أعلام النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الماوردي (w. 450 H).

Bagian 2 dari 6 232 halaman

— Bagian 2 · وروى أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول … —

Bagian 2

وروى أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ بعد صلاة العصر يقول: «أيها الناس إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» ، وأخذ في خطبته إلى أن قال: «لأعرفن رجلا منعته مهابة الناس أن يتكلم بحق إذا رآه وشهده» ثم قال: «وقد أزف غروب الشمس أن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منه كبقية يومكم هذا فيما مضى منه يوفى بكم سبعون أمة قد توفي تسع وستون وأنتم آخرها» فصارت هذه المدة القدرة في عمر الدنيا سبعة آلاف سنة متفقا عليها فيما تضمنته الكتب الإلهية ووردت به الأنباء النبوية مع ما سلك به الموافق من تسيير الكواكب السبعة، وإن كان المعول في المغيب على الأنباء الصادقة الصادرة عن علام الغيوب الذي لم يشرك في غيبه إلا من أطلعه عليه من رسله فخلق العالم في ستة أيام ابتداؤها يوم الأحد وانقضاؤها يوم الجمعة «٤» . واختلف أهل الكتب السالفة وأهل العلم في شرعنا فيما ابتدى بخلقه على ثلاثة أقاويل: أحدها: وهو قول طائفة أنه بدأ بخلق الأرض في يوم الأحد والاثنين لقول الله تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ «٥» وخلق الجبال في يوم الثلاثاء، وخلق الماء والشجر في يوم الأربعاء، وخلق السماء في يوم الخميس، وخلق الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم في يوم الجمعة. قال الشعبي: ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق كل شيء. والثاني: وهو قول فريق أنه بدأ بخلق السموات قبل الأرض في يوم الأحد والاثنين لقول الله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها «٦» في ثلاثة أوجه:

ات قبل الأرض في يوم الأحد والاثنين لقول الله تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها «٦» في ثلاثة أوجه:

أحدها: أسكن في كل سماء ملائكتها. والثاني: خلق في كل سماء ما أودعه فيها من شمس وقمر ونجوم. والثالث: أوحى إلى أهل كل سماء من الملائكة ما أمرهم به من العبادة ثم خلق الأرض والجبال في يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق ما سواهما من العالم في يوم الخميس والجمعة. والثالث: وهو قول آخرين أنه خلق السماء دخانا قبل الأرض ثم فتقها سبع سموات بعد الأرض لقول الله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً «٧» فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أي أعطيا الطاعة في السير المقدر لكما باختيار أو إجبار قاله سعيد ابن جبير. والثاني: أخرجا ما فيكما طوعا أو كرها. والثالث: كونا كما أردت أن تكونا، وفي قولهما ذلك وجهان: أحدهما: أن ظهور الطاعة منهما قام مقام قولهما. والثاني: أنه خلق فيهما كلاما نطق بذلك. قال أبو النضر السكسي: فنطق من الأرض موضع الكعبة ونطق من السماء «٨» بحيالها فوضع الله فيها حرمة.

خلق الله سبحانه لآدم فأما آدم فهو آخر ما خلق الله تعالى في يوم الجمعة، خلقه من تراب الأرض ونفخ في أنفه من نسمة الحياة، فهو أنفس من كل ذي حياة. روى أبو زاهر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض» فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر

فهو أنفس من كل ذي حياة. روى أبو زاهر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض» فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر

والأبيض والأسود بين ذلك والحزن والخبيث والطيب بين ذلك وفي تسميته بآدم قولان: أحدهما: إنه اسم عبراني نقل إلى العربية. والقول الثاني: أنه اسم عربي وفيه قولان: أحدهما: أنه سمي بذلك لأنه خلق من أديم الأرض وأديمها أوجهها. والثاني: أنه سمي بذلك لاشتقاقه من الأدمة وهي السمرة فلما تكامل خلق آدم استوحش فخلق له حوّاء واختلف فيما خلقت منه على قولين: أحدهما: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم وهذا قول تفرد به ابن بحر «٩» . والقول الثاني: وهو ما عليه الجمهور أنه خلقها من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا. قال ابن عباس: فلذلك تواصلا ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء وفي تسميتها حواء قولان: أحدهما: لأنها خلقت من حي والثاني لأنها أم كل حي، فقال آدم لما خلقت منه حوّاء هذا الشخص عظمه من عظمي ولحمه من لحمي فلذلك صار الرجل والمرأة كجسد واحد من شدة الميل وفضل الحنو قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها «١٠» يعني حوّاء فروى عن النبي ﷺ أنه قال: «خلق الرجل من التراب وخلقت المرأة من الرجل» فهمها في الرجل واختلف في الوقت الذي خلقت فيه حوّاء على قولين:

ا «١٠» يعني حوّاء فروى عن النبي ﷺ أنه قال: «خلق الرجل من التراب وخلقت المرأة من الرجل» فهمها في الرجل واختلف في الوقت الذي خلقت فيه حوّاء على قولين:

أحدهما: أنها خلقت منه في الجنة بعد أن استوحش من وحدته وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والقول الثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة ثم أدخلا معا إليها وهو أشبه بقول الله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ «١١» . قال ابن عباس خلق آدم يوم الجمعة وأدخل الجنة يوم الجمعة وأخرج منها يوم الجمعة وفيها تقوم الساعة واختلف في الجنة التي أسكنها على قولين: أحدهما: أنها جنة الخلد. والقول الثاني: أنها جنة أعدها الله تعالى لهما دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء وفيها على هذا قولان: أحدهما: أنها في السماء لأنه أهبطهما منها. والقول الثاني: أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالأمر والنهي واختلف في الشجرة التي نهيا عن أكلها فقيل أنها شجرة الخلد وقيل أنها شجرة العلم وفي هذا العلم قولان: أحدهما: علم الخير والشر. والثاني: علم ما لم يعلم وقيل في الشجرة غير ذلك من الأقاويل فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما بالمعصية وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة قال الله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها «١٢» حين بعثهما على أكل الشجرة فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ «١٣» وفيه تأويلان: أحدهما: عما كانا فيه من الطاعة إلى ما صارا إليه من المعصية. والثاني: عما كانا فيه من النعيم في الجنة إلى ما صارا إليه من النكد في

الأرض فحزن آدم حين أهبط إلى الأرض وبقي في حزنه مائة سنة لا يقرب فيه حوّاء، ثم غشيها فولدت له بعد المائة قابيل ثم غشيها فولدت له هابيل فقتل هابيل قابيل فحزن آدم لذلك حزنا شديدا وقيل أنه جعل حزنه جزاء على معصيته في الأكل وقد يصاب الآباء في أولادهم من أجل معاصيهم ثم خف حزنه فغشى حوّاء فولدت له شيثا وعلم آدم الأسماء كلها كما ذكره الله تعالى في كتابه وفيما علمه من الأسماء قولان: أحدهما: علم النجوم قاله حميد. الثاني: أنها أسماء مسميات وفيها أقاويل: أحدها: أسماء الملائكة قاله الربيع بن أنس. والثاني: أسماء جميع ذريته قاله عبد الرحمن بن زيد. والثالث: أسماء جميع الأشياء وفيه على هذا قولان: أحدهما: أن تعليمه كان مقصورا على الأسماء دون معانيها. والثاني: أنه علمه الأسماء ومعانيها لأنه لا فائدة في علم الأسماء بلا معان لأن المعاني هي المقصودة والأسماء دلائل عليها.

آدم وأبناؤه ولما هبط آدم إلى الأرض قيل أنه أهبط إلى شرقي أرض الهند وحوّاء بجدة وإبليس على ساحل نهر الابلة والحية في البرية وكانت نبرة آدم مقصورة عليه وما نزل عليه من الوحي متوجها إليه فكان من المصطفين دون المرسلين واختلف فيه أهل الكتاب هل خلق في ابتدائه قابلا للموت أو جعل الموت عقوبة له على معصيته. فقال بعضهم: خلق آدم في ابتداء نشأته على الطبيعة الباقية والطبيعة الميتة ليكون إن مال إلى الشهوات الجسمانية وآثرها وقع في التغايير الجسمانية وناله الموت، وإن آثر فضائل النفس الأمارة بالخير نال البقاء الذي سعدت به الملائكة فلم يمت فلما عصى بأكل الشجرة عدل إلى التغايير فناله الموت

الجسمانية وناله الموت، وإن آثر فضائل النفس الأمارة بالخير نال البقاء الذي سعدت به الملائكة فلم يمت فلما عصى بأكل الشجرة عدل إلى التغايير فناله الموت

واستشهدوا عليه من التوراة بما ذكر فيها أنك إن أكلت من الشجرة يوم تأكل منها فموتا تموت فلم يجز أن يتوعده بالموت عند معاقبته وهو يموت لو لم يعاقب. وقال آخرون منهم وهو أشبه بمقتضى العقول أنه خلق في ابتداء إنشائه قابلا للموت في الدنيا وإن لم يعص لأنه أحوجه إلى الغذاء كذريته وليس شيء من الجواهر التي لا ينالها الموت محتاجة إلى الغذاء ولم يجعل الموت عقوبة على المعصية ولذلك لم يمت من عصى من الملائكة وإن في التوراة «١٤» مكتوبا أن مد يده في الجنة إلى شجرة الحياة وأكل منها حيي الدهر كله فدل على أنه مطبوع على قبول الموت ولما خلق الله تعالى آدم ابتداء ولم يخلقه بتوسط طبيعة كما خلق نسله كان على أفضل اعتدال وأكمل عقل فصار قلبه معدنا للحكمة الإنسانية وجسده مهيأ للأفعال البشرية فلم يمتنع عليه شيء منها حتى أحاط علما وقدرة بجميعها ولذلك علم الأسماء كلها وألهم الحكمة باسرها واطلع على أسرار النجوم وعملها وعرف منافع الحيوان والنبات ومضارها، ولولا ذلك لما فرق بين الغذاء والدواء ولا بين السموم القاتلة ولا اهتدى بالنجوم في بر ولا بحر وكان هو المدبر لأولاده مدة حياته حتى مات بعد تسعمائة وثلاثين سنة من عمره «١٥» ، ثم قام بالأمر من بعده شيث ابن آدم فبرع في الحكمة وفاق في علم النجوم بما أخذه عن أبيه آدم وبما استفاده بالتجربة ومرور الزمان. واختلف أهل الكتاب في نبوة شيث فادعاها بعضهم وأنكرها آخرون منهم وولد بعد مائتين وثلاثين سنة من عمر أبيه آدم «١٦» ومات وله تسعمائة واثنتا عشرة سنة «١٧» فكان قيامه بالأمر بعد موت آدم مائتين وإثنتي عشرة سنة واتفق أهل الكتاب أنه لم يكن بين شيث وادريس نبي غير ادريس تم قام بالأمر بعد شيث ولده أنوش بن شيث، وكان مولده بعد مائتين وخمسين سنة من عمر شيث

شرة سنة واتفق أهل الكتاب أنه لم يكن بين شيث وادريس نبي غير ادريس تم قام بالأمر بعد شيث ولده أنوش بن شيث، وكان مولده بعد مائتين وخمسين سنة من عمر شيث

ومات أنوش وله تسعمائة وخمسون سنة فكان قيامه بالأمر بعد شيث مائتين وثماني وثمانين سنة. ثم قام بالأمر بعد أنوش ولده قينان بن أنوش وولد بعد مائة وتسعين سنة من عمر أنوش ومات قينان وله تسعمائة وعشرون سنة فكان قيامه بالأمر بعد أنوش مائة وتسعين سنة. ثم قام بالأمر بعد قينان ولده معلاييل وولد بعد ثمانمائة وخمس وسبعين سنة فكان قيامه بالأمر بعد قينان مائة وعشر سنين. ثم قام بالأمر بعد مهلاييل ولده يارد بن مهلاييل، وولد بعد مائة وخمس وستين سنة من عمر مهلاييل، ومات يارد وله تسعمائة وإثنان وستون سنة فكان قيامه بالأمر بعد مهلاييل مائتين وإثنين وخمسين سنة. ثم قام بالأمر بعد يارد ولده أخنوخ بن يارد وهو ادريس، وولد بعد مائة وإثنين وستين سنة من عمر يارد «١٨» وهو نبي في قول جميع أهل الملل، واختلف أهل الكتاب هل هذا هو أول الأنبياء أو ثانيهم، فقال من زعم أن شيثا نبي هو ثاني الأنبياء. وقال من زعم أن شيثا ليس بنبي أن ادريس أول الأنبياء وهو أول من شرع الأحكام وأول من اتخذ السلاح وجاهد في سبيل الله تعالى وسبي وقتل بني قابيل ولبس الثياب وكانوا يلبسون الجلود وأول من كتب الخط في قول الأكثرين وأول من وضع الأوزان والكيول ثم رفعه الله تعالى إليه حيا بعد سبعمائة وخمس وثمانين سنة من عمره أقام فيها داعيا وأبوه حي على ما يقتضيه تاريخ هذه المواليد والأعمار المأخوذة من التوراة المنزلة «١٩» قال ابن قتيبة وسمي ادريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله تعالى وسنن الإسلام.

من إدريس إلى عيسى ﵉ ثم كثر الناس فافترقوا بعد ادريس وزادوا إلى زمن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو ادريس وهو آخر نبي بعث قبل الطوفان على قول من زعم أن شيثا نبي ونزل الطوفان بعد ستمائة سنة «٢٠» من عمره وأنذر قومه فكذبوه وصنع السفينة فسخروا منه وأمره الله تعالى أن يصنعها في طول ثلاثمائة ذراع وعرض خمسين ذراعا وعلو ثلاثين ذراعا وتكون ثلاث طبقات ليركب فيها هو وأهله ويأخذ من كل جنس من الحيوان زوجين ذكرا وأنثى ليكونوا أصولا لنسلهم فيحيا بهم العالم ثم وعده أن يستمطره بعد سبعة أيام أربعين يوما وأربعين ليلة فلم يبق في الأرض ذو روح إلّا من ركبها وغاض الطوفان بعد مائة وخمسين يوما «٢١» فاستوت على الجودي وهو جبل بأرض الجزيرة شهرا وسمي الماء طوفانا لأنه طفا فوق كل شيء. واختلف فيما عاش نوح بعد الطوفان فقال الأكثرون ثلاثمائة وخمسين سنة وهو ظاهر ما نزل به القرآن وقال آخرون ستمائة وخمسون سنة لأنه لبث تسعمائة وخمسين سنة داعيا لقومه وكان له قبل دعائه ثلاثمائة سنة واختلف فيما بين هبوط آدم من الجنة إلى مجيء الطوفان فقال إثنان وسبعون حبرا من بني إسرائيل نقلوا التوراة إلى اليونانية بينهما ألفان ومائتان وإثنتان وأربعون سنة ثم تبلبلت الألسن بعد الطوفان بستمائة وسبعين سنة فافترق إثنان وسبعون لسانا في اثنتين وسبعين أمة. قال وهب بن منبه منها في ولد سام بن نوح تسعة عشر لسانا، وفي ولد حام سبعة عشر لسانا. وفي ولد يافث ستة وثلاثون لسانا من تبلبل الألسن إلى مولد إبراهيم الخليل ﵇ أربعمائة وأحد عشر سنة ومن مولد إبراهيم إلى موسى بن عمران ﵇ أربعمائة وخمس وعشرون سنة وأخرج بني إسرائيل من مصر بعد ثمانية سنة ودبر أمرهم أربعين سنة ومات وله مائة

حد عشر سنة ومن مولد إبراهيم إلى موسى بن عمران ﵇ أربعمائة وخمس وعشرون سنة وأخرج بني إسرائيل من مصر بعد ثمانية سنة ودبر أمرهم أربعين سنة ومات وله مائة

وعشرون سنة فصار من هبوط آدم إلى وفاة موسى ثلاثة آلاف وثمانمائة وثماني وستين سنة «٢٢» وقال آخرون من بني إسرائيل المقيمين على التوراة العبرانية التي يتداولها جمهور اليهود في وقتنا إن من هبوط آدم من الجنة إلى مجيء الطوفان ألفا وستمائة وستا وخمسين سنة، ومن انقضاء الطوفان إلى تبلبل الألسن مائة وإحدى وثلاثين سنة، ومن تبلبل الألسن إلى مولد إبراهيم مائة وإحدى وستين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى وفاة موسى خمسمائة وخمسا وأربعين سنة، فصار من هبوط آدم إلى وفاة موسى ألفين وأربعمائة وثلاثا وتسعين سنة. وقالت السامرة من اليهود عن تاريخ توراتهم أن من هبوط آدم من الجنة إلى مجيء الطوفان ألفا وثلثمائة وسبعا وستين سنة، ومن الطوفان إلى تبلبل الألسن خمسمائة وستا وعشرين سنة، ومن تبلبل الألسن إلى مولد إبراهيم أربعمائة وإحدى عشرة سنة، ومن مولد إبراهيم إلى وفاة موسى خمسمائة وإحدى وأربعين سنة، فصار من هبوط آدم إلى وفاة موسى ألفين وثمانمائة وتسعا وأربعين سنة. وأول نبي بعد نوح إبراهيم، وهو أول من قص شاربه واستحد واختتن وقلم أظفاره واستاك وتمضمض واستنشق واستنجى بالماء، وأول من أضاف الضيف وأطعم المساكين وثرد الثريد. وكان داعيا إلى عبادة الله تعالى وتوحيده. ثم ولده إسحاق بن إبراهيم، ولد له عيصو ويعقوب توأمين في بطن واحد فخرج عيصو ثم خرج بعده يعقوب ويده عالقة على عقبه فسمي يعقوب. فعيصو أبو الروم وكان أصفر اللون فلذلك سميت الروم بني الأصفر. ويعقوب هو إسرائيل أبو الأسباط. وأيوب بن بولص كان أبوه ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق وكان في زمن يعقوب وكان صهره زوجه يعقوب بنته ليا وهي التي ضربها بالضغث.

عقوب هو إسرائيل أبو الأسباط. وأيوب بن بولص كان أبوه ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق وكان في زمن يعقوب وكان صهره زوجه يعقوب بنته ليا وهي التي ضربها بالضغث.

وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وكانت نبوة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ومن بعده من ولده قبل موسى مقصورة على أنفسهم حتى دعا موسى إلى نبوّته بني إسرائيل ومن وفاة موسى إلى ملك بختنصر تسعمائة وثمان وسبعون سنة، وإلى ملك الاسكندر ألف وأربعمائة وثلاث عشرة سنة. وولد عيسى ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من كانون الأول لسبعمائة وتسع وثلاثين سنة من ملك بختنصر ولثلاثمائة وأربع سنين من ملك الاسكندر. ومن ملك بختنصر إلى ابتداء الهجرة ألف وثلثمائة وتسع وستون سنة، ومن ملك الاسكندر إلى ابتداء الهجرة ألفان وثلثمائة وسبع وأربعون سنة فكان بين موت موسى وابتداء الهجرة ألفان وثلثمائة وسبع وأربعون سنة ومولد عيسى بعد ألف وسبعمائة وسبع عشرة سنة من موت موسى وقيل بعد ستمائة وثلاثين سنة من ابتداء الهجرة.

فصل في عمر الدنيا إلى قيام الساعة فإذا تقرر ما ذكرناه من مدة الدنيا أنها مقدرة في الكتب الإلهية بسبعة آلاف سنة كان الماضي منها إلى ابتداء الهجرة محمولا على ما قدمناه من اختلاف أهل التوراة فيكون على القول الأول المأخوذ عن الأحبار الناقلين لها إلى اليونانية ستة آلاف ومائتين وست عشرة سنة والباقي من عمر الدنيا على قولهم بعد الهجرة سبعمائة وأربعا وثمانين سنة وهو موافق لقول رسول الله ﷺ: «الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها ألفا» «٢٣» ويكون الماضي منها على القول الثاني المأخوذ عن التوراة العبرانية أربعة آلاف وثمانمائة وإحدى وأربعين سنة والباقي من عمر الدنيا على هذا القول بعد الهجرة ألفين ومائة وتسعا وخمسين سنة وقيل أنهم قالوا ذلك ليكون رسول الله ﷺ في خامسها ألفا فيدفعوه بنقصان التاريخ

عن صفته في التوراة أنه مبعوث في آخر الزمان ويكون الماضي على القول الثالث في توراة السامرة خمسة آلاف ومائة وسبعا وثلاثين سنة والباقي من عمر الدنيا على هذا القول بعد الهجرة ألفا وثمانمائة وثلاثا وثلاثين سنة ليكون الرسول في سادسها ألفا لما قيل من سنيه. والسامرة قوم ناقلة من بلاد المشرق سموا بذلك لأن تفسيره بالعربية الحفظة وهم لا يقبلون من كتب الأنبياء إلّا التوراة وحدها والأول لأجل قول الرسول بالأشبه وإن كان قيام الساعة وانقراض مدة الدنيا وقيام العالم على هذا التاريخ الذي أثبتوه والتقدير الذي حققوه مدفوعا عندنا بقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ «٢٤» وفيه تأويلان: أحدهما: أن قيامها مختص بعلمه فامتنع أن يشاركه في علمها أحد من خلقه. والثاني: أن قيامها موقوف على إرادته فامتنع أن يوقف على غير إرادته. وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً «٢٥» يعني فجأة والبغتة غير معلومة فامتنع أن تكون عندهم معلومة ثم قال: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها «٢٦» وفيه وجهان: أحدهما: نبوة محمد ﷺ وهذا يدل على أنه مبعوث في آخرها ألفا. والثاني: أن أشراطها الآيات المنذرة بها كما قال: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً «٢٧» فلا تقوم الساعة إلّا بعد أن ينذر الله تعالى بآياتها. روى سفيان بن عيينة، عن فرار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسد

ُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً «٢٧» فلا تقوم الساعة إلّا بعد أن ينذر الله تعالى بآياتها. روى سفيان بن عيينة، عن فرار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسد

الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من علية ونحن نتذاكر أمر الساعة قال: «ما كنتم تذاكرون» ؟ قلنا: قيام الساعة. قال: «إن الساعة لن تقوم حتى يكون قبلها عشر آيات» . قال لا يدرى بأيهن بدأ طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان ودابة الأرض ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من قبل اليمن أو من عدن تطرد الناس إلى محشرهم. وروى برد عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال في الثمانين فإن لم يخرج ففي ثمانين ومائتين فإن لم يخرج ففي ثلاثمائة وثمانين فإن لم يخرج ففي أربعمائة وثمانين» . وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: «يقيم فيكم أربعين سنة «٢٨» أول سنة كالشهر ثم الثانية كالجمعة ثم الثالثة كاليوم وسائر سنيه كالساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم فيوجره بالحربة فيذوب كما يذوب الرصاص وفي هذا دليل على تقدم يأجوج ومأجوج الدجال وآخرها الذي تقوم به الساعة ظهور النار والله أعلم بمن استأثر بغيبه ثم من أطلعه عليه من رسله» .

ما بين موسى وعيسى ﵉ من الأنبياء وبين موسى وعيسى ﵉ من الأنبياء: شعيا وهو الذي بشر بني إسرائيل بنبوّة محمد ﷺ ووصفه بعد أن بشر بعيسى فقتله بنو إسرائيل. ثم حزقيل وهو الذي أصاب قومه الطاعون فخرجوا من ديارهم حذر

بياء: شعيا وهو الذي بشر بني إسرائيل بنبوّة محمد ﷺ ووصفه بعد أن بشر بعيسى فقتله بنو إسرائيل. ثم حزقيل وهو الذي أصاب قومه الطاعون فخرجوا من ديارهم حذر

الموت فأماتهم الله ثم أحياهم. ومنهم: دانيال سباه بختنصر مع العزير ونزل من بختنصر أفضل منزل لرؤيا عبرها له وقبره بناحية السوس وجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفنه وصلى عليه ودفنه. ومنهم: إلياس بعث إلى أهل بعلبك وكانوا يعبدون صنما يقال له بعل وكان ملكهم اسمه أجب وامرأته أزبيل وكان يستخلفها على ملكه وهي بنت ملك سبأ وعمرت عمرا طويلا وتزوجها سبعة من ملوك بني إسرائيل وهي التي قتلت يحيى بن زكريا ﵉ ثم رفع الله تعالى إلياس. ثم اليسع كان تلميذ إلياس فدعا له إلياس فنبأه الله بعده. ثم يونس بن متى. ثم زكريا قتله بنو إسرائيل في الشجرة. ثم عيسى ويحيى فأما يحيى فإن أجب الملك قتله بحيلة امرأته أزبيل وأما عيسى فإن أمه هربت به من أجب الملك إلى مصر وعاد به يوسف النجار مع أمه إلى قرية تدعى ناصرة فلذلك قيل لأصحابه نصارى لأنهم سموه عيسى الناصري. وأصحاب الكهف، هم فتية من الروم دخلوا الكهف قبل المسيح عيسى وضرب الله على آذانهم فيه فلما بعث المسيح أخبر بخبرهم ثم بعثهم الله تعالى بعد المسيح في الفترة بينه وبين النبي ﷺ وجرجيس من أهل فلسطين أدرك بعض الحواريين وبعث إلى ملك الموصل. فأما لقمان فكان عبدا حبشيا لرجل من بني إسرائيل وكان في زمن داود واسم أبيه ثاران واختلف في نبوته فزعم الأكثرون أنه لم يكن نبيا وقال سعيد بن المسيب كان نبيا وكان خياطا. وذو الكفل من بني إسرائيل بعث إلى ملك كان فيهم يقال له كنعان دعاه إلى الإيمان وكفل له الجنة وكتب له كتابا وسمي ذا الكفل لذلك.

يب كان نبيا وكان خياطا. وذو الكفل من بني إسرائيل بعث إلى ملك كان فيهم يقال له كنعان دعاه إلى الإيمان وكفل له الجنة وكتب له كتابا وسمي ذا الكفل لذلك.

وذكر وهب بن منبه أن الأنبياء كلهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي الرسل منهم ثلاثمائة نبي وخمسة عشر نبيا. منهم خمسة عبرانيون آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم «٢٩» . وخمسة من العرب هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد ﷺ. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: بعث الله إلى أهل الرس والرس البر نبيا منهم يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فأوحى الله تعالى إلى نبي كان مع بختنصر يقال له أرميا بن برخيا مر بختنصر يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فيقتلهم بما صنعوا بنبيهم وخالد بن سنان روى أن رسول الله ﷺ قال ذاك نبي أضاعه قومه وذلك أنه قال لقومه ادفنوني فإذا جاءت الظباء بعد ثلاث فاخرجوني فسأنبئكم بما أمرت، فجاءت الظباء إلى قبره بعد ثلاث فلم يخرجوه وقالوا تتحدث العرب عنا إنا نبشنا موتانا وأتت بنته رسول الله ﷺ فسمعته يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٣٠» فقالت قد كان أبي يقرأ هذا ولا يضبط ذكر من سلف من الأنبياء وقول الله تعالى لنبيه ﷺ: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ «٣١» والله تعالى أعلم.

