— Bagian 12 · بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ… —
Bagian 12
بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، أى إن تصبروا لعدوى وتطيعوا أمر ويأتوكم من وجههم هذا أمددكم بهذا العدد من الملائكة مسومين أى معلمين. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، أى ما سميت لكم من سميته من جنود ملائكتى إلا لتستبشروا بذلك وتطمئن قلوبكم إليه، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عند الله لسلطانى وقدرتى، وذلك أن العزة والحكم لى لا إلى أحد من خلقى. ثم قال لمحمد ﷺ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظالِمُونَ، أى ليس لك من الحكم شىء فى عبادى إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتى فإن شئت فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقى فإنهم ظالمون أى عصوا فاستوجبوا ذلك بمعصيتهم إياى. ثم استقبل ذكر المصيبة التى نزلت بهم والبلاء الذى أصابهم والتمحيص لما كان فيهم واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفا لهم فيما صنعوا وفيما هو صانع بهم: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، أى قد مضت منى وقائع نقمة فى أهل التكذيب برسلى والشرك، فى عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت منى فيهم ولمن هو على مثل ما هم عليه: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أى نور وأدب لمن أطاعنى وعرف أمرى. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا، أى لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ لكم تكون العاقبة والظهور إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أى أن كنتم صدقتم نبيى بما جاءكم به عنى.
تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ لكم تكون العاقبة والظهور إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أى أن كنتم صدقتم نبيى بما جاءكم به عنى. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ أى جراح فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أى جراح مثلها وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أى نصرفها للبلاء والتمحيص وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، أى حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا كرامة ثوابى ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم صدق ذلك منكم، الإيمان بى والصبر على ما أصابكم فىّ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أى الشهادة مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يعنى الذين استنهضوا رسول الله ﷺ إلى الخروج بهم إلى عدوهم يوم أحد لما فاتهم من يوم بدر رغبة فى الشهادة، يقول: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، أى لقول الناس: قتل محمد. وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم. أفئن مات أو قتل رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتاب ربكم وما خلف نبيه من دينه معكم وعندكم وقد بين لكم فيما جاءكم به عنى أنه ميت عنكم ومفارق لكم؟! وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ أى يرجع عن دينه فَلَنْ يَضُرَّ
اللَّهَ شَيْئاً أى لن ينقص ذلك عز الله ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أى من أطاعه وعمل بأمره. وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أى من أراد الدنيا خاصة أتاه منها ما كتب له وما له فى الآخرة من نصيب، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن آتاه منها ما وعد به مع ما يجرى عليه فى دنياه من رزقه المقدر له، وذلك هو جزاء الشاكرين أى المتقين. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا، أى وكم من نبى أصابه القتل ومعه جماعات من أنصاره، فما وهنوا لفقد نبيهم وما ضعفوا عن عدوهم وما استكانوا لما أصابهم فى الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك هو الصبر وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، أى فقولوا مثل ما قالوا، واعلموا أن ذلك بذنوب منكم فاستغفروه كما استغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، وسلوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم وينصركم على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم كان وقد قتل نبيهم، ولم يفعلوا كما فعلتم. فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا بالظهور على عدوهم وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ الذى به وعدهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أى عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم. بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا عن قلوبكم فاعتصموا به ولا تنتصروا بغيره، ولا ترجعوا كفارا على أعقابكم مرتدين عن دينه.
ُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا عن قلوبكم فاعتصموا به ولا تنتصروا بغيره، ولا ترجعوا كفارا على أعقابكم مرتدين عن دينه. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الذى به كنت أنصركم عليهم جزاء لهم بما أشركوا بى، فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهورا عليكم ما اعتصمتم بى
واتبعتم أمرى، وإنما أصابكم منهم ما أصابكم بذنوب قدمتموها لأنفسكم خالفتم بها أمرى وعصيتم فيها نبيى. وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، أى لقد وفيت لكم ما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف أى تستأصلونهم قتلا بإذنى وتسليطى أيديكم عليهم وكفى أيديهم عنكم حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أى تخاذلتم وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ اختلفتم فيه وَعَصَيْتُمْ بترك أمر نبيكم، يعنى الرماة الذين عهد إليهم ألا يفارقوا مكانهم فخالفوا أمره حتى أتى المسلمون من قبلهم مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أى الفتح لا شك فيه وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أى النهب وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أى الذين جاهدوا فى الله ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أى أنه سبحانه وإن عاقب من يشاء من عباده ببعض الذنوب فى عاجل الدنيا أدبا وموعظة، فإنه غير مستوف كل ماله فيهم من الحق بما أصابوا من معصية، فضلا من الله ورحمة.
سبحانه وإن عاقب من يشاء من عباده ببعض الذنوب فى عاجل الدنيا أدبا وموعظة، فإنه غير مستوف كل ماله فيهم من الحق بما أصابوا من معصية، فضلا من الله ورحمة. ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم وهو يدعوهم ولا يعطفون عليه فقال: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ أى كربا بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم وعلو عدوكم عليكم وما وقع فى أنفسكم حين سمعتم أنه قتل نبيكم لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الظهور على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم وَلا ما أَصابَكُمْ من قتل إخوانكم بما فرجت عنكم من الكرب بوقاية نبيكم وكشف كرب الشيطان فى الصراخ بقتله بينكم، فكان هذا هو الذى فرج الله به عنهم ما تابع عليهم من الغم، فلما رأوا رسول الله ﷺ حيا بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم والمصيبة التى أصابتهم فيمن قتل منهم. ثم قال تعالى بعد آيات ذكر فيها ما ذكر من قصة أحد وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ يعنى عبد الله بن أبى والراجعين عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوه عن المشركين. يقول الله ﵎: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
ثم قال لنبيه ﵇ يرغب المؤمنين فى الجهاد ويهون عليهم القتل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. قال عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب» قال الله ﵎: فأنا أبلغهم عنكم» «١» ؛ فأنزل الله- عز ذكره- على رسوله ﷺ هذه الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى آخرها. وقال رسول الله ﷺ: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فى قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» «٢» . وسئل عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً فقال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش فيطلع الله إليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا. ثم يطلع الله إليهم اطلاعه فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث نشاء، ثم يطلع إليهم اطلاعة فيقول: يا عبادى، ما
إليهم اطلاعه فيقول: يا عبادى، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث نشاء، ثم يطلع إليهم اطلاعة فيقول: يا عبادى، ما
تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا، إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا فى أجسادنا ثم تردنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى» . وقال رسول الله ﷺ لجابر بن عبد الله: «ألا أبشرك يا جابر؟» «١» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله، ثم قال: ما تحب يا عبد الله ابن عمرو أن أفعل بك؟ قال: أى رب أحب أن تردنى إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» «٢» . وقال رسول الله ﷺ: «والذى نفسى بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من النهار وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل فى الله فيقتل مرة أخرى» . واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلا، أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار وقتل الله من المشركين يومئذ اثنتين وعشرين رجلا. وكان مما قيل من الشعر فى يوم أحد قول كعب بن مالك الأنصارى ﵀: ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع صحار وأعلام كأن قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع تظل به البزل العراميس رزحا ... ويخلو به غيث السنين فيمرع به جيف الحسرى يلوح صليبها ... كما لاح كتان التجار الموضع به العين والآرام يمشين خلفة ... وبيض نعام قيضه يتقلع مجالدنا عن ديننا كل فخمة ... مذربة فيها القوانس تلمع وكل صموت فى الصوان كأنها ... إذا لبست نهى من الماء مترع ولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
إذا لبست نهى من الماء مترع ولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
إذا جاء منا راكب كان قوله ... أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع ولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا ... علام إذا لم نمنع العرض نزرع وفينا رسول الله نتبع أمره ... إذا قال فينا القول لا نتطلع تدلى عليه الروح من عند ربه ... ينزل من جو السماء ويرفع نشاوره فيما نريد وقصدنا ... إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع وقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات واطمع وكونوا كمن يشرى الحياة تقربا ... إلى ملك يحيا لديه ويرجع ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا ... على الله إن الأمر لله أجمع فسرنا إليهم جهرة فى رحالهم ... ضحيا علينا البيض لا نتخشع بملمومة فيها السنور والقنا ... إذا ضربوا أقدامها لا تورع فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصيبة ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع نعاورهم تجرى المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع تهادى قسى النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربى المقطع ومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع وخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صبا فى قرة يتريع فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى ... وليس لأمر حمه الله مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استفقنا عشية ... كأن ذكاها حر نار تلفع وراحوا سراعا موجفين كأنهم ... جهام هراقت ماءه الريح مقلع ورحنا وأخرانا بطاء كأنها ... أسود على لحم ببيشة ظلع فنلنا ونال القوم منا وربما ... فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع ودارت رحانا واستدارت رحاهم ... وقد جعلوا كل من الشر يشبع ونحن إناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمى الذمار ويمنع جلاد على ريب الحوادث لا ترى ... على هالك عين لنا الدهر تدمع بنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله ... ولا نحن مما جرت الحرب نجزع وقال حسان بن ثابت يجيب عبد الله بن الزبعرى عن كلمة له على روى هذا الجواب يفخر فيها بيوم أحد، وكلتا الكلمتين ينكرها بعض أهل العلم لمن نسبت إليه:
أشاقتك من أم الوليد ربوع ... بلاقع ما من أهلهن جميع عفاهن ضيفى الرياح وواكف ... من الدلو زجاف السحاب هموع فلم يبق إلا موقد النار حوله ... رواكد أمثال الحمام كنوع «١» فدع ذكر دار بددت بين أهلها ... نوى لمتينات الحبال قطوع وقل إن يكن يوم بأحد يعده ... سفيه فإن الحق سوف يشيع فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع وحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم فى اللقاء جزوع أمام رسول الله لا يخذلونه ... لهم ناصر من ربهم وشفيع وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم ... ولا يستوى عبد وفى ومضيع بأيديهم بيض إذا حمش الوغى ... فلا بد أن يردى لهن صريع «٢» كما غادرت فى النقع عتبة ثاويا ... وسعدا صريعا والوشيج شروع «٣» وقد غادرت تحت العجاجة مسندا ... أبيا وقد بل القميص نجيع يكف رسول الله حيث تنصبت ... على القوم مما قد يثرن نقوع أولئك قوم سادة من فروعكم ... وفى كل قوم سادة وفروع بهن نعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذى يقضى الأمور سريع وقتلاكم فى النار أفضل رزقهم ... حميم معا فى جوفها وضريع «٤» وقال كعب بن مالك يجيب ابن الزبعرى وعمرو بن العاص عن كلمتين قالاها فى ذلك: أبلغ قريشا وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوى الألباب مقبول أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيما يكثر القيل ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل فى الحق عند الله تفضيل
... أهل اللواء ففيما يكثر القيل ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا ... والقتل فى الحق عند الله تفضيل
وإن تروا أمرنا فى رأيكم سفها ... فرأى من خالف الإسلام تضليل فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا ... إن أخا الحرب أصدى اللون مشغول إنا بنو الحرب نمريها وننتجها ... وعندنا لذوى الأضغان تنكيل «٥» إن ينج منها ابن حرب بعدما بلغت ... منه التراقى وأمر الله مفعول «٦» فقد أفادت له حلما وموعظة ... لمن يكون له لب ومعقول ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ... ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل «٧» تلقاكم عصب حول النبى لهم ... مما يعدون للهيجا سرابيل «٨» من جذم غسان مسترخ حمائلهم ... لا جبناء ولا ميل معازيل يمشون تحت عمايات القتال كما ... تمشى المصاعبة الأدم المراسيل «٩» أو مثل مشى أسود الظل ألثقها ... يوم رذاذ من الجوزاء مشمول فى كل سابغة كالنهى محكمة ... قيامها فلح كالسيف بهلول «١٠» ترد حد قدان النبل خاسئة ... ويرجع السيف عنها وهو مفلول ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم ... وللحياة ودفع الموت تأجيل «١١» ما زال فى القوم وتر منكم أبدا ... تعفو السلام عليه وهو مطلول «١٢» وقال كعب- أيضا فى يوم أحد من قصيدة يفخر فيها بقومه: فإن كنت عن شأننا سائلا ... فسل عنه ذا العلم ممن يلينا بنا كيف نفعل إن قلصت ... عوانا ضروسا عضوضا حجونا ألسنا نشد عليها العقا ... ب حتى تدر وحتى تلينا ويوم له وهج دائم ... شديد التهاول حامى الأرينا طويل شديد أوار القتا ... ل يبغى حواقره المقرفينا تخال الكماة بأعراضه ... ثمالى على لذة منزفينا
تلينا ويوم له وهج دائم ... شديد التهاول حامى الأرينا طويل شديد أوار القتا ... ل يبغى حواقره المقرفينا تخال الكماة بأعراضه ... ثمالى على لذة منزفينا
تعاور أيمانهم بينهم ... كؤوس المنايا بحد الظبينا شهدنا فكنا أولى بأسه ... وتحت العماية والمعلمينا بخرس الحسيس حسان رواء ... وبصرية قد أجمن الجفونا فما ينفللن وما ينحنين ... وما ينتهين إذا ما نهينا كبرق الخريف بأيدى الكماة ... يفجعن بالطل هاما سكونا وعلمنا الضرب آباؤنا ... وسوف نعلم أيضا بنينا جلاد الكماة وبذل التلا ... د عن جل أحسابنا ما بقينا إذا مر قرن كفى نسله ... وأورثه بعده آخرينا تشب وتهلك آباؤنا ... وبينا نربى بنينا فنينا وقال حسان بن ثابت يبكى حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه: أتعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب السبل الهاطل «١» بين السراديح فأدمانة ... فمدفع الروحاء فى حائل «٢» سألتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل «٣» دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذى النائل «٤» المالئ الشيزى إذا أعصفت ... غبراء فى ذى الشبم الماحل «٥» والتارك القرن لدى لبدة ... يعثر فى ذى الخرص الذابل «٦» واللابس الخيل إذ أجحمت ... كالليث فى غابته الباسل أبيض فى الذروة من هاشم ... لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشى من قاتل «٧» أى امرئ غادر فى ألة ... مطرورة مارنة العامل «٨»
بيض فى الذروة من هاشم ... لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشى من قاتل «٧» أى امرئ غادر فى ألة ... مطرورة مارنة العامل «٨»
أظلمت الأرض لفقدانه ... واسود نور القمر الناصل صلى عليه الله فى جنة ... عالية مكرمة الداخل كنا نرى حمزة حرزا لنا ... فى كل أمر نابنا نازل وكان فى الإسلام ذا تدرأ ... يكفيك فقد القاعد الخاذل لا تفرحى يا هند واستحلبى ... دمعا وأذرى عبرة الثاكل وابك على عتبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الجائل إذا خر فى مشيخة منكم ... من كل عات قلبه جاهل أرداهم حمزة فى أسرة ... يمشون تحت الحلق الفاضل غداة جبريل وزير له ... نعم وزير الفارس الحامل وقال عبد الله بن رواحة يبكى حمزة، وتروى- أيضا- لكعب بن مالك رضى الله عنهم أجمعين: بكت عينى وحق لها بكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويل على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك فى جنان ... مخالطها نعيم لا يزول وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكى أخاها حمزة رضى الله عنهما: أسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبى من أعجم وخبير فقال الخبير إن حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير دعاه الإله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة يحيا بها وسرور فذلك ما كنا نرجى ونرتجى ... لحمزة يوم الحشر خير مصير فو الله لا أنساك ما هبت الصبا ... بكاء وحزنا محضرى ومسيرى على أسد الله الذى كان مدرها ... يذود عن الإسلام كل كفور فيا ليت شلوى عند ذاك وأعظمى ... لدى أضبع تعتادنى ونسور أقول وقد أعيى النعى عشيرتى ... جزى الله خيرا من أخ ونصير وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكى زوجها شماسا وأصيب يوم أحد:
يا عين جودى بفيض غير إبساس ... على كريم من الفتيان لباس صعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس «١» أقول لما أتى الناعى له جزعا ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى «٢» وقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله عنا قرب شماس فأجابها أخوها يعزيها فقال: اقنى حياءك فى ستر وفى كرم ... فإنما كان شماس من الناس «٣» لا تقتلى النفس إذ حانت منيته ... فى طاعة الله يوم الروع والباس «٤» قد كان حمزة ليث الله فاصطبرى ... فذاق يومئذ من كأس شماس وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد: رجعت وفى نفسى بلابل جمة ... وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى «٥» من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بنى هاشم منهم ومن أهل يثرب ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو فى مسيرى ومركبى وهذه هند أم معاوية بن أبى سفيان، وكانت امرأة فيها مكارة وذكورة ولها نفس وأنفة، وكان المسلمون قد أصابوا يوم بدر أباها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد، فأصابها من ذلك ما يصيب من مثله النفوس الشهمة والقلوب الكافرة، فخرجت إلى أحد مع زوجها أبى سفيان تبتغى الانتصار وتطلب الأوتار، فهذا قولها- يرحمها الله- والوتر يقلقها والكفر يحنقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها. ثم إن الله سبحانه هداها إلى الإسلام وأخذ بحجزتها عن سواء النار، فصلحت حالها وتبدلت أقوالها، حتى قالت لرسول الله ﷺ فيما قالت له: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم الأرض خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك. أو نحو هذا من القول. فالحمد لله الذى هدانا برسوله أجمعين، وإياه سبحانه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا إليه، لا مبدلين ولا مغيرين.
من أهل خبائك. أو نحو هذا من القول. فالحمد لله الذى هدانا برسوله أجمعين، وإياه سبحانه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا إليه، لا مبدلين ولا مغيرين.
غدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله ﷺ وقدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة، وهم بنو الهون ابن خزيمة بن مدركة، فقالوا له: يا رسول الله، إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فى الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث معهم ستة من أصحابه: مرثد بن أبى مرثد الغنوى «١» وأمره عليهم، وخالد بن البكير «٢» ، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، وخبيب بن عدى «٣» ، وزيد بن الدثنة «٤» ، وعبد الله بن طارق «٥» . فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدر الهدأة «٦» ، غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم. فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقال عاصم: ما علتى وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل «٧»
أن لا نقتلكم. فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقال عاصم: ما علتى وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل «٧»
تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل وكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آثل إن لم أقاتلكم فأمى هابل ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه ﵏. فلما قتل عاصم ارادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد بمكة، وكانت حين أصاب ابنيها يوم أحد نذرت لئن قدرت على راس عاصم لتشربن فى قحفة الخمر، فمنعه الدبر فقالوا: دعوه حتى يمسى فتذهب عنه فنأخذه. فبعث الله الوادى فاحتمل عاصما فذهب به. وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا وألا يمسه مشرك أبدا، تنجسا! فكان عمر بن الخطاب يقول: يحفظ الله العبد المؤمن! كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران «١» انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فبعث به مع مولى له يقال له: نسطاس إلى التنعيم، فأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش منهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان لما قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس فى أهلى! يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. ثم قتله- ﵀ نسطاس مولى صفوان.
قال ابن عقبة: وزعموا أنهم رموه بالنبل وأرادوا فتنته فلم يزده إلا إيمانا ويقينا. وأما خبيب بن عدى فجلس بمكة فى بيت ماوية مولاة حجير بن أبى إهاب، فكانت تخبر بعد ما أسلمت، قالت: لقد اطلعت عليه يوما وإن فى يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وو الله ما أعلم فى أرض الله عنبا يؤكل! قالت: وقال لى حين حضره القتل: ابعثى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل، فأعطيت الموسى غلاما من الحى فقلت: ادخل بها على هذا الرجل، قالت: فو الله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصاب والله الرجل ثأره يقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدرى حين بعثتك بهذه الحديدة إلىّ؟ ثم خلى سبيله. ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاؤا به التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا له؛ دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لا ستكثرت من الصلاة. فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. ثم رفعوه على خشبة، فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه. فكان معاوية بن أبى سفيان يقول: حضرت- يومئذ- فيمن حضره مع أبى أبى سفيان، فلقد رأيته يلقينى فى الأرض فرقا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه. وكان ممن حضره- يومئذ- سعيد بن عامر بن جذيم الجمحى «١» ، ثم أسلم بعد ذلك واستعمله عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر- ﵀ فى قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذى يصيبك؟ قال: والله يا أمير
ت تصيبه غشية بين ظهرى القوم، فذكر ذلك لعمر وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر- ﵀ فى قدمة قدمها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذى يصيبك؟ قال: والله يا أمير
المؤمنين ما بى من بأس، ولكنى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته، فو الله ما خطرت على قلبى وأنا فى مجلس قط إلا وغشى على فزادته عند عمر خيرا. وذكر ابن عقبة أن خبيبا وزيدا قتلا فى يوم واحد، قال: وزعموا أن رسول الله ﷺ قال وهو جالس فى ذلك اليوم الذى قتلا فيه: «وعليكما أو وعليك السلام، خبيب قتلته قريش» ، لا ندرى أذكر ابن الدثنة معه أم لا. وقال خبيب- ﵀ لما اجتمع القوم لصلبه: لقد جمع الأحزاب حولى وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع «١» وكلهم مبدى العداوة جاهد ... علىّ لأنى فى وثاق بمضيع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع إلى الله أشكو غربتى ثم كربتى ... وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى فذا العرش صبرنى على ما يراد بى ... فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى وذلك فى ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيرونى الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناى من غير مجزع «٢» وما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذارى جحيم نار ملفع «٣» ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى جنب كان فى الله مصرعى فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إنى إلى الله مرجعى وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا: يا عين جودى بدمع منك منسكب ... وابكى خبيبا مع الفتيان لم يؤب صقرا توسط فى الأنصار منصبه ... سمح السجية محضا غير مؤتشب قد هاج عينى على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب يا أيها الراكب الغادى لطيته ... أبلغ اليك وعيدا ليس بالكذب «٤» بنى كهينة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب فيها أسود بنى النجار تقدمهم ... شهب الأسنة فى معصوصب لجب
أبلغ اليك وعيدا ليس بالكذب «٤» بنى كهينة أن الحرب قد لقحت ... محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب فيها أسود بنى النجار تقدمهم ... شهب الأسنة فى معصوصب لجب
وقال حسان- أيضا- يهجو هذيلا: لعمرى لقد شانت هذيل بن مدرك ... أحاديث كانت فى خبيب وعاصم أحاديث لحيان صلوا بقبيحها ... ولحيان جرامون شر الجرائم «١» أناس هم من قومهم فى صميمهم ... بمنزلة الزمعان دبر القوائم هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ... أمانتهم ذا عفة ومكارم رسول رسول الله غدرا ولم تكن ... هذيل توقى منكرات المحارم فسوف يرون النصر يوما عليهم ... بقتل الذى يحميه دون المحارم أبابيل دبر شمس دون لحمه ... حمت لحم شهاد عظام الملاحم لعل هذيلا أن يروا بمصابه ... مصارع قتلى أو مقاما لمأتم ويوقع فيهم وقعة ذات صولة ... يوافى بها الركبان أهل المواسم بأمر رسول الله إن رسوله ... رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم قبيلته ليس الوفاء يهمهم ... وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم إذا الناس حلوا بالقضاء رأيتهم ... بمجرى مسيل الماء بين المخارم «٢» محلهم دار البوار ورأيهم ... إذا نابهم أمر كرأى البهائم
غزوة بئر معونة «٣» وبعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة فى صفر على رأس أربعة أشهر من أحد. وكان من حديثهم أن أبا براء ملاعب الأسنة، واسمه عامر بن مالك بن جعفر قدم المدينة على رسول الله ﷺ، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله ﷺ: «إنى أخشى عليهم أهل نجد» «٤» . قال: أنا لهم جار فابعثهم.
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة، المعنق ليموت، فى أربعين رجلا من أصحابه، منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى، ونافع بن بديل بن ورقاء، وعامر بن فهيرة، فى رجال مسمين من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرة بنى سليم أقرب. فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاهم لم ينظر فى كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدا وجوارا. فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم: عصية ورعلا وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم فى رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم ﵏، إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار- يرحمه الله- فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا. وكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى، ورجل من الأنصار من بنى عمرو بن عوف قيل: إنه المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا. فأقبلا لينظرا فإذا القوم فى دمائهم وإذا الخيل التى اصابهم واقفة. فقال الأنصارى لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصارى: لكنى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرنى عنه الرجال. ثم قاتل القوم حتى قتل. وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظل هو فيه فسألهما ممن أنتما؟ فقالا: من بنى عامر. فأمهلهما حتى
ج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظل هو فيه فسألهما ممن أنتما؟ فقالا: من بنى عامر. فأمهلهما حتى
إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر فى ما أصابوه من أصحاب رسول الله ﷺ، وكان مع العامريين عقد من رسول الله ﷺ وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية، فلما قدم عمرو على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر قال: لقد قتيلين لأدينهما. ثم قال رسول الله ﷺ: «هذا عمل أبى براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا» «١» . وكان فيمن أصيب- يومئذ- عامر بن فهيرة، فكان عامر بن الطفيل يقول: من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة. وذكر ابن عقبة أنه لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يومئذ، فيرون أن الملائكة هى وارته، رحمة الله عليه. وكان جبار بن سلمى فيمن حضرها- يومئذ- مع عامر بن الطفيل ثم أسلم فكان يقول: إن مما دعانى إلى الإسلام أنى طعنت رجلا منهم بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول: فزت والله! فقلت فى نفسى: ما فاز! ألست قد قتلت الرجل؟! حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا: الشهادة. فقلت: فاز لعمر الله. وأقام رسول الله ﷺ شهرا يدعو فى صلاة الغداة على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة، يدعو على رعل وذكوان وعصية الذين عصوا الله ورسوله، وأنزل فيمن قتل هنالك قرآن ثم رفع: «بلغوا عنا قومنا أن لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه» .
ذكر غزوة بنى النضير «٢» والسبب الذى هاج الخروج إليهم وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم فى دية العامرين، اللذين قتل عمرة
فرضى عنا ورضينا عنه» .
ذكر غزوة بنى النضير «٢» والسبب الذى هاج الخروج إليهم وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم فى دية العامرين، اللذين قتل عمرة
ابن أمية الضمرى، للجور الذى كان رسول الله ﷺ عقد لهما، فقالوا له لما كلمهم فى ذلك: نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك. فجلس رسول الله ﷺ إلى ظل جدار من جدر بيوتهم معه نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، ينتظرون أن يصلحوا أمرهم. فخلا بعضهم ببعض والشيطان معهم لا يفارقهم، فائتمروا بقتل رسول الله ﷺ وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيقلى عليه صخرة فيريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك وصعد ليفعل. فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام راجعا إلى المدينة وترك أصحابه فى مجلسهم، فلما استلبث النبى ﷺ أصحابه قاموا فى طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته داخلا المدينة، فأقبلوا حتى انتهوا إليه فأخبرهم بما كانت يهود أرادت من الغدر به. وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، ثم سار بالناس ونزل بهم، فتحصنوا منه فى الحصون. وعرض عليهم رسول الله ﷺ الجلاء عن أوطانهم وأن يسيروا حيث شاؤا فراسلهم أولياؤهم من المنافقين- عبد الله بن أبى فى رهط من قومه- حين سمعوا ما يراد منهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم. فغرتهم أمانى المنافقين، ونادوا النبى ﷺ وأصحابه: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك. فمضى رسول الله ﷺ لأمر الله فيهم، فلما انتهى إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال فى دورهم وحصونهم، فحفظ الله له أمره وعزم له على رشده، فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم وبالنخيل أن تحرق وتقطع، وكف الله أيديهم وأيدى المنافقين فلم ينصروهم، وألقى الله فى قلوب الفريقين كليهما الرعب، فهدموا الدور التى هم فيها من أدبارها، فلما كادوا يبلغون آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين
ويتربصون من نصرهم ما كانوا يمنونهم به حتى يئسوا مما عندهم، سألوا رسول الله ﷺ الذى كان عرض عليهم قبل ذلك. فقاضاهم- صلوات الله عليه وسلامه- على أن يجليهم ويكف عن دمائهم وعلى أن لهم ما استقلت به الإبل من أموالهم إلا الحلقة فقط. فطاروا بذلك كل مطير وتحملوا بما أقلت إبلهم، حتى إن الرجل ليهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وكان أشرافهم بنو أبى الحقيق وحيى بن أخطب فيمن سار إلى خيبر، فلما نزلوها دان لهم أهلها. وخلى بنو النضير الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت له خاصة بحكم الله له بها ليضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله ﷺ منها. وكانت اليهود قد عيروا المسلمين حين يهدمون الدور ويقطعون النخل فنادوا: أن محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟ وما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون فى الأرض؟! فأنزل الله- سبحانه- فى قصتهم وما ذكروه من قولهم وبيان وجه الحكم فى أموالهم سورة الحشر بأسرها. فقال عز من قائل: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، للذى كان منهم من الهدم من أدبار بيوتهم وهدم المسلمين لما يليهم منها. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أى بالسيف وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ أى مع ما لقوه فى الدنيا من النقمة.
كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أى بالسيف وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ أى مع ما لقوه فى الدنيا من النقمة. ثم قال- تعالى- فيما عابوه من قطع النخيل وعدوه من ذلك فسادا: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أى فبأمر الله قطعت، لم يكن ذلك فسادا بل نقمة أنزلها بهم وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ.
ثم بين تعالى لرسوله الحكم فى أموالهم وأنها نفل له لا سهم لأحد فيها معه فقال عز ذكره وجل قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فقسمها رسول الله ﷺ فيمن أراه الله من المهاجرين الأولين كما تقدم، وأعطى منها الرجلين المسميين من الأنصار. وقال على بن أبى طالب يذكر إجلاء بنى النضير وما تقدم قبل ذلك من قتل كعب ابن الأشرف، ويقال: بل قالها رجل من المسلمين غير علىّ: عرفت ومن يعتدل يعرف ... وأيقنت حقا ولم أصدف «١» عن الكلم المحكم اللاء من ... لدى الله ذى الرأفة الأراف رسائل تدرس فى المؤمنين ... بهن اصطفى أحمد المصطفى فأصبح أحمد فينا عزيزا ... عزيز المقامة والموقف «٢» فيا أيها الموعدوه سفاها ... ولم يأت جورا ولم يعنف «٣» ألستم تخافون أدنى العذاب ... وما آمن الله كالأخوف وأن تصرعوا تحت أسيافه ... كمصرع كعب أبى الأشرف غداة رأى الله طغيانه ... وأعرض كالجمل الأحنف فأنزل جبريل فى قتله ... بوحى إلى عبده ملطف فدس الرسول رسولا له ... بأبيض ذى هبة مرهف فباتت عيون له معولات ... متى ينع كعب لها تذرف «٤» وقلن لأحمد ذرنا قليلا ... فإنا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال اظعنوا ... دحورا على رغم الآنف وأجلى النضير إلى غربة ... وكانوا بدار ذوى زخرف إلى أذرعات ردافى وهم ... على كل ذى دبر أعجف «٥»
لم نشتف فخلاهم ثم قال اظعنوا ... دحورا على رغم الآنف وأجلى النضير إلى غربة ... وكانوا بدار ذوى زخرف إلى أذرعات ردافى وهم ... على كل ذى دبر أعجف «٥»
ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب «١» ، ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب «٢» ، أسلما خوفا على أموالهما فأحرزاها، وحدث بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأنى؟» «٣» فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله، فيما يزعمون.
غزوة ذات الرقاع «٤» ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهر ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا. وهى غزوة ذات الرقاع وسميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: لأجل شجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع. وقيل: لما كانوا يعصبون على أرجلهم من الخرق إذ نقبت أقدامهم. فلقى رسول الله ﷺ هنالك جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله ﷺ يومئذ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بهم. وفى هذه الغزوة عرض له رجل من محارب يقال له: غورث، وقد قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه فى حجره فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: «نعم» «٥» . فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله، ثم قال: يا محمد، أما
تخافنى؟ قال: «لا والله ما أخاف منك» . قال: أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال: «بلى يمنعنى الله منك» «١» . ثم عمد إلى سيف رسول الله ﷺ فرده عليه. فأنزل الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة: ١١] . وقيل: إنها إنما نزلت فى عمرو بن جحاش وما هم به من إلقاء الحجر على رسول الله ﷺ يوم وصل إلى بنى النضير مستعينا بهم فى دية العامريين. فالله أعلم أى ذلك كان. وحدث جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلا أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف أن لا ينتهى حتى يهريق فى أصحاب محمد دما، فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلا، فقال: «من رجل يكلؤنا «٢» ليلتنا؟» «٣» قال: فانتدب رجل من المهاجرين، قيل: هو عمار بن ياسر، ورجل من الأنصار، قيل: هو عباد بن بشر، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصارى
٢» ليلتنا؟» «٣» قال: فانتدب رجل من المهاجرين، قيل: هو عمار بن ياسر، ورجل من الأنصار، قيل: هو عباد بن بشر، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصارى
للمهاجرى: أى الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: بل اكفنى أوله فاضطجع المهاجرى فنام، وقام الأنصارى يصلى، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فانتزعه عنه وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه، وثبت قائما، ثم عاد له بثالث، فوضعه فيه فنزعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت. قال: فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به فهرب، فلما رأى المهاجرى ما بالأنصارى من الدماء، قال: سبحان الله، أفلا أهببتنى أول ما رماك؟ قال: كنت فى سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمى ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفذها! وقال جابر بن عبد الله: خرجت إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضى وجعلت أتخلف، حتى أدركنى رسول الله ﷺ فقال: «ما لك يا جابر؟» قلت: يا رسول الله، أبطأ بى جملى، قال: «أنخه» «١» فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ ثم قال: «أعطنى هذه العصا من يدك أو اقطع لى عصا من شجرة» «٢» ، ففعلت، فأخذها رسول الله ﷺ فنخسه بها نخسات ثم قال: «اركب» » ، فركبت فخرج- والذى بعثه بالحق- يواهق ناقته مواهقة، وتحدثت معه فقال لى: «أتبيعنى جملك هذا يا جابر؟» «٤» قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك. قال: «لا ولكن بعينه» . قلت: فسمنيه. قال: «قد أخذته بدرهم» . قلت: لا إذن تغبننى يا رسول الله. قال: «فبدرهمين» . قلت: لا. فلم يرفع لى حتى بلغ الأوقية فقلت: أقد رضيت؟ قال: «نعم» . قلت: فهو لك. قال: «قد أخذته» «٥» . ثم قال: «يا جابر، هل تزوجت بعد؟» «٦» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أثيبا أم بكرا؟» قلت: بل ثيبا. قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قلت: يا رسول الله، إن
ال: «يا جابر، هل تزوجت بعد؟» «٦» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أثيبا أم بكرا؟» قلت: بل ثيبا. قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قلت: يا رسول الله، إن
أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤسهن وتقوم عليهن. قال: «أصبت إن شاء الله، أما إنه لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها» «١» . قلت: والله يا رسول الله مالها من نمارق. قال: «إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا» «٢» . قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث وما قال لى رسول الله ﷺ، قالت: فدونك فسمع وطاعة. فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ ثم جلست فى المسجد قريبا منه، وخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل، فقال: «ما هذا؟» «٣» فقالوا: يا رسول الله، هذا جمل جاء به جابر. قال: «فأين جابر؟» فدعيت له. فقال: «يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك» . ودعا بلالا وقال: «اذهب بجابر فأعطه أوقية» «٤» .
رسول الله، هذا جمل جاء به جابر. قال: «فأين جابر؟» فدعيت له. فقال: «يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك» . ودعا بلالا وقال: «اذهب بجابر فأعطه أوقية» «٤» .
قال: فذهبت معه فأعطانى أوقية وزادنى شيئا يسيرا، فو الله ما زال ينمى عندى ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا! يعنى يوم الحرة. قال ابن إسحاق «١» : ولما قدم رسول الله ﷺ من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى الآخرة ورجب. ثم خرج فى شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان، حتى نزله فأقام عليه ثمانى ليال ينتظره. وخرج أبو سفيان، فى أهل مكة، حتى نزل مجنة من ناحية، الظهران- وبعض الناس يقول غسفان- ثم بداله فى الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، فإن عامكم هذا عام جدب، وإنى راجع فارجعوا. فرجع الناس، فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. وأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر ابا سفيان لميعاده، فأتاه مخشى بن عمرو الضمرى، وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة فى غزوة ودان فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال: «نعم يا أخا بنى ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك» «٢» . قال: لا والله يا محمد، مالنا بذلك منك من حاجة. ومر برسول الله ﷺ، وهو هناك ينتظر أبا سفيان معبد بن أبى معبد الخزاعى فقال وناقته تهوى به، وقد رأى مكان رسول الله ﷺ: قد نفرت من رفقتى محمد ... وعجوة من يثرب كالعنجد «٣» تهوى على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديد موعدى وماء ضجان لها ضحى الغد وقال عبد الله بن رواحة فى ذلك، ويقال: إنها لكعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السيئ الذى كان غاويا فإنى وإن عنفتمونى لقائل ... فدا لرسول الله أهلى وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا فى ظلمة الليل هاديا وقال حسان بن ثابت فى ذلك: دعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك أقمنا على الرس النزوع ثمانيا ... بأرعن جرار عريض المبارك بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك ترى العرفج العامى تذرى أصوله ... مناسم أخفاف المطى الرواتك «١» فإن نلق فى تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده ... يزد فى سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة ... فإنك من غر الرجال الصعالك ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة، وهى سنة أربع من مقدمه المدينة، ثم غزا دومة الجندل «٢» ، ثم رجع قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدا، ﷺ.
غزوة الخندق «٣» وكانت فى شوال من سنة خمس فى قول ابن إسحاق. وكان من الحديث عن الخندق أنه لما أجلى رسول الله ﷺ بنى النضير خرج نفر من اليهود- سلام بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب وكنانة بن الربيع النضريون، وهوذة بن
وكان من الحديث عن الخندق أنه لما أجلى رسول الله ﷺ بنى النضير خرج نفر من اليهود- سلام بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب وكنانة بن الربيع النضريون، وهوذة بن
قيس وأبو عمارة الوائليان- فى نفر من بنى النضير وبنى وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، حين قدموا مكة على قريش فاستفزوهم واستنفروهم على رسول الله ﷺ ودعوهم إلى حربه، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين الله ﷿ فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء: ٥١- ٥٢] . فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى مثل ما دعوا إليه قريشا، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك. وجعلت يهود لغطفان تحريضا على الخروج نصف تمر خيبر كل عام. فزعموا أن الحارث بن عوف أخا بنى مرة قال لعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ولقومه من غطفان: يا قوم أطيعونى، دعوا قتال هذا الرجل وخلوا بينه وبين عدوة من العرب، فغلب عليهم الشيطان وقطع أعناقهم الطمع ونفذوا لأمر عيينة على قتال رسول الله ﷺ. وكتبوا إلى حلفائهم من بنى أسد، فأقبل طليحة الأسدى، فيمن اتبعه من بنى أسد، وهما الحليفان أسد وغطفان. وكتبت قريش إلى رجال من بنى سليم أشراف بينهم وبينهم أرحام استمدادا لهم، فأقبل أبو الأعور بمن اتبعه من سليم مددا لقريش.
أسد، وهما الحليفان أسد وغطفان. وكتبت قريش إلى رجال من بنى سليم أشراف بينهم وبينهم أرحام استمدادا لهم، فأقبل أبو الأعور بمن اتبعه من سليم مددا لقريش. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن فى بنى فزارة والحارث بن عوف فى بنى مرة ومسعر بن رخلية الأشجعى فيمن تابعه من قومه من أشجع، وتكامل لهم ولمن استمدوه فأمدهم جمع عظيم، هم الذين سماهم الله «الأحزاب» . فلما سمع رسول الله ﷺ بخروجهم وبما أجمعوا له من الأمر أخذ فى حفر الخندق وضربه على المدينة، فعمل فيه ﷺ ترغيبا للمسلمين فى العمل والأجر وعمل معه المسلمون، فدأب فيه ودأبوا حتى أحكموه.
وأبطأ عنهم فى عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التى لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ويستأذنه فى اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة فى الخبر واحتسابا له، فأنزل الله فى أولئك من المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٦٢] . فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة فى الحرب والطاعة لله ولرسوله. ثم قال ﵎، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبى ﷺ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] .
َسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] . وكانت فى حفر الخندق أحاديث فيها من الله عبرة فى تصديق رسوله وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فمنها: أنه اشتد عليهم فى بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها: فو الذى بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة. ودعت عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير ابنة لها من بشير فأعطتها حفنة من تمر فى ثوبها ثم قالت: أى بنية، اذهبى إلى ابيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. قالت: فأخذتها فانطلقت فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبى وخالى، فقال: تعالى يا بنية، ما هذا معك؟ قالت: قلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتنى به أمى إلى أبى، بشير بن سعد وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه. قال: هاتيه. قالت: فصببته فى كفى رسول الله ﷺ فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ فى أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء. فاجتمع اهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب!
وقال جابر بن عبد الله: عملنا مع رسول الله ﷺ فى الخندق وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فكانت معى شويهة غير جد سمينة، فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله ﷺ. فأمرت امرأتى فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله ﷺ، فلما أمسينا وأراد رسول الله ﷺ الانصراف عن الخندق قلت: يا رسول الله، إنى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير، فأحب أن تنصرف معى إلى منزلى. وإنما أريد أن ينصرف رسول الله ﷺ معى وحده. فلما قلت له ذلك قال: «نعم» . ثم أمر صارخا فصرخ: أن انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيت جابر بن عبد الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبل رسول الله ﷺ والناس معه فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى الله ثم أكل وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها. وحدث سلمان الفارسى قال: ضربت فى ناحية من الخندق فغلظت على ورسول الله ﷺ قريب منى، فلما رآنى أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله! ما هذا الذى رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: «أوقد رأيت ذلك يا سلمان» : قلت: نعم. قال: «أما الأولى فإن الله فتح على بها اليمن، وأما الثانبة فإن الله فتح على بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح بها على المشرق» «١» . فكان أبو هريرة يقول حين فتحت الأمصار فى زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فو الذى نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك. ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة فى عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع- فى ثلاثة آلاف
ة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع- فى ثلاثة آلاف
من المسلمين- فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فى الآطام. وخرج عدو الله حيى بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بنى قريظة، وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كعب بحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب افتح لى. فقال: ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم، وإنى قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك افتح لى أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال والله: إن أغلقت دونى إلا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام! جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جنب أحد، قد عاهدونى وعاقدونى على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال له كعب: جئتنى والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه فهو يرعد ويبرق وليس فيه شىء، ويحك يا حيى فدعنى وما أنا عليه فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيى بكعب يفتله فى الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك فى حصنك حتى يصيا بنى ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ، وهو- يومئذ- سيد الأوس وسعد بن عبادة، وهو- يومئذ- سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقا فالحنوا إلى لحنا أعرفه ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فأجهروا به الناس» .
أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقا فالحنوا إلى لحنا أعرفه ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فأجهروا به الناس» . فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا: من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد؛ فشاتمهم سعد ابن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا أربى من المشاتمة.
ثم أقبلا ومن معهما إلى رسول الله ﷺ: فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة. أى كعذر عضل والقارة بأصحاب الرجيع- خبيب وأصحابه- فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» «١» . وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين، وحتى قال قائل منهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!. وأقام عليه المشركون قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمياء. بالنبل والحصار. فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما المراوضة فى الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، ثم بعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله، أمرا تحبه فتصنعه؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: «بل شىء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا انى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما» «٢» . فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
و بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ﷺ: «فأنت وذلك» «٣» . فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتب ثم قال: ليجهدوا علينا. فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى وهب
وضرار بن الخطاب تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خليهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا: تهيأوا يا بنى كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها! ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربووا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم فى السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب فى نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التى أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز على بن أبى طالب فقال له: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، فقال له: أجل؛ فقال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك. قال: فإنى أدعوك إلى النزال. قال له: ولم يا ابن أخى! فو الله ما أحب أن أقتلك. قال على: لكنى والله أحب أن أقتلك! فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا، فقتله علىّ. وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة. وذكر ابن إسحاق فى غير رواية البكائى أن عمرا لما نادى يطلب من يبارزه قام على- رضى الله عنه- وهو مقنع فى الحديد فقال: أنا له يا نبى الله فقال له: «اجلس إنه عمرو» ثم ذكر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التى تزعمون أنه من قتل منكم دخلها! أفلا تبرزون إلى رجلا؟! فقام على فقال: أنا له يا رسول الله. قال: «اجلس إنه عمرو» . ثم نادى الثالثة وقال: ولقد بححت من الندا ... أبجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع ... وقفة الرجل المناجز وكذاك أنى لم أزل ... متسرعا نحو الهزاهز إن الشجاعة فى الفتى ... والجود من خير الغرائز فقال علىّ- رضى الله عنه- فقال: أنا له يا رسول الله. فقال: «إنه عمرو» فقال: وإن كان عمرا. فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه علىّ وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
ال: أنا له يا رسول الله. فقال: «إنه عمرو» فقال: وإن كان عمرا. فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه علىّ وهو يقول: لا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة ... والصدق منجى كل فائز إنى لأرجو أن أقي ... م عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يب ... قى ذكرها عند الهزاهز فقال عمرو: من أنت؟ قال: أنا على، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا على بن أبى طالب. فقال: غيرك يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك، فإنى أكره أن أهريق دمك. فقال على: لكنى والله ما أكره أن أهريق دمك. فغضب ونزل فسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو على مغضبا. ويقال: إنه كان على فرسه فقال له على: كيف أقاتلك وأنت على فرسك؟ ولكن تنزل معى. فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله علىّ بدرقته فضربه عمرو فيها فقدّها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علىّ على حبل العاتق فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرف أن عليا قد قتله، فثم يقول على رضى الله عنه: أعلى تقتحم الفوارس هكذا ... عنى وعنه أخبروا أصحابى فاليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ... ومصمم فى الرأس ليس بنابى أدى عمير حين أخلص صقله ... صافى الحديدة يستفيض ثوابى فغدوت ألتمس القراع بمرهف ... عضب مع النتراء فى إقراب قال ابن عبد حين شد ألية ... وحلفت فاستمعوا من الكذاب أن لا يفر ولا يهلل فالتقى ... أسدان يضطربان كل ضراب نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمد بصواب فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابى وعففت عن أثوابه ولو أننى ... كنت المجدل بزنى أثوابى لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق وبنى قريظة: «حم لا ينصرون» . وكانت عائشة- رضى الله عنها- يوم الخندق فى حصن بنى حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها فى الحصن، قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقصلة وقد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد بها- أى يسرع بها- فى نشاط، وهو يقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
ع له مقصلة وقد خرجت منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد بها- أى يسرع بها- فى نشاط، وهو يقول: لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت أمه: الحق أى بنى فقد والله أخرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد،
والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هى. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمى سعد بسهم فقطع منه الأكحل، رماه حبان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر لؤى، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال له سعد: عرق الله وجهك فى النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقى لها فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى تقرعينى من بنى قريظة. وكان عبد الله بن كعب بن مالك يقول: ما أصاب سعدا- يومئذ- إلا أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم، وقال فى ذلك شعرا يخاطب به عكرمة بن أبى جهل: أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى ... فداك بآطام المدينة خالد ألست الذى ألزمت سعدا مرشة ... لها بين أثناء المرافق عاند قضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط والعذارى النواهد «١» فى أبيات ذكرها ابن إسحاق. ويقال: إن الذى رمى سعدا خفافة بن عاصم بن حبان. فالله أعلم أى ذلك كان.
ها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط والعذارى النواهد «١» فى أبيات ذكرها ابن إسحاق. ويقال: إن الذى رمى سعدا خفافة بن عاصم بن حبان. فالله أعلم أى ذلك كان. وكانت صفية بنت عبد المطلب فى فارع، أطم حسان بن ثابت، قالت: وحسان معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون فى نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: قلت يا حسان، إن هذا اليهودى كما ترى يطيف بالحصن، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فقتله. قال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب! والله لقد علمت ما أنا بصاحب هذا. فلما قال لى ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت لحسان: انزل فاسلبه فإنى لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. قال: مالى بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. وأقام رسول الله ﷺ واصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.



