق الرديئة عن نفسه خلقاً بعد خلق، وطالب العلوم النظرية التي ذكرناها دون سائر العلوم، الخادمة للعلوم النظرية من الفقهيات واللغويات. فالمتعلّم للفقه كالخارز للرواية، والمقتصر عليه كالمقتصر على الرواية، والمقتصر على اللغة كالمقتصر على دباغة الجلد، الذي يتخذ منه الرواية مثلاً، فإن الحاج لا يستغني عن الدباغ ومستغرق أوقاته بمعرفة تفريعات الفقه، على ما يشتمل عليه الخلافيات في هذا العصر، مما لم يعهد في عصر الصحابة،
واية مثلاً، فإن الحاج لا يستغني عن الدباغ ومستغرق أوقاته بمعرفة تفريعات الفقه، على ما يشتمل عليه الخلافيات في هذا العصر، مما لم يعهد في عصر الصحابة،
كمستغرق أوقاته في أحكام الرواية، بعد سلوك الخيوط التي يخرزها وتحسن الخرز. فإن قلت: فهذا إن قلته عن اعتقاد فهو خلاف اجماع الفقهاء، وإن قلته حكاية، فمن المعتقد لهذا المذهب؟ فأقول: لست أقوله إلا حكاية عن هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه، وهو مذهب التصوف. وقد اتفقوا على المعنى الذي يفهمه هذا المثال، وإن لم يكن هذا المثال بعينه من جهتهم. فإن قلت: فهل ما قالوه حق أم لا؟ فأقول ليس هذا الكتاب لبيان الحق والباطل بالبرهان في هذه الأمور، بل هي وصايا تنبّه على الغفلة وترشد إلى مواضع الطلب، كي لا يغفل الإنسان عمّا قالوه. فإن إمكانه ليس ببعيد في أول الأمر، فليبحث المتعلم المسترشد عنه ليعرف سره وغائلته. فإن قلت: إني وأن كنت لا أعتقد مذهب التصوف، فلا تسمح نفسي أيضاً بعد أن استغرقت عمري في الفقه خلافاً ومذهباً أن أنحط عند الصوفية إلى هذه الرتبة الخسيسة، فأرى بهذه العين، فلم قلت أن مذهبهم يوجب هذا؟ فاعلم إنك تتحقق السبب إن علمت تفاصيل ما سبق من ارتباط السعادة بمحو وإثبات عن النفس. وفيها، وأن المحو لما لا ينبغي أن يكون تزكية لها، والإثبات لما ينبغي أن يكون تكميلاً لها بكشف الحقائق فيها. وذلك لا يحصل إلا بتهذيب الأخلاق، والتفكر في آلاء
الله وملكوت السموات والأرض، حتى تنكشف أسرارها. والفقه إنما يحتاج إليه من حيث أنه محتاج إليه البدن، والبدن لا يبقى إلا بعلم الأبدان، وهو الطب. وعلم الأديان، وهو الفقه، إذ الآدمي خلق بحيث لا يمكن أن يعيش وحده كالبهيمة الوحشية، بل يفتقر إلى أن يكون بين جمع متعاونين على أشغال كثيرة، في تهيئة المطاعم والملابس وآلاتهما، ولا بد إذ كان لهم اجتماع من أن يكون بينهم عدل وقانون في المعاملة، عليه يترددون، ولولاه لتنازعوا وتقاتلوا وهلكوا. فالفقه هو بيان ذلك القانون، وتفصيله في ربع النكاح والمعاملات والعقوبات، فالبدن في طريق السائرين إلى الله تعالى يجري مجرى الناقة الراوية في طريق الحج، ومصالح الأبدان كمصالح الناقة، والراوية والعلم والمتكفل بمصالح البدن كالصناعة المتكفلة بخرز الراوية وتقديرها وتطهيرها، ورتبته من هذا المقصد كرتبتها من ذلك المقصد إن صح ما ذكروه في السلوك والاستعداد والمقصد، وإنهم يقولون لولا إرادة الله عمارة الدنيا، لارتفعت الحجب وزالت الغفلة وتوجه الخلق كلهم إلى سبيل الله، وترك كل فريق ما هو بعيد عن المقصود، ولكن كل حزب بما لديهم
ن لولا إرادة الله عمارة الدنيا، لارتفعت الحجب وزالت الغفلة وتوجه الخلق كلهم إلى سبيل الله، وترك كل فريق ما هو بعيد عن المقصود، ولكن كل حزب بما لديهم
