— Bagian 4 · اعث على المواظبة لطلب المباهاة أولاً، ثم بالآخرة… —
Bagian 4
اعث على المواظبة لطلب المباهاة أولاً، ثم بالآخرة، يتنبه لفساد قصده، ويعدلك عنه إلى التعلم بالأطماع في الرياسة إنا نطمعه فيه بالصولجان، وشراء الطيور،
وأسباب اللعب، ونطلق له ذلك في بعض الأوقات، لتنبعث دواعيه إلى التعلم ابتداءً طمعاً فيما رعيناه آخراً تدريجياً، وقد جعل الله تعالى قصد الرياسة من تعلّم العلم حفظاً للشرع والعلم. ويجري تحريض المتعلمين على العلم بالأطماع في الرياسة وحسن الذكر مجرى الحب يبث حوالي القمح والملواح المقيد على الشبكة ومجرى شهوة الغذاء والنكاح التي خلقهما الله داعية إلى الفعل الذي فيه بقاء الشخص والنوع، ولولا هذه المصلحة في المناظرة، لما كان يجوز أن يسمح فيها بحال من الأحوال، فإنها ليست تفضي إلى تغيير المذاهب، وترك المعتقد. الوظيفة الرابعة: إنه ينبغي أن ينهي عما يجب النهي عنه، بالتعريض لا بالتصريح، لأن التعريض يؤثر في الزجر، والتصريح بالزجر مما يغري بالمنهى عنه. قال ﵇: " لو نهي الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء ". وينبه على هذا قصة آدم وحواء وما نهيا عنه. وقد قيل: رب تعريض أبلغ من تصريح. وذلك أن النفوس الفاضلة لميلها إلى الاستنباط والتنبه للخفيات، تميل إلى التعريض شغفاً باستخراج معناه بالفكر. والتعريض لا يهتك حجاب الهيبة،
غ من تصريح. وذلك أن النفوس الفاضلة لميلها إلى الاستنباط والتنبه للخفيات، تميل إلى التعريض شغفاً باستخراج معناه بالفكر. والتعريض لا يهتك حجاب الهيبة،
والتصريح يرفعه بالكلية، فيستفيد المنهي جراءة على المخالفة إذا اضطر إلى المخالفة مرة أخرى. الوظيفة الخامسة: إن المتكفل ببعض العلوم، لا ينبغي له أن يقبح في نفس المتعلم العلم الذي ليس بين يديه، كما جرت عادة معلمي اللغة من تقبيح الفقه، عند المتعلمين وزجرهم عنه، وعادة الفقهاء من تقبيح العلوم العقلية والزجر عنها، بل ينبّه على قدر العلم الذي فوقه ليشتغل به عند استكمال ما هو بصدده. وإن كان متكفلاً بعلمين مترتبين، فإذا فرغ من أحدهما رقي المتعلم إلى الثاني وراعى فيه التدريج. الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلمين على قدر إفهامهم، فلا يرقّيهم إلى الدقيق من الجلي، وإلى الخفي من الظاهر، هجوماً وفي أول رتبة، ولكن على قدر الاستعداد، اقتداء بمعلم البشر كافة ومرشدهم حيث قال: " إنّا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلم الناس بقدر عقولهم ". وقال: " ما أحد يحدث قوماً حديثاً لا يبلغه عقولهم، إلا كان ذلك فتنة على بعضهم ". وقال: علي ﵁، وقد أومأ إلى صدره: " إن ههنا لعلوماً جمة، لو وجدت لها حملة ". وقال ﵇: " كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن
يكذب الله ورسوله "، وقال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهم خَيْرَاً لأَسْمَعَهُمْ) . وسئل بعض المحققين عن شيء فأعرض، فقال السائل: أما سمعت قول رسول الله ﵇: " من كتم علماً نافعاً، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار "، فقال: اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقه فكتكته فليلجمني به. ولما قال تعالى: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءِ أَمْوَالَكُمُ) ، نبّه على أن حفظ العلم وإمساكه عمن يفسده العلم أولى. ولما قال تعالى: (فَإنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم) نبّه على أن من بلغ رشده في العلم، ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم، ويرقى من الجلي الظاهر، إلى الدقيق الخفي الباطن، فليس الظلم في منع المستحق، بأقل من الظلم في إعطاء غير المستحق. وقال المتقدم في مثل ذلك:
فَمَنْ مَنَحَ الجهّال علماً أضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ المسْتَوجِبِين فَقَدْ ظَلَمْ وادخار حقائق العلوم عن المستحق لها فاحشة عظيمة. قال الله تعالى: (وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِثَاقَ الذِينَ أُوتوا الكِتَابَ لتُبَيّنّنَهُ للنّاس وَلاَ تَكْتُمُون) . الوظيفة السابعة: إن المتعل القاصر ينبغي أن يذكر له ما يحتمله فهمه، ولا يذكر له أن ما وراء ما ذكرت ذلك تحقيقاً وتدقيقاً أدخره عنك، فإن ذلك يفتر رأيه في تلقف ما ألقي إليه، بل يخيل إليه أنه كل المقصود، حتى إذا استقل به رقي إلى غيره بالتدريج. ومن هذا يعلم أن تقيّد من العوام بقيد الشرع، واعتقد الظاهر وحسن حاله في السيرة، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده وينبّه على تأويلات الظواهر. فإن ذلك يؤدي إلى أن ينحلّ عنه قيد الشرع، ثم لا يمكن أن يقيّد بتحقيق الخواص فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور، فينقلب شيطاناً وشريراً، بل ينبغي أن يرشد إلى علم العبادات الظاهرة، والأمانة في الصناعة، التي هو بصددها، وأن يملأ نفسه من الرغبة والرهبة على الوجه الذي نطق به القرآن، وأن لا يولّد شبهة، فإن تولدت شبهة وتشوقت نفسه إلى حلها، فيعالج دفع شبهته بما يقنع به من كلام عامي، وإن لم يكن على حقائق الأدلة.
الذي نطق به القرآن، وأن لا يولّد شبهة، فإن تولدت شبهة وتشوقت نفسه إلى حلها، فيعالج دفع شبهته بما يقنع به من كلام عامي، وإن لم يكن على حقائق الأدلة.
ولا ينبغي أن يفتح له باب البحث والطلب، فإنه يعطل عليه الصناعة التي بها تعمر الأرض وينتفع الخلق. ثم يقصر عن درك العلوم، فإن وجد ذكياً مستعداً لقبول الحقائق العقلية، جاز أن يساعده على التعليم، إلى أن تنحل له الشبهات، وقد حكي عن بعض الأمم السالفة أنهم كانوا يختبرون المتعلم مدة في أخلاقه، فإن وجدوا فيه خلقاً ردّياً منعوه التعلم أشد المنع. وقالوا إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الردي، فيصير العلم آلة شرّ في حقه، وإن وجدوه مهذب الأخلاق قيدوه في دار العلم، وعلّموه وما أطلقوه قبل الاستكمال، خيفة أن يقتصر على البعض، ولا تكمل نفسه، فيفسد به دينه ودين غيره، وبهذا الاختبار قيل: " نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب. فذلك يفسد الدين وهذا يفسد الحياة الدنيا ". الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم للعلم العملي، أعني الشرعيات، عاملاً بما يعلمه، فلا يكذّب مقاله بحاله، فينفر الناس عن الاسترشاد والرشد. وذلك أن العمل مدرك بالبصر، والعلم بالبصيرة، وأصحاب الأبصار أكثر من أرباب البصائر.
بما يعلمه، فلا يكذّب مقاله بحاله، فينفر الناس عن الاسترشاد والرشد. وذلك أن العمل مدرك بالبصر، والعلم بالبصيرة، وأصحاب الأبصار أكثر من أرباب البصائر.
