— Bagian 29 · فلما سلم النبي ﷺ قال من صاحب الكلمات فقال أنا يا… —
Bagian 29
فلما سلم النبي ﷺ قال من صاحب الكلمات فقال أنا يا رسول الله ما أردت بهن إلا خيراً فقال لقد رأيت اثنى عشر ملكا كلهم يبتدرونها أيهم يكتبها (١) وقال ﷺ من عطس عنده فسبق إلى الحمد لم يشتك خاصرته (٢) وقال ﷺ العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإذا قال ها ها فإن الشيطان يضحك من جوفه (٣) وقال إبراهيم النخعي إذا عطس في قضاء الحاجة فلا بأس بأن يذكر الله وقال الحسن يحمد الله في نفسه وقال كعب قال موسى ﵇ يا رب أقريب أنت فأناجيك إم بعيد فأناديك فقال أنا جليس من ذكرني فقال فإنا نكون على حال نجلك أن نذكرك عليها كالجنابة والغائط فقال اذكرني على كل حال وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا بُلِيَ بِذِي شَرٍّ فَيَنْبَغِي أن يتحمله وَيَتَّقِيَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ خَالِصِ الْمُؤْمِنَ مُخَالَصَةً وَخَالِقِ الفاجر مخالفة فَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرْضَى بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي الظَّاهِرِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَهَذَا مَعْنَى الْمُدَارَاةِ وهي مَعَ مَنْ يُخَافُ شَرُّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ قال ابن عباس في معنى قوله ﴿ويدرؤون بالحسنة السيئة﴾ أي الفحش والأذى بالسلام والمداراة وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ الناس بعضهم ببعض﴾ قَالَ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْحَيَاءِ وَالْمُدَارَاةِ وَقَالَتْ عائشة ﵂ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قال ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ هُوَ فَلَمَّا دخل ألان له القول حتى أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ لَمَّا دَخَلَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ فَقَالَ يَا عائشة إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ (٤) وَفِي الْخَبَرِ مَا وَقَى الرَّجُلُ بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صدقة (٥) وفي الأثر خالطوا الناس بأعمالكم وزايلوهم بالقلوب
نَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ (٤) وَفِي الْخَبَرِ مَا وَقَى الرَّجُلُ بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صدقة (٥) وفي الأثر خالطوا الناس بأعمالكم وزايلوهم بالقلوب وقال محمد بن الحنفية ﵁ ليس بحكيم من لم يُعَاشِرُ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بداً حتى يجعل الله له منه فرجاً ومنها أن يجتنب مخالطة الأغنياء ويختلط بِالْمَسَاكِينِ وَيُحْسِنَ إِلَى الْأَيْتَامِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين (٦) وقال كعب الأحبار كان سليمان ﵇ في ملكه إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى مِسْكِينًا جَلَسَ إِلَيْهِ وقال مسكين جالس مسكيناً وقيل ما كان من كلمة تقال لعيسى ﵇ أحب إليه من أن يقال له يا مسكين وقال كعب الأحبار ما في القرآن من ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين وقال عبادة بن الصامت إن للنار سبعة أبواب ثلاثة للأغنياء وثلاثة للنساء وواحد للفقراء والمساكين وقال الفضيل بلغني أن نبياً من الأنبياء قال يا رب كيف لي أن أعلم رضاك عني قال انظر كيف رضا المساكين عنك وقال ﷺ إياكم ومجالسة الموتى قيل ومن الموتى يا رسول الله قال الأغنياء (٧) وقال موسى إلهي أين أبغيك قال عند المكسرة قلوبهم وقال ﷺ لا تغبطن فاجرا
ن عنك وقال ﷺ إياكم ومجالسة الموتى قيل ومن الموتى يا رسول الله قال الأغنياء (٧) وقال موسى إلهي أين أبغيك قال عند المكسرة قلوبهم وقال ﷺ لا تغبطن فاجرا
بنعمة فإنك لا تدري إلى ما يَصِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ طَالِبًا حَثِيثًا (١) وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَقَالَ ﷺ من ضم يتيماً من أبوين مسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة ألبتة (٢) وَقَالَ ﷺ أَنَا وَكَافِلُ اليتيم في الجنة كَهَاتَيْنِ وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ (٣) وَقَالَ ﷺ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ تَرَحُّمًا كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَةٌ (٤) وَقَالَ ﷺ خَيْرُ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ (٥) وَمِنْهَا النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَالْجُهْدُ فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قلبه قال ﷺ المؤمن يحب للمؤمن كما يحب لنفسه (٦) وَقَالَ ﷺ لَا يُؤْمِنْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وقال ﷺ إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى فيه شيئاً فليمطه عنه (٧) وقال ﷺ من قضى حاجة لأخيه فكأنما خدم الله عمره (٨) وقال ﷺ مَنْ أَقَرَّ عَيْنَ مُؤْمِنٍ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ﷺ من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها كان خيراً له من اعتكاف شهرين (٩) وقال ﷺ مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ مَغْمُومٍ أَوْ أَعَانَ مظلوماً غفر الله له ثلاثاً وسبعين مغفرة (١٠) وقال ﷺ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقيل كيف ينصره ظالماً قال يمنعه من الظلم (١١) وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قلب المؤمن أو أن يُفَرِّجَ عَنْهُ غَمًّا أَوْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنًا أو يطعمه من جوع (١٢)
َبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قلب المؤمن أو أن يُفَرِّجَ عَنْهُ غَمًّا أَوْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنًا أو يطعمه من جوع (١٢) وقال ﷺ من حمى مؤمناً من منافق يعنته بعث الله إليه ملكاً يوم القيامة يحمي لحمه من نار جهنم وقال ﷺ خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر الشرك بالله والضر لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما شيء من البر الإيمان بالله والنفع لعباد الله (١٣) وقال ﷺ من لم يهتم للمسلمين فليس منهم (١٤) وقال معروف الكرخي من قال كل يوم اللهم ارحم أمة محمد كتبه الله من الأبدال وفي رواية
أخرى اللهم أصلح أمة محمد اللهم فرج عن أمة محمد كل يوم ثلاث مرات كتبه الله من الأبدال وبكى علي بن الفضيل يوماً فقيل له ما يبكيك قال أبكي على من ظلمني إذا وقف غداً بين يدي الله تعالى وسئل عن ظلمه ولم تكن له حجة ومنها أن يعود مرضاهم فالمعرفة والإسلام كافيان في إثبات هذا الحق ونيل فضله وَأَدَبُ الْعَائِدِ خِفَّةُ الْجِلْسَةِ وَقِلَّةُ السُّؤَالِ وَإِظْهَارُ الرِّقَّةِ وَالدُّعَاءُ بِالْعَافِيَةِ وَغَضُّ الْبَصَرِ عَنْ عَوْرَاتِ الْمَوْضِعِ وَعِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ لَا يُقَابِلُ الْبَابَ وَيَدُقُّ بِرِفْقٍ وَلَا يَقُولُ أَنَا إِذَا قِيلَ لَهُ من ولا يقول يا غلام ولكن يحمد ويسبح وقال ﷺ تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو وتمام تحياتكم المصافحة وقال ﷺ من عاد مريضاً قعد في مخارف الجنة حتى إذا قام وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى الليل (١) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة فإذا قعد عنده قرت فيه (٢) وقال ﷺ إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أخاه أوزاره قَالَ اللَّهُ تَعَالَى طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ منزلاً فِي الْجَنَّةِ (٣) وَقَالَ ﷺ إذا مرض العبد بعث الله ﵎ إليه ملكين فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدل له لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وأن أكفر عنه سيئاته (٤) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من يرد الله به خيراً يصب منه (٥) وقال عثمان ﵁ مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ مِنْ شر ما تجد قالها مراراً (٦) ودخل ﷺ على عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وهو مريض فقال له قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك أو صبراً على بليتك أو خروجاً من الدنيا إلى رحمتك فإنك ستعطي إحداهن (٧)
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وهو مريض فقال له قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك أو صبراً على بليتك أو خروجاً من الدنيا إلى رحمتك فإنك ستعطي إحداهن (٧) وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَلِيلِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِعِزَّةِ الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وقال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إذا شكا أحدكم بطنه فليسأل امرأته شيئاً من صداقها ويشتري به عسلاً ويشربه بماء السماء فيجتمع له الهنيء والمريء والشفاء