فرحون، وبه قوام العالم، بل لولاه لبطلت الصناعات. فلو لم يعتقد الخيّاط والحائك والحجام في صنعته ما يوجب ميله إليها، لتركها وأقبل الكل على أشرف الصنائع، ولبطلت كثرة الصنائع. فإن رحمة الله غفلتهم بوجه من الوجوه. وعليه حمل بعضهم قوله ﵇: " اختلاف أمتي رحمة "، يعني اختلاف هممهم، ولو عرف الكنّاس ما في صناعته لتركها، ولاضطر العلماء والخلفاء والأولياء أن يتولوها بأنفسهم. وكذلك الدباغة والحدادة والزراعة، وجميع الأمور فلولا أن الله تعالى حبّب علم الفقه والنحو ومخارج الحروف والطب والفقه في قلوب طوائف، لبقيت هذه العلوم معطّلة، ولتشوش النظام الكلي، وليس من شرط المتجرد لعلم أو صناعة أن يتطلع على قدر رتبته ونسبته إلى من فوقه. بل إلى من تحته. وإنما المطّلع على حملة مراتب العلوم هم المتكفل بالعلوم كلها، وهو الذي آتاه الله الحكمة، وأراه الأشياء على ما هي عليه. فهذا جواب هؤلاء، وإليك الرأي بعد هذا في الاقتصار على ما أنت فيه، أو سلوك طريق هؤلاء والبحث عن هذا الفن، لتعرف حقيقة الحق فيه.
لأشياء على ما هي عليه. فهذا جواب هؤلاء، وإليك الرأي بعد هذا في الاقتصار على ما أنت فيه، أو سلوك طريق هؤلاء والبحث عن هذا الفن، لتعرف حقيقة الحق فيه.
الوظيفة العاشرة: للمتعلم أن يكون قصده في كل ما يتعلمه في الحال كمال نفسه وفضيلتها، وفي الآخرة التقرب إلى الله ﷿. ولا يكون قصده الرئاسة والمال، ومباهاة السفهاء، ومماراة العلماء، فقد قال ﵇: " من تعلم العلم ليباهي به السفهاء ويماري به العلماء دخل النار "، وقد سبق أن العلوم لها منازل في الوصول بها إلى الله ﷿، والقوّام بتلك العلوم كحفظة الرباطات في طريق الجهاد. فإذا عرف كل أحد رتبته ووفّاه حقه وقصد به وجه الله تعالى، لم يضع أجره، فإن الله يرفعه بقدر علمه في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: (يّرْفَعُ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، وقال: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله) . ولا ينبغي أن يفتر رأيك في العلوم بما حكيناه من طريق الصوفية، فإنهم لا يعتقدون حقارة العلوم، بل يعتقد كل مسلم حرمتها وعظمتها. وما ذكروه، إنما أوردوه بالإضافة إلى مرتبة الأولياء والأنبياء، وذلك جار مجرى استحقارك الصيارفة عند قياسهم بالسلاطين والوزراء. وذلك لا يوجب نقيصتهم، مهما قستهم بالكناسين والدباغين، ولا تطالب من نزل عن الرتبة القصوى لسقاطة القدر بها، فإن الرتبة القصوى
اسهم بالسلاطين والوزراء. وذلك لا يوجب نقيصتهم، مهما قستهم بالكناسين والدباغين، ولا تطالب من نزل عن الرتبة القصوى لسقاطة القدر بها، فإن الرتبة القصوى
للأنبياء، ثم للأولياء، ثم للعلماء، على تفاوت مراتبهم، ثم للصالحين في الأعمال. وبالجملة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ يَرَه) . ومن قصد التقرب إلى الله بالعلوم، نفعه الله ورفعه لا محالة. فهذه هي الوظائف للمتعلم. وأما وظائف المعلم المرشد فهي ثمان. واعلم قبل كل شيء أن للإنسان في العلم أربعة أحوال، كما في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حال استفادة، فيكون مكتسباً، وحال ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنياً عن السؤال، وحال انفاق على نفسه، فيكون منتفعاً، وحال إفادته غيره بالإنفاق، فيكون به سخياً متفضلاً، وهو أشرف أحواله، فمن أصاب علماً فاستفاد وأفاد، كان كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها، وهي مضيئة، مستغن عن السؤال، وحال استبصار وهو تفكّره في المحصّل، وحال تبصير وتعليم، وهو أشرف أحواله، فكذلك العلم كالمال، ولصاحبه استبصار وهو تفكيره في المحصل، وحال تبصير وتعليم وهو أشرف أحواله. فمن أصاب علماً فاستفاده وأفاد
كان كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها، وهي مضيئة، والمسك الذي يطيب وهو طيب، ومن أفاد غيره ولم ينتفع به، فهو كالدفتر يفيد غيره، وهو خال عنه، وكالمسنّ يشحذ غيره يقطع، أو كذبالة المصباح تضيء غيرها وهو تحترق. فأول وظائف المعلم أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه، كما قال ﵇: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده ". وليعتقد المتعلم أن حق المعلم أكبر من حق الأب، فإنه سبب حياته الباقية، والأب سبب حياته الفانية، وكذلك قال الإسكندر، لما قيل له: أمعلمك أكرم عليك أم أبوك؟ فقال: " بل معلمي ". وكما أن من حق بني الأب الواحد أن يتحابّوا ولا يتباغضوا، فكذلك حق بني المعلم، بل حق بني الدين الواحد. فإن العلماء كلهم مسافرون إلى الله تعالى، وسالكون إليه الطريق. في الطريق يوجب تأكد المودة، فأخوة الفضيلة فوق أخوة الولادة. وإنما منشأ التباغض إرادتهم بالعلم المال الرياسة، فيخرجون به عن سلوك سبيل الله، ويخرجون عن قوله تعالى:
(إنّما المُؤْمنونَ إخْوَة) ، ويدخلون تحت قوله: (الأخِلاّءُ يَومَئذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إلا المتّقِين) . الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الشرع، فلا يطلب على إفادة العلم أجراً وجزاء. قال تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً) . فإن من يطلب المال وأغراض الدنيا بالعلم، كمن نظف أسفل مداسه بوجهه ومحاسنه، فجعل المخدوم خادماً، إذ خلق الله الملابس والمطاعم خادمة للبدن، وخلق البدن مركباً، وخادماً للنفس، وجعل النفس خادمة للعلم. فالعلم مخدوم ليس بخادم، والمال خادم ليس بمخدوم. ولا معنى للضلال إلا عكس هذا الأمر. والعجب أن الأمر قد انتهى بحكم تراجع الزمان، وخلوّ الأعصار عن علماء الدين، إلى أن صار المتعلم يقلّد معلمه ليستفيد منه، ويجلي بين يديه ويطمع في أغراض دنيوية، عوضاً عن استفادته، وهذا غاية الانتكاس ومنشأ ذلك طلب المعلمين الرياسة، والتجمل بكثرة المستفيدين،
ه ليستفيد منه، ويجلي بين يديه ويطمع في أغراض دنيوية، عوضاً عن استفادته، وهذا غاية الانتكاس ومنشأ ذلك طلب المعلمين الرياسة، والتجمل بكثرة المستفيدين،
لقصور علمهم وعدم ابتهاجهم بكمال علومهم الذاتية، فأطمع ذلك المستفيدين منهم فيهم. الوظيفة الثالثة: ألا يدخر شيئاً من نصح المتعلم وزجره عن الأخلاق الردية، بالتعريض والتصريح، ومنعه أن يتشوق إلى رتبة فوق استحقاقه، وأن يتصدى لاشتغال فوق طاقته، وأن ينبهه على غاية العلوم، وإنما هي السعادة الآخروية دون أغراض الدنيا. فإن رأى من لا يتعلم إلا لأجل طلب الرياسة، ومباهاة العلماء، لم يزجره عن التعلّم. فاشغاله بالتعلم مع هذا القصد خير من لأعراض، فإنه مهما اكتسب العلم تنبّه بالآخرة لحقائق الأمور. وأن الطالب بالعلم لأغراض الدنيا منغبون، وقد بيّن العلماء هذا المعنى بقولهم: " تعلمنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله ". بل أقول: إن كان الناس لا يرغبون في تعلم العلم لله، فينبغي أن يدعوهم إلى نوع من العلم يستفاد به الياسة بالأطماع في الرياسة، حتى يستدرجهم بعد ذلك إلى الحق. ولهذا رؤي الرخصة في علم المناظرة في الفقهيات، لأنها بواعث على المواظبة لطلب المباهاة أولاً، ثم بالآخرة، يتنبه لفساد قصده، ويعدلك عنه إلى التعلم بالأطماع في الرياسة إنا نطمعه فيه بالصولجان، وشراء الطيور،



