أعلام النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الماوردي (w. 450 H).

Bagian 4 dari 6 232 halaman

— Bagian 4 · عرب اليمن في مجلسهم، إذ أقبل عجل وسلم فسألهم وقا… —

Bagian 4

عرب اليمن في مجلسهم، إذ أقبل عجل وسلم فسألهم وقال: أهل دريح أمر نجيح ببطن مكة يصيح بلسان فصيح بشهادة أن لا إله إلا الله فأجيبوه وقال: وفيه نزل قول الله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا «٨» فإن قيل فيجوز أن يكون ما سمع من كلام البهائم كالصدى يحكي كلام المتكلم فيظنه السامع كلام الصدى وهو كلام المتكلم ويكون ذلك بقوة يحدثها الله تعالى في المتهيء لذلك يخفى عن الأسماع والأبصار فعنه جوابان: أحدهما: أن الصدى يحكي كلاما مسموعا إذا قابله قبل صوته فحكاه وليس كلام البهيمة مقابلا لكلام يحكيه فامتنع التشاكل. والثاني: أن القوة المهيأة ليست من جنس قوى البشر فلا يكون في التفاضل إعجاز وإنما هي خارجة عن جنس قواهم فخرج عن قدرتهم، وما خرج عن قدرة البشر كان معجزا لو صح هذا الإعتراض لبطل به الإعتراض.

الباب الرابع عشر في ظهور معجزه ﷺ من الشجر والجماد ولئن كانت المعارف من الجمادات أبعد والكلام منها أغرب فليس بمستعد ولا مستغرب أن يحدث الله تعالى فيها من الآيات الخارجة عن العادة ما يحج الله تعالى به من استبصر ويمد به من استنصر. فمن آياته ﷺ: ما حكاه أهل النقل عن علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه أنه خطب على الناس خطبته المعروفة بالناصعة، فقال فيها: الحمد لله الذي هو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب أيها الناس اتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ولا لفضله عندكم حسادا ولا تطيعوا أساس الفسوق وأحلاس العقوق فإن الله تعالى مختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم، ألا ترون أنه اختبر الأولين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأنواع الشدائد وتعبدهم بألوان المجاهد ليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله وأسبابا دللا «١» لعفوه فاحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات «٢» بسوء الأفعال وذميم الأعمال أن تكونوا أمثالهم فلقد كانوا على أحوال مضطربة وأيد مختلفة وجماعة متفرقة في بلاء أزل وأطباق جهل من بنات موؤدة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله

على أحوال مضطربة وأيد مختلفة وجماعة متفرقة في بلاء أزل وأطباق جهل من بنات موؤدة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة فانظروا إلى مواقع نعم الله

عليهم حين بعث اليهم رسولا كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها وأسالت لهم جداول نعيمها فهم حكام على العالمين وملوك في أطراف الأرضين يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ويمضون الأحكام على من كان يمضيها فيهم ولقد كنت مع رسول الله ﷺ وقد أتاه الملأ من قريش فقالوا: يا محمد! إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه أباؤك ولا أحد من أهل بيتك ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب، قال لهم: «وما تسألون» ؟ قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال ﷺ: «إن الله على كل شيء قدير فإن فعل الله ذلك لكم أتؤمنون وتشهدون بالحق» ؟ قالوا: نعم، قال: «فإني سأريكم ما تطلبون وإني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير وأن منكم من يطرح في القليب ومن يحزب الأحزاب» ، ثم قال: «أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يديّ بإذن الله تعالى» ، قال علي رضي الله تعالى عنه: فو الذي بعثه بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصيف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ مرفرقة وألقت بعضها الأعلى عليه وببعض أغصانها على منكبيّ وكنت عن يمينه، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فأقبل نصفها كأعجب إقبال وأشده دويا فكادت تلتف برسول الله ﷺ، فقالوا كفرا وعتوّا، فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره فرجع، فقلت أنا: لا إله إلا الله فأنا أول مؤمن بك يا رسول الله وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا لنبوتك وإجلالا لكلمتك،

فأمره فرجع، فقلت أنا: لا إله إلا الله فأنا أول مؤمن بك يا رسول الله وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصديقا لنبوتك وإجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: با ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه وهل يصدقك في أمرك هذا إلا مثل هذا- بعنونني- وهذا حكاه خطيبا على الإشهاد وقل أن يخلو جمع مثله ممن يعرف حق ذلك من باطله فكانوا بالموافقة مجمعين على صحته ولولاه لظهر الرد وإن ندر وهذا من أبلغ آيه وأظهر إعجاز له. ومن آياته ﷺ: ما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هل من آية فيما تدعو إليه؟ قال: «نعم، ائت تلك الشجرة فقل لها: رسول الله ﷺ يدعوك، فمالت عن يمينها ويسارها

وبين يديها فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد «٣» الأرض حتى وقفت بين يديه» فقال الأعرابي: مرها لترجع إلى منبتها، فأمرها فرجعت إلى منبتها، فقال الأعرابي: أئذن لي أسجد لك، فقال:» لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» ، قال: فائذن لي أن أقبل يديك ورجليك، فأذن له. ومن آياته ﷺ: ما رواه يعلى بن شبابة قال: كنت مع رسول الله ﷺ في مسير فأراد أن يقضي حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الأخرى ثم أمرهما بعد قضاء حاجته أن يرجعا إلى منبتهما فرجعتا. ومن آياته ﷺ: ما رواه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. ومن آياته ﷺ: أنه مر في غزوة الطائف في كثيف من طلح فمشى وهو وهو وسن من النوم فاعترضته سدرة «٤» فانفرجت السدرة له بنصفين فمر بين نصفيها، وبقيت السدرة منفرجة على ساقين إلى قريب من أعصارنا هذه، وكانت معروفة بذلك في مكانها يتبرك بها كل مارّ ويسمونها سدرة النبي ﷺ. ومن آياته ﷺ: ما رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: صعد النبي ﷺ حراء ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن والزبير وطلحة وسعيد فتحرك الجبل، فقال النبي ﷺ: «اسكن حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» ، فسكن الجبل. ومن آياته ﷺ: ما رواه جابر بن عبد الله قال: كان في رسول الله ﷺ خصال لم يكن يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. ومن آياته ﷺ: ما رواه ثابت عن أنس قال: كنا عند رسول الله ﷺ

ر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. ومن آياته ﷺ: ما رواه ثابت عن أنس قال: كنا عند رسول الله ﷺ

فأخذ كفا من حصا فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في أيدينا فما سبحن في أيدينا. ومن آياته ﷺ: «ما رواه جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف حجرا من مكة كان يسلّم عليّ» . ومن آياته ﷺ: أن عكاشة بن محصن انقطع سيفه بيده يوم بدر فدفع إليه رسول الله ﷺ قطعة من خشب وقال: «قاتل بها الكفار يا عكاشة» ، فتحولت سيفا في يده، فكان يقاتل به بحتى قتله طليحة في الردة. ومن آياته ﷺ: أنه كان يخطب إلى جذع كان يستند إليه، فلما اتخذ منبرا تحول عن الجذع إليه، فحن إليه الجذع حتى ضمه إليه فسكن. ومن آياته ﷺ: أن مكرزا العامري أتاه فقال: هل عندك من برهان نعرف به أنك رسول الله ﷺ فدعا بتسع حصيات فسبحن في يده فسمع نغماتها من جمودتها، وهذا أبلغ من إحياء عيسى للموتى. ومن آياته ﷺ: أنه لما حاصر الطائف سموا له جذعة فكلمه منها الذراع، فقالت: لا تأكلني فإني مسمومة، وهذا نظير إحياء الموتى. ومن آياته ﷺ: أنه أول ما أوحي إليه لم يمر بحجر ولا مدر إلا سلّم عليه بالنبوّة، وهذا نظير قول الله تعالى لداود: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ «٥» . ومن آياته ﷺ: ما رواه حمزة بن عمرو الأسلمي قال: نفرنا مع رسول الله ﷺ في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعه. ومن آياته ﷺ: ما رواه إبراهيم بن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: إنكم تعدون الآيات عذابا وإنا كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ بركة، لقد كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام. فإن قيل: فقد يجوز أن يتخيل ذلك للناظر كما يتخيل لراكب السفينة سير

ى عهد رسول الله ﷺ بركة، لقد كنا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام. فإن قيل: فقد يجوز أن يتخيل ذلك للناظر كما يتخيل لراكب السفينة سير

النخل والشجر، فعنه جوابان: أحدهما: أنه وإن تخيل ذلك لراكب السفينة فهو غير متخيل لغيره من قائم وقاعد وهذا متحقق عند كل مشاهد على اختلاف أحواله. والثاني: أن راكب السفينة يعلم أنه تخيل له غير معلوم وهذا معلوم غير متخيل. وإن قيل: فقد يجوز أن يكون في خواص الجواهر ما يجذب النخل والشجر كما في خاص حجر المغناطيس أن يجذب الحديد فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد علم خاصية حجر المغناطيس وظهر ولم يعلم ذلك في غيره فلم يوجد ولو كان ذلك موجودا لكان الملوك عليه أقدر ولكان مذخورا في خزائنهم كإدخار كل مستغرب ومستظرف ولجاز ادعاء مثله في قلب الأعيان وإبطال الحقائق. والثاني: أنه لو كان ذلك لخاصية الجوهر جاذبا كان بظهوره جاذبا وبملاقاته للنخل والشجر فاعلا ولا ينقل إليه عن غيره وكل هذا فيه معدوم وإن كان في حجر المغناطيس موجودا.

الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء ﵈ بنبوته ﷺ إن لله تعالى عونا على أوامره وإغناء عن نواهيه فكان أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوّة بما تقدمه من بشائرها وتبديه من أعلامها وشعائرها ليكون السابق مبشرا ونذيرا واللاحق مصدقا وظهيرا فتدوم بهم طاعة الخلق وينتظم بهم استمرار الحق وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوّة محمد ﷺ مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم بما أطلعه الله تعالى على غيبه ليكون عونا للرسول وحثا على القبول. فمن ذلك بشائر موسى ﵇ في التوراة: فأولها؛ في الفصل التاسع من السفر الأول (لما هربت هاجر من سارة تراءى لها ملك وقال: يا هاجر أمة سارة ارجعي إلى سيدتك فاخضعي لها، فإن الله سيكثر زرعك وذريتك حتى لا يحصون كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين إبنا وتسميه إسماعيل لأن الله تعالى قد سمع خشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهذا لم يكن في ولد إسماعيل إلا رسول الله ﷺ لأنهم كانوا قبله مقهورين فصاروا به قاهرين) .

عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهذا لم يكن في ولد إسماعيل إلا رسول الله ﷺ لأنهم كانوا قبله مقهورين فصاروا به قاهرين) . ومنها: قوله في هذا السفر لإبراهيم حين دعاه في إسماعيل (وباركت عليه وكثرته وعظمته جدا جدا وسيلد اثنى عشر عظيما وأجعله لأمة عظيمة) وليس في ولد إسماعيل من جعله لأمة عظيمة غير محمد ﷺ. ومنها: في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس عن موسى عليه

السلام (إن الرب إلهكم قال إني أقيم لهم نبيا مثلك من بين إخوتهم أجعل كلامي على فمه فأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي فأنا أنتقم منه) ومعلوم أن أخا بني إسرائيل هم بنو إسماعيل وليس منهم من ظهر كلام الله تعالى على فمه غير محمد ﷺ «١» . ومنها: في الفصل العشرين من هذا السفر (أن الرب جاء من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من جبال فاران ومعه عن يمينه ربوات جيش القديسين فمنحهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة) فمجيء الله تعالى من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى، وإشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى لأنه كان في ساعير أرض الخليل في قرية ناصرة، واستعلاؤه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ وفاران هي جبال في مكة في قول الجميع، فإن ناكروا كان دفعا لما في التوراة ولأنه لم يستعل الدين كاستعلائه منها فاندفع الإنكار بالعيان.

فصل من البشائر به كان بين موسى وعيسى من الأنبياء الذين أوتوا الكتاب باتفاق أهل الكتابين عليهم ستة عشر نبيا ظهرت كتبهم في بني إسرائيل فبشر كثير منهم بنبوة محمد ﷺ. فمنهم: شعيا «٢» بن أموص قال في الفصل الثاني والعشرين (قومي فأزهري مصباحك) يعني مكة (فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقا ويظهر كرامته عليك فتسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك ارفعي

لله طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقا ويظهر كرامته عليك فتسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك ارفعي

بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم يستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بعيد وتسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم حتى تعمرك الإبل المؤبلة وتضيق أرضك عن القطرات التي تجمع إليك ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ يحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام قاذار) يعني غنم العرب لأنهم من ولد قاذار «٣» بن إسماعيل (ويرتفع إلى مديحي ما يرضينني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدا) وهذه الصفات كلها موجودة بمكة فكان ما دعا إليها هو الحق ومن قام بها هو المحق. وفي فصل آخر من كتابه: (قال لي الرب فامض فاقم على المنظرة تخبرك بما ترى فرأى راكبين أحدهما راكب حمار) يعني عيسى (والآخر راكب جملا) يعني محمدا (فبينما هو كذلك إذ أقبل أحد الراكبين وهو يقول هوت بابل وتكسرت آلهتها المنجورة على الأرض فهذا الذي سمعت الرب إله إسرائيل قد أنبأتكم) . وفي الفصل «٤» السادس عشر منه (لتفرح أرض البادية العطشى بمنتهج البراري والفلوات ولتسر وتزهو مثل الوعل فإنها بأحمد محاسن لبنان، ويكمل حسن الدساكر والرياض وسترون جلال الله تعالى بها) قال شعيا وسلطانه على كتفه يريد علامة نبوته على كتفه. وهذه صفة محمد ﷺ وبادية الحجاز. وفي الفصل التاسع عشر منه: (هتف هاتف من البدو فقال خلوا الطريق للرب وسهلوا سبيل الهنا في القفر فستمتلىء الأودية مياها وتفيض فيضا وتنخفض الجبال والروابي انخفاضا وتصير الآكام «٥» دكاكا، والأرض الوعرة مذللة ملسا، وتظهر كرامات الرب ويراها كل أحد. وفي الفصل العشرين منه وهو مذكور في ثلاث وخمسين ومائة من مزامير داود: (لترتاح البوادي وقراها، ولتصير أرض قاذار مروجا، ويسيح سكان

الرب ويراها كل أحد. وفي الفصل العشرين منه وهو مذكور في ثلاث وخمسين ومائة من مزامير داود: (لترتاح البوادي وقراها، ولتصير أرض قاذار مروجا، ويسيح سكان

الكهوف ولتهتفوا من قلال الجبال بمحمد الرب وليرفعوا تسابيحه، فإن الرب يأتي كالجبار الملتظي المتكبر وهو يزجر ويقتل أعداءه) وأرض قاذار هي أرض العرب لأنهم ولد قاذار. والمروج ما صار حول مكة من النخل والشجر والعيون. وفي الفصل الحادي والعشرين منه أيضا: (أن الضعفاء والمساكين يستسقون ماء ولا ماء لهم فقد جفت ألسنتهم من الظمأ وأنا الرب أجيب يومئذ دعوتهم ولن أهملهم بل أفجر لهم في الجبال الأنهار وأجري بين القفار والعيون وأحدث في البدو أجساما وأجري في الأرض العطشى ماء معينا وأنبت في البلاقع القفار الصنوبر والآس والزيتون وأغرس في القاع الصفصف البر ليروها جميعا ثم يتدبروا ويعلموا أن يد الله صنعت ذلك وقدوس إسرائيل ابتدعه) وهذه صفات بلاد العرب فيما أحدث الله تعالى لهم فيها بإسلامهم

ومن بشائر نوال بن نوتال «٦» من أنبياء بني إسرائيل مثل الصبح المسلط على الجبال شعب عظيم عزيز لم يكن مثله قط ولا يكون بعده مثله إلى أبد الأبد، أمامه نار تتأجج وخلفه لهيب وتلتهب الأرض بين يديه مثل فردوس عدن فإذا جاز فيها وعبرها تركها برية خاوية رؤيته كرؤية الجبل رجالته فر سراع مثل الفرسان أصواتهم كصوت لهب النار الذي يحرق الهشيم رجفت الأرض أمامهم وتزعزعت السماء وأظلمت الشمس وغاب نور النجوم والرب أسمع صوتا بين يدي أجناده لأن عسكره كثير جدا وعمل قوله عزيز لأن نور الرب عظيم مرهوب جدا) وهذا نعت رسول الله ﷺ.