الباب السادس في إثبات نبوة محمد ﷺ الكلام في إثبات نبوته يتقرر مع المعترفين ببعثة الرسل لأن منكريها يعمون الجميع بها ويدفعون كل مدع لها والكلام معهم قد قدمناه في إثبات النبوات على العموم. فأما نبوة محمد ﷺ فقد اختلف فيها مخالفوه من مثبتي النبوات على أقوال شتى فمنعت اليهود من نبوته لامتناعهم من نسخ الشرع واختلفوا في المانع من نسخة فمنع منه بعضهم بالعقل لأن نهى الله تعالى عما أمر به وأمره بما نهى عنه إنما يكون لخفاء المصلحة عليه في الابتداء وظهورها له في الانتهاء والله تعالى عالم بها في الحالتين لتباين الضدين، ومنع منه بعضهم بالشرع وإن جوزوه في العقل بما نقلوه عن موسى ﵇ وذكروه في التوراة أنه قال تمسكوا بالسبت أبدا سنة الدهر وكلا الوجهين فاسد من وجهين: أحدهما: أن العقل لا يمنع من الأمر بالشيء في زمان والنهي عنه في غيره بحسب المصلحة في قول من اعتبرها أو بالإرادة في قول من اعتمدها، ولا يكون مستقبحا من فعل حكيم كما يغني من أفقر ويفقر من أغنى إما للمصلحة أو بالإرادة، ولا يكون ذلك منه لاستبهام المصلحة وأشكال الإرادة. والثاني: أن موسى قد نسخ شرع من تقدمه لأن آدم زوج بنيه بناته وجوّز يعقوب الجمع بين الأختين ونكح إبراهيم بنت أخيه وكل هذا عند موسى منسوخ

شكال الإرادة. والثاني: أن موسى قد نسخ شرع من تقدمه لأن آدم زوج بنيه بناته وجوّز يعقوب الجمع بين الأختين ونكح إبراهيم بنت أخيه وكل هذا عند موسى منسوخ

بشرعه فجاز أن ينسخ شرعه بشرع غيره. وقال آخرون محمد ﷺ نبي مبعوث إلى قومه من العرب وليس بنبي لغيرهم وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه تخصيص بغير دليل. والثاني: أن ثبوت نبوّته في قومه موجب لصدقه. وقد قال أنه بعث إلى كافة الخلق وأنه خاتم الأنبياء فلم يجز رد قوله مع ثبوت صدقه. وقال آخرون هو نبي مبعوث إلى من لم يتمسك بشرع من عبد الأوثان وليس بمبعوث إلى من تمسك بشرع من اليهود والنصارى وهذا فاسد من وجهين مع الوجهين المتقدمين: أحدهما: أنه يدفع به عن نسخ الشرع وقد دللنا على جوازه. والثاني: ان من اعترف بالنبوات كان ألزم له من جحدها. وقال آخرون: ليس بنبي لأنه لم يأت بمعجزة قاهرة يضطر إلى صدقه كمعجزة موسى وعيسى وإن جاز نسخ الشرائع بمثلها من الشرائع وفي هذا يتعين إقامة الدليل على إثبات نبوّته وهو معتبر بثلاثة شروط: أحدها: وصنف المستدل. والثاني: حكم المدلول عليه. والثالث: صفة الدليل. فأما الشرط الأول: في صفة المستدل فقد اختلف فيه، فذكر الجاحظ أنه العقل لأنه المميز للحق، وقال الأكثرون المستدل هو العاقل والعقل آلة استدلاله ليتوصل به إلى صحة مدلوله. وأما الشرط الثاني: ففي حكم المدلول عليه، فعند فريق أنه إثبات نبوته ليعلم بها صدق قوله وعند الأكثرين أنه إثبات صدقه ليعلم بقوله صحة نبوته. وأما الشرط الثالث: وهو الدليل فحجاج يتنوع أنواعا لأن المستدل واحد والمدلول عليه واحد والدليل يشتمل على أعداد متنوعة وشواهد مختلفة فرّق الله

ة نبوته. وأما الشرط الثالث: وهو الدليل فحجاج يتنوع أنواعا لأن المستدل واحد والمدلول عليه واحد والدليل يشتمل على أعداد متنوعة وشواهد مختلفة فرّق الله

تعالى بينهما لتكون الحجج متغايرة والبراهين متناظرة بحسب ما علمه من المصلحة ورآه من أسباب الإجابة، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ «١» أي نخالف بينها في المعجزات فكان بعضها حجة قاطعة وبعضها أمارة لائحة تجري عليها أحكام ما قاربها، فتقوى بعد الضعف وتحج بعد الكشف وإن لم تكن للإنذار بانفرادها من قواطع الحجج المغنية عن دليل، فهذا القول في نبوّة غيره فلا يلزم تطابق حججهم كما لم يلزم اتفاق شرائعهم وقد قدمنا أقسام المعجزات فإذا ظهرت إحداهن حجت ودلت على صحة النبوة وقد ظهر في نبوّة محمد ﷺ أكثرها مع ما تقدمها من إنذار وظهر بها من آثار وتحقق بها من أخبار فصارت أعم النبوات إعجازا وأوضحها طريقة وامتيازا وأكثرها تأييدا إليها وتعبدا شرعيا تقهر شواهدها من باين وعاند وتحج دلائلها من ناكر وجاحد لأن المهيأ منه مطبوع على آلته ومنقاد إلى غايته حتى يتدرج إليه بغير تكلف ويستقر فيه بغير تصنع فلا يشتبه من تعاطاه بمن طبع له فصح التطبع بشيمة المطبوع ولم تزل أمارات النبوّة لائحة في رسول الله ﷺ حين تدرج إليها وهو غافل عنها وغير متصنع لها فنهض بأعبائها حين أتته وقام بحقوقها حين لزمته غير ذاهل فيها ولا عاجز عنها إلى أن تكامل به الشرع فتم على أصل مستقر وقياس مستمر لا يدفعه عقل ولا يأباه قلب ولا تنفر منه نفس، وهذا وهو أميّ لم يقرأ كتابا ولا اكتسب علما فأوضح كل ملتبس وبيّن كل مشتبه حتى رجع كثير من الملل إلى شريعته في علم ما قصروا عنه من حقوق وعقود استوعب أقسامها وبيّن أحكامها، وما ذاك إلّا بعون إلهي وتأييد لاهوتي وحسبك بهذا شاهدا لو اقتصرنا عليه وحجابا لو اكتفينا به، ولكن سنذكر من معجزاته الفاخرة وبراهينه الواضحة ما يرد كل جاحد ويصد كل معاند من أنواع متغايرة وأخبار متواترة وآثار متظاهرة يصدق بعضها بعضا ليكون تغايرها جامعا لكل برهان وتظاهرها دافعا لكل بهتان، فمنها ما تقدمه من نذير وبشير، ومنها ما تعقبه من تغيير وتأثير،

ة وآثار متظاهرة يصدق بعضها بعضا ليكون تغايرها جامعا لكل برهان وتظاهرها دافعا لكل بهتان، فمنها ما تقدمه من نذير وبشير، ومنها ما تعقبه من تغيير وتأثير، ومنها ما قارنه من أقوال وأفعال صدرت منه وإليه فلم

يبق من الآيات ما أخل به ولا من الأعلام ما قصر فيه، وسنذكرها أبوابا مفصلة وأنواعا متميزة لتكون أصح بيانا وأوضحها برهانا وأحقها بالسابقة والتقديم إعجاز القرآن لأنه أصل شرعته ومستودع رسالته ثم نتلوه بما يقتضيه وإن كان لو ذكرناه أول مباديه على سياق ينتهي إلى غايته لكان نظاما ولكن هذا باب حجاج لرسالته وليس بشرح لسيرته فوجب ابتداؤه بأخصها ثم ذكر سيرته على ترتيبها.

الباب السابع فيما تضمنه القرآن من أنواع الإعجاز والقرآن أول معجز دعا به محمد ﷺ إلى نبوته فصدع فيه برسالته وخص بإعجازه من جميع رسله وإن كان كلاما ملفوظا وقولا محفوظا لثلاثة أسباب صار بها من أخص إعجازه وأظهر آياته: أحدها: أن معجز كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر في ناس دهره، لأن موسى ﵇ حين بعث في عصر السحرة خص من فلق البحر يبسا وقلب العصا حية ما بهر كل ساحر وأذل كل كافر، وبعث عيسى ﵇ في عصر الطب فخص من إبراء الزمنى «١» وإحياء الموتى بما أدهش كل طبيب وأذهل كل لبيب، ولما بعث محمد ﷺ في عصر الفصاحة والبلاغة خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء وأذعن له البلغاء وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر والتقصير فيه أظهر فصارت معجزاتهم وإن اختلفت متشاكلة المعاني متفقة العلل. والثاني: أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم وكان في بني إسرائيل من قوم موسى وعيسى بلادة وغباوة لأنه لم ينقل عنهم ما يدرون من كلام مستحسن أو يستفاد من معنى مبتكر وقالوا لنبيهم حين

مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فخصوا من الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم والعرب أصح الناس أفهاما وأحدّهم أذهانا قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ومن المعاني أغربها ومن الآداب أحسنها فخضوا من معجزة القرآن بما تجول فيه أفهامهم وتصل إليه أذهانهم، فيدركوه بالفطنة دون البديهة وبالرويّة دون البادرة لتكون كل أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها ويوافق فهمها. والثالث: أن معجز القرآن أبقى على الأعصار «٢» وأنشر في الأقطار من معجز يختص بحاضره ويندرس بانقراض عصره وما دام إعجازه فهو أحج وبالاختصاص أحق.

