— Bagian 6 · وأجز لهم ألفاظا وأصحهم معاني لا يظهر فيه هجنة ال… —
Bagian 6
وأجز لهم ألفاظا وأصحهم معاني لا يظهر فيه هجنة التكلف ولا يتخلله فيهقة التعسف، وقال ﷺ: «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون» ؛ وقال: «إياك والتشادق» ، ولما نزل عليه قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ «٢٠» بنى مسجد قباء، فحضر عبد الله بن رواحة فقال يا رسول الله ﷺ قد أفلح من بنى المساجد، قال نعم يا ابن رواحة، قال ولم يبت لله إلا ساجد، قال: «يا ابن رواحة كف عن السجع فما أعطي عبد شيئا شر من طلاقة في لسانه» .
كلامه ﷺ فمن كلامه الذي لا يشاكل في إيجازه قوله ﷺ: «الناس بزمانهم أشبه» ، وقوله: «ما هلك امرؤ عرف قدره» ، وقوله: «لو تكاشفتم ما تدافنتم» . وقوله «السعيد من وعظ بغيره» ، وقوله: «حبك للشيء يعمي ويصم» ، وقوله: «العقل ألوف مألوف» ، وقوله: «العدة عطية» ، وقوله: «اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع» ، وقوله: «أفضل الصدقة جهد المقل» ، وقوله: «اليد العليا خير من السفلى» ، وقوله: «ترك الشر صدقة» ، وقوله: «الخير كثير وقليل فاعله» ، وقوله: «الناس كمعادن الذهب» ، وقوله: «نزلت المعونة على قدر المؤنة» ، وقوله: «إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه» ، وقوله: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ، وقوله: «المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم» ، وقوله: «الدنيا سجن المؤمن وبلاؤه وجنة الكافر ورخاؤه» .
من كلامه ﷺ ومن كلامه الذي لا يشاكل في فصاحته قوله ﷺ: «إياكم والمشاورة فإنها تميت الغرة وتحيي الفرة» ، وقوله: «لا تزال أمتي بخير ما ملم تر الأمانة مغنما والصدقة مغرما» ، وقوله: «رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» ، وقوله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع وقلب
ملم تر الأمانة مغنما والصدقة مغرما» ، وقوله: «رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» ، وقوله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع وقلب
لا يخشع وعين لا تدمع هل يطمع أحدكم إلّا غنى مطغيا أو فقرا منسيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو الدجال فهو شر غائب ينتظر أو الساعة فالسعة أدهى وأمرّ» ، وقوله: «ثلاث منجيات وثلاث مهلكمات فأما المنجيات فخشية الله تعالى في السر والعلانية والأقتصاد في الغنى والفقر والحكم بالعدل في الرضا والغضب وأما المهلكات فشحّ مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» ، وقوله: «تقبلوا إليّ بست أتقبل لكم بالجنة» ، قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال: «إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف وإذا ائتمن فلا يخن غضو أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم» ، وقوله في بعض خطبه: «ألا إن الأيام تطوى والأعمار تفنى والأبدان في الثرى تبلى وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد يقربان كل بعيد ويخلقان كل جديد وفي ذلك عباد الله ما ألهي عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات» ، وقوله في بعض خطبه، وقد خاف من أصحابه فطرة: «أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قيل إلينا راجعون نبوّئهم آجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة «٢١» طوبى لمن شغلته اخرته عن دنياه طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» . وهذا يسير من كثير ولا يأتي عليه إحصاءو لا يبلغه إستقصاء وإنما ذكرنا مثالا ليعلم أن كلامه جامع لشروط البلاغة ومعرب عن نهج الفصاحة ولو مزج بغيره لتميز بأسلوبه ولظهر فيه آثار التنافر فلم يلبتس حقه من باطله ولبان صدقه من كذبه، هذا ولم يكن متعاطيا للبلاغة ولا مخالظا لأهلها من خطباء أو شعراء أو فصحاء وإنما هو من غرائز فطرته وبداية جبلته وما ذلك إلّا لغاية تراد وحادثة تشاد. فإن قيل: إذا كان كلامه مخالفا لكلام غيره في البلاغة والفصاحة حتى لم يكن فيه مساجلا أيكون له معجزا.
قيل له: لو كان هكذا وتحدى به صار معجزا ولا يكون مع عدم التحدي معجزا.
مه مخالفا لكلام غيره في البلاغة والفصاحة حتى لم يكن فيه مساجلا أيكون له معجزا.
قيل له: لو كان هكذا وتحدى به صار معجزا ولا يكون مع عدم التحدي معجزا.
[الوجه الرابع في] فضائل أفعاله وأما الوجه الرابع: في فضائل أفعاله فمختبر بثمان خصال:
حسن سيرته ﷺ إحداهن: حسن سيرته وصحة سياسته في دين ابتكر شرعه حتى استقر وتدبير أحسن وضعه حيت استقر وتدبير أحسن وضعه حتى استمر نقل به الأمة عن مألوف وصرفهم به عن معروف إلى غير معروف فأذعنت به النفوس طوعا وانقادت خوفا وطمعا وشديد عادة منتزعة إلّا لمن كان مع التأييد الإلهي معانا بحزم صائب وعزم ثاقب ولئن كان مأمورا بما شرع فهي الحجة القاهرة ولئن كان مجتهدا فيها فهي الآية الباهرة وحسبك بما استقرت قواعده على الأبد حتى انتقل عن سلف إلى خلف يزاد فيهم حلاوته ويشتد فيهم جدته ويرونه نظاما لأعصار تنقلب صروفها ويختلف مألوفها أن يكون لمن قام به برهانا ولمن إرتاب به بيانا.
الرغبة والرهبة والخصلة الثانية: أن بين رغبة من استمال ورهبة من استطاع حتى اجتمع الفريقان على نصرته وقاموا بحقوق دعوته رغبا في عاجل وآجل، ورهبا من زائل ونازل لاختلاف الشيم والطباع في الانقياد الذي لا ينتظم بأحدهما ولا يستديم بهما، فلذلك صار الدين بهما مستقرا والصلاح بهما مستمرا.
العدل الخصلة الثالثة: أنه عدل فيما شرعه من الدين عن غلو النصارى «٢٢» في التشديد وعن تقدير اليهود في التقصير إلى التوسط بينهما وخير الأمور أوساطها لأنه العدل بين طرفي سرف وتقصير فليس لما جاوز العدل حظ من رشد ولا
نصيب من سداد وقد قال ﷺ: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فشر السير الحقحقة وأن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .
أمره بالاعتدال ﷺ والخصلة الرابعة: أنه لم يمل بأصحابه إلى الدنيا، كما رغبت اليهود ولا إلى رفضها كما ترهبت النصارى وأمرهم فيها بالاعتدال أن يطلبوا منها قدر الكفاية ويعدلوا عن احتجان واستزداة وقال لأصحابه: «خيركم من لم يترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» ، وهذا صحيح لأن الانقطاع إلى أحدهما اختلال والجمع بينهما اعتدال. وقال ﷺ: «نعم المطية الدنيا فارتحلوها، تبلغكم الآخرة» ، وإنما كان كذلك لأن منها يتزود لآخرته ويستكثر فيها من طاعته ولأنه لا يخلو تاركها من أن يكون محروما مضاعا أو محروما مراعى وهو في الأول كل وفي الثاني مستذل (أثني على رجل بخير) عند رسول الله ﷺ وقالوا يا رسول الله كنا إذا ركبنا لا يزال يذكر الله تعالى حتى ننزل وإذا نزلنا لا يزال يصلي حتى نرفع فقال فمن كان يكفيه علف بعيره وإصلاح طعامه، قالوا: كلنا، قال: «فكلكم خير منه» .
إيضاحه ﷺ العبادات والخصلة الخامسة: تصديه لمعالم الدين ونوازل الأحكام حتى أوضح للأمة ما كلفوه من العبادات وبين لهم ما يحل ويحرم من مباحات ومحظورات وفصل لهم ما يجوز ويمتنع من عقود ومناكح ومعاملات حتى احتاج اليهود في كثير من معاملاتهم. ومواريثهم لشرعه ولم يحتج شرعه إلى شرع غيره، ثم مهد لشرعه أصولا تدل على الحوادث المغفلة ويستنبط لها الاحكام المعللة فأغنى عن نص بعد ارتفاعه وعن التباس بعد إغفاله، ثم أمر الشاهد أن يبلغ الغائب ليعلم بإنذاره ويحتج بإظهاره، فقال ﷺ: «بلغوا عني ولا تكذبوا عليّ فرب مبلّغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» فأحكم ما شرع من نص وتنبيه وعم بما أمر من حاضر وبعيد حتى صار لما تحمله من الشرع مؤديا، ولما تقلده من حقوق الأمة موفيا لئلا يكون في حقوق الله زلل ولا في مصالح الأمة خلل وذلك
في برهة من زمانه لم يستوف تطاول الاستيعاب حتى أوجز وأنجز وما ذاك إلّا بديع ومعجزهم.
مة موفيا لئلا يكون في حقوق الله زلل ولا في مصالح الأمة خلل وذلك
في برهة من زمانه لم يستوف تطاول الاستيعاب حتى أوجز وأنجز وما ذاك إلّا بديع ومعجزهم.
جهاده ﷺ الخصلة السادسة: انتصابه لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته وأحدقوا بجنباته، وهو في قطب مهجور وعدد محقور فزاد به من قل وعز به من ذل وصار بأثخانه في الأعداء محذورا وبالرعب منه منصورا فجمع بين التصدي لشرع الدين حتى ظهر وانتشر وبين الانتصاب لجهاد العدو حتى قهر وانتصر والجمع بينهما معوز إلّا لمن أمده الله بمعونته وأيده بلطفه والمعوز معجز.
شجاعته ﷺ الخصلة السابعة: ما خص به من الشجاعة في حروبه والنجدة في مصابرة عدوه فإنه لم يشهد حربا في فزاع إلّا صابر حتى انجلت عن ظفر أو دفاع وهو في موقفه لم يزل عنه هربا ولا جاز فيه لاغبا بل ثبت بقلب آمن وجأش ساكن قد ولى عنه أصحابه يوم حنين حتى بقي بإزاء جمع كثير وجم غفير في تسعة من بيته وأصحابه على بغلة مسبوقة إن طلبت غير مستعدة لهرب ولا طلب وهو ينادي أصحابه ويظهر نفسه ويقول إليّ عباد الله أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فعادوا أشذاذا وإرسالا «٢٣» وهوازن تراه وتحجم عنه فما هاب حرب من كاثره ولا انكفأ عن مصاولة من صابره، وقد عضده الله تعالى بانجاد وأنجاد فانحازوا وصبر حتى أمده الله بنصره وما لهذه الشجاعة من عديل، ولقد طرق المدينة فزع فانطلق الناس نحو الصوت فوجدوا رسول الله ﷺ قد سبقهم إليه فتلقوه عائدا على فرس عري لأبي طلحة الأنصاري وعليه السيف فجعل يقول: «أيها الناس لم تراعوا بل تراعوا» ، ثم قال لأبي طلحة: «إنا وجدناه بحرا» ، وكان الفرس يبطىء فما سبقه فرس بعد ذلك، وما ذاك إلّا عن ثقة من أن الله تعالى سينصره، وإن دينه سيظهره تحقيقا لقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ*
كُلِّهِ* «٢٤» وتصديقا لقول رسوله ﷺ زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها، وكفى بهذا قياما بحقه وشاهدا على صدقه.
ّينِ*
كُلِّهِ* «٢٤» وتصديقا لقول رسوله ﷺ زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها، وكفى بهذا قياما بحقه وشاهدا على صدقه.
سخاؤه وجوده ﷺ الخصلة الثامنة: ما منح من السخاء والجود حتى جاد بكل موجود وآثر بكل مطلوب ومحبوب ومات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير لطعام أهله وقد ملك جزيرة العرب وكان فيها ملوك وأقيال لهم خزائن وأموال يقتنونها زخرا ويتباهون بها فخرا ويستمتعون بها أشرا وبطرا وقد حاز ملك جميعهم، فما اقتنى دينارا ولا درهما، لا يأكل إلّا الخشب ولا يلبس إلّا الخشن ويعطي الجزل الخطير ويصل الجم الغفير ويتجرع مرارة الإقلال ويصبر على سغب الاختلال وقد حاز غنائم هوازن وهي من السبي ستة آلاف رأس ومن الإبل أربعة وعشرون ألف بعير ومن الغنم أربعون ألف شاة ومن الفضة أربعة آلاف أوقية. فجاد بجميع حقه وعاد خلوا. وروى أبو وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. وروى عمرو بن مرة عن سويد بن الحرث عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت وعندي منه دينار إلّا أن أعده لغريم» . وكان ﷺ إذا سئل وهو معدم وعد ولم يرد وانتظر ما يفتح الله. فروى حماد بن زيد عن المعلى بن زياد عن الحسن أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يسأله، فقال: «إجلس سيرزقك الله» ، ثم جاء آخر، ثم آخر، فقال لهم: «إجلسوا» ، فجاء رجل بأربع أواقي فأعطاه إياها وقال: يا رسول الله هذه صدقة، فدعا الأول فأعطاه أوقية، ثم دعا الثاني فأعطاه أوقية، ثم دعا الثالث فأعطاه أوقية، وبقيت معه أوقية واحدة فعرض بها للقوم فما قام أحد،
فلما كان الليل وضعها تحت رأسه وفراشه عباءة فجعل لا يأخذه النوم فيرجع فيصلي، فقالت له عائشة: يا رسول الله حلّ بك شيء؟ قال: «لا» ؟ قالت فجاءك أمر من الله؟ قال: «لا» ، قالت: إنك صنعت منذ الليلة شيئا لم تكن تفعله، فأخرجها وقال: «هذه التي فعلت بي ما ترين أني خشيت أن يحدث أمر من أمر الله ولم أمضها» «٢٥» . وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك دينا فعليّ ومن ترك مالا فلورثته» ، فهل مثل هذا الكرم والجود كرما وجودا، أم هل لمثل هذا الإعراض والزهادة إعراضا وزهدا هيهات هل يدرك شيئا ومن هذه شذور من فضائله ويسير من محاسنه التي لا يحصى لها عدد ولا يدرك لها أمد لم تكمل في غيره فيساويه ولا كذب بها ضد يناويه ولقد جهد كل منافق ومعاند وكل زنديق وملحد أن يزري عليه في قول أو فعل أو يظفر بهفوة في جد أو هزل فلم يجد إليه سبيلا وقد جهد جهده وجمع كيده، فأي فضل أعظم من فضل تشاهده الحسدة والأعداء فلم يجدوا فيه مغمزا لثالب أو قادج ولا مطعنا لجارح أو فاضح، فهو كما قال الشاعر: شهد الأنام بفضله حتى العدى ... والفضل ما شهدت به الأعداء وحقيق لمن بلغ من الفضائل غايتها واستكمل لغايات الأمور آلتها، أن يكون لزعامة العالم مؤهلا، وللقيام بمصالح الخلق موكلا، ولا غاية بعد النبوة أن يعم له صلاح أو ينحسم به فساد فاقتضى أن يكون لها أهلا وللقيام بها مؤهلا ولذلك استقرت به حين بعث رسولا ونهض بحقوقها حين قام به كفيلا فناسبها وناسبته ولم يذهل لها حين أتته، وكل متناسبين متشاكلان وكل متشاكلين مؤتلفان وكل مؤتلفين متفقان والاتفاق وفاق هو أصل كل انتظام وقاعدة كل التئام فكان ذلك من أوضح الشواهد على صحة نبوّته وأظهر الأمارات في صدق رسالته فما ينكرها بعد الوضوح إلّا مفضوح والحمد الله الذي وفق لطاعته وهدى إلى التصديق برسالته.
ك من أوضح الشواهد على صحة نبوّته وأظهر الأمارات في صدق رسالته فما ينكرها بعد الوضوح إلّا مفضوح والحمد الله الذي وفق لطاعته وهدى إلى التصديق برسالته.
الباب الحادي والعشرون في مبدإ بعثته واستقرار نبوّته ﷺ إن لله تعالى لكل مقدور من الأمور إذا دنا نذيرا وبشيرا يظهر بهما مبادىء ما أخفاه ويشعر بحلولهما قدره وقضاه ليكونا تعذيرا وتحذيرا تستيقظ بهما العقول ويزدجر بهما الجهول لطفا بعباده من فجأة الأمور المذهلة أن تصدم ببوادر لا تستدرك لتكون النفوس في مهلة من استدفاع خطبها وحل صعبها ولما دنا مبعث رسول الله ﷺ بالنبوة رسولا وإلى الخلق بشيرا ونذيرا انتشر في الأمم أن الله تعالى سيبعث نبيا في هذا الزمان وأن ظهوره قد قرب وآن فكانت كل أمة لها كتاب يعرف ذلك من كتابها والتي لا كتاب لها ترى من الآيات المنذرة ما تستدل عليه بعقولها وتنتبه عليه بهواجس فطرها إلهاما أعان به الفطن اللبيب وأنذر به الحازم الأريب هذا ورسول الله ﷺ غافل عنها وغير عالم أنه مراد بها ومؤهل لها لم يشعر بها حتى نودي ولا تحققها حتى نوجي ليكون أبعد من التهمة وأسلم من الظنة فيكون برهانا أظهر وحجاجه أقهر وكان مع تمييزه عن قومه بشرف أخلاقه وكرم طباعه لم يعبد معهم صنما ولا عظّم وثنا وكان متدينا بفرائض العقول في قول جميع الفقهاء والمتكلمين من توحيد الله تعالى وقدمه وحدوث العالم وفنائه وشكر المنعم وتحريم الظلم ووجوب الإنصاف وأداء الأمانة. واختلف أهل العلم هل كان قبل مبعثه متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء، فذهب أكثر المتكلمين وبعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى أنه لم
أمانة. واختلف أهل العلم هل كان قبل مبعثه متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء، فذهب أكثر المتكلمين وبعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى أنه لم
يكن متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء لأنه لو تعبّد بها لتعلمها ولعمل بها ولو عمل بها لظهرت منه ولو ظهرت منه لا تبعه فيها الموافق ونازعه فيها المخالف، وذهب بعض المتكلمين وأكثر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى أنه كان متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء لأنهم دعوا إلى شرائعهم من عاصرهم ومن يأتي بعدهم ما لم تنسخ بنبوّة حادثة، فدخل الرسول ﷺ في عموم الدعاء قبل مبعثه لأن الله تعالى لا يخلي زمانا من شرع متبوع ولا متدينا من تعبد مسموع، واختلف من قال بهذا فيما كان متعبدا به من الشرائع المتقدمة فذهب بعضهم إلى أنه كان متعبدا بشريعة جده إبراهيم ﵉ لقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ «١» ولأنه كان في الحج والعمرة على مناسكه، وذهب آخرون إلى أنه كان متعبدا بشريعة موسى فيما لم تنسخه شريعة عيسى ﵈ لظهور شريعته في التوراة ودروس ما تقدمها من الشرائع مع قول الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ «٢» وذهب آخرون إلى أنه كان متعبدا بشريعة عيسى ﵇ لأنها كانت ناسخة لشريعة موسى فسلم قبل مبعثه من حرج في دينه وقدح في يقينه، وهذا من أمارات الاصطفاء ومقدمات الاجتباء.
حبه الخلاء ﷺ ولما وجد الأمر في النبوّة ودنا وقتها حبب الله تعالى إلى رسوله الخلاء بعد أربعين سنة من عمره حين تكامل نهاه واشتد قواه ليكون متهيئا لما قدر له ومتأهبا لما أريد له فكان يتخلى في غار بحراء في ذوات العدد من الليالي. وقيل: شهرا في السنة على عادة كانت لقريش في التبرز بالمجاورة «٣» بحراء ويعود إلى أهله إلى أن استدام الخلاء في الغار لما أراد الله تعالى به فكان يؤتى بطعامه وشرابه فيأكل منه ويطعم المساكين برهة من زمانه وهو غافل عن النبوّة
وإن كان في الناس موهوما وعند أهل الكتب معلوما ليكون ابتكار البديهة بها مانعا من التصنع لها فلا ينسب إلى اختراعها ولو تصنع واخترع لظهرت أسبابهما وتمت شواهدهما ولم يخف على من عاداه أن يتداوله وعلى من والاه أن يتأوله، وحسبك بهذا وضوحا أن يكون بعيدا من التهمة بهما سليما من الظنة فيهما فلم يزل ﷺ على خلوته إلى أن أظهر الله تعالى له أمارات نبوته فأيقظه بها بعد الغفلة وبشره بها بعد المهلة، ثم بعثه بها رسولا بعد البشرى على تدريج ترتبت فيها أحواله ليتوطأ لتحمل أثقالها، ويعلم لوازم حقوقها حتى لا تفاجئه بغتة فيذهل ولا يخفى عليه حقوقها فينكل، وكان ذلك من الله لطفا به وإنعاما عليه وداعيا لأمته في الانقياد إليه فسبحانه من لطيف بعباده منعم على خلقه.
أحواله ﷺ تدرجت إليه أحواله في النبوة حتى علم أنه نبي مبعوث ورسول مبلغ ترتب تدرجه على ستة أحوال نقل فيهن إلى منزلة بعد منزلة حتى بلغ غايتها.
الرؤيا الصادقة فالمنزلة الأولى: الرؤيا الصادقة في منامه بما سيؤول إليه أمره فكان ذلك إذكارا بها ليروض لها نفسه ويختبر فيها حواسه فيقوم بها إذا بعث وهو عليها قوي وبها ملي «٤» . روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أول ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح حتى فاجأه الحق، واختلف في هذه الرؤيا هل كانت قبل انقطاعه إلى الخلوة بحراء. فحكى عروة عن عائشة أنه حبب إليه الخلاء بعد الرؤيا. وذهب قوم إلى أن الرؤيا جاءته بعد خلوته لأنه خلا على غفلة من أمره. وقد روت برة بنت أبي تحراه أن الله تعالى لما أراد كرامة رسول الله ﷺ
بالنبوة كان لا يمر بشجر ولا حجر إلّا قال السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا فاحتمل أن يكون ذلك قبل رؤيا المنام فيكون كالهتوف «٥» الخارجة عن إعلام الوحي إلى إعجاز النبوّة واحتمل أن يكون بعد الرؤيا فيكون تصديقا لها وتحقيقا لصحتها.
مل أن يكون ذلك قبل رؤيا المنام فيكون كالهتوف «٥» الخارجة عن إعلام الوحي إلى إعجاز النبوّة واحتمل أن يكون بعد الرؤيا فيكون تصديقا لها وتحقيقا لصحتها.
طهارته ﷺ والمنزلة الثانية: ما ميّز به عن سائر الخلق من تقديسه عن الأرجاس «٦» وتطهيره من الأدناس ليصفو فيصطفى ويخلص فيستخلص، فيكون ذلك إنذار الأمر وتنبيها على العاقبة وهو ما رواه عن عروة بن الزبير عن أبي ذر الغفاري قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول نبوّته فقال: «يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما على الأرض والآخر بين السماء والأرض. فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال فزنه برجل من أمته فوزنت برجل فرجحته ثم قال: زنه بعشرة فوزنت بعشرة فرجحتهم، ثم قال زنه بمائة فوزنت بمائة فرجحتهم، ثم قال زنه بألف فوزنت بألف فرجحتهم فجعلوا ينثرون على كفة الميزان فقال أحدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني، ثم قال شق قلبه فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، ثم قال: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاءة، ثم دعا بالسكينة فأدخلت قلبي، ثم قال خط بطنه فخاط بطني فما هو إن وليا حتى كأنما أعاين الامر» «٧» . وروى أنس بن مالك قال: لما حان أن ينبأ رسول الله ﷺ كان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا وجاءا من القابلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنة ثم جاءوا لماء من زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو ضلالة
أو جاهلية، ثم جاءوا بطست من ذهب قد ملئت إيمانا وحكمة فملىء بطنه وجوفه إيمانا وحكمة وهو يوافق لحديث أبي ذر في المعنى وإن خالفه في الصفة فتوارد في الرواية وهو إنذار بالنبوّة.
من ذهب قد ملئت إيمانا وحكمة فملىء بطنه وجوفه إيمانا وحكمة وهو يوافق لحديث أبي ذر في المعنى وإن خالفه في الصفة فتوارد في الرواية وهو إنذار بالنبوّة.
البشرى بالنبوة والمنزلة الثالثة: البشرى بالنبوة من ملك أخبره بها عن ربه واختصت بشراه بالأشعار وتجردت عن تكليف وإنذار لم يسمع بها وحيا ولا رأى معها شخصا، وإنما كان إحساسا بالملك اقترن بآية دلت وأمارة ظهرت اكتفى بها عن مشاهدته واستغنى بها عن نطقه ليعلم أنه من أنبياء الله تعالى فيتأهب لوحيه ويعان بإمهاله فيكون على البلوى أصبر وللنعمة أشكر روى الشعبي وداود بن عامر أن الله تعالى قرن إسرافيل بنبوّة رسوله ﷺ ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ويعلمه الشيء بعد الشيء ولا ينزل عليه بالقرآن فكان في هذه المدة مبشرا بالنبوة وغير مبعوث إلى الأمة فاحتمل أن يكون إمهاله فيها معونة للرسول واحتمل أن يكون نظرا للأمة وأحتمل أن يكون لأوان المصلحة وليس يمتنع أن يكون لجميعها فإنه أعلم بسر ما أخفى وأعرف بمعنى ما أظهر. والمنزلة الرابعة: أن نزل عليه جبريل لوحي ربه حتى رأى شخصه وسمع مناجاته فأخبره أنه نبي الله ورسوله واقتصر به على الأخبار ولم يأمره بالإنذار ليعلمها بعد البشرى عيانا ويقطع بها يقينا فيكون معتقده بها أوثق وعلمه بها أصدق فلا يعترضه وهم ولا يخالجه ريب. روى الزهري عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ لما فاجأه الحق أتاه جبريل ﵇ فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله ﷺ: «فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم رجعت ترجف بوادري ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني حتى ذهب عني ثم أتاني فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله، ثم قال إقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغتني «٨» ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد وقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «٩» فأتيت
خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري، فقالت: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكلّ وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل وكان ابن عمها وخرج في طلب الدين وقيل قرأ التوراة والإنجيل وتنصر وقالت إسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبري فقال: هذا الناموس الذي نزل على موسى ﵇ يعني جبريل ﵇ ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قلت أو مخرجي هم قال نعم إنه لم يجىء رجل قط بما جئت به إلّا عودي ولئن يدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا، ثم كان ما نزل عليّ من القرآن بعد إقرأ: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ «١٠» ، ونزل عليه ذلك ليزداد ثباتا ولنفسه استبصارا ولنعمة ربه شكرا. وروى أن خديجة قالت لرسول الله ﷺ هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا إذا أتاك يعني جبريل ﵇ قال نعم قالت فأخبرني به إذا جاءك فجاءه جبريل فقال لها: «يا خديجة هذا جبريل قد جاء» ، قالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى فجلس عليها فقالت هل تراه، قال: «نعم» ، قالت فتحوّل على فخذي اليمنى فتحوّل إليها فقالت: هل تراه قال: نعم، قالت فتحوّل في حجري فتحوّل في حجرها قالت: هل تراه قال: «نعم» ، قال: فحسرت وألقت خمارها وهو جالس في حجرها فقالت: هل تراه، قال: «لا» ، قالت: يا ابن عمي أثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان وآمنت به فكانت أول من أسلم من جميع الناس واستظهرت خديجة بما فعلته من هذا في حق نفسها لا في حق الرسول ولا استظهارا عليه واكتفى رسول الله ﷺ في تصديق جبريل بما عاينته خديجة من آياته المعجزة وكان ما نزل به جبريل في هذا الحال مقصورا على إخباره بالنبوّة ليعلم أن الله تعالى قد اصطفاه لها فينقطع إليه ويوقف نفسه على ما يؤمر به وينزل عليه فيكون لأوامره متبعا ولما يراد به متوقعا وأذن له في ذكره وإن لم يؤذن له في إنذاره لقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
على ما يؤمر به وينزل عليه فيكون لأوامره متبعا ولما يراد به متوقعا وأذن له في ذكره وإن لم يؤذن له في إنذاره لقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّثْ «١١» أي بما جاءك من النبوة فكان يذكرها مستسرا. والمنزلة الخامسة: أن أمر بعد النبوّة بالإنذار فصار به رسولا ونزل عليه القرآن بالأمر والنهي فصار به مبعوثا ولم يؤمر بالجهر وعموم الإنذار ليختص بمن أمنه ويشتد بمن أجابه فنزل عليه قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ «١٢» فتمت نبوّته بالوحي والإنذار وإن كان في استسرار وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر رمضان. قال هشام بن محمد: أول ما تلقاه جبريل في ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له برسالته في يوم الاثنين. وروى أبو قتادة: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه النبوّة واختلف في أي اثنين كان من شهر رمضان» ، فقال أبو قلابة: كان في الثامن عشر منه. وقال أبو الخلد: كان في الرابع والعشرين منه وهو ابن أربعين سنة في قول الأكثرين لأربعين سنة مضت من عام الفيل وزعم قوم أنه كان ابن ثلاث وأربعين سنة. قال هشام بن محمد: وذلك لعشرين سنة من ملك كسرى ابرويز. وقال غيره: لست عشرة سنة من ملكه. ثم روي أن جبريل ﵇ نزل عليه في يوم الثلاثاء ثاني النبوّة وهو بأعلى مكة فهمّ بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل منها ليريه كيف الطهور فتوضأ مثل وضوئه ثم قام جبريل فصلى وصلى رسول الله ﷺ بصلاته فكانت هذه أول عبادة فرضت عليه ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله ﷺ إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكانت أول من توضأ بعده وصلى واستسر بالإنذار من يأمنه.
ت عليه ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله ﷺ إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكانت أول من توضأ بعده وصلى واستسر بالإنذار من يأمنه.
واختلف في أول من أسلم بعد خديجة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أول من أسلم من الذكور وصلى وهو ابن تسع سنين وقيل ابن عشر وهذا قول جابر بن عبد الله وزيد بن أسلم. وروى يحيى بن عفيف عن أبيه قال: جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب فلما طلعت الشمس وتحلقت في السماء، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء واستقبل الكعبة فقام مستقبلها، فلم يلبث أن جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب وركع الغلام والمرأة ورفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت للعباس، يا عباس، أمر عظيم هل تدري من هذا، قال العباس: نعم، هذا محمد بن عبد الله ابن أخي، وهذا علي بن أبي طالب ابن أخي، وهذه خديجة ابنة خويلد زوجة ابن أخي، وهذا حدثني أن رب السماء أمره بهذا الذي تراهم عليه، وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. والقول الثاني: أن أول من أسلم وصلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وهذا قول ابن عباس وأبي أمامة الباهلى. وروى أبو أمامة عن عمرو بن عنبسة السلمي قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ فقلت: يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر؟ قال: تبعني عليه رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال، قال: فأسلمت عند ذلك فلقد رأيتني إذ ذلك ربع الإسلام، وقال الشعبي: سألت ابن عباس من أول الناس إسلاما؟ فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا والقول الثالث: أن أول من أسلم زيد بن حارثة وهذا قول عروة بن
الزبير وسليمان بن يسار، وجعل أبو بكر يدعو إلى الإسلام من يثق به لأنه كان تاجرا ذا خلق ومعروف وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بما كانوا عليه من خير وشر حسن التأليف لهم، وكانوا يكثرون غشيانه، فأسلم على يديه عثمان ابن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له بالإسلام وصلّوا فصاروا مع من تقدم ثمانية نفر هم أول من أسلم وصلّى، وقيل أنه أسلم معهم سعيد بن العاص وأبو ذر، ثم تتابع الناس في الإسلام ورسول الله ﷺ على استسراره بالدعاء وإن انتشرت دعوته في قريش. والمنزلة السادسة: أن أمر أن يعم بالإنذار بعد خصوصه ويجهر بالدعاء إلى الإسلام بعد استسراره، فأنزل الله تعالى عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١٣» فجهر بالدعاء، قال ابن إسحاق: ذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه، وأمر أن يبدأ بعشيرته الأقربين فقال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن عباس: فصعد رسول الله ﷺ الصفافهتف: يا صباحاه يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف حتى ذكر الأقرب فالأقرب من قبائل قريش فاجتمعوا إليه وقالوا: ما لك؟ قال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، ما جربنا عليك كذبا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» ، فقال أبو لهب تبا له ألهذا جمعتنا، ثم قام فأنزل الله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ «١٤» إلى آخر السورة، قال ابن إسحاق: ولم يكن في قريش في دعائه لهم مباعدة له ولكن ردوا عليه بعض الرد حتى ذكر آلهتهم وعابها وسفّه أحلامهم في عبادتها، فلما فعل ذلك أجمعوا على خلافه وتظاهروا بعداوته إلّا من عصمه الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستحقرون فصار بعموم الإنذار والجهر بالدعاء إلى التوحيد والإسلام عام النبوّة مبعوثا إلى كافة الأمة فكمل الله تعالى بذلك نبوّته وتمم به رسالته فصدع بأمره وقام بحقه وجاهد بإنذاره وعم بدعائه
دعاء إلى التوحيد والإسلام عام النبوّة مبعوثا إلى كافة الأمة فكمل الله تعالى بذلك نبوّته وتمم به رسالته فصدع بأمره وقام بحقه وجاهد بإنذاره وعم بدعائه
وجاهد في الله حق جهاده حتى خصم قريشا حين جادلوه وصابرهم حين عاندوه وجمهم غفير وجمعهم كثير إلى أن علت كلمته وظهرت دعوته وكابد من الشدائد ما لم يثبت عليها إلّا معصوم ولا يسلم منها إلّا منصور، وكل هذه آيات تنذر بالحق وتلائم الصدق لأن الله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين.
فصل [في شرعه ص] فأما شرعه من الدين فالشرع بعد التوحيد يشتمل على قسمين: عبادات وأحكام، فأما العبادات فلم يشرع منها مدة مقامه بمكة إلّا الطهارة والصلاة حين علمه جبريل الوضوء والصلاة وكانت فرضا عليه وسنّة لأمته لقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ «١٥» فكان هذا حكمها في حقه وحقوق أمته إلى أن فرضت الصلوات الخمس بعد إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وذلك في السنة التاسعة من نبوته فصارت الصلوات الخمس فرضا عليه وعلى أمته ولم يفرض ما سواها من العبادات حتى هاجر إلى المدينة وصارت له بالإسلام دارا وصار أهلها أنصارا، فأول ما فرض بالمدينة من العبادات بعد فرض الصلوات الخمس بمكة صيام شهر رمضان في الثانية من الهجرة في شعبان، وفيها حوّلت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، وفرض فيها زكاة الفطر، وشرع فيها صلاة العيد، وكان فرض الجمعة قد تم في أول الهجرة بدلا من صلاة الظهر ثم فرضت زكاة الأموال بعد ظهور القوة وسد الخلة ثم الحج والعمرة، وأما الأحكام فما أوجبته قضايا العقول من تحريم القتل والزنا كان مشروعا بمكة مع ظهور إنذاره وما تردد في قضايا العقول بين فعله وتركه كف عن الحكم فيه بتحليل أو تحريم أو حظر أو إباحة أو استحباب أو كراهة فلم يحلل بمكة حلالا ولا حرم بها حراما حتى هاجر منها،
قضايا العقول بين فعله وتركه كف عن الحكم فيه بتحليل أو تحريم أو حظر أو إباحة أو استحباب أو كراهة فلم يحلل بمكة حلالا ولا حرم بها حراما حتى هاجر منها، فحلل بعد الهجرة وحرم وأباح وحظر لأنه كان بمكة مغلوبا باستيلاء قريش عليها وكانت دار شرك لا ينفذ فيها أحكامه فلم يحلل ولم يحرم حتى صار بالمدينة في دار إسلام تنفذ فيها أحكامه فبيّن ما حلل وحرم وبيّن ما
أباح وحظر وبيّن ما يصح من القول ويفسد، ولذلك كان بمكة مسالما وبالمدينة محاربا، فكانت الحكمة موافقة لأفعاله والتوفيق معاضدا لأقواله وإن كان مأمورا بها كما قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «١٦» لكن لحسن قيامه بها وموافقة الصواب في مواضعها تظهر آثار حكمته في صحة حزمه وصدق عزمه. فهذه جملة متفقة في أعلام نبوّته وقاعدة مستقرة في ترتيب رسالته وأحكام شريعته، فأما أحكام جهاده في حروبه وغزواته فسنذكره في كتاب نفرده في سيرته نوضح به مواقع أعلامه ومبادىء أحكامه، وبالله تعالى التوفيق. نحمدك أن أطلعت شموس السعادة، بكوكب المجد وأس السيادة، وأظهرت من أعلام نبوّته ما كبت أهل الضلالة، ومحا ظلم الكفر فلم ينل أحد من النبيين ما ناله، سيدنا محمد ذات الآيات المعجزة الجمة، المبعوث رحمة للأمة، ﷺ وعلى آله، وصحابته التابعين ومن على منواله. وبعد.. فقد تم طبع أعلام النبوة، المشتمل على سيرة المصطفى على ما يزيل الغمة، ألا وهو نسيج من سارت الركبان بتآليفه، العلامة الماوردي ذو اليد الطولى في تحبيره وتصنيفه، قامت بطبعه على نفقتها دار ومكتبة الهلال جزاها الله تعالى على هذا الصنع الجميل أحسن جزاء، بجاه النبي وآله البررة الأتقياء. تم والحمد لله
فهرس كتاب أعلام النبوة مقدمة الناشر ٥ تقديم ٧ الباب الأول: في مقدمة الأدلة ١٧ علم الإكتساب ١٧ الضرورة والدليل ١٨ أحكام العقل ١٩ أحكام السمع ١٩ الباب الثاني: في معرفة الإله المعبود ٢١ قول النصارى ٢٥ معنى الوحدانية ٢٦ الباب الثالث: في صحة التكليف ٢٩ تعريفات ٢٩ وجوب التكليف ٣٠ شرعية التكليف/ الأمر والإرادة ٣١ شروط صحة الأمر/ وقت الأمر/ أبواب الأمر ٣٢ الباب الرابع: في إثبات النبوات ٣٥ الأنبياء ﵈ ٣٥ إختلاف منكر والنبوة ٣٦
جواز لنبوات ٣٩ إثبات النبوات ٤١ حجج الأنبياء ٤٢ المعجزات والنبوة/ الإدراك والمعاينة ٤٥ الوحي والنبوة ٤٦ شروط التبليغ ٤٨ أسلوب التبليغ ٤٩ النبي والرسول ٥٠ وجوب التبليغ ٥١ الباب الخامس: في مدة العالم وعدة الرسل ٥٣ خلق الله سبحانه لآدم ٥٥ آدم وأبناؤه ٥٨ من إدريس إلى عيسى ﵉ ٦١ فصل في عمر الدنيا إلى قيام الساعة ٦٣ ما بين موسى وعيسى ﵉ ٦٥ الباب السادس: في إثبات نبوة محمد ﷺ ٦٩ الباب السابع: فيما تضمنه القرآن من أنواع الإعجاز ٧٣ وجوه الإعجاز: الإعجاز في التركيب اللغوي ٧٤ الإعجاز في المعاني ٧٥ الإعجاز في الأسلوب ٧٦ الإعجاز في الإيجاز وجزالة المعنى ٧٨ الإعجاز العلمي ٧٨ الإعجاز في الدلائل والبراهين ٧٩ الإعجاز في الإخبار عن الماضي ٨٠ الإعجاز بالإخبار عن الغيب ٨٠ الإعجاز بالإخبار عما في النفوس من أسرار ٨١ الإعجاز في الألفاظ ٨١
ي الدلائل والبراهين ٧٩ الإعجاز في الإخبار عن الماضي ٨٠ الإعجاز بالإخبار عن الغيب ٨٠ الإعجاز بالإخبار عما في النفوس من أسرار ٨١ الإعجاز في الألفاظ ٨١
الإعجاز في التلاوة ٨٢ الإعجاز في كونه معصوما من الزلل ٨٣ الإعجاز في شمولية معانيه ٨٤ الإعجاز في تماسك بيانه ٨٥ الإعجاز في عدم القدرة على الإحاطة بمعانيه ٨٥ الإعجاز في سهولة حفظه ٨٦ الإعجاز في عدم القدرة على الإتيان بمثله ٨٦ الإعجاز في عدم القدرة على الزيادة فيه ٨٧ الإعجاز في العجز عن معارضته ٨٨ الإعجاز في الصرف عن معارضته ٨٩ جامع الإعجاز ٩٠ القرآن كلام رب العالمين ٩١ الباب الثامن: في معجزات عصمته ﷺ ٩٥ في أعلام عصمته ٩٥ الباب التاسع: فيما شوهد من معجزات أفعاله ١٠٣ الباب العاشر: فيما سمع من معجزات أقواله ١١١ أقسام مجيء الأخبار ١١٣ الباب الحادي عشر: فيما أكرم به ﷺ من إجابة أدعيته ١٢٧ الباب الثاني عشر: في إنذاره ﷺ بما سيحدث بعده ١٣٥ الباب الثالث عشر: في معجزه ﷺ بما ظهر من البهائم ١٣٩ الباب الرابع عشر: في ظهور معجزه ﷺ من الشجر والجماد ١٤٣ الباب الخامس عشر: في بشائر الأنبياء ﵈ بنبوته ﷺ ١٤٩ فصل من البشائر به ١٥٠ من بشائر نوال بن نوتال من أنبياء بني إسرائيل ١٥٢ من بشائر عويديا من أنبياء بني إسرائيل ١٥٢ من بشائر ميخاء ١٥٣ من بشائر حبقوق ١٥٣ من بشائر حزقيال ١٥٣
من بشائر نوال بن نوتال من أنبياء بني إسرائيل ١٥٢ من بشائر عويديا من أنبياء بني إسرائيل ١٥٢ من بشائر ميخاء ١٥٣ من بشائر حبقوق ١٥٣ من بشائر حزقيال ١٥٣
من بشائر يرصفينا ١٥٤ من بشائر زكريا ١٥٤ من بشائر دانيال ١٥٤ من بشائر في رؤيا بختنصر ١٥٥ من بشائر أرميا بن برخنا ١٥٦ من بشائر داود في الزبور ١٥٧ من بشائر المسيح به في الإنجيل ١٥٧ الباب السادس عشر: في هتوف الجن بنبوته ﷺ ١٦٣ هتوف الجن ١٦٨ الباب السابع عشر: فيما هجست به النفوس من إلهام العقول ١٧٣ الباب الثامن عشر: في مبادىء نسبه وطهارة مولده ﷺ ١٨٥ طهارة مولد الرسول ﷺ ٢٠١ الباب التاسع عشر: في آيات مولده وظهور بركته ﷺ ٢٠٥ مولد الرسول ﷺ ٢٠٩ طفولته ﷺ ٢١٠ نشأته ﷺ ٢١١ في كفالة أبي طالب ٢١١ شبابه ﷺ ٢١٢ الباب العشرون: في شرف أخلاقه وكمال فضائله ﷺ ٢١٥ وجوه كماله ﷺ ٢١٦ إعتدال صورته ﷺ ٢١٦ طلاقته ﷺ ٢١٦ ميل القلوب إليه ﷺ ٢١٦ ميل النفوس إليه ﷺ ٢١٧ الوجه الثاني في كمال أخلاقه ﷺ ٢١٧ رجاحة عقله ﷺ ٢١٧ ثباته ﷺ في الشدائد ٢١٧ زهده ﷺ في الدنيا ٢١٨
تواضعه ﷺ للناس ٢٢١ حلمه ووقاره ﷺ ٢٢١ حفظ العهد والوفاء ﷺ ٢٢٢ الوجه الثالث في فضائل أقواله ٢٢٢ حكمته ﷺ ٢٢٣ حفظه ﷺ لما أطلعه الله عليه ٢٢٣ إحكامه لما شرع ﷺ ٢٢٣ أمره ﷺ بمحاسن الأخلاق ٢٢٤ وضوح جوابه ﷺ ٢٢٤ حفظه لسانه ﷺ ٢٢٥ بيانه ﷺ ٢٢٥ فصاحته ﷺ ٢٢٥ كلامه ﷺ ٢٢٦ فضائل أفعاله ﷺ ٢٢٨ حسن سيرته ﷺ ٢٢٨ الرغبة والرهبة ٢٢٨ العدل ٢٢٨ أمره بالاعتدال ﷺ ٢٢٩ إيضاحه ﷺ العبادات ٢٢٩ جهاده ﷺ ٢٣٠ شجاعته ﷺ ٢٣٠ سخاؤه وجوده ﷺ ٢٣١ الباب الحادي والعشرون: في مبدإ بعثته واستقرار نبوته ﷺ ٢٣٣ حبه الخلاء ﷺ ٢٣٤ أحواله ﷺ، الرؤيا الصادقة ٢٣٥ طهارته ﷺ ٢٣٦ البشرى بالنبوة ٢٣٧