من بشائر عويديا «٧» من أنبياء بني إسرائيل وفي كتابه: (قد سمعنا خبرا من قبل الرب وأرسل رسولا إلى الشعوب ثم

يتقدم إليه بالحرب أيها الساكن في بحر الكهف ومحله في الموضع الأعلى لأن يوم الرب قريب من جميع الشعوب) . فهذا مرموز في نبوّته.

من بشائر ميخاء «٨» من أنبياء بني إسرائيل في كتابه (فأما الآن فسيتسلم إلى الوقت الذي تلد فيه الوالدة ويقوم فيرعاهم) يعني الرب (وبكرامة اسم الله ربه ويقبلون بهم إلى من سيعظم سلطانه إلى أقطار الأرض ويكون على عهده الإسلام) .

من بشائر حبقوق «٩» من أنبياء بني إسرائيل (جاء الله من طور سيناء واستعلن القدوس من جبال فاران وانكسفت لبهاء محمد وانخسفت من شعاع المحمود وامتلأت الأرض من محامده لأن شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعده وتسير المنايا أمامه وتصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وبحث عنهم فتصفصفت الجبال القديمة واتضعت الروابي الدهرية وتزعزع سور أرض مدين ولقد جاز المساعي القديمة قطع الرأس من حب الأثيم ودمغت رؤوس سلاطينه بغضبه) ومعلوم أن محمدا ومحمودا صريح في اسمه وهما يتوجهان إلى من انطلق عليه اسم المحمد وهو بالسريانية موشيحا أي محمد ومحمود ولهذا إذا أراد السرياني أن يحمد الله تعالى قال شريحا لإلهنا.

من بشائر حزقيال «١٠» من أنبياء بني إسرائيل في كتابه: (إن الذي يظهر من البادية فيكون فيه حتف اليهود كالكرمة أخرجت ثمارها وأغصانها عن مياه كثيرة وتفرعت منها أغصان مشرقة على

أغصان الأكابر والسادات وبسقت فلم تلبث تلك الكرمة أن قلعت بالسخطة وضرب بها على الأرض فأخرجت ثمارها وأتت نار فأكلتها فكذلك غرس في البدو وفي الأرض المهملة العطشى وخرج من أغصانه الفاضلة نار فأكلت ثمار تلك حتى لم يبق منها عصا قوية ولا قضيب ينهض بأمر السلطان) .

من بشائر يرصفينا «١١» من أنبياء بني إسرائيل في كتابه: (أيها الناس ترجوا اليوم الذي أقوم فيه للشهادة فقد حان أن أظهر حكمي بحشر الأمم وجميع الملوك لأصب عليهم سخطي وتكبري، هناك أجدد للأمم اللغة المختارة ليرفعوا اسم الرب جميعا وليعبدوه في ربقة واحدة معا وليأتوا بالذبائح من مغاراتها تكون) ومعلوم أن اللغة العربية هي المختارة لأنها طبقت الأرض وانتقلت أكثر اللغات إليها حتى صار ما عداها نادرا.

واحدة معا وليأتوا بالذبائح من مغاراتها تكون) ومعلوم أن اللغة العربية هي المختارة لأنها طبقت الأرض وانتقلت أكثر اللغات إليها حتى صار ما عداها نادرا.

من بشائر زكريا «١٢» بن يوحنا من أنبياء بني إسرائيل في كتابه: (رجع الملك الذي ينطق على لساني وأيقظني كالرجل الذي يستيقظ من نومه وقال لى: ما الذي رأيت، فقلت: منارة من ذهب وكفة على رأسها ورأيت على الكفة سبعة سرج لكل سراج منها سبعة أفواه وفوق الكفة شجرتا زيتون إحداهما عن يمين الكفة والأخرى عن يسارها، فقلت للملك الذي ينطق على لساني: ما هذه يا سيدي، فرد الملك عليّ وقال لي: أما تعلم ما هذه؟ فقلت: ما أعلم، فقال لي: هذا قول الرب في زربايال) يعني محمدا (وهو يدعى باسمي وأنا أستجيب له للنصح والتطهير وأصرف عن الأرض أنبياء الزور والأرواح النجسة لا بقوة ولا بعز ولكن بروحي، بقول الرب القوي) ويعني بشجرتي الزيتون، الدين والملك، وزربايال هو محمد ﷺ.

من بشائر دانيال من أنبياء بني إسرائيل في كتابه: (رأيت على سحاب السماء المسمى كهيئة إنسان جاء فانتهى

إلى عتيق الإمام وقدموه بين يديه فحوله الملك والسلطان والكرامة أن تعبد له جميع الشعوب والأمم واللغات سلطانه دائم إلى الأبد له يتعبد كل سلطان ويمضي ألفان وثلثمائة ينقضي عقاب الذنوب يقوم ملك منيع الوجه في سلطانه عزيز القوة لا تكون عزته تلك بقوة نفسه وينجح فيما يريد ويجوز في شعب الاطهار ويهلك الأعزاء ويؤتى بالحق الذي لم يزل قبل العالمين) وفي هذا دليل على أمرين: أحدهما: صدق الخبر لوجوده على حقه. والثاني: صحة نبوّته لظهور الخبر في صحته.

هلك الأعزاء ويؤتى بالحق الذي لم يزل قبل العالمين) وفي هذا دليل على أمرين: أحدهما: صدق الخبر لوجوده على حقه. والثاني: صحة نبوّته لظهور الخبر في صحته.

من بشائره في رؤيا بختنصر «١٣» وهو أن بختنصر رأى في السنة الثانية من ملكه رؤيا ارتاع منها ونسيها، فأحضر من في ممالكه من الكهنة والمنجمين وكان قد ملك الأقاليم السبعة، وسألهم عن الرؤيا وتأويلها، فقالوا له: اذكرها لنا حتى نذكر تأويلها لك، فأمر بقتلهم إن لم يذكروها وتأويلها. وكان دانيال النبي قد سباه من اليهود فاستمهل في أمرهم ورغب إلى الله تعالى في اطلاعه على الرؤيا وتأويلها، فأطلعه الله تعالى على ذلك، فأتى بختنصر وقال: أيها الملك إنك كلفت هؤلاء ما لا يعلمه إلا الله وقد رغبت إليه فأطلعني عليه ورؤياك التي رأيتها أن قلبك جاش واختلج بما يحدث بعدك في آخر الزمان فعرفك مبدي السرائر ما يكون أنك أيها الملك رأيت صنما عظيما قائما قبالتك له منظر رائع رأسه من الذهب الابريز وصدره وذراعاه من فضة وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعض رجليه من حديد وبعضها من خزف، ورأيت حجرا انقطع من جبل عظيم بغير يد إنسان فضرب ذلك الصنم فهشمه حتى صار كالرماد ألوت به ريح عاصف حتى لم يعرف له مكان ثم عظم الحجر الصلد الذي صك الصنم حتى صار جبلا عظيما امتلأت منه الأرض كلها، فهذه الرؤيا وأنا معبرها، أما الصنم فهم الملوك فأنت الرأس الذهب ويقوم من

بعدك من هو دونك ألين منك. فأما المملكا الثالثة التي هي مثل النحاس فتسقط على الأرض كلها وأما المملكة الرابعة التي هي مثل الحديد فتكون عزيزة كما أن الحديد يهشم الجميع فكذلك هذه تسحق وتغلب الكل. وأما الأرجل والأصابع التي رأيت أن منها من خزف الفخار ومنها من حديد فإن المملكة تكون مختلفة ومتفرقة يكون منها أصل من جوهر الحديد وخلط من خزف الفخار فيكون بعض المملكة قويا وبعضها واهيا كسيرا لا يأتلف بعضها ببعض كما لا يختلط الحديد بالخزف. وأما الحجر الواقع من الجبل فإن إله السماء يرسل مملكة من عنده لأنه لم تقطع الحجر يد إنسان في زمان هذه الممالك يهلكها ويبقى إلى آخر الدهر ولا يكون لأمة أخرى مملكة ولا سلطان إلا دقه كما يدق الحجر الحديد والنحاس والفضة والذهب فعرّفك الله العظيم ما يكون بعدك في آخر الأيام، فهذه رؤياك وتأويلها. فخر بختنصر على وجهه ساجدا لدانيال وقال: إن إلهكم هذا هو إله الآلهة ورب الأملاك حقا وهو مبدي السرائر، وجعل دانيال رأسا مؤمرا على أرض بابل، ومعلوم أنه لم يرسل الله تعالى سلطانا أزال به الممالك وملأ به الأرض ودام له الأمر إلا بنبوّة محمد ﷺ.