والمبارك وَقَالَ ﷺ يَا أَبَا هريرة ألا أخبرك بأمر هو حق من تكلم به في أول مضجعه من مرضه نجاه الله من النار قلت بلى يا رسول الله قال يقول لا إله إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت سبحان الله رب العباد والبلاد والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على كل حال الله أكبر كبيراً إن كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان اللهم إن أنت أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم منك الحسنى وباعدني من النار كما باعدت أولياءك الذين سبقت لهم منك الحسنى (١) وروي أنه قال ﷺ عيادة المريض بعد ثلاث فواق ناقة (٢) وقال طاوس أفضل العيادة أخفها وقال ابن عباس ﵄ عيادة المريض مرة سنة فما ازدادت فنافلة وقال بعضهم عيادة المريض بعد ثلاث وقال ﷺ أغبوا في العيادة وأربعوا فيها (٣) وَجُمْلَةُ أَدَبِ الْمَرِيضِ حُسْنُ الصَّبْرِ وَقِلَّةُ الشَّكْوَى وَالضَّجَرِ وَالْفَزَعُ إِلَى الدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلُ بَعْدَ الدَّوَاءِ عَلَى خَالِقِ الدَّوَاءِ وَمِنْهَا أَنْ يُشَيِّعَ جَنَائِزَهُمْ قَالَ ﷺ مَنْ شَيَّعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ فَإِنْ وَقَفَ حتى تدفن فله قيراطان (٤) وفي الخبر القيراط مثل أحد (٥) ولما روى أبو هريرة هذا الحديث وسمعه ابن عمر قال لقد فرطنا إلى الآن في قراريط كثيرة وَالْقَصْدُ مِنَ التَّشْيِيعِ قَضَاءُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالِاعْتِبَارُ وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغدوا فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له وخرج مالك بن دينار خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول والله لا تقر عيني حتى أعلم إلى ما صرت ولا والله لا أعلم ما دمت حياً
ريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له وخرج مالك بن دينار خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول والله لا تقر عيني حتى أعلم إلى ما صرت ولا والله لا أعلم ما دمت حياً وقال الأعمش كنا نشهد الجنائز فلا ندري لمن نعزي لحزن القوم كلهم ونظر إبراهيم الزيات إلى قوم يترحمون على ميت فقال لو ترحمون أنفسكم لكان أولى إنه نجا من أهوال ثلاث وجه ملك الموت قد رأى ومرارة الموت قد ذاق وخوف الخاتمة قد أمن وقال ﷺ يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله (٦) وَمِنْهَا أَنْ يَزُورَ قُبُورَهُمْ وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالِاعْتِبَارُ وَتَرْقِيقُ الْقَلْبِ قَالَ ﷺ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا إِلَّا وَالْقَبْرُ أفظع منه (٧) وقال عمر ﵁ خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأتى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه فبكى وبكينا فقال ما يبكيكم قلنا بكينا لبكائك قال هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فأبى علي فأدركني ما يدرك الولد من الرقة (٨) وكان عمر ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته ويقول سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أشد (٩) وقال مجاهد أول
ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة فهذا ما أعددت لك فما أعددت لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري كان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم يذكرونني معادي وإن قمت عنهم لم يغتابوني وقال حَاتِمٍ الْأَصَمِّ مَنْ مَرَّ بِالْمَقَابِرِ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ فَقَدْ خَانَ نَفْسَهُ وخانهم وَقَالَ ﷺ مَا مِنْ ليلة إلا وينادي مناد يا أهل القبور من تغبطون قالوا نغبط أهل المساجد لأنهم يصومون ولا نصوم ويصلون ولا نصلي ويذكرون الله ولا نذكره (١) وقال سفيان من أكثر ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار وكان الربيع بين خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع فيه ومكث ساعة ثم قال ﴿رب أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت﴾ ثم يقول يا ربيع قد أرجعت فاعمل الآن قبل أن لا ترجع وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُبُورِ بَكَى وَقَالَ يَا ميمون هَذِهِ قبور آبائي بني أمية كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّاتِهِمْ أما تراهم صرعى قد خلت بِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَأَصَابَ الْهَوَامُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ ثُمَّ بَكَى وَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْعَمَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ وَقَدْ أَمِنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَآدَابُ الْمُعَزِّي خَفْضُ الْجَنَاحِ وَإِظْهَارُ الْحُزْنِ وَقِلَّةُ الْحَدِيثِ وَتَرْكُ التَّبَسُّمِ وَآدَابُ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ لُزُومُ الْخُشُوعِ وَتَرْكُ الْحَدِيثِ وَمُلَاحَظَةُ الميت والتفكر في الموت والاستعداد له وأن يمشي أمام الجنازة بقربها وَالْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ سُنَّةٌ (٢) فَهَذِهِ جُمَلُ آدَابٍ تُنَبِّهُ عَلَى آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ عُمُومِ الْخَلْقِ
مشي أمام الجنازة بقربها وَالْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ سُنَّةٌ (٢) فَهَذِهِ جُمَلُ آدَابٍ تُنَبِّهُ عَلَى آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ عُمُومِ الْخَلْقِ وَالْجُمْلَةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ أَنْ لَا تَسْتَصْغِرَ مِنْهُمْ أَحَدًا حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا فَتَهْلِكَ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَعَلَّهُ يُخْتَمُ لَكَ بِمِثْلِ حَالِهِ وَيُخْتَمُ له بالصلاح ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فَإِنَّ الدُّنْيَا صَغِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ صَغِيرٌ مَا فيها ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط من عين الله وَلَا تَبْذُلْ لَهُمْ دِينَكَ لِتَنَالَ مِنْ دُنْيَاهُمْ فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك إِلَّا إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَرًا فِي الدِّينِ فَتُعَادِي أفعالهم القبيحة وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم لتعرضهم لمقت الله وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جهنم يصلونها فمالك تحقد عليهم ولا تسكن إليهم في مودتهم لك وثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحداً وربما لا تجده وَلَا تَشْكُ إِلَيْهِمْ أَحْوَالَكَ فَيَكِلَكَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَلَا تَطْمَعْ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْغَيْبِ وَالسِّرِّ كَمَا فِي الْعَلَانِيَةِ فَذَلِكَ طَمَعٌ كَاذِبٌ وأنى تظفر به وَلَا تَطْمَعْ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ فَتَسْتَعْجِلَ الذُّلَّ ولا تنال الغرض ولا تعل عليهم تكبراً لاستغنائك عنهم فإن الله يلجئك إليهم عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء وإذا سألت أخاً منهم حاجة فقضاها فَهُوَ أَخٌ مُسْتَفَادٌ وَإِنْ لَمْ يَقْضِ فَلَا تُعَاتِبْهُ فَيَصِيرَ عَدُوًّا تَطُولُ عَلَيْكَ مُقَاسَاتُهُ وَلَا تَشْتَغِلْ بِوَعْظِ مَنْ لَا تَرَى فِيهِ مَخَايِلَ القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظك عَرَضًا وَاسْتِرْسَالًا مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى الشَّخْصِ
شْتَغِلْ بِوَعْظِ مَنْ لَا تَرَى فِيهِ مَخَايِلَ القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظك عَرَضًا وَاسْتِرْسَالًا مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى الشَّخْصِ ومهما رأيت منهم كرامة وخيراً فاشكر الله الذي سخرهم لك واستعذ بالله أن يكلك إليهم وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شراً أو أصابك منهم ما يسوءك فَكِلْ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِمْ وَلَا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِالْمُكَافَأَةِ فَيَزِيدَ الضَّرَرُ ويضيع العمر بشغله ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي
وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعاً في قلوبهم فالله المحبب والمبغض إلى القلوب وَكُنْ فِيهِمْ سَمِيعًا لِحَقِّهِمْ أَصَمَّ عَنْ بَاطِلِهِمْ نطوقاً بحقهم صموتاً عن باطلهم وَاحْذَرْ صُحْبَةَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ لَا يُقِيلُونَ عَثْرَةً وَلَا يَغْفِرُونَ زَلَّةً وَلَا يَسْتُرُونَ عَوْرَةً وَيُحَاسِبُونَ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ وَيَحْسُدُونَ عَلَى الْقَلِيلِ والكثير ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم وَلَا تُعَوِّلْ عَلَى مَوَدَّةِ مَنْ لَمْ تَخْبَرْهُ حق الخبرة بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار وَالدِّرْهَمِ أَوْ تَقَعَ فِي شِدَّةٍ فَتَحْتَاجَ إِلَيْهِ فإن رضيته في الْأَحْوَالِ فَاتَّخِذْهُ أَبًا لَكَ إِنْ كَانَ كَبِيرًا أو ابناً لك إن كان صغيراً أو أخاك إن كان مثلك فَهَذِهِ جُمْلَةُ آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ حقوق الجوار اعلم أن الجوار يقضي حَقًّا وَرَاءَ مَا تَقْتَضِيهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ فَيَسْتَحِقُّ الجار المسلم ما يستحقه كُلُّ مُسْلِمٍ وَزِيَادَةٌ إِذْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ فَالْجَارُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ الْجَارُ الْمُسْلِمُ ذُو الرَّحِمِ فَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الرَّحِمِ وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَالْجَارُ الْمُشْرِكُ (١)
لَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَالْجَارُ الْمُشْرِكُ (١) فَانْظُرْ كَيْفَ أَثْبَتَ لِلْمُشْرِكِ حَقًّا بِمُجَرَّدِ الجوار وقد قال ﷺ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جاورك تكن مسلماً (٢) وقال النبي ﷺ مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ (٣) وَقَالَ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ (٤) وَقَالَ ﷺ لَا يُؤْمِنْ عَبْدٌ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (٥) وَقَالَ ﷺ أول خصمين يوم القيامة جاران (٦) وقال ﷺ إذا أنت رميت كلب جارك فقد آذيته (٧) ويروى أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود ﵁ فقال له إن لي جاراً يؤذيني ويشتمني ويضيق علي فقال اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ فُلَانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا فَقَالَ ﷺ هِيَ في النار (٨) وجاء رجل إليه ﷺ يشكو جاره فقال له النبي ﷺ ﴿اصبر﴾ ثم قال له في الثالثة أو الرابعة اطرح متاعك في الطريق قال فجعل الناس يمرون به ويقولون مالك فيقال آذاه جاره قال فجعلوا يقولون لعنه الله فجاءه جاره فقال له رد متاعك فوالله لا أعود (٩)
اطرح متاعك في الطريق قال فجعل الناس يمرون به ويقولون مالك فيقال آذاه جاره قال فجعلوا يقولون لعنه الله فجاءه جاره فقال له رد متاعك فوالله لا أعود (٩)
وروى الزهري أن رجلاً أتى النبي ﷺ فجعل يشكو جاره فأمره النبي ﷺ أن ينادي على باب المسجد ألا إن أربعين داراً جار (١) قال الزهري أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأومأ إلى أربع جهات وقال ﷺ اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس فيمن المرأة خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها وشؤمها غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها ويمن المسكن سعته وحسن جوار أهله وشؤمه ضيقه وسوء جوار أهله ويمن الفرس ذله وحسن خلقه وشؤمه صعوبته وسوء خلقه (٢) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى فقط بل احتمال الأذى فإن الجار أيضاً قد كف أذاه فليس في ذلك قضاء حق ولا يكفي احتمال الأذى بل لابد من الرفق وإسداء الخير والمعروف إذ يقال إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول يارب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني وبلغ ابن المقفع أَنَّ جَارًا لَهُ يَبِيعُ دَارَهُ فِي دَيْنٍ رَكِبَهُ وَكَانَ يَجْلِسُ فِي ظِلِّ دَارِهِ فَقَالَ مَا قُمْتُ إِذًا بِحُرْمَةِ ظِلِّ دَارِهِ إِنْ بَاعَهَا مُعْدَمًا فَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَ الدَّارِ وَقَالَ لا تبعها وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره فقيل له لو اقتنيت هراً فقال أخشى أن يسمع الفأر صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي
تبعها وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره فقيل له لو اقتنيت هراً فقال أخشى أن يسمع الفأر صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي وجملة حق الجار أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام وَلَا يُكْثَرَ عَنْ حَالِهِ السُّؤَالُ وَيَعُودَهُ فِي الْمَرَضِ وَيُعَزِّيَهُ فِي الْمُصِيبَةِ وَيَقُومَ مَعَهُ فِي الْعَزَاءِ وَيُهَنِّئَهُ فِي الْفَرَحِ وَيُظْهِرَ الشَّرِكَةَ فِي السرور معه ويصفح عن زلاته ولا يتطلع مِنَ السَّطْحِ إِلَى عَوْرَاتِهِ وَلَا يُضَايِقُهُ فِي وضع الجذع على جداره ولا في مصب الماء في ميزابه ولا في مطرح التراب في فنائه ولا يضيق طرقه إِلَى الدَّارِ وَلَا يُتْبِعُهُ النَّظَرَ فِيمَا يَحْمِلُهُ إِلَى دَارِهِ وَيَسْتُرُ مَا يَنْكَشِفُ لَهُ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَيُنْعِشُهُ مِنْ صَرْعَتِهِ إِذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ مُلَاحَظَةِ دَارِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ وَلَا يَسْمَعُ عَلَيْهِ كَلَامًا وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ حُرْمَتِهِ وَلَا يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى خَادِمَتِهِ وَيَتَلَطَّفُ بولده فِي كَلِمَتِهِ وَيُرْشِدُهُ إِلَى مَا يَجْهَلُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ هَذَا إِلَى جُمْلَةِ الْحُقُوقِ التي ذكرناها لعامة المسلمين وقد قال ﷺ أتدرون ما حق الجار إن استعان بك أعنته وإن استنصرك نصرته وإن استقرضك أقرضته وإن افتقر عدت عليه وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه وإذا اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ثم قال أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من
رحمه الله (١) هكذا رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال مجاهد كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له كم تقول هذا فقال أن رسول الله ﷺ لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه (٢) وقال هشام كان الحسن لا يرى بأساً أن تطعم الجار اليهودي والنصراني من أضحيتك وقال أبو ذر ﵁ أوصاني خليلي ﷺ وقال إذا طبخت قدراً فأكثر ماءها ثم انظر بعض أهل بيت في جيرانك فاغرف لهم منها (٣) وقالت عائشة ﵂ قلت يا رسول الله إن لي جارين أحدهما مقبل على بابه والآخر ناء ببابه عني وربما كان الذي عندي لا يسعهما فأيهما أعظم حقاً فقال المقبل عليك ببابه (٤) ورأى الصديق ولده عبد الرحمن وهو يناصي جاراً له فقال لا تناص جارك فإن هذا يبقى والناس يذهبون وقال الحسن بن عيسى النيسابوري سألت عبد الله بن المبارك فقلت الرجل المجاور يأتيني فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمراً والغلام ينكره فأكره أن أضربه ولعله بريء وأكره أن أدعه فيجد علي جاري فكيف أصنع قال إن غلامك لعله أن يحدث حدثاً يستوجب فيه الأدب فاحفظه عليه فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك الحدث فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث وهذا تلطف في الجمع بين الحقين وقالت عائشة ﵂ خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله تعالى لمن أحب صدق الحديث وصدق الناس وإعطاء السائل والمكافأة بالصنائع وصلة الرحم وحفظ الأمانة والتذمم للجار والتذمم للصاحب وقرى الضيف ورأسهن الحياء وقال أبو هريرة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا معشر المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة (٥) قال ﷺ إن من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهني (٦) وقال عبد الله قال رجل يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت قال إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت (٧) وقال جابر ﵁ قال النبي ﷺ من كان له جار في حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه (٨)
ك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت (٧) وقال جابر ﵁ قال النبي ﷺ من كان له جار في حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه (٨) وقال أبو هريرة ﵁ قضى رسول الله ﷺ أن الجار يضع جذعه في حائط جاره شاء أم أبى // حديث أبي هريرة قضى رسول الله ﷺ أن الجار يضع جذعه في حائط جاره شاء أم أبى رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق هكذا وهو متفق عليه بلفظ لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في حائطه رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف واتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة وقال
ابن عباس ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يقول مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكنافكم وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَقَالَ ﷺ مَنْ أَرَادَ الله به خيراً عسله قيل وما عسله قال يحببه إلى جيرانه (١) حُقُوقُ الْأَقَارِبِ وَالرَّحِمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا الرَّحْمَنُ وَهَذِهِ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته (٢) وقال ﷺ من سره أن ينسأ له في أثره ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمه (٣) وفي رواية أخرى من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قَالَ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَأَوْصَلُهُمْ لِرَحِمِهِ وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ (٤) وَقَالَ أبو ذر ﵁ أوصاني خليلي ﵇ بصلة الرحم وإن أدبرت وأمرني أن أقول الحق وإن كان مراً (٥) وقال ﷺ إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها (٦) وقال ﷺ إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونون فجاراً فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم (٧) وقال زيد بن أسلم لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مكة عرض له رجل فقال إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج فقال ﷺ إن الله قد منعني من بني مدلج بصلتهم الرحم (٨)
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مكة عرض له رجل فقال إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج فقال ﷺ إن الله قد منعني من بني مدلج بصلتهم الرحم (٨) وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄ قدمت علي أمي فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة أفأصلها قال ﴿نعم﴾ (٩) وفي رواية أفأعطيها قال نعم صليها وَقَالَ ﷺ الصَّدَقَةُ عَلَى المساكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان (١٠) وَلَمَّا أَرَادَ أبو طلحة أَنْ يَتَصَدَّقَ بِحَائِطٍ كَانَ لَهُ يُعْجِبُهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (١١) قال
يا رسول الله هو في سبيل الله وللفقراء والمساكين فقال ﷺ وجب أجرك على الله قسمه في أقاربك وقال ﷺ أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح (١) وهو في معنى قوله أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن ظلمك (٢) وروى أن عمر ﵁ كتب إلى عماله مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا وإنما قال ذلك لأن التجاور يورث التزاحم على الحقوق وربما يورث الوحشة وقطيعة الرحم حُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا تأكد حق الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ فَأَخَصُّ الْأَرْحَامِ وَأَمَسُّهَا الْوِلَادَةُ فَيَتَضَاعَفُ تأكد الحق فيها وقد قال ﷺ لن يجزي ولد والده حتى يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه (٣) وقد قال ﷺ بر الوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله (٤) وَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ أصبح مرضيا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة ومن أمسى فمثل ذلك وإن كان واحداً فواحداً وإن ظلماً وإن ظلماً وإن ظلماً ومن أصبح مسخطاً لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار ومن أمسى مثل ذلك وإن كان واحداً فواحداً وإن ظلماً وإن ظلماً وإن ظلماً (٥) وقال ﷺ إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم (٦) وقال ﷺ بِرَّ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك (٧) ويروى أن الله تعالى قال لموسى ﵇ يا موسى إنه من بر والديه وعقني كتبته باراً ومن برني وعق والديه كتبته عاقاً وقيل لما دخل يعقوب على يوسف ﵉ لم يقم له فأوحى الله إليه أتتعاظم أن تقوم لأبيك وعزتي وجلالي لا أخرجت من صلبك نبياً وقال ﷺ ما على أحد إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء (٨) وقال مالك بن ربيعة بينما نحن
تصدق بصدقة أن يجعلها لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء (٨) وقال مالك بن ربيعة بينما نحن
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا قَالَ نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا (١) وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ الأب (٢) وقال ﷺ بر الوالدة على الولد ضعفان (٣) وقال ﷺ دعوة الوالدة أسرع إجابة قيل يا رسول الله ولم ذاك قال هي أرحم من الأب ودعوة الرحم لا تسقط (٤) وسأله رجل فقال يا رسول الله من أبر فقال بر والديك فقال ليس لي والدان فقال بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق (٥) وقال ﷺ رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ (٦) أَيْ لَمْ يَحْمِلْهُ على العقوق بسوء عمله وقال ﷺ سَاوُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ في العطية وقد قيل ولدك ريحانتك تشمها سبعاً وخادمك سبعاً ثم هو عدوك أو شريكك وقال أنس ﵁ قال النبي ﷺ الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة (٧) وقال ﷺ من حق الوالد على الولد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه (٨) وقال ﷺ كل غلام رهين أو رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه (٩) وقال قتادة إذا ذبحت العقيقة أخذت صوفة منها فاستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل عنه مثل الخيط ثم يغسل رأسه ويحلق بعد وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فشكا إليه بعض ولده فقال هل دعوت عليه قال نعم قال أنت أفسدته
افوخ الصبي حتى يسيل عنه مثل الخيط ثم يغسل رأسه ويحلق بعد وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فشكا إليه بعض ولده فقال هل دعوت عليه قال نعم قال أنت أفسدته وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بِالْوَلَدِ رَأَى الأقرع بن حابس النبي ﷺ وَهُوَ يُقَبِّلُ وَلَدَهُ الحسن فقال إن لي
عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَالَ ﷺ إِنَّ مَنْ لا يرحم لا يرحم (١) وقالت عائشة ﵂ قال لي رسول الله ﷺ يوماً اغسلي وجه أسامة فجعلت أغسله وأنا أنفة فضرب يدي ثم أخذه فغسل وجهه ثم قبله ثم قال قد أحسن بنا إذ لم يكن جارية (٢) وتعثر الحسن والنبي ﷺ على منبره فنزل فحمله وقرأ قوله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٣) وقال عبد الله بن شداد بينما رسول الله ﷺ يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر فلما قضى صلاته قالوا قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر فقال إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته (٤) وفي ذلك فوائد إحداها القرب من الله تعالى فإن العبد أقرب ما يكون من الله تعالى إذا كان ساجداً وفيه الرفق بالولد والبر وتعليم لأمته وقال ﷺ ريح الولد من ريح الجنة (٥) وقال يزيد بن معاوية أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس فلما وصل إليه قال له يا أبا بحر مَا تَقُولُ فِي الْوَلَدِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثِمَارُ قُلُوبِنَا وَعِمَادُ ظُهُورِنَا وَنَحْنُ لَهُمْ أَرْضٌ ذَلِيلَةٌ وَسَمَاءٌ ظَلِيلَةٌ وَبِهِمْ نَصُولُ عَلَى كُلِّ جَلِيلَةٍ فَإِنْ طَلَبُوا فَأَعْطِهِمْ وَإِنْ غَضِبُوا فَأَرْضِهِمْ يَمْنَحُوكَ وُدَّهُمْ وَيُحِبُّوكَ جُهْدَهُمْ وَلَا تَكُنْ عليهم ثقلاً ثَقِيلًا فَيَمَلُّوا حَيَاتَكَ وَيَوَدُّوا وَفَاتَكَ وَيَكْرَهُوا قُرْبَكَ فقال له معاوية لله أنت يا أحنف لقد دخلت علي وأنا مملوء غضباً وغيظاً على يزيد فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد وبعث إليه بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب فأرسل يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب فقاسمه إياها على الشطر
ى يزيد فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد وبعث إليه بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب فأرسل يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب فقاسمه إياها على الشطر فهذه هي الأخبار الدالة على تأكد حق الوالدين وكيفية القيام بحقهما تعرف مما ذكرناه في حق الأخوة فإن هذه الرابطة آكد من الأخوة بل يزيد ههنا أمران أحدهما أن أكثر العلماء على أن طاعة الأبوين وَاجِبَةٌ فِي الشُّبُهَاتِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِي الحرام المحض حتى إذا كانا يتنغصان بانفرادك عنهما بالطعام فعليك أن تأكل معهما لأن ترك الشبهة ورع ورضا الوالدين حتم وكذلك ليس لك أن تسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما والمبادرة إلى الحج الذي هو فرض الإسلام نفل لأنه على التأخير والخروج لطلب العلم نفل إلا إذا كنت تطلب علم الفرض من الصلاة والصوم ولم يكن في بلدك من يعلمك وذلك كمن يسلم ابتداء في بلد ليس فيها من يعلمه شرع الإسلام فعليه الهجرة ولا يتقيد بحق الوالدين قال أبو سعيد الخدري هاجر رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من اليمن وأراد الجهاد فقال ﷺ هل باليمن أبواك قال نعم قال هل أذنا لك قال لا فقال ﷺ فارجع إلى أبويك
فاستأذنهما فإن فعلا فجاهد وإلا فبرهما ما استطعت فإن ذلك خير ما تلقى الله به بعد التوحيد (١) وجاء آخر إليه ﷺ ليستشيره في الغزو فقال ألك والدة قال نعم قال فألزمها فإن الجنة عند رجليها (٢) وجاء آخر يطلب البيعة على الهجرة وقال ما جئتك حتى أبكيت والدي فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما (٣) وَقَالَ ﷺ حُقُّ كَبِيرِ الإخوة على صغيرهم كحق الوالد عن ولده (٤) وقال ﷺ إذا استصعبت على أحدكم دابته أو ساء خلق زوجته أو أحد من أهل بيته فليؤذن في أذنه (٥) حقوق المملوك اعلم أن ملك النكاح قد سبقت حقوقه في آداب النكاح فأما ملك اليمين فهو أيضاً يقتضي حقوقاً في المعاشرة لا بد من مراعاتها فقد كان من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ أن قال اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم (٦) وقال ﷺ للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق (٧) وَقَالَ ﷺ لَا يَدْخُلُ الجنة خب ولا متكبر ولا خائن ولا سيئ الملكة (٨) وقال عبد الله بن عمر ﵄ جاء رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم فصمت عنه رسول الله ﷺ
لا متكبر ولا خائن ولا سيئ الملكة (٨) وقال عبد الله بن عمر ﵄ جاء رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم فصمت عنه رسول الله ﷺ
﴿ثم قال﴾ اعف عنه في كل يوم سبعين مرة (١) وكان عمر ﵁ يذهب إلى العوالي في كل يوم سبت فإذا وجد عبداً في عمل لا يطيقه وضع عنه منه ويروى عن أبي هريرة ﵁ أنه رأى رجلاً على دابته وغلامه يسعى خلفه فقال له يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مثل روحك فحمله ثم قال لا يزال العبد يزداد من الله بعداً ما مشى خلفه وقالت جارية لأبي الدرداء إني سممتك منذ سنة فما عمل فيك شيئاً فقال لم فعلت ذلك فقالت أردت الراحة منك فقال اذهبي فأنت حرة لوجه الله وقال الزهري متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم قيل فما بلغ من حِلْمُهُ قَالَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي دَارِهِ إذا أتته خادمة له بسفود عليه شواء فسقط السفود من يدها على ابن له فعقره فمات فدهشت الجارية فقال ليس يسكن روع هذه الجارية إلا العتق فقال لها أنت حرة لا بأس عليك وكان عون ابن عبد الله إذا عصاه غلامه قال ما أشبهك بمولاك مولاك يعصي مولاه وأنت تعصي مولاك فأغضبه يوماً فقال إنما تريد أن أضربك اذهب فأنت حر وكان عند ميمون بن مهران ضيف فاستعجل على جاريته بالعشاء فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون فقال يا جارية أحرقتني قالت يا معلم الخير ومؤدب الناس ارجع إلى ما قال الله تعالى قال وما قال الله تعالى قالت قال والكاظمين الغيظ قال قد كظمت غيظي قالت والعافين عن الناس قال قد عفوت عنك قالت زد فإن الله تعالى يقول والله يحب المحسنين قال أنت حرة لوجه الله تعالى وقال ابن المنكدر أن رجلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضرب عبداً له فجعل العبد يقول أسألك بالله أسألك بوجه الله فلم يعفه فسمع رسول الله ﷺ صياح العبد فانطلق إليه فلما رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمسك يده فقال رسول الله سألك بوجه الله فلم تعفه فلما رأيتني أمسكت يدك قال فإنه حر لوجه الله يا رسول الله فقال لو لم تفعل لسفعت وجهك النار (٢)
لَّهِ ﷺ أمسك يده فقال رسول الله سألك بوجه الله فلم تعفه فلما رأيتني أمسكت يدك قال فإنه حر لوجه الله يا رسول الله فقال لو لم تفعل لسفعت وجهك النار (٢) وقال ﷺ العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين (٣) ولما أعتق أبو رافع بكى وقال كان لي أجران فذهب أحدهما وقال ﷺ عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعفيف متعفف ذو عيال وأول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط وذو ثروة لا يعطي حق الله وفقير فخور (٤) وعن أبي مسعود الأنصاري قال بينا أنا أضرب غلاما لي إذ سمعت صوتاً من خلفي اعلم يا أبا مسعود مرتين فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فألقيت السوط من يدي فقال والله لله أقدر عليك منك على هذا (٥) وقال ﷺ إذا ابتاع أحدكم الخادم فليكن أول شيء يطعمه الحلو فإنه أطيب لنفسه (٦) رواه معاذ
وقال أبو هريرة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه وليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله لقمة (١) وفي رواية إذا كفى أحدكم مملوكه صنعة طعامه فكفاه حره ومؤنته وقربه إليه فليجلسه وليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله أو ليأخذ أكلة فليروغها وأشار بيده وليضعها في يده وليقل كل هذه ودخل على سلمان رجل وهو يعجن فقال يا أبا عبد الله ما هذا فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا أن نجمع عليه عملين وقال ﷺ من كانت عنده جارية فصانها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فذلك له أجران (٢) وقد قال ﷺ كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣) فجملة حق المملوك أن يشركه في طعمته وكسوته ولا يكلفه فوق طاقته ولا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء وأن يعفو عن زلته ويتفكر عند غضبه عليه بهفوته أو بجنايته في معاصيه وجنايته على حق الله تعالى وتقصيره في طاعته مع أن قدرة الله عليه فوق قدرته وروى فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يسئل عنهم رجل فارق الجماعة ورجل عصى إمامه فمات عاصياً فلا يسأل عنهما وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده فلا يسأل عنها
َاثَةٌ لَا يسئل عنهم رجل فارق الجماعة ورجل عصى إمامه فمات عاصياً فلا يسأل عنهما وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده فلا يسأل عنها وثلاثة لا يسأل عنهم رجل ينازع الله رداءه ورداؤه الكبرياء وإزاره العز ورجل في شك من الله وقنوط من رحمة الله (٤) تم كتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق كتاب آداب العزلة وهو الكتاب السادس من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين ﷽ الحمد لله الذي أعظم النعمة على خيرة خلقه وصفوته بأن صرف هممهم إلى مؤانسته وأجزل حظهم من التلذذ بمشاهدة آلائه وعظمته ورّوح أسرارهم بمناجاته وملاطفته وحقر في قلوبهم النظر الى متاع الدنيا وزهرتها حتى اغتبط بعزلته كل من طويت الحجب عن مجاري فكرته فاستأنس بمطالعة سبحات وجهه تعالى في خلوته واستوحش بذلك عن الأنس بالأنس وإن كان من أخص خاصته والصلاة على سيدنا محمد سيد أنبيائه وخيرته وعلى آله وصحابته سادة الحق وأئمته أما بعد فإن للناس اختلافاً كثيراً في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى ومع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها وفوائد تدعو الى إليها وميل أكثر العباد والزهاد الى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة وما ذكرناه في كتاب الصحبة من فضيلة المخالطة والمؤاخاة والمؤالفة يكاد يناقض ما مال إليه الأكثرون من اختيار الإستيحاش والخلوة فكشف الغطاء عن الحق في ذلك مهم ويحصل ذلك برسم بابين الباب الأول في نقل المذاهب والحجج فيها الباب الثاني في كشف الغطاء عن الحق بحصر الفوائد والغوائل
الباب الأول في نقل المذاهب والأقاويل وذكر حجج الفريقين في ذلك
أما المذاهب فقد اختلف فيها وظهر هذا الاختلاف بين التابعين فذهب الى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة سفيان الثوري وابراهيم بن أدهم وداود الطائي وفضيل بن عياض وسليمان الخوّاص ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وبشر الحافي وقال أكثر التابعين باستحباب الْمُخَالَطَةِ وَاسْتِكْثَارِ الْمَعَارِفِ وَالْإِخْوَانِ وَالتَّآلُفِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الدِّينِ تَعَاوُنًا عَلَى البر والتقوى ومال الى هذا سعيد بن المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة والمأثور عن العلماء من الكلمات ينقسم الى كلمات مطلقة تدل على الميل إلى أحد الرأيين والى كلمات مقرونة بما يشير إلى علة الميل فلننقل الآن مطلقات تلك الكلمات لنبين المذاهب فيها وما هو مقرون بذكر العلة نورده عند التعرض للغوائل والفوائد فنقول قد روي عن عمر ﵁ أنه قال خذوا بحظكم من العزلة وقال ابن سيرين العزلة عبادة وقال الفضيل كفى بالله محباً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً وقيل اتخذ الله صاحباً ودع الناس جانباً وقال أبو الربيع الزاهد لداود الطائي عظني قال صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة وفرّ من الناس فرارك من الأسد وقال الحسن ﵀ كلمات أحفظهن من التوراة قنع ابن آدم فاستغنى اعتزل الناس فسلم ترك الشهوات فصار حراً وترك الحسد فظهرت مروءته صبر قليلاً فتمتع طويلاً وقال وهيب ابن الورد بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار ما أصبرك على الوحدة وقد كان لزم البيت فقال كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا كنت أجالس الناس ولا أكلمهم وقال سفيان الثوري هذا وقت السكوت وملازمة البيوت وقال بعضهم كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية فمكث معنا سبعاً لا نسمع له كلاماً فقلنا له يا هذا قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا فأنشأ يقول قليل الهم لا ولد يموت ... ولا أمر يحاذره يفوت
