أعلام النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الماوردي (w. 450 H).

Bagian 5 dari 6 232 halaman

— Bagian 5 · أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير —

Bagian 5

أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور

والناس أولاد علات فمن علموا ... إن قد أقل فمهجور ومحقور وهم بنو الأم إلّا أن يروا نسبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور فلما قدم عبد المسيح على كسرى وأخبره قال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور، فملك منهم عشرة ملوك أربع سنين وزال ملكهم عن يزدجر الرابع عشر بعد اثنتي عشرة سنة. فإن قيل: فهذا قول كاهن قد أبطلته النبوة فلم يقبل قوله في إثبات النبوة فعنه جوابان: أحدهما: أنه تأويل رؤيا تحققت خرج بها عن حكم الكهانة. والثاني: أنه علمها بنقل الجن كهتوف الجن كما قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ «٤» فإذا سبر ما اختلفت طرقه وتغاير وصفه حرج عن القلة إلى التكاثر وعن الآحاد إلى التواتر فصار الظن معلوما والتوهم محتوما.

الباب الثامن عشر في مبادىء نسبه وطهارة مولده ﷺ لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخير خلقه لما كلفهم من القيام بحقه استخلصهم من أكرم العناصر وأمدهم بأوكد الأواصر حفظا لنسبهم من قدح ولمنصبهم من جرح لتكون النفوس لهم أوطأ والقلوب لهم أصفى فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ولأوامرهم أطوع ولما تفرغ الملك عن إبراهيم واختصت النبوة بولده انحازت إلى ولد إسحاق دون إسماعيل فصارت في بني إسرائيل لكثرتهم بعد القلة وقوّتهم بعد الذلة، فبدأت النبوة بموسى وانختمت بعيسى، ولما كثر ولد إسماعيل وانتشروا في الأرض تميز بعد الكثرة ولد قحطان عن ولد عدنان واستولت قحطان على الملك انحازت النبوة إلى ولد عدنان، فأول من أسس لهم مجدا وشيّد لهم ذكرا معد بن عدنان حين اصطفاه بختنصر «١» وقد ملك أقاليم الأرض وكان قد همّ بقتله حين غزا بلاد العرب فأنذره نبي كان في وقته بأن النبوة في ولده فاستبقاه وأكرمه ومكّنه واستولى على تهامة بيد عالية وأمر مطاع، وفيه يقول مهلهل الشاعر: غنيت دارنا تهامة بالأمس ... وفيها بنو معد حلولا

النبوة في ولده فاستبقاه وأكرمه ومكّنه واستولى على تهامة بيد عالية وأمر مطاع، وفيه يقول مهلهل الشاعر: غنيت دارنا تهامة بالأمس ... وفيها بنو معد حلولا ثم ازداد العز بولده نزار وانبسطت به اليد وتقدم عند ملوك الفرس واجتباه تستشف ملك الفرس وكان اسمه خلدان وكان مهزول البدن، فقال

الملك: ما لك يا نزار، وتفسيره في لغتهم يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم فسمي نزارا، وفيه يقول قمعة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان: جديسا خلفناه وطسما بأرضه ... فأكرم بنا عند الفخار فخارا فنحن بنو عدنان خلدان جدنا ... فسماه تستشف الهمام نزارا فسمى نزارا بعد ما كان اسمه ... لدى العرب خلدان بنوه خيارا وكان لنزار أربعة أولاد: مضر وربيعة وأياد وأنمار، فلما حضرته الوفاة وصّاهم فقال: يا بني هذه القبة الحمراء وما أشبهها لأياد وهذه الندوة والمجلس وما أشبهه لأنمار فإن أشكل عليكم واختلفتم فعليكم بالأفعى الجرهمي بنجران، فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إليه فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأ قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال أياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فلم يسيروا قليلا حتى لقيهم رجل يوضع على راحلته فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم، وقال ربيعة: هو أزور؟ قال: نعم، وقال أياد: هو أبتر؟ قال: نعم، وقال أنمار: هو شرود؟ قال: نعم، وهذه والله صفة بعيري فدلوني عليه، فقالوا: والله ما رأيناه، قال: قد وصفتموه بصفته فكيف لم تروه، وسار معهم إلى نجران حتى نزلوا بالأفعى الجرهمي، فناداه صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري وصفوه لي بصفته وقالوا لم نره، فقال لهم الأفعى الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويترك جانبا فعرفت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور، وقال أياد: رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر، وقال أنمار:

با فعرفت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور، وقال أياد: رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر، وقال أنمار: رأيته يرعى المكان الملتف ثم يجوز إلى غيره فعرفت أنه شرود، فقال الجرهمي لصاحب البعير: ليسوا أصحاب بعيرك فاطلب من غيرهم، ثم سألهم من هم؟ فأخبروه أنهم بنو نزار بن معد، فقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى، فدعا لهم لطعام فأكلوا وأكل، وبشراب فشربوا وشرب، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلبة، وقال أياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه

يدعى لغير أبيه، وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا. وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا ولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل به فوطئها فحملت منه به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من كرمة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها بلبن كلبة لأن الشاة حين ولدت ماتت ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها، فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد، وقيل لربيعة: من أين عرفت أن الشاة ارتضعت على لبن كلبة، قال: لأني شممت منه رائحة الكلب، وقيل لأياد: من أين عرفت أن الرجل يدعى لغير أبيه، قال: لأني رأيته يتكلف ما يعمله، ثم أتاهم الجرهمي وقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم نزار، فقضى لمضر بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهي حمر فسمي مضر الحمراء، وقضى لربيعة بالخباء الأسود والخيل الدهم فسمي ربيعة الفرس، وقضى لأياد بالخادمة الشمطاء والماشية البلق، وقضى لأنمار بالأرض والدراهم. وهذا الذي ظهر في أولاد نزار من قوة الذكاء وحد الفطنة تأسيسا لتميزهم بالفضل واختصاصهم بوفور العقل مقدمة لما يراد بهم، ثم تفرقت القبائل منهم، فاختص ولد مضر بن نزار بالحرم فتميزوا بأنسابهم وتناصروا بسيوفهم «٢» حتى استولت قريش على الحرم بعد جرهم وخزاعة لأن جرهم كانوا جبابرة فبغوا وتجبروا حتى بعث الله تعالى عليهم الرعاف والنمل فأفناهم وأفضى أمرهم إلى عامر بن الحرث وهم القائلون: واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه فاجتمعت خزاعة ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة على عامر بن ربيعة وبقية جرهم فأخرجوه من الحرم واستولت عليه خزاعة وولّي البيت عمرو بن ربيعة فقال:

ا نغشه فاجتمعت خزاعة ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة على عامر بن ربيعة وبقية جرهم فأخرجوه من الحرم واستولت عليه خزاعة وولّي البيت عمرو بن ربيعة فقال:

نحن ولّينا البيت بعد جرهم ... نعمره من كل باغ ملحد ولما انحاز عامر بن الحرث مع بقية جرهم عن الحرم عند استيلاء خزاعة عليه خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول: لا هم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك فلم تقبل توبته فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ودفنها وخرج ببقية جرهم وهو يقول: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والدهور الغواير فلما رأى عامر بن الحرث الجرهميّ ما صاروا إليه بعد الكثرة والقوة قال: يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا خطوا المطى وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا فوليت خزاعة البيت والحرم غير أنه كان في مضر من أمره ثلاث خلال: إحداهن: الدفع من عرفة إلى المزدلفة، كان إلى الغوث بن بزمر وهو صرفه. والثانية: الإفاضة من مزدلفة إلى منى للنحر كان لزيد بن عدوان وآخر من أفضى إليه أبو سيارة. والثالثة: النسيء لشهور الحج كان للمتلمس من بني كنانة واخر من أفضى إليه حتى جاء بالإسلام ثمامة بن عوف فشركت مضر خزاعة في معالم الحج وإن كانت زعامة الحرم لخزاعة وقريش في اوزاع بنى كنانة من مضر وأفضت

نانة واخر من أفضى إليه حتى جاء بالإسلام ثمامة بن عوف فشركت مضر خزاعة في معالم الحج وإن كانت زعامة الحرم لخزاعة وقريش في اوزاع بنى كنانة من مضر وأفضت

معالم الحج من أوزاع مضر إلى قريش فولاها منهم كعب بن لؤي بن غالب وكان يجمع الناس في كل يوم جمعة ويخطب فيه على قريش فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقول: حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم، وهو أول من فصح بالنبوة حين شاهد آثارها وعرف أسرارها من انقياد العرب إليهم تدينا بحرمهم وإعظاما لكعبتهم وكان ذلك إلهاما هجست به نفسه وتخيلا صدق فيه حدسه لأن لكل خطب نذيرا ولكل مستقبل بشيرا، وانتهضت خزاعة في الحرم إلى خليل بن الحبشية الخزاعي، فكان يلي الكعبة وأمر مكة، فتزوج إليه قصي بن كلاب فاشتد به قصي وكان اسمه زيد، فلما هلك خليل رأى قصي أنه أولى بالولاية على الكعبة وأمر مكة من خزاعة، فاستولى عليها. واختلف في سبب استيلائه فقال قوم: لأن خليلا أوصى إليه بذلك، وقال آخرون بل اشتراه من آل خليل بزق من خمر، وقال آخرون بل استنصر على خزاعة بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة القضاعي حتى أجلى خزاعة عن مكة فخلصت الرياسة لقصي فجمع قريشا وهم في أوزاع بني كنانة فمنعت بنو كنانة منهم فحاربهم بمن أطاعه حتى أفردهم منهم وجمعهم بمكة فسمي مجمعا، وفيه يقول شاعرهم: أبونا قصي كان يدعي مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر

عت بنو كنانة منهم فحاربهم بمن أطاعه حتى أفردهم منهم وجمعهم بمكة فسمي مجمعا، وفيه يقول شاعرهم: أبونا قصي كان يدعي مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر فلما اجتمعوا أنزلهم بطحاء مكة في الشعاب ورؤس الجبال وقسمها بينهم أرباعا بين قومه وأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها وكانت إليه الحجابة والسقاية والوفادة والندوة واللواء وصارت سنّته في قريش كالدين الذي لا يعمل بغيره فزادت القوة بجمعهم حتى عقد الولاية وجدّد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل وبنى دار الندوة للتحاكم والتشاجر والتشاور، وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بنى القوم دورهم بها فتمهدت لهم الرياسة وظهرت فيهم السياسة فصاروا بها زعماء عبادة أنذرت بطاعة إلهية وديانة نبوية توطئة لما جدده الله تعالى منها برسوله وتأسيسا لمباديها فقاموا بالكعبة ونزهوا الحرم وتكفلوا بالحج فصاروا دياني العرب

وولاة الحرم وقادة الحجيج فدانت لهم العرب وتقدموا فيهم بالشرف لحلولهم في الحرم وتكفلهم بالكعبة ثم قيامهم بالحج وشاع ذلك في الأمم. فحكى قوم من دياني «٣» العرب أن جماعة من ملوك الفرس زاروا الكعبة بمكة وعظموها وحملوا إليها صنوف الثياب وأنواع الطيب وزمزموا من معهم من الفرس عند بئر زمزم، فلذلك سميت زمزم، واستشهد قائل هذا بقول الشاعر: زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفة الأقدم وقريش هم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وقيل بل هم بنو فهر بن مالك بن النضر فمن نسبهم إلى النضر فلأنه تفرقت قبائل بني كنانة، وقيل كان يسمى قريشا ومن نسبهم إلى فهر فلأن فهرا في زمانه كان رئيس الناس بمكة وقصدها حسان بن عبد كلال في حمير وقبائل اليمن ليهدم الكعبة وينقل أحجارها إلى اليمن ليبنيه بيتا باليمن يجعل حج الناس إليه، فنزل بنخلة وأغار على سرح مكة فسار إليه فهر في كنانة وأحلافهم من قبائل مضر، فانهزمت حمير وأسر الحرث بن فهر حسان بن عبد كلال فبقي في يد فهر ثلاث سنين أسيرا بمكة حتى فدى نفسه وخرج فمات بين مكة واليمن، فعظم بهذا الحرث شأن فهر فأغزت إليه قريش حين حمى مكة ومنع من هدم الكعبة وكانت من أشباه عام الفيل واختلف في تسميتهم قريشا على أربعة أقاويل أحدها لتجمّعهم بعد التفرق، والتقرش التجمع، ومنه قول الشاعر: أخوة قرشوا الذنوب علينا ... في حديث من دهرهم وقديم والثاني لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم والقرش التكسب، والثالث لأنهم كانوا يفتشون الحاجة عند ذي الخلة «٤» فيسدون خلته والقرش التفتش، ومنه قول الشاعر: أيها السامت التقرش عنا ... عند عمرو فهل له إبقاء

كسب، والثالث لأنهم كانوا يفتشون الحاجة عند ذي الخلة «٤» فيسدون خلته والقرش التفتش، ومنه قول الشاعر: أيها السامت التقرش عنا ... عند عمرو فهل له إبقاء

والرابع أن قريشا اسم دابة في البحر من أقوى دوابه سميت بها قريش لقوتها، أنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر: وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجة البحر ... على ساكني البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا ... تترك يوما لذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حتى قريش ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا تملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشرا كميشا وهذا من هواجس النفوس المخبرة وآيات العقول المنذرة، فأما مكة فلها اسمان: مكة وبكة، وقد جاء القرآن بهما، واختلف في الاسمين هل هما لمسمى واحد أو لمسميين على قولين: أحدهما: أنه لمسمى واحد لأن العرب تبدل الميم بالباء فيقولون ضربة لازم ولازب لقرب المخرجين. والقول الثاني: وهو أشبه أنهما اسمان لمسميين، واختلف من قال بهذا في المسمى منهما على قولين؛ أحدهما: أن مكة اسم البلد وبكة «٥» اسم البيت، وهذا قول إبراهيم النخعي. والقول الثاني: أن مكة الحرم كله وبكة المسجد كله، وهذا قول زيد بن أسلم، فأما مكة فمأخوذة من قولهم: تمككت المخ إذا استخرجته لأنها تملك الفاجر، أي تخرجه، قال الشاعر: يا مكة الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذ حجا وعكا وأما بكة قال الأصمعي: سميت بذلك لأن الناس يبك بعضهم بعضا،

ته لأنها تملك الفاجر، أي تخرجه، قال الشاعر: يا مكة الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذ حجا وعكا وأما بكة قال الأصمعي: سميت بذلك لأن الناس يبك بعضهم بعضا،

أي يدفع، وأنشد يقول: إذا الشريب أخذته بكة ... فخله حتى يبك بكة ثم أفضت رئاسة قريش بعد قصي إلى ابنه عبد مناف بن قصي فجاد وزاد وساد حتى قال فيه الشاعر: كانت قريش بيضة فتفقأت ... فالمح خصاله لعبد مناف وكان اسمه المغيرة فدفعته أمه إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تعظيما له فغلب عليه عبد مناف وكان يسمى القمر لجماله فاستحكمت رياسته بعد أبيه لجوده وسياسته ثم ببنيه فولد له هاشم وعبد شمس توأمان في بطن فقيل أنه ابتدأ خروج أحدهما وأصبعه ملصقة بجبهة الآخر فلما أزيلت دمى موضعها فقيل: يكون بينهما دم، ثم ولد بعدهما نوفل، ثم المطلب. وكان أصغرهم فساروا وتقدمهم هاشم لسخائه وسؤدده، وكان اسمه عمرا، فسمي هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في سنة لزبة قحطة رحل فيها إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق وقدم به إلى مكة ونحر الجزر وجعلها ثريدا عمّ به أهل مكة حتى استقلوا، فقال فيه الشاعر: يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بال عبد مناف الآخذون العهد من آفاقها ... الراحلون لرحلة الإيلاف والرايشون وليس يوجد رايش ... والقائلون هلم للأضياف والخالطون غنيهم بفقيرهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف وهاشم أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وأراد أمية بن عبد شمس أن يتشبه بهاشم في صنيعه فعجز عنه فشمت به ناس كثير من قريش، فقال فيه وهب بن عبد قصي: تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به بريض أتاهم بالغرائر مثقلات ... من الشام بالبر البغيض فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب اللحم باللحم الغريض

ونشبت العداوة بين أمية وهاشم وأراد منافرته فكره هاشم ذلك لنسبه وقدره فلم تدعه قريش حتى نافره إلى الكاهن الخزاعي في خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة والجلاء من مكة عشر سنين، فنفر الخزاعي هاشما وقال لأمية: تنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأحسن منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفرا، فقال أمية: من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية وملك هاشم الوفادة والسقاية واستقرت له الرياسه وصارت قريش له تابعة تنقاد لأمره وتعمل برأيه، وتنافرت قريش وخزاعة إليه فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة، فقال في خطبته: أيها الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وبنو النضر ابن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسكان الحرم لنا ذروة الحسب ومعدن المجد ولكل في كل حلف يجيب عليه نصرته وإجابة دعوته إلّا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم يا بني قصي أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه والسيف لا يصان إلّا بغمده ورامي العشيرة يصيبه سهمه ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي أيها الناس الحلم شرف والصبر ظفر والمعروف كنز والجود سؤد والجهل سفه والأيام دول والدهر غير والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء وأكرموا الجليس يعمر ناديكم وحاموا الخليط يرغب في جواركم وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة وإياكم والأخلاق الدنيئة فإنها تضع الشرف وتهدم المجد ألا وأن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته ورأس العشيرة يحمل أثقالها ومقام الحليم عظة لمن انتفع به. فقالت قريش: رضينا بك أبا نضلة، وهي كنيته، فانظروا إلى ما أمر به من شريف الأخلاق ونهى عنه من مساوىء الأفعال هل صدر إلّا عن غزارة فضل وجلالة قدر وعلو همة وما ذاك إلّا لاصطفاء يراد وذكر يشاد لأن توالي ذلك في الآباء يوجب تناهيه في الأبناء، ومات هاشم بغزة من أرض الشام وهو أول

زارة فضل وجلالة قدر وعلو همة وما ذاك إلّا لاصطفاء يراد وذكر يشاد لأن توالي ذلك في الآباء يوجب تناهيه في الأبناء، ومات هاشم بغزة من أرض الشام وهو أول

من مات من ولد عبد مناف ثم مات عبد شمس بمكة فقبر باجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ومات المطلب بريمان من أرض اليمن، وكان هاشم قد تزوج بيثرب من الخزرج بسلمى بنت عمرو النجارية فولدت له بيثرب عبد المطلب وكان اسمه شيبة الحمد ونشأ فيهم حتى مات أبوه هاشم وانتقلت عنه الرياسة والوفادة والسقاية إلى أخيه المطلب ووصف له شيبة بيثرب فخرج فاستنزل أمه عنه حتى أخذه منها ودخل به مكة مردفا له فقالت قريش: من هذا؟ فقال: عبدي، فسمي عبد المطلب إلى أن مات فوثب عليه عمه نوفل ابن عبد مناف في ركح كان له فاغتصبه إياه- والركح الساحة- فسأل عبد المطلب رجالات قومه النصرة على عمه، فقالوا: لسنا داخلين بينك وبين عمك، فلما رأى عبد المطلب ذلك كتب إلى أخواله من بني النجار يقول: يا طول ليلي لأشجاني وأشغالي ... هل من رسول إلى النجار أخوالي ينبىء عديا ودينارا ومازنها ... ومالكا عصمة الجيران عن حالي وكنت ما كنت حيا ناعما جذلا ... أمشي الغضية سحابا لأذيالي حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلب عمي بترحالي فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام نوفل كي يعدو على مالي أئن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا والي أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذالي ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حي لجار وانعام وافضال أنتم ليان لمن لانت عريكته ... سلما لكم وسمام الأبلج العالي فقدم عليه ثمانون راكبا من بني النجار ونصروه على عمه نوفل وارتجعوا منه الركح وعادوا، وقد اشتد بهم عبد المطلب فدعا ذلك نوفلا أن حالف بني عبد شمس على عبد المطلب وبني هاشم ودعا ذلك عبد المطلب على أن حالف بني هاشم على نوفل وبني عبد شمس، فقوى عبد المطلب وضعف نوفل وانتقلت السقاية والوفادة والرياسة إلى عبد المطلب، وأخذ نوفل عهدا من أكاسرة العراق وصارت رحلته إليها، وأخذ عبد المطلب عهدا من ملوك الشام

لب وضعف نوفل وانتقلت السقاية والوفادة والرياسة إلى عبد المطلب، وأخذ نوفل عهدا من أكاسرة العراق وصارت رحلته إليها، وأخذ عبد المطلب عهدا من ملوك الشام

وأقيال حمير باليمن وصارت رحلته إليها، وحفر عبد المطلب حين قوي واشتد بئر زمزم وأخرج منها ما كان ألقاه فيها عامر بن الحرث الجرهمي ومن غزالي الكعبة وحجر الركن فضرب الغزالين صفائح ذهب على باب الكعبة ووضع الحجر في الركن، وصار عبد المطلب سيدا عظيم القدر مطاع الأمر نجيب النسل حتى مرّ به أعرابي وهو جالس في الحجر وحوله بنوه كالأسد، فقال: إذا أحب الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء، فأنشأ الله لهم بالنبوة دولة وخلد بها ذكرهم ورفع بها قدرهم حتى سادوا الأنام وصاروا الأعلام وصار كل من قرب إلى رسول الله ﷺ من آبائه أعظم رياسة وتنوها وأكثر فضلا وتالها. فحكى الزهري ويزيد بن رومان وصالح بن كيسان أن عبد الطلب بن هاشم نذر أنه متى رزق عشرة أولاد ذكور ورآهم بين يديه رجالا أن ينحر أحدهم للكعبة شكرا لربه حين علم أن إبراهيم أمر بذبح ولده تصوّرا من أنه أفضل قربة فلما استكمل ولده العدد وصاروا له من أظهر العدد قال لهم: يا بني كنت نذرت نذرا علمتموه قبل اليوم فما تقولون؟ قالوا: الأمر لك وإليك ونحن بين يديك، فقال: لينطلق كل واحد منكم إلى قدحه وليكتب عليه اسمه، ففعلوا ثم أتوه بالقداح فأخذها وجعل يرتجز ويقول: عاهدته وأنا موف عهده ... والله لا يحمد شيء حمده إذا كان مولاي وكنت عبده ... نذرت نذرا لا أحب رده ولا أحب ان اعيش بعده ثم دعا بالأمين الذي يضرب بالقداح فدفع إليه قداحهم وقال: حرك ولا تعجل، وكان أحب ولد عبد المطلب إليه عبد الله، فضرب صاحب القداح السهم على عبد الله، فأخذ عبد المطلب الشفرة وأتى بعبد الله وأضجعه بين إساف ونائلة وأنشأ مرتجزا يقول: عاهدته وأنا موف نذره ... والله لا يقدر شيء قدره هدا بني قد أريد نحره ... وإن يؤخره يقبل عذره وهمّ بذبحه فوثب إليه ابنه أبو طالب وكان أخا عبد الله لأبيه وامه وأمسك يد عبد المطلب عن أخيه، وأنشأ مرتجزا يقول:

كلا ورب البيت ذي الأنصاب ... ما ذبح عبد الله بالتلعاب «٦» يا شيب إن الريح ذو عقاب ... إن لنا جرة في الخطاب أخوال صدق كأسود الغاب فلما سمعت بنو مخزوم هذا من أبي طالب، وكانوا أخواله، قالوا صدق ابن أختنا، ووثبوا إلى عبد المطلب، فقالوا: يا أبا الحرث إنا لا نسلم ابن أختنا للذبح فاذبح من شئت من ولدك غيره، فقال: إني نذرت نذرا وقد خرج القدح ولا بد من ذبحه، قالوا: كلا لا يكون ذلك أبدا وفينا ذو روح وإنا لنفديه بجميع أموالنا من طارف وتالد «٧» ، وأنشأ المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم مرتجزا يقول: يا عجبا من فعل عبد المطلب ... وذبحه ابنا كتمثال الذهب كلا وبيت الله مستور الحجب ... ما ذبح عبد الله فينا باللعب فدون ما يبغي خطوب تضطرب ثم وثب السادات من قريش إلى عبد المطلب فقالوا: يا أبا الحرث إن هذا الذي عزمت عليه عظيم وإنك إن ذبحت ابنك لم تتهن بالعيش من بعده «٨» ولكن لا عليك أنت على رأس أمرك تثبت حتى نسير معك إلى كاهنة بني سعد فما أمرتك من شيء فامتثله، فقال عبد المطلب: لكم ذلك، وكانوا يرون الكهانة حقا، ثم خرج في جماعة من بني مخزوم نحو الشام إلى الكاهنة فلما دخلوا عليها أخبرها عبد المطلب بما عزم عليه من ذبح ولده وارتجز يقول: يا رب إني فاعل لما ترد ... إن شئت ألهمت الصواب والرشد يا سائق الخير إلى كل بلد ... قد زدت في المال وأكثرت العدد فقالت الكاهنة: انصرفوا عني اليوم، فانصرفوا وعادوا من الغد، فقالت: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت: فارجعوا إلى بلدكم وقدموا هذا الغلام الذي عزمتم على ذبحه وقدموا معه عشرة من

وا وعادوا من الغد، فقالت: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت: فارجعوا إلى بلدكم وقدموا هذا الغلام الذي عزمتم على ذبحه وقدموا معه عشرة من

الإبل ثم اضربوا عليه وعلى الإبل القداح فإن خرج القدح على الإبل فانحروها وإن خرج على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة عشرة حتى يرضى ربكم، فانصرف القوم إلى مكة وأقبلوا عليه يقولون: يا أبا الحرث إن لك في إبراهيم أسوة فقد علمت ما كان من عزمه في ذبح ابنه إسماعيل وأنت سيد ولد إسماعيل فقدّم مالك دون ولدك، فلما صبح عبد المطلب غدا بابنه عبد الله إلى الذبح وقرّب معه عشرة من الإبل ثم دعا بأمين القداح وجعل لابنه قدحا وقال: اضرب ولا تعجل، فخرج القدح على عبد الله، فجعلها عشرين فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها ثلاثين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها أربعين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها خمسين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها ستين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها ثمانين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها تسعين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها مائة، وضرب فخرج القدح على الإبل، فكبّر عبد الله وكبّرت قريش وقالت: يا أبا الحرث أنه قد أنهى رضاء ربك وقد نجا ابنك من الذبح، فقال: لا والله حتى أضرب عليه ثلاثا، فضرب الثانية فخرج على الإبل، فضرب الثالثة فخرج على الإبل، فعلم عبد المطلب أنه قد أنهى رضاء ربه في فداء ابنه فارتجز يقول: دعوت ربي مخلصا وجهرا ... يا رب لا تنحر بني نحرا وفاد بالمال تجد لي وفرا ... أعطيك من كل سوام عشرا عفوا ولا تشمت عيونا حزرا ... بالواضح الوجه المغشى بدرا فالحمد لله الأجل شكرا ... فلست والبيت المغطى سترا مبدلا نعمة ربي كفرا ... ما دمت حيا أو أزور القبرا ثم قربت الإبل وهي مائة من جملة إبل عبد المطلب فنحرت كلها فداء لعبد الله وتركت في مواضعها لا يصد عنها أحد يتناوبها من دب ودرج، فجرت السنّة في الدية بمائة من الإبل إلى يومنا هذا، وانصرف عبد المطلب بابنه عبد الله فرحا، فكان عبد الله يعرف بالذبيح، ولذلك قال النبي ﷺ: «أنا ابن

ج، فجرت السنّة في الدية بمائة من الإبل إلى يومنا هذا، وانصرف عبد المطلب بابنه عبد الله فرحا، فكان عبد الله يعرف بالذبيح، ولذلك قال النبي ﷺ: «أنا ابن

الذبيحين» - يعني إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وأباه عبد الله بن عبد المطلب- وهذا من صنع الله تعالى لرسوله لما قدره من رسالته وقضاه من آيات نبوته، فما يخلو نبي من بلوى منذرة ولا ملك من بلية زاجرة، هذا سليمان بن داود ﵉ وقد أعطاه الله مع النبوة ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وسأل الله تعالى الحكمة فأعطاه قلبا عليما وفهما سليما حتى وضع ثلاثة آلاف مثل تهذبت بها أخلاق قومه واستقامت بها سيرة ملكه بعد أن سخرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب وسخرت له الشياطين يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب. وذكر في سيرته أنه كان نزله في كل يوم من دقيق السميد ثلاثين كرا ومن غير السميد كرا وارتفاقه في كل سنة ستة وثلاثين ألف ألف ألف وثلاثة وثلاثين ألف ألف وثلاثمائة ألف مثقال، وكان له ألف وأربعمائة قيل متفرقة في القرى، وملك أربعين سنة كأبيه داود، فابتلاه الله تعالى في أثناء ملكه بعد عشرين سنة منه ما حكاه الله تعالى في كتابه بقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ «٩» . وفي فتنته قولان: أحدهما: أن سليمان سبى بنت ملك غزاه في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون «١٠» فألقيت عليه محبتها وهي معرضة عنه تذكرا لأبيها لا تنظر إليه إلّا شزرا ولا تكلمه إلّا نزرا، ثم إنها سألته أن يصنع لها تمثالا على صورته فأمر به فصنع لها فعظمته وسجدت له وسجد معها جواريها وصار صنما معبودا في داره وهو لا يعلم به حتى مضت أربعون يوما وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره ثم حرقه ثم ذراه في الريح، هذا قول شهر بن حوشب. والثاني: أن الله تعالى قد جعل ملك سليمان في خاتمه، فقال لآصف- وهو شيطان اسمه آصف الشياطين- كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان: أعطني خاتمك حتى أخبرك، فأعطاه خاتمه، فألقاه في البحر حتى ذهب ملكه،