من بشائر أرميا بن برخنا من أنبياء بني إسرائيل في أيام بختنصر لما قتل أهل الرس نبيهم، قال ابن عباس: أمر الله تعالى أن يأمر بختنصر أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فيقتلهم بما صنعوا بنبيهم، فأمره بذلك فدخل بختنصر بلاد العرب، فقتل وسبى حتى انتهى إلى تهامة فأتى بمعد بن عدنان فأمر بقتله، فقال له النبي: «لا تفعل فإن في صلب هذا نبيا يبعث في آخر الزمان يختم الله به الأنبياء» ، فخلى سبيله وحمله معه حتى أتى حصونا باليمن فهدمها وقتل أهلها وزوّج معدا بأجمل امرأة منهم في زمانها وخلفه بتهامة حتى نسل بها، قال ابن عباس: وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَكَمْ

قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ «١٤» .

هامة حتى نسل بها، قال ابن عباس: وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَكَمْ

قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ «١٤» .

من بشائر داود في الزبور (سبحان الذي هيكله الصالحون يفرح إسرائيل بخالقه وبيوت صيلون من أجل أن الله اصطفى له أمته وأعطاه النصر وسدد الصالحين منه بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم ويكّبرون الله بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقموا من الأمم الذين لا يعبدونه يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال) . ومعلوم أن سيوف العرب هي ذوات الشفرتين ومحمد هو المنتقم بها من الأمم. وفيه: (أن الله أظهر من صيفون أكليلا محمودا) وصيفون: العرب، والأكليل: النبوة، ومحمود هو محمد ﷺ. وفي مزمور آخر منه: (أنه يجوز من بحر إلى بحر ومن لدن الأنهار إلى الأنهار إلى منقطع الأرض وأن تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم وتلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين وتسجد وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويرأف بالضعفاء والمساكين وأنه يعطى من ذهب بلاد سبأ ويصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم ويدوم ذكره إلى الأبد) . ومعلوم أنه لم يكن هذا إلا لمحمد ﷺ. وفي مزمور آخر: قال داود: اللهم ابعث جاعل السنّة حتى يعلم الناس أنه بشر، أي ابعث نبيا يعلم الناس أن المسيح بشر لعلم داود أن قوما سيدعون في المسيح ما ادعوه، وهذا هو محمد ﷺ.

من بشائر المسيح به في الإنجيل قال المسيح ﵇ للحواريين: (أنا ذاهب وسيأتيكم البار قليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له وهو يشهد عليّ وأنتم

ئر المسيح به في الإنجيل قال المسيح ﵇ للحواريين: (أنا ذاهب وسيأتيكم البار قليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له وهو يشهد عليّ وأنتم

تشهدون لأنكم معي من قبل الناس وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به) . وفي نقل يوحنا عنه: (أن البار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه شيئا ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق ويخبركم بالحوادث والغيوب) . وفي نقل آخر عنه: (أن البار قليط روح الحق الذي يرسله باسمي هو يعلمكم كل شيء إني سائل أن يبعث إليكم بار قليط آخر يكون معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء) . وفي نقل آخر عنه: (أن البشير ذاهب والبار قليط بعده يحيي لكم الأسرار ويقيم لكم كل شيء وهو يشهد لي كما شهدت له فإني لأجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل) . والبار قليط بلغتهم لفظ من الحمد، وقد قال النبي ﷺ: وأنا أحمد وأنا محمود وأنا محمد. فهذه من بشائر الأنبياء عن الكتب الإلهية المتناصرة بصحة نبوته المتواترة الأخبار بانتشار دعوته وتأييد شريعته، ولعل ما لم يصل إلينا منها أكثر، فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه حتى صار جليا بعد الاحتمال ويقينا بعد الارتياب. فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافيا لما جاء به موسى وعيسى فزال عن حكمهما في النبوّة لمخالفتهما في السيرة فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: ان الله تعالى بعث كل نبي بحسب زمانه، فمنهم من بعثه بالسيف لأن السيف أنجع، ومنهم من بعثه باللطف لأن اللطف أنفع، كما خالف بين معجزاتهم بحسب أزمانهم، فبعث موسى بالعصا في زمان السحر، وبعث عيسى بإحياء الموتى في زمان الطب، وبعث محمد بالقرآن في زمان الفصاحة، لأن الناس في بدء أمرهم يتعاطفون مع القلة ثم يتنافرون

ويتحاسدون مع الكثرة، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل» . والجواب الثاني: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيرا، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شرا لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير وينتفي به الشر لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة وكانت العرب أكثر الناس شرا وعتوا لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أنفع من اللطف. والجواب الثالث: أنه لم يكن في جهاده بالسيف بدعا من الرسل ولا أول من أثخن في أعداء الله تعالى. وقبل هذا إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه. وهذا يوشع بن نون قتل نيفا وثلاثين ملكا من ملوك الشام وأباد من مدنها ما لم يبق له أثر ولا من أهلها صافر من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم أتاوة وساق الغنائم. وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلا ولا امرأة إلا قتلهم، وهو موجود في كتبهم. ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الآباء. روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ متنصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء كان أشدهم في ذلك غضبا وما خيّر بين أمرين، إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما، وقد كان ﷺ أحث الناس على الصفح والتعاطف. روى أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك واعف

لناس على الصفح والتعاطف. روى أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ فقال لي: يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك واعف

عمن ظلمك، فهل يكون أحنى على الخلق ممن يأمرهم بمثل هذا، وإنما تطلبت الملحدة بمثل هذا الأعتراض القدح في النبرّات فإنهم لم يعفوا نبيا من القدح في معجزاته والطعن على سيرته حتى قال منهم في عصرنا ما طعن به على موسى وعيسى ومحمد ﷺ عليهم بشعر نظمه فقال: وفالق البحر لم يفلق جوانبه ... إذ ضاع فيه ضياع الحر في السفل ومدع يدعي الأشياء خلقته ... ما باله زال والأشياء لم تزل وآخر يدعي بالسيف حجته ... هل حجة السيف إلّا حجة البطل فحضرني حين وردت هذه الأبيات إلى بعض أهل العلم فأجاب عنها فقال: قل للذي جاء بالتكذيب للرسل ... ورد معجزهم بالزيغ والدغل وقال في ذاك أبياتا مزخرفة ... ليوقع الناس في شك من الملل ضياع موسى دليل من أدلته ... من بعد ما صار فرق البحر كالجبل ليعلم الناس أن الله فالقه ... وأن موسى ضعيف تاه في السبل والمعجز الحق في فلق المياه له ... وجعله البر ما يحتاط بالحيل وابن البتول فإن الله نزهه ... عما ذكرت من الدعوى على الجمل ما كان منه سوى طير يقدره ... طينا وربي أحياه ولم يزل وقال إني بإذن الله فاعله ... وإذن ربي يحيي الخلق لا عملي وصاحب السيف كان السيف حجته ... بعد البيان عن الإعجاز والمثل وجاء مبتديا بالنصح مجتهدا ... بمعجزات لها حارت أولو النحل منها كتاب مبين نظمه عجب ... فيه من الغيب ما أوحى إلى الرسل فأفحم الشعراء الملفقين به ... لما تحداهم بالرفق في مهل وأنبع الماء عذبا من أنامله ... من غير صخرة كانت ولا وشل وشارف القوم وافاداه وكلمه ... وقال أنى من قتلي على وجل والذئب قد أخبر الراعي بمبعثه ... فجاء يشهد في الإسلام في عجل والجذع حن إليه حين فارقه ... حنين ذات جؤار ساعة الهبل وأخبر الناس عما في ضمائرهم ... مفصلا بجواب غير محتمل

ونبأ الروم من نصر يكون لها ... من بعد سبعة أعوام على جدل والفرس أخبرها عن قتل صاحبها ... برويز إذ جاءه فيروز في شغل وإن تقصيت ما جاء النبي به ... طال النشيد ولم آمن من الملل

ا ... من بعد سبعة أعوام على جدل والفرس أخبرها عن قتل صاحبها ... برويز إذ جاءه فيروز في شغل وإن تقصيت ما جاء النبي به ... طال النشيد ولم آمن من الملل

الباب السادس عشر في هتوف الجن بنبوّته ﷺ والجن من العالم المميز يأكلون ويتناكحون ويتناسلون ويموتون وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار وإن تميزوا بأفعال وآثار إلّا أن يخص الله تعالى برؤيتهم من يشاء، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية وما تخيلوه من آثارهم الخفية قال الله تعالى فيما وصفه من إنشاء الخلق: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ «١» يريد بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ- آدم- أبا البشر ﵇ وفي الصلصال وجهان: أحدهما: أنه الطين النابت. والثاني: أنه الطين الذي لم تمسه النارم والحمأ جمع حمأة وفيها وجهان. أحدهما: أنه المنصوب القائم فيكون صفة للإنسان. والثاني: أنه المنسوب فيكون تمييزا للجنس وقوله: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ يعني من قبل آدم، لأن آدم خلق آخر الخلق. وفي الجان وجهان: والثاني: أنه أبو الجن فآدم أبو البشر والجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين وفي قوله: مِنْ نارِ السَّمُومِ «٢» وجهان:

أحدهما: من نار الشمس. والثاني: نار الصواعق بين السماء وبين حجاب دونها فلم يختلفوا في أن الجن يتناسلون ويموتون ومنهم مؤمن ومنهم كافر. واختلف في الشياطين فزعم قوم أنهم كفار الجن يتناسلون ويموتون، وزعم آخرون أنهم غير الجن وأنهم من ولد إبليس، واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق إلى أنهم يتناسلون ويموتون، وذهب آخرون إلى أنهم كإبليس لا يموتون إلّا معه وأن تناسلهم انقطع بإنظار إبليس إلى يوم يبعثون فإن أنكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس لأن الله تعالى أنشأ خلق العالم من أربعة أجرام جعلها أصولا لما خلق من العالم الحي وهي الأرض والماء والهواء والنار، والعالم نوعان إتفاقا علوي وسفلي، فالعالم السفلي نوعان خلقهما من جرمين: أحدهما: من الأرض وهو ما عليها من الحيوان. والثاني: من الماء وهو ما فيه من السموك وهما هابطان لهبوط الأرض والماء وظاهران لظهور أصلهما واستمر القياس فيهما. وبقي العالم العلوي جرمان: الهواء والنار وقد استقر خلق الملائكة من الهواء فاقتضى معقول القياس أن يكون خلق الجن من النار لتكون الأجرام الأربعة أصولا لخلق أجناس أربعة. ولعلو الهواء كان عالمه من الملائكة علويا ولخفائه كان خفيا لا يهبط إلّا عن أمر إلهي ولا يعاين إلّا بمعونة إلهية. ولعلو النار في أصل هابط كان لعالمه من الجن علو وهبوط ولخفاء كمونها خفي عالمها عن العيان إلّا بمعونة إلهية فصار اصلان من الأربعة محسوسين بالعيان وهما على الأرض وفي الماء وأصلان معقولين بالقياس وهما الملائكة والجن ولولا أن دافع ذلك عادل عن الدلائل الشرعية لما عدلنا إلى هذا الاستدلال الخارج عن البراهين الشرعية.

ي الماء وأصلان معقولين بالقياس وهما الملائكة والجن ولولا أن دافع ذلك عادل عن الدلائل الشرعية لما عدلنا إلى هذا الاستدلال الخارج عن البراهين الشرعية.

فصل [في وجوب التكليف على الجن] فإذا ثبت خلق الجن بما دللنا عليه من شرع ومعقول فهم مكلفون لأن رسول الله ﷺ تحداهم بالقرآن بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٣» وقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ «٤» وفي صرفهم وجهان: أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا: ما هذا الحادث في السماء إلا لحادث في الأرض وتخيلوا به تجديد النبوة فجابوا الأرض حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ وهو يصلي الفجر فاستمعوا القرآن ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه فعلموا أنه لهذا الحادث صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب، وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وحكى عكرمة أن السورة التي كان يقرؤها اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «٥» . والوجه الثاني: أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من الله تعالى حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة فنزل عليه جبريل بهذه الآية وأخبره بوفود الجن وأمره بالخروج إليهم فخرج ومعه ابن مسعود حتى جاء الحجون عند شعيب أبي ذر قال ابن مسعود: فخط على خطا وقال: لا تجاوزه، ومضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى لم أره، فعلى الوجه الأول لم يعلم بهم حتى أتوه، وعلى الوجه الثاني أعلمه جبريل قبل إتيانهم، واختلف أهل العلم في رؤيته لهم وقراءته عليهم. فحكي سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يرهم ولم يقرأ

على الوجه الثاني أعلمه جبريل قبل إتيانهم، واختلف أهل العلم في رؤيته لهم وقراءته عليهم. فحكي سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يرهم ولم يقرأ

عليهم وإنما سمعوا قراءته حين مروا به مصليا. وحكي عن ابن مسعود أنه رآهم وقرأ عليهم القرآن. وفي قوله: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا «٦» وجهان: أحدهما: فلما حضروا قراءته القرآن قالوا: أنصتو لسماعه. والوجه الثاني: فلما حضروا رسول الله ﷺ قالوا: أنصتوا لسماع قوله، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين وفيه وجهان: أحدهما: فلما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين به. والثاني: لما فرغ من قراءته القرآن ولوا إلى قومهم منذرين وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً «٧» في فصاحته وبلاغته. والثاني: عجبا في حسن مواعظه. وفي قوله يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ «٨» وجهان: أحدهما: إلى مراشد الأمور. والثاني: إلى معرفة الله تعالى، فثبت أن رسول الله ﷺ كان عامّ الرسالة إلى الإنس والجن فلم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث إليهم رسولا من الإنس واختلفوا في جواز بعثة رسول منهم فجوزه قوم لقول الله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ «٨» ومنع آخرون منه وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس وحملوا قوله: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ «٩» على الذين لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين فأما كفارهم فيدخلون النار، وأما مؤمنوهم فقد اختلفوا في دخولهم الجنة ثوابا على إيمانهم، فقال الضحاك: ومن جوّز أن يكون رسلهم منهم يدخلون الجنة.

وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على النار خلاصا منها، ثم يقال لهم: كونوا ترابا كالبهائم، فأما استراقهم للسمع فقد كانوا في الجاهلية قبل بعث الرسول يسترقونه ولذلك كانت الكهانة في الإنس لإلقاء الجن إليهم ما استرقوه من السمع في مقاعد كانت لهم يقربون فيها من السماء كما قال الله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ «١٠» ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء فينقلونها إلى الكهنة فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «١١» يعني بالشهب الكواكب المحرقة وبالرصد الملائكة، فأما استراقهم للسمع بعد بعث الرسول فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين: أحدهما: أنه زال استراقهم للسمع ولذلك زالت الكهانة. والثاني: أن استراقهم باق بعد بعث الرسول، وكان قبل الرسول لا تأخذهم الشهب لقول الله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً «١١» والذي يستمعونه أخبار الأرض دون الوحي لأن الله تعالى قد حفظ وحيه منهم لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١٢» . واختلف على هذا في أخذ الشهب لهم هل يكون قبل استراقهم للسمع أو بعده، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الشهب تأخذهم قبل استراق السمع حتى لا يصل إليهم لانقطاع الكهانة بهم وتكون الشهب منعا عن استراقه. وذهب آخرون منهم إلى أن الشهب تأخذهم بعد استراقه وتكون الشهب عقابا على استراقه. وفيها: إذا أخذتهم قولان: أحدهما: أنها تقتلهم ولذلك انقطعت الكهانة بهم. والثاني: أنها تجرح وتحرق ولا تقتل ولذلك عادوا لاستراقه بعد الاحتراق ولولا بقاؤهم لانقطع الاسترقاق بعد الاحتراق ويكون ما يلقونه من السمع إلى

الجن دون الإنس لانقطاع الكهانة عن الإنس وفي الشهاب الذي يأخذهم قولان: أحدهما: أنه نور يمتد لشدة ضيائه ثم يعود. والقول الثاني: أنه نار تحرقهم ولا تعود، فهذا خطب الجن فيما هم عليه من نعت وحكم.

ي الشهاب الذي يأخذهم قولان: أحدهما: أنه نور يمتد لشدة ضيائه ثم يعود. والقول الثاني: أنه نار تحرقهم ولا تعود، فهذا خطب الجن فيما هم عليه من نعت وحكم.

هتوف الجن «١٣» فأما هتوفهم برسول الله ﷺ فهو من آيات نبوّته فإن كان قبل مبعثه كان من نذر آياته الصادرة عن إلهام فمن هتوفهم بنبوّته ما حكاه إبراهيم بن سلامة عن إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن ابن العباس ﵄ أنه كان يحدث عن رجل من خثعم قال لا تحل حلالا ولا تحرم حراما وكانت تعبد أصناما فبينا نحن عند صنم منها ذات ليلة نتقاضى إليه في أمر قد شجر بيننا إذ صاح من جوف الصنم صائح يقول: يا أيها الركب ذوو الأحكام ... ما أنتم وطائش الأحلام ومسندو الحكم إلى الأصنام ... هذا نبي سيد الأنام يصدع بالحق وبالإسلام ... أعدل ذي حكم من الأحكام ويتبع النور على الأظلام ... سيعلن في البلد الحرام قد طهر الناس من الآثام قال الخثعمي ففزعنا منه وخرجت إلى مكة وأسلمت مع النبي ﷺ. ومن بشائر هتوفهم: ما رواه عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال: بينما عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ذات يوم جالسا، إذ مر به رجل، فقيل له: أتعرف هذا المار يا أمير المؤمنين قال: ومن هو قالوا هذا سواد بن قارب رجل من أهل اليمن وكان له رئي من الجن فأرسل إليه عمر، فقال:

ذ مر به رجل، فقيل له: أتعرف هذا المار يا أمير المؤمنين قال: ومن هو قالوا هذا سواد بن قارب رجل من أهل اليمن وكان له رئي من الجن فأرسل إليه عمر، فقال:

أنت سواد بن قارب قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور النبي ﷺ، قال: نعم يا أمير المؤمنين. بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رئى من الجن فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول: عجبت للجن وتطلا بها ... وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادق الجن ككذا بها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... ليس قدامها كأذنا بها فقلت له دعني فأنا أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول: عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيش بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنو الجن ككفارها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها فقلت: دعني فقد أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول: عجبت للجن وتجساسها ... وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها فارحل إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها قال: فأصبحت وقد امتحن الله تعالى قلبي للإسلام فرحلت ناقتي واتيت المدينة فإذا رسول الله ﷺ وأصحابه فقلت: اسمع مقالي يا رسول الله، قال: «هات» ، فأنشأت:

أتاني نجي بين هدو ورقدة ... ولم أك فيما قد نجوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب فشمرت من ذيل الأزار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب فأشهد أن الله لا شيء غيره ... وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رؤي الفرح في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر فالتزمه وقال: قد كنت أحب أن أسمع منك هذا الحديث فهل يأتيك رئيك اليوم؟ فقال: مذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله من الجن. ومن بشائر هتوفهم: ما رواه إبراهيم بن سلامة عن إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب حدث يوما في مجلس بعد رسول الله ﷺ فقال: خرجنا قبل مظهر النبي ﷺ بشهرين إلى الأبطح بمكة معنا عجل نريد ذبحه ونحن نفر فلما ذبحناه وتصابّ دمه ومات إذ صاح من جوفه صائح يقول: يا ذريح يا ذريح صائح يصيح بصوت فصيح نبي يظهر الحق يفيح يقول لا إله إلّا الله، فصاح كذلك ثلاث مرات ثم هدأ صوته وتفرقنا ورعبنا منه فلم يلبث النبي ﷺ أن ظهر، فقال رجل من القوم: لا تعجب يا أمير المؤمنين خرجت وأصحاب لي في تجارة لنا ونحن أربعة نفر نريد الشام حتى إذا كنا ببعض أودية الشام قرمنا إلى اللحم قرما شديدا قبل مظهر النبي ﷺ فإذا بظبية قد عرضت لنا مكسورة القرن فلم نزل بها حتى أخذناها، قال: فو الله إننا نتآمر بذبحها إذ هتف هاتف فقال: يا أيها الركب السراع الأربعة ... خلوا سبيل الظبية المروعة فإنها لطفلة ذات دعة ... خلوا عن العضبان فقدامي سعة ثم قال: خلوا عنها، فو الله لقد رأيت هذا الوادي وما يمر فيه أقل من خمسين رجلا حتى كنتم به، قال: فأرسلناها، فلما أمسينا أخذ بأزمة رواحلنا

ن فقدامي سعة ثم قال: خلوا عنها، فو الله لقد رأيت هذا الوادي وما يمر فيه أقل من خمسين رجلا حتى كنتم به، قال: فأرسلناها، فلما أمسينا أخذ بأزمة رواحلنا

حتى أتي بنا إلى حاضر لجب كثير الأهل فأطعمنا من الثريد ما أذهب قرمنا ثم خرجنا حتى قضى الله تجارتنا فصحبنا رجل من يهود، فلما كنا بذلك الوادي هتف هاتف فقال: إياك لا تعجل وخذها موبقه ... فإن شر السير سير الحقحقه قد لاح نجم فاستوى في مشرقه ... يكشف عن ظلما عبوس موبقه يدعو إلى ظل جنان مونقه فقال اليهودي: تدرون ما يقول هذا الصارخ؟ قلنا: ما يقول؟ قال: يخبر أن نبيا قد ظهر خلافكم بمكة، فقدمنا فوجدنا النبي ﷺ بمكة. ومن بشائر هتوفهم: ما حكاه أبو عيسى، قال: سمعت قريش في الليل هاتفا على أبي قبيس يقول: فإن يسلم السعد أن يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان سعد بكر وسعد تميم، فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول: أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات زخارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هما والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة. ومن بشائر هتوفهم: ما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ما علم المشركون من أهل مكة أين يوجه رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة حتى هتف هاتف بعد ذلك بأيام فقال: جزى الله خيرا والجزاء فريضة ... رفيقين حلّا خيمتي أم معبد هما دخلا بالهدى واهتدى به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب محل فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد وقالت أسماء: ما علم المشركون من أهل مكة بوقعة بدر حتى هتف

ى واهتدى به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب محل فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد وقالت أسماء: ما علم المشركون من أهل مكة بوقعة بدر حتى هتف

هاتف من جبال مكة وفتيان يسمرون بمكة فقال: أزال الحنيفيون بدرا بوقعة ... سينقض منها ملك كسرى وقيصرا أصاب رجالا من لؤي وجردت ... حرائر يضر بن الترائب حسرا ألا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد ذاق حزنا في الحياة وحسرا وأصبح في هامي العجاج معفرا ... تناوبه الطير الجياع وتنفرا فعلموا بذلك وظهر الخبر من الغد ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد عمن لا يرى شخصه «١٤» ولا يحج قوله «١٥» فخروجه عن العادة نذير وتأثيره في النفوس بشير وقد قبلها السامعون وقبول الأخبار يؤكد صحتها ويؤكد حجتها. فإن قيل: إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان: أحدهما: أن دلائل النبوة غيرها وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة، أخبارا. والثاني: أن الكهانة عن مغيب والبشارة عن معين، فالعيان معلوم والغائب موهوم.

الباب السابع عشر فيما هجست به النفوس من إلهام العقول بنبوته ﵇ العقل إلهي ركّبه الله تعالى في النفوس الناطقة فهو ينذر بالخواص الكائنة حدسا ويعلم بعد الوجود مسا فقل حادث إلّا تقدم نذيره وبحسب خاطره يكون تأثيره ولا حادث أعظم مما جدده الله تعالى بنبوّة محمد ﷺ فاقتضى أن تكون بشائر نبوته أشهر وشواهد آياته أظهر. فمن الهواجس بنبوته: أن كعب بن لؤي بن غالب كان يجتمع إليه الناس في كل جمعة وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية يوم العروبة فسماه كعب يوم الجمعة وكان يخطب فيه الناس ويقول بعد خطبته: حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج به نبي كريم والله لو كنت فيه ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت تنصب الخيل ولا رقلت أرقال الفحل ثم يقول: يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحق خذلانا ومن هواجس الإلهام: ما حكاه ابن قتيبة أن أبا كريب ابن أسعد الحميري آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة وقال: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم

أسعد الحميري آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة وقال: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم ومن هواجس الإلهام: ما حكاه عبيد الجرهمي وكان كبير السن عالما

بأخبار الأمم أن تبعا الأصغر وهو تبع بن حسان بن تبع سائر بيثرب فنزل في سفح أحد وذهب إلى اليهود فقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلا صبرا وأراد خرابها فقام إليه رجل من اليهود كبير السن فقال: أيها الملك مثلك لا يقتل على الغضب ولا يقبل قول الزور، أمرك أعظم من أن يطير بك برق أو تسرع بك لجاج فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من هذه الثنية- يعني البيت الحرام- فكفّ تبعّ ومضى إلى مكة ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود فكسا البيت ونحر عنده ستة آلاف جزور وأطعم الناس وقال: قد كسونا البيت الذي حرّم الله ... ملاء معضدا وبرودا وقيل أنه ملك ثلاثمائة وعشرين سنة. ومن هواجس الإلهام: ما روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي يسكن مكة فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ حضر مجلس قريش فقال: يا معاشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلم، قال: الله أكبر أما إذ أخطأكم فلا بأس انظروا واحفظوا ما أقول لكم، ولد في هذه الليلة نبي بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنها عرف وثن، فتصارع القوم عن مجلسهم وهم متعجبون من قوله، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، فانطلق القوم إلى اليهودي فأخبروه، فقال: إذهبوا بي حتى أنظر إليه، فأدخلوه عن آمنة وقالوا: اخرجي إلينا ابنك، فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى اليهودي تلك الشامة فوقع مغشيا عليه فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب، وكان في القوم الذين أخبرهم اليهودي بذلك هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة وعبيدة بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة فعصمه الله تعالى منهم. ومثله: أنه كان لقريش في الجاهلية عيد يجتمع فيه النساء دون الرجال

مغيرة والوليد بن المغيرة وعبيدة بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة فعصمه الله تعالى منهم. ومثله: أنه كان لقريش في الجاهلية عيد يجتمع فيه النساء دون الرجال

فاجتمعوا فيه فوقف عليهن يهودي، وفيهن خديجة فقال لهن: يا معشر نساء قريش يوشك أن يبعث فيكن نبي فأيتكن استطاعت أن تكون له أرضا فلتفعل فحصبنه ووقر ذلك في نفس خديجة حتى حققه الله لها فكانت أول من آمن به. ومثله: أن جماعة من النصارى قدموا من الشام تجارا إلى مكة فنزلوا بين الصفا والمروة فرأوه وهو ابن سبع سنين فعرفه بعضهم بصفته في كتبهم وسمته في فراستهم فقال له من أنت وابن من أنت. فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: من رب هذه، وأشار إلى الجبال، فقال: الله ربها لا شريك له. فقال له: من رب هذه وأشار إلى السماء، فقال: الله ربها لا شريك له. فقال له النصراني: فهل له رب غيره فقال: لا تشككني في الله ما له شريك ولا ضد، فقام بالتوحيد في صغيره وفصح النصراني بخبره وأنذر بنبوّته. ومثله: أنه كان في كفالة جده عبد المطلب وكان أحب إليه من جميع أولاده فلما حضرته الوفاة وصى به إلى عمه أبي طالب لأنه كان أخا عبد الله لأبيه وأمه وأنشأ يقول: وصيت من كنيته بطالب ... عبد مناف وهو ذو تجارب يا ابن الحبيب أكرم الأقارب ... يا ابن الذي مذ غاب غير آيب فتقبل أبو طالب الوصية وكان قد سمع من راهب إنذارا فأنشأ يقول: لا توصين بلازم واجب ... فلست بالآنس غير الراغب بأن حمد الله قول الراهب ... إني سمعت أعجب العجائب من كل حبر عالم وكاتب ومات عبد المطلب بعد ثمان سنين من مولده فتكفله عمه أبو طالب وخرج به إلى الشام في تجاره له وهو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام عند بصرى وكان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ كتب أهل الكتاب وعرف ما فيها من الأنباء والإمارات، فرأى بحيرا من صومعته غمامة قد أظلت رسول الله ﷺ من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوّة بين كتفيه وسأله عن حاله في منامه ويقظته، فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب

أظلت رسول الله ﷺ من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوّة بين كتفيه وسأله عن حاله في منامه ويقظته، فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب

وسأل أبا طالب عنه فقال: ابني، فقال: كلا، فقال: ابن أخي مات أبوه وهو حمل، قال: صدقت، وعمل لهم ولمن معهم طعاما لم يكن يعمله لهم من قبل، وقال: احفظوا هذا من اليهود والنصارى فإنه سيد العالمين وسيبعث نبيا إليهم أجمعين وإن عرفوه معكم قتلوه فقالوا كيف عرفت هذا قال: السحابة التي أظلته ورأيت خاتم النبوّة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة على النعت المذكور، ورأيت المدر والشجر يسجدان له ولا يسجدان إلّا لنبي. وجاء رسول الله ﷺ وكان في رعيه الإبل قد سبقه القوم إلى ظل شجرة فلما جلس مال ظل الشجرة عليه فقال لهم: هذا من آيات نبوّته، وأن الروم إن رأوه عرفوه بصفته فيقتلوه، ثم التفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم وقال: ما جاء بكم، قالوا: جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلّا بعث فيه ناس ونحن آخر من بعث إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم، قالوا: لا، قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده، قالوا: لا، قال: فارجعوا فتابعوه على الرجوع، وزودهم الراهب حتى أسرع به أبو طالب. فكانت هذه البشائر من رهبان النصارى وما تقدم من أخبار اليهود وقد توارد عليها جميعهم مع اختلاف معتقدهم وتغاير كتبهم من أوائل الشهود على تعيين النبوّة فيه. أما عن كتب نعت فيها فأصابوه على النعت فكان إنذارا إلهيا تواردت عليه الخواطر لأن ما هجست به النفوس من أمر كان وما تخيلته العقول ظهر وبان لأن القلوب طلائع الأقدار، والعقول مرايا الأسرار.

عت فكان إنذارا إلهيا تواردت عليه الخواطر لأن ما هجست به النفوس من أمر كان وما تخيلته العقول ظهر وبان لأن القلوب طلائع الأقدار، والعقول مرايا الأسرار. ومن هواجس الإلهام: ما حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن محفل ﵀ قال: حدثنا عمر بن حماد الفقيه، قال: حدثنا عمر بن محمد بن بحير السمرقندي قال: حدثنا أحمد بن عبد ربه الضبي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن نوح بن عبيد قال: حدثنا عمر بن بكير قال: حدثني أحمد بن القاسم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رحمة الله عليه قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنين أتى وفود العرب وأشرافها

وشعراؤها لتهنئته ومدحه وذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله بن جدعان وأسد ابن خويلد بن عبد العزى في ناس من أشراف قريش فلما قدموا عليه إذ هو في رأس قصر يقال له غمدان وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان دار منك محلال قال: فاستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا عليه فإذا الملك مضمخ بالعنبر يرى وبيص الطيب من مفرقه عليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر سيفه بين يديه وعن يمينه وعن يساره الملوك وأبناء الملوك والمقاول قال: فدنا عبد الملك واستأذن في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم فقد أذنا لك فقال عبد المطلب إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن وأنت أبيت اللعن ملك للعرب وربيعها الذي يخصب به وأنت أيها الملك رأس العرب الذي إليه تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف فلن يحمل ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد التعزية، فقال ابن ذي يزن: فأيهم أنت أيها المتكلم، فقال: أنا عبد المطلب بن هاشم قال: ابن أختنا قال: نعم ابن أختكم، قال: ادن فأدناه على القوم وعليه فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا بحلا يعطي عطاءا جزلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل وأهل النهار لكم الكرامة ما أقمتم والحباء «١» إذا ظعنتم «٢» . قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه

تكم فأنتم أهل الليل وأهل النهار لكم الكرامة ما أقمتم والحباء «١» إذا ظعنتم «٢» . قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه

ولا يأذن لهم بالانصراف. قال: ثم انتبه انتباهه فأرسل إلى عبد المطلب فأعلاه وأدنى مجلسه وقال: يا عبد المطلب إني مفوّض إليك من سر علمي ما لو كان غيرك لم أبح له، ولكن رأيتك معدنه وأطلعتك فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ فيه أمره إني أجده في الكتاب المكنون والعم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيره خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. قال عبد المطلب: أيها الملك فمثلك من سر وبر فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر. قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب أبيت اللعن لقد أتيت بخبر ما أتى بمثله وافد فلولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا. قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه أحمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل منا له أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل لهم أعداءه يضرب بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان ويخمد النيران ويعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله. قال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وعلا عقبك وطاب ملكك وطال عمرك فهل الملك سارّي بإفصاح فقد أوضح بعد الإيضاح، فقال ابن يزن والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب أنك يا عبد المطلب لجده غيره الكذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا فقال ابن ذي يزن ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال: نعم أيها الملك

عبد المطلب لجده غيره الكذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا فقال ابن ذي يزن ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال: نعم أيها الملك

كان لي ابن وكنت به معجبا رفيقا أو رقيقا فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف فأتت بغلام سميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه بين كتفيه شامة وفيه كل ما ذكرت من علامة. قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك لكما قلت لك فاحتفظ بابنك واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا فاطو ما ذكرته دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن يداخلهم النفاسة من أن تكون لك الرياسة فيبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل وهم فاعلون وأبناؤهم ولولا أني أعلم أن الموت يجتاحني قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكي فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا أني أقيه الآيات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه ذكره وأوطيت أسنان العرب عقبه ولكني صارف ذلك اليك بغير تقصير ممن معك ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشرة إماء سود وحلتين من حلل البرود وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة وكرش مملوءة عنيرا ولعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فائتني بأمره وما يكون من خبره. قال: فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: فكان عبد المطلب كثيرا يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كان كثيرا فإنه إلى نفاد ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له: وما ذاك؟ قال: ستعلمون ما أقول لكم ولو بعد حين. ومن هواجس الإلهام: أنه نشأ في قريش على أحسن هدى وطريقة وأشرف خلق وطبيعة وأصدق لسان ولهجة حتى سمته قريش في حداثته الأمين تأسيسا لما سيكون. وكانت خديجة بنت خويلد ذات شرف ويسار وكان لها متاجر ومضاربات، فلما عرفت أمانة رسول الله ﷺ وصدق لهجته أبضعته مالا يتجر به إلى الشام مضاربا وأنفذت معه مولاها ميسرة ليخدمه في طريقه فنزل ذات يوم

تحت صومعة راهب فرأى الراهب من ظهور كرامة الله تعالى له ما علم أنه لا يكون إلّا لنبي فقال لميسرة: من هذا؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال: إنه نبي، فكان ميسرة يراه إذا ركب تظلّه غمامة تقيه حر الشمس. فلما قدم على خديجة قص ميسرة عليها حديث الراهب وما شاهده من ظل الغمامة وما تضاعف من ربح التجارة فتنبهت به على عظم شأنه وشواهد برهانه فرغبت خديجة في نكاحه، وكان قد خطبها أشراف قريش فامتنعت، وسفر بينهما في النكاح ميسرة وقيل مولاه بولده وخافت امتناع أبيها عليه فعقرت له ذبيحة وألبسته حبرة وغلفته بطيب وعبير وسقته خمرا حتى سكر وحضر رسول الله ﷺ ومعه عمه حمزة بن عبد المطلب، واختلف في حضور عمه أبي طالب فقال الأكثرون: حضر مع حمزة وخطبها من أبيها فأجابه وزوّجه وهو ابن خمسة وعشرين سنة وخديجة ابنة أربعين سنة ودخل بها من ليلته، فلما أصبح خويلد وصحا رأى آثار ما عليه، فقال: ما هذا العقير والعبير والحبر؟ فيل: زوّجت خديجة بمحمد، قال: ما فعلت؟ قيل له: قبيح بك هذا وقد دخل بها، فرضي، ولأجل ذلك قال رسول الله ﷺ: «لا يرفع إليّ نكاح نشوان إلّا أجزته» ، وقامت خديجة رضي الله تعالى عنها بأمره حتى كفته أمور دنياه، فكان ذلك عونا من الله تعالى ولطفا تفضل به عليه منّا وإسعافا. ومن هواجس الإلهام: ما حكاه عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرأه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليس يفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله عنه من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعت لك

ره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله عنه من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعت لك

ويقولون: لم يبق نبي غيره. قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ بقول زيد وأقرأته منه السلام فرد ﵇ وترحم عليه وقال: «قد رأيته في الجنة يسحب الذيول» . ومن هواجس الإلهام: ما رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث الله تعالى إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يردعه إلّا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة من ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فانصرف عنه فدعا حراسه وحجابه فتغيظ عليهم فقال: من أدخل هذا الرجل؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه. حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل ثلاثا، فخرج عنه، فدعا كسرى حراسه وحجابه فتغيظ وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك. حتى إذا كان في العام الثالث آتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل، فكسرها ثم خرج فلم يكن إلّا تهوّر ملكه وانبعاث ابنه والفرس على قتله حتى قتلوه. ومن هواجس المنام: ما حكاه ابن قتيبة أن كسرى ابرويز ابن هرمز كان سائرا ذات يوم فهوم على مركبه وطال حتى استغفل فأيقظه بعض قواده فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الموقظ له، فقال: رأيت قائلا لي أنكم غيرتم فغيرناكم ونقل الملك إلى أحمد وقيل له سلم ما بيدك إلى صاحب الهراوة إلى أن ورد عليه كتاب النعمان بن المنذر يخبر فيه أن خارجا نجم بتهامة يخبر أنه رسول الله إله السماء والأرض إلى أهل الأرض كافة، فارتاع لذلك وأكبره وعلم أنه الذي رآه في منامه وكان يتوقعه. ومن هواجس المنام: ما رواه عروة بن مضرس عن مخرمة بن نوفل عن

ماء والأرض إلى أهل الأرض كافة، فارتاع لذلك وأكبره وعلم أنه الذي رآه في منامه وكان يتوقعه. ومن هواجس المنام: ما رواه عروة بن مضرس عن مخرمة بن نوفل عن

أمه رقية بنت أبي ضبعي بن هاشم قال: تتابعت على قريش سنون أمحلت الضرع وأدقت العظم فبينا أنا نائمة للهم أو مهمومة إذا هاتف يصرخ بصوت صخب يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيامه وهذا إبان نجومه فحي هلا بالحياء والخصب ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا جسيما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه وسنه يهدي إليه فليخلص هو وولده وليهبط إليه من كل بطن رجل فليستنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليستلموا الركن ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤم القوم فغثم ما شئتم فأصبحت علم الله تعالى مذعورة وقد اقشعر جلدي ووله عقلي واقتصصت رؤياي فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلّا قال: هذا شيبة الحمد- يعنون عبد المطلب- فتتامت إليه رجالات قريش وهبط إليه من كل بطن رجل فسنوا ومسوا واستلموا ثم ارتقوا أبا قبيس وطبقوا جانبيه ما يبلغ سعيهم مهلة حتى استووا بذروة الجبل فقام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ غلام حين أيفع أو كرب فقال: اللهم سادّ الخلة وكاشف الكربة أنت معلّم غير معلّم ومسؤول غير مبخل وهذه عبادك وإماؤك بغدرات حرمك يشكون إليك سنتهم أذهبت الخف والظلف اللهم فأمطر علينا غيثا مغدقا مريعا، فو الكعبة ما راحوا حتى تفجرت السماء بمائها والحيط الوادي بثجيجه فسمعت شيخين من قريش وأجلّتها: عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء، أي عاش بك أهل البطحاء، وفي ذلك يقول رفيقه: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... لما فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جوى له سبل ... سحا فعاشت به الأنعام والشجر مبارك الأمر يستسقي الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر ومن هواجس الإنذار والإلهام والمنام: ما رواه أبو أيوب يعلى بن عمران النحلي عن مخزوم بن هانىء المخزومي عن أبيه واتت له مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ أو بعث ارتجس «٣» إيوان كسرى

فسقطت منه أربع عشرة شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغارت بحيرة ساوة فأفزع ذلك كسرى فلبس تاجه وقعد على سريره وجمع وزراءه ومرازبته وأخبرهم برؤياه فقال الموبذان وأنا أصلح الله تعالى الملك قد رأيت في هذه الليلة إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، فقال: أي شيء هذا يا موبذان؟ فقال: حادثة تكون من ناحية العرب فكتب إلى النعمان بن المنذر أن ابعث إليّ برجل عالم أسأله عما أريد، فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره، فقال: أيها الملك علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما أخبرتك به ثم آتي بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته حتى ورد على سطيح وقد أشفى على الموت ووضع على شفير قبره فسلم وحيّاه فلم يخبر سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاضل الخطة أعيت من ومن أتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمه من آل ذئب بن حجن أبيض فضفاض الردى خجر البدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن فرفع سطيح رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح وافى إلى سطيح وقد أوفى به إلى الضريح بعثك ملك بنى ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وبعث من تهامة صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملك وملكات بعدد الشرفات وكل ما هو آت، ثم قضى سطيح فسار عبد المسيح على راحلته وهو يقول: شمّر فإنك ماضي الهم شمير ... ولا يغرنك تفريق وتغيير إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير فربما أصبحوا يوما بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير منهم أخو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور

Bagian 4 dari 6