الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفا

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya أبو الربيع الكلاعي (w. 634 H).

Bagian 13 dari 40 1260 halaman

— Bagian 13 · ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعى أتى رسول الله ﷺ فقال… —

Bagian 13

ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى قد أسلمت وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت. فقال رسول الله ﷺ: «إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» «١» . فخرج نعيم حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما فى الجاهلية فقال: يا بنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بينى وبينكم. قالوا: صدقت فلست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وابناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، فلا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم تأخذوا حتى منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه. قالوا: لقد أشرت بالرأى. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبى سفيان ومن معه من رجالهم، قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا، وإنه قد بلغنى أمر رأيت على حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى قالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلى وعشيرتى وأحب الناس إلىّ، ولا أراكم تتهموننى. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم؛ قال: فاكتموا عنى. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت، وكان ذلك من صنع الله لرسوله ﷺ أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا

رب ورؤس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا

ونفرغ مما بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل فى بلادنا ولا طاقة لنا بذلك. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله، إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فى بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم. وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح فى ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم، فحدث حذيفة- ﵀ وقد قال له رجل من أهل الكوفة: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال نعم يا ابن أخى. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال الرجل: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يا بن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع- يشرط له رسول الله ﷺ الرجعة- أسال الله أن يكون رفيقى فى الجنة؟» «١» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعانى فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقال:

ه أن يكون رفيقى فى الجنة؟» «١» فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعانى فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقال: «يا حذيفة، اذهب فادخل فى القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا» «٢» .

فذهبت فدخلت فى القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى إلى جنبى فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان. وذكر ابن عقبة أنه فعل ذلك بمن يلى جانبيه يمينا ويسارا، قال: وبدرهم بالمسألة خشية أن يظنوا له. قال حذيفة: ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله ﷺ إلى: «أن لا تحدث شيئا حتى تأتينى» ثم شئت لقتلته بسهم. فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلى فى مرط «١» لبعض نسائه، فلما رآنى أدخلنى إلى رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد وإنى لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون معه وقد عضهم الحصار، فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح. فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج.

د عضهم الحصار، فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح. فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج. ويقولون فيما ذكر ابن عقبة: أن رسول الله ﷺ كان فى المغتسل عندما جاءه جبريل وهو يرجل رأسه قد رجّل أحد شقيه. فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، وإن على وجه جبريل لأثر الغبار، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك! أقد وضعتم السلاح؟ قال: «نعم» . قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.

فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا فأذن فى الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا فى بنى قريظة. وقدم رسول الله ﷺ على بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس، فسار علىّ- رضى الله عنه- حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ، فرجع حتى لقى رسول الله ﷺ بالطريق فقال: يا رسول الله، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابيث. قال: «لم؟ أظنك سمعت منهم لى أذى» قال: نعم. قال: «لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا «١» » . فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال: «يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» «٢» قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا. ومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه فى طريقة قبل أن يصل إلى بنى قريظة، فقال: «هل مرّ بكم أحد؟» قالوا: يا رسول الله، مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله ﷺ: «ذلك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب فى قلوبهم» «٣» . وتلاحق الناس برسول الله ﷺ، فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة لم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ: «لا يصلين أحد العصر إلا ببنى قريظة» «٤» فصلوا العصر بها من بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك فى كتابه ولا عنفهم به رسوله. وذكر ابن عقبة أن الناس لما حانت العصر وهم فى الطريق ذكروا الصلاة فقال بعضهم: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر فى بنى قريظة. وقال آخرون: هى الصلاة. فصلى منهم طائفة وأخرت الصلاة طائفة حتى صلوها فى بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل الصلاة ومن أخرها، فذكر أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدة من الطائفتين.

الصلاة طائفة حتى صلوها فى بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل الصلاة ومن أخرها، فذكر أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدة من الطائفتين.