وهذا قول مجاهد. وفي الجسد الذي ألقي على كرسيه قولان: أحدهما: أن الشيطان الذي ألقى خاتم سليمان في البحر جلس على كرسي سليمان متشبها بصورته يقضي بغير الحق ويأمر بغير الصواب. والثاني: أكثر من غشي جواريه طلبا للولد فولد له نصف إنسان فكان هو الجسد الملقى على كرسيه وزال عن سليمان ملكه فخرج هاربا إلى ساحل البحر يتضيف الناس ويحمل سموك «١١» الصيادين بالأجر، وإذا أخبر الناس أنه سليمان كذبوه، إلى أن أخذ حوتة من صياد قيل أنه استطعمها وقيل بل أخذها أجرا، فلما شق بطنها وجد خاتمه في جوفها وذلك بعد أربعين يوما من زوال ملكه عنه، وهي عدة الأيام التي عبد فيها الصنم في داره، فسجد الناس له حين عاد الخاتم إليه. وقال يحيى بن أبي عمر: وجد خاتمه بعسقلان فمشى فيها إلى بيت المقدس تواضعا لله. وفي قوله: ثُمَّ أَنابَ «١٢» تأويلان: أحدهما: ثم رجع إلى ملكه، قاله الضحاك. والثاني: ثم أناب من ذنبه، قاله قتادة، وبقي في ملكه بعد فتنته عشرين سنة استكمل بها الأربعين، وهي مدة الأيام الأربعين التي زال ملكه فيها. وأما بلوى الملوك: فإن بختنصر كان ملكه طبق عمارة الأرض حتى ملك الأقاليم السبعة ودانت له ملوك الأمم وأدوا إليه خراج بلادهم فطغى قلبه وشمخ أنفه فداخلته العزة واعتقد أن أمم الخلق قد صاروا عبيدا له وخولا وأن ملوك الأرض دانت بطاعته خوفا ورهبة، فغضب الله تعالى عليه وسلبه عزة سلطانه

لبه وشمخ أنفه فداخلته العزة واعتقد أن أمم الخلق قد صاروا عبيدا له وخولا وأن ملوك الأرض دانت بطاعته خوفا ورهبة، فغضب الله تعالى عليه وسلبه عزة سلطانه

وسطوته وأزال عنه هيبته وقدرته وجعل قلبه مثل قلوب الحيوان فانحط عن سرير ملكه ونفاه أعوانه عنهم فسكن الفلوات يأكل حشيشها وابتل جسمه من قطر السماء حتى طال شعره وصارت أظفاره كمخاليب الطير حتى حال سبعة أحوال وهو في سكرة لا يدري الناس إلّا أنه كنوع من الحيوان الذي في صورة البشر إلى أن استنقذه الله تعالى من كربه فثاب إليه عقله وراجعه تمييزه فرجع ببصره إلى السماء معظما لله تعالى ومستجيرا به ومعترفا أن لا سلطان إلّا له يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فطلبه قوّاده ليردّوه إلى سلطانه حتى وجدوه فأعادوه إلى دار عزه وأجلسوه على سرير ملكه فعاد إلى خوف الله تعالى ومراقبته وإلى ما كان عليه من جميل سيرته واستناب دانيال النبي في خلافته وتدبير ملكه إلى أن مضى لسبيله بعد إحدى وخمسين سنة من ملكه ودانيال على خلافته. ومنهم من ملوك الفرس: كسرى أبرويز، بلغ في الملك مبلغا عظيما وكان في قصره اثنتا عشر ألف جارية منهن للاستمتاع ثلاثة آلاف جارية وباقيهن للغناء والخدمة، وكان في داره ثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته وكان له ألف فيل إلّا فيل ومن الخيل والبغال خمسون ألف رأس منها لمركبه ثمانية آلاف وخمسائة، وأمر أن يحصى ما اجتبى من خراج بلاده سنة ثمان عشرة من ملكه فكان ستمائة ألف ألف درهم وعدد على ابنه شيرويه بعد قبضه عليه أنه قال: أمرنا في سنة ثلاثين ملكنا بإحصاء ما في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله لأرزاق الجند وكان من الورق أربعمائة ألف بدرة يكون فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف ألف مثقال سوى ما أفاءه الله تعالى علينا وزادنا من أموال ملوك الروم في سفن أقبلت بها الريح إلينا قسمناه في الرياح ولم تزل تزداد أموالنا إلى سنتنا هذه وهي سنة ثمان وثلاثين من ملكنا وفيها قبض عليه ابنه حتى قتله، وقد ذكر له ما جمع لأنه استطال واحتقر الناس.

في الرياح ولم تزل تزداد أموالنا إلى سنتنا هذه وهي سنة ثمان وثلاثين من ملكنا وفيها قبض عليه ابنه حتى قتله، وقد ذكر له ما جمع لأنه استطال واحتقر الناس. فانظر أيها المعتبر بعقله في صنع الله تعالى وقدرته فيمن يبتليه اختبارا ويبلوه ازدجارا هل لما قضاه من دافع وفيما ابتلاه من مانع إلّا بلطف منه يؤتيه من يشاء وهو القوي العزيز.

طهارة مولد الرسول ﷺ وأما طهارة مولده فإن الله تعالى استخلص رسوله من أطيب المناكح وحماه من دنس الفواحش ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة، وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تأويل قول الله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «١٣» أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلتك نبيا، وقد كان نور النبوة في آبائه ظاهرا. حكي أن كاهنة بمكة يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية قرأت الكتب فمر بها عبد المطلب ومعه ابنه عبد الله يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل؟ فعصمه الله تعالى من إجابتها وقال لها: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فاستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه فلما تزوجت به آمنة وحملت منه برسول الله ﷺ قال لها: هل لك فيما قلت، فلم تر ذلك النور في وجهه، فقالت له: قد كان ذلك مرة فاليوم لا، ماذا صنعت؟ فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية، فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول: الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا ... عليك وفارقت الضياء المباركا غدوت عليّ خاليا فبذلته ... لغيري هنيا فألحقن بنسائكا ولا تحسبن اليوم أمس وليتني ... رزقت غلاما منك في مثل حالكا وداخلها الأسف على ما فاتها والحسرة على ما تولى عنها فحسدت آمنة على ما صار لها فأنشأت تقول: إني رأيت مخيلة نشأت ... فثلألأت كتلألؤ الفجر ولما بها نور يضيء به ... ما حولها كإضاءة البدر

ورأيتها متبينا شرفا ... ما كل قادح زنده يوري لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري وأنذرت بني هاشم فقالت: بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خموده ... قتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوي الفتى من بلاده ... لحزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان ولما حوت منه أمينة ما حوت ... منه فخارا ما لذلك ثان سيكفيكه إما يد منغلة ... وإما يد مبسوطة لبنان وهذا من آيات الله تعالى في رسوله إن عصم أباه حين كان في ظهره أن يضعه من سفاح حتى وضعه من نكاح ثم زالت العصمة بعد وضعه حتى عرض بالطلب بعد أن كان مطلوبا ورغب فيه بعد أن كان مرغوبا ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله تعالى للنبوّة غاية ولتفرده بها آية فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به فلذلك مات أبواه عنه في صغره فأما أبوه عبد الله فمات عنه بمكة وهو حمل وأما آمنة فماتت عنه بالمدينة وهو ابن ست سنين لأنها رحلت إليها لزيارة أخوالها من بني النجار فماتت عندهم، وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام سادوا ورأسوا لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ليس في آبائه خامل مسترذل ولا مغمور مستذل، كلهم سادة قادة، وهم أخص الناس بالمناكح الطاهرة حتى تحرجوا من نكاح المحارم وإن استباحه غيرهم من العرب حتى حكي أن حاجب بن زرارة وهو سيد بني تميم نكح بنته وأولدها، وقد كان سماها دختنوس باسم بنت كسرى، وقال فيها حين نكحها مرتجزا:

ن استباحه غيرهم من العرب حتى حكي أن حاجب بن زرارة وهو سيد بني تميم نكح بنته وأولدها، وقد كان سماها دختنوس باسم بنت كسرى، وقال فيها حين نكحها مرتجزا:

يا ليت شعري عنك دختنوس ... إذا أتاها الخبر المرموس أتسحب الذيلين أم تميس ... لا بل تميس أنها عروس وهذا في قريش من الفواحش. وفي التوراة أن لوطا نكح بنتين له فولدتا غلامين ولهما ذرية كبيرة، ولوط هو ابن أخي إبراهيم الخليل، وقد تزوج إبراهيم بنت أخيه سارة بنت هاران بن تارخ، فتنزهت قريش من هذه المناكح حفظا لحرمة الأرحام الدانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة فتضعف الحمية وتقل الغيرة. فإن قيل: يشارك الأنبياء في شرف النسب وطهارة المولد غيرهم فلم يستحق بهما النبوّة. قيل: هما من شروط النبوة وإن استحقت غيرهما فلم يمتنع أن يكون لهما في النبوة تأثير معتبر ووصف مختبر.

الباب التاسع عشر في آيات مولده وظهور بركته ﷺ ايات الملك باهرة وشواهد النبوة قاهرة تشهد مباديها بالعواقب فلا يلتبس فيها كذب بصدق ولا منتحل بمحقّ، وبحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها. ولما دنا مولد رسول الله ﷺ تعاطرت آيات نبوّته وظهرت آيات بركته فكان من أعظمها شأنا وأظهرها برهانا وأشهرها عيانا وبيانا أصحاب الفيل أنفذهم النجاشي من أرض الحبشة في جمهور جيشه إلى مكة لقتل رجالها وسبي ذراريها وهدم الكعبة، واختلف في سببه فذكر قومه أن إبراهيم بن الصباح استولى على اليمن معتزيا إلى النجاشي فبنى بصنعاء اليمن كنيسة للنصارى واستعان في بنيانها بقيصر والنجاشي حتى بناها في تشييدها وحسنها ليعدل بالعرب عن حج الكعبة إليها، فأنكرته العرب ودخل إلى هيكلها بعض بني كنانة من قريش فأحدث فيها فكتب إلى النجاشي يستمده بالفيل وجيش الحبشة ليغزو قريشا ويهدم الكعبة فسار بهم وأخذ أبا رغال من الطائف دليلا إلى مكة حتى أنزله بالمغمس ومات أبو رغال بالمغمس فدفن فيه فرجمت العرب قبره، فهو القبر المرجوم بالمغمس.

م الكعبة فسار بهم وأخذ أبا رغال من الطائف دليلا إلى مكة حتى أنزله بالمغمس ومات أبو رغال بالمغمس فدفن فيه فرجمت العرب قبره، فهو القبر المرجوم بالمغمس. وقال آخرون: بل سببه أن نفرا من تجار قريش مروا ببيعة للنصارى على شاطىء البحر فنزلوا بفنائها وأوقدوا نارا لعمل طعامهم فاحترقت البيعة فأقسم النجاشي ليسبين مكة وليهد من الكعبة، فأنفذ جيشه والفيل مع إبراهيم بن الصباح وأبو مكسوم وحجر بن شراحيل والأسود بن مقصود، وكان النجاشي

هو الملك وأبرهة صاحب جيشه على اليمن وأبو مكسوم وزيره وحجر والأسود من قواده فساروا بالجيش مع الفيل حتى نزلوا بذي المجاز وتقدمهم الأسود بن مقصود فاستاق سرح مكة، فقال فيه عبد الله بن مخزوم: لا هم اخز الأسود بن مقصود ... الآخذ الهجمة بعد التقليد ويهدم البيت الحرام المعبود ... والمروتين والمشاعر السود اخزهم يا رب وأنت معبود كان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب وقد قلد بعضها فخرج وكان وسيما جسيما إلى أبرهة وسأله في إبله، فقال له أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك وقد زهدت الآن فيك، قال: ولم؟ قال: جئت لأهدم الكعبة بيتا هو دينك ودين آبائك فلم تسألني فيه وسألتني في إبلك، فقال عبد المطلب: أنا رب إبلي وللبيت رب غيري سيمنعه منك، فقال أبرهة: ما كان ليمنعه مني، ورد على عبد المطلب إبله مستهزئا ليعود فيأخذها، فأحرزها عبد المطلب في جبال مكة وأتى الكعبة فأخذ حلقة الباب وجعل يقول: يا رب إن المرء يم ... نع حله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك فلئن فعلت فإنه ... أمر يتم به فعالك اسمع بارجس من أرا ... دوا العدو وانتهكوا حلالك جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك وتوجه الجيش إلى مكة من طريق منى والفيل معهم إذا بعث على الحرم أحجم وإذا أعدل عنه أقدم فوقعوا بالمغمس، فقال أبو الطيب بن مسعود في ذلك وقيل بل قاله عبد المطلب: إن آيات ربنا ساطعات ... ما يماري بها إلّا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى ... مر يعوي كأنه معقور

وبصر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب. إن هذه غريبة بأرضنا ما هي نجدية ولا تهامية ولا حجازية وإنها لأشباه اليعاسيب، وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة، فلما أظلت على القوم ألقتها عليهم حتى هلكوا فأفلت من القوم أبرهة ورجع إلى اليمن فمات في طريقه بعد أن كان يسقط من جسده عضو عضو حتى هلك، ولما تأخر القوم عنهم واستعجم خبرهم عليهم قال عبد المطلب: يا رب لا نرجوا لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا وبعث ابنه عبد الله ليأتيه بخبرهم فوجد جميعهم قد شدختهم الأحجار حتى هلكوا، فعاد راكضا إلى عبد المطلب وأصحابه وأخذوا أموالهم، فكانت أول أموال بني عبد المطلب، فأشنأ مرتجزا يقول: أنت منعت الجيش والأفيالا ... وقد رعوا بمكة الأخيالا وقد خشينا منهم القتالا ... وكل أمر لهم معضالا شكرا وحمدا لك ذا الجلالا وآية الرسول من قصة الفيل: أنه كان في زمانه حملا في بطن أمه بمكة لأنه ولد بعد خمسين يوما من الفيل وبعد موت أبيه في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ووافق من شهور الروم العشرين من شباط في السنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنو شروان. وحكى أبو جعفر الطبري أن مولده ﷺ كان لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنو شروان (فكانت آيته) في ذلك من وجهين: أحدهما: أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملا ووليدا. والثاني: أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقون به رفع أصحاب الفيل عنهم وما هم أهل كتاب لأنهم كانوا بين عابد صنم أو متدين وثن أو ثائل

بي حملا ووليدا. والثاني: أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقون به رفع أصحاب الفيل عنهم وما هم أهل كتاب لأنهم كانوا بين عابد صنم أو متدين وثن أو ثائل

بالزندقة أو مانع من الرجعة «١» ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيسا للنبوة وتعظيما للكعبة وأن يجعلها قبلة للصلاة ومنسكا للحج. فإن قيل: فكيف منع عن الكعبة قبل مصيرها قبلة ومنسكا ولم يمنع الحجّاج من هدمها وقد صارت قبلة ومنسكا حتى أحرقها ونصب المنجنيق عليها، فقال فيها على ما حكي عنه: كيف تراه ساطعا غباره ... والله فيما يزعمون جاره وقال راميها بالمنجنيق: قطارة مثل الفنيق المزبد ... أرمي بها أعواد كل مسجد قيل: فعل الحجّاج كان بعد استقرار الدين فاستغنى عن آيات تأسيسه، وأصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع منها آية لتأسيس النبوة ومجيء الرسالة على أن الرسول ﷺ قد أنذر بهدمها فصار الهدم آية بعد أن كان المنع آية، فلذلك اختلف حكمهما في الحالين والله تعالى أعلم. ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل تهيبوا الحرم وأعظموه وزادت حرمته في النفوس ودانت لقريش بالطاعة وقالوا: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم كيد عدوهم، فزادوهم تشريفا وتعظيما، وقامت قريش لهم بالوفادة والسدانة والسقاية، والوفادة: مال تخرجه قريش في كل عام من أموالهم يصنعون به طعاما للناس أيام منى، فصاروا أئمة ديانين وقادة متبعين، وصار أصحاب الفيل مثلا في الغابرين. وروى هشام بن محمد الكلبي عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج في الجاهلية تاجرا إلى الشام فمرّ بزنباع بن روح وكان عشارا فأساء إليه في اجتيازه وأخذ مكسه فقال عمر بعد انفصاله: متى ألف زنباع بن روح ببلدة ... إلى النصف منها يقرع السن بالندم ويعلم أنا من لؤي بن غالب ... مطاعين في الهيجا مضاريب في التهم فبلغ ذلك زنباعا فجهز جيشا لغزو مكة، فقيل له: إنها حرم الله ما

صف منها يقرع السن بالندم ويعلم أنا من لؤي بن غالب ... مطاعين في الهيجا مضاريب في التهم فبلغ ذلك زنباعا فجهز جيشا لغزو مكة، فقيل له: إنها حرم الله ما

أرادها أحد بسوء إلّا هلك كأصحاب الفيل فكفّ زنباع، فقال: تمنى أخو فهر لقاي ودونه ... قراطبة مثل الليوث الحواظر فوالله لولا الله لا شيء غيره ... وكعبته راقت إليكم معاشري لأقتل منكم كل كهل معمم ... وأسبي نساء بين جمع الأباعر فبلغ ذلك عمر رضوان الله تعالى عليه فأجابه وقال: ألم تر أن الله أهلك من بغى ... علينا قديما في قديم المعاشر وأردى أبا مكسوم أبرهة الذي ... أتانا مغيرا كالفنيق المخاطر بجمع كثير يحرج العين وسطه ... على رأسه تاج على رأس باكر فما راعنا من ذلك العبد كيده ... وكنا به من بين لاه وساخر وقال سأبغي البيت هدما ولا أرى ... بمكة ماش بين تلك المشاعر فرداه رب العرش عنا رداءه ... ولم ينجه إعظامه بالمرائر فأهلكه والتابعين له معا ... وأسرى به من ناصر ومسامر وليس لنا فاعلم وليس لبيتنا ... سوى الله من مولى عزيز وناصر فدونك زرنا تلق مثل الذي لقوا ... جميعهم من دار عين وحاسر وكان شأن الفيل رادعا لكل باغ ودافعا لكل طاغ وقد عاصر رسول الله ﷺ في زمن نبوته وبعد هجرته جماعة شاهدوا الفيل وطير الأبابيل منهم حكيم ابن حزام وحاطب بن عبد العزى ونوفل بن معاوية لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة وعشرين منها ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام.