وجوه الإعجاز

ث: أن معجز القرآن أبقى على الأعصار «٢» وأنشر في الأقطار من معجز يختص بحاضره ويندرس بانقراض عصره وما دام إعجازه فهو أحج وبالاختصاص أحق.

وجوه الإعجاز

الإعجاز في التركيب اللغوي وإعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر وإضافته إلى الله تعالى يكون من عشرين وجها أحدها فصاحته وبيانه وذلك معتبر بثلاثة شروط: أحدها: بلاغة ألفاظه. والثاني: استيفاء معانيه. والثالث: حسن نظمه. فأما بلاغة ألفاظه فتكون من وجهين: أحدهما: جزالتها حتى لا تلين. والثاني: انطباعها حتى لا تخبو. وأما استيفاء معانيه فيكون من وجهين: أحدهما: أن يكون المعنى لائحا «٣» في بادىء ألفاظه غير مفتقر إلى مقاطعه

والثاني: أن يكون المعنى مطابقا لألفاظه فلا يزيد عليها ولا يقصر عنها فإن زاد كان الاختلال في اللفظ، وإن نقص كان الاختلال في المعنى وأما حسن نظمه فيكون من وجهين. أحدهما: أن يكون الكلام متناسبا لا يتنافر. والثاني: أن يكون الوزن معتدلا لا يتباين. فإن قيل: قد يجتمع في كلام البشر ما يستكمل هذه الشروط فبطل به الإعجاز. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أسلوب نظمه على هذه الشروط معدوم في غيره فافترقا. والثاني: أن لنظم ألفاظه بهجة لا توجد في غيره فاختلفا لأنك إذا جمعت بين قول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «٤» وبين قولهم القتل أنفى للقتل وجدت بينهما فروقا في اللفظ والمعنى.

الإعجاز في المعاني والوجه الثاني: من إعجازه، إيجازه عن هذا الإكثار واستيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ «٥» . فإن قيل: ليس جميعه وجيزا مختصرا وفيه المبسوط والمكرر بعضه أفصح من بعض ولو كان من عند الله لتماثل ولم يتفاضل لأن التفاصيل في كلام من يكل خاطره وتضعف قريحته فعنه جوابان: أحدهما: أن اختلافه في البسط والإيجاز ليس للعجز عن تماثله ولكن لاختلاف الناس في تصوره وفهمه وتفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه

قريحته فعنه جوابان: أحدهما: أن اختلافه في البسط والإيجاز ليس للعجز عن تماثله ولكن لاختلاف الناس في تصوره وفهمه وتفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه

لا للعجز عن تساويه. والثاني: أنه خالف بين معانيه ومختصره وبين أفصحه وأسهله ليكون العجز عن أسهله وأبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه وأخصره ولذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل والمفضول. وقد حكى أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٦» فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام. فأما تكرار قصصه وتكرار وعده ووعيده فلأسباب مستفادة منها أنها في التكرار أوكد وفي المبالغة أزيد، ومنها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبول أسرع وفي الإعجاز أبلغ ومنها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره فلم يخل من رغب ورهب.

الإعجاز في الأسلوب والوجه الثالث: من إعجازه أن نظم أسلوبه ووصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام ومنثوره ولا يدخل في شعر ولا رجز ولا سجعة ولا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه وباين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل «٧» ونظم لا يماثل فصار وإن كان من حروف الكلام خارجا عن أقسام الكلام فقد قال أنيس الغفاري وهو أخو أبي ذر الغفاري وكان من الموصوفين بالتقدم في البلاغة والفصاحة عرضت القرآن على السجع والشعر والنظم والنثر فلم يوافق شيئا من طرق كلام العرب. وحكي عن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان سيد عشيرته وأفصح قومه أنه جاء إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهو على كفره فقال: اقرأوا عليّ شيئا من القرآن فقرأوا عليه فقال: ليس هذا من كلام البشر وليس بشعر، فمضى إليه أبو لهب وقال: أفسدت قريشا بهذا القول فارجع عنه فقال: أقول أنه سحر

وقد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل: ألا من مهلك الفيل ... ومن سار مع الفيل بطير صبه الله ... عليهم من أبابيل رمتهم بجنادل ... ترى من طين سجيل فأضحى القوم في القاع ... كعصف غير مأكول فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه واستعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره وضمن آخر من الشعراء شيئا منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول: وقرأ معلنا ليصدع قلبي ... والهوى يصدع الفؤاد السقيما أرأيت الذي يكذب بالدين ... ذاك الذي يدع اليتيما فإن قيل لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية والآيتين شهودا أنه سمعه من رسول الله ﷺ ولا كتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به، ولكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوّذتين حين أخرجهما من القرآن ولا على أبيّ بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ولا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن فعنه جوابان: أحدهما: أن عمر التمس الشهادة في الآية والآيتين مما لا يكون بانفراده معجزا لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي وأقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات وحروفا وهي سورة الكوثر، وما قصر عنه لا إعجاز فيه فكان طلبه للشهادة متوجها إليه. والثاني: أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي وفي أي موضع منها وإن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ «٨» فأما ابن مسعود فلم

يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن وإنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت. وأما أبيّ بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية ولم يعلم أنها قد نسخت، وأما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة والبلاغة فتفرق بين الشعر وأسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير.

ن تلاوة القنوت باقية ولم يعلم أنها قد نسخت، وأما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة والبلاغة فتفرق بين الشعر وأسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير.

الإعجاز في الإيجاز وجزالة المعاني والوجه الرابع: من إعجازه كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر وذلك من وجهين: أحدهما: ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني كقوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ «٩» فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. والثاني: أن ألفاظه تحتمل معاني متغايرة تحار فيها العقول وتذهل فيها الخواطر وتكل فيها القرائح ثم لا تبلغ أقصاه ولا تدرك منتهاه حتى اختلفت فيه الوجوه وتقابلت فيه النظائر. فإن قيل: فهذا إلغاز ورمز هو بالذم منه أولى بالحمد فعنه جوابان: أحدهما: أن الإلغاز وإن ذم فالرمز ليس بمذموم وليس فيه لغز وإن كان فيه رمز. والثاني: إن ما اختلفت معانيه يخرج عن اللغز والرمز لأن اللغز ما أريد به غير معناه والرمز ما خفي معناه.

الإعجاز العلمي والوجه الخامس: من إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر

ولا تجتمع في مخلوق فلم يكن إلّا من عند الله المحيط بكل شيء علما حتى علمه من لم يكن به عالما. فإن قيل: فضل العلم لا يكون إعجازا في النبوّات لأن العلماء قد يتفاضلون ولا يكون للأفضل إعجاز على المفضول فعنه جوابان: أحدهما: أن التفاضل في العلم موجود والإحاطة بجميع العلوم مفقودة «١٠» . والثاني: أن ظهور العلم فيمن يتعاطاه ليس بمعجز لظهوره من جهته وظهور العلم فيمن لم يتعاطه معجزا لظهوره من غير جهته وقد كان أميا من أمة أميّة لم يقرأ كتابا ولم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزا.

بمعجز لظهوره من جهته وظهور العلم فيمن لم يتعاطه معجزا لظهوره من غير جهته وقد كان أميا من أمة أميّة لم يقرأ كتابا ولم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزا.

الإعجاز في الدلائل والبراهين والوجه السادس: من إعجازه ما تضمنه من الحجج والبراهين على التوحيد والرجعة وعلى الدهرية والثنوية حتى قطع بحجاجه كل محتج وخصم بجدله كل خصم ألدّ. فإن قيل: فدلائل التوحيد مستفادة بالعقول فلم يكن فيها إعجاز من وجهين: أحدهما: وجودها من ذاته. والثاني: مشاركته فيها لغيره، والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه لم يكن من أهل الجدل فيقطع كل مجادل. والثاني: أنه أحتج للرجعة بما زاد على قضايا العقول فخصم «١١» كل عاقل.

الإعجاز في الإخبار عن الماضي والوجه السابع: من إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية وقصص الأمم السالفة، وما تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر وحديث ذي القرنين فكان على ما ذكره أنبياؤهم وتضمنته كتبهم. فإن قيل: فالإخبار بما كان ليس بمعجز لأن علم غير الأنبياء به ممكن فعنه جوابان: أحدهما: أنه ممكن فيمكن علمها وممتنع فيم لم يعلمها ولم يكن من أهلها فيعلمها فصار معجزا ممتنعا. والثاني: أنهم اقترحوا تحديه مما لم يكن مبتدئا ولا كان له متناهيا من غوامض أسرار وغرائب أخبار جعلوها حجاجا له وعليه ففصح بالجواب عن سرائرها وصدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزا.

كان له متناهيا من غوامض أسرار وغرائب أخبار جعلوها حجاجا له وعليه ففصح بالجواب عن سرائرها وصدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزا.

الإعجاز بالإخبار عن الغيب والوجه الثامن: من الإعجاز ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١٢» ثم قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «١٣» فما تمناه أحد منهم، وكقوله لقريش: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «١٤» فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا وكقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١٥» وكان ذلك في يوم بدر وكقوله تعالى في هجرته من مكة إلى المدينة: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «١٦» فأعاد الله إلى مكة عام الفتح إلى غير ذلك من نظائره.

فإن قيل: فقد يكون ذلك حدسا بشواهد الأفعال وفراسة بفضل الألمعية وقوة الفطنة، فعنه جوابان: أحدهما: أن الحدس والفراسة وإن أصاب بهما تارة فقد يخطىء بهما أخرى وهذا إصابة في الجميع فخرجت عن الحدث والفراسة إلى علم من لا تخفى عليه الغيوب. والثاني: أن الحدس والفراسة توهم غير مقطوع بهما قبل الوجود وهذه أخبار بأنه مقطوع بها قبل الوجود فافترقوا.

الإعجاز بالإخبار عمّا في النفوس من أسرار والوجه التاسع: من إعجازه ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلّا علّام الغيوب كقوله: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا «١٧» من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل وكقوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «١٨» فكان كقوله، «وإن لم يتكلموا به» إلى غير ذلك من نظائره. فإن قيل: فالجمع الكثير تخلف ضمائرهم في العرف فإن وجد ذلك في بعضهم لم يوجد في جميعهم، فإن لم يخل أن يعقده بعضهم خلا منه بعضهم فتقابل القولان فيهم وبطل إعجازه معهم، فعنه جوابان: أحدهما: أنهم وجهوا بهذا الخبر على العموم فلم ينكروه فزال هذا التفصيل فصار معجزا. والثاني: أنه جعله ذنبا لهم فلم ينتضلوا منه فدل على وجوده من جميعه.

الإعجاز في الألفاظ والوجه العاشر: من إعجازه أن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل

المستغرب والسهل المستقرب فلا يتوعر جزله ولا يسترذل سهله ويكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين ولا نجد ذلك في غيره من كلام البشر لأن جزله يتوعر وسهله يسترذل والجمع بينهما يتنافر فصار من هذا الوجه مباينا وفي الإعجاز داخلا. فإن قيل: إنما كان القرآن كذلك لأنه قد تواطأ بكثرة التلاوة فاستلذته الأسماع واستحلته الألسن، ولولاه لتباين واختلف فعنه جوابان: أحدهما: أن صفته عند أول سماعه. لو كانت لما ذكر من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة.

استحلته الألسن، ولولاه لتباين واختلف فعنه جوابان: أحدهما: أن صفته عند أول سماعه. لو كانت لما ذكر من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة.

الإعجاز في التلاوة والوجه الحادي عشر: من إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره: أحدها: هشاشة مخرجه. والثاني: بهجة رونقه. والثالث: سلاسة نظمه. والرابع: حسن قبوله. والخامس: أن قارئه لا يكل وسامعه لا يمل وهذا في غيره من الكلام معدوم فإن قيل: إنما وقع في النفوس هذا الموقع فعنه جوابان: أحدهما: أن هذا موجود في غيره من كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل والزبور، وليس يوجد ذلك فيها مع وجود هذا التعليل ولذلك ما استعان أهلها على استحلاء تلاوتها بما وضعوه لها من الألحان واستعذبوه لها من الأصوات، والقرآن مستغن عن هذا بصيغة لفظه فلذلك ما راع وهيج الطباع. والثاني: التدين لا يسلب العقول تمييزها ولا يفسد عليها تصورها وهو

بأن يزيدها بصيرة أولى أن ينقصها ولو كان لهذة العلة لجحده من كفر كما اعترف به من آمن وقول الجميع فيه سواء.

الإعجاز في كونه معصوما من الزلل محفوظا لفظا ومعنى والوجه الثاني عشر: من إعجازه، أنه منقول بألفاظ منزّلة ومعان مستودعة وبلغه الملك بلفظه وعلى نظمه وأداه الرسول إلى الأمة بمثله فلم ينخرم فيه لفظ ولا اختل فيه معنى ولا تغير له ترتيب حتى صار من الزلل مضبوطا ومن التبديل محفوظا تستمر به الأعصار على شاكلته وتتداوله الألسن مع اختلاف اللغات على نظمه وصفته لا يختل بتعاقب الأزمنة ولا يختل بتباعد الأمكنة ولا يتغير باختلاف الألسنة، وغيره من الكتب مقصورة على حفظ معانيها وإن غويرت ألفاظها فإن التوراة ألقى الله تعالى معانيها إلى موسى ﵇ فذكرها بلفظه وعبر عنها بكلامه. وأما الإنجيل فهو ما أخبر به عيسى ﵇ عن ربه وعن نفسه فجمعه تلامذته بألفاظهم وجعلوه كتابا متلوا.

تعالى معانيها إلى موسى ﵇ فذكرها بلفظه وعبر عنها بكلامه. وأما الإنجيل فهو ما أخبر به عيسى ﵇ عن ربه وعن نفسه فجمعه تلامذته بألفاظهم وجعلوه كتابا متلوا. وأما الزبور فأدعية بتحاميد وتسابيح تنسب إلى داود عن لفظه، ولئن كانت معاني هذه الكتب مضافة إلى الله تعالى فليست بصيغة لفظه ولا على نظم كلامه كما نزل القرآن جامعا لألفاظه ومعانيه وترتيبه فصار مباينا لجميع كتبه، وما هذا إلّا بمعونة إلهية حفظ الله تعالى بها إعجازه وأمدّ بها رسوله كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١٩» . فإن قيل: فحفظ الكلام على صيغة لفظه واشتمال معانيه لا يكون معجزا كأشعار الجاهلية القدماء وأمثال من سلف من الحكماء «٢٠» ، فعنه جوابان: أحدهما: أن في هذا محولا ومتروكا فلم ينحفظ. والثاني: أنه لا يعلم حاله فلم ينضبط والقرآن مخالف لهما في حفظه وضبطه.

الإعجاز في شمولية معانيه والوجه الثالث عشر: من إعجازه، إقتران معانيه المغايره واقتران نظائرها في السور المختلفة فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد ومن ترغيب إلى ترهيب ومن ماض إلى مستقبل ومن قصص إلى مثل ومن حكم إلى جدل فلا ينبو ولا يتنافر، وهي في غيره من الكلام متنافرة فتتجانس معانيها وكذلك هي في غيره من الكتب المنزلة مفصلة لكل نوع سفر، فإن التوراة مقسومة على خمسة أسفار وكل سفر منها مفرد بمعنى واحد من المعاني المستودعة فيها: فالسفر الأول: لذكر بدء الخلق. والسفر الثاني: لخروج بني إسرائيل من مصر. والسفر الثالث: لأمر القرابين. والسفر الرابع: لإحصاء موسى بني إسرائيل وما دبرهم به. والسفر الخامس: لتكرير النواميس وجعل اختلاف معانيها موجبا لتفاضلها، فكان أفضل ما في التوراة عند اليهود الكلمات العشر المشتملة على الوصايا التي خاطب الله تعالى بها موسى وبها يستحلفون دون غيرها «٢١» . وأفضل ما في الإنجيل الصحف الأربعة المنسوبة الى تلامذة المسيح الأربعة «٢٢» وهي المخصوصة بالقراءة في الصلاة والأعياد وأفضل ما في الزبور ما اتفق أهل الكتابين على اختياره وما اشتمل عليه القرآن من تغايرها، أولى من وجهين: أحدهما: أن لا يختص قارئه بأحدها فيعدل عن غيره. والثاني: أن يستوعب إذا أراد جميعها قراءة جميعه فيستكمل فوائده ويستجزل ثوابه.

فإن قيل: فالتفصيل أبلغ في البيان من الامتزاج فالجواب عنه ما ذكرناه من الوجهين.

أن يستوعب إذا أراد جميعها قراءة جميعه فيستكمل فوائده ويستجزل ثوابه.

فإن قيل: فالتفصيل أبلغ في البيان من الامتزاج فالجواب عنه ما ذكرناه من الوجهين.

الإعجاز في تماسك بيانه والوجه الرابع عشر: من إعجازه أن اختلاف آياته في الطول والقصر لا يخرج عن أسلوبه ولا يزول عن اعتداله وغيره من نظم الكلام ونثره إذا تفاصلت أجزاؤه زال عن وزن منظومه واعتدال منثوره فصار ذلك من إعجازه. فإن قيل: زيادة طوله هذر ونقصان قصره حصر فكيف يكون معجزا إذا تردد بين هذر وحصر، فعنه جوابان: أحدهما: أن الزيادة تكون هذرا إذا لم تفد والنقصان يكون حصرا إذا لم يقنع والزيادة من طوله مفيدة والنقصان من قصره مقنع فخرج عن الهذر والحصر. والثاني: أن الطويل لو انفرد لم يكن هذرا والقصير لو انفرد لم يكن حصرا فلم يكن اجتماعهما موجبا لهذر وحصر كاختلاف السور في القصر والطول، فإن أقصر السور سورة الكوثر، وتشتمل مع قصرها على أربعة معان أخبار بنعمة وأمر بعبادة وبشرى بمسرة وأسلوب هو معجزة فلم تخرج إذا قرنت بما هو أطول أن تكون معجزة.

الإعجاز في عدم القدرة على الإحاطة بمعانيه والوجه الخامس عشر: من إعجازه أن مكثر تلاوته لا يزاد به فصاحة وإن ازداد بغيره من فصيح الكلام لخروجه عن طباع البشر فمازجها فصار أسلوبه معجزا في الحالين وعلى كلا الوجهين. فإن قيل: ما لا يؤثر في الطباع ناقص عن الكمال فكيف يوصف بالكمال، فعنه جوابان: أحدهما: أن كماله فيه فلم تعديه. والثاني: أن كماله يوجب المنع من تساويه.

الإعجاز في سهولة حفظه والوجه السادس عشر: من إعجازه تيسيره على جميع الألسنة حتى حفظه الأعجمي الأبكم «٢٣» ودار به لسان القبطي الألكن «٢٤» ولا يحفظ غيره من الكتب كحفظه ولا تجري به ألسنة البكم كجريها به، وما ذاك إلّا بخصائص إلهية فضّله بها على سائر كتبه «٢٥» . فإن قيل: فقد يحفظ الشعر كحفظه والعلة فيه اعتدال وزنه الذي يحفظ بعضه بعضا فلم يكن ذلك معجزا، فعنه جوابان: أحدهما: أن ما اندرس من الشعر أكثر مما حفظ وهذا محفوظ لم يندرس فاختلفا. والثاني: ما لم تستعذ به الأفواه متروك، والقرآن مستعذب غير متروك فافترقا.

بان: أحدهما: أن ما اندرس من الشعر أكثر مما حفظ وهذا محفوظ لم يندرس فاختلفا. والثاني: ما لم تستعذ به الأفواه متروك، والقرآن مستعذب غير متروك فافترقا.

الإعجاز في عدم القدرة على الإتيان بمثله والوجه السابع عشر: من إعجازه أن الكلام يترتب ثلاث مراتب منثور يدخل في قدرة الخلق وشعر هو أعلى منه يقدر عليه فريق ويعجز عنه فريق وقرآن هو أعلى من جميعها وأفضل من سائرها تجاوز رتبة النوعين فخرج عن قدرة الفريقين. فإن قيل: لو كان القرآن برهانا معجزا لخرج كثيره وقليله عن القدرة، وقليله مقدور عليه وهو أن يجمع بين ثلاث كلمات منه أو أربع، فكذلك كثيره لأن الشيء إذا دخلت أوائله في جنس الممكن خرجت أواخره من جنس الممتنع، فعنه جوابان:

أحدهما: أن قليله وكثيره خارج عن القدرة إذا انتظم إعجازه وهو كأقصر سورة منه فبطل هذا الاعتراض. والثاني: أنه ليس القدرة على الكلمة والكلمتين منه قدرة على استكمال ما يقع من التحدي كالمفحم في الشعر لا تكون قدرته على الكلمة والكلمتين من بيت من الشعر قدرة على نظم بيت كامل من الشعر.

الإعجاز في عدم القدرة على الزيادة فيه أو إنقاصه والوجه الثامن عشر: من إعجازه أن الزيادة فيه ممتازة وتغيير ألفاظه منه مفتضحة ولو كان في القدرة لالتبس ولو أمكن لاشتبه. فإن قيل: فقد زيد فيه فالتبس واشتبه وهو أن النبي ﷺ لما نزلت عليه سورة النجم بمكة قرأها في المسجد الحرام حتى بلغ إلى قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٢٦» ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى ثم تمم السورة وسجد فسجد معه المسلمون وفرح المشركون فسجدوا معه ورضيت كفار قريش به وسمع به من هاجر إلى أرض الحبشة فعادوا إلى أن أنكر عليه جبريل فشق عليه ونزل فيه قوله تعالى:

د معه المسلمون وفرح المشركون فسجدوا معه ورضيت كفار قريش به وسمع به من هاجر إلى أرض الحبشة فعادوا إلى أن أنكر عليه جبريل فشق عليه ونزل فيه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ «٢٧» قالوا: ومعلوم أن هذه الزيادة هي في مثل أسلوب السورة وليست من الله تعالى وقد اشتبهت فلم لا كان ما سواها بمثابتها، فعنه جوابان: أحدهما: أن هذه زيادة لا تبلغ قدر التحدي فخرجت عن حكمه. والثاني: أنه أنزل فيها التي عندهم أيها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى، فاشتبه على قريش وحذفوا منه قوله التي عندهم فنسخ الله تعالى لهذا الأشتباه تلاوة هذه الزيادة.

الإعجاز في العجز عن معارضته والوجه التاسع عشر: من إعجازه عجز الأمم عن معارضته وقد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم تخرجهم أنفة التحدي وصبروا على نغص العجز مع شدة حميتهم وقوة أنفتهم وقد سفه أحلامهم وسب أصنامهم ولو وجدوا إلى المعارضة سبيلا وكان في مقدورهم داخلا، وقد جعله حجة لهم في رد رسالته لعارضوه ولما عدلوا عنه إلى بذل نفوسهم في قتاله وسفك دمائهم في محاربته. فإن قيل: فليس يمتنع أن يكونوا قد عارضوه بمثله فكتم كما كتم ما هجي به من الأشعار وقرف به من العار، فعنه جوابان: أحدهما: أنهم لو عارضوه لظهر ولو ظهر لانتشر لأن تكاتم الاستفاضة لا تستطاع لما في الطباع من الإذاعة وفي نفثات الصدور من الإشاعة ولقيل قد عورض فكتم كما قيل هجي فكتم، ولو جاز هذا في معارضة القرآن لجاز مثله في معجزة كل نبي أن يقال قد عورض معجزة فكتم فيفضي إلى إبطال كل معجز، وهذا مدفوع في معارضة غير القرآن فكان مدفوعا في معارضة القرآن. والثاني: أنه قد جعل معارضته حجة لهم في رد رسالته فلو عارضوه لاحتجوا عليه بالمعارضة ولما احتاجوا معه إلى القتال والمحاربة مع بذل النفوس واستهلاك الأموال ولدفعوه بالأهون دون الأصعب وقد نقل ما عورض به فظهر فيه العجز وبان فيه النقص حتى فضحته ركاكة لفظه وسخافة نظمه. فحكى ابن قتيبة عن مسيلمة أنه قال في معارضة القرآن: يا ضفدع نقي، كم تنقين، لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين، فلما سمع هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إل «٢٨» . وحكي عن غيره وأحسبه العنسي أنه قال: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى.

ه قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إل «٢٨» . وحكي عن غيره وأحسبه العنسي أنه قال: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى.

وحكي عن آخر: الفيل ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل فإن ذلك من خلق ربنا لقليل. وحكى الحكم عن عكرمة أن النضر بن الحرث وكان من فصحاء قريش عارض القرآن فقال: والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا فاللاقمات لقما. وقال آخر: قد أفلح من هينم في صلاته وأطعم المسكين من مخلاته وأخرج الواجب من زكاته. وقال آخر في معارضة سورة النجم: والنجم إذا سما والبحر إذا طما ما زاغ منذركم وما طغى وما كذب بها وغوى فيما نطق به وروى، فأنزل الله تعالى في ذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ «٢٩» فهذه المعارضة وقد احتذوا فيها مثالا عدلوا بها عن طوال السور إلى فصارها فأتوا بسقيم الكلام دون سليمه وبسخيفه دون جميله، فكيف يقابل له غايته القصوى ويوازي به طبقته العليا، وهل ذلك إلّا كمن عارض فصاحة سحبان بعي باقل أو تخليط مجنون بحزم عاقل أو قاس الدر بالمدر وشاكل بين الصفو والكدر، ومن تعاطى ما ليس في طبعه افتضح فخر صريعا وهوى سريعا.

الإعجاز في الصرف عن معارضته الوجه العشرون: من إعجازه الصرفة عن معارضته واختلف من قال بها هل صرفوا عن القدرة على معارضته أو صرفوا عن معارضته مع دخوله في مقدورهم على قولين: أحدهما: أنهم صرفوا عن القدرة ولو قدروا لعارضوه. والقول الثاني: أنهم صرفوا عن المعارضة مع دخوله في مقدورهم.

والصرفة إعجاز على القولين معا في قول من نفاها وأثبتها فخرقها للعادة فيما دخل في القدرة. فإن قيل: فإن عجزوا عن معارضته بمثله لم يعجزوا عن معارضته بما تقاربه وإن نقص عن رتبته، والمعجز ما لم يمكن مقاربته كما لا يمكن مماثلته فعنه جوابان: أحدهما: أن مقاربته تكون بما في مثل أسلوبه إذا قصر عن كماله والأسلوب ممتنع فبطلت المقاربة وثبت الإعجاز. والثاني: أن المقاربة تمنع من المماثلة والتحدي إنما كان بالمثل دون المقاربة.

مثل أسلوبه إذا قصر عن كماله والأسلوب ممتنع فبطلت المقاربة وثبت الإعجاز. والثاني: أن المقاربة تمنع من المماثلة والتحدي إنما كان بالمثل دون المقاربة.

