— Bagian 36 · وري فقال له يا أبا الحرث لقد سرني ما خاطبت به هذ… —
Bagian 36
وري فقال له يا أبا الحرث لقد سرني ما خاطبت به هذا الجبار ولكن ساءني قولك له ابنك المهدي فقال يغفر الله لك يا أبا عبد الله كلنا مهدي كلنا كان في المهد وعن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو قال بعث إلى أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل فأتيته فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة رد علي واستجلسني ثم قال لي ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي قال قلت وما الذي تريد يا أمير المؤمنين قال أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم قال فقلت فانظر يا أمير المؤمنين إن لا تجهل شيئاً مما أقول لك قال وكيف أجهله وأنا أسألك عنه وفيه وجهت إليك وأقدمتك له قال قلت أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به قال فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة (١) فطابت نفسي وانبسطت في الكلام فقلت يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثما ويزداد الله بها سخطاً عليه (٢) يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن ياسر قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيما وال مات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا فيه وابن عدي في الكامل في ترجمة أحمد بن عبيد // يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله إن الله هو الحق المبين إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله ﷺ وقد كان بهم رءوفاً رحيماً مواسياً لهم بنفسه في ذات يده محموداً عند الله وعند الناس فحقيق بك أن تقوم له فيهم بالحق وأن تكون بالقسط له فيهم قائماً ولعوراتهم ساترا لاتغلق عليهم دونهم الأبواب ولا تقيم دونهم الحجاب تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء يا أمير
وأن تكون بالقسط له فيهم قائماً ولعوراتهم ساترا لاتغلق عليهم دونهم الأبواب ولا تقيم دونهم الحجاب تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء يا أمير
المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبرائيل ﵇ فقال له يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم رعباً (١) فكيف بمن شقق أستارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم وغيبهم الخوف منه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد عن حارثة عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابياً لم يتعمده فأتاه جبريل ﵇ فقال يا محمد إن الله لم يبعثك جباراً ولا متكبراً فدعا النبي ﷺ الأعرابي فقال اقتص مني فقال الأعرابي قد أحللتك بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبداً ولو أتيت على نفسي فدعا له بخير (٢) يا أمير المؤمنين رض نفسك لنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله ﷺ لقيد قوس أحدكم من الجنة خير له من الدنيا وما فيها (٣) يا أمير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك
ل الله ﷺ لقيد قوس أحدكم من الجنة خير له من الدنيا وما فيها (٣) يا أمير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك ﴿ما لهذا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أحصاها﴾ قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن يا أمير المؤمنين بلغني أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قال لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ قال الله تعالى في الزبور يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلح على صاحبه فأمحوك عن نبوتي ثم لا تكون خلفتي ولا كرامة يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية ورفقهم بالسياسة ليجبروا الكسير ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه يا أمير المؤمنين حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمرة الأنصاري أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ استعمل رجلاً من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيماً فقال له ما منعك من الخروج إلى عملك أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله قال لا قال وكيف ذلك قال إنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال ما من وال يلي شيئاً من أمور الناس إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه لا يفكها إلا عدله فيوقف على جسر من النار ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسناً نجا
بإحسانه وإن كان مسيئاً انخرق به ذلك الجسر فيهوي به في النار سبعين خريفاً (١) فقال له عمر ﵁ ممن سمعت هذا قال من أبي ذر وسلمان فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا نعم سمعناه من رسول الله ﷺ فقال عمر واعمراه من يتولاها بما فيها فقال أبو ذر ﵁ من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض قال فأخذ المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني ثم قلت يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي ﷺ إمارة مكة أو الطائف أو اليمن فقال له النبي ﷺ يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها (٢) نصيحة منه لعمه وشفقة عليه وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئاً إذ أوحى الله إليه ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ فقال يا عباس ويا صفية عمي النبي ويا فاطمة بنت محمد إني لست أغني عنكم من الله شيئا إن لي عملي ولكم عملكم (٣) وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل أريب العقد لا يطلع منه على عورة ولا يخاف منه على حرة ولا تأخذه في الله لومة لائم وقال الأمراء أربعة فأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل الله يد الله باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال فيه رسول الله ﷺ شر الرعاة الحطمة فهو الهالك وحده (٤) وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعاً
يرحمه الله وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال فيه رسول الله ﷺ شر الرعاة الحطمة فهو الهالك وحده (٤) وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعاً وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبرائيل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال أتيتك حين أمر الله بمنافخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة فقال له يا جبريل صف لي النار فقال إن الله تعالى أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها ولا يطفأ لهبها والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً ولو أن ذنوباً من شرابها صب في مياه الأرض جميعاً لقتل من ذاقه ولو أن ذراعاً من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعاً لذابت وما استقلت ولو أن رجلاً أدخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه فبكى النبي ﷺ وبكى جبريل ﵇ لبكائه فقال أتبكي يا محمد وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبداً شكوراً ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه قال أخاف أن أبتلي بما أبتلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي فأكون قد أمنت مكره فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء يا جبريل ويا محمد إن الله قد آمنكما أن تعصياه فيعذبكما وفضل محمد على سائر الأنبياء كفضل جبريل على سائر الملائكة (٥) وقد بلغني يا أمير المؤمنين أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قال اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد
لى سائر الأنبياء كفضل جبريل على سائر الملائكة (٥) وقد بلغني يا أمير المؤمنين أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قال اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد
الخصمان بين يدي على من مال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله بحقه وإن أكرم الكرم عند الله التقوى وأنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه فهذه نصيحتي إليك والسلام عليك ثم نهضت فقال لي إلى أين فقلت إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله فقال قد أذنت لك وشكرت لك نصيحتك وقبلتها والله الموفق للخير والمعين عليه وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثل هذا فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة قلت أفعل إن شاء الله قال محمد بن مصعب فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله وقال أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في ذلك وعن ابن المهاجر قال قدم أمير المؤمنين المنصور مكة شرفها الله حاجاً فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل يطوف ويصلي ولا يعلم به فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فيصلى بالناس فخرج ذات ليلة حين أسحر فبينا هو يطوف إذ سمع رجلاً عند الملتزم وهو يقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ثم خرج فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه فأتاه الرسول وقال له أجب أمير المؤمنين فصلى ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني فقال يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل فقال له أنت آمن على نفسك فقال الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت
لا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل فقال له أنت آمن على نفسك فقال الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت فقال ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي والحلو والحامض في قبضتي قال وهل دخل أحداً من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر وأبواباً من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها منهم وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء وأعواناً ظلمة إن نسيت لم يذكروك وإن ذكرت لم يعينوك وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح وأمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك تجبى الأموال ولا تقسمها قالوا هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا فأئتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا وأن لا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمراً إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بهم على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغياً وفساداً وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته وإن كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه مما يريد خوفاً منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو
ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه فإذا جهد وأخرج وظهرت صرخ بين يديك فيضرب ضرباً مبرحاً ليكون نكالاً لغيره وأنت تنظر ولا تنكر ولا تغير فما بقاء الإسلام وأهله على هذا ولقد كانت بنو أمية وكانت العرب لا ينتهي إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك مالك فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم فينتصف ولقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه مالك تبكي لا بكت عيناك فقال أما إني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ثم قال أما إن كان قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس ألا لا يلبس ثوباً أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل ويطوف طرفي النهار هل يرى مظلوماً فينصفه هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه وأنت مؤمن بالله وابن عم نبي الله لا تغلبك رأفتك بالمسلمين ورقتك على شح نفسك فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة إن قلت اجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله تعالى يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يشاء وإن قلت أجمع المال لأشيد سلطاني فقد أراك الله عبراً فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد
ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فهيا فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل قال لا قال فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت عليه من ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأضمرته جوارحك فماذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه مما شححت عليه من ملك الدنيا فبكى المنصور بكاء شديداً حتى نحب وارتفع صوته ثم قال يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً ثم قال كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أر من الناس إلا خائناً قال يا أمير المؤمنين عليك بالإئمة الأعلام المرشدين قال ومن هم قال العلماء قال قد فروا مني قال هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم وامنع المظالم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل وأنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك فقال المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم ثم قال للحرسى عليك بالرجل إن لم تأتني به لأضربن عنقك واغتاظ عليه غيظا شديدا فخرج الحرسى يطلب الرجل فبينا هو يطوف فإذا هو بالرجل يصلي في بعض الشعاب فقعد حتى صلى ثم قال يا ذا الرجل أما تتقي الله قال بلى قال أما تعرفه قال بلى قال فانطلق معي إلى الأمير فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك قال ليس لي إلى ذلك من سبيل قال يقتلني قال لا قال كيف قال تحسن تقرأ قال لا فأخرج من مزود كان معه رقاً مكتوبا فيه شيء فقال خذه فاجعله في جيبك فإن فيه دعاء الفرج قال وما دعاء الفرج قال لا يرزقه إلا الشهداء قلت رحمك الله قد أحسنت إلي فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله قال من
ه في جيبك فإن فيه دعاء الفرج قال وما دعاء الفرج قال لا يرزقه إلا الشهداء قلت رحمك الله قد أحسنت إلي فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله قال من
دعا به مساء وصباحاً هدمت ذنوبه ودام سروره ومحيت خطاياه واستجيب دعاؤه وبسط له رزقه وأعطى أمله وأعين على عدوه وكتب عند الله صديقاً ولا يموت إلا شهيداً تقول اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكان وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجاً ومخرجاً اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك مالا أستوجبه مما قصرت فيه أدعوك آمناً وأسألك مستأنساً وإنك المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي بنعمك وأتبغض إليك بالمعاصي ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك فعد بفضلك وإحسانك على إنك أنت التواب الرحيم قال فأخذته فصيرته في جيبي ثم لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين فدخلت فسلمت عليه فرفع رأسه فنظر إلي وتبسم ثم قال ويلك وتحسن السحر فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ فقال هات الرق الذي أعطاك ثم جعل يبكي وقال وقد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف ثم قال أتعرفه قلت لا قال ذلك الخضر ﵇
ؤمنين ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ فقال هات الرق الذي أعطاك ثم جعل يبكي وقال وقد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف ثم قال أتعرفه قلت لا قال ذلك الخضر ﵇ وعن أبي عمران الجوني قال لما ولي هارون الرشيد الخلافة زاره العلماء فهنوه بما صار إليه من أمر الخلافة ففتح بيوت الأموال وأقبل يجيزهم بالجوائز السنية وكان قبل ذلك يجالس العلماء والزهاد وكان يظهر النسك والتقشف وكان مؤاخياً لسفيان بن سعيد بن المنذر الثوري قديماً فهجره سفيان ولم يزره فاشتاق هرون إلى زيارته ليخلو به ويحدثه فلم يزره ولم يعبأ بموضعه ولا بما صار إليه فاشتد ذلك على هرون فكتب إليه كتاباً يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هرون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه سفيان بن سعيد بن المنذر أما بعد يا أخي قد علمت أن الله ﵎ واخى بين المؤمنين وجعل ذلك فيه وله واعلم أني قد واخيتك مواخاة لم أصرم بها حبلك ولم أقطع منها ودك وإني منطو لك على أفضل المحبة والإرادة ولولا هذه القلادة التي قلدنيها الله لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة واعلم يا أبا عبد الله أنه ما بقي من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهناني بما صرت إليه وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي وقرت به عيني وإني استبطأتك فلم تأتني وقد كتبت لك كتاباً شوقاً مني إليك شديداً وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته فإذا ورد عليه كتابي فالعجل العجل فلما كتب الكتاب التفت إلى من عنده فإذا كلهم يعرفون سفيان الثوري وخشونته فقال علي برجل من الباب فأدخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني فقال يا عباد خذ كتابي هذا فانطلق به إلى الكوفة فإذا دخلتها فسل عن قبيلة بني ثور ثم سل عن سفيان الثوري فإذا رأيته فالق كتابي هذا إليه وع بسمعك وقلبك جميع ما يقول فأحص عليه دقيق أمره وجليله لتخبرني به فأخذ عباد الكتاب وانطلق به حتى ورد الكوفة فسأل عن القبيلة فأرشد إليها ثم سأل عن سفيان فقيل له هو في المسجد
يقول فأحص عليه دقيق أمره وجليله لتخبرني به فأخذ عباد الكتاب وانطلق به حتى ورد الكوفة فسأل عن القبيلة فأرشد إليها ثم سأل عن سفيان فقيل له هو في المسجد قال عباد فأقبلت إلى المسجد فلما رآني قام قائما وقال أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير قال عباد فوقعت الكلمة في قلبي فجرحت فلما رآني نزلت بباب المسجد قام يصلي ولم يكن وقت صلاة فربطت فرسي بباب المسجد ودخلت فإذا جلساؤه قعود قد نكسوا رءوسهم كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته فسلمت فما رفع أحد إلى رأسه وردوا السلام علي برءوس الأصابع فبقيت واقفاً فما منهم أحد يعرض على الجلوس وقد علاني من هيبتهم الرعدة
ومددت عيني إليهم فقلت إن المصلي هو سفيان فرميت بالكتاب إليه فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه كأنه حية عرضت له في محرابه فركع وسجد وسلم وأدخل يده في كمه ولفها بعباءته وأخذه فقلبه بيده ثم رماه إلى من كان خلفه وقال يأخذه بعضكم يقرؤه فإني أستغفر الله أن أمس شيئاً مسه ظالم بيده قال عباد فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ثم فضه وقرأه وأقبل سفيان يتبسم تبسم المتعجب فلما فرغ من قراءته قال اقلبوه واكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه فقيل له يا أبا عبد الله إنه خليفة فلو كتبت إليه في قرطاس نقي فقال اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به ولا يبقى شيء مسه ظالم عندنا فيفسد علينا ديننا فقيل له ما نكتب فقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال هرون الرشيد الذي سلب حلاوة الإيمان أما بعد فإني قد كتبت إليك أعرفك أني قد صرمت حبلك وقطعت ودك وقليت موضعك فإنك قد جعلتني شاهداً عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير حكمه ثم لم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك
ى نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير حكمه ثم لم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك أما إني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين شهدوا قراءة كتابك وسنؤدي الشهادة عليك غداً بين يدي الله تعالى يا هرون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم والآرامل والأيتام أم هل رضي بذلك خلق من رعيتك فشد يا هرون مئزرك وأعد للمسألة جواباً وللبلاء جلبابا واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار ورضيت لنفسك أن تكون ظالماً وللظالمين إماماً يا هرون قعدت على السرير ولبست الحرير وأسبلت ستراً دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك يظلمون الناس ولا ينصفون يشربون الخمور ويضربون من يشربها ويزنون ويحدون الزاني ويسرقون ويقطعون السارق أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن تحكم بها على الناس فكيف بك يا هرون غداً إذا نادى المنادي من قبل الله تعالى احشرو الذين ظلموا وأزواجهم أي الظلمة وأعوان الظلمة فقدمت بين يدي الله تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك والظالمون حولك وأنت لهم سابق وإمام إلى النار كأني بك يا هرون وقد أخذت بضيق الخناق ووردت المساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ميزانك زيادة عن سيئاتك بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة فاحتفظ بوصيتي واتعظ بموعظتي التي وعظتك بها واعلم أني قد نصحتك وما أبقيت لك في النصح غاية فاتق الله يا هرون في رعيتك واحفظ محمداً ﷺ في أمته وأحسن الخلافة عليهم واعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك وهو صائر إلى غيرك وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحد بعد واحد فمنهم من تزود زاداً نفعه ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإني أحسبك يا هرون ممن خسر دنياه وآخرته فإياك إياك أن تكتب لي كتاباً بعد هذا فلا أجيبك عنه والسلام
فمنهم من تزود زاداً نفعه ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإني أحسبك يا هرون ممن خسر دنياه وآخرته فإياك إياك أن تكتب لي كتاباً بعد هذا فلا أجيبك عنه والسلام قال عباد فألقي إلي الكتاب منشوراً غير مطوي ولا مختوم فأخذته وأقبلت إلى سوق الكوفة وقد وقعت الموعظة من قلبي فناديت يا أهل الكوفة فأجابوني فقلت لهم يا قوم من يشتري رجلاً هرب من الله إلى الله فأقبلوا إلي بالدنانير والدراهم فقلت لا حاجة لي في المال ولكن جبة صوف خشنة وعباءة قطوانية قال فأتيت بذلك ونزعت ما كان علي من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين
وأقبلت أقود البرذون وعليه السلاح الذي كنت أحمله حتى أتيت باب أمير المؤمنين هرون حافياً راجلاً فهزأ بي من كان على باب الخليفة ثم استؤذن لي فلما دخلت عليه وبصر بي على تلك الحالة قام وقعد ثم قام قائماً وجعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بالويل والحزن ويقول انتفع الرسول وخاب المرسل مالي وللدنيا ولملك يزول عني سريعاً ثم ألقيت الكتاب إليه منشوراً كما دفع إلي فأقبل هرون يقرؤه ودموعه تنحدر من عينيه ويقرأ ويشهق فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت عليه السجن وكنت تجعله عبرة لغيره فقال هرون اتركونا يا عبيد الدنيا المغرور من غررتموه والشقي من أهلكتموه وإن سفيان أمة وحده فاتركوا سفيان وشأنه ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هرون يقرؤه عند كل صلاة حتى توفي ﵀ فرحم الله عبداً نظر لنفسه واتقى الله فيما يقدم عليه غداً من عمله فإنه عليه يحاسب وبه يجازى والله ولي التوفيق
لى جنب هرون يقرؤه عند كل صلاة حتى توفي ﵀ فرحم الله عبداً نظر لنفسه واتقى الله فيما يقدم عليه غداً من عمله فإنه عليه يحاسب وبه يجازى والله ولي التوفيق وعن عبد الله بن مهران قال حج الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياماً ثم ضرب بالرحيل فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به إذ أقبلت هوادج هرون فكف الصبيان عن الولوع به فلما جاء هرون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين فكشف هرون السجاف بيده عن وجهه فقال لبيك يا بهلول فقال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله العامري قال رأيت النبي ﷺ منصرفاً من عرفة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (١) وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك قال فبكى هرون حتى سقطت دموعه على الأرض ثم قال يا بهلول زدنا رحمك الله قال نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه الله مالاً وجمالاً فأنفق من ماله وعف في جماله كتب في خالص ديوان الله تعالى مع الأبرار قال أحسنت يا بهلول ودفع له جائزة فقال أردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها قال يا بهلول فإن كان عليك دين قضيناه قال يا أمير المؤمنين هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون قد اجتمعت آراؤهم أن قضاء الدين بالدين لا يجوز قال يا بهلول فنجري عليك ما يقوتك أو يقيمك قال فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله فمحال أن يذكرك وينساني قال فأسبل هرون السجاف ومضى وعن أبي العباس الهاشمي عن صالح بن المأمون قال دخلت على الحرث المحاسبي ﵀ فقلت له يا أبا عبد الله هل حاسبت نفسك فقال كان هذا مرة قلت له فاليوم قال أكاتم حالي إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأحتن بها أن تسمعها نفسي ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها
بت نفسك فقال كان هذا مرة قلت له فاليوم قال أكاتم حالي إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأحتن بها أن تسمعها نفسي ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها ولقد كنت ليلة قاعداً في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علي ثم قعد بين يدي فقلت له من أنت فقال أنا واحد من السياحين أقصد المتعبدين في محاريبهم ولا أرى لك اجتهاداً فأي شيء عملك قال قلت له كتمان المصائب واستجلاب الفوائد قال فصاح وقال ما علمت أن أحداً بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته قال الحرث فأردت أن أزيد عليه فقلت له أما علمت أن أهل القلوب يخفون أحوالهم ويكتمون أسرارهم ويسألون الله كتمان ذلك عليهم فمن أين تعرفهم قال فصاح صيحة غشي عليه منها فمكث عندي يومين لا يعقل ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه فعلمت إزالة عقله فأخرجت له
ثوباً جديداً وقلت له هذا كفني قد آثرتك به فاغتسل وأعد صلاتك فقال هات الماء فاغتسل وصلى ثم التحف بالثوب وخرج فقلت له أين تريد فقال لي قم معي فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون فسلم عليه وقال يا ظالم أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم أستغفر الله من تقصيري فيك أما تتقي الله تعالى فيما قد ملكك وتكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب فأقبل عليه المأمون وقال من أنت قال أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظاً فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم قال فأمر بضرب عنقه فأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ومناد ينادي من ولي هذا فليأخذ قال الحرث فاختبأت عنه فأخذه أقوام غرباء فدفنوه وكنت معهم لا أعلمهم بحاله فأقمت في مسجد بالمقابر محزوناً على الفتى فغلبتني عيناي فإذا هو بين وصائف لم أر أحسن منهن وهو يقول يا حارث أنت والله من الكاتمين الذين يخفون أحوالهم ويطيعون ربهم قلت وما فعلوا قال الساعة يلقونك فنظرت إلى جماعة ركبان فقلت من أنتم قالوا الكاتمون أحوالهم حرك هذا الفتى كلامك له فلم يكن في قلبه مما وصفت شيء فخرج للأمر والنهي وإن الله تعالى أنزله معنا وغضب لعبده وعن أحمد بن إبراهيم المقري قال كان أبو الحسين النوري رجلاً قليل الفضول لا يسأل عما لا يعنيه ولا يفتش عما لا يحتاج إليه وكان إذا رأى منكراً غيره ولو كان فيه تلفه فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين يتطهر للصلاة إذ رأى زورقاً فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأه وأنكره لأنه لم يعلم في التجارات ولا في البيوع شيئاً يعبر عنه بلطف
رعة الفحامين يتطهر للصلاة إذ رأى زورقاً فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأه وأنكره لأنه لم يعلم في التجارات ولا في البيوع شيئاً يعبر عنه بلطف فقال للملاح إيش في هذه الدنان قال وإيش عليك امض في شغلك فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشاً إلى معرفته فقال أحب أن تخبرني إيش في هذه الدنان قال وإيش عليك أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد يريد أن يتمم به مجلسه فقال النوري وهذا خمر قال نعم فقال أحب أن نعطيني ذلك المدري فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه أعطه حتى انظر ما يصنع فلما صارت المدري في يده صعد إلى الزورق ولم يزل يكسرها دناً دناً حتى أتى على آخرها إلا دناً واحداً والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر وهو يومئذ ابن بشر أفلح فقبض على النوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ولم يشك الناس في أنه سيقتله قال أبو الحسين فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي حديد وبيده عمود يقلبه فلما رآني قال من أنت قلت محتسب قال ومن ولاك الحسبة قلت الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين قال فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال ما الذي حملك على ما صنعت فقلت شفقة مني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه قال فأطرق مفكراً في كلامي ثم رفع رأسه إلي وقال كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان فقلت في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن فقال هات خبرني فقلت يا أمير المؤمنين إني أقبلت على الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي بذلك وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فاستشعرت نفسي كبراً على أني أقدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال فقال المعتضد اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن تغيره من المنكر
مت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال فقال المعتضد اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن تغيره من المنكر قال أبو الحسين فقلت يا أمير المؤمنين بغض إلى التغيير لأني كنت أغير عن وأنا الآن أغير عن شرطي فقال المعتضد ما حاجتك فقلت يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي سالماً فأمر له بذلك وخرج إلى البصرة فكان أكثر أيامه بها خوفاً من أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد فأقام بالبصرة إلى أن توفي المعتضد ثم رجع إلى بغداد
فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين لكونهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر والله المستعان على كل حال تم كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة وهو الكتاب العاشر من ربع العادات الثاني من كتب إحياء علوم الدين ﷽ الحمد لله الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه وأدب نبيه محمداً ﷺ فأحسن تأديبه وزكى أوصافه وأخلاقه ثم اتخذه صفيه وحبيبه ووفق للاقتداء به من أراد تهذيبه وحرم عن التخلق بأخلاقه من أراد تخييبه وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم كثيراً أما بعد فإن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن وحركات الجوارح ثمرات الخواطر والأعمال نتيجة الأخلاق والآداب رشح المعارف وسرائر القلوب هي مغارس الأفعال ومنابعها وأنوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها وتجليها وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساويها ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه
لوب هي مغارس الأفعال ومنابعها وأنوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها وتجليها وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساويها ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية ولقد كنت عزمت على أن أختم ربع العادات من هذا الكتاب بكتاب جامع لآداب المعيشة لئلا يشق على طالبها استخراجها من جميع هذه الكتب ثم رأيت كل كتاب من ربع العادات قد أتى على جملة من الآداب فاستثقلت تكريرها وإعادتها فإن طلب الإعادة ثقيل والنفوس مجبولة على معاداة المعادات فرأيت أن أقتصر في هذا الكتاب على ذكر آداب رسول الله ﷺ وأخلاقه المأثورة عنه بالإسناد فأسردها مجموعة فصلاً فصلاً محذوفة الأسانيد ليجتمع فيه مع جميع الآداب تجديد الإيمان وتأكيده بمشاهدة أخلاقه الكريمة التي شهد آحادها على القطع بأنه أكرم خلق الله تعالى وأعلاهم رتبة وأجلهم قدراً فكيف مجموعها ثم أضيف إلى ذكر أخلاقه ذكر خلقته ثم ذكر معجزاته التي صحت بها الأخبار ليكون ذلك معرباً عن مكارم الأخلاق والشيم ومنتزعاً عن آذان الجاحدين لنبوته صمام الصمم والله تعالى ولي التوفيق للاقتداء بسيد المرسلين في الأخلاق والأحوال وسائر معالم الدين فإنه دليل المتحيرين ومجيب دعوة المضطرين ولنذكر فيه أولاً بيان تأديب الله تعالى إياه بالقرآن ثم بيان جوامع من محاسن أخلاقه ثم بيان جملة من آدابه وأخلاقه ثم بيان كلامه وضحكه ثم بيان أخلاقه وآدابه في الطعام ثم بيان أخلاقه وآدابه في اللباس ثم بيان عفوه مع القدرة ثم بيان إغضائه عما كان يكره ثم بيان سخاوته وجوده ثم بيان شجاعته وبأسه ثم بيان تواضعه ثم بيان صورته وخلقته ثم بيان جوامع معجزاته وآياته صلى الله عليه وسلم
بيان تأديب الله تعالى حبيبه وصفيه محمداً ﷺ بِالْقُرْآنِ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرَ الضَّرَاعَةِ وَالِابْتِهَالِ دَائِمَ السُّؤَالِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُزَيِّنَهُ بِمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ حَسِّنْ خُلُقِي وَخَلْقِي (١) وَيَقُولُ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ (٢) فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ وَفَاءً بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ فأنزل عليه القرآن وأدبه به فكان خلقه القرآن قال سعد بن هشام دخلت على عائشة ﵂ وعن أبيها فسألتها عن أخلاق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ أما تقرأ القرآن قلت بلى قالت كان خلق رسول الله ﷺ الْقُرْآنَ (٣) وَإِنَّمَا أَدَّبَهُ الْقُرْآنُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ من عزم الأمور﴾ وقوله ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وَقَوْلِهِ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المحسنين﴾ وقوله ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لكم﴾ وَقَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ وقوله ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المحسنين﴾ وَقَوْلِهِ ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بعضاً﴾ ولما كسرت رباعيته وشج يوم أحد فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم (٤) فأنزل الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ تأديباً له على ذلك
سيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم (٤) فأنزل الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ تأديباً له على ذلك وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّأْدِيبَاتِ فِي الْقُرْآنِ لَا تُحْصَرُ وهو ﷺ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ بِالتَّأْدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ ثُمَّ مِنْهُ يُشْرِقُ النُّورُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ أُدِّبَ بِالْقُرْآنِ وَأَدَّبَ الْخَلْقَ بِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ (٥) ثُمَّ رغب الخلق في محاسن الأخلاق بما أوردناه في كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق فلا نعيده ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى خُلُقَهُ أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فسبحانه ما أعظم شأنه وأتم امتنانه ثم انظر إلى عميم لطفه وعظيم فضله كيف أعطى ثم أثني فهو الذي زينه بالخلق الكريم ثم أضاف إليه ذلك فقال ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ثم بين رسول الله ﷺ لِلْخَلْقِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَيَبْغَضُ سَفْسَافَهَا (٦) قَالَ علي ﵁ يَا عَجَبًا لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ يَجِيئُهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فِي حَاجَةٍ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِلْخَيْرِ أَهْلًا فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا يَخْشَى عِقَابًا لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهَا مِمَّا تَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ النجاة فقال له رجل أسمعته من رسول الله
قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهَا مِمَّا تَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ النجاة فقال له رجل أسمعته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال نعم وما هو خير منه لما أتى بسبايا طيء وقفت جارية في السبي فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني بنت سيد قومي وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا ابنة حاتم الطائي فقال ﷺ يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق وإن الله يحب مكارم الأخلاق فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله الله يحب مكارم الأخلاق فقال والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا حسن الأخلاق (١) وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال إِنَّ اللَّهَ حَفَّ الْإِسْلَامَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ (٢) وَمِنْ ذَلِكَ حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ وَكَرَمُ الصَّنِيعَةِ وَلِينُ الْجَانِبِ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السلام وعيادة المريض المسلم براً كان أو فاجراً وتشييع جنازة المسلم وَحُسْنُ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرْتَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَتَوْقِيرُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَإِجَابَةُ الطَّعَامِ وَالدُّعَاءُ عَلَيْهِ وَالْعَفْوُ وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ وَالْجُودُ والكرم والسماحة والابتداء بالسلام وكظم الغيظ والعفو عن الناس واجتناب ما حرمه الإسلام من اللهو والباطل والغناء والمعازف كلها وكل ذي وتر وكل ذي دخل والغلبة وَالْكَذِبِ وَالْبُخْلِ وَالشُّحِّ وَالْجَفَاءِ وَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَقَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْفَخْرِ وَالِاخْتِيَالِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْبَذَخِ وَالْفُحْشِ وَالتَّفَحُّشِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالطِّيَرَةِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ قَالَ أنس ﵁
الِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْبَذَخِ وَالْفُحْشِ وَالتَّفَحُّشِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالطِّيَرَةِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ قَالَ أنس ﵁ فَلَمْ يَدَعْ نَصِيحَةً جَمِيلَةً إِلَّا وَقَدْ دَعَانَا إِلَيْهَا وَأَمَرَنَا بِهَا ولم يدع غشاً أو قال عيباً أو قال شيناً إِلَّا حَذَّرَنَاهُ وَنَهَانَا عَنْهُ (٣) وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان﴾ الآية وَقَالَ معاذ أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال يا معاذ أوصيك باتقاء اللَّهِ وَصِدْقِ الْحَدِيثِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ وَحِفْظِ الْجَارِ وَرَحْمَةِ الْيَتِيمِ وَلِينِ الْكَلَامِ وَبَذْلِ السَّلَامِ وَحُسْنِ الْعَمَلِ وَقَصْرِ الْأَمَلِ وَلُزُومِ الْإِيمَانِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الْقُرْآنِ وَحُبِّ الْآخِرَةِ وَالْجَزَعِ مِنَ الْحِسَابِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ وَأَنْهَاكَ أَنْ تَسُبَّ حَكِيمًا أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقًا أَوْ تُطِيعَ آثِمًا أَوْ تَعْصِيَ إِمَامًا عَادِلًا أَوْ تُفْسِدَ أَرْضًا وَأُوصِيكَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ وَمَدَرٍ وَأَنْ تُحْدِثَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً السِّرُّ بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ (٤) فَهَكَذَا أَدَّبَ عِبَادَ اللَّهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ بيان جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء والتقطها من الأخبار فقال كَانَ ﷺ أَحْلَمَ النَّاسِ (٥) وأشجع الناس (٦) وأعدل الناس (٧) وأعف الناس لم تمس يده قط
يَدَ امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُ رِقَّهَا أَوْ عِصْمَةَ نِكَاحِهَا أَوْ تَكُونُ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ (١) وَكَانَ أَسْخَى النَّاسِ (٢) لَا يَبِيتُ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيهِ وَفَجَأَهُ اللَّيْلُ لَمْ يَأْوِ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ (٣) لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير وَيَضَعُ سَائِرَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤) لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ (٥) ثُمَّ يَعُودُ عَلَى قُوتِ عَامِهِ فَيُؤْثِرُ مِنْهُ حَتَّى أَنَّهُ رُبَّمَا احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء (٦) وَكَانَ يَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الثَّوْبَ وَيَخْدِمُ فِي مهنة أهله (٧) ويقطع اللحم معهن (٨) وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً لَا يَثْبُتُ بَصَرُهُ في وجه أحد (٩) ويجيب دعوة العبد والحر (١٠) ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب ويكافيء عليها (١١)
وَيَأْكُلُهَا وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ (١) وَلَا يَسْتَكْبِرُ عَنْ إِجَابَةِ الْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ (٢) يَغْضَبُ لِرَبِّهِ وَلَا يَغْضَبُ لنفسه (٣) وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه
يَسْتَكْبِرُ عَنْ إِجَابَةِ الْأَمَةِ وَالْمِسْكِينِ (٢) يَغْضَبُ لِرَبِّهِ وَلَا يَغْضَبُ لنفسه (٣) وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه وعرض عليه الانتصار بالمشركين على المشركين وهو في قلة وحاجة إلى إنسان واحد يزيده في عدد من معه فأبى وقال أنا لا أنتصر بمشرك (٤) وجد من فضلاء أصحابه وخيارهم قتيلاً بين اليهود فلم يحف عَلَيْهِمْ وَلَا زَادَ عَلَى مُرِّ الْحَقِّ بَلْ وَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ وَإِنَّ بِأَصْحَابِهِ لَحَاجَةً إِلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ (٥) وَكَانَ يَعْصِبُ الْحَجَرَ على بطنه مرة من الجوع (٦) ومرة يَأْكُلُ مَا حَضَرَ وَلَا يَرُدُّ مَا وَجَدَ ولا يتورع عن مطعم حلال وإن وَجَدَ تَمْرًا دُونَ خُبْزٍ أَكَلَهُ (٧) وَإِنْ وَجَدَ شِوَاءً أَكَلَهُ وَإِنْ وَجَدَ خُبْزَ بُرٍّ أَوْ شعير أكله وإن وجد حلواً أَوْ عَسَلًا أَكَلَهُ وَإِنْ وَجَدَ لَبَنًا دُونَ خبزاكتفى بِهِ وَإِنْ وَجَدَ بِطِّيخًا أَوْ رُطَبًا أَكَلَهُ لا يأكل متكئاً (٨) ولا على خوان (٩) منديله باطن قدميه (١٠) لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ (١١) حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى إِيثَارًا عَلَى نفسه لا فقراً ولا بخلاً يجيب الوليمة (١٢)
ويعود المرضى (١) ويشهد الجنائز ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس (٢) أَشَدَّ النَّاسِ تَوَاضُعًا وَأَسْكَنَهُمْ فِي غَيْرِ كِبْرٍ (٣) وَأَبْلَغَهُمْ فِي غَيْرِ تَطْوِيلٍ (٤) وَأَحْسَنَهُمْ بِشْرًا (٥) لَا يهوله شيء من أمور الدنيا (٦) ويلبس ما وجد فمرة شملة ومرة برد حبرة يمانياً ومرة جبة صوف ما وجد من المباح لبس (٧) وخاتمه فضة (٨) يلبسه في خنصره الأيمن (٩) والأيسر (١٠) يردف خلفه عبده أو غيره (١١) يركب ما أمكنه مرة فرساً ومرة بعيراً ومرة بغلة شهباء ومرة حماراً ومرة يمشي راجلاً حافياً بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة يَعُودُ الْمَرْضَى فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ (١٢) يُحِبُّ الطِّيبَ ويكره الرائحة
اء ومرة حماراً ومرة يمشي راجلاً حافياً بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة يَعُودُ الْمَرْضَى فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ (١٢) يُحِبُّ الطِّيبَ ويكره الرائحة
الرديئة (١) وَيُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ (٢) وَيُؤَاكِلُ الْمَسَاكِينَ (٣) وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ في أخلاقهم ويتألف أهل الشرف بالبر لهم (٤) يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم (٥) لا يَجْفُو عَلَى أَحَدٍ (٦) يَقْبَلُ مَعْذِرَةَ الْمُعْتَذِرِ إِلَيْهِ (٧) يمزح ولا يقول إلا حقاً (٨) يضحك مِنْ غَيْرِ قَهْقَهَةٍ (٩) يَرَى اللَّعِبَ الْمُبَاحَ فَلَا ينكره (١٠) يسابق أهله (١١) وترفع الأصوات عليه فيصبر (١٢) وكان له لقاح وغنم يتقوت هو وأهله من ألبانها (١٣) وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في
مأكل ولا ملبس (١) ولا يَمْضِي لَهُ وَقْتٌ فِي غَيْرِ عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ صَلَاحِ نَفْسِهِ (٢) يَخْرُجُ إِلَى بَسَاتِينِ أَصْحَابِهِ (٣) لا يحتقر مسكيناً لفقره وزمانته وَلَا يَهَابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ يَدْعُو هَذَا وَهَذَا إِلَى اللَّهِ دُعَاءً مُسْتَوِيًا (٤) قَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ السِّيرَةَ الْفَاضِلَةَ وَالسِّيَاسَةَ التَّامَّةَ وَهُوَ أُمِّيٌّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ نَشَأَ فِي بلاد الجهل والصحارى في فقره وَفِي رِعَايَةِ الْغَنَمِ يَتِيمًا لَا أَبَ لَهُ وَلَا أُمَّ فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَالطُّرُقِ الْحَمِيدَةِ وَأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَمَا فِيهِ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ فِي الْآخِرَةِ وَالْغِبْطَةُ وَالْخَلَاصُ في الدنيا ولزوم الواجب وترك الفضول (٥) وَفَّقَنَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ فِي أَمْرِهِ وَالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ بَيَانُ جملة أخرى من آدابه وأخلاقه
مما رواه أبو البحتري قال ما شتم رسول الله ﷺ أحداً من المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة (٦) وما لعن امرأة قط ولا خادماً بلعنة (٧) وقيل له وهو في القتال لو لعنتم يا رسول الله فقال إنما بعثت
رحمة ولم أبعث لعاناً (١) وكان إذا سئل أن يدعو على أحد مسلم أو كافر عام أو خاص عدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له (٢) وما ضرب بيده أحداً قد إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا انْتَقَمَ مِنْ شَيْءٍ صُنِعَ إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِثْمٌ أَوْ قَطِيعَةُ رَحِمٍ فَيَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ (٣) وَمَا كَانَ يَأْتِيهِ أَحَدٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ إِلَّا قَامَ مَعَهُ فِي حَاجَتِهِ (٤) وَقَالَ أنس ﵁ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا قَالَ لِي فِي شَيْءٍ قَطُّ كَرِهَهُ لِمَ فَعَلْتَهُ وَلَا لَامَنِي نِسَاؤُهُ إِلَّا قَالَ دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر (٥) قالوا وما عاب رسول الله ﷺ مضجعاً إن فرشوا له اضطجع وإن لم يفرش له اضطجع على الأرض (٦) وقد وصفه الله تعالى في التوراة قبل أن يبعثه في السطر الأول فقال محمد رسول الله عبدي المختار لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح مولده بمكة وهجرته بطابة وملكه بالشام يأتزر على وسطه هو ومن معه دعاة للقرآن والعلم يتوضأ على أطرافه وكذلك نعته في الإنجيل وَكَانَ مِنْ خُلُقِهِ أَنْ يَبْدَأَ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ (٧) وَمَنْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هو المنصرف (٨) وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر (٩) وَكَانَ إِذَا لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَدَأَهُ بالمصافحة ثم أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته عليها (١٠) وَكَانَ لَا يَقُومُ وَلَا يَجْلِسُ إِلَّا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ (١١) وَكَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا خَفَّفَ صَلَاتَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فقال ألك حاجة
ِسُ إِلَّا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ (١١) وَكَانَ لَا يَجْلِسُ إِلَيْهِ أَحَدٌ وَهُوَ يُصَلِّي إِلَّا خَفَّفَ صَلَاتَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فقال ألك حاجة
فإذا فرغ من حاجته عاد إلى صلاته (١) وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعاً ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة (٢) وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ مَجْلِسُهُ مِنْ مَجْلِسِ أَصْحَابِهِ (٣) لِأَنَّهُ كَانَ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ جَلَسَ (٤) وما رؤي قط ماذا رجليه بين أصحابه حتى لا يضيق بهما على أحد إلا أن يكون المكان واسعاً لا ضيق فيه وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة (٥) وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع يُجْلِسُهُ عَلَيْهِ (٦) وَكَانَ يُؤْثِرُ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ بِالْوِسَادَةِ التي تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل (٧) وما استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه (٨) حتى يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى كَأَنَّ مَجْلِسَهُ وَسَمْعَهُ وَحَدِيثَهُ وَلَطِيفَ محاسنه وتوجهه للجالس إليه ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة قال الله تعالى فيما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك وَلَقَدْ كَانَ يَدْعُو أَصْحَابَهُ بِكُنَاهُمْ إِكْرَامًا لَهُمْ وَاسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ (٩) وَيُكَنِّي مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كنية فكان يدعى بما كناه به (١٠) وَيُكَنِّي أَيْضًا النِّسَاءَ اللَّاتِي لَهُنَّ الْأَوْلَادُ وَاللَّاتِي لم يلدن يبتدئ لهن الكنى (١١)
ويكني الصِّبْيَانَ فَيَسْتَلِينُ بِهِ قُلُوبَهُمْ (١) وَكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ غضباً وأسرعهم رضاً (٢) وَكَانَ أَرْأَفَ النَّاسِ بِالنَّاسِ وَخَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ وَأَنْفَعَ النَّاسِ لِلنَّاسِ (٣) وَلَمْ تَكُنْ تُرْفَعُ فِي مَجْلِسِهِ الْأَصْوَاتُ (٤) وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ﴿ثم يقول﴾ علمنيهن جبريل ﵇ (٥) بيان كلامه وضحكه ﷺ
جْلِسِهِ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ﴿ثم يقول﴾ علمنيهن جبريل ﵇ (٥) بيان كلامه وضحكه ﷺ
كَانَ ﷺ أَفْصَحَ النَّاسِ مَنْطِقًا وَأَحْلَاهُمْ كَلَامًا وَيَقُولُ (٦) أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ (٧) وإن أهل الجنة يتكلمون فيها بلغة محمد ﷺ (٨) وكان نزر الكلام سمح المقالة إذا نطق ليس بمهذار وكان كلامه كخرزات نظمن (٩) قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان لا يسرد الكلام كسردكم هذا كان كلامه نزراً وأنتم تنثرون الكلام نثراً (١٠) قالوا وكان أوجز الناس كلاماً وبذاك جاءه جبريل وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد (١١) وَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا فُضُولَ وَلَا تقصير كأنه يتبع بعضه بعضاً بين كلامه توقف يَحْفَظُهُ سَامِعُهُ وَيَعِيهِ (١٢) وَكَانَ جَهِيرَ الصَّوْتِ أَحْسَنَ الناس نغمة (١٣) وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير
حاجة (١) ولا يقول المنكر ولا يقول في الرضا وَالْغَضَبِ إِلَّا الْحَقَّ (٢) وَيُعْرِضُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ جَمِيلٍ (٣) وَيُكَنِّي عَمَّا اضْطَرَّهُ الْكَلَامُ إِلَيْهِ مِمَّا يَكْرَهُ (٤) وَكَانَ إِذَا سَكَتَ تَكَلَّمَ جُلَسَاؤُهُ وَلَا يُتَنَازَعُ عِنْدَهُ (٥) فِي الْحَدِيثِ وَيَعِظُ بِالْجِدِّ وَالنَّصِيحَةِ (٦) ويقول لا تضربوا القرآن بعضه ببعض فإنه أنزل على وجوه (٧) وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ تَبَسُّمًا وَضَحِكًا فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَتَعَجُّبًا مِمَّا تَحَدَّثُوا بِهِ وَخَلْطًا لِنَفْسِهِ بِهِمْ (٨) وَلَرُبَّمَا ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ (٩) وَكَانَ ضَحِكُ أَصْحَابِهِ عِنْدَهُ التَّبَسُّمَ اقْتِدَاءً بِهِ وَتَوْقِيرًا له (١٠) قالوا ولقد جاءه أعرابي يوماً وهو ﵇ متغير اللون ينكره أصحابه فأراد أن يسأله فقالوا لا تفعل يا أعرابي فإنا ننكر لونه فقال دعوني فوالذي بعثه بالحق نبياً لا أدعه حتى يتبسم فقال يا رسول الله بلغنا أن المسيح يعني الدجال يأتي الناس بالثريد وقد هلكوا جوعاً أفترى لي بأبي أنت وأمي أن أكف عن ثريده تعففاً وتنزهاً حتى أهلك هرالا أم أضرب في ثريده حتى إذا تضلعت شبعاً آمنت بالله وكفرت به قالوا فضحك رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بدت نواجذه ثم قال لا بل يغنيك الله بما يغني به المؤمنين (١١) قالوا وكان
من أكثر الناس تبسماً وأطيبهم نفسا مالم ينزل عليه قرآن أو يذكر الساعة أو يخطب بخطبة عظة (١) وكان إذا سر ورضي فهو أحسن الناس رضاً فإن وعظ وعظ بجد وإن غضب وليس يغضب إلا لله لم يقم لغضبه شيء وكذلك كان في أموره كلها (٢) وَكَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَتَبَرَّأَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَاسْتَنْزَلَ الهدى فيقول اللهم أرني الحق حقا فأتبعه وأرني المنكر منكراً وأرزقني اجتنابه وأعذني من أن يشتبه علي فأتبع هواي بغير هدى منك واجعل هواي تبعاً لطاعتك وخذ رضا نفسك من نفسي في عافية واهدني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم (٣) بيان أخلاقه وآدابه في الطعام
ضا نفسك من نفسي في عافية واهدني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم (٣) بيان أخلاقه وآدابه في الطعام
كَانَ ﷺ يَأْكُلُ مَا وجد (٤) وكان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف (٥) والضفف ما كثرت عليه الأيدي وكان إذا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا نِعْمَةً مَشْكُورَةً تَصِلُ بِهَا نِعْمَةَ الْجَنَّةِ (٦) وَكَانَ كثيراً إذا جلس يأكل يجمع بين ركبتيه وبين قدميه كما يجلس المصلي إلا أن الركبة تكون فوق الركبة والقدم فوق القدم ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد (٧) وكان لا يأكل الحار ويقول إنه غير ذي
بركة وإن اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا فَأَبْرِدُوهُ (١) وَكَانَ يَأْكُلُ مما يليه (٢) ويأكل بأصابعه الثلاث (٣) وربما استعان بالرابعة (٤) ولم يأكل بأصبعين ويقول إن ذلك أكلة الشيطان (٥) وجاءه عثمان بن عفان ﵁ بفالوذج فأكل منه وقال ما هذا يا عبد الله قال بأبي أنت وأمي نجعل السمن والعسل في البرمة ونضعها على النار ثم نغليه ثم نأخذ مخ الحنطة إذا طحنت فنقليه على السمن والعسل في البرمة ثم نسوطه حتى ينضج فيأتي كما ترى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن هذا الطعام طيب (٦) وكان يأكل خبز الشعير غير منخول (٧) وكان يأكل القثاء بالرطب (٨) وبالملح (٩) وكان أحب الفواكه الرطبة إليه البطيخ والعنب (١٠) وكان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر (١١) وربما أكله
ير منخول (٧) وكان يأكل القثاء بالرطب (٨) وبالملح (٩) وكان أحب الفواكه الرطبة إليه البطيخ والعنب (١٠) وكان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر (١١) وربما أكله
بالرطب (١) ويستعين باليدين جميعاً وأكل يوماً الرطب في يمينه وكان يحفظ النوى في يساره فمرت شاة فأشار إليها بالنوى فجعلت تأكل من كفه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتى فرغ وانصرفت الشاة (٢) وكان ربما أكل العنب خرطاً يرى زؤانه على لحيته كخرز اللؤلؤ (٣) وكان أكثر طعامه الماء والتمر (٤) وكان اللبن بالتمر ويسميهما الأطيبين (٥) وكان أحب الطعام إليه اللحم ويقول هو يزيد في السمع وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل (٦) وكان يأكل الثريد باللحم والقرع (٧) وكان يحب القرع ويقول إنها شجرة أخي يونس ﵇ (٨) قالت عائشة ﵂ وكان يقول عائشة إذ طبختم قدراً فأكثروا فيها من الدباء فإنه يشد قلب الحزين (٩) وكان يأكل لحم الطير الذي يصاد (١٠) وكان لا يتبعه والصيد ويحب أن يصاد له ويؤتى به فيأكله (١١) وكان إذا أكل اللحم لم يطأطئ رأسه إليه ويرفعه إلى فيه رفعا ثم ينتهشه انتهاشاً (١٢) وكان يأكل الخبز والسمن (١٣) وكان يحب من الشاة الذراع والكف ومن القدر الدباء ومن الصباغ الخل ومن التمر
العجوة (١) ودعا في العجوة بالبركة وقال هي من الجنة وشفاء من السم والسحر (٢) وكان يحب من البقول الهندباء والباذروج والبقلة الحمقاء التي يقال لها الرجلة (٣) وكان يكره الكليتين لمكانهما من البول (٤) وكان لا يأكل من الشاة سبعاً الذكر والأنثيين والمثانة والمرارة والغدد والحيا والدم وَيَكْرَهُ ذَلِكَ (٥) وَكَانَ لَا يَأْكُلُ الثُّومَ وَلَا البصل ولا الكراث (٦) وما ذم طعاماً قط لكن إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه وإن عافه لم يبغضه إلى غيره (٧) وَكَانَ يَعَافُ الضَّبَّ وَالطِّحَالَ وَلَا يُحَرِّمُهُمَا (٨) وَكَانَ يلعق بأصابعه الصحفة ويقول آخر الطعام أكثر بركة (٩) وكان يلعق أصابعه من الطعام حتى تحمر (١٠) وكان لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه واحدة واحدة ويقول إنه لا يدري في أي الطعام البركة (١١)
وإذا فَرَغَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَطْعَمْتَ فَأَشْبَعْتَ وَسَقَيْتَ فَأَرْوَيْتَ لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ (١) وَكَانَ إذا أكل الخبز واللحم خاصة غسل يديه غسلاً جيداً ثم يمسح بفضل الماء على وجهه (٢) وكان يشرب في ثلاث دفعات وله فيها ثلاث تسميات وفي أواخرها ثلاث تحميدات (٣) وكان يمص الماء مصاً ولا يعب عبا (٤) وكان يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه (٥) فإن كان من على يساره أجل رتبة قال للذي على يمينه السنة أن تعطي فإن أحببت آثرتهم (٦) وربما كان يشرب بنفس واحد حتى يفرغ (٧) وكان لا يتنفس في الإناء بل ينحرف عنه (٨) وأتى بإناء فيه عسل ولبن فأبى أن يشربه وقال شربتان في شربة وإدامان في إناء واحد (٩) ثم قال ﷺ لا أحرمه ولكني أكره الفخر والحساب بفضول الدنيا غداً وأحب التواضع فإن من تواضع لله رفعه الله وكان في بيته أشد حياء من العاتق لا يسألهم طعاماً ولا يتشهاه عليهم إن أطعموه أكل وما أعطوه قبل وما سقوه شرب (١٠) وكان ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب (١١)
يته أشد حياء من العاتق لا يسألهم طعاماً ولا يتشهاه عليهم إن أطعموه أكل وما أعطوه قبل وما سقوه شرب (١٠) وكان ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب (١١)
كَانَ ﷺ يَلْبَسُ مِنَ الثياب ما وجد من إزار أو رداء أو قميص أو جبة أو غير ذلك (١) وكان يعجبه الثياب الخضر (٢) وكان أكثر لباسه البياض ويقول ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم وكان يلبس القباء المحشو للحرب وغير الحرب (٣) وكان له قباء سندس فيلبسه فتحسن خضرته على بياض لونه (٤) وكانت ثيابه كلها مشمرة فوق الكعبين ويكون الأزار فوق ذلك إلى نصف الساق (٥) وكان قميصه مشدود الأزرار وربما حل الأزرار في الصلاة وغيرها (٦) وكانت له ملحفة مصبوغه بالزعفران وربما صلى بالناس فيها وحدها (٧) وربما ليس الكساء وحده ما عليه غيره (٨) وكان له كساء ملبد يلبسه ويقول إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد (٩) وكان له ثوبان
لِجُمُعَتِهِ خَاصَّةً سِوَى ثِيَابِهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ (١) وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره ويعقد طرفيه بين كتفيه (٢) وربما أم به الناس على الجنائز (٣) وربما صلى في بيته في الإزار الواحد ملتحفاً به مخالفاً بين طرفيه ويكون ذلك الإزار الذي جامع فيه يومئذ (٤) وكان ربما صلى بالليل بالإزار ويرتدي ببعض الثوب مما يلي هدبه ويلقى البقية على بعض نسائه فيصلي كذلك (٥) ولقد كان له كساء فوهبه فقالت له أم سلمة بأبي أنت وأمي ما فعل ذلك الكساء الأسود فقال كسوته فقالت ما رأيت شيئاً قط كان أحسن من بياضك على سواده (٦) وقال أنس وربما رأيته يصلي بنا الظهر في شملة عاقداً بين طرفيه (٧) وكان يتختم (٨) وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يَتَذَكَّرُ بِهِ الشَّيْءَ (٩) وَكَانَ يَخْتِمُ بِهِ عَلَى الكتب ويقول الخاتم على الكتاب خير من التهمة (١٠) وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَبِغَيْرِ عِمَامَةٍ وَرُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بين يديه ثم يصلى إليها (١١) وربما لم تكن العمامة فيشد العصابة
بِغَيْرِ عِمَامَةٍ وَرُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بين يديه ثم يصلى إليها (١١) وربما لم تكن العمامة فيشد العصابة
على رأسه وعلى جبهته (١) وكانت له عمامة تسمى السحاب فوهبها من علي فربما طلع على فيها فيقول ﷺ أتاكم علي في السحاب (٢) وَكَانَ إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا لَبِسَهُ مِنْ قِبَلِ مَيَامِنَهِ (٣) وَيَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ (٤) وإذا نزع ثوبه أخرجه مِنْ مَيَاسِرِهِ (٥) وَكَانَ إِذَا لَبِسَ جَدِيدًا أَعْطَى خلق ثيابه مسكيناً ثم يقول ما من مسلم يكسو مسلماً من سمل ثيابه لا يكسوه إلا الله إلا كان في ضمان الله وحرزه وخيره ما واراه حَيًّا وَمَيِّتًا (٦) وَكَانَ لَهُ فِرَاشٌ مِنْ أَدَمٍ حشوه ليف طوله ذراعان أو نحوه وعرضه ذراع وشبر أو نحوه (٧) وَكَانَتْ لَهُ عَبَاءَةٌ تُفْرَشُ لَهُ حَيْثُمَا تَنَقَّلَ تثنى طاقين تحته (٨) وكان ينام على الحصير ليس تحته شيء غيره (٩) وَكَانَ مِنْ خُلُقِهِ تَسْمِيَةُ دَوَابِّهِ وَسِلَاحِهِ وَمَتَاعِهِ وكان اسم رايته العقاب واسم سيفه الذي يشهد به الحروب ذو الفقار وكان له سيف يقال له المخذم وآخر يقال له الرسوب وآخر يقال له القضيب وكانت قبضة سيفه محلاة بالفضة (١٠)
وكان يلبس المنطقة من الآدم فيها ثلاث حلق من فضة (١) وكان اسم قوسه الكتوم وجعبته الكافور (٢) وكان اسم ناقته القصواء وهي التي يقال لها العضبا واسم بغلته الدلدل وكان اسم حماره يعفور واسم شاته التي يشرب لبنها عينة (٣) وكان له مطهرة من فخار يتوضأ فيها ويشرب منها (٤) فيرسل الناس أولادهم الصغار الذين قد عقلوا فيدخلوه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلا يدفعون عنه فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه ومسحوا على وجوههم وأجسادهم ويبتغون بذلك البركة بيان عفوه ﷺ مع قدرته
كَانَ ﷺ أَحْلَمَ النَّاسِ (٥) وأرغبهم في العفو مع القدرة حتى أتى بقلائد من ذهب وفضة فقسمها بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل فقال ويحك فمن يعدل عليه بعدي فلما ولي قال ردوه على رويدا (٦) روى جابر أنه ﷺ كان يقبض للناس يوم خيبر من فضة في ثوب بلال فقال له رجل يا رسول الله أعدل فقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل فقد خبت إذن وخسرت إن كنت لا أعدل فقام عمر فقال ألا أضرب عنقه فإنه منافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي (٧) وكان رسول الله ﷺ في حرب فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مني فقال الله فقال فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْفَ وَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقَالَ كُنْ خَيْرَ آخِذٍ قَالَ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُقَاتِلُكَ وَلَا أَكُونُ معك
خَيْرَ آخِذٍ قَالَ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي لَا أُقَاتِلُكَ وَلَا أَكُونُ معك
وَلَا أَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَجَاءَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ الناس (١) وروى أنس أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة ليأكل منها فجيء بها إلى النبي ﷺ فسألها عن ذلك فقالت أردت قتلك فقال ما كان الله ليسلطك على ذلك قالوا أفلا تقتلها فقال لا (٢) وسحره رجل من اليهود فأخبره جبريل عليه أفضل الصلاة والسلام بذلك حتى استخرجه وحل العقد فوجد لذلك خفة وما ذكر ذلك لليهودي ولا أظهره عليه قط (٣) وقال علي ﵁ بعثني رسول الله ﷺ أنا الزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا حتى أتينا روضة خاخ فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لننزعن الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم أمراً من أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال يا حاطب ما هذا قال يا رسول الله لا تعجل علي أني كنت امرأ ملصقاً في قومي وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهلهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب منهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي ولم أفعل ذلك كفراً ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام ولا ارتداداً عن ديني فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنه صدقكم فقال عمر ﵁ دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال ﷺ إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله ﷿ قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (٤) وقسم رسول الله ﷺ قسمة فقال رجل من الأنصار هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي ﷺ فاحمر وجهه وقال رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ (٥) وَكَانَ ﷺ يَقُولُ لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أخرج إليكم وأنا سليم الصدر (٦) بيان إغضائه ﷺ عما كان يكرهه
َا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أخرج إليكم وأنا سليم الصدر (٦) بيان إغضائه ﷺ عما كان يكرهه
كان رسول الله رَقِيقَ الْبَشْرَةِ لَطِيفَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يُعْرَفُ فِي وجهه غضبه ورضاه (٧) وكان إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته الكريمة (٨) وكان لا يشافه أحد بما يكرهه دخل عليه رجل وعليه صفرة فكرهها فلم يقل له شيئاً حتى خرج فقال لبعض القوم لو قلتم لهذا أن يدع هذه (٩) يعني الصفرة وبال أعرابي في المسجد بحضرته فهم به
الصَّحَابَةُ فَقَالَ ﷺ لَا تُزْرِمُوهُ أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ الْبَوْلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لشيء من القذر والبول والخلاء (١) وفي رواية قربوا ولا تنفروا وجاءه أعرابي يوماً يطلب منه شيئاً فأعطاه ﷺ ثم قال له أحسنت إليك قال الأعرابي لا ولا أجملت قال فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام ودخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئاً ثم قال أحسنت إليك قال نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً فقال له النبي ﷺ إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك قال نعم فلما كان الغد أو العشى جاء فقال النبي ﷺ إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي أكذلك فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً فقال ﷺ إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فناداهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها وأعلم فتوجه لها صاحب الناقة بين يديه فأخذ لها من قمام الأرض فردها هوناً حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار (٢) بيان سخاوته وجوده ﷺ