فليكن عنايته بتزكية أعماله أكثر منه بتحسين علمه ونشره. وكل طبيب تناول شيئاً وزجر الناس عنه، وقال: " لا تتناولوه فإنه سمّ "، يحمل على الهزؤ والسفه. وإنما هو الذي اعتقد فيه أنه أنفع الأشياء يريد أن يستأثر به، فينقلب النهي إغراء وتحريضاً. والمتعظ من الواعظ يجري مجرى الطين من النقش، والظل من العود، وكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه، وكيف يستوي الظل، والعود أعوج؟ ولذلك قيل: لاَ تَنْه عَنْ خُلْقٍ وَتَأت مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيم بل قال الله تعالى: (أَتَأْمُرونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ) . ولذلك قيل: وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر غيره، لأنه يقتدى به، فيحمل أوزاراً مع أوزاره. كما قال ﵇: " من سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". فعلى كل عاص في كل معصية وظيفة واحدة، وهو تركها وترك الاظهار، كي لا يتبعه الناس، فإذا أظهر فقد ترك واجبين، وإن أخفى فقد ترك أحد الواجبين. ولذلك قال علي ﵁:
" قصم ظهري رجلان، جاهل متنسك، وعالم متهتك، فالجاهل يغر الناس بنسكه والعالم يغرهم بتهتكه ".
بيان تناول المال وما في كسبه من الوظائف اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، ففيها الخير النافع وفيها السم الناقع. ومثالها مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق، ويأخذها الغافل فيقتله سمّها من حيث لا يدري. وقيل: المال من الخيرات المتوسطة، فإنه ينفع من وجه ويضرّ من وجه، فلم يكن من بد الاقتصار على النافع منه، والاحتراز من المهلك منه.
وأصل ذلك معرفة رتبة المال من المقاصد، فإن أصل الأمور كلها العلم بحقائق الأشياء. فنقول: على طالب السعادة الآخروية وظائف في حق المال، من حيث جهة الدخل وجهة الخرج، وقدر المتناول بالنية الواجبة في تناوله. الوظيفة الأولى: معرفة رتبته، فقد سبق أن المقتنيات المرغوب فيها ثلاثة: نفسية ثم بدنية ثم خارجية. والخارجية أدناها رتبة، والمال من جملة الخارجية، وأدناها الدراهم والدنانير، فإنهما خادمان ولا خادم لهما، إذ النفس تخدم العلم الفضائل النفسية لتحصّلها، والبدن يخدم النفس، فيكون آلة، والمطاعم والملابس تخدم البدن، والدراهم والدنانير تخدم المطاعم والملابس. وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن، ومن البدن تكمل النفس. فمن عرف هذا الترتيب وراعاه، فقد عرف قدر المال، ووجه رتبته،
وعرف وجه شرفه، من حيث هو ضرورة كمال النفس. ومن عرف غاية الشيء واستعمله لتلك الغاية، فقد أحسن إلى الغاية، وعند ذلك يقتصر على قدر الحاجة الموصلة إلى الغاية، فلا يركن إليه معتكفاً بكنه همته عليه. وبهذا النظر ينكشف له الشبه في ذم الله تعالى المال في مواضع حيث قال: (إِنّما أَمْوِالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَة) ، ومدحه حيث امتن به فقال: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين) . فإنه من حيث كونه وسيلة للآخرة محمود، ومن حيث كونه صارفاً عنها مذموم، ولذلك قال ﵇: " نعم المال الصالح ". وقال تعالى (لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأولئكَ هُمُ الخَاسِرُون) . وكيف لا يكون خاسراً من يجمع الشعير لدابته، فيضع الدابة ويشتغل بتنقية الشعير، وهو الخسران،
اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأولئكَ هُمُ الخَاسِرُون) . وكيف لا يكون خاسراً من يجمع الشعير لدابته، فيضع الدابة ويشتغل بتنقية الشعير، وهو الخسران،
بل مثال الناس كلهم في الاغترار برهرة الدنيا، والاعتكاف على لزوم لذاتها، مثل راكبي سفينة متوجهين إلأى أفضل بلدة، ينال فيها أعلى رتبة، فأفضت بهم السفينة إلى جزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج تهيئة للطهارة، وأن يكونوا على حذر من غوائال الجزيرة، فرأوا حجراً مزبرجاً، وزهراً منوّراً، فأعجبهم ذلك وشغفوا به، فتباعدوا عن المركب، ونسوا المركب والمقصد، وبقوا لا هين، حتى سارت السفينة وجنّ عليهم الليل، فثارت عليهم الأسود تفترسهم، والأساود تنتهشهم، ولم يغن عنهم حجرهم وزهرهم شيئا. فيقول واحد منهم: (يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً) ، والآخر يقول: (مَا أَغْنَى عَنّي مَالِيه هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَه) . والآخر يقول: يا حسرتاً على ما فرطت في جنب الله، ولم يبق بأيديهم إلا حسرة وندامة لا آخر لها، ومجاورة الأفاعي والأسود مع الخزي والنكال. فهذا بعيينه مثال المغترين بمتاع الدنيا. ولهذا الخطر العظيم استعاذ الخليل إبراهيم وقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنيّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) ، وعنى به هذين الحجرين، الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى فيها أن تعتقد الإلهية في شيء من الحجارة. ولهذا قال الإمام علي:
بُدَ الأَصْنَامَ) ، وعنى به هذين الحجرين، الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى فيها أن تعتقد الإلهية في شيء من الحجارة. ولهذا قال الإمام علي:
" يا حميراء، غريّ غيري، ويا بويضاء غرّي غيري ". ولذلك شبّه ﵇ طلاب الدنانير والدراهم المشغوفين بهما بعبدة الحجارة، فقال: " تعس عبد الدراهم، تعس عبد الدنانير، ولا انتعش، وإذا شيك فلا انتقش ". الوظيفة الثانية: في مراعاة جهة الدخل والخرج. فالدخل إما بالاكتساب، وإما بالبخت. أما البخت فميراث، أو وجود كنز، أو حصول عطية من غير سؤال. وأما الكسب، فجهاته معلومة. ومن أخذ من حيث كان مذموماً شرعاً، فلا ينبغي أن يأخذ إلا من وجهه. والوجوه الطيبة معلومة من الشرع، فإن وجد حلالاً طيباً فليأخذه، وإن كان حراماً محضاً، فليتجنبه. فإن قدر على الحلال المطلق، من غير تعب فليترك. فإن كان يقدر على الحلال المطلق، ولكن بعد طول التعب واستغراق الوقت، فإن كان من العبّاد العاملين بالجوارح، مع اعتقاد عامي مصمّم فليشتغل بطلب الحلال، فإن تعبه في طلب الحلال عبادة، كتعبه في سائر العبادات. وإن كان من أصحاب القلوب وأرباب العلوم وكان يتعطل عليه ما هو بصدده، لو استغرق أوقاته في الحلال المطلق فليأخذ من الذي يتيسّر قدر حاجته،
فإن المحظور المحض قد ينقلب مباحاً، خوفاً من محظور آخر أشرّ منه. فمن غصّ بلقمة، فله أن يتناول الخمر حذراً من فوات النفس. والعلم وعمل القلب لا يوازيه غيره. فالكل خدم له. فكما يباح إتلاف مال الغير على النفس، بل يحل تناول لحم الخنزير، فكذلك في محل الشبهة يتساهل في التحضير على العلم، وعند هذا قد يثور شغب الجاهل مهما تناول العلم، ما زجر عنه الجاهل، إذ لا يدرك الجاهل تفاوت هذه الدقيقة بينهما. وليكن العالم متلطفاً في ذلك، كيلا يحرك سلاسل الشيطان. الوظيفة الثالثة: في المقدار المأخوذ. ومهما عرفت أن المال هذا دائر، فمعناه مقدار الحاجة المذكورة ولا غنى بك عن ملبس ومسكن ومطعم. وفي كل واحد ثلاث مراتب: أدنى وأوسط وأعلى.
وأدنى المسكن ما يقل من الأرض، من رباط أو مسجد أو وقف، كيفما كان، وأوسطه ملك لا تزاحم فيه، فتقدر على أن تخلو فيه بنفسك ويبقى معك عمرك، وهو على أقل الدرجات من حسن البناء، وكثرة المرافق، هو حد الكفاية، وأعلاه دار فيحاء فسيحة، مزينة البناء، كثيرة المرافق، وتتبعها زيادات لا تنحصر، على ما يرى عليه أرباب الدنيا، وأولو الرتب. والأول هو قدر الضرورة، إذ المقصود من المسكن أرض تقلّك، يحيط بها حائط يمنع عنك السباع، ويظل عليك سقف، يمنع المطر وحر الشمس ولا يقنع به المتوكلون. والأوسط هو حدّ الكفاية، وما بعده خارج عن حدّ الدين وإقبال على أمر الدنيا، أعني الاشتغال بزينتها. فأما الجلوس فيها، مع الغفلة عنها، دون ابتهاج بها وطمأنينة إليها، فمن المباحات. وأما صرف الأوقات إلى تزيينها، فمباح للعوام على لسان الفقه، الذي عقد لضرور جهل العوام، وقصورهم عن مشافهتهم بالمنع منه. فأما في طريق التصوف فحرام، وأعني بالتصوف ما خلق الإنسان له من سلوك سبيل القرب إلى الله تعالى. والعبادات لا مناقشة فيها، ولذلك قيل:
مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحات، أي يقتصرون على قدر الضرورة من المباح، ويواظبون على الفرائض، كما يواظبون على هذه فهي عندهم كالمباحات. وأما المطعم، فهو الأصل العظيم، إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور. ولهذا أيضاً ثلاث مراتب، أدناها قدر الضرورة، وهو ما يسدّ الرمق، ويبقى معه البدن وقوة العبادة. وذلك يمكن تقليله بالعادة، تارة بتقليل الطعام شيئاً فشيئاً، حتى يتعوّد الصبر عنه عشرة أيام وعشرين. وقد انتهى الزهّاد في القدر كل يوم إلى حمّصة، وبعضهم في الوقت عشرين يوماً، وقيل أربعين، وهذه رتبة عظيمة، يقلّ من يستقل بها. فإن لم يقدر عليه، فالدرجة الوسطى، وهي في ثلث البطن، كما ذكرناه من قبل. ولا ينبغي أن يزيد على القدر الذي حدده الشرع، فالزيادة عليه بطنة. ثم يقتصر أيضاً من نوعه على الوسط كما اقتصر من قدره على الوسط، فنعم السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة، ولكن النظر يختلف في قدر الكفاية إلى الوقت،
ثم يقتصر أيضاً من نوعه على الوسط كما اقتصر من قدره على الوسط، فنعم السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة، ولكن النظر يختلف في قدر الكفاية إلى الوقت،
فرب إنسان هو فارغ القلب من قوت يومه، مشغول القلب بعده، وينتهي حرصه إلى أن يقدّر لنفسه عمراً طويلاً، ويريد أن يفرغ قلبه طول عمره. ثم قد يقدر له حوائج، فيطلب الاستظهار بالخزائن، وهو الضلال المحض. والمدّخر بالإضافة إلى المستقبل ثلاث درجات، وأدناها قوت يوم وليلة، وأعلاها ما يجاوز سنة، وأوسطها قوت سنة. وأرفع الدرجات درجة من لم يلتفت إلى غده، وقصر همته على يومه، ومن يومه على ساعته، ومن ساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلاً من الدنيا مستعداً للارتحال. ومن لم يشتغل بهذا، أو كان فارغ القلب عن قوت سنة، فاشتغل بما وراءه كان من المطرودين المذكورين بقوله: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدُه) . وأما الملبس فكذلك فيه ثلاث درجات، فأدناها من حيث القدر ما يستر العورة، أو الجملة المعتاد سترها من أدنى الأنواع وأخشنها.
وبالإضافة إلى الوقت ما يبقى يوماً وليلة، كما نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه، أونه رقع قميصه بورق شجر، فقيل له: هذا لا يبقى، فقال: " أو أحيا إلى أن يفنى ". وأوسطه ما يليق بمثل حاله، من غير تنعم وترفّه ولا ملبوس حرام كأبريسم غالب. وأعلاه جمع الثياب وطلب الترفه بها، على ما عليه جماهير أهل الدنيا. وأما المنكح، فإنه يزيد في حق من تاقت نفسه إلى الوقاع، ويحسبه تزيد الحاجة. وقد ذكرنا ما يحمد من المنكح وما يذمّ. وفيما ذكرناه مقنع. ومن ساعده من هذه الأمور قدر كفايته ثم اشتغل قلبه بغيره، كان مغبوناً بل معلوناً. قال ﵇: " من صبح آمناً في شربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". وذلك لأن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، وهذا القدر كاف في البلغة، فالباقي فضل على الكفاية وزيادة، ووجودها في حق العاقل كعدمها.
حيزت له الدنيا بحذافيرها ". وذلك لأن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، وهذا القدر كاف في البلغة، فالباقي فضل على الكفاية وزيادة، ووجودها في حق العاقل كعدمها.
الوظيفة الرابعة: في الخرج والإنفاق. وكما للدخل وجه معين، فكذا الخرج فلا بد من مراعاة التركيب فيه، فالإنفاق محمود ومذموم كالأخذ، والمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة، وهو الصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال. ومنه ما يكسب الجرية والفضيلة، وهو إيثار الغير على النفس، على الوجه المندوب إليه شرعاً. والمذموم ضربان: إفراط وتفريط. فالإفراط الإنفاق أكثر مما يجب، بحيث لا يحتمله حاله، فيما لا يجب، والإخلال بالهم، والصرف إلى ما دونه. والتفريط المنع عما يجب الصرف إليه، والنقصان من القدر الذي يليق بالحال. ومهما أخذ العبد المال من وجهه، ووضعه في وجهه، كان محموداً مأجوراً. فإن قلت: فمن وسع الله عليه المال، فأخذه وإنفاقه بالمعروف أولى، أو الإعراض عن أخذه؟ فاعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا، فقالوا: الناس ثلاثة أصناف، صنف هم المنهمكون في الدنيا بلا التفاف إلى العقبى، إلا باللسان وحديث النفس وهم الأكثرون. وقد سموا في كتاب الله عبدة الطاغوت
وشرّ الدواب ونحوها. وصنف مخالفون لهم غاية المخالفة، اعتكفوا بكنه هممهم على العقبى، ولم يلتفتوا أصلاً إلى الدنيا، وهم النساك. وصنف ثالث متوسطون، وفوا الدارين حقهما، وهم الأفضلون عند المحققين، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة، ومنهم عامة الأنبياء ﵈، إذ بعضهم الله ﷿، لإقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد. وقيل ثلاثتهم المراد بقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً، فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَة، وَأَصْحَابُ المشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المشْأَمَةِ، والسَّابِقُونَ السَّابِقُون) . فالمراعي للدنيا والدين، كما يجب وعلى ما يجب، جامعاً بينهما، خليفة الله في أرضه، فهو السابق عند قوم. فإن قلت فقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدونَ) ، فاعلم أن مراعاة مصالح العباد من جملة العبادة، بل هي أفضل العبادات. قال ﵇: " الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ".
فإن قلت: فقد قال بعض المحققين: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه، فهو من الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده، فهو من الهالكين، ورجل مشتغل بهما، وذلك درجة المخاطرين، والفائز أحسن حالاً من المخاطر، فاعلم أن فيه سراً، وهو أن المنازل الرفيعة لا تنال إلا باقتحام الأخطار. وإنما هذا الكلام ذكر تحذيراً وتنبيهاً على خطر الخلافة لله تعالى في أمر عباده، حتى لا يترشح لها من لا يقدر عليها. وقد حكي أن بعض أولاد الملوك العادلة عظمت رتبته في العلم والحكمة، فاعتزل الناس وزهد في الدنيا، فكتب إليه بعض الملوك: قد اعتزلت ما نحن فيه، فإن علمت إن ما اخترته أفضل، فعرفنا لنذر ما نحن فيه، ولا تحسبني أقبل منك قولاً بلا حجة. فكتب إليه: إعلم إنا عبيد لرب رحيم، بعثنا إلى حرب عدو، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه. فلما قربنا من الزحف، صرنا ثلاثة أقسام: متخوف طلب السلامة منه، فاعتزل عنه، فالتزم ترك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة، ومتهور قدم على غير بصيرة، فجرحه العدو وقهره واستجلب بذلك سخط ربه،
أقسام: متخوف طلب السلامة منه، فاعتزل عنه، فالتزم ترك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة، ومتهور قدم على غير بصيرة، فجرحه العدو وقهره واستجلب بذلك سخط ربه،
وشجاع أقبل على بصيرة فقاتل وأبلى واجتهد، فهو الفائز التام الفوز. وإني لما وجدتني ضعيفاً، رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين. فكن أيها الملك من أفضل الطوائف، تكن من أكرمهم عند الله، وهذا الكلام يكشف عن حقيقة الأمر فيه، وينبّهعلى صحة ذلك قوله تعالى: (وَابْتَغ فِيما آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ) . وإنما يمكن الإحسان بإدخال السرور على قلوب المسلمين بالمال، ولكن الخطر فيه عظيم، فإنه ربما يشتغل من ضعفت بصيرته بما فيه ضرره من حيث لا يدري، فلخطره وجبت المبالغة في الزجر عنه. الوظيفة الخامسة: أن تكون نيته صالحة في الأخذ والترك، فيأخذ ما يأخذه ليستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة، ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له، فقد قال ﵇: " من طلب رزقه على ما سنّ فهو جهاد "، وقال ﵇ لابن مسعود: "
على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة، ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له، فقد قال ﵇: " من طلب رزقه على ما سنّ فهو جهاد "، وقال ﵇ لابن مسعود: "
إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فم امرأته ". وأراد بالمؤمن من يعرف حقائق الأمور، فيقصد بما يتعاطاه وجه الله والاستعانة على سلوك طريقه. وعند هذا يتبين أنه ليس الزاهد من لا مال له، بل الزاهد من ليس مشغولاً بالمال، وإن كان له أموال العالمين. ولذلك قال الإمام علي ﵁: " إن رجلاً أخذ جميع ما في الأرض، وأراد به وجه الله فليس براغب ". فليكن جميع حركاتك وسكناتك لله، بأن تكون حركتك مقصورة على عبادة، أو على ما يعين على عبادة، ولا يستغني العباد عنه، كالأكل وقضاء الحاجة مثلاً، فإنهما معينان على العبادة، وهما أبعد الحركات عن العبادة. وعند هذا يكون الكامل النفس في تناول الدنيا كالراقي الحاذق في مسّ الحية متقياً سمّها ومستخرجاً جوهرها، والعامي إذا تشبه به، ونظر إليه ظن أنه أخذها مستحسناً شكلها وصورتها، مستليناً مسها، مستصحباً إياها، فإذا ظن ذلك أخذها، وتقلدها فقتلته. وقد شبهت الدنيا بها، فقيل: الدنيا كحية تنفث السموم النواقع، وإن لان ملمسها. وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة، فمحال أن يتشبّه
لدنيا كحية تنفث السموم النواقع، وإن لان ملمسها. وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة، فمحال أن يتشبّه
العامي بالكامل في تناول الدنيا. وإذا تؤمل ملك سليمان وما أوتي مع رتبة النبوة، علم أن الزهد زهد النفس، لا خلو اليد. وكيف تضّر الدنيا بالأنبياء والأولياء، وهم يعرفون ضرها ونفعها ورتبتها في الوجود، ويعلمون أن للإنسان في وجوده ثلاث منازل: منزلة في بطن أمه، ومنزلة في فضاء العالم، ومنزلة بعد الموت. والدنيا في مثال رباط بني، وينتهي إلى المسافر في المنزل الأوسط، وقد هيئت فيه أسباب وأوان وأقوات ليستعين بها المسافر، وينتفع بها انتفاعه بالعارية والمنحة، ويخليها لمن يلتحق بعده، فيأخذها بشكر ويتركها بانشراح صدر. وقد انتهى إلى الرباط جماعة من الحمقى فظنواأن هذا المنزل وطن، وإلا هذه الأسباب ليست عارية وإنما هي موهبة مؤبدة، فصاروا لا يخرجونها من أيديهم إلا بكسر اليد ونزع الروح. وقيل إن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا كمثل رجل هيأ داراً، وهو يدعو أقواماً إلى داره على الترتيب، واحداً بعد واحد، فأدخل واحداً داره، فقدم إليه طبق ذهب، عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه، لا ليتملكه، فجهل رسمه فظنّ أنه وهب له، فلما استرجع منه، ضجر وتفجع. ومن كان عالماً انتفع به، وشكره وردّه بانشراح صدر فهذه وظائف المباشرة لأموال الدنيا.
بيان الطريق في نفي الغم في الدنيا مهما كان الإنسان آمناً في سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فحزنه وغمه بسبب أمر الدنيا أمارة نقصانه وحماقته، فإن غمه ليس يخلو إما أن يكون تأسفاً على ماضٍ، أو خوفاً من مستقبل، أو حزناً على سبب حاضر في الحال. فإن كان على فائت فالعاقل بصير بأن الجزع لا ما فات لا يلم شعثاً، ولا يرم انتكث. وما لا حيلة له، فالغم عليه خرق. ولذلك قال تعالى: (ِلَكْيلا تَأسُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) . وقال الشاعر: وهل جزع مجد عليّ فأجزعا. وإن كان حاضر، فأما أن يكون حسداً لوصول نعمة إلى من يعرفه، أو يكون حزناً للفقر، وفقدان المال والجاه، وأسباب الدنيا. وسبب هذا الجهل بغوائل الدنيا وسمومها، ولو عرفها معرفتها لشكر الله تعالى على كونه من المخففين، دون المثقلين.
ولو فكّر العاشق في منتهى حسن الذي يعشقه، لم يعشقه، إذ يعلم أن الدنيا حمالة المصائب، كدرة المشارب، تورث للبرية أنواع البلية، مع كل لقمة غصمة، فما أحد فيها، إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة، سهم نقمة وسهم رزية وسهم منية: تناضِلهُ الأوقاتِ مِنْ كلِّ جَانبٍ ... فَتخطئهُ طَوراً وطَوراً تصيبهُ فمن كان معتبراً بما يتجدد كل يوم من ارتجاع النعم من أربابها، وحلول القوارع بأصحابها، وشدة اغتمامهم بفقدها، لم يتأسف على فواتها. ولذلك قيل لبعضهم: لم لا تغتم؟ قال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده. ومهما أمعن الإنسان فكره في غفلة أرباب الدنيا عن الآخرة وكثرة مصائبهم فيها، تسلى عنها، وهان عليه تركها. وكان بعض الصوفية وظّف على نفسه كل يوم أن يحضر دار المرضى " أي البيمارستان " ليشاهدهم، ويشاهد عللهم ومنحهم، ويحضر حبس السلطان أيضاً، ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات، وأيضاً يحضر المقابر، فيشاهد أرباب العزاء وسفهم على
دهم، ويشاهد عللهم ومنحهم، ويحضر حبس السلطان أيضاً، ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات، وأيضاً يحضر المقابر، فيشاهد أرباب العزاء وسفهم على
ما لا ينفع، مع اشتغال الموتى بما هم فيه، كان يعود إلى بيته بالشكر طول النهار على نعم الله عليه في تخليصه من كل البلايا. وحق للإنسان في الدنيا أن ينظر أبداً ما عاش إلى من هو دونه، ليشكر، وفي الدين إلى من هو فوقه، ليشمّر. والشيطان إذا استولى نكس هذا النظر وعكسه. فإذا قيل له: لمَ تتعاطى هذا الفعل القبيح؟ اعتذر بأن بلاناً يتعاطى ما هو أكبر منه، مع أنه ليس في المعصية، ولا في الكفر مناظرة. وإذا قيل له: لما لا تقنع بهذا الموجود؟ فيقول: فلان أغنى مني، فلم أصبر على ما ليس يصبر عنه؟ وهذا عين الضلال والجهل المحض. ومهما التقى الهم بهذا العائق، بطل غمّ الحسد. فمن أنعم الله عليه بنعمة، فإن كان يستحقها، لم يغتم به وإن كان لا يستحقها، فوبالها عليه أكثر من نفعها. فأما إن كان الغم في الأمر المستقبل، فإن كان على أمر ممتنع كونه أو واجب كونه، مثل الموت فعلاجه محال. وإن كان ممكناً كونه نظر، فإن كان لا يقبل الدفع، كالموت قبل الهرم، فالحزن له حماقة.
، فإن كان على أمر ممتنع كونه أو واجب كونه، مثل الموت فعلاجه محال. وإن كان ممكناً كونه نظر، فإن كان لا يقبل الدفع، كالموت قبل الهرم، فالحزن له حماقة.
وإن كان قابلاً للدفع، فلا معنى للغم، بل ينبغي أن يحتال الدفعبعقل غير مشوب بحزن. فإذا فعل ما قدر عليه، من تمهيد حيل الدفع، بقي ساكن القلب، منظراً لقضاء الله وقدره عالماً بأنه لا مرد لما قضاه، فيتلقاه بصبر، إن لم يندفع ويتحقق إن ما قدر فهو كائن. ويتذكر قوله تعالى: (ما أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأرض وَلا في أَنْسِكُمْ إلا في كتابٍ مِنْ قَبْل أن نَبْرأهَا) الآية. وإنما حرض الناس على تهيئة أسباب الدنيا، منشأه الغرور وحسن الظن بانحسار الآفات وتقدم صفاء الأوقات، وهيهات، ثم هيهات! قال الإمام علي، ﵁: " ما قال الناس لقوم طوبى لكم، إلا وقد خبأهم الدهر ليوم سوء ". وصدق الشاعر، فيما قال: إنّ الليالي لم تُحسنْ إلى أحَدٍ ... إلاّ أسَاءَتْ إليهِ بَعْدَ إحْسَانِ وما قصر أبو منصور الثعالبي في وصف الدنيا، حيث قال: تَسَلِّ الدّنيا وَلاَ تَخطبنّها ... ولا تخطبنّ قتاله من تناكَح فليسَ يفي مرجوّهاً بمخوفها ... ومكروهها لما تدبَّرت راجح لقد قالَ فيها الواصِفونَ فأكثروا ... وَعندِي لَها وصفٌ لعمري صالح سلاف قصاراه زعاف، ومركب ... شهي، إذا استلذذته فهو جامح وشخصٌ جميلُ يونقُ الناس حسنهُ، ... ولكن له أسرار سوء قبائح فالعاقل، إذا أمعن النظر في هذه الأمور، خفّ على قلبه أكثر الغموم، إلا إذا كانت العلاقة قد استحكمت بينه وبين معشوق،
حسنهُ، ... ولكن له أسرار سوء قبائح فالعاقل، إذا أمعن النظر في هذه الأمور، خفّ على قلبه أكثر الغموم، إلا إذا كانت العلاقة قد استحكمت بينه وبين معشوق،
من آدمي أو مال أو عقار، أو حرفة، أو رياسة أو ولاية، أو امر من الأمور، فلا خلاص له عن غمومها، إلا بعد قطع العلائق عنها. ولا يمكن ذلك إلا بكفّ النفس عنها تدريجياً، والاشتغال بغيرها، وإن كان ذلك الغير أيضاً مما يجانسها في وجوب التباعد عنه، ولكن لا بأس بغسل الدم بالدم، إذا كان الأول أشد لصوقاً والتزاقاً، وهذه من دقائق الرياضيات، فإن النزوع عما وقع الألف به دفعة واحدة عسر، بل ممتنع. ولذلك يرقى الصبي الذي يعلم الأدب بالترغيب في اللعب بالصولجان والطيور، ثم يكفّ عن اللعب بالترغيب في الثروة والمال، والتزيين بالثياب الجميلة وغيرها، ثم يرقيه من ذلك بالترغيب في المحمدة والثناء، ونيل الكرامة والرئاسة، ثم يرقيه بالترغيب في سعادة الآخرة، ويكون الرئاسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. ولقد كانت هذه المعالجة بأمور محذورة في نفسها، ولكن مطلوبة بالإضافة إلى ما هو شرّ منها، وكأنها منازل وأطوار الآدمي يرتقي فيها واحداً، ولا يمكن الخلاص إلا بهذا التدريج، فليراع ذلك في كل صفة استولت على النفس، واشتدت علاقتها، وبقطع العلائق تمحّى الغموم.
بيان نفي الخوف من الموت للإنسان حالتان، حالة قبل الموت، وحالة بعد الموت. أما قبل الموت، فينبغي أن يكون الإنسان فيها دائم الذكر للموت، كما قال ﵇: " أكثروا من ذكر هازم اللذات، فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه ". والناس فيها قسمان: غافل وهو الأحمق الحقيقي الذي لا يتفكر في الموت وما بعده إلا نظراً، في حال أولاده وتركاته عند موته، ولا ينظر ويتدبر في أحوال نفسه، ولكن لا يتذكر إلا إذا رأى جنازة فيقول بلسانه: (إنا لله وَإِنَّا إِليهِ راجِعُون) ، ولا يرجع إلى الله ﷿ بأفعاله إلا بأقواله، فيكون كاذباً في أقواله تحقيقاً. وأما العاقل الكيس فلا يفارقه ذكر الموت، كالمسافر إلى مقصد الحاج مثلاً، فإنه لا يفارقه ذكر المقصد، وأشغال المنازل في الحط والترحال لا تنسيه مقصوده. وعلى الجملة، فذكر الموت يطرد فضول الأمل، ويكف غرب المنى، فتهون المصائب ويحول بين الإنسان وبين الطغيان.
ومن ذكر الموت، تتولد القناعة بما رزق والمبادرة إلى التوبة، وترك المحاسدة والحرص على الدنيا والنشاط في العبادة، وينبغي أن يكون المتراخي عن عبادته، ألا يصبح يوماً إلا ويقدّر أنه سيموت تقديراً للموت العاجل، فإنه ممكن. ومهما قدّر الموت بعد سنين، لم يحرص على العبادة، ولم تفتر رغبته في الدنيا، بل لا ينبغي أن يهمل نفسه أكثر من يوم، فيصبح كل يوم على تقدير الاستعداد للرحلة نهاراً. فكل من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كل ساعة، فينبغي أن يكون مستعداً للإجابة، فإن لم يكن فربما يأتيه الرسول، وهو غافل فيحرم عن السعادة. وما من وقت، إلا ويرى فيه الموت ممكناً، فإن قلت: الموت فجأة بعيد، قلت: فإذا وقع المرض، فالموت غير بعيد. وذلك يمكن في أقل من يوم، ولا يكون بعيداً. وأما الاغتمام لأجل الموت، فليس من العقل أيضاً، فإن ذلك الغم لا يخلو من أربعة أوجه: إما لشهوة بطنه وفرجه، وإما على ما يخلّفه من ماله، وإما على جهله بحاله بعد الموت وماله، وإما لخوفه على ما قدّمه من عصيانه. فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فهو كمشتهي داء ليقابله بداء مثله، فإن معنى لذة الطعام إزالة ألم الجوع، ولذلك إذا
ه، وإما لخوفه على ما قدّمه من عصيانه. فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فهو كمشتهي داء ليقابله بداء مثله، فإن معنى لذة الطعام إزالة ألم الجوع، ولذلك إذا
زال الجوع وامتلأت المعدة، كره عين ما اشتهاه، كمن يشتهي القعود في الشمس ليناله الحر، حتى يتلذذ بالرجوع إلى الظل، وكن يشتهي الحبس في حمام حار، ليدرك لذة ماء الثلج، إذا شربه، وهو عين الرقاعة والخرق. وإن كان ذلك على ما يخالفه من ماله، فهو بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها، بالإضافة إلى الملك الكبير والنعيم المقيم الموعود للمتقين. وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد الموت، فعليه أن يطلب العلم الحقيقي، الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته، كما قال حارثة للنبي ﷺ: " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتلا عنون فيها "، وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها، ووجه علاقتها بالبدن، ووجه خاصيتها التي خلقت لها، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله، وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة، وأمر بالتفكر في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض. وإن كان ذلك لما سبق من عصيانه، فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة، وهو المبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرط من أمره، بل مثاله في الاغتمام وترك التدارك مثل من فتح عرق من عروقه، وقد خرج بعض دمه، وهو قادر على تعصيبه وحفظ حشاشه،
مبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرط من أمره، بل مثاله في الاغتمام وترك التدارك مثل من فتح عرق من عروقه، وقد خرج بعض دمه، وهو قادر على تعصيبه وحفظ حشاشه،
فأهمله وجلس متأسفاً على خروج ما خرج من دمه. وذلك أيضاً من الحماقة فإن الفائت لا تدارك له، ولا ينفع فه التأسف، فليشتغل بالمستقبل. الحالة الثانية حال الإنسان عند الموت، والناس عنده ثلاثة أقسام: الأول ذو بصيرة، علم أن الموت يعتقه، والحياة تسترقه، وإن الإنسان، وإن طال في الدنيا مكثه، فهو كخطفه برق، لمعت في أكناف السماء، ثم عادت للاختفاء. فلا يثقل عليه الخروج من الدنيا، إلا بقدر ما يفوت من خدمة ربه، ﷿، والازدياد من تقربه والاشفاق مما يقول أو يقال له. كما قال بعضهم، لما قيل له: لم تجزع؟ قال: لأني أسلك طريقاً لم أعهده، وأقدم على رب لم أره ولا أدري ما أقول وما يقال لي. ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت بل إذا عجز عن زيادة العبادة ربما اشتاق إليه. وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك وزهدت في القرب منك. فقد قال نبيك وصفيك ﷺ: " من حب لقاء الله أحب الله لقاءه
ومن كره لقاء الله فقد كره الله لقاءه ". والثاني رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة منهمك في الدنيا منغمس في علائقها، رضي بالحياة الدنيا وطمئن بها ويئس من الدار الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور. فإذا خرج إلى دار الخلود أضر به كما تضر رياح الورد بالجعل. وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم يوافقه عالم العلاء ومصباح الملأ الأعلى فكان كما قال الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذه أَعْمَى فَهُوَ في الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلاً) ، فإن الدنيا سجن الأول وجنة الثاني. والأول كعبد دعاه مولاه فأجابه طوعاً فقدم عليه مسروراً يتوفره على الخدمة، والثاني كعبد آبق رد إلى مولاه مأسوراً وقيد إلى حضرته مقهوراً، فيبقى ناكس الرأس بين يدي مولاه مختزياً من جنايته، وشتان ما بين الحالين. والقسم الثالث رتبة بين الرتبتين: رجل عرف غوائل هذا العالم وكره صحبته ولكن أنس به وألفه، فسبيله سبيل من ألف بيتاً مظلماً قذراً ولم ير غيره. فهو يكره الخروج منه وإن كان قد كره دخوله. فإذا خرج رأى ما أعد الله للصالحين لم يتأسف على
ما كره فواته بل قال: (الحَمْدُ للهِ الّذي أَذْهَبَ عَنّا الحُزْنَ إنّ رَبّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الّذي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) . ولا يبعد أن يكره الإنسان مفارقة شيء ثم إذا فارقه لا يتأسف عليه، فالصبي وقت الولادة يبكي لما يناله من ألم الانتقال، ثم إذا عقل لم يتمن العود إليه. والموت ولادة ثانية يستفاد بها كما لم يكن قبل، بشرط أن لا يكون قد تقدم ذلك الكمال من الآفات والعوارض ما أبطل قبول المحل للكمال، كما أن الولادة سبب لكمال مغبوط لم يكن عند الاجتنان، بشرط أن لا يكون قد تمكن في رحم الأم من الأسباب والعلل والعوارض ما منع قبول الكمال، ولكون الموت سبب كمال قال بعضهم: ينبغي أن يكون دعاؤنا لعزرائيل ﵇ وشكرنا له مثل دعاؤنا لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل.
والعلل والعوارض ما منع قبول الكمال، ولكون الموت سبب كمال قال بعضهم: ينبغي أن يكون دعاؤنا لعزرائيل ﵇ وشكرنا له مثل دعاؤنا لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فإن جبرائيل وميكائيل هما سببان لا علامنا بما فيه خلاصنا من الدنيا ونجاتنا في الآخرة، وذلك بواسطة محمد ﷺ، وملك الموت سبب إخراجنا إلى ذلك العالم فحقه عظيم وشكره لازم، وقد حكي عن طائفة من حكماء الأمم السابقة أنهم كانوا
يعظمون رجلاً بالتقديس والتسبيح من حيث اعتقدوا أنه لا يعين على الحياة العرضية، بل هو سبب للهلاك الذي به الخلاص من هذه الدنيا الدنية.
بيان علامة المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله تعالى: اعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعي فيه كثير. ونحن نعرفك علامتين تجعلهما أمام عينيك، وتعتبر بهما نفسك وغيرك. فالعلامة الأولى أن يكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان الشرع، موقوفة على حد توقيفاته، إيراداً وإصداراً، وإقداماً وإحجاماً. إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل، إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة، كلها ولا يمكن ذلك إلا بعد تهذيب الأخلاق، كما وصفنا من قبل. ولا يتوصل إلى ذلك إلا إذا ترك جملة من المباحات، فكيف يتأتى لمن لم يهجر المحظورات؟ ولا يتوصل إلى ذلك إلا إذا ترك جملة من المباحات، فكيف يتأتى لمن لم يهجر المحظورات؟ ولا يتوصل إليه، ما لم يواظب على جملة من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟ بل الشرع في تكليفه العالم، اقتصر على فرائض ومحظورات يشترك فيها عوام الناس، بحيث لا يؤدي الاشتغال بها إلى خراب العالم. والسالك في سبيل الله يعرض عن الدنيا إعراضاً، لو ساواه الناس
تصر على فرائض ومحظورات يشترك فيها عوام الناس، بحيث لا يؤدي الاشتغال بها إلى خراب العالم. والسالك في سبيل الله يعرض عن الدنيا إعراضاً، لو ساواه الناس
كلهم، لخرب العالم، فكيف ينال بمجرد الفرائض والواجبات، اقتصاراً عليها دون النوافل؟ ولذلك قال تعالى: (لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر) ، وعلى الجملة لا يدعو إلى إهمال الفرائض، واقتحام المحظورات، إلا كسل لازب، أو هوى غالب. وكيف يسلك سبيل الله من هو يعد في إسراء الكسل والهوى؟ فإذا قلت: فسالك سبيل الله من خاض في مجاهدة الكسل والهوى، فأما من فرغ من قهرها، فهو واصل لا سالك، فيقال: هذا عين الغرور وجهل بالطريق والمقصد جميعاً، بل لو محا جميع الصفات الردية عن نفسه، كان نسبته إلى المقصود نسبة من يقصد الحج، وله غرماء متشبثون بأذياله، فقضى ديونهم وقطع علائقهم. فإن الصفات البدنية المستولية على الناس، مثل الغرماء الآخذين بمخنقه، والسباع العادية الطالبة لأقواتها، فإذا محاها ودفعها، فقد دفع العلائق وبعده يستعد لابتداء السلوك. بل هو كمعتدة تطمع أن ينكحها الخليفة فإذا قضت عدتها المانعة من صحة النكاح، ظنت أن الأمور قد نمت. وهيهات، فلم يحصل منها إلا الاستعداد للقبول بدفع المانع، وبقي إقبال الخليفة وإنعامه بالرغبة، وذلك رزق إلهي. فما كل من تطهّر وصل إلى الجمعة، ولا كل من قضت عدتها وصلت إلى ما أرادت. فإن قلت: فإن تنتهي رتبة السالك إلى حد ينحط عنه بعض وظائف العبادات، ولا يضره بعض المحظورات، كما نقل عن بعض
المشايخ من التساهل في هذه الأمور؟ فاعلم أن هذا عين الغرور، وأن المحققين قالوا: لو رأيت إنساناً يمشي على الماء، وهو يتعاطى أمراً يخالف الشرع، فاعلم أنه شيطان، وهو الحق. وذلك أن الشريعة حنيفية سمحة، فمهما مسّت حاجة أو حصلت ضرورة، كان للشرع فيها رخصة. فمن جاوز محل الرخصة، فلا يكون عن ضرورة، بل عن هوى وشهوة. والإنسان ما دام في هذا العالم، لا يؤمن استيلاء الشهوة ودعودها إلى القهر، بعد الإنقهار. فينبغي أن يأخذ منها حذره، فلا يتصور أن يدعو إلى مخالفة الشرع إلا طلب رفاهية ودعة، أو نوع شهوة، أو نوع كسل. وكل ذلك يدل على التصمغ بالأخلاق الردية، المتقاضية لها. فمن زكى نفسه وغذاها بغذاء العلوم الحقيقية، قوي في المواظبة على العبادة بل صارت الصلاة قرة عينه، فصارت خلوة الليل أطيب الأشياء عنده لمناجاة ربه. فهذه العلامة لا بد منها في أول المنازل، وتبقى إلى آخرها، وإن لم يكن لمنازل السير إلى الله تعالى نهاية، وإنما الموت يقطع طريق السلوك، فيبقى كل إنسان بعد الموت على الرتبة التي حصّلها في مدة الحياة، إذ يموت المرء على ما عاش عليه. العلامة الثانية: أن يكون حاضر القلب مع الله، في كل حال حضوراً ضرورياً غير متكلف، بل حضوراً يعظم تلذذه، وأن يكون الحضور إنكسارأ وضراعة وخضوعاً، لما انكشف عنده
لثانية: أن يكون حاضر القلب مع الله، في كل حال حضوراً ضرورياً غير متكلف، بل حضوراً يعظم تلذذه، وأن يكون الحضور إنكسارأ وضراعة وخضوعاً، لما انكشف عنده
من جلال الله وبهائه، ولا يفارق ذلك في أطواره وأحواله، وإن اشتغل بضروريات بدنه من تناول طعام، وقضاء حاجة، وغسل ثوب، وغيره. بل يكون مثاله في جميع الأحوال مثال عاشق، سهر في انتظار معشوقه مدة، وتعب فيه زماناً، ثم قدم عليه معشوقه فاستبشر به، فاستولى عليه قضاء حاجته فلزمه ضرورة مفارقته، وقصد بيت الماء، فيفارقه ببدنه مضطراً، والقلب حاضراً عنده حضوراً، لو خوطب في أثناء ما هو فيه لم يسمعه لشدة استغراق فكره بمعشوقه، ولا يكون ما هو فيه صارفاً عن قرّة عينه، وهو مكره فيه. فالسالك ينبغي أن يكون كذلك في أشغاله الدنيوية، بل لا يكون له شغل سوى ضروريات بدنه، وهو في ذلك مصروف القلب إلى الله ﷿، مع غاية الإجلال والتواضع، وإذا لم يبعد أن تتحرك شهوة الجماع تحريكاً هذه صفته عند من استولى عليه الشهوة، ووقع في عينه جمال صورة آدمي، خلقت من نطفة قذرة مذرة، ويصير على القرب جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العَذرة، فكيف يتعذر ذلك في إدراك جلال الله وجماله الذي لا نهاية له؟ وعلى الجملة، فلا يتم سلوك هذا الطريق إلا بحرص شديد، وإرادة تامة، وطلب بليغ. ومبدأ الحرص والطلب إدراك جمال المطلوب، الموجب للشوق والعشق، ومبدأ درك جمال المطلوب النظر وتحديق بصر العين نحوه إعراضاً عن سائر المبصرات.
وطلب بليغ. ومبدأ الحرص والطلب إدراك جمال المطلوب، الموجب للشوق والعشق، ومبدأ درك جمال المطلوب النظر وتحديق بصر العين نحوه إعراضاً عن سائر المبصرات.
فكذلك، بقدر ما يلوع لك من جلال الله ﷿، ينبعث شوقك وحرصك، وبحسبه يكون سعيك وانبعاثك. ثم قد يزداد العشق بطول الصحبة إذا كان يلوح في أثنائها محاسن أخلاق كانت خفية من قبل، فيتضاعف العشق، فكذلك ما يلوح من بهاء الحضرة الآلهية وجلالها في أول الأمر، ربما كان ضعيفاً بضعف إدراك المريد المبتدئ، ولكن ينبعث منه طلب وشوق، فلا يزال يواظب على الفكر في ذلك الجمال بسببه، فيطلع على مزايا، فيتضاعف في كل وقت عشقه. وكما يطلب العاشق القرب من معشوقه، فكذا المريد يطلب القرب من الله تعالى، لا أن ذلك بقرب بمكان أو بتماس سطوح الأجسام، أو بكمال جمال صورة بأن يصير مبصراً حاضراً في القوة الباصرة صورته. وهذا القرب قرب الكمال لا في المكان، والأمثلة لا تخيل من هذه المعاني إلا شيئاً بعيداً. ولكن تشبيه ذلك بعشق التلميذ استاذه، وطلبه القرب منه في كماله أصدق في التخيل، فإنه يتقرب إليه بحركته في التعلم، ولا يزال يقرب منه قليلاً قليلاً، وغايته رتبته، وقد يكون ذلك ممكناً، وقد يكون في بعض الأحوال متعذراً، ولكن الترقي من الرتبة التي هو بسببها في البعد ممكن، فيزداد قرباً بالنسبة، والبلوغ ههنا غير ممكن. ولكن السفر عن أسفل السافلين، بقصد جهة العلو ممكن. وقد يكون الممثل في عين التلميذ رتبة مقيدة، لا أنه يتلبس بعشق رتبة أستاذه، ولكن يشتاق إلى الترقي درجة درجة، فلا
ن أسفل السافلين، بقصد جهة العلو ممكن. وقد يكون الممثل في عين التلميذ رتبة مقيدة، لا أنه يتلبس بعشق رتبة أستاذه، ولكن يشتاق إلى الترقي درجة درجة، فلا
يتشوق إلى الأقصى دفعة، فإذا نال تلك الرتبة طمحت عينه إلى ما فوقها. فكذلك من ليس عالماً، ينبغي له التشبه بالعلماء، الذين هم ورثة الأنبياء. والعلماء يتشبهون بالأولياء، والأنبياء بالملائكة، حتى تمحى عنهم الصفات البشرية بالكلية، فينقلبون ملائكة في صورة الناس. والملائكة أيضاً لهم مراتب، والأعلى مرتبة معشوق الأدنى ومطمح نظره، والملائكة المقربون هم الذين ليس بينهم وبين الأول الحق واسطة، ولهم الجمال الأطهر والبهاء الأتم، بالنسبة إلى من دونهم من الموجودات الكاملة البهية. ثم كل كمال بالنظر إلى جمال الحضرة الربوبية مستحقر، فهكذا ينبغي أن يعتقد التقرب إلى الله ﷿، لا بأن تقدره في بيت في الجنة، فتقرب من باب البيت، فيكون قربك بالمكان، تعالى عنه رب الأرباب، ولا بأن تهدي إليه هدية بعبادتك، فيفرح بها ويهتز لها فيرضى عنك، كما يتقرب إلى الملوك، بطلب رضاهم وتحصيل أغراضهم، فيسمى ذلك تقرباً، تعالى الله وتقدس عن المعنى الذي يتصف الملوك به، من السخط والرضى، والابتهاج بالخدمة، والاهتزاز للخضوع، والانقياد والفرح بالمتابعة. واعتقاد جميع ذلك جهل. فإن قلت: فقد اعتقد أكثر العوام ذلك، فما أبعد عن التحصيل من يطلب العنبر من دكان الدبّاغ،
وكيف تطمع في رتبة، وأنت تعرف الحق بالرجال، بل، ت تعرف الحق بالحمر! فلا فرق بين العوام الذين لم يمارسوا العلوم، وبين حمر مستنفرة، فرت من قسورة. أما تراهم كيف اعتقدوا في الله تعالى أنه جالس على العرش تحت مظلة خضراء، إلى تمام ما اعتقدوه في المشتبهات. فأكثر الناس مشبّهة، ولكن التشبيه درجات. منهم من يشبه في الصورة، فيثبت اليد والعين والنزول والانتقال. ومنهم من يثبت السخط والرضى، والغضب والسرور، والله تعالى مقدس عن جميع ذلك. وإنما أطلقت هذه الألفاظ في الشرع على سبيل وبتأويل، يفهمها من يفهمها، وينكرها من ينكرها، ولو تساوى الناس في الفهم لبطل قوله ﵇: " رب حامل فقه إلى من أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه "، ولنتجاوز هذا الكلام، فإنه سلسلة المجانين ويحل قيود الشيطان.
بيان معنى المذهب واختلاف الناس فيه لعلك تقول كلامك في هذا الكتاب إنقسم إلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد، فما الحق من هذه المذاهب؟
فإن كان الكل حقاً فكيف يتصور هذا، وإن كان بعضه حقاً فما ذلك الحق؟ فيقال لك إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط، إذا الناس فيه فريقان: فريق يقول المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب: إحداها ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات، والأخرى ما يسار به في التعليمات والإرشادات، والثالث، ما يعتقده الإنسان في نفسه، مما انكشف له من النظريات. ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار. فأما المذهب بالاعتبار الأول، فهو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم ومذهب أهل البلد، الذي فيه النشوء. وذلك يختلف بالبلاد والأقطار، ويختلف بالعلمين. فمن ولد في بلد المعتزلة أو الأشعرية أو الشفعوية أو الحنفية، انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له والذبّ دونه والذم لما سواه. فيقال: هو أشعري المذهب أو معتزلي أو شفعوي أو حنفي، ومعناه أنه يتعصب، أي ينصر عصابة المتظاهرين بالموالاة، ويجري ذلك مجرى تناصر القبيلة بعضهم لبعض. ومبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة باستتباع العوام، ولا تنبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر.
جري ذلك مجرى تناصر القبيلة بعضهم لبعض. ومبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة باستتباع العوام، ولا تنبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر. فجعلت المذاهب في تفصيل الأديان جامعاً، فانقسمت الناس فرقاً وتحركت غوائل الحسد والمنافسة، فاشتد تعصّبهم واستحكم به تناصرهم،
وفي بعض البلاد لما اتحد المذهب وعجز طلاب الرئاسة عن الاستتباع، وضعوا أموراً وخيّلوا وجوب المخالفة فيها والتعصب لها، كالعلم الأسود والعلم الأحمر، فقال قوم الحق هو الأسود، وقال آخرون لا بل الأحمر، وانتظم مقصود الرؤساء في استتباع العوام بذلك القدر من المخالفة، وظن العوام أن ذلك مهم، وعرف الرؤساء الواضعون غرضهم في الوضع. المذهب الثاني ما ينطبق في الإرشاد والتعليم على من حاءه مستفيداً مسترشداً. وهذا لا يتعين على وجه واحد، بل يختلف بحسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه فإن وقع له مسترشد تركي أو هندي، أو رجل بليد جلف الطبع، وعلم أنه لو ذكر له أن الله تعالى ليس ذاته في مكان، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، لم يلبث أن ينكر وجود الله تعالى، ويكذب به. فينبغي أن يقرر عنده أن الله تعالى على العرش، وأنه يرضيه عبادة خلقه، ويفرح بها فيثيبهم ويدخلهم الجنة عوضاً وجزاء. وإن احتمل أن يذكر له ما هو الحق المبين يكشف له. فالمذهب بهذا الاعتبار يتغير ويختلف، ويكون مع كل واحد على حسب ما يحتمله فهمه.
خلهم الجنة عوضاً وجزاء. وإن احتمل أن يذكر له ما هو الحق المبين يكشف له. فالمذهب بهذا الاعتبار يتغير ويختلف، ويكون مع كل واحد على حسب ما يحتمله فهمه.
المذهب الثالث ما يعتقده الرجل سراً بينه وبين الله ﷿، لا يطلع عليه غير الله تعالى، ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه. وذلك أن يكون المسترشد ذكياً، ولم يكن قد رسخ في نفسه اعتقاد موروث نشأ عليه، وعلى التعصب له، ولم يكن قد انصبغ به قلبه انصباغاً، لا يمكن محوه منه. ويكون مثاله ككاغد: كتب عليه ما غاص فيه ولم يمكن إزالته إلا بحرق الكاغد وخرقه. فهذا رجل فسد مزاجه، ويئس من صلاحه، فإن كل ما يذكر له على خلاف ما سمعه لا يقنعه، بل يحرص على أن لا يقنع بما يذكر ويحتال في دفعه. ولو أصغى غاية الإصغاء، وانصرفت همته إلى الفهم، لكان يشكّ في فهمه، فكيف إذا كان غرضه أن يدفعه ولا يفهمه؟ فالسبيل مع مثل هذا أن يسكت عنه، ويترك على ما هو عليه، فليس هو بأول أعمى هلك بضلالته، فهذا طريق فريق من الناس. وأما الفريق الثاني، وهم الأكثرون، يقولون المذهب واحد، هو المعتقد، وهو الذي ينطق به تعليماً وإرشاداً مع كل آدمي، كيفما اختلفت حاله، وهو الذي يتعصّب له وهو إما مذهب الأشعري أو المعتزلي أو الكرامي،
أو أي مذهب من المذاهب. والأولون يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن المذهب أنه واحد أو ثلاثة لم يجز أن يذكر أنه ثلاثة، بل يجب ان يقال أنه واحد. وهذا يبطل تعبك بالسؤال عن المذهب، إن كنت عاقلاً، فإن الناس متفقون على النطق بأن المذهب واحد، ثم يتفقون على التعصب لمذهب أبيهم أو معلمهم، أو أهل بلدهم، ولو ذكر ذاكر مذهبه، فما منفعتك فيه ومذهب غيره يخالفه، وليس مع واحد منهم معجزة، يترجح بها جانبه. فجانب الالتفات إلى المذاهب، وأطلب الحق بطريق النظر، لتكون صاحب مذهب، ولا تكن في صورة أعمى تقلّداً قائداً يرشدك إلى طريق وحواليك ألف مثل قائدك ينادون عليك، بأنه أهلكك وأظلك عن سواء السبيل. وستعلم في عاقبة أمرك ظلم قائدك، فلا خلاص إلا في الاستقلال. خُذْ مَا تَراهُ وَدَعْ شَيْئاً سمعتَ به ... في طالعِ الشَمسِ مَا يُغنيكَ عَنْ زُحَل ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعاً، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر، بقي في العمى والضلال. نعوذ بالله من ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