وحاصر رسول الله ﷺ بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله فى قلوبهم الرعب. وكان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة فى حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب بن أسد: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. فقالوا: وما هى؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه نبى مرسل وأنه للذى تجدونه فى كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. وقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد واصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وإن نظهر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم! قال: فإذا أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازما ليلة واحدة من الدهر! ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، أخا بنى عمرو ابن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره فى أمرنا، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقة: إنه الذبح.

الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقة: إنه الذبح. قال أبو لبابة: فو الله مازالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله. ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده. وقال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله: أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى فى بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وكان قد استبطأه قال: «أما إنه لو كان جاءنى لا ستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله

عليه» «١» . فنزلت توبته على رسول الله ﷺ وهو فى بيت أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك؛ قلت: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال: «تيب على أبى لبابة» «٢» . قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله. قال: «بلى إن شئت» «٣» . قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذى يطلقنى بيده. فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه. وذكر ابن هشام «٤» أن أبا لبابة أقام مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته فى كل وقت صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع. والآية التى نزلت فى توبته: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٠٢] ، وأنزل الله فى أبى لبابة، فيما روى عن عبد الله بن قتادة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧] .

عن عبد الله بن قتادة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧] . ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عمير وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا بنى النضير، نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ فأحرزوا دماءهم وأموالهم، وكان إسلامهم فيما زعموا عما كان ألقاه إليهم من أمر رسول الله ﷺ ابن الهيبان القادم عليهم قبل الإسلام متوكفا لخروج رسول الله ﷺ ومحققا لنبوته، فنفع الله هؤلاء الثلاثة بذلك واستنقذهم به من النار. وقد تقدم ذكر خبره فيما مضى من هذا الكتاب.

وخرج فى تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى. فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليه محمد بن مسلمة، فلما رآه قال: «من هذا؟» قال: أنا عمرو بن سعدى. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله ﷺ وقال: لا أغدر بمحمد أبدا. فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام! ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات فى مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر شأنه لرسول الله ﷺ فقال: «ذلك رجل نجاه الله برفائه» «١» . وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فأصبحت رمته ملقاة ولا يدرى أين ذهب. فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة. فالله أعلم أى ذلك كان. ولما نزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ تواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت فى موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت- يريدون بنى قينقاع- وما كان من حصار رسول الله ﷺ لهم ونزولهم على حكمه، وكيف سأله إياهم عبد الله بن أبىّ بن سلول فوهبهم له. فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ: «ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم» قالوا: بلى. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ» » . وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ فى خيمة لامرأة من أسلم يقال لها: رفيدة فى مسجده، كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم فى الخندق: «اجعلوه فى خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب» «٣» . فلما حكمه رسول الله ﷺ فى بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه فى الله لومة لائم! فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه.

لا تأخذه فى الله لومة لائم! فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه.

فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم» «١» فاما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد الأنصار. وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله ﷺ المسلمين. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد بن معاذ: عليكم عهد الله وميثاقه: أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا- فى الناحية التى فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له. فقال: رسول الله ﷺ «نعم» . قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى والنساء. فقال رسول الله ﷺ: «قد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» «٢» . ثم استنزلوا فحسبهم رسول الله ﷺ فى المدينة فى دار امرأة من بنى النجار، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق، يخرج بهم إليها أرسالا. وفيهم عدو الله حيى بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا بين الثمان المائة والتسع المائة. وقالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون! ألا ترون أن الداعى لا ينزع وأن من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ وأتى بعدو الله حيى بن أخطب وعليه حلة فقاحية قد شقها عليه من كل ناحيه قدر أنملة لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل! ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل! ثم جلس فضربت عنقه. فقال فى ذلك

ن يخذل الله يخذل! ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل! ثم جلس فضربت عنقه. فقال فى ذلك

