— Bagian 11 · سلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار —
Bagian 11
سلمهم ... إن الخبيث لمن والاه غرار وقال إنى لكم جار فأوردهم ... شر الموارد فيه الخزى والعار ثم التقينا فولوا عن سراتهم ... من منجدين ومنهم فرقة غاروا ويروى أن قريشا رأوا سراقة المدلجى بعد وقعة بدر، وهو الذى تمثل لهم إبليس فى صورته يوم بدر كما تقدم، فقالوا له: يا سراقة، أخرمت الصف وأوقعت فينا الهزيمة؟! فقال: والله ما علمت بشىء من أمركم حتى كانت هزيمتكم، وما شهدت معكم. فما صدقوه حتى اسلموا وسمعوا ما أنزل الله فى ذلك، فعلموا أنه كان إبليس تمثل لهم. ولما انقضى أمر بدر، أنزل الله- ﵎ فيه من القرآن «الآنفال» بأسرها. وكان جميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والأنصار، من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون رجلا: ثلاثة منهم ضرب لهم بسهامهم وأجورهم ولم يشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ لمرضها الذى توفيت فيه قبل أن يرجع رسول الله ﷺ من بدر، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله ﷺ؟ قال: «وأجرك» . وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، كانا بالشام فرجعا بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر، فضرب لكليهما بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله؟ قال: وأجرك. ومن الأوس: واحد وستون، اثنان منهم ضرب لهما بسهميهما: عاصم بن عدى
د رجوع رسول الله ﷺ من بدر، فضرب لكليهما بسهمه. قال: وأجرى يا رسول الله؟ قال: وأجرك. ومن الأوس: واحد وستون، اثنان منهم ضرب لهما بسهميهما: عاصم بن عدى
العجلانى، رده رسول الله ﷺ بعد أن خرج معه وضرب له بسهم، وخوّات بن جبير ضرب له، أيضا، بسهمه. ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا، منهم الحارث بن الصمة كسر به بالروحاء فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. واستشهد يومئذ من المسلمين مع رسول الله ﷺ أربعة عشر رجلا: ستة من قريش: عبيدة بن الحارث بن المطلب، وعمير بن أبى وقاص الزهرى، وذو الشمالين بن عبد عمرو حليف بنى زهرة، وعاقل بن البكير حليف لبنى عدى، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء. ومن الأنصار ثمانية نفر، خمسة من الأوس: سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر من بنى عمرو بن عوف، ويزيد بن الحارث الذى يقال له: ابن فسحم من بنى الحارث ابن الخزرج، وعمير بن الحمام من بنى سلمة، ورافع بن المعلى من بنى جشم. وثلاثة من الخزرج من بنى النجار: حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا الحارث بن رفاعة منهم، وهم ابنا عفراء، رحمة الله على جميعهم ورضوانه. وكان من المسلمين يوم بدر من الخيل فرس الزبير بن العوام، وفرس مرثد بن أبى مرثد الغنوى، وفرس المقداد بن عمرو البهرانى. وذكر ابن إسحاق أن جميع من أحصى له من قتلى قريش من المشركين يوم بدر خمسون رجلا. وقال ابن هشام «١» : حدثنى أبو عبيدة عن أبى عمرو أن قتلى بدر من المشركين كانوا سبعين رجلا والأسرى كذلك، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب. وفى كتاب الله ﵎: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يقول لأصحاب أحد، وكان من أستشهد منهم سبعين رجلا، يقول: قد أصبتم يوم بدر مثلى من استشهد منكم يوم أحد: سبعين قتيلا وسبعين أسيرا. وأنشدنى أبو زيد الأنصارى لكعب بن مالك من قصيدة له ينعى قتلى بدر: فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود وكان مما قيل فى يوم بدر من الشعر: قول حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله، ومن أهل العلم من ينكرها له:
ألم تر أمرا كان من عجب الدهر ... وللحين أسباب مبينة الأمر وما ذاك إلا أن قوما أفادهم ... فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر عشية راحوا نحو بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للركية من بدر «١» وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فساروا إلينا فالتقينا على قدر فلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر وضرب ببيض يختلى الهام حدها ... مشهرة الألوان بينة الأثر ونحن تركنا عتبة الغى ثاويا ... وشيبة فى القتلى تجرجم فى الجفر وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم ... فشقت جيوب النائحات على عمرو جيوب نساء من لؤى بن غالب ... كرام تفر عن الذوائب من فهر أولئك قوم قتلوا فى ضلالهم ... وخلوا لواء غير محتضر النصر لواء ضلال قاد إبليس أهله ... فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا ... برئت إليكم ما بى اليوم من صبر فإنى أرى ما لا ترون وإننى ... أخاف عقاب الله والله ذو قسر «٢» فقدمهم للحين حتى تورطوا ... وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر «٣» فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا ... ثلاث مئين كالمسدمة الزهر «٤» وفينا جنود الله حين يمدنا ... بهم فى مقام ثم مستوضح الذكر فشد بهم جبريل تحت لوائنا ... لدى مأزق فيه مناياهم تجرى «٥» وقال على بن أبى طالب- رضى الله عنه- فى يوم بدر، ولم ير ابن هشام أحدا يعرفها من أهل العلم بالشعر: ألم تر أن الله أبلى رسوله ... بلاء عزيز ذى اقتدار وذى فضل «٦» بما أنزل الكفار دار مذلة ... فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل فآمسى رسول الله قد عز نصره ... وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل ... مبينة آياته لذوى العقل
مذلة ... فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل فآمسى رسول الله قد عز نصره ... وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل ... مبينة آياته لذوى العقل
فأمن أقوام بذاك وأيقنوا ... فأمسوا بحمد الله مجتمعى الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم ... فزادهم ذو العرش خبلا على خبل وأمكن منهم يوم بدر رسوله ... وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم ببعض خفاف عصوا بها ... وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذى حمية ... صريع ومن ذى نجدة منهم كهل تبيت عيون النائحات عليهم ... تجود بإسيال الرشاش وبالوبل نوائح تنعى عتبة الغى وابنه ... وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم ... مسلبة حرى مبينة الثكل «١» ثوى منهم فى بئر بدر عصابة ... ذوى نجدات فى الحروب وفى المحل دعا الغى منهم من دعا فأجابه ... وللغى أسباب مرمقة الوصل فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل ... عن الشغب والعدوان فى أشغل الشغل وقال كعب بن مالك أخو بنى سلمة يذكر بدرا: عجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر قضى يوم بدر أن نلاقى معشرا ... بغوا وسبيل البغى فى النار جائر وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر وجمع بنى النجار تحت لوائه ... يمشون فى الماذى والنقع ثائر فلما لقيناهم وكل مجاهد ... لأصحابه مستبسل النفس صابر شهدنا بأن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله بالحق ظاهر وقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها لعينيك شاهر بهن أيدنا جمعهم فتبددوا ... وكان يلاقى الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرته وهو عائر وشيبة والتيمى غادرن فى الوغى ... وما منهم إلا بذى العرش كافر فأمسوا وقود النار فى مستقرها ... وكل كفور فى جهنم صائر
جهه ... وعتبة قد غادرته وهو عائر وشيبة والتيمى غادرن فى الوغى ... وما منهم إلا بذى العرش كافر فأمسوا وقود النار فى مستقرها ... وكل كفور فى جهنم صائر
تلظى عليهم وهى قد شب حميها ... بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال أقبلوا ... فولوا وقالوا إنما أنت ساحر لأمر أراد الله أن يهلكوا به ... وليس لأمر حمه الله زاجر ولضرار بن الخطاب الفهرى فى هذا الروى شعر، ذكر ابن إسحاق أن كعب بن مالك أجابه عنه بهذا الشعر الذى كتبناه آنفا، والأظهر من مقتضى الشعر أن ضرارا هو الذى أجاب كعب بن مالك ونقض عليه. وهذا شعر ضرار: عجبت لفخر الأوس والحين دائر ... عليهم غدا والدهر فيه بصائر وفخر بنى النجار إن كان معشر ... أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر فإن تك قتلى غودرت من رجالنا ... فإنا رجال بعدهم سنغادر وتردى بنا جرد عناجيج وسطكم ... بنى الأوس حتى يشفى النفس ثائر ووسط بنى النجار سوف نكرها ... لها بالقنا والدارعين زوافر فنترك صرعى تعصب الطير حولهم ... وليس لهم إلا الأمانى ناصر وتبكيهم من أهل يثرب نسوة ... لهن بها ليل عن النوم ساهر وذلك أنا لا تزال سيوفنا ... بهن دم ممن يحاربن مائر فإن تظفروا فى يوم بدر فإنما ... بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الأخيار هم أولياؤه ... يحامون فى اللأواء والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم ... ويدعى على وسط من أنت ذاكر أولئك لا من نتجت فى ديارها ... بنو الأوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤى بن غالب ... إذا عدت الأنساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل فى كل معرك ... غداة الهياج الأطيبون الأكاثر ومن شعر حسان بن ثابت يعرض بالحارث بن هشام وفراره عن يوم بدر: إن كنت كاذبة الذى حدثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام «١» فأجابه الحارث بن هشام- فيما ذكر- فقال: الله أعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد وعرفت أنى إن أقاتل واحد ... أقتل ولا ينكى عدوى مشهدى فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
وقال حسان بن ثابت أيضا، ويقال: إنها لعبد الله بن الحارث السهمى، يشبه أنها من قصيدة: مستشعرى حلق الماذى يقدمهم ... جلد النحيزة ماض غير رعديد «١» أعنى رسول الإله الحق فضله ... على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم ... وماء بدر زعمتم غير مورود «٢» ثم وردنا ولم نسمع لقولكم ... حتى شربنا رواء غير تصريد «٣» مستعصمين بحبل غير منجذم ... مستحكم من حبال الله ممدود فينا الرسول وفينا الحق نتبعه ... حتى الممات ونصر غير محدود وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا ليت شعرى هل أتى أهل مكة ... إبارتنا الكفار فى ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا ... فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر فكم قتلنا من كريم مرزء ... له حسب فى قومه نابه الذكر تركناهم للعاويات يتبنهم ... ويصلون نارا بعد حامية القعر لعمرك ما حامت فوارس مالك ... وأشياعهم يوم التقينا على بدر وقال عبيدة بن الحارث بن المطلب فى يوم بدر، يذكر مبارزته هو وحمزة وعلىّ عدوهم، وما كان من إصابة رجله يومئذ. قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له: ستبلغ عنا أهل مكة وقعة ... يهب لها من كان عن ذاك نائيا بعتبة إذ ولى وشيبة بعده ... وما كان فيها بكر عتبة راضيا «٤» فإن تقطعوا رجلى فإنى مسلم ... أرجى بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال التماثيل أخلصت ... مع الجنة العليا لمن كان عاليا وبعت بها عيشا نغرفت صفوه ... وعالجته حتى فقدت الأدانيا «٥»
جى بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال التماثيل أخلصت ... مع الجنة العليا لمن كان عاليا وبعت بها عيشا نغرفت صفوه ... وعالجته حتى فقدت الأدانيا «٥»
وأكرمنى الرحمن من فضل منه ... بثوب من الإسلام غطى المساويا وما كان مكروها إلىّ قتالهم ... غداة دعا الأكفاء من كان داعيا لقيناهم كالأسد تعثر بالقنا ... نقاتل فى الرحمن من كان عاصيا فما برحت أقدامنا من مقامنا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنانيا قال ابن هشام «١» : لما أصيبت رجل عبيدة قال: أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أنى أحق منه بما قال حين يقول: كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ولما هلك عبيدة بن الحارث من مصاب رجله قالت هند ابنة أثاثة بن عباد بن المطلب ترثيه وكانت وفاته بالصفراء، وبها دفن يرحمه الله تعالى: لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا ... وحلما أصيلا وافر اللب والعقل عبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوى لأشعث كالجذل وبكيه للأقوام فى كل شتوة ... إذا احمر آفاق السماء من المحل وبكيه للأيتام والريح زفزف ... وتشتيت قدر طال ما أزبدت تغلى فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها ... فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى ... ومستنبح أضحى لديه على رسل وقال طالب بن أبى طالب يمدح النبى ﷺ، ويبكى أصحاب القليب من قريش: ألا إن عينى أنفدت ماءها سكبا ... تبكى على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا فى الحروب تخاذلوا ... وأرادهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا وعامر تبكى للملمات غدوة ... فياليت شعرى هل أرى لهما قربا هما أخواى لن يعدا لغية ... تعد ولن يستام جارهما غصبا فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا ولا تصحبوا من بعد ود وألفة ... أحاديث فيها كلكم يشتكى النكبا ألم تعلموا ما كان فى حرب داحس ... وجيش أبى يكسوم إذ ملأوا الشعبا فلولا دفاع الله لا شىء غيره ... لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا فى قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة فى النائبات مرزأ ... كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا
. لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا فى قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة فى النائبات مرزأ ... كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا
يطيف به العافون يغشون بابه ... يؤمون بهرا لا نزورا ولا صربا فو الله لا تنفك نفسى حزينة ... تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا وكانت وقعة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة من شهر رمضان، وكان فراغ رسول الله ﷺ منها فى عقبة أو فى شوال بعده. فلما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم، فبلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر «١» ، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى فى إقامته تلك جل الأسارى من قريش «٢» . وكان أبو سفيان بن حرب حين رجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ، فخرج فى مائتى راكب من قريش لتبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة، على بريد أو نحوه من المدينة، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بنى النضير فى زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج فى عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث رجالا منهم، فأتوا ناحية العريض فحرقوا بها أصوار نخل وقتلوا رجلا من الأنصار وحليفا له فى حرث لهما، ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله ﷺ فى طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف وقد فاته أبو سفيان بن حرب وأصحابه، وطرحوا من أزوادهم يتخففون منها للنجاء، وكان أكثر ما طرحوه السويق، فهجم المسلمون على سويق كثير، فسميت غزوة السويق، فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله ﷺ: يا رسول، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: «نعم» «٣» . ثم غزا رسول الله ﷺ نجدا يريد غطفان، وهى غزوة ذى أمر، فأقام بنجد ثم رجع ولم يلق كيدا.
ثم غزا قريشا حتى بلغ بحران «١» ، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، ثم رجع منه إلى المدينة ولم يلق كيدا، وذلك بعد مقامه به نحوا من شهرين، ربيع الآخر وجمادى الأولى من سنة ثلاث.
أمر بنى قينقاع وكان فيما بين ما ذكر من غزو رسول الله ﷺ أمر بنى قيقناع. وكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا فيما بين بدر وأحد. وكان رسول الله ﷺ جمعهم فى سوقهم، ثم قال: «يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك فى كتابكم وعهد الله إليكم» «٢» . قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. فقال ابن عباس «٣» : ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [آل عمران: ١٢، ١٣] . وكان منشأ أمرهم: أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق قينفاع" وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.
لى الصائغ فقتله، وكان يهوديا، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.
فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبىّ بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن فى موالى، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أحسن فى موالى، فأعرض عنه رسول الله ﷺ فأدخل يده فى جيب درع رسول الله ﷺ وكان يقال لها: ذات الفضول، فقال له: «أرسلنى» ! وغضب ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: «ويحك أرسلنى» . قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن فى موالى، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم فى غداة واحدة! إنى والله امرؤا أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ: «هم لك» «١» . ولما حاربت بنو قينقاع تشبث عبد الله بن أبى بأمرهم وقام دونهم، قال: مشى عبادة بن الصامت، وكان أحد بنى عوف، لهم من حلفه مثل الذى لهم من عبد الله بن ابى، إلى رسول الله ﷺ فخلعهم إليه وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم.
إلى رسول الله ﷺ فخلعهم إليه وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. ففيه وفى عبد الله بن أبى نزلت [هذه] القصة من المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يريد عبد الله بن أبىّ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. ثم القصة فى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ وذلك لتولى عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرية، من بنى قينقاع وحلفهم وولايتهم وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة: ٥١- ٥٦] .
سرية زيد بن حارثة «٢» ولما كان من وقعة بدر ما كان، خافت قريش طريقهم التى كانوا يسلكون إلى
الشام، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة وهى عظم تجارتهم، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على القردة- ماء من مياه نجد- فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله ﷺ. فذلك الذى يعنى حسان بن ثابت بقوله فى غزوة بدر الآخره يؤنب قريشا فى أخذهم تلك الطريق: دعو فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك «١» بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك «٢»
لاد كأفواه المخاض الأوارك «١» بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك «٢»
مقتل كعب بن الأشرف ولما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل من المشركين ببدر، قال كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيىء، ثم أحد بنى نبهان، وأمه من بنى النضير، حين بلغه هذا الخبر: أحق هذا؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء اشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لى من ظهرها. فلما تبين عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فجعل يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار، ويبكى أصحاب القليب من قريش، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله ﷺ: من لى من ابن الأشراف؟ فقال له محمد بن مسلمة الأشهلى: أنا لك به يا رسول الله ﷺ أنا أقتله قال: فافعل إن قدرت على ذلك. فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال يا رسول الله،
قلت لك قولا لا أدرى هل أفين لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد، قال: يا رسول الله، لا بد لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم فى حل من ذلك. فاجتمع فى قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة أبو نائلة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس، وكلهم من بنى عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر أخو بنى حارثة، ثم قدموا إلى عدو الله ابن الأشرف سلكان بن سلامة وكان أخاه من الرضاعة، فجاءه فتحدث معه ساعة ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عنى، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس. فقال كعب: أنا ابن الأشرف! أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال له سلكان: إنى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك. قال: أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم. قال: أترهنونى أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، يسب ابن أحدنا فيقال: رهن فى وسق شعير! ثم قال له: إن معى أصحابا لى على مثل رأيى وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن فى ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤا بها. قال: إن فى الحلقة لوفاء. فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم وأمرهم أن يأخذوا السلاح ويجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله ﷺ، فمشى معهم صلوات الله عليه إلى بقيع الغرقد فى ليلة مقمرة، ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ثم رجع إلى بيته. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب فى ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة لو وجدنى نائما ما أيقظنى. فقالت: والله إنى لأعرف فى صوته الشر. فقال لها كعب: لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب! فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، فقالوا له: هل لك يا ابن الأشرف إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن شئتم.
لطعنة لأجاب! فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه، فقالوا له: هل لك يا ابن الأشرف إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن شئتم. فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده فى فود رأسه ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأن، ثم مشى ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه.
ثم قال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد ابن مسلمة: فتذكرت معولا كان فى سيفى حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال: فوضعته فى ثنيته ثم تحاملت عليه حتى بلغت غايته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح فى رجله أو رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا حتى أسندنا فى حرة العريض وقد ابطأ علينا الحارث بن أوس صاحبنا ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قاءم يصلى، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح صاحبنا، ثم رجعنا إلى أهلينا فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه. وذكر ابن عقبة أن كعب بن الأشرف لما قدم على قريش يستنفرهم على رسول الله ﷺ قال له أبو سفيان والمشركون، نناشدك الله، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى فى رأيك وأقرب إلى الحق، فإنا نطعم الجزور الكوماء ونسقى اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال. فقال: ابن الأشرف: أنتم أهدى سبيلا، فأنزل الله فيه والله أعلم بما ينزل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: ٥١] .
ً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: ٥١] . وذكر ابن إسحاق أن هذه الآية إنما نزلت فى حيى بن أخطب وسلام بن أبى الحقيق وجماعة غيرهما من أحبار يهود، ليس ابن الأشرف مذكورا فيهم، وهم الذين حزيوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله ﷺ، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول فسلوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله تعالى فيهم الآية المذكورة. فالله تعالى أعلم. قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه. فوثب محيصة بن مسعود الأوسى على ابن سنينة من تجار يهود، وكان يلابسهم ويبايعهم فقتله، فلما قتله جعل أخوه حويصة بن مسعود ولم يكن أسلم يومئذ وكان أسن من محيصة، يضربه ويقول: أى عدو الله أقتلته، وأما والله لرب شحم فى بطنك من ماله فقال محيصة: والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك! قال: فو الله إن كان
لأول إسلام حويصة. قال: أو الله لو أمرك محمد بقتلى لقتلتنى؟ قال: نعم، والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينا بلغ منك هذا لعجب! فأسلم حويصة، وقال محيصة فى ذلك: يلوم ابن أمى لو أمرت بقتله ... لطبقت ذفراه بأبيض قاضب «١» حسام كلون الملح أخلص صقله ... متى ما أصوبه فليس بكاذب «٢» وما سرنى أنى قتلتك طائعا ... وأن لنا ما بين بصرى ومأرب «٣» وذكر ابن هشام أن هذا عرض لمحيصة بعد غزوة بنى قريظة وظفر رسول الله ﷺ بهم، وأن رسول الله ﷺ دفع إليهم منهم كعب بن يهوذا. قال: وكان عظيما فيهم، ليقتله، فقال له أخوه حويصة وكان كافرا: أقتلت كعب بن يهوذا؟ قال: نعم. قال: أما والله لرب شحم قد نبت فى بطنك من ماله، إنك للئيم. فقال له محيصة: لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لقتلتك. فعجب من قوله، ثم ذهب عنه متعجبا فذكروا أنه جعل ينتفض من الليل فيعجب من قول أخيه محيصة حتى أصبح وهو يقول: والله إن هذا لدين. ثم أتى النبى ﷺ فأسلم.
غزوة أحد «٤» وكان من حديث أحد أنه لما قتل الله من قتل من كفار قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيرهم، مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية فى رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا ابا سفيان ومن كانت له فى تلك العير تجارة من قريش، وقالوا لهم: إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينوا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن اصاب منا. ففعلوا. ففيهم يقال: أنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦] .
َبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦] .
فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير، وحركوا لذلك من أطاعهم من القبائل وحرضوهم عليه وخرجوا بحدهم وجدهم وأحابيشهم «١» ومن تابعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا، فخرج أبو سفيان بن حرب وكان قائد الناس بهند بنت عتبة، وكذلك سائر أشراف قريش وكبرائهم خرجوا معهم بنسائهم. وكان جبير بن مطعم قد أمر غلامه وحشيا الحبشى بالخروج مع الناس وقال له: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق. فكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أو مر بها قالت: ويها أبا دسمة، وهى كنيته، اشف واشتف. فأقبلوا حتى نزلوا بعينين- جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادى مقابل المدينة. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال ﵇: «إنى قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت فى ذباب سيفى ثلما، فأما البقر، فهى ناس من أصحابى يقتلون، وأما الثلم الذى فى ذباب سيفى فهو رجل من أهل بيتى يقتل، ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها» «٢» . وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، وكان عبد الله بن أبى يرى رأى رسول الله ﷺ فى ذلك، فقال رجل من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره ممن كان فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم. فقال عبد الله بن أبى: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ورماهم الصبيان والنساء بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا.
يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ورماهم الصبيان والنساء بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا.
فلم يزل برسول الله ﷺ الناس الذين كان من أمرهم حب لقاء العدو، حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة، وقد مات فى ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له: مالك بن عمرو، أخو بنى النجار، فصلى عليه رسول الله ﷺ، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، فقالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد ﷺ عليك. فقال رسول الله ﷺ: «ما ينبغى للنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» «١» . فخرج فى ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبى بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغنى الله عنكم نبيه. ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك فى حرة بنى حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلّاب سيف فاستله، فقال رسول الله ﷺ وكان يحب الفأل ولا يعتاف: «يا صاحب السيف، شم سيفك، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم» «٢» . ثم قال رسول الله ﷺ: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، أى من قرب، من طريق لا تمر بنا عليهم» ، فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة: أنا يا رسول الله. فنفذ به فى حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك فى مال لمربع بن قيظى، وكان منافقا ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين قام يحثى فى وجوههم التراب ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطى. وذكر أنه أخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: والله لو أعلم أنى لا اصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر» «٣» .
ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشّعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال» «١» . وقد سرحت قريش الظهر والكراع فى زروع كانت للمسلمين، فقال رجل من الأنصار: أترعى زرع بنى قيلة ولما نضارب! وتعبى رسول الله ﷺ للقتال وهو فى سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف، وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا لا يأتوننا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار. وتعبأت قريش وهم ثلاث آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل. وقد كان أبو عامر عبد عمرو بن صيفى من الأوس، خرج عن قومه إلى مكة مباعدا لرسول الله ﷺ، فكان يعد قريشا أن لو لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر فى الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وبذلك سماه رسول الله ﷺ، وكان يسمى فى الجاهلية الراهب، فلما سمع ردهم عليه، قال: «لقد أصاب قومى بعدى شر! ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم «٢» بالحجارة» «٣» . وقال أبو سفيان- يومئذ- لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك: يا بنى عبد الدار، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه. فهموا به وتواعدوه قالوا: أنحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع. وذلك أراد أبو سفيان. فاقتتل الناس حتى حميت الحرب.
ا وبينه فنكفيكموه. فهموا به وتواعدوه قالوا: أنحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع. وذلك أراد أبو سفيان. فاقتتل الناس حتى حميت الحرب.
وقاتل أبو دجانة «١» سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة، حتى أمعن فى الناس، وقد كان رسول الله ﷺ قال لسيف عنده: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به فى العدو حتى ينحنى» «٢» . قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله ﷺ حين رآه يتبختر: «إنها لمشية يبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن» «٣» . وكان الزبير بن العوام قد سأل رسول الله ﷺ ذلك السيف مع من سأله منه فمنعه إياه، فقال: وجدت فى نفسى حين سألته إياه فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله فأعطاه إياه وتركنى! والله لأنظرن ما يصنع، فأتبعه، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت! وهكذا كانت تقول له إذا تعصب لها، فخرج وهو يقول: أنا الذى عاهدنى خليلى ... ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر فى الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول «٤» فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، وكان فى المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه: فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها، قال الزبير: فقلت الله ورسوله أعلم.
تقاه بدرقته فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها، قال الزبير: فقلت الله ورسوله أعلم.
وقال أبو دجانة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة. وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أحد النفر الذين كانوا يحملون اللواء من بنى عبد الدار، وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا بالعتق إن قتل حمزة بعمه طعيمة ابن عدى المقتول يوم بدر، قال وحشى: فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطىء بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة حتى رأيته فى عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شىء، فو الله إنى لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى إذ تقدمنى إليه سباع بن عبد العزى الغبشانى، فلما رآه حمزة قال له: هلم إلى يا بن مقطعة البظور. وكانت أمه ختّانة بمكة، قال: فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه، قال: وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فى ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوى فغلب وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى ورجعت إلى العسكر فقعدت فيه، ولم تكن لى بغيره حاجه، إنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة عتقت، ثم أقمت حتى افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فكنت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيت على المذاهب، فو الله إنى لفى ذلك إذ قال لى رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل فى دينه، فلما قال لى ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أتشهد شهادة الحق، فلما رآنى قال: أو حشىّ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أقعد فحدثنى كيف قتلت حمزة، فحدثته فلما فرغت قال: ويحك! غيب عنى وجهك. فكنت أتنكّبه ﷺ حيث كان لئلا يرانى حتى قبضه الله تعالى.
ت: نعم يا رسول الله، قال: أقعد فحدثنى كيف قتلت حمزة، فحدثته فلما فرغت قال: ويحك! غيب عنى وجهك. فكنت أتنكّبه ﷺ حيث كان لئلا يرانى حتى قبضه الله تعالى. فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب خرجت معهم وأخذت بحربتى التى قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما فى يده السيف وما أعرفه، فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه وشدّ عليه الأنصارى فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ، وقد قتلت شر الناس! وذكر ابن إسحاق «١» بإسناد له إلى عبد الله بن عمر، وكان شهد اليمامة قال: سمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الأسود.
قال ابن إسحاق: فبلغنى أن وحشيا لم يزل يحد فى الخمر حتى خلع من الديوان. فكان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، يقول: قد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. قال ابن إسحاق «١» : وقاتل مصعب بن عمير «٢» دون رسول الله ﷺ حتى قتل، قتله ابن قميئة الليثى، وهو يظن أنه رسول الله ﷺ، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا. فلما قتل مصعب أعطى رسول الله ﷺ اللواء على بن أبى طالب، فقاتل على ورجال من المسلمين. ولما اشتد القتال يومئذ جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار وأرسل إلى على أن قدم الراية، فتقدم فقال: أنا أبو القصم، فناداه أبو سعد بن أبى طلحة: هل لك يا أبا القصم فى البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه على فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استقبلنى بعورته فعطفتنى عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله. ويقال: إن أبا سعد هذا خرج بين الصفين وطلب من يبارزه مرارا فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم فى الجنة وقتلانا فى النار، كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلى بعضكم. فخرج إليه علىّ فاختلفا ضربتين فقتله علىّ. وقد قيل: إن سعد بن أبى وقاص هو الذى قتل أبا سعد هذا. وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح «٣» ، فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس ابن طلحة، كلاهما يشعره سهما «٤» فيأتى أمه فيضع رأسه فى حجرها فتقول: يا بنى من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا يقول رمانى: خذها وأنا ابن أبى الأقلح. فندرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا، فتمم الله له ذلك حيا وميتا حسب ما نذكره عند مقتل عاصم على الرجيع- ماء لهذيل- إن شاء الله تعالى.
اصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا، فتمم الله له ذلك حيا وميتا حسب ما نذكره عند مقتل عاصم على الرجيع- ماء لهذيل- إن شاء الله تعالى.
والتقى يوم أحد حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود بن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله، فقال رسول الله ﷺ: إن صاحبكم- يعنى حنظلة- لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. فقال: رسول الله ﷺ: «لذلك غسلته الملائكة» «١» . ثم أنزل نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر ونهكوهم قتلا. وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة، وكانت الهزيمة لا شك فيها. فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس هنا لشىء، قد أهلك الله العدو، وإخواننا فى عسكر المشركين، فتركوا منازلهم التى عهد إليهم رسول الله ﷺ أن لا يتركوها، وتنازعوا وفشلوا، وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا، ولم يكن نبل ينضحها ووجدت مدخلا عليهم، فكان ذلك سبب الهزيمة على المسلمين بعد أن كانت لهم. قال الزبير بن العوام رضى الله عنه: والله، لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها منكشفات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذا مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم. وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، ويقال: إن الصارخ هو الشيطان. وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة. حتى خلص العدو إلى رسول الله ﷺ فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج فى وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل ﷺ يمسحه وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» «٢» .
لشقه فأصيبت رباعيته وكلمت شفته وشج فى وجهه فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل ﷺ يمسحه وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» «٢» .
فأنزل الله عليه فى ذلك: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] . وكان الذى كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبى وقاص وشجه عبد الله بن شهاب الزهرى فى جبهته وجرح ابن قميئة وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وجنته، ووقع صلوات الله عليه فى حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ على بن أبى طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما. ومص مالك بن سنان والد أبى سعيد الخدرى الدم من وجهه ثم ازدرده، فقال رسول الله ﷺ: «من مس دمه دمى لم تصبه النار» «١» . وقال ﷺ: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على الأرض فلينظر إلى طلحة» «٢» . ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. وكان سعد بن أبى وقاص يقول: والله، ما حرصت على قتل رجل قط حرصى على قتل عتبة بن أبى وقاص- وهو أخوه- وإن كان ما علمت لسىء الخلق مبغضا فى قومه، ولقد كفانى منه قول رسول الله ﷺ: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «٣» . وقال رسول الله ﷺ حين غشيه القوم: «من رجل يشرى لنا نفسه؟» فقام زياد بن السكن فى نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقولون: إنما هو عمارة بن زياد بن السكن، فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم جاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه،
فقال رسول الله ﷺ: «أدنوه منى» «١» . فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ. وقاتلت أم عمارة نسيبه بنت كعب المازنية، يومئذ قالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو فى أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلىّ. قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جراحا أجوف له غور فقلت: من أصابك بهذا، قالت: ابن قميئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلونى على محمد فلا نجوت إن نجا. فاعترضته أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان. وترس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: «أرم فداك أبى وأمى» «٢» حتى إنه ليناولنى السهم ماله من نصل فيقول: «ارم به» . ورمى رسول الله ﷺ يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان «٣» فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
«ارم به» . ورمى رسول الله ﷺ يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان «٣» فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها فى رجله فعرج. وأتى أنس بن النضر عم أنس بن مالك وبه سمى، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قد قتل محمد رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا على ما مات عليه رسول الله ﷺ. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى. وروى حميد عن أنس، أن عمه أنس بن النضر هذا غاب عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين لئن أشهدنى الله قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المشركين، وأعتذر إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المسلمين، ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال: أى سعد، والذى نفسى بيده إنى لأجد ريح الجنة دون أحد! واها لريح الجنة. فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثلوا به حتى عرفته أخته ببنانه. قال أنس: كنا نقول أنزلت هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] فيه وفى أصحابه. قال ابن إسحاق «١» : وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وتحدث الناس بقتله: كعب بن مالك الأنصارى، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمون أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إلى أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله ﷺ فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد: لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه» «٢» .
لما أسند رسول الله ﷺ فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد: لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه» «٢» .
فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. وكان أبى بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد، إن عندى العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله» «١» . فلما رجع إلى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال: قتلنى والله محمد! فقالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك. فو الله لو بصق على لقتلنى. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة. وقد قال رسول الله ﷺ فيما قاله يومئذ: «اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله» «٢» . فسحقا لأصحاب السعير. ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته من المهراس، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم فصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «٣» . فبينا رسول الله ﷺ فى الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذا علت عالية من قريش الجبل فقال: «اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا» «٤» فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع، وقد كان بدن
وظاهر بين درعين فجلس تحته بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال ﷺ: «أوجب طلحة» «١» . وصلى رسول الله ﷺ الظهر- يومئذ- قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا. ولما خرج ﷺ إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن قيس فى الآكام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: لا اب لك! ما ننتظر؟ فو الله إن بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق رسول الله ﷺ، لعل الله يرزقنا شهادة معه؟ فأخذا اسيافهما ثم خرجا حتى دخلا فى الناس ولم يعلم بهما. فأما ثابت فقتله المشركون، وأما حسيل فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه وهم لا يعرفونه، فقال حذيفة: أبى! قالوا: والله إن عرفناه. وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأراد رسول الله ﷺ أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده عند رسول الله خيرا. وكان ممن قتل يوم أحد مخيرق من أحبار اليهود، وقد تقدم خبره وكيف قال- يومئذ- ليهود: لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. فتعللوا عليه بأنه يوم السبت، فقال لهم: لا سبت لكم. وأخذ سيفه وعدّته فلحق برسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيهما يشاء. وفيه قال رسول الله ﷺ: «مخيريق خير يهود» «٢» . وكان عمرو بن ثابت وقش أصيرم بنى عبد الأشهل يأبى الإسلام على قومه، فلما
بت فمالى لمحمد يصنع فيهما يشاء. وفيه قال رسول الله ﷺ: «مخيريق خير يهود» «٢» . وكان عمرو بن ثابت وقش أصيرم بنى عبد الأشهل يأبى الإسلام على قومه، فلما
كان يوم أحد بدا له فى الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فغزا حتى دخل فى عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال من بنى الأشهل يلتمسون قتلاهم فى المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث. فسألوه ما جاء بك عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة فى الإسلام؟ قال: بل رغبة فى الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله ﷺ، ثم قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى. ثم لم يلبث أن مات فى ايديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» «١» . وكان أبو هريرة يقول: حدثونى عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؟ فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بنى عبد الأشهل؟ وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فو الله إنى لأرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنة. فقال له رسول الله ﷺ: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» . وقال لبنيه: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» «٢» فخرج معه فقتل، يرحمه الله. ووقعت هند بنت عتبة «٣» والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعن الاذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزة- رضى الله عنه- فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «٤» ما كان عن عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمه وبكر
فظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها: نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «٤» ما كان عن عتبة لى من صبر ... ولا أخى وعمه وبكر
شفيت نفسى وقضيت نذرى ... شفيت وحشى غليل صدرى فشكر وحشى علىّ عمرى ... حتى ترم أضلعى فى قبرى فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، فقالت: خزيت فى بدر وبعد بدر ... يا منه وقاع عظيم الكفر صبحك الله غداة الفجر ... بالهاشمين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلى صقرى إذ رام شيب وأبوك غدرى ... فخضبا منه ضواحى النحر ونذرك السوء فشر نذر وقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، مر بأبى سفيان وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب بزح الرمح ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك، اكتمها عنى فإنها كانت زلة. ثم إن أبا سفيان حين أراد الإنصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال يوم بيوم بدر، اعل هبل. أى ظهر دينك. فقال رسول الله ﷺ: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار» «١» . وفى الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان قال: إنه لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبى ﷺ: «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال قالوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» «٢» . وفيه أيضا: أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال: أفى القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه. قال: أفى القوم ابن الخطاب؟ فلما لم يجبه أحد قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك. قال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلى يا عمر، فقال رسول
الله ﷺ لعمر: «ايته فانظر ما شأنه» «١» . فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر: أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قميئه وابر. لقول ابن قميئة لهم: إنى قد قتلت محمدا، ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان فى قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت. ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه قل: «نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «٢» . ثم بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال: «اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم» «٣» ؛ فخرج على فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة. وفرغ الناس لقتلاهم وانتشروا يبتغونهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة ابن أبى عامر فإن أباه كان مع المشركين فتركوه له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره بقدمه وقال: قد تقدمت إليك فى مصرعك هذا، ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالدة. وقال رسول الله ﷺ: «من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟» «٤» فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل. فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق، قال فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك السلام عنى وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره.
وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره.
وفى سعد هذا يقول أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- وقد دخل عليه رجل وعلى صدره بنت لسعد جارية صغيرة يرشفها ويقبلها فقال الرجل: من هذه؟ فقال أبو بكر رضى الله عنه: بنت رجل خير منى، سعد بن الربيع، كان من النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد. وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فقال رسول الله ﷺ حين رأى ما رأى: «لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدى لتركته حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى مواطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم» «١» . فلما رأى المسلمون حزن الرسول ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى، فيما قاله من ذلك رسوله صلوات الله عليه وسلامه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٦، ١٢٧] ، فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المثلة. ويقال: إن رسول الله ﷺ لما وقف على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا» «٢» . ثم قال: «جاءنى جبريل فأخبرنى أن حمزة مكتوب فى أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» «٣» . ثم أمر به رسول الله ﷺ فسجى ببرده، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة. وأقبلت صفية بنت عبد المطلب «٤» إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله
، يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة. وأقبلت صفية بنت عبد المطلب «٤» إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: «القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» . فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعى. قالت ولم؟ وقد بلغنى أن قد مثّل بأخى، وذلك فى الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله ﷺ قال له: «خل سبيلها» . فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له. ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن. وزعم آل عبد الله بن جحش أن رسول الله ﷺ دفن عبد الله بن جحش مع حمزة فى قبره، وهو ابن أخته أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثل به كما مثل بخاله حمزة، إلا أنه لم يبقر عن كبده وجدع أنفه وأذناه، فلذلك يقال له: المجدع فى الله. وكان فى أول النهار قد لقى سعد بن أبى وقاص فقال له عبد الله: هلم يا سعد فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته فى دعائه وليؤمن الآخر. فقال سعد: يا رب إذا لقيت العدو فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم ارزقنى الظفر عليه حتى أقتله وأسلبه سلبه. فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى فيقتلنى ثم يجدع أنفى وأذنى، فإذا لقيتك غدا قلت لى: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك يا رب وفى رسولك. فتقول لى: صدقت. فأمن سعد على دعوته. قال سعد: كانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتى، لقد رأيته النهار وإن أذنيه وأنفه معلقان فى خيط، ولقيت أنا فلان من المشركين فقتلته وأخذت سلبه. وذكر الزبير أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا فعاد فى يده سيفا منه، فقاتل به فكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل هذا يتوارث حتى بيع من بغا التركى بمائتى دينار. واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك قال: «ادفنوهم حيث صرعوا» «١» .
ث حتى بيع من بغا التركى بمائتى دينار. واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك قال: «ادفنوهم حيث صرعوا» «١» . ولما أشرف صلوات الله عليه وسلامه يوم أحد على القتلى قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إن ما من جريح يجرح فى الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون
دم والريح ريح مسك، انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه فى القبر» «١» . وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة فى القبر الواحد. وقال- يومئذ- حين أمر بدفن القتلى: «انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين فى الدنيا فاجعلوهما فى قبر واحد» «٢» . وذكر مالك بن أنس فى موطّئه أن السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة. ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نعى لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ: «إن زوج المرأة منها لبمكان» «٣» لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها وصياحها على زوجها. ومر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «لكن حمزة لا بواكى له» «٤» . فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ، ففعلن فلما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين عليه، فقال: «ارجعن
اءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ، ففعلن فلما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين عليه، فقال: «ارجعن
يرحمكن الله، فقد آسيتن «١» بأنفسكن» «٢» . وقيل: إنه لما سمع بكاءهن قال: «رحم الله الأنصار، فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة، مروهن فلينصرفن» . ومر رسول الله فى انصرافه بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة. فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: «اغسلى عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم» «٣» ، وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلى عنه دمه، فو الله لقد صدقنى اليوم. فقال رسول الله ﷺ: «لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» «٤» . وكان يقال لسيف رسول الله ﷺ: ذو الفقار. ونادى مناد يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا على وقال رسول الله ﷺ لعلى بن أبى طالب: «لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا» «٥» . وكان يوم أحد السبت للنصف من شوال. فلما كان الغد منه يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله ﷺ بطلب العدو، وأذن مؤذنه: أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، كان أبى خلفنى على أخوات لى سبع وقال: «يا بنى لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسى، فتخلف على أخواتك. فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه. وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج فى طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
ت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه. وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج فى طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
وشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد أخوان من بنى الأشهل فرجعا جريحين، قال أحدهما: فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج فى طلب العدو قلت لأخى أو قال لى: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟! والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. وانتهى رسول الله ﷺ فى خروجه ذلك إلى حمراء الأسد، على ثمانية أميال من المدينة. فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة. وقد مر به هنالك معبد بن أبى معبد الخزاعى، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك فى أصاحبك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقى ابا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شىء لم أر مثله قط. فقال: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصى الخيل. قال: فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإنى أنهاك عن ذلك، والله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من الشعر. قال: وما قلت؟ قال قلت: كادت تهد من الأصوات راحلتى ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل «١» تردى بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل «٢» فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل «٣»
إنى نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذى إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخشا قنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبد القيس فقال: أبن تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم بهذه غدا زبيبا بعكاظ إذا ما أتيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله ﷺ وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذى قال أبو سفيان وأصحابه فقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل» «١» . ويقال: إنهم لما هموا بالرجعة إلى المدينة ليستأصلوا- كما زعموا- بقية أصحاب رسول الله ﷺ قال لهم صفوان بن أمية: لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان، فارجعوا. فرجعوا. فقال النبى ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: «والذى نفسى بيده لقد سومت «٢» لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» «٣» . وأخذ رسول الله ﷺ فى وجهه قبل رجوعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان أبا أمه وأبا عزة الجمحى، وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر ثم من عليه، وقد تقدم ذكر ذلك وذكر مقتله إياه فى هذه الأخذة الثانية صدر غزوة أحد، ولجأ معاوية بن المغيرة إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله ﷺ فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعدها وتوارى. فبعث النبى زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: «إنكما ستجدانه بموضع كذا» «٤» . فوجداه فقاتلاه.
ﷺ فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل، فأقام بعدها وتوارى. فبعث النبى زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: «إنكما ستجدانه بموضع كذا» «٤» . فوجداه فقاتلاه.
وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين ممن كان يظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر فى قلبه، وأكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته. وكان مما أنزل الله- ﵎ من القرآن فى شأن أحد ستون آية من آل عمران فى طاعة من أطاع، ونفاق من نافق، وصفة ما كان فى يومهم، وتعزية المؤمنين فى مصيبتهم ومعاتبة من عاتب منهم. يقول الله ﵎ لنبيه ﷺ: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أى سميع لما يقولون عليم بما يخفون. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا أى تتخاذلا. والطائفتان: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان، يقول الله ﵎: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أى المدافع عنهما ما همتا به من ذلك برحمته وعائذته حتى سلمتا ولحقتا بنبيهما. وقيل: إنه لما أنزل الله- تعالى- فى هاتين الطائفتين قالتا: ما نحب أنا لم نهم بما هممنا لتولى الله إيانا فى ذلك. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، أى من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل على وليستعن بى أعنه على أمره وأدفع عنه حتى أبلغ به وأقويه على نيته. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أقل عددا وأضعف قوة فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أى فاتقونى فإنه شكر نعمتى. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، أى إن تصبروا لعدوى وتطيعوا أمر ويأتوكم من وجههم هذا أمددكم بهذا العدد من الملائكة مسومين أى معلمين.