اً لا نسمع له كلاماً فقلنا له يا هذا قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا فأنشأ يقول قليل الهم لا ولد يموت ... ولا أمر يحاذره يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علماً ... فغايته التفرّد والسكوت وقال إبراهيم النخعي لرجل تفقه ثم اعتزل وكذا قال الربيع بن خثيم وقيل كان مالك بن أنس يشهد الجنائز ويعود المرضى ويعطي الإخوان حقوقهم فترك ذلك واحداً واحداً حتى تركها كلها وكان يقول لا يتهيأ للمرء أن يحبر كل عذر له وقيل لعمر بن عبد العزيز لو تفرغت لنا فقال ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله تعالى وقال الفضيل إني لأجد للرجل عندي يداً إذا لقيني أن لا يسلم علي وإذا مرضت أن لا يعودني وقال أبو سليمان الداراني بينما الربيع ابن خثيم جالس على باب داره إذ جاءه حجر فصك جبهته فشجه فجعل يمسح الدم ويقول لقد وعظت يا ربيع فقام ودخل داره فما جلس بعد ذلك على باب داره حتى أخرجت جنازته وكان سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد لزما بيوتهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة لجمعة ولا غيرها حتى ماتا بالعقيق وقال يوسف بن أسباط سمعت سفيان الثوري يقول والله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة وقال بشر بن عبد الله أقل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون يوم القيامة فإن تكن
فضيحة كان من يعرفك قليلاً ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم فقال له ألك حاجة قال نعم قال وما هي قال أن لا تراني ولا أراك ولا تعرفني وقال رجل لسهل أريد أن اصحبك فقال إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر قال الله قال فليصحبه الآن وقيل للفضيل إن علياً ابنك يقول لوددت أني في مكان أرى الناس ولا يروني فبكى الفضيل وقال يا ويح على أفلاً أتمها فقال لا أراهم ولا يروني وقال الفضيل أيضاً من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه وقال ابن عباس ﵄ أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ترى فهذه أقاويل المائلين الى العزلة ذكر حجج المائلين إلى المخالطة ووجه ضعفها
جل كثرة معارفه وقال ابن عباس ﵄ أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ترى فهذه أقاويل المائلين الى العزلة ذكر حجج المائلين إلى المخالطة ووجه ضعفها
احتج هؤلاء بقوله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ الآية وبقوله تعالى ﴿فألف بين قلوبكم﴾ أمتن على الناس بالسبب المؤلف وهذا ضعيف لأن المراد به تفرّق الآراء واختلاف المذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة والمراد بالألفة نزع الغوائل من الصدور وهي الأسباب المثيرة للفتن المحركة للخصومات والعزلة لا تنافى ذلك واحتجوا بقوله ﷺ الْمُؤْمِنُ آلِفٌ مَأْلُوفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ (١) وهذا ضعيف لأنه إشارة إلى مذمة سوء الخلق تمتنع بسببه المؤالفة ولا يدخل تحته الحسن الخلق الذي إن خالط ألف وألف ولكنه ترك المخالطة اشتغالا بنفسه وطلبا للسلامة من غيره واحتجوا بقوله ﷺ من فارق الجماعة شبرا خلع ربقة الإسلام من عنقه وقال من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية (٢) وبقوله ﷺ من شق عصا المسلمين والمسلمون في إسلام دامج فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (٣) وهذا ضعيف لأن المراد به الجماعة التي اتفقت آراؤهم على إمام بعقد البيعة فالخروج عليهم بغى وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم وذلك محظور لاضطرار الخلق إلى إمام مطاع يجمع رأيهم ولا يكون ذلك إلا بالبيعة من الأكثر فالمخالفة تشويش مثير للفتنة فليس في هذا تعرض للعزلة واحتجوا بنهيه ﷺ عن الهجر فوق ثلاث إذ قال من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار (٤) وقال ﷺ لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث والسابق بالصلح يدخل الجنة (٥) وقال من هجر أخاه سنة فهو كسافك دمه (٦) قالوا والعزلة هجره بالكلية وهذا ضعيف لأن المراد به الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب مع أن الهجر فوق ثلاث جائز في موضعين أحدهما أن يرى فيه إصلاحا للمهجور في الزيادة الثاني أن يرى لنفسه سلامة فيه
والنهي وان كان عاما فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين بدليل ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ هجرها ذا الحجة والمحرّم وبعض صفر (١) وروى عن عمر أنه ﷺ اعتزل نساءه وآلى منهن شهرا وصعد إلى غرفة له وهى خزانته فلبث تسعا وعشرين يوما فلما نزل قيل له إنك كنت فيها تسعا وعشرين فقال الشهر قد يكون تسعا وعشرين (٢) وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثلاثة أيام إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه (٣) فهذا صريح في التخصيص وعلى هذا ينزل قول الحسن ﵀ حيث قال هجران الأحمق قربة إلى الله فإن ذلك يدوم إلى الموت إذ الحماقة لا ينتظر علاجها وذكر عند محمد بن عمر الواقدي رجل هجر رجلا حتى مات فقال هذا شيء قدم تقدّم فيه قوم سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات وعثمان بن عفان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف وعائشة كانت مهاجرة لحفصة وكان طاوس مهاجرا لوهب بن منبه حتى ماتا وكل ذلك يحمل على رؤيتهم سلامتهم في المهاجرة واحتجوا بما روى أن رجلا أتى الجبل ليتعبد فيه فجيء به إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال لا تفعل أنت ولا أحد منكم لصبر أحدكم في بعض مواطن الإسلام خير له من عبادة أحدكم وحده أربعين عاما (٤) والظاهر أنّ هذا إنما كان لما فيه من ترك الجهاد مع شدة وجوبة في ابتداء الإسلام بدليل ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال غزونا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فمررنا بشعب فيه عيينة طيبة الماء فقال واحد من القوم لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله ﷺ فقال ﷺ لا تفعل فان مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته في أهله ستين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة اغزوا في سبيل الله فانه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله الجنة (٥) واحتجوا بما روى معاذ بن جبل أنه ﷺ قال ان الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية والناحية والشاردة وإياكم والشعاب وعليكم بالعامة والجماعة والمساجد (٦) وهذا إنما أراد به من اعتزل قبل تمام الغلم وسيأتي بيان ذلك وأن ذلك ينهى عنه إلا لضرورة ذكر حجج المائلين إلى تفضيل العزلة
العامة والجماعة والمساجد (٦) وهذا إنما أراد به من اعتزل قبل تمام الغلم وسيأتي بيان ذلك وأن ذلك ينهى عنه إلا لضرورة ذكر حجج المائلين إلى تفضيل العزلة
احتجوا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي﴾ الآية ثم قال تعالى فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة وهذا ضعيف لأن مخالطة الكفار لا فائدة فيها إلا دعوتهم الى الدين وعند اليأس من إجابتهم فلا وجه
إلا هجرهم وإنما الكلام في مخالطة المسلمين وما فيها من البركة لما روي أنه قيل يا رسول الله الوضوء من جر مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال بل من هذه المطاهر التماساً لبركة أيدي المسلمين (١) وروي أنه ﷺ لما طاف بالبيت عدل الى زمزم ليشرب منها فإذا التمر المنقع في حياض الأدم وقد مغثه الناس بأيديهم وهم يتناولون منه ويشربون فاستسقى منه وقال أسقوني فقال العباس إن هذا النبيذ شراب قد مغث وخيض بالأيدي أفلا آتيك بشراب أنظف من هذا من جر مخمر في البيت فقال أسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب منه (٢) فإذن كيف يستدل باعتزال الكفار والأصنام على اعتزال المسلمين مع كثرة البركة فيهم واحتجوا أيضاً بقول موسى ﵇ ﴿وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون﴾ وأنه فزع إلى العزلة عند اليأس منهم وقال تعالى في أصحاب الكهف وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته أمرهم بالعزلة وقد اعتزل نبينا ﷺ قريشاً لما آذوه وجفوه ودخل الشعب وامر أصحابه باعتزالهم والهجرة الى أرض الحبشة (٣) ثم تلاحقوا به الى المدينة بعد أن أعلى الله كلمته وهذا أيضاً اعتزال عن الكفار بعد اليأس منهم فإنه ﷺ لم يعتزل المسلمين ولا من توقع إسلامه من الكفار وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضاً وهم مؤمنون وإنما اعتزلوا الكفار وإنما النظر في العزلة من المسلمين
نه ﷺ لم يعتزل المسلمين ولا من توقع إسلامه من الكفار وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضاً وهم مؤمنون وإنما اعتزلوا الكفار وإنما النظر في العزلة من المسلمين واحتجوا بقوله ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامر الجهني لما قال يا رسول الله ما النجاة قال ليسعك بيتك وأمسك عليك لسانك وآبك على خطيئتك وروي أنه قيل له ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله تعالى قيل ثم من قال رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شرّه وَقَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يحب العبد التقي النقي الخفي (٤) وفي الإحتجاج بهذه الأحاديث نظر فأما قوله لعبد الله بن عامر فلا يمكن تنزيله إلا على ما عرفه ﷺ بنور النبوة من حاله وإن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك ورب شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج الى الجهاد
وذلك لا يدل على أن ترك الجهاد أفضل وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ولذلك قال ﷺ الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم (١) وعلى هذا ينزل قوله ﷺ رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس من شره فهذا إشارة الى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته وقوله إن الله يحب التقي الخفي إشارة الى إيثار الخمول وتوقي الشهرة وذلك لا يتعلق بالعزلة فكم من راهب معتزل تعرفه كافة الناس وكم من مخالط خامل لا ذكر له ولا شهرة فهذا تعرض لأمر لا يتعلق بالعزلة واحتجوا بما روي أنه ﷺ قال لأصحابه ألا أنبئكم بخير الناس قالوا بلى يا رسول الله فأشار بيده نحو المغرب وقال رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ينتظر أن يغير أو يغار عليه ألا أنبئكم بخير الناس بعده وأشار بيده نحو الحجاز وقال رجل في غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعلم حق الله في ماله اعتزل شرور الناس (٢) فإذا ظهر أن هذه الأدلة لا شفاء فيها من الجانبين فلا بد من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها الباب الثاني في فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها
فلا بد من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها الباب الثاني في فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها
اعلم أن اختلاف الناس في هذا يضاهي اختلافهم في فضيلة النكاح والعزوبة وقد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص بحسب ما فصلناه من آفات النكاح وفوائده فكذلك القول فيما نحن فيه فلنذكر أولا فوائد العزلة وهي تنقسم الى فوائد دينية ودنيوية والدينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة والمواظبة على العبادة والفكر وتربية العلم وإلى تخلص مِنِ ارْتِكَابِ الْمَنَاهِي الَّتِي يَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لَهَا بِالْمُخَالَطَةِ كَالرِّيَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالسُّكُوتِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنهي عن المنكر ومسارقة الطبع من الْأَخْلَاقَ الرَّدِيئَةَ وَالْأَعْمَالَ الْخَبِيثَةَ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ وأما الدنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرض لها بالمخالطة كالنظر إلى زهرة الدنيا وإقبال الخلق عليها وطمعه في الناس وطمع الناس فيه وانكشاف ستر مروءته بالمخالطة والتأذي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذي بثقله وتشويه خلقته وإلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ست فوائد الفائدة الأولى التفرّغ للعبادة والفكر والإستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق والإشتغال باستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السموات والأرض فإن ذلك يستدعي فراغاً ولا فراغ مع المخالطة فالعزلة وسيلة اليه ولهذا قال بعض الحكماء لا يتمكن أحد من الخلوة إلا بالتمسك بكتاب الله تعالى والمتمسكون بكتاب الله تعالى هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله الذاكرون الله بالله عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ولقوا الله
ك بكتاب الله تعالى والمتمسكون بكتاب الله تعالى هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله الذاكرون الله بالله عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ولقوا الله
بذكر الله ولا شك في أن هؤلاء تمنعهم المخالطة عن الفكر والذكر فالعزلة أولى بهم ولذلك كان ﷺ في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء وينعزل إليه حتى قوي فيه نور النبوة (١) فكان الخلق لا يحجبونه عن الله فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلاً على الله تعالى حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر خليله فأخبر النبي ﷺ عن استغراق همه بالله فقال لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله (٢) ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهراً والإقبال على الله سراً إلا قوة النبوة فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إليه فقد نقل عن الجنيد أنه قال أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة والناس يظنون أني أكلمهم وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب الله استغراقاً لا يبقي لغيره فيه متسع وذلك غير منكر ففي المشتهرين بحب الخلق من يخالط الناس ببدنه وهو لا يدري ما يقول ولا ما يقال له لفرط عشقه لمحبوبه بل الذي دهاه ملم يشوّش عليه أمراً من أمور دنياه فقد يستغرقه الهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم ولا يسمع أصواتهم لشدة استغراقه وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا تستحيل ذلك فيه ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة ولذلك قيل لبعض الحكماء ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة فقال يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا حلاوة المعرفة وقيل لبعض الرهبان ما أصبرك على الوحدة فقال ما أنا وحدي أنا جليس الله تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت وقيل لبعض الحكماء إلى أي شيء أفضى بكم الزهد والخلوة فقال إلى الأنس بالله وقال سفيان بن عيينة لقيت إبراهيم ابن أدهم ﵀ في بلاد الشام فقلت له يا إبراهيم تركت خراسان فقال ما تهنأت بالعيش إلا ههنا أفرّ بديني من شاهق الى شاهق فمن يراني يقول موسوس أو حمال أو ملاح
بن أدهم ﵀ في بلاد الشام فقلت له يا إبراهيم تركت خراسان فقال ما تهنأت بالعيش إلا ههنا أفرّ بديني من شاهق الى شاهق فمن يراني يقول موسوس أو حمال أو ملاح وقيل لغزوان الرقاشي هبك لا تضحك فما يمنعك من مجالسة إخوانك قال إني أصيب راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي وقيل للحسن يا أبا سعيد ههنا رجل لم تره قط جالساً إلا وحده خلف سارية فقال الحسن إذا رأيتموه فأخبروني به فنظروا إليه ذات يوم فقالوا للحسن هذا الرجل الذي أخبرناك به وأشاروا إليه فمضى إليه الحسن وقال له يا عبد الله أراك قد حببت إليك العزلة فما يمنعك من مجالسة الناس فقال أمر شغلني عن الناس قال فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه فقال أمر شغلني عن الناس وعن الحسن فقال له الحسن وما ذاك الشغل يرحمك الله فقال إني أصبح وأمسي بين نعمة وذنب فرأيت أن أشغل نفسي بشكر الله تعالى على النعمة والإستغفار من الذنب فقال له الحسن أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن فالزم ما أنت عليه وقيل بينما أويس القرني جالس إذ أتاه هرم بن حيان فقال له أويس ما جاء بك قال جئت لآنس بك فقال أويس ما كنت أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره وقال الفضيل إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت به وقلت أخلو بربي وإذا رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي وقال عبد الله بن زيد طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة قيل له وكيف ذلك قال يناجي الله في الدنيا ويجاوره في الآخرة وقال ذو النون المصري سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه وقال مالك بن دينار من لم يأنس بمحادثة الله ﷿ عن محادثة المخلوقين فقد قل علمه وعمى
قلبه وضيع عمره وقال ابن المبارك ما أحب حال من انقطع إلى الله تعالى ويروى عن بعض الصالحين أنه قال بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال فلما نظر إلي تنحى الى أصل شجرة وتستر بها فقلت سبحان الله تبخل علي بالنظر إليك فقال هذا إني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفني فيه عمري فسألت الله تعالى أن لا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي فسكنه الله عن الإضطراب وألفه الوحدة والإنفراد فلما نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأول فإليك عني فإني أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب القانتين ثم صاح واغماه من طول المكث في الدنيا ثم حوّل وجهه عني ثم نفض يديه وقال إليك عني يا دنيا لغيري فتزيني وأهلك فغري ثم قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة وحلاوة الإنقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان وجمع همهم في ذكره فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته ثم مضى وهو يقول قدوس قدوس فإذاً في الخلوة أنس بذكر الله واستكثار من معرفة الله وفي مثل ذلك قيل وإني لأستغشى وما بي غشوة ... لعل خيالاً منك يلقى خياليا وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا ولذلك قال بعض الحكماء إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة وقد قيل الإستئناس من علامات الإفلاس فإذاً هذه فائدة جزيلة ولكن في حق بعض الخواص ومن يتيسر له بدوام الذكر الأنس بالله أو بدوام الفكر التحقق في معرفة الله فالتجرد له أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة فإن غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الإنسان محباً لله عارفاً بالله ولا محبة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر ولا معرفة إلا بدوام الفكر وفراغ القلب شرط في كل واحد منهما ولا فراغ مع المخالطة الفائدة الثانية التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها
لذكر ولا معرفة إلا بدوام الفكر وفراغ القلب شرط في كل واحد منهما ولا فراغ مع المخالطة الفائدة الثانية التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة وهي أربعة الغيبة والنميمة والرياء وَالسُّكُوتِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدنيا أما الغيبة فإذا عرفت من كتاب آفات اللسان من ربع المهلكات وجوهها عرفت أن التحرز عنها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلا الصدّيقون فإن عادة الناس كافة التمضمض بأعراض الناس والتفكه بها والتنفل بحلاوتها وهي طعمتهم ولذتهم وإليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى وإن سكت كنت شريكا والمستمع أحد المغتابين وإن أنكرت أبغضوك وتركوا ذلك المغتاب واغتابوك فازدادوا غيبة إلى غيبة وربما زادوا على الغيبة وانتهوا إلى الإستخفاف والشتم وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من أصول الدين وهو واجب كما سيأتي بيانه في آخر هذا الربع ومن خالط الناس فلا يخلو عن مشاهدة المنكرات فإن سكت عصى الله به وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر إذ ربما يجره طلب الخلاص عنها إلى معاص هي أكبر مما نهى عنه ابتداء وفي العزلة خلاص من هذا فإن الأمر في إهماله شديد والقيام به شاق وقدم قام أبو بكر رضي الله عند خطيبا وقال أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية
عنه ابتداء وفي العزلة خلاص من هذا فإن الأمر في إهماله شديد والقيام به شاق وقدم قام أبو بكر رضي الله عند خطيبا وقال أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب (١) وقد قَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ ليسأل العبد حتى يقول له ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله لعبد حجته قال يا رب رجوتك وخفت الناس (٢) وهذا إذا خاف من ضرب أو أمر لا يطاق ومعرفة حدود ذلك مشكلة وفيه خطر وفي العزلة خلاص وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إثارة للخصومات وتحريك لغوائل الصدور كما قيل وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح ومن جرب الأمر بالمعروف ندم عليه غالباً فإنه كجدار مائل يريد الإنسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه فإذا سقط عليه يقول يا ليتني تركته مائلاً نعم لو وجد أعواناً أمسكوا الحائط حتى يحكمه بدعامة لاستقام وأنت اليوم لا تجد الأعوان فدعهم وانج بنفسك وأما الرياء فهو الداء العضال الذي يعسر على الأبدال والأوتاد الاحتراز عنه وكل من خالط الناس داراهم ومن داراهم راءاهم ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا وأقل ما يلزم فيه النفاق فإنك إن خالطت متعاديين ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضاً إليهما جميعاً وإن جاملتهما كنت من شرار الناس وقال ﷺ تجدون من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه (٣) وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ شر الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه (٤) وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه ولا يخلو ذلك عن كذب إما في الأصل وإما في الزيادة وإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك كيف أنت وكيف أهلك وأنت في الباطن فارغ القلب من همومه وهذا نفاق محض قال سرى لو دخل أخ لي فسويت لحيتي بيدي لدخوله لخشيت أن أكتب في جريدة المنافقين
قولك كيف أنت وكيف أهلك وأنت في الباطن فارغ القلب من همومه وهذا نفاق محض قال سرى لو دخل أخ لي فسويت لحيتي بيدي لدخوله لخشيت أن أكتب في جريدة المنافقين وكان الفضيل جالسا وحده في المسجد الحرام فجاء إليه أخ له فقال له ما جاء بك قال المؤانسة يا أبا علي فقال هي والله بالمواحشة أشبه هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك وتكذب لي وأكذب لك إما أن تقوم عني أو أقوم عنك وقال بعض العلماء ما أحب الله عبداً إلا أحب أن لا يشعر به ودخل طاوس على الخليفة هشام فقال كيف أنت يا هشام فغضب عليه وقال لم لم تخاطبني بأمير المؤمنين فقال لأن جميع المسلمين ما اتفقوا على خلافتك فخشيت أن أكون كاذباً فمن أمكنه أن يحترز هذا الإحتراز فليخالط الناس وإلا فليرض بإثبات اسمه في جريدة المنافقين فقد كان السلف يتلاقون ويحترزون في قولهم كيف أصبحت وكيف أمسيت وكيف أنت وكيف حالك وفي الجواب عنه فكان سؤالهم عن أحوال الدين لا عن أحوال الدنيا قال حاتم الأصم لحامد اللفاف كيف أنت في نفسك قال سالم معافى فكره حاتم جوابه وقال يا حامد السلامة من وراء الصراط والعافية في الجنة وكان إذا قيل لعيسى ﷺ كيف أصبحت قال أصبحت لا أملك تقديم ما أرجو ولا أستطيع دفع ما أحاذر وأصبحت مرتهناً بعملي والخير كله في يد غيري ولا فقير أفقر مني
وكان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت من ضعفاء مذنبين نستوفي أرزاقنا وننتظر آجالنا وكان أبو الدرداء إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت بخير إن نجوت من النار وكان سفيان الثوري إذا قيل له كيف أصبحت يقول أصبحت أشكر ذا الى ذا وأذم ذا الى ذا وأفر من ذا الى ذا وقيل لأويس القرني كيف أصبحت قال كيف يصبح رجل إذا أمسى لا يدري أنه يصبح وإذا أصبح لا يدري أنه يمسي وقيل لمالك بن دينار كيف أصبحت قال أصبحت في عمر ينقص وذنوب تزيد وقيل لبعض الحكماء كيف أصبحت قال أصبحت لا أرضى حياتي لمماتي ولا نفسي لربي وقيل لحكيم كيف أصبحت قال أصبحت آكل رزق ربي وأطيع عدوه إبليس وقيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة وقيل لحامد اللفاف كيف أصبحت قال أصبحت أشتهي عافية يوم الى الليل فقيل له ألست في عافية في كل الأيام فقال العافية يوم لا أعصى الله تعالى فيه وقيل لرجل وهو يجود بنفسه ما حالك فقال وما حال من يريد سفراً بعيداً بلا زاد ويدخل قبراً موحشاً بلا مؤنس وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة وقيل لحسان ابن أبي سنان ما حالك قال ما حال من يموت ثم يبعث ثم يحاسب وقال ابن سيرين لرجل كيف حالك فقال وما حال من عليه خمسمائة درهم ديناً وهو معيل فدخل ابن سيرين منزله فأخرج له ألف درهم فدفعها إليه وقال خمسمائة اقض بها دينك وخمسمائة عد بها على نفسك وعيالك ولم يكن عنده غيرها ثم قال والله لا أسأل أحداً عن حاله أبداً وإنما فعل ذلك لأنه خشي أن يكون سؤاله من غير اهتمام بأمره فيكون بذلك مرائياً منافقاً فقد كان سؤالهم عن أمور الدين وأحوال القلب في معاملة الله وإن سألوا عن أمور الدنيا فعن اهتمام وعزم على القيام بما يظهر لهم من الحاجة وقال بعضهم إني لأعرف أقواماً كانوا لا يتلاقون ولو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ما يملكه لم يمنعه وأرى الآن أقواما يتلاقون ويتساءلون حتى عن الدجاجة في البيت