جامع الإعجاز فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها صح أن يكون كل واحد منها معجزا فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر وحجاجه أظهر وصار كفلق البحر وإحياء الموتى لأن مدار الحجة في المعجزة إيجاد ما لا يستطيع الخلق مثله سواء كان جسما مخترعا أو جرما مبتدعا أو عرضا متوهما. فإن قيل: أفيعتبرون عجز العرب العاربة عنه دون المولدين أو عجز الجميع. قيل: فيه خلاف بين أهل العلم على وجهين: أحدهما: أن المعتبر فيه عجز الجميع ليكون أعم. والوجه الثاني: معتبر فيه عجز العرب العاربة دون المولدين ليكون معتبرا بمن يلجأ إلى طبعه ولا يعول على تكلفه وتعلمه. وهكذا اختلفوا هل يعتبر فيه عجز أهل عصره أو في جميع دهره على هذين الوجهين: أحدهما: يعتبر فيه عجز أهل العصر لأنهم حجة على أهل كل عصر. والوجه الثاني: أنه يعتبر فيه عجز أهل كل عصر لعموم التحدي فيه لأهل كل عصر.

فإن قيل: فليس عجز كل الانس عن مثله موجبا لإضافته إلى الله تعالى لجواز أن تكون الشياطين أعانت عليه حتى خرج عن مقدور الإنس كما أعانت سليمان على ما عجز عنه الإنس فعنه أجوبة: أحدها: أن هذا يتوجه على موسى في فلق البحر وعلى عيسى في إحياء الموتى، ويقدح في جميع النبوّات فلم يجز لمن أثبتها أن يخص به بعض المعجزات. والجواب الثاني: أن الشياطين لم يعرفوا إلّا من الرسل ولولاهم لما علم الناس أن في الدنيا شيطانا ولا جنا ولا جانا وقد جهل الرسل بلعنهم ودعوا إلى معصيتهم ولو كانوا أعوانا لدعوا إلى طاعتهم وموالاتهم لأن معونة من أطيع وولي أحق من معونة من عصى وعودي. والجواب الثالث: أن الشياطين لا يقدرون على ذلك إلّا بمعونة الله تعالى لهم وهو لا يعين كاذبا عليه فإن كان عن أمره كان معجزا لأنه من فعله، وعلى هذا كان تسخير سليمان للجن والله تعالى غني عن الشياطين أن يكونوا سفراء إلى رسله وأعوانا لأنبيائه وهم ينهون عن طاعته ويدعون إلى معصية هذا القرآن وقد تحدى به الجن كما تحدى به الإنس بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٣٠» ، وحكى عنهم عجزهم عنه بقوله تعالى: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ «٣١» .

القرآن كلام رب العالمين فإذا تقررت هذه الجملة في إعجاز القرآن فبإعجازه يعلم أنه من غير كلام البشر ولا يعلم أنه من عند الله تعالى إلّا بقول الرسول، فلو أراد الرسول أن يقول مثله لم يقدر عليه لأنه من البشر إلّا أن يمده الله تعالى بعون منه فيصير قادرا

لا يعلم أنه من عند الله تعالى إلّا بقول الرسول، فلو أراد الرسول أن يقول مثله لم يقدر عليه لأنه من البشر إلّا أن يمده الله تعالى بعون منه فيصير قادرا

عليه ومعجزا له لو لم يضف القرآن إلى الله تعالى فأما مع إضافته إليه فلا يكون معجزا له ويكون مصروفا عنه لأن ما أضيف إلى الله تعالى يمتنع أن يكون من غيره لدخوله في جملة الكذب ثم يصير القرآن أصلا للشرع ومعجزا للرسول فيجب على الأمة التزام أحكامه وطاعة الرسول. واختلف في لزوم طاعته هل وجبت بعد ثبوت رسالته بالعقل أو بالشرع على وجهين: أحدهما: بالعقل لأن طاعة الرسول طاعة المرسل. والوجه الثاني: بالشرع بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣٢» لأن الرسول مبلغ. وإذا كان القرآن أصلا للشرع فقد اختلف العلماء في حد الأصل والفرع على وجهين: أحدهما: أن حد الأصل ما دل على غيره وحد الفرع ما دل عليه غيره، فعلى هذا يكون القرآن فرعا لعلم الحس لأنه الدال على صحته. والوجه الثاني: أن الأصل ما تفرع عنه غيره والفرع ما تفرع عن غيره، فعلى هذا يمتنع أن يكون القرآن فرعا لعلم الحس لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلا دل العقل عليه. واختلف العلماء في إبلاغ الرسول هل يكون أمرا أو إعلاما، فقال بعضهم يكون أمرا لا يلزم الأمة أحكامه لو عرفوه قبل إبلاغه. والوجه الثاني: يكون إعلاما ويلزمهم أحكامه لو عرفوه قبل إبلاغه ويجوز أن يعلم جميع الأحكام الشرعية من القرآن ولا يجوز أن يعلم جميعها من الإجماع ولا من القياس لأنهما ينعقدان عن أصل مسموع.

واختلف في جواز العلم بجميعها من سنة الرسول فجوزه بعضهم لقوله تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣٣» وامتنع منه بعضهم لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣٤» والله تعالى أعلم.

وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣٣» وامتنع منه بعضهم لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣٤» والله تعالى أعلم.

الباب الثامن في معجزات عصمته ﷺ أظهر الله تعالى لرسوله ﷺ من أعلام نبوّته بعد ثبوتها بمعجز القرآن واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار يحج بها من قلت فطنته ويذعن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركا بالخواطر الثاقبة تفكرا واستدلالا، وإعجاز العيان معلوما ببداية الحواس احتياطا وإظهارا، فيكون البليد مقهورا بوهمه وعيانه، واللبيب محجوبا بفهمه وبيانه، لأن لكل فريق من الناس طريقا هي عليهم أقرب ولهم أجذب، فكان ما جمع انقياد الفرق أوضح سبيلا وأعم دليلا. فمن معجزاته: عصمته من أعدائه وهم الجم الغفير والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل قاهر ولهم مخالط ومكاثر ترمقه أبصارهم شذرا وترتعد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة ثم خرج عنهم سليما لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك إلّا بعصمة إلهيه وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١» فعصمه منهم.

في أعلام عصمته وأن قريشا اجتمعت في دار الندوة، وكان فيهم النضر بن الحرث بن

كنانة، وكان زعيم القوم وساعده عبد الله بن الزبعري، وكان شاعر القوم، فحضهم على قتل محمد ﷺ وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة، فقال بعضهم: كيف نصنع. فقال أبو جهل: هل محمد إلّا رجل واحد وهل بنو هاشم إلّا قبيلة من قبائل قريش فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه، وأطرق مليا، فقالوا: من فعل هذا ساد «٢» . فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر فإن قتلت أرحت قومي وإن بقيت فذاك الذي أوثر «٣» . فخرجوا على ذلك، فلما اجتمعوا في الحطيم «٤» خرج عليهم رسول الله ﷺ فقالوا: قد جاء، فتقدم من الركن فقام يصلي فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراشا عظيما ودنا من رسول الله ﷺ وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه وهو يراه فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد وقد دوخت أوداجه ورسول الله ﷺ ساجد فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم فالتزموه وقد غشي عليه ساعة فلما أفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك. قال: لما دنوت منه أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه «٥» فحمل على أسنانه فلم أتمالك وإني أرى محمدا محجوبا «٦» . فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم رغبت وأحببت الحياة ورجعت. قال: ما تغروني عن نفسي، قال النضر بن الحرث: فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له: يا أبا سهم لئن فعلت هذا لتسودن. فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله ﷺ، فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه فأخذ حفنة من تراب وقال شاهت الوجوه وقال حمر لا يبصرون فتفرقوا عنه، وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى فصبر

ﷺ، فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه فأخذ حفنة من تراب وقال شاهت الوجوه وقال حمر لا يبصرون فتفرقوا عنه، وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى فصبر

عليه حتى وقاه الله وكان من أقوى شاهد على صدقه. ومن أعلامه: أن معمر بن يزيد وكان أشجع قومه استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله ﷺ وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره، فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه وعندي عشرون ألف مدجج «٧» فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات ففي مالي سعة، وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس، فلبس يوم وعده قريشا سلاحه وظاهر بين درعين «٨» فوافقهم بالحطيم ورسول الله ﷺ في الحجر يصلي وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في صلاة، فقيل له: هذا محمد ساجد فأهوي إليه. وقد سل سيفه وأقبل نحوه، فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط، فقام وقد أدمي وجهه بالحجارة يعدو كأشد العدو حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ماذا أصابك، قال: ويحكم، المغرور من غررتموه، قالوا: ما شأنك. قال: ما رأيت كاليوم دعوني ترجع إليّ نفسي فتركوه ساعة وقالوا: ما أصابك يا أبا الليث. قال: إني لما دنوت من محمد فأردت أن أهوي بسيفي إليه أهوى إليّ من عند رأسه شجاعان أقرعان «٩» ينفخان بالنيران وتلمع من أبصارهما فعدوت فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد. ومن أعلامه: أن كلدة بن أسد أبا الأشد وكان من القوة بمكان خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله ﷺ فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم، فرأى رسول الله ﷺ في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال فجاء كلدة ومعه المزراق فرجع المزراق في صدره فرجع فزعا، فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشد؟ فقال: ويحكم ما ترون الفحل خلفي، قالوا: ما نرى شيئا، قال: ويحكم

Bagian 2 dari 6