مولد الرسول ﷺ ولما حملت آمنة بنت وهب برسول الله ﷺ حدثت أنها أتيت، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع على الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأيت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام. قالت أم عثمان بن العاص شهدت ولادة آمنة برسول الله ﷺ وكان ليلا فما شيء أنظر إليه من البيت إلّا نور وإنني أنظر إلى النجوم تدنو وإني أقول لتقعن عليّ ولما وضعته تركت عليه في ليلة ولادته جفنة فانقلبت عنه فكان من آياته أن لم

تحوه وأرسلت إلى جده عبد المطلب أن قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه فقيل إن عبد المطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة فقام عنده يدعو ويشكر بما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها وقال: قد رأى فيه سمات المجد وتوسم فيه إمارات السؤدد أن محمدا لن يموت حتى يسود العرب والعجم وأنشأ يقول: الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان أعيذه بالواحد المنان ... من كل ذي عيب وذي شنآن حتى أراه شامخ البنيان

طفولته ﷺ ولم يزل موفور البركة على كل لائذ به وكافل له فروى جهم بن أبي الجهم عن عبد الله بن جعفر قال: لما ولد رسول الله ﷺ قدمت حليمة بنت الحرث ابن عبد العزى تلتمس الرضعاء في سنة شيبة قالت ومعنا شارف والله ما يبض لنا بقطرة من لبن ومعي بني لي منه وما نجد في ثديي ما نعلله إلّا أنا نرجو الغيث وكانت لنا غنم فنحن نرجوها فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلّا عرض عليها رسول الله ﷺ فلم تقبله وكرهناه ليتمه فأخذ كل صاحبي رضعاء ولم أجد غيره فأخذته وأتيت به رحلي فوالله إن هو إلّا أن ثبت في الرحل وأمسيت فأقبل ثدياي باللبن حتى أرويته وأرويت اخاه، وقام أبوه إلى شارفنا تلك ليمسه بيده فإذا هي حافل فحلبها ما رواني من لبنها وروى الغلمان فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة ثم اغتدينا راجعين إلى بلادنا فركبت أتاني وحملته معي فوالذي نفس حليمة بيده لقد طفت بالركب حتى أن النسوة ليقلن يا حليمة امسكي عنا أهذه أتانك التي خرجت عليها قلت نعم: فقلت والله إني لأرجو أن أكون قد حملت عليها غلاما مباركا قالت: فكان الله يزيدنا به في كل يوم خيرا وإن غنمنا لتعود من الرعي بطانا حفلا، وتعود غنم الناس خماصا جياعا. قال: فبينا هو يلعب خلف البيوت وأخوه في بهم لنا إذ أتاني أخوه يشتد فقال: إن أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثوبان أبيضان فأخذاه فأضجعاه

ناس خماصا جياعا. قال: فبينا هو يلعب خلف البيوت وأخوه في بهم لنا إذ أتاني أخوه يشتد فقال: إن أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثوبان أبيضان فأخذاه فأضجعاه

وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه فوجدناه قائما قد انتقع لونه فلما رآنا أجهش إلينا باكيا قالت فالتزمته أنا وأبوه وقلنا له ما لك فقال: جاءني رجلان فأضجعاني فشقا بطني وصنعا بي يلم رداءه كما هو قال أنس بن مالك جاءه جبريل فصرعه، فشق بطنه، فاستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه. قال أنس: قد كنت أنظر إلى المخيط في صدره، ثم إن زوج حليمة قال لها: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، فاحتملته حليمة حتى قدمت به على أمه آمنة فقالت أمه ما أقدمك به يا ظئر، قالت: قد قضيت الذي عليّ وتخوّفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين قالت: ما هذا شأنك، فاصدقيني فأخبرتها حليمة بحاله وقالت: تخوّفت عليه الشيطان، فقالت أمه كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وأن له لشأنا وأني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت منه قصور بصرى ووقع حين ولدته وأنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه في السماء دعيه فانطلقي راشدة وفي هذا الخبر من آياته ما تذعن النفوس بصحة نبوّته.

نشأته ﷺ وروى محمد بن إسحاق قال حدثني بعض أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال: لقد رأيتني وأنا غلام يفع بمكة مع غلمان قريش نحمل حجارة على أعناقنا وقد حملنا أزرنا فوطأنا على رقابنا إذ دفعني دافع ما أراه وقال: اشدد عليك إزارك، فشددت إزاري، وهذا من نذر الصيانة ليكون عليها ناشئا ولها آلفا

في كفالة أبي طالب وروى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما هممت بشيء مما كان في الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين ما أريد فإني قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت إلى غنمي حتى أدخل مكة فاسمر بها ما يسمر الشباب، فقال ادخل، فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور

لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت إلى غنمي حتى أدخل مكة فاسمر بها ما يسمر الشباب، فقال ادخل، فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور

مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج فلانة ابنة فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلّا مس الشمس، قال فجئت صاحبي، فقال ما فعلت، فقلت: ما صنعت شيئا وأخبرته الخبر، قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، فقال افعل، فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت ودخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذنيّ فوالله ما أيقظني إلّا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته» . فهذه أحوال عصمته قبل الرسالة، وصده عن دنس الجهالة، فاقتضى أن يكون بعد الرسالة أعظم ومن الأدناس أسلم وكفى بهذه الحال أن يكون من الأصفياء الخيرة أن أمهل ومن الأتقياء البررة أن أغفل ومن أكبر الأنبياء عند الله تعالى من أرسل مستخلص الفطرة على النظرة، وقد أرسله الله تعالى بعد الاستخلاص وطهره من الأدناس فانتفت عنه تهم الظنون وسلم من ازدراء العيون ليكون الناس إلى إجابته أسرع وإلى الانقياد له أطوع.

شبابه ﷺ ولما نشأ رسول الله ﷺ في قريش على أحمد هدى وصيانة وأكمل عفاف وأمانة سمّوه الأمين بعد اختباره وقدموه لفضله ووقاره، وتشاوروا في هدم الكعبة وبنائها لقصر سمكها وكان فوق القامة وسعة حيطانها وكان يتهافت، فأرادوا تجديدها وتعليتها وخافوا من الإقدام على هدمها وكان للكعبة كنز وجدوه عند دويك مولى لبني مليح من خزاعة وأخذته قريش منه وقطعت يده واتهموا به الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أن يكون قد تولى أخذه وأودعه عند دويك، فنافروه إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها أن لا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة، فكان يجول حول مكة حتى استوفى العشر، وكان يظهر في الكعبة حية يخاف الناس منها لا يدنو منها أحد إلّا اخزألت وفتحت فاها فتوقوها إلى أن علت ذات يوم على جدار الكعبة فسقط طائر فاختطفها.

فقالت قريش: إنا لنرجوا أن يكون الله قد رضي ما أردنا، وكان البحر قد قذف سفينة على ساحل جدة لرجل من تجار الروم، وكان بمكة نجار من القبط، فهيأ لهم تسقيف الكعبة بخشب السفينة، فلما أزمعوا على هدمها قام أبو وهب بن عمير وكان خال رسول الله ﷺ ذا شرف وقدر فأخذ حجرا من الكعبة فوثب الحجر من يده حتى عاد في موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلّا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس، وتصورت قريش أن عود الحجر من يد أبي وهب إلى موضعه أن الله تعالى قد كره هدمها فهابوه. وقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول وقام عليها وهو يقول: اللهم لا نريد إلّا الخير، ثم هدم الركنين فتربص الناس به تلك الليلة، وقال: ننتظر فإن أصيب لم تهدم وإن لم يصب هدمناها وقد رضي ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته وعاد إلى عمله وتحاصت قريش الكعبة فكان شق البيت لبني عبد مناف وزهرة وما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل انضمت إليه من قريش وكان شق الحجر والحطيم لبني عبد الدار وبني عبد العزّى وبني عدي وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم حتى انتهوا إلى الأساس فأفضوا إلى حجارة خضر قيل أنها كانت على قبر إسماعيل فضربوا المعول بين حجرين فلما تحركا انتقضت «٢» مكة بأسرها فكفوا وانتهوا إلى أصل الأساس وجمعت كل قبيلة حجارة ما هدمت وبنوا حتى انتهوا إلى ركن الحجر فتنازعت القبائل فيمن يضع الحجر في موضعه من الركن فأقبلوا حتى مكثوا أربع ليال أو خمسا ثم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا فقال أبو أمية بن المغيرة وكان أمين قريش في وقته: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول رجل يدخل من باب هذا المسجد. فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ فقالوا: هذا محمد وهو الأمين، فقالوا قد رضينا به، لما قد استقر في نفوسهم من فضله وأمانته، فلما وصل إليهم أخبروه، فقال: ائتوني ثوبا، فأتوه بثوب، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب

ستقر في نفوسهم من فضله وأمانته، فلما وصل إليهم أخبروه، فقال: ائتوني ثوبا، فأتوه بثوب، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب

وليرفعوه جميعا ففعلوا، فلما بلغ الحجر إلى موضعه وضعه فيه بيده، فكان هذا الفعل من مستحسن أفعاله وآثاره والرضاء به من أمارات طاعته. وكان ذلك بعد عام الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، فكان ذلك تأسيسا لما يريده الله تعالى به من كرامته وتوطئة لقبول ما تحمله من رسالته والله أعلم بمغيب ما استأثر من علمه.

الباب العشرون في شرف أخلاقه وكمال فضائله ﷺ المهيأ لأشرف الأخلاق وأجمل الأفعال المؤهل لأعلى المنازل وأفضل الأعمال لأنها أصول تقود إلى ما ناسبها ووافقها وتنفرد مما باينها وخالفها، ولا منزلة في العالم أعلى من النبوة التي هي سفارة بين الله تعالى وعباده تبعث على مصالح الخلق وطاعة الخالق فكان أفضل الخلق بها أخص وأكملهم بشروطها أحق بها وأمسّ ولم يكن في عصر الرسول ﷺ وما دانى طرفيه من قاربه في فضله ولا داناه في كماله خلقا وخلقا وقولا وفعلا وبذلك وصفه الله تعالى في كتابه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» . فإن قيل: فليست فضائله دليلا على نبوّته ولم يسمع بنبي احتج بها على أمته ولا عوّل عليها في قبول رسالته لأنه قد يشارك فيها حتى يأتي بمعجز يخرق العادة فيعلم بالمعجز أنه نبي لا بالفضل. قيل: الفضل من أماراتها وإن لم يكن من معجزاتها ولأن تكامل الفضل معوز فصار كالمعجز ولأن من كمال الفضل اجتناب الكذب وليس من كذب في ادعاء النبوّة بكامل الفضل فصار كمال الفضل موجبا للصدق والصدق موجبا لقبول القول فجاز أن يكون من دلائل الرسل.

وجوه كماله ﷺ فإذا وضح هذا فالكمال المعتبر في الشر يكون من أربعة أوجه: أحدها: كمال الخلق. والثاني: كمال الخلق. والثالث: فضائل الأقوال. والرابع: فضائل الأعمال

[الوجه الأول في كمال خَلْقه]

تبر في الشر يكون من أربعة أوجه: أحدها: كمال الخلق. والثاني: كمال الخلق. والثالث: فضائل الأقوال. والرابع: فضائل الأعمال

[الوجه الأول في كمال خَلْقه]

اعتدال صورته ﷺ فأما الوجه الأول: في كمال خلقه بعد اعتدال صورته فيكون بأربعة أوصاف. أحدها: السكينة الباعثة على الهيبة والتعظيم الداعية إلى التقديم والتسليم وكان أعظم مهيب في النفوس حتى ارتاعت رسل كسرى من هيبته حين أتوه مع ارتياضهم «٢» بصولة الأكاسرة ومكاثرة الملوك الجبابرة فكان في نفوسهم أهيب وفي أعينهم أعظم وإن لم يتعاظم بأهبة ولم يتطاول بسطوة بل كان بالتواضع موصوفا وبالوطاء معروفا.

طلاقته ﷺ والثاني: الطلاقة الموجبة للإخلاص والمحبة الباعثة على المصافاة والمودة وقد كان محبوبا ولقد استحكمت محبة طلاقته في النفوس حتى لم يقله مصاحب «٣» ولم يتباعد منه مقارب وكان أحب إلى أصحابه من الآباء والأبناء وشرب البارد على الظمأ.

ميل القلوب إليه ﷺ والثالث: حسن القبول الجالب لممايلة القلوب حتى تسرع إلى طاعته

وتذعن بموافقته، وقد كان قبول منظره مستوليا على القلوب ولذلك استحكمت مصاحبته في النفوس حتى لم ينفر منه معاند ولا استوحش منه مباعد إلّا من ساقه الحسد إلى شقوته وقاده الحرمان إلى مخالفته.

ميل النفوس إليه ﷺ والرابع: ميل النفوس إلى متابعته وانقيادها لموافقته وثباته على شدائده ومصابرته فما شذ عنه معها من أخلص ولا ند عنه فيها من تخصص، وهذه الأربعة من دواعي السعادة وقوانين الرسالة وقد تكاملت فيه فكمل لما يوازيها واستحق ما يقتضيها.

الوجه الثاني في كمال أخلاقه ﷺ وأما الوجه الثاني: في كمال أخلاقه فيكون بست خصال:

رجاحة عقله ﷺ إحداهن: رجاحة عقله وصحة وهمه وصدق فراسته، وقد دل على وفور ذلك فيه صحة رأيه وصواب تدبيره وحسن تألفه وأنه ما استفعل في مكيدة ولا استعجز في شديدة بل كان يلحظ الإعجاز في المبادىء فيكشف عيوبها ويحل خطوبها وهذا لا ينتظم إلّا بأصدق وهم وأوضح جزم.

ثباته ﷺ في الشدائد والخصلة الثانية: ثباته في الشدائد وهو مطلوب وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب ونفسه في اختلاف الأحوال ساكنة لا يجوز في شديدة ولا يشكين لعظيمة أو كبيرة ويقدر على الخلاص أو بالشر وهو لا يزداد إلّا اشتدادا وصبرا، وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي ويهدد الصياصي وهو مع الضعيف يصابر صبر المستعلي ويثبت ثبات المستولي. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علىّ

ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» . وروى عبد الرحمن بن زيد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع آل محمد من الشعير يومين حتى قبض رسول الله ﷺ، ومن صبر على هذه الشدائد في الدعاء إلى الله تعالى امتنع أن يريد به الدنيا وقد زويت عنه وما ذاك إلّا لطلب الآخرة ومستحيل ممن كذب في ادعائه إليها أن يستوحشها أو كذب على الله تعالى أن يثاب إليها.

تعالى امتنع أن يريد به الدنيا وقد زويت عنه وما ذاك إلّا لطلب الآخرة ومستحيل ممن كذب في ادعائه إليها أن يستوحشها أو كذب على الله تعالى أن يثاب إليها.

زهده ﷺ في الدنيا والخصلة الثالثة: زهده في الدنيا وإعراضه عنها وقناعته بالبلاغ «٤» منها فلم يمل إلى نضارتها ولم يله لحلاوتها. وروى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: قيل لرسول الله ﷺ إن شئت أعطيت خزائن الأرض ما لم يعط أحد قبلك ولا يعطاه أحد بعدك ولا ينقصك في الآخرة شيئا، قال: «اجمعوها لي في الآخرة» ، فنزلت: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً «٥» . وروى هلال بن أبي خباب عن عكرمة عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه دخل على رسول الله ﷺ وهو على حصير قد أثر في جسمه، فقال له: يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوطأ من هذا، فقال: «ما لي وللدنيا ما لي وللدنيا والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلّا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار ثم راح وتركها» . وروى حميد بن بلال بن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبدا وأزارا غليظا وقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين.

ار ثم راح وتركها» . وروى حميد بن بلال بن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبدا وأزارا غليظا وقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين.

هذا وقد ملك من أقصى الحجاز إلى عذار العراق «٦» ومن أقصى اليمن إلى شحر عمان «٧» وهو أزهد الناس فيما يقتني ويدخر وأعرضهم عما يستفاد ويحتكر لم يخلف عينا ولا دينا ولا حفر نهرا ولا شيد قصرا ولم يورث ولده وأهله متاعا ولا مالا ليصرفهم عن الرغبة في الدنيا كما صرف نفسه عنها فيكونوا على مثل حاله في الزهد فيها. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة ﵂ إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه تريد الميراث فمنعها، فقالت: من يرثك، قال: ولدي وأهلي، فقالت: فلا ترث رسول الله ﷺ بنته؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنا لا نورث ما تركنا فهو صدقة» ، فمن كان رسول الله ﷺ يعوله، فأنا أعوله، ومن كان رسول الله ﷺ ينفق عليه فأنا أنفق عليه. وحث رسول الله ﷺ على الزهد في الدنيا والإعراض عن التلبس بها ليكون عونا على السلامة من تباعتها وصرف النفوس عن شهواتها. وروى عبد المطلب بن حاطب عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته فآثروا ما يبقى على ما يفنى» . وروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» . وروى أبو حكيم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت» «٨» . وروى عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عجبا كل العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور» .

وروى عوف عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما مثل الدنيا كمثل الماشي على الماء، هل يستطيع الذي يمشي على الماء أن لا تبتل قدماه» . وهذه الدواعي والوصايا ما اقتدى به خلفاؤه في زهده وانتقلوا بالأمور من بعده، فكان أبو بكر يتخلل عباءة له، وهو خليفة، فسمي ذا الخلالين، وكان عمر يلبس مرقعة من صوف فيها رقاع من ادم ويطوف في الأسواق على عاتقه درة يؤدب بها الناس ويمر بالنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس حتى ينتفعوا به ويطوف وحده في الليل عسسا ويتطلع غوامض الأمور تجسسا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان عثمان يقوم الليل كله يختم القرآن في ركعة، وجاد بماله وفدى الخلق بنفسه وقال إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد، واشترى علي رضي الله تعالى عنه وهو خليفة قميصا بثلاثة دارهم وقطع كمه من موضع الرسغين وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه، ولم يزل يأكل الخشب «٩» ويلبس الخشن، وفرق الأموال حتى رش بيت المال ونام فيه وقال: يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري، وحقيق بمن كان في الدنيا بهذه الزهادة حتى اجتذب أصحابه إليها أن لا يتهم بطلبها ويكذب على الله تعالى في ادعاء الآخرة بها ويقنع في العاجل وقد سلب الآجل بالميسور النزر ورضي بالعيش الكدر. وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في شهر رمضان قدمي غداءك المبارك وقالت ربما لم يكن إلّا تمرتين. وروى عبد الله بن مسلمة عن مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فوجد أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فسألهما فقال: «ما أخرجكما» ، فقالا: الجوع، فقال رسول الله ﷺ: «وأنا أخرجني الجوع» ، فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيهان فأمر له بحنطة أو شعير عنده يعمل وقام فذبح لهم شاة، فقال له: نكب عن ذات الدّر «١٠» واستعذب لهم ماء علق على نخلة

ثم أوتوا بذلك الطعام فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ﷺ: «لتسألن عن نعيم هذا اليوم» ، ثم ملكوا الدنيا فرفضوها واقتنعوا بالبلاغة فيها «١١» .

توا بذلك الطعام فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ﷺ: «لتسألن عن نعيم هذا اليوم» ، ثم ملكوا الدنيا فرفضوها واقتنعوا بالبلاغة فيها «١١» .

تواضعه ﷺ للناس والخصلة الرابعة: تواضعه للناس وهم أتباع وخفض جناحه لهم وهو مطاع يمشي في الأسواق ويجلس على التراب ويمتزج بأصحابه وجلسائه فلا يتميز عنهم إلّا بإطراقه وحيائه فصار بالتواضع متميزا وبالتذلل متعززا، ولقد دخل عليه بعض الأعراب فارتاع من هيبته، فقال: «خفض عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة» ، وهذا من شرف أخلاقه وكريم شيمه، فهي غريزة فطر عليها وجبلة طبع بها لم تندر فتعدّ ولم تحصر فتحدّ.

حلمه ووقاره ﷺ والخصلة الخامسة: حلمه ووقاره عن طيش يهزّه أو خرق يستفزه، فقد كان أحلم في النفار «١٢» من كل حليم وأسلم في الخصام من كل سليم وقد مني بجفوة الأعراب فلم يوجد منه نادرة ولم يحفر عليه بادرة ولا حليم غيره إلّا ذو عثرة ولا وقور سواه إلّا ذو هفوة فإن الله تعالى عصمه من نزغ الهوى وطيش القدرة بهفوة أو عثرة ليكون بأمته رؤوفا وعلى الخلق عطوفا، قد تناولته قريش بكل كبيرة وقصدته بكل جريرة وهو صبور عليهم ومعرض عنهم وما تفرد بذلك سفهاؤهم دون حلمائهم ولا أراذ لهم دون عظمائهم بل تمالأ عليه الجلة والدون «١٣» فكلما كانوا عليه من الأمر وألح كان عنهم أعرض وأفصح حتى قهر فعفا وقدر فغفر، وقال لهم حين ظفر بهم عام الفتح وقد اجتمعوا إليه: ما ظنكم بي؟ قالوا: ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال: بل أقول كما قال يوسف لأخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ

إليه: ما ظنكم بي؟ قالوا: ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال: بل أقول كما قال يوسف لأخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ

يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «١٤» قال ﷺ: «اللهم قد أذقت أول قريش نكالا فأذق آخرهم نوالا» ، وأتته هند بنت عتبة وقد بقرت بطن عمه حمزة ولاكت كبده فصفح عنها وأعطاها يده لبيعتها. فإن قيل: فقد ضرب رقاب بني قريظة صبرا في يوم أحد وهم نحو سبعمائة فأين موضع العفو والصفح وقد انتقم انتقام من لم يعطفه عليهم رحمة ولا داخلته لهم رقة. قيل: إنما فعل ذلك في حقوق الله تعالى وقد كانت بنو قريظة رضوا بتحكيم سعد بن معاذ عليهم فحكم أن من جرت عليه الموسى قتل ومن لم تجر عليه استرق، فقال رسول الله ﷺ: «هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة «١٥» فلم يجز أن يعفو عن حق وجب الله تعالى عليهم، وإنما يختص عفوه بحق نفسه» .

حفظ العهد والوفاء والخصلة السادسة: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد، فإنه ما نقض لمحافظ عهدا ولا أخلف لمراقب وعدا، يرى الغدر من كبائر الذنوب والإخلاف من مساوىء الشيم فيلتزم فيهما الأغلظ ويرتكب فيهما الأصعب حفظا لعهده ووفاء بوعده حتى يبتدىء معاهدوه بنقضه فيجعل الله تعالى له مخرجا كفعل اليهود من بني قريظة وبني النضير وكفعل قريش بصلح الحديبية فجعل الله تعالى له في نكثهم الخيرة، فهذه ست خصال تكاملت في خلقه فضّله الله تعالى بها على جميع خلقه.

الوجه الثالث في فضائل أقواله وأما الوجه الثالث: في فضائل أقواله فمعتبر بثمان خصال:

حكمته ﷺ إحداهن: ما أوتي من الحكمة البالغة وأعطي من العلوم الجمة الباهرة وهو أمي من أمة أمية لم يقرأ كتابا ولا درس علما ولا صحب عالما ولا معلما فأتى بما بهر العقول وأذهل الفطن من إتقان ما أبان وإحكام ما أظهر فلم يعثر فيه بزلل في قول أو عمل وجعل مدار شرعه على أربعة أحاديث أوجز بها المراد وأحكم بها الاجتهاد. أحدها: قوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى» . والثاني: قوله: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبين ذلك أمور متشابهات ومن يحم الحمى يوشك أن يقع فيه» . والثالث: قوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . والرابع: قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وقد شرع من تقدم من حكماء الفلاسفة سننا حملوا الناس على التدين بها حين علموا أنه لا صلاح للعالم إلّا بدين ينقادون له ويعلمون به مما راق لها أثر ولا فاق لها خبر، وهم ينبوع الحكم وأعيان الأمم، وما هذه الفطرة في الرسول ﷺ إلّا من صفاء جوهره وخلوص مخبره.

حفظه ﷺ لما أطلعه الله عليه والخصلة الثانية: حفظه لما أطلعه الله تعالى عليه من قصص الأنبياء مع الأمم وأخبار العالم في الزمن الأقدم حتى لم يعزب عنه منها صغير ولا كبير ولا شذ عنه منها قليل ولا كثير وهو لا يضبطها بكتاب يدرسه ولا يحفظها بعين تحرسه، وما ذاك إلّا من ذهن صحيح وصدر فسيح وقلب شريح، وهذه الثلاثة آلة ما استودع من الرسالة وحمل من أعباء النبوّة، فجدير أن يكون بها مبعوثا وعلى القيام بها محثوثا.

إحكامه لما شرع ﷺ والخصلة الثالثة: إحكامه لما شرع بأظهر دليل وبيانه بأوضح تعليل حتى

لم يخرج منه ما يوجبه معقول ولا دخل فيه ما تدفعه العقول ولذلك قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا» ، لأنه نبّه بالقليل على الكثير فكف عن الإطالة وكشف عن الجهالة وما تيسر ذلك إلّا وهو عليه معان وإليه مفاد.

تيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا» ، لأنه نبّه بالقليل على الكثير فكف عن الإطالة وكشف عن الجهالة وما تيسر ذلك إلّا وهو عليه معان وإليه مفاد.

أمره ﷺ بمحاسن الأخلاق والخصلة الرابعة: ما أمر به من محاسن الأخلاق ودعا إليه من مستحسن الآداب وحث عليه من صلة الأرحام وندب إليه من التعطف على الضعفاء والأيتام ثم ما نهى عنه من التباغض والتحاسد وكف عنه من التقاطع والتباعد، فقال: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عبادا لله أخوانا» ، لتكون الفضائل فيهم أكثر ومحاسن الأخلاق بينهم أنشر ومستحسن الآداب عليهم أظهر وتكون إلى الخير أسرع ومن الشر أمنع فيتحقق فيهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «١٦» فلزموا أوامره واتقوا زواجره فتكامل بهم صلاح دينهم ودنياهم حتى عز بهم الإسلام بعد ضعفه وذل الشرك بعد عزه فصاروا أئمة أبرارا وقادة أخيارا.

وضوح جوابه والخصلة الخامسة: وضوح جوابه إذا سئل وظهور حجابه إذا جودل لا يحصره عي ولا يقطعه عجز ولا يعارضه خصم في جدال إلّا كان جوابه أوضح وحجاجه أرجح، أتاه أبي بن خلف بعظم نخر من المقابر قد صار رميما ففركه حتى صار كالرماد ثم قال: يا محمد أنت تزعم أنا وآباءنا نعود إذا صرنا هكذا لقد قلت قولا عظيما ما سمعناه من غيرك: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ «١٧» فأنطق الله تعالى رسوله ﷺ ببرهان نبوّته فقال: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «١٨» فانصرف مبهوتا ولم يحر جوابا، ولما

قال ﵊: «لا عدوى ولا طيرة» ، قال له رجل: يا رسول الله إنا نرى النقبة من الجرب في مشفر البعير فيعدو سائره، قال: «فمن أعدى الأول» ، وأسكته.

وابا، ولما

قال ﵊: «لا عدوى ولا طيرة» ، قال له رجل: يا رسول الله إنا نرى النقبة من الجرب في مشفر البعير فيعدو سائره، قال: «فمن أعدى الأول» ، وأسكته.

حفظه لسانه ﷺ والخصلة السادسة: أنه محفوظ اللسان من تحريف في قول واسترسال في خبر يكون إلى الكذب منسوبا وللصدق مجانبا، فإنه لم يزل مشهورا بالصدق في خبره فاشيا وكثيرا حتى صار بالصدق مرموقا وبالأمانة مرسوما وكانت قريش بأسرها تتيقن صدقه قبل الإسلام فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه، فمنهم من كذبه حسدا ومنهم من كذبه عنادا ومنهم من كذبه استبعادا أن يكون نبيا أو رسولا، ولو حفظوا عليه كذبة نادرة في غير الرسالة لجعلوها دليلا على تكذيبه في الرسالة ومن لزم الصدق في صغره كان له في الكبر ألزم ومن عصم منه في حق نفسه كان في حقوق الله تعالى أعصم، وحسبك بهذا دفعا لجاحد وردا لمعاند.

بيانه ﷺ والخصلة السابعة: تحرير كلامه في التوخي به إبان حاجته والاقتصار منه على قدر كفايته فلا يسترسل فيه هدرا ولا يحجم عنه حصرا وهو فيما عدا حالتي الحاجة والكفاية أجمل الناس صمتا وأحسنهم سمتا ولذلك حفظ كلامه حتى لم يختل وظهر رونقه حتى لم يعتل واستعذبته الأفواه حتى بقي محفوظا في القلوب مدونا في الكتب فلن يسلم الإكثار من زلل ولا الهذر من ملل، أكثر أعرابي عنده الكلام فقال: يا أعرابي كم دون لسانك من حجاب؟ قال شفتاي وأسناني، فقال ﷺ: «إن الله يكره الأنبعاق «١٩» في الكلام فنضر الله وجه امرىء قصر من لسانه واقتصر على حاجته» .

فصاحته ﷺ والخصلة الثامنة: أنه أفصح الناس لسانا وأوضحهم بيانا وأوجزهم كلاما

Bagian 5 dari 6