جبل ابن جوال الثعلبى: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغى العز كل مقلقل «١» بل ابتغى عدو الله ذل الأبد فوجده، وجاهد الله فجهده، فأصبح برأيه القائل وسعيه الخاسر من الذين لهم خزى فى الدينا ولهم فى الآخرة عذاب النار. وقتل من نساء بنى قريظة امرأة واحدة لم يقتل من نسائهم غيرها، قالت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها: والله إنها لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها فى السوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة قالت: أنا والله، قلت لها: ويلك مالك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته. فانطلق بها فضربت عنقها. فكانت عائشة تقول: والله لا أنسى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد علمت أنها تقتل. قال ابن هشام «٢» : هى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته. وكان الزبير بن باطا القرظى قد من على ثابت قيس بن شماس فى الجاهلية، أخذه يوم بعاث فجز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاءه ثابت لما قتل بنو قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفنى؟ قال: وهل يجهل مثلى مثلك. قال: فإنى أردت أن أجزيك بيدك عندى. قال: إن الكريم يجزى الكريم. ثم أتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه كان للزبير على منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لى دمه. فقال رسول الله ﷺ: «هو لك» «٣» . فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ قد وهب لى دمك فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله امرأته وولده. قال: «هم لك» . فأتاه فقال: قد وهب لى رسول الله ﷺ أهلك وولدك فهم لك. قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ماله. قال: هو لك. فأتاه ثابت فقال: قد أعطانى رسول الله ﷺ مالك فهو لك، فقال: أى ثابت ما فعل الذى كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحى، كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال:

فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال. قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟، يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة. قال: ذهبوا فقتلوا. قال: فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما فى العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة. فقدمه ثابت فضرب عنقه. فلما بلغ أبا بكر الصديق- رضى الله عنه- قوله: «ألقى الأحبة» قال: يلقاهم والله فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. وكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. قال عطية القرظى: وكنت غلاما فوجدونى لم أنبت فخلوا سبيلى. وكان رفاعة بن شموال القرظى رجلا قد بلغ فلاذ بسلمى بنت قيس أم المنذر، أخت سليط بن قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت القبلتين معه وبايعته بيعة النساء، فقالت: يا نبى الله، بأبى أنت وأمى هب لى رفاعة، فإنه زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل. فوهبه لها فاستحيته. ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم فى ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل من ليس له فرس سهم. وكانت الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فىء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله ﷺ فيها وقعت المقاسم ومضت السنة فى المغازى. ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصارى الأشهلى بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا. وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة من بنى عمرو بن قريظة، فكانت عنده حتى توفى عنها وهى فى ملكه، وكان عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله، بل تتركنى فى ملكك فهو أخف على وعليك فتركها. وكانت حين سباها قد تعصت بالإسلام وابت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ووجد فى نفسه لذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع

و أخف على وعليك فتركها. وكانت حين سباها قد تعصت بالإسلام وابت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ووجد فى نفسه لذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع

وقع نعلين خلفه فقال: «إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة» «١» . فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة. فسره ذلك من أمرها. وأنزل الله- ﷿ فى أمر الخندق وبنى قريظة القصة فى سورة الأحزاب يذكر فيها ما نزل بهم من البلاء، ويذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم حتى فرج عنهم ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: ٩- ١٢] فى آيات استوفى فيها تعالى ذكر ما شاء من قصتهم. ثم قال سبحانه: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب: ٢٤- ٢٧] . فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا، يرحمه الله. فذكروا أن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين قبض سعد من خوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟! فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات.

بعمامة من استبرق فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟! فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات. وقد كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا، وما حملنا من جنازة أخف منه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن له حملة غيركم، والذى نفس محمد بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش» «٢» .

وقالت عائشة- رضى الله عنها- لأسيد بن حضير، وهو قافل معها من مكة وبلغه موت امرأة فحزن عليها بعض الحزن: يغفر الله لك أبا يحيى، اتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك وقد اهتز له العرش؟ تعنى سعدا. وقال جابر بن عبد الله: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه وكبر فكبر الناس معه فقالوا: يا رسول الله، مم سبحت؟ قال: «لقد تضايق على هذا الرجل الصالح قبره حتى فرجه الله عنه» «١» . ويروى أن رسول الله ﷺ قال: «إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد ابن معاذ» «٢» . ولسعد يقول رجل من الأنصار: وما اهتز عرش الله من موت هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبى عمرو وقالت أم سعد حين احتمل نعشه وهى تبكيه: ويل أم سعد سعدا ... صرامة وحدا وسؤددا ومجدا ... وفارسا معدا سد به مسدا فقال رسول الله ﷺ: «كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ» «٣» . وقال حسان بن ثابت يبكى سعدا: لقد سجمت من فيض عينى عبرة ... وحق لعينى أن تفيض على سعد قتيل ثوى فى معرك فجعت به ... عيون ذوارى الدمع دائمة الوجد «٤» على ملة الرحمن وارث جنة ... مع الشهداء وفدها أكرم الوفد فإن تك قد ودعتنا وتركتنا ... وأمسيت فى غبراء مظلمة اللحد فأنت الذى يا سعد أبت بمشهد ... كريم وأثواب المكارم والحمد بحكمك فى حيى قريظة بالذى ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد

فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد فإن كان ريب الدهر أمضاك فى الألى ... شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد فنعم مصير الصادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد وقال حسان يبكى سعدا ورجالا من الشهداء من أصحاب رسول الله ﷺ: ألا يا لقومى هل لما حم دافع ... وهل ما مضى من صالح العيش راجع تذكر عصرا قد مضى فتهافتت ... بنات الحشا وانهل منى المدامع صبابة وجد ذكرتنى أخوة ... وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا فى الجنان وأوحشت ... منازلهم فالأرض منهم بلاقع وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم ... ظلال المنايا والسيوف اللوامع دعا فأجابوه بحق وكلهم ... مطيع له فى كل أمر وسامع فما نكلوا حتى تولوا جماعة ... ولا يقطع له فى كل أمر وسامع فما نكلوا حتى تولوا جماعة ... ولا يقطع الآجال إلا المصارع لأنهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع فذلك يا خير العباد ملاذنا ... إجابتنا لله والموت نافع لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا فى ملة الله تابع ونعلم أن الملك لله وحده ... وأن قضاء الله لا بد واقع ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر كلهم من الأنصار: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل الأشهليون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشميان. ومن بنى دينار بن النجار كعب بن زيد، أصابه سهم غرب فقتله، رحمة الله عليهم. واستشهد يوم بنى قريظة من المسلمين خلاد بن سويد من بنى الحارث بن الخزرج، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن له لأجر شهيدين» . ومات أبو سنان بن محصن أخو عكاشة بن محصن، ورسول الله ﷺ محاصر بنى قريظة. ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ: محاصر بنى قريظة. ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» «١» .

دق عن الخندق قال رسول الله ﷺ: محاصر بنى قريظة. ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» «١» .

فكان كذلك لم تغزوهم قريش بعد ذلك وكان هو ﷺ يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة. وقال حسان بن ثابت فى يوم الخندق يجيب عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش عن كلمة قالها فى ذلك: هل رسم دارسة المقام بباب ... متكلم لمحاور بجواب قفر عفا رهم السحاب رسومه ... وهبوب كل مظلة مرباب ولقد رأيت بها الحلول يزينهم ... بيض الوجوه ثواقب الأحساب «١» فدع الديار وذكر كل خريدة ... بيضاء آنسة الحديث كعاب «٢» واشك الهموم إلى الإله وما ترى ... من معشر ظلموا الرسول غضاب ساروا بأجمعهم إليه وألبوا ... أهل القرى وبوادى الأعراب جيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمطين بحلية الأحزاب حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل الرسول ومغنم الأسلاب وغدوا علينا قادرين بأيدهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب فكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم فى الأجر خير ثواب من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم ... تنزيل نصر مليكنا الوهاب وأقر عين محمد وصحابه ... وأذل كل مكذب مرتاب عاتى الفؤاد موقع ذى ريبة ... فى الكفر ليس بطاهر الأثواب «٣» علق الشقاء بقلبه ففؤاده ... فى الكفر آخر هذه الأحقاب وقال كعب بن مالك فى ذلك- أيضا- يجيب ابن الزبعرى عن كلمته: أبقى لنا حدث الحروب بقية ... من خير نحلة ربنا الوهاب بيضاء مشرقة الذرى ومعاطنا ... حم الجذوع غزيرة الأحلاب كاللوب يبذل جمعها وحفيلها ... للجار وابن العم والمنتاب ونزائعا مثل السراج نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب

رى ومعاطنا ... حم الجذوع غزيرة الأحلاب كاللوب يبذل جمعها وحفيلها ... للجار وابن العم والمنتاب ونزائعا مثل السراج نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب

عرى الشوى منها وأردف نحضها ... جرد المتون وسار فى الآراب قودا تراح إلى الصياح إذ غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب وتحوط سائمة الذمار وتارة ... تردى العدى وتؤوب بالأسلاب يعدون بالزغف المضاعف شكة ... وبمترصات فى الثقاف صياب وصوارم نزع الصياقل غلبها ... وبكل أروع ماجد الأنساب يصل اليمين بمارن متقارب ... وكلت وقيعته إلى خباب وكتيبة ينفى القران قتيرها ... وترد حد قواجز النشاب أعيت أبا كرب وأعيت تبعا ... وأبت بسالتها على الأعراب ومواعظ من ربنا نهدى بها ... بلسان أزهر طيب الأثواب عرضت علينا فاشتهينا ذكرها ... من بعد ما عرضت على الأحزاب حكما يراها المجرمون بزعمهم ... حرجا ويفهمها ذوو الألباب جاءت سخينة كى تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب ولما قال كعب بن مالك هذا البيت: «جاءت سخينة» إلى آخره. قال له رسول الله ﷺ: «لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا» «١» . وقال كعب أيضا: لقد علم الأحزاب حين تألبوا ... علينا وراموا ديننا ما نوادع أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت ... وخندف لم يدروا بما هو واقع «٢» يذودوننا عن ديننا ونذودهم ... عن الكفر والرحمن راء وسامع إذا غايظونا فى مقام أعاننا ... على غيظهم نصر من الله واسع وذلك حفظ الله فينا وفضله ... علينا ومن لم يحفظ الله ضائع هدانا لدين الحق واختاره لنا ... ولله فوق الصانعين صنائع وقال كعب أيضا: ألا أبلغ قريشا أن سلعا ... وما بين العريض إلى الصماد نواضح فى الحروب مدربات ... وخوص بقيت من عهد عاد رواكد يزخر المران فيها ... فليست بالجمام ولا الثماد بلاد لم تثر إلا لكيما ... نجالد إن نشطتم للجلاد

أثرنا سكة الأنباط فيها ... فلم نر مثلها جلهات وادى قصرنا كل ذى حضر وطول ... على الغايات مقتدر جواد أجيبونا إلى ما نجتذيكم ... من القول المبين والسداد وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... لكم منا إلى شطر المذاد نصبحكم بكل أخى حروب ... وكل مطهم سلس القياد وكل طمرة خفق حشاها ... تدف دفيف صفراء الجراد وكل مقلص الآراب نهد ... تميم الخلق من أخر وهاد خيول لا تضاع إذا أضيعت ... خيول الناس فى السنة الجماد ينازعن الأعنة مصغيات ... إذا نادى إلى الفزع المنادى إذا قالت لنا النذر استعدوا ... توكلنا على رب العباد وقلنا لن يفرج ما لقينا ... سوى ضرب القوانس والجهاد ولم فلم نر عصبة فيمن لقينا ... من الأقوام من قار وباد أشد بسالة منا إذا ما ... أردناه وألين فى الوداد إذا ما نحن أشرجنا عليها ... جياد الجدل فى الأرب الشداد قذفنا فى السوابغ كل صقر ... كريم غير معتلث الزناد أشم كأنه أسد عبوس ... غداة بدا ببطن الجزع غادى ليظهر دينك اللهم إنا ... بكفك فاهدنا سبل الرشاد وقال حسان بن ثابت يذكر بنى قريظة: تفاقد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير «١» هم أوتوا الكتاب فضيعوه ... وهم عمى من التوراة بور فهان على سراة بنى لؤى ... حريق بالبويرة مستطير ولما سمع ذلك أبو سفيان بن الحارث قال: أدام الله ذلك من صنيع ... وحرق فى طرائقها السعير فى أبيات ذكرها ابن إسحاق لم يأل قائلها أن صدق حسان. وقال فى ذلك- أيضا- جبل بن جوال الثعلبى، وبكى النضير وقريظة ونعى على سعد بن معاذ إسلامه مواليه منهم خلاف ما فعل عبد الله بن أبى فى بنى قينقاع:

ألا يا سعد سعد بنى معاذ ... لما لقيت قريظة والنضير لعمرك إن سعد بنى معاذ ... غداة تحملوا لهو الصبور فأما الخزرجى أبو حباب ... فقال لقينقاع لا تسيروا ويقول فى آخرها: تركتم قدركم لا شىء فيها ... وقدر القوم حامية تفور فقال سعد حين بلغه هذا الشعر: من لقيهم فليحدثهم أنهم خانوا الله ورسوله فأخزاهم الله.

يقول فى آخرها: تركتم قدركم لا شىء فيها ... وقدر القوم حامية تفور فقال سعد حين بلغه هذا الشعر: من لقيهم فليحدثهم أنهم خانوا الله ورسوله فأخزاهم الله.

مقتل سلام بن أبى الحقيق وكان سلام بن أبى الحقيق أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ. وكان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار- الأوس والخزرج- كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله ﷺ عناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ وفى الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف فى عداوته لرسول الله ﷺ وتحريضه عليه، فقالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا. فتذاكروا بعد أن انقضى شأن الخندق وبنى قريظة: من رجل لرسول الله ﷺ فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فى قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعى بن أسود حليف لهم من أسلم. فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة. فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا لهم بيتا فى الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان فى علية له إليها عجلة فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا، فخرجت عليهم امرأة فقالت من أنتم؟ فقالوا: أناس من العرب نلتمس

أغلقوه على أهله، وكان فى علية له إليها عجلة فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا، فخرجت عليهم امرأة فقالت من أنتم؟ فقالوا: أناس من العرب نلتمس

الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا إليه. قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قال: وصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله ﷺ فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله ابن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطنى قطنى، أى حسبى حسبى. قال: وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك رجلا سىء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال: رجله، وحملناه حتى نأتى منهرا من عيونهم فندخل فيه. قال: وأوقدوا النيران واشتدوا فى كل وجه يطلبون، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضى بينهم. فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات؟ فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل فى الناس، قال: فوجدتها ورجال يهود حوله وفى يدها المصباح تنظر فى وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت وقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد. ثم أقبلت عليه تنظر فى وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود. فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسى منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده فى قتله، كلنا ندعيه، فقال رسول الله ﷺ: «هاتوا أسيافكم» . فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» «١» . وقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبى الحقيق: لله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد فى عرين مغرف «٢» حتى أتوكم فى محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف «٣» مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف

ذكر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضى الله عنهما حدث عمرو بن العاص- ﵀ قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يريون رأيى ويسمعون منى فقلت لهم: تعلموا والله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشى، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدى محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا لرأى. قلت: فاجمعوا ما نهدى له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فو الله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى، بعثه إليه رسول الله ﷺ فى شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشى سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد: قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال لى: مرحبا بصديقى، أهديت لى من بلدك شيئا؟ قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا. ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطينيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب ثم مد يده وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى لتقتله؟! قلت أيها الملك أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. فقلت: أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام.

تبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. فقلت: أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام. ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابى إسلامى، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم وإن الرجل

لنبى، أذهب والله فأسلم، حتى متى؟! قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إنى أبايعك على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى ولا أذكر ما تأخر. فقال رسول الله ﷺ: «يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها» «١» ، قال: فبايعته وانصرفت. وذكر ابن إسحاق عمن لا يتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة أخا بنى عبد الدار كان معهما أسلم حين أسلما. وذكر غيره أن رسول الله ﷺ قال حين رآهم: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها» . وحدث الواقدى بإسناد له قال: قال عثمان بن طلحة: لقينى رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة فدعانى إلى الإسلام فقلت: يا محمد، العجب لك حين تطمع أن أتبعك وقد خالفت قومك وجئت بدين محدث ففرقت جماعتهم وألفتهم وأذهبت بهاءهم. فانصرف، وكنا نفتح الكعبة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فغلظت عليه ونلت منه وحلم عنى ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت.

لاثنين والخميس، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فغلظت عليه ونلت منه وحلم عنى ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت. فقلت: لقد هلكت قريش- يومئذ- وذلت. فقال رسول الله ﷺ: «بل عمرت وعزت يومئذ» . ودخل الكعبة فوقعت كلمته منى موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال: فأردت الإسلام، فإذا قومى يزبروننى زبرا شديدا ويزرون برأيى، فأمسكت عن ذكره. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة جعلت قريش تشفق من رجوعه عليها، فهم على ما هم عليه حتى جاء النفير إلى بدر، فخرجت فيمن خرج من قومنا وشهدت المشاهد كلها معهم على رسول الله ﷺ، فلما دخل رسول الله ﷺ مكة عام القضية غير الله قلبى عما كان عليه ودخلنى الإسلام وجعلت أفكر فيما نحن عليه وما نعبد من حجر لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، وأنظر إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وظلف أنفسهم عن الدنيا فيقع ذلك منى فأقول: ما عمل القوم إلا على الثواب لما يكون بعد الموت.

وجعلت أحب النظر إلى رسول الله ﷺ، إلى أن رأيته خارجا من باب بنى شيبة يريد منزله بالأبطح، فأردت أن آتيه وآخذ بيده وأسلم عليه فلم يعزم لى على ذلك، وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، ثم عزم لى على الخروج إليه، فأدلجت إلى بطن يأجج فألقى خالد بن الوليد، فاصطحبنا حتى نزلنا الهدة فما شعرنا إلا بعمرو بن العاص فانقمعنا عنه وانقمع منا، ثم قال: أين يريد الرجلان؟ فأخبرناه فقال: وأنا أريد الذى تريدان. فاصطحبنا جميعا حتى قدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام وأقمت حتى خرجت معه فى غزوة الفتح ودخل مكة، فقال لى: «يا عثمان، ايت بالمفتاح» ، فأتيته به فأخذه منى ثم دفعه إلى وقال: «خذوها تالدة خالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» «١» . قال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت إليه فقال: «ألم يكن الذى قلت لك؟» فذكرت قوله لى قبل الهجرة بمكة: «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت» ، فقلت بلى، أشهد أنك رسول الله! قال الواقدى: فهذا أثبت الوجوه فى إسلام عثمان.

وله لى قبل الهجرة بمكة: «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت» ، فقلت بلى، أشهد أنك رسول الله! قال الواقدى: فهذا أثبت الوجوه فى إسلام عثمان.

غزوة بنى لحيان «٢» وخرج رسول الله ﷺ على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة إلى لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع- خبيب وأصحابه- وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة. فلما انتهى إلى منازلهم بغران وهو واد بين أمج وعسفان وجدهم قد حذروا وتمنعوا فى رؤس الجبال. فلما أخطأه من غرتهم ما أراد قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة. فخرج فى مائتى راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح رسول الله ﷺ قافلا.

فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين وجه راجعا: «آيبون تائبون إن شاء الله، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال» «١» .

غارة عيينة بن حصن على سرح المدينة وخروج النبى ﷺ فى أثره، وهى غزوة ذى قرد «٢» ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة من غزوة بنى لحيان لم يقم بالمدينة إلا ليال قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن فى جبل من غطفان على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فى اللقاح. وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمى، غدا يريد الغابة متوشحا سيفه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف فى ناحية سلع ثم صرخ: واصباحاه. ثم خرج يشد فى آثار القوم وكان مثل السبع، حتى لحق القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى: خذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمى رمى ثم قال: خذها وانا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرضع فيقول قائلهم: أأكيعنا هو أول النهار. وبلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيل إلى رسول الله ﷺ، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو، وهو الذى يقال له: المقداد بن الأسود. ثم كان أول فارس وقف على رسول الله ﷺ بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهليان وأسيد بن ظهير الحارثى، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسديان وأبو قتادة السلمى وأبو عياش، الزرقى.

لأنصار عباد بن بشر وسعد بن زيد الأشهليان وأسيد بن ظهير الحارثى، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة الأسديان وأبو قتادة السلمى وأبو عياش، الزرقى.

فلما اجتمعوا إلى رسول الله ﷺ أمر عليهم سعد بن زيد وقال: «اخرج فى طلب القوم حتى ألحقك فى الناس» «١» . وقال لأبى عياش: «يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالناس» . قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس فو الله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى، فعجبت أن رسول الله ﷺ يقول: «لو أعطيته أفرس منك» وأقول: أنا أفرس! فأعطى رسول الله ﷺ فرس أبى عياش هذا- فيما زعموا- معاذ ابن ماعص أو عائذ بن ماعص، فكان ثامنا. فخرج الفرسان فى طلب القوم حتى تلاحقوا، وكان أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة الأخرم، ويقال له أيضا: قمير، ولما كان الفزع جال فرس لمحمود بن مسلمة فى الحائط وهو مربوط بجذع نخل حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسا صنيعا جاما، فقال بعض نساء بنى عبد الأشهل: يا قمير، هل لك فى أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله ﷺ وبالمسلمين؟ قال: نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بز الخيل بجمامه حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من المهاجرين والأنصار، وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية فى بنى عبد الأشهل. فقيل: إنه لم يقتل من المسلمين- يومئذ- غيره، وقد قيل: إنه قتل معه وقاص بن محرز المدلجى. ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله ﷺ فى المسلمين فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله ﷺ: «ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده ليعرفوا أنه صاحبه» «٢» . وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح.

رده ليعرفوا أنه صاحبه» «٢» . وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح. وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل من ذى قرد وتلاحق به الناس، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له أبو سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتنى فى مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال له رسول الله ﷺ: «إنهم الآن ليغبقون فى غطفان» «٣» .

فقسم رسول الله ﷺ: فى أصحابه فى كل مائة رجل جزورا. وأقاموا عليها ثم رجع قافلا إلى المدينة. وأفلتت ارمأة الغفارى على ناقة من إبل رسول الله ﷺ حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله، إنى قد نذرت لله أن أنحرها إن نجانى الله عليها، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها، إنه لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هى ناقة من إبلى، ارجعى إلى أهلك على بركة الله» «١» . فهذا حديث ابن إسحاق عن غزوة ذى قرد. وخرج مسلم بن الحجاج- ﵀ حديثا فى صحيحه بإسناده إلى سلمة بن الأكوع فذكر حديثا طويلا خالف به حديث ابن إسحاق فى مواضع منه، فمن ذلك: أن هذه الغزوة كانت بعد انصراف الرسول ﷺ الحديبية، وجعلها ابن إسحاق قبل ذلك، وكذلك فعل ابن عقبة. وفيه أن سلمة بن الأكوع» استنقذ سرح رسول الله ﷺ بجملتة، قال سلمة: فو الله مازلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة فجلست فى أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا فى تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وزاء ظهرى وخلوا بينى وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون، ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزارى، فجلسوا يتضخون- أى يتغدون- وجلست على رأس قرن.

اما من الحجارة يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزارى، فجلسوا يتضخون- أى يتغدون- وجلست على رأس قرن. قال الفزارى: ما هذا الذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شىء فى أيدينا. قال فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلى

منهم أربعة فى الجبل، فلما أمكنونى من الكلام قلت: هل تعرفوننى؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذى كرم وجه محمد ﷺ لا اطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبنى فيدركنى. قال أحدهم: أنا أظن ذلك، فرجعوا. فما برحت مكانى حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدى، على أثره أبو قتادة الأنصارى وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندى فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعونك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بينