إحياء علوم الدين

Kitab adab, dzikir, dan penyucian jiwa karya أبو حامد الغزالي (w. 505 H).

Bagian 37 dari 86 1706 halaman

— Bagian 37 · قمام الأرض فردها هوناً حتى جاءت واستناخت وشد علي… —

Bagian 37

قمام الأرض فردها هوناً حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار (٢) بيان سخاوته وجوده ﷺ

كَانَ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ وَكَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا (٣) وَكَانَ علي ﵁ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفًّا وَأَوْسَعَ الناس صدراً وأصدق الناس لهدة وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشيرة مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ (٤) وَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ على الإسلام إِلَّا أَعْطَاهُ (٥) وَإِنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا سَدَّتْ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ وَمَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا (٦) وَحُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ درهم فوضعها على حصير ثم قام إِلَيْهَا فَقَسَمَهَا فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ منها (٧) وجاء رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي شَيْءٌ وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ قَضَيْنَاهُ فَقَالَ عمر يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مالا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنْفِقْ وَلَا تَخْشَ من ذلك الْعَرْشِ إِقْلَالًا فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ

وَعُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ (١) وَلَمَّا قَفَلَ مِنْ حُنَيْنٍ جَاءَتِ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى شَجَرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاةِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهَا بينكم ثلا لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذَّابًا وَلَا جَبَانًا (٢) بيان شجاعته ﷺ

كان ﷺ أنجد النَّاسِ وَأَشْجَعَهُمْ (٣) قَالَ علي ﵁ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا (٤) وَقَالَ أَيْضًا كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى العدو منه (٥) قيل وكان ﷺ قليل الكلام قليل الحديث فإذا أمر الناس بالقتال تشمر وكان من أشد الناس بأساً (٦) وكان الشجاع هو الذي يقرب منه في الحرب لقربه من العدو (٧) وقال عمران بن حصين ما لقى رسول الله ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب (٨) وقالوا كان قوي البطش (٩) وَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ عَنْ بَغْلَتِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عبد المطلب فما رؤي يومئذ أحد كان أشد منه (١٠) بيان تواضعه ﷺ

كَانَ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ تواضعاً في علو منصبه (١١) قال ابن عامر رأيته يرمي الجمرة على ناقة شهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (١٢) وَكَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُوكَفًا عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ وَكَانَ مع ذلك يستردف (١٣) وكان يعود

الجمرة على ناقة شهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (١٢) وَكَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُوكَفًا عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ وَكَانَ مع ذلك يستردف (١٣) وكان يعود

الْمَرِيضَ وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ (١) وَيَخْصِفُ النَّعْلَ وَيُرَقِّعُ الثَّوْبَ وَكَانَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ فِي حَاجَتِهِمْ (٢) وَكَانَ أَصْحَابُهُ لَا يَقُومُونَ لَهُ لِمَا عَرَفُوا مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ (٣) وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم (٤) وأتى ﷺ برجل فأرعد من هيبته فقال له هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد (٥) وَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مُخْتَلِطًا بِهِمْ كَأَنَّهُ أَحَدُهُمْ فَيَأْتِي الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حتى يسأل عنه حتى طلبوا إليه أن يجلس مجلساً يعرفه الغريب فبنوا له دكاناً من طين فكان يجلس عليه (٦) وقالت له عائشة ﵂ كل جعلني الله فداك متكئاً فإنه أهون عليك قال فأصغى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض ثم قال بل آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد (٧) وكان لا يأكل على خوان ولا في سكرجة حتى لحق بالله تعالى (٨) وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلا قال لبيك (٩) وَكَانَ إِذَا جَلَسَ مَعَ النَّاسِ إِنْ تَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الْآخِرَةِ أَخَذَ مَعَهُمْ وَإِنْ تَحَدَّثُوا في طعام أو شراب تحدث معهم وإن تكلموا في الدنيا تَحَدَّثَ مَعَهُمْ رِفْقًا بِهِمْ وَتَوَاضُعًا لَهُمْ (١٠) وَكَانُوا يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْيَانًا وَيَذْكُرُونَ أَشْيَاءَ من أمر الجاهلية ويضحكون فتبسم هُوَ إِذَا ضَحِكُوا وَلَا يَزْجُرُهُمْ إِلَّا عَنْ حرام (١١) بيان صورته وخلقته ﷺ

وكان من صفة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد بل كان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسباً إلى الطول ونسب هو ﷺ إلى الربعة ويقول ﷺ جعل الخير كله في الربعة (١٢)

ل إلا طاله رسول الله ﷺ ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسباً إلى الطول ونسب هو ﷺ إلى الربعة ويقول ﷺ جعل الخير كله في الربعة (١٢)

وأما لونه فقد كان أزهر اللون ولم يكن بالآدم ولا بالشديد البياض والأزهر هو الأبيض الناصع الذي لا تشوبه صفرة ولا حمرة ولا شيء من الألوان ونعته عمه أبو طالب فقال وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل (١) ونعته بعضهم بأنه مشرب بحمرة فقالوا إنما كان المشرب منه بالحمرة ما ظهر للشمس والرياح كالوجه والرقبة والأزهر الصافي عن الحمرة ما تحت الثياب منه وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللؤلؤ أطيب من المسك الأذفر وأما شعره فقد كان رجل الشعر حسنه ليس بالسبط ولا الجعد القطط وكان إذا مشطه بالمشط يأتى كأنه حبك الرمل وقيل كان شعره يضرب منكبيه وأكثر الرواية أنه كان إلى شحمة أذنيه ربما جعله غدائر أربعاً تخرج كل أذن من بين غديرتين وربما جعل شعره على أذنيه فتبدوا سوالفه تتلألأ وكان شيبه في الرأس واللحية سبع عشرة شعرة ما زاد على ذلك وكان ﷺ أحسن الناس وجهاً وأنورهم لم يصفه واصف إلا شبهه بالقمر ليلة البدر وكان يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته وكانوا يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق ﵁ حيث يقول أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام

ر وكان يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته وكانوا يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق ﵁ حيث يقول أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام وكان ﷺ واسع الجبهة أزج الحاجبين سابغهما وكان أبلج ما بين الحاجبين كأن ما بينهما الفضة المخلصة وكانت عيناه نجلاوين أدعجهما وكان في عينيه تمزج من حمرة وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها وكان أقنى العرنين أي مستوى الأنف وكان مفلج الأسنان أي متفرقها وكان إذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق إذا تلألأ وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم وكان سهل الخدين صلبهما ليس بالطويل الوجه ولا المكلثم كَثَّ اللِّحْيَةِ وَكَانَ يُعْفِي لِحْيَتَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شاربه وكان أحسن عباد الله عنقاً لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة مشرب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وفي حمرة الذهب وكان ﷺ عريض الصدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضاً كالمرآة في استوائها وكالقمر في بياضه موصول ما بين لبته وسرته بشعر منقاد كالقضيب لم يكن في صدره ولا بطنه شعر غيره وكانت له عكن ثلاث يغطي الإزار منها واحدة ويظهر اثنتان وكان عظيم المنكبين أشعرهما ضخم الكراديس أي رءوس العظام من المنكبين والمرفقين والوركين وكان واسع الظهر ما بين كتفيه خاتم النبوة وهو مما يلي منكبه الأيمن فيه شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها من عرف فرس وكان عبل العضدين والذراعين طويل

الزندين رحب الراحتين سائل الأطراف كأن أصابعه قضبان الفضة كفه ألين من الخز كأن كفه كف عطار طيباً مسها بطيب أو لم يمسها يصافحه المصافح فيظل يومه يجد ريحها ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها على رأسه وكان عبل ما تحت الإزار من الفخذين والساق وكان معتدل الخلق في السمن بدن في آخر زمانه وكان لحمه متماسكاً يكاد يكون على الخلق الأول لم يضره السمن وأما مشيه ﷺ فكان يمشي كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب يخطو تكفياً ويمشي الهوينى بغير تبختر والهوينى تقارب الخطا وكان ﷺ يقول أنا أشبه الناس بآدم ﷺ وكان أبي إبراهيم ﷺ أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً وكان يقول إن لي عند ربي عشرة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد وأنا الحاشر يحشر الله العباد على قدمى وأنا رسول الرحمة ورسول التوبة ورسول الملاحم والمقفى قفيت الناس جميعاً وأنا قثم (١) قال أبو البحتري والقثم الكامل الجامع والله أعلم بيان معجزاته وآياته الدالة على صدقه

اعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَاهَدَ أَحْوَالَهُ ﷺ وَأَصْغَى إِلَى سَمَاعِ أَخْبَارِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَعَادَاتِهِ وَسَجَايَاهُ وَسِيَاسَتِهِ لِأَصْنَافِ الْخَلْقِ وَهِدَايَتِهِ إِلَى ضَبْطِهِمْ وَتَأَلُّفِهِ أَصْنَافَ الْخَلْقِ وَقَوْدِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ مَعَ مَا يحكى من عَجَائِبِ أَجْوِبَتِهِ فِي مَضَايِقِ الْأَسْئِلَةِ وَبَدَائِعِ تَدْبِيرَاتِهِ في مصالح الخلق ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز الفقهاء والعقلاء عَنْ إِدْرَاكِ أَوَائِلِ دَقَائِقِهَا فِي طُولِ أَعْمَارِهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُ رَيْبٌ وَلَا شَكٌّ فِي أن ذلك لم يكن مكتسباً بحيلة تقوم بها القوة البشرية بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد مِنْ تَأْيِيدٍ سَمَاوِيٍّ وَقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ وَأَنَّ ذَلِكَ كله لا يتصور لكذاب وَلَا مُلَبِّسٍ بَلْ كَانَتْ شَمَائِلُهُ وَأَحْوَالُهُ شَوَاهِدَ قَاطِعَةً بِصِدْقِهِ حَتَّى إِنَّ الْعَرَبِيَّ الْقُحَّ كَانَ يَرَاهُ فَيَقُولُ وَاللَّهِ مَا هَذَا وَجْهُ كَذَّابٍ

مَائِلُهُ وَأَحْوَالُهُ شَوَاهِدَ قَاطِعَةً بِصِدْقِهِ حَتَّى إِنَّ الْعَرَبِيَّ الْقُحَّ كَانَ يَرَاهُ فَيَقُولُ وَاللَّهِ مَا هَذَا وَجْهُ كَذَّابٍ فَكَانَ يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ بِمُجَرَّدِ شَمَائِلِهِ فَكَيْفَ مَنْ شَاهَدَ أَخْلَاقَهُ وَمَارَسَ أَحْوَالَهُ فِي جَمِيعِ مصادره وموارده وإنما أوردنا بعض أخلافه لِتُعْرَفَ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ وَلِيُتَنَبَّهَ لِصِدْقِهِ ﷺ وَعُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَمَكَانَتِهِ الْعَظِيمَةِ عِنْدَ اللَّهِ إِذْ آتَاهُ اللَّهُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَهُوَ رجل أُمِّيٌّ لَمْ يُمَارِسِ الْعِلْمَ وَلَمْ يُطَالِعِ الْكُتُبَ ولم يسافر قط في طلب علم ولم يزل بَيْنَ أَظْهُرِ الْجُهَّالِ مِنَ الْأَعْرَابِ يَتِيمًا ضَعِيفًا مُسْتَضْعَفًا فَمِنْ أَيْنَ حَصَلَ لَهُ مَحَاسِنُ الْأَخْلَاقِ والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا فقط دون غيرهم مِنَ الْعُلُومِ فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّ النُّبُوَّةِ لَوْلَا صَرِيحُ الْوَحْيِ وَمِنْ أَيْنَ لِقُوَّةِ الْبَشَرِ الِاسْتِقْلَالُ بِذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا هذه الأمور الظاهرة لكان فيه كفاية وقد ظهر من آياته ومعجزاته مالا يَسْتَرِيبُ فِيهِ مُحَصِّلٌ فَلْنَذْكُرْ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا استفاضت به الأخبار واشتملت عليه الكتب الصحيحة إشارة إلى مجامعها من غير تطويل بحكاية التفصيل فقد خرق الله العادة على يده غير مرة إذ شق له القمر بمكة لما سألته قريش آية (٢) وأطعم النفر الكثير في

ة إشارة إلى مجامعها من غير تطويل بحكاية التفصيل فقد خرق الله العادة على يده غير مرة إذ شق له القمر بمكة لما سألته قريش آية (٢) وأطعم النفر الكثير في

منزل جابر (١) وفي منزل أبي طلحة ويوم الخندق (٢) ومرة أطعم ثمانين من أربعة أمداد شعير وعناق (٣) وهو من أولاد المعز فوق العتود ومرة أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَقْرَاصِ شَعِيرٍ حملها أنس في يده (٤) ومرة أهل الجيش من تمر يسير ساقته بنت بشير في يدها فَأَكَلُوا كُلُّهُمْ حَتَّى شَبِعُوا مِنْ ذَلِكَ وَفَضَلَ لهم (٥) ونبع الماء من بين أصابعه ﵇ فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش وتوضئوا مِنْ قَدَحٍ صَغِيرٍ ضَاقَ عَنْ أَنْ يَبْسُطَ ﵇ يده فيه (٦) وأهراق ﷺ وَضُوءَهُ فِي عَيْنِ تَبُوكَ وَلَا مَاءَ فِيهَا وَمَرَّةً أُخْرَى فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَاشَتَا بِالْمَاءِ فَشَرِبَ مِنْ عَيْنِ تَبُوكَ أَهْلُ الْجَيْشِ وَهُمْ أُلُوفٌ حَتَّى رَوُوا وَشَرِبَ مِنْ بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ ماء (٧) وأمر ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير وهو موضع بروكه فزودهم كلهم منه وبقي منه فحبسه (٨) ورمى الجيش بِقَبْضَةٍ مِنْ تُرَابٍ فَعَمِيَتْ عُيُونُهُمْ وَنَزَلَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رميت ولكن الله رمى (٩) وأبطل الله تعالى الكهانة بمبعثه ﷺ فعدمت وكان ظاهرة موجودة (١٠) وحن الجذع الذي كان يخطب إِلَيْهِ لَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ مِثْلَ صَوْتِ الْإِبِلِ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ فَسَكَنَ (١١) وَدَعَا الْيَهُودَ إِلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ فَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النطق بذلك وعجزوا عنه (١٢) وهذا مذكور في سورة يقرأ بها في جميع جوامع الإسلام من شرق الأرض إلى غربها يوم الجمعة

جهراً تعظيماً للآية التي فيها وأخبر ﷺ بالغيوب وأنذر عثمان بأن تصيبه بلوى بَعْدَهَا الْجَنَّةُ (١) وَبِأَنَّ عمارا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ (٢) وأن الحسن يصلح الله به فئتين من المسلمين عظيمتين (٣) وأخبر ﷺ عَنْ رَجُلٍ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (٤) فَظَهَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَتَلَ نَفْسَهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا أَشْيَاءُ إِلَهِيَّةٌ لَا تُعْرَفُ الْبَتَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ وُجُوهٍ تَقَدَّمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِهَا لَا بِنُجُومٍ وَلَا بِكَشْفٍ وَلَا بِخَطٍّ وَلَا بِزَجْرٍ لَكِنْ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَوَحْيِهِ إِلَيْهِ وَاتَّبَعَهُ سراقة بن مالك فساخت قدماً فرسه في الأرض وأتبعه دخان حَتَّى اسْتَغَاثَهُ فَدَعَا لَهُ فَانْطَلَقَ الْفَرَسُ وَأَنْذَرَهُ بأن سيوضع في ذراعيه سواراً كِسْرَى (٥) فَكَانَ كَذَلِكَ وَأَخْبَرَ بِمَقْتَلِ الأسود العنسي الكذاب لَيْلَةَ قَتْلِهِ وَهُوَ بِصَنْعَاءِ الْيَمَنِ وَأَخْبَرَ بمن قتله (٦) وخرج على مائة من قريش ينتظرونه فوضع التراب على رءوسهم ولم يروه (٧) وشكا إليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له (٨) وقال لنفر من أصحابه مجتمعين أحدكم في النار ضرسه مثل أحد فماتوا كلهم على استقامة وارتد منهم واحد فقتل مرتداً (٩) وقال لآخرين منهم آخركم موتا في النار فسقط آخرهم موتاً في النار فاحترق فيها فمات (١٠) ودعا شجرتين فأتتاه واجتمعتا ثم أمرهما فافترقتا وكان ﷺ نحو الربعة فإذا مشى مع الطوال طالهم (١١) ودعا ﷺ النصارى إلى المباهلة فامتنعوا فعرفهم ﷺ أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا فعلموا صحة قوله فامتنعوا (١٢) وأتاه عامر بن الطفيل بن مالك وأربد بن قيس وهما فارسا العرب وفاتكاهم عازمين على قتله ﷺ فحيل بينهما وبين ذلك ودعا عليهما فهلك عامر بغدة وهلك أربد بصاعقة أحرقته (١٣) وأخبر ﷺ أنه يقتل

ربد بن قيس وهما فارسا العرب وفاتكاهم عازمين على قتله ﷺ فحيل بينهما وبين ذلك ودعا عليهما فهلك عامر بغدة وهلك أربد بصاعقة أحرقته (١٣) وأخبر ﷺ أنه يقتل

أبي بن خلف الجمحي فَخَدَشَهُ يَوْمَ أُحُدٍ خدشاً لطيفاً فكانت منيته فيه (١) وأطعم ﷺ السُّمَّ فَمَاتَ الَّذِي أَكَلَهُ مَعَهُ وَعَاشَ هُوَ ﷺ بَعْدَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وكلمه الذراع المسموم (٢) وأخبر ﵇ يوم بدر بِمَصَارِعِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَوَقَفَهُمْ عَلَى مَصَارِعِهِمْ رُجَلًا رَجُلًا فَلَمْ يَتَعَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ (٣) وأنذر ﷺ بِأَنَّ طَوَائِفَ مِنْ أُمَّتِهِ يَغْزُونَ فِي الْبَحْرِ فَكَانَ كَذَلِكَ (٤) وَزُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ فَأُرِيَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَأَخْبَرَ بِأَنَّ مُلْكَ أُمَّتِهِ سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لَهُ مِنْهَا فَكَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ بَلَغَ مُلْكُهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْمَشْرِقِ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ إِلَى آخِرِ الْمَغْرِبِ مِنْ بَحْرِ الْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ البربر ولم يتسعوا في الجنوب ولا في الشمال كما أخبر ﷺ سواء بسواء (٥) وَأَخْبَرَ فاطمة ابْنَتَهُ ﵂ بِأَنَّهَا أول أهله لحاقاً به (٦) فكان كذلك وأخبر نساءه بأن أطولهن يداً أسرعهن لحاقاً به فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يداً بالصدقة أولهن لُحُوقًا بِهِ ﵂ (٧) وَمَسَحَ ضَرْعَ شاة حائل لَا لَبَنَ لَهَا فَدَرَّتْ (٨) وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فِي خَيْمَةِ أم معبد الخزاعية

ة حائل لَا لَبَنَ لَهَا فَدَرَّتْ (٨) وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِسْلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فِي خَيْمَةِ أم معبد الخزاعية وندرت عين بعض أصحابه فسقطت فردها ﷺ بِيَدِهِ فَكَانَتْ أَصَحَّ عَيْنَيْهِ وَأَحْسَنَهُمَا (٩) وَتَفَلَ فِي عَيْنِ علي ﵁ وَهُوَ أَرْمَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ فَصَحَّ مِنْ وَقْتِهِ وَبَعَثَهُ بِالرَّايَةِ (١٠) وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه ﷺ (١١) وأصيبت رجل بعض أصحابه ﷺ فمسحها بيده فبرأت من حينها (١٢) وقل زاد جيش كان معه ﷺ فدعا بجميع ما بقي فاجتمع شيء يسير جداً فدعا فيه بالبركة ثم أمرهم فأخذوا فلم يبق وعاء في العسكر إلا ملىء من ذلك (١٣) وحكى الحكم بن العاص بن وائل قوله الحكم بن العاص بن وائل هكذا في النسخ وصوابه كما في الشارح الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس اه مصححه مشيته

صلى الله عليه وسلم مستهزئاً فقال ﷺ كذلك فكن فلم يزل يرتعس حتى مات (١) وخطب ﷺ امرأة فقال له أبوها إن بها برصاً امتناعاً من خطبته واعتذاراً ولم يكن بها برص فقال ﷺ فلتكن كذلك (٢) فبرصت وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ ﷺ وإنما اقتصرنا على المستفيض وَمَنْ يَسْتَرِيبُ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَةِ عَلَى يَدِهِ ويزعم أن آحاد هذه الوقائع لم تنقل تَوَاتُرًا بَلِ الْمُتَوَاتِرُ هُوَ الْقُرْآنُ فَقَطْ كَمَنْ يَسْتَرِيبُ فِي شَجَاعَةِ علي ﵁ وَسَخَاوَةِ حاتم الطائي وَمَعْلُومٌ أَنَّ آحَادَ وَقَائِعِهِمْ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ وَلَكِنْ مَجْمُوعُ الْوَقَائِعِ يُوِرثُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا ثُمَّ لَا يُتَمَارَى فِي تَوَاتُرِ الْقُرْآنِ وهي الْمُعْجِزَةُ الْكُبْرَى الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَلَيْسَ لِنَبِيٍّ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ سِوَاهُ ﷺ إِذْ تَحَدَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُلَغَاءَ الْخَلْقِ وَفُصَحَاءَ الْعَرَبِ وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ حِينَئِذٍ مَمْلُوءَةٌ بِآلَافٍ مِنْهُمْ وَالْفَصَاحَةُ صَنْعَتُهُمْ وَبِهَا مُنَافَسَتُهُمْ وَمُبَاهَاتُهُمْ

ُصَحَاءَ الْعَرَبِ وَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ حِينَئِذٍ مَمْلُوءَةٌ بِآلَافٍ مِنْهُمْ وَالْفَصَاحَةُ صَنْعَتُهُمْ وَبِهَا مُنَافَسَتُهُمْ وَمُبَاهَاتُهُمْ وَكَانَ يُنَادِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً وقال ذلك تعجيزاً لهم فعجزوا عن ذلك وصرفوا عنه حَتَّى عَرَّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ وَنِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ لِلسَّبْيِ وَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُعَارِضُوا وَلَا أَنْ يَقْدَحُوا فِي جَزَالَتِهِ وَحُسْنِهِ ثُمَّ انْتَشَرَ ذَلِكَ بَعْدَهُ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَرْنًا بَعْدَ قرن وعصراً بعد عصر وقد انقرض اليوم قريب من خمسمائة سنة فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى مُعَارَضَتِهِ فَأَعْظِمْ بِغَبَاوَةِ مَنْ يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِهِ ثُمَّ فِي أَقْوَالِهِ ثُمَّ فِي أَفْعَالِهِ ثُمَّ فِي أَخْلَاقِهِ ثُمَّ فِي مُعْجِزَاتِهِ ثُمَّ فِي اسْتِمْرَارِ شَرْعِهِ إِلَى الْآنَ ثُمَّ فِي انْتِشَارِهِ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ ثُمَّ فِي إِذْعَانِ مُلُوكِ الْأَرْضِ لَهُ فِي عَصْرِهِ وَبَعْدَ عَصْرِهِ مَعَ ضَعْفِهِ وَيُتْمِهِ ثُمَّ يتمارى في ذلك في صدقه وما أَعْظَمَ تَوْفِيقَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ في كل ما وِرْدٍ وَصَدَرٍ فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا للإقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه وسعة جوده تم الجزء الثاني من كتاب إحياء علوم الدين ويليه الجزء الثالث ويشتمل على ربع المهلكات

﷽ كتاب شرح عجائب القلب وهو الكتاب الأول من ربع المهلكات ﷽ الحمد لله الذي تتحير دون إدراك جلاله القلوب والخواطر وتدهش في مبادي إشراق أنواره الأحداق والنواظر المطلع على خفيات السرائر العالم بمكنونات الضمائر المستغني في تدبير مملكته عن المشاور والموازر مقلب القلوب وغفار الذنوب وستار العيوب ومفرج الكروب والصلاة على سيد المرسلين وجامع شمل الدين وقاطع دابر الملحدين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم كثيراً أما بعد فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي الآخرة عدته وذخره وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب هو العالم بالله وهو المتقرب إلى الله وهو العامل لله وهو الساعي إلى الله وهو المكاشف بما عند الله ولديه وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات يستخدمها القلب ويستعملها استعمال المالك للعبد واستخدام الراعي للرعية والصانع للآلة فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً بغير الله وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب وهو الذي يسعد بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره وهو العاصي المتمرد على الله تعالى وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه إذ كل إناء ينضح بما فيه وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم فإن الله يحول بين المرء وقلبه وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين مع أصابع الرحمن وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين

ن إصبعين مع أصابع الرحمن وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممن قال الله تعالى فيه نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه

أصل الدين وأساس طريق السالكين وإذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجري على الجوارح من العبادات والعادات وهو العلم الظاهر ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجري على القلب من الصفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن فلا بد أن نقدم عليه كتابين كتاباً في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه وكتاباً في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي

اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا اللفظ الأول لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدميين والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين أحدهما أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة

المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين أحدهما أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة والثاني أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر الروح وذلك مما لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ (١) فليس لغيره أن يتكلم فيه والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها اللفظ الثاني الروح وهو أيضاً يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجمساني فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثالها السراج وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه والأطباء إذا أطلقوا لفظ

الها النور الحاصل في الحيطان والروح مثالها السراج وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه والأطباء إذا أطلقوا لفظ

الروح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب وليس شرحه من غرضنا إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلاً المعنى الثاني هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله قل الروح من أمر ربي وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته اللفظ الثالث النفس وهو أيضا مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله ﷺ أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك (١) أخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال الله تعالى في مثلها ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه قال الله تعالى ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء

قصيره في عبادة مولاه قال الله تعالى ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخباراً عن يوسف ﵇ أو امرأة العزيز ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات اللفظ الرابع العقل وهو أيضاً مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان أحدهما أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه والعلم صفة حالة فيه والصفة غير الموصوف والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك وهو المراد بقوله ﷺ أول ما خلق الله العقل // حديث أول ما خلق الله العقل وفي الخبر أنه قال له أقبل فأقبل وقال أدبر فأدبر الحديث تقدم في العلم فإن العلم عرض لا يتصور أن يكون أول مخلوق بل لابد وأن يكون المحل مخلوقاً قبله أو معه ولأنه لا يمكن الخطاب معه وفي الخبر أنه قال له تعالى أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر الحديث فإذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة وهي القلب الجسماني والروح الجسماني والنفس الشهوانية والعلوم فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ أطلق لمعنيين

وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون هذا خاطر العقل وهذا خاطر الروح وهذا خاطر القلب وهذا خاطر النفس وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها ولذلك شبه سهل التستري القلب بالعرش والصدر بالكرسي فقال القلب هو العرش والصدر هو الكرسي ولا يظن به أنه يرى أنه عرش الله وكرسيه فإن ذلك محال بل أراد به أنه مملكة الإنسان والمجرى الأول لتدبيره وتصرفه فهما بالنسبة إليه كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى ولا يستقيم هذا التشبيه أيضاً إلا من بعض الوجوه وشرح ذلك أيضاً لا يليق بغرضنا فلنجاوزه بيان جنود القلب

سبة إليه كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى ولا يستقيم هذا التشبيه أيضاً إلا من بعض الوجوه وشرح ذلك أيضاً لا يليق بغرضنا فلنجاوزه بيان جنود القلب

قال الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو فلله سبحانه في القلوب والأرواح وغيرها من العوالم جنود مجندة لا يعرف حقيقتها وتفصيل عددها إلا هو ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب فهو الذي يتعلق بغرضنا وله جندان جند يرى بالأبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر وهو في حكم الملك والجنود في حكم الخدم والأعوان فهذا معنى الجند فأما جنده المشاهد بالعين فهو اليد والرجل والعين والأذن واللسان وسائر الأعضاء الظاهرة والباطنة فإن جميعها خادمة للقلب ومسخرة له فهو المتصرف فيها والمردد لها وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافاً ولا عليه تمرداً فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم وكذا سائر الأعضاء وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة لله تعالى فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافاً بل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وإنما يفترقان في شيء وهو أن الملائكة ﵈ عالمة بطاعتها وامتثالها والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والإنطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهو السفر إلى الله سبحانه وقطع المنازل إلى لقائه فلأجله خلقت القلوب قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وإنما مركبه البدن وزاده العلم

خلق وهو السفر إلى الله سبحانه وقطع المنازل إلى لقائه فلأجله خلقت القلوب قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وإنما مركبه البدن وزاده العلم وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح وليس يمكن العبد أن يصل إلى الله سبحانه ما لم يسكن البدن ولم يجاوز الدنيا فإن المنزل الأدنى لا بد من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى فالدنيا مزرعة الآخرة وهي منزل من منازل الهدى وإنما سميت دنيا لأنها أدنى المنزلتين فاضطر إلى أن يتزود من هذا العالم فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه وإنما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما ينافيه من أسباب الهلاك فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين باطن وهو الشهوة وظاهر وهو اليد والأعضاء الجالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج إليه وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين باطن وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء وظاهر

وهو اليد والرجل للذين بهما يعمل بمقتضى الغضب وكل ذلك بأمور خارجة فالجوارح من البدن كالأسلحة وغيرها ثم المحتاج إلى الغذاء ما لم يعرف الغذاء لم تنفعه شهوة الغذاء وإلفه فافتقر للمعرفة إلى جندين باطن وهو إدراك السمع والبصر والشم واللمس والذوق وظاهر وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل وجه الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة وقد أشرنا إلى طرف يسير منها في كتاب الشكر فليقتنع به فجملة جنود القلب تحصرها ثلاثة أصناف صنف باعث ومستحث إما إلى جلب النافع الموافق كالشهوة وإما إلى دفع الضار المنافي كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة والثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد ويعبر عن هذا الثاني بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء لا سيما العضلات منها والأوتار

عث بالإرادة والثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد ويعبر عن هذا الثاني بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء لا سيما العضلات منها والأوتار والثالث هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس وهي قوة البصر والسمع والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في أعضاء معينة ويعبر عن هذا بالعلم والإدراك ومع كل واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة وهي الأعضاء المركبة من الشحم واللحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود فإن قوة البطش إنما هي بالأصابع وقوة البصر إنما هي بالعين وكذا سائر القوى ولسنا نتكلم في الجنود الظاهرة أعني الأعضاء فإنها من عالم الملك والشهادة وإنما نتكلم الآن فيما أيدت به من جنود لم تروها وهذا الصنف الثالث وهو المدرك من هذه الجملة ينقسم إلى ما قد أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس وإلى ما أسكن منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ وهي أيضاً خمسة فإن الإنسان بعد رؤية الشيء يغمض عينه فيدرك صورته في نفسه وهو الخيال ثم تبقى تلك الصورة معه بسبب شيء يحفظه وهو الجند الحافظ ثم يتفكر فيما حفظة فيركب بعض ذلك إلى البعض ثم يتذكر ما قد نسيه ويعود إليه ثم يجمع جملة معاني المحسوسات في خياله بالحس المشترك بين المحسوسات ففي الباطن حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ ولولا خلق الله قوة الحفظ والفكر والذكر والتخيل لكان الدماغ يخلو عنه كما تخلو اليد والرجل عنه فتلك القوى أيضاً جنود باطنة وأماكنها أيضاً باطنه فهذه هي أقسام جنود القلب وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة يطول ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة

هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة

اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقياداً تاماً فيعينه ذلك على طريقه الذي يسلكه وتحسن مرافقتهما في السفر الذي هو بصدده وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد حتى يملكاه ويستبعداه وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد وللقلب جند آخر وهو العلم والحكمة والتفكر كما سيأتي شرحه وحقه أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب الله تعالى على الجندين الآخرين فإنهما قد يلتحقان بحزب الشيطان فإن ترك الاستعانة وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقيناً وخسر خسراناً مبيناً وذلك حالة أكثر الخلق فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم فيما يفتقر العقل إليه ونحن نقرب ذلك إلى فهمك بثلاثة أمثلة المثال الأول أن نقول مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة المذكورة كمثل ملك في مدينته ومملكته

فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة والغضب والحمية له كصاحب الشرطة والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة كما أن الوالي في مملكته إذا كان مستغنياً في تدبيراته بوزيره مستشيراً له ومعرضاً عن إشارة هذا العبد الخبيث مستدلاً بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه أدبه صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمراً له مسلطاً من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوساً لا سائساً ومأموراً مدبراً لا أميراً مدبراً استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه فكذا النفس متى استعانت بالعقل وأدبت بحمية الغضب وسلطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال الله تعالى فيه أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وقال تعالى واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وقال ﷿ فيمن نهى النفس عن الهوى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى

َامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى المثال الثاني اعلم أن البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعيته والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط فإن هو جاهد عدوه وهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره وإذا عاد إلى الحضرة كما قال الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره فانتقم منه عند الله تعالى فيقال له يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك (١) حديث رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر أخرجه البيهقي في الزهد من حديث جابر وقال هذا إسناد في ضعف المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى كان الفارس حاذقاً وفرسه مروضاً وكلبه مؤدباً معلماً كان جديراً بالنجاح ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحاً والكلب عقوراً فلا فرسه ينبعث تحته منقاداً ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعاً فهو خليق بأن يعطب فضلاً عن أن ينال ما طلب وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته وجماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصاً شهوة البطن والفرج وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه نسأل الله حسن التوفيق بلطفه بيان خاصية قلب الإنسان

اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم الله به على سائر الحيوانات سوى الآدمي إذ للحيوان الشهوة والغضب والحواس

الله حسن التوفيق بلطفه بيان خاصية قلب الإنسان

اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم الله به على سائر الحيوانات سوى الآدمي إذ للحيوان الشهوة والغضب والحواس

الظاهرة والباطنة أيضاً حتى إن الشاة ترى الذئب بعينها فتعلم عداوته بقلبها فتهرب منه فذلك هو الإدراك الباطن فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان ولأجله عظم شرفه واستأهل القرب من الله تعالى وهو راجع إلى علم وإرادة أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية فإن هذه أمور وراء المحسوسات ولا يشاركه فيها الحيوانات بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة وهذا حكم منه على كل شخص ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص فحكمه على جميع الأشخاص زائد على ما أدركه الحس وإذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر وأما الإرادة فإنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها وذلك غير إرادة الشهوة وإرادة الحيوانات بل يكون على ضد الشهوة فإن الشهوة تنفر عن الفصد والحجامة والعقل يريدها ويطلبها ويبذل المال فيها والشهوة تميل إلى لذائذ الأطعمة في حين المرض والعاقل يجد في نفسه زاجراً عنها وليس ذلك زاجر الشهوة ولو خلق الله العقل المعرف بعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرك للأعضاء على مقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضائعاً على التحقيق فإذن قلب الإنسان اختص بعلم وإرادة ينفك عنها سائر الحيوان بل ينفك عنها الصبي في أول الفطرة وإنما يحدث ذلك فيه بعد البلوغ وأما الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة فإنها موجودة في حق الصبي ثم الصبي في حصول هذه العلوم فيه له درجتان

ل الفطرة وإنما يحدث ذلك فيه بعد البلوغ وأما الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة فإنها موجودة في حق الصبي ثم الصبي في حصول هذه العلوم فيه له درجتان إحداهما أن يشتمل قلبه على سائر العلوم الضرورية الأولية كالعلم باستحالة المستحيلات وجواز الجائزات الظاهرة فتكون العلوم النظرية فيها غير حاصلة إلا أنها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم كحال الكاتب الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها بعد الثانية أن تتحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة عنده فإذا شاء رجع إليها وحاله حال الحاذق بالكتابة إذ يقال له كاتب وإن لم يكن مباشراً للكتابة بقدرته عليها وهذه هي غاية درجة الإنسانية ولكن في هذه الدرجة مراتب لا تحصى بتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها إذ تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة ولبعضهم بتعلم واكتساب وقد يكون سريع الحصول وقد يكون بطئ الحصول وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء فدرجات الترقي فيه غير محصورة إذ معلومات الله سبحانه لا نهاية لها وأقصى الرتب رتبة النبي الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف بكشف إلهي في أسرع وقت وبهذه السعادة يقرب العبد العبد من الله تعالى قرباً بالمعنى والحقيقة والصفة لا بالمكان والمسافة ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنزل فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدق به إيماناً بالغيب كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من

العلوم الضرورية ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله ﷾ غير مضنون بها على أحد ولكن إنما تظهر في القلوب المتعرضة لنفحات رحمة الله تعالى كما قال ﷺ إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها (١) حديث يقول الله ﷿ لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي الحديث لم أجد له أصلا إلا أن صاحب الفردوس خرجه من حديث أبي الدرداء ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس إسنادا وبقوله تعالى من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا (٢) حديث لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم الحديث أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه وقد تقدم في الصيام ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة وأشرف أنواع العلم هو العلم بالله وصفاته وأفعاله فبه كمال الإنسان وفي كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال فالبدن مركب للنفس والنفس محل للعلم والعلم هو مقصود الإنسان وخاصيته التي لأجله خلق وكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر وحسن الهيئة فيكون الفرس مخلوقاً لأجل تلك الخاصية فإن تعطلت منه نزل إلى حضيض رتبة الحمار وكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ويفارقها في أمور هي خاصيته وتلك الخاصية من صفات الملائكة المقربين من رب العالمين والإنسان على رتبة بين البهائم والملائكة فإن الإنسان من حيث يتغذى وينسل فنبات ومن حيث يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان ومن حيث صورته وقامته فكالصورة المنقوشة على الحائط وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء من استعمل جميع أعضائه وقواه على وجه الاستعانة بها على العلم والعمل فقد تشبه بالملائكة فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكاً وربانياً كما أخبر الله تعالى عن صواحبات يوسف ﵇ بقوله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما غمراً كثور وإما شرهاً كخنزير وإما ضربا ككلب أو سنور أو حقوداً كجمل

اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما غمراً كثور وإما شرهاً كخنزير وإما ضربا ككلب أو سنور أو حقوداً كجمل أو متكبراً كنمر أو ذا روغان كثعلب أو يجمع ذلك كله كشيطان مريد وما من عضو من الأعضاء ولا حاسة من الحواس إلا ويمكن الاستعانة به على طريق الوصول إلى الله تعالى كما سيأتي بيان طرف منه في كتاب الشكر فمن استعمله فيه فقد فاز ومن عدل عنه فقد خسر وخاب وجملة السعادة في ذلك أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده والدار الآخرة مستقره والدنيا منزله والبدن مركبه والأعضاء

خدمه فيستقر هو أعني المدرك من الإنسان في القلب الذي هو وسط مملكته كالملك ويجري القوة الخيالية المودعة في مقدم الدماغ مجرى صاحب بريده إذ تجتمع أخبار المحسوسات عنده ويجري القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ مجرى خازنه ويجري اللسان مجرى ترجمانه ويجري الأعضاء المتحركة مجرى كتابه ويجري الحواس الخمس مجرى جواسيسه فيوكل كل واحد منها بأخبار صقع من الأصقاع فيوكل العين بعالم الألوان والسمع بعالم الأصوات والشم بعالم الروائح وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه العوالم ويؤدونها إلى القوة الخيالية التي هي كصاحب البريد ويسلمها صاحب البريد إلى الخازن وهي الحافظة ويعرضها الخازن على الملك فيقتبس الملك منها ما يحتاج إليه في تدبير مملكته وإتمام سفره الذي هو بصدده وقمع عدوه الذي هو مبتلي به ودفع قواطع الطريق عليه فإذا فعل ذلك كان موفقاً سعيداً شاكراً نعمة الله وإذا عطل هذه الجملة أو استعملها لكن في مراعاة أعدائه وهي الشهوة والغضب وسائر الحظوظ العاجلة أو في عمارة طريقه دون منزله إذ الدنيا طريقه التي عليها عبوره ووطنه ومستقره الآخرة كان مخذولاً شقياً كافراً بنعمة الله تعالى مضيعاً لجنود الله تعالى ناصراً لأعداء الله مخذلاً لحزب الله فيستحق المقت والإبعاد في المنقلب والمعاد نعوذ بالله من ذلك

شقياً كافراً بنعمة الله تعالى مضيعاً لجنود الله تعالى ناصراً لأعداء الله مخذلاً لحزب الله فيستحق المقت والإبعاد في المنقلب والمعاد نعوذ بالله من ذلك وإلى المثال الذي ضربناه أشار كعب الأحبار حيث قال دخلت على عائشة ﵂ فقلت الإنسان عيناه هاد وأذناه قمع ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريد والقلب منه ملك // حديث عائشة الإنسان عيناه هاد وأذناه قمع ولسانه ترجمان الحديث أخرجه أو نعيم في الطب النبوي والطبراني في مسند الشاميين والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة ونحوه وله ولأحمد من حديث أبي ذر وأما الأذن فقمع وأما العين فمقرة لما يوعي القلب ولا يصح منها شيء فإذا طاب الملك طابت جنوده فقالت هكذا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول وقال علي ﵁ في تمثيل القلوب إن لله تعالى في أرضه آنية وهي القلوب فأحبها إليه تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها ثم فسره فقال أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان وهو إشارة إلى قوله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم وقوله تعالى مثل نوره كمشكاة فيها مصباح قال أبي بن كعب ﵁ معناه مثل نور المؤمن وقلبه وقوله تعالى أو كظلمات في بحر لجى مثل قلب المنافق وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى في لوح محفوظ وهو قلب المؤمن وقال سهل مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي فهذه أمثلة القلب بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته

ال زيد بن أسلم في قوله تعالى في لوح محفوظ وهو قلب المؤمن وقال سهل مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي فهذه أمثلة القلب بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته

اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف وهي الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق وغيره ومن حيث أنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى قل الروح من أمر ربي فإنه يدعى لنفسه الربوبية ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصص والاستبداد بالأمور كلها والتفرد بالرياسة والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق الأمور ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا نسب إلى الجهل والإحاطة بجميع الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية وفي الإنسان حرص على ذلك ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية فصار شريراً يستعمل التمييز في

استنباط وجوه الشر ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين وكل إنسان فيه شوب من هذه الأصول الأربعة أعني الربانية والشيطانية والسبعية والبهيمية وكل ذلك مجموع في القلب فكأن المجموع في إهاب الإنسان خنزير وكلب وشيطان وحكيم فالخنزير هو الشهوة فإنه لم يكن الخنزير مذموماً للونه وشكله وصورته بل لجشعه وكلبه وحرصه والكلب هو الغضب فإن السبع الضاري والكلب العقور ليس كلباً وسبعاً باعتبار الصورة واللون والشكل بل روح معنى السبعية الضراوة والعدوان والعقر وفي باطن الإنسان ضراوة السبع وغضبه وحرص الخنزير وشبقه فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر والسبع بالغضب إلى الظلم والإيذاء والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير وغيظ السبع ويغري أحدهما بالآخر ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكلب مقهوراً تحت سياسته فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم وإن عجز عن قهرها وقهروه واستخدموه فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ويرضى الكلب فيكون دائماً في عبادة كلب وخنزير وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر همتهم البطن والفرج ومنافسة الأعداء والعجب منه أنه ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة ولو كشف الغطاء عنه وكوشف بحقيقة حاله ومثل له حقيقة حاله كما يمثل للمكاشفين إما في النوم أو في اليقظة لرأى نفسه ماثلاً بين يدي خنزير ساجداً له مرة وراكعاً أخرى ومنتظراً لإشارته وأمره

حاله ومثل له حقيقة حاله كما يمثل للمكاشفين إما في النوم أو في اليقظة لرأى نفسه ماثلاً بين يدي خنزير ساجداً له مرة وراكعاً أخرى ومنتظراً لإشارته وأمره فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته انبعث على الفور في خدمته وإحضار شهوته أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابداً له مطيعاً سامعاً لما يقتضيه ويلتمسه مدققاً بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع في مسرة شيطانه فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما فليراقب كل عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعياً طول النهار في عبادة هؤلاء وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكاً والرب مربوباً والسيد عبداً والقاهر مقهروا إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء وقد سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طابعاً وريناً مهلكاً للقلب ومميتاً له أما طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والحرص والجشع والملق والحسد والحقد والشماتة وغيرها وأما طاعة كلب الغضب فتنتشر منها إلى القلب صفة التهور والبذالة والبذخ والصلف والاستشاطة والتكبر والعجب والاستهزاء والاستخفاف وتحقير الخلق وإرادة الشر وشهوة الظلم وغيرها وأما طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب فيحصل منها صفة المكر والخداع والحيلة والدهاء والجراءة والتلبيس والتضريب والغش والخب والخنا وأمثالها ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الربانية لاستقر في القلب من الصفات الربانية العلم والحكمة واليقين والإحاطة بحقائق الأشياء ومعرفة الأمور على ما هي عليه والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة واستحقاق التقدم على الخلق لكمال العلم وجلاله ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ولانتشر إليه

مور على ما هي عليه والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة واستحقاق التقدم على الخلق لكمال العلم وجلاله ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ولانتشر إليه

من ضبط خنزير الشهوة ورده إلى حد الاعتدال صفات شريفة مثل العفة والقناعة والهدو والزهد والورع والتقوى والانبساط وحسن الهيئة والحياء والظرف والمساعدة وأمثالها ويحصل فيه من ضبط قوة الغضب وقهرها وردها إلى حد الواجب صفة الشجاعة والكرم والنجدة وضبط النفس والصبر والحلم والاحتمال والعفو والثبات والنبل والشهامة والوقار وغيرها فالقلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه وهذه الآثار على التواصل واصلة إلى القلب أما الآثار المحمودة التي ذكرناها فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقاً ونوراً وضياءً حتى يتلألأ فيه جلية الحق وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله ﷺ إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظاً من قلبه (١) حديث من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ لم أجد له أصلا وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوباً عن الله تعالى وهو الطبع وهو الرين قال الله تَعَالَى كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كانوا يكسبون وقال ﷿ أن لو نشاء أصبناهم بذنبوهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون فربط عدم السماع بالطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى فقال تعالى واتقوا الله واسمعوا واتقوا الله ويعلمكم الله ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة

ي القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة قال ميمون بن مهران إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكته سوداء فإذا هو نزع وتاب صقل وإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه فهو الران وقد قال النبي ﷺ قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس (٢) حديث القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر الحديث أخرجه أحمد والطبراني في الصغير من حديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلبت عليه حكم له بها وفي رواية ذهبت به قال الله تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فأخبر أن جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف والكشف باب الفوز الأكبر وهو الفوز بلقاء الله تعالى

بيان مثل القلب بالإضافة إلى العلوم خاصة

اعلم أن محل العلم هو القلب أعني اللطيفة المدبرة لجميع الجوارح وهي المطاعة المخدومة من جميع الأعضاء وهي بالإضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات فكما أن للمتلون صورة ومثال تلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل بها كذلك لكل معلوم حقيقة ولتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب وتتضح فيها وكما أن المرآة غير وصور الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور فكذلك ههنا ثلاثة أمور القلب وحقائق الأشياء وحصول نفس الحقائق في القلب وحضورها فيه فالعالم عبارة عن القلب الذي فيه يحل مثال حقائق الأشياء والمعلوم عبارة عن حقائق الأشياء والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة وكما أن القبض مثلاً يستدعي قابضاً كاليد ومقبوضاً كالسيف ووصولاً بين السيف واليد بحصول السيف في اليد ويسمى قبضاً فكذلك وصول مثال المعلوم إلى القلب يسمى علماً وقد كانت الحقيقة موجودة والقلب موجودا ولم يكن العلم حاصلاً لأن العلم عبارة عن وصول الحقيقة إلى القلب كما أن السيف موجود واليد موجودة ولم يكن اسم القبض والأخذ حاصلاً لعدم وقوع السيف في اليد نعم القبض عبارة عن حصول السيف بعينه في اليد والمعلوم بعينه لا يحصل في القلب فمن علم النار لم تحصل عين النار في قلبه ولكن الحاصل حدها وحقيقتها المطابقة لصورتها فتمثيله بالمرآة أولى لأن عين الإنسان لا تحصل في المرآة وإنما يحصل مثال مطابق له وكذلك حصول مثال مطابق لحقيقة المعلوم في القلب يسمى علماً وكما أن المرآة لا تنكشف فيها الصورة لخمسة أمور أحدها نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل والثاني لخنثه وصدئه وكدورته وإن كان تام الشكل والثالث لكونه معدولاً به عن جهة الصورة إلى غيرها كما إذا كانت الصورة وراء المرآة والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة والخامس للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذى بها شطر الصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلى فيها حقيقة الحق في الأمور كلها وإنما خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة

ى بها شطر الصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلى فيها حقيقة الحق في الأمور كلها وإنما خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة أولها نقصان في ذاته كقلب الصبي فإنه لا ينجلى له المعلومات لنقصانه والثاني لكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه وإليه الإشارة بقوله ﷺ من قارف ذنباً فارقه عقل لا يعود إليه أبدا (١) ﴿حديث﴾ من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وقد تقدم في العلم

الثالث أن يكون معدولاً به عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن قلب المطيع الصالح وإن كان صافياً فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس محاذياً بمرآته شطر المطلوب بل ربما يكون متسوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو بتهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية الإلهية فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا عيوب النفس إن كان متفكراً فيها أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها وإذا كان تقييد الهم بالأعمال وتفصيل الطاعات مانعاً عن انكشاف جليه الحق فما ظنك فيمن صرف الهم إلى الشهوات الدنيوية ولذاتها وعلائقها فكيف لا يمنع عن الكشف الحقيقي الرابع الحجاب فإن المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوباً عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن فإن ذلك يحول بينه وبين حقيقة الحق ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد وهذا أيضاً حجاب عظيم به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السموات والأرض لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم ورسخت في قلوبهم وصارت حجاباً بينهم وبين درك الحقائق

بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السموات والأرض لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم ورسخت في قلوبهم وصارت حجاباً بينهم وبين درك الحقائق الخامس الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيباً مخصوصاً يعرفه العلماء بطرق الاعتبار فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب فتنجلى حقيقة المطلوب لقلبه فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تقتنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة بل كل علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين يأتلفا ويزدوجان على وجه مخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث على مثال ما يحصل النتاج من ازدواج الفحل والأنثى ثم كما أن من أراد أن يستنتج رمكة لم يمكنه ذلك من حمار وبعير وإنسان بل من أصل مخصوص من الخيل الذكر والأنثى وذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان وبينهما طريق في الازدواج يحصل من ازدواجهما العلم المستفاد المطلوب فالجهل بتلك الأصول وبكيفية الازدواج هو المانع من العلم ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة فيها بل مثاله أن يريد الإنسان أن يرى قفاه مثلاً بالمرآة فإنه إذا رفع المرآة بإزاء وجهه لم يكن قد حاذى بها شطر القفا فلا يظهر فيها القفا وإن رفعها وراء القفا وحاذاه كان قد عدل بالمرآة عن عينه فلا يرى المرآة ولا صورة القفا فيها فيحتاج إلى مرآة أخرى ينصبها وراء القفا وهذه في مقابلتها بحيث يبصرها ويراعى مناسبة بين وضع المرآتين حتى تنطبع صورة القفا في المرآة المحاذية للقفا ثم تنطبع صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين ثم تدرك العين صورة القفا فكذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة فيها ازورارات وتحريفات أعجب ما ذكرناه في المرآة يعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة في تلك الازورارات فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور وإلا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف

سباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور وإلا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف وإليه الإشارة بقوله ﷿ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السموات والأرض والجبال بها صار مطيقاً لحمل أمانة الله تعالى وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ولكن يثبطه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب التي ذكرناها ولذلك قال ﷺ كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه // حديث كل مولود يولد على الفطرة الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقول رسول الله

صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء (١) حديث ابن عمر أين الله قال في قلوب عباده المؤمنين لم أجده بهذا اللفظ وللطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني يرفعه إلى النبي ﷺ قال إن لله آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين الحديث فيه بقية بن الوليد وهو مدلس لكنه صرح فيه بالتحديث (٢) حديث قال الله ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع لم أر له أصلا وفي حديث أبي عتبة قبله عند الطبراني بعد قوله وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه ألينها وأرقها وفي الخبر أنه قيل يا رسول الله من خير الناس فقال كل مؤمن مخموم القلب فقيل وما مخموم القلب فقال هو التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غدر ولا غل ولا حسد (٣) ولذلك قال عمر ﵁ رأى قلبي ربي إذ كان قد رفع الحجاب بالتقوى ومن ارتفع الحجاب بينه وبين الله تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه فيرى جنة عرض بعضها السموات والأرض أما جملتها فأكثر سعة من السموات والأرض لأن السموات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة وهو وإن كان واسع الأطراف متباعد الأكناف فهو متناه على الجملة وأما عالم الملكوت وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بإدراك البصائر فلا نهاية له نعم الذي يلوح للقلب منه مقدار متناه ولكنه في نفسه وبالإضافة إلى علم الله لا نهاية له وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة تسمى الحضرة الربوبية لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى وأفعاله ومملكته وعبيده من أفعاله فما يتجلى من ذلك للقلب هي الجنة بعينها عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق ويكون سعة ملكه في الجنة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما تجلى له من الله وصفاته وأفعاله وإنما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه ﴿قد أفلح من زكاها﴾ ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه أعني إشراق نور المعرفة وهو المراد بقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه نعم هذا التجلي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب

Bagian 37 dari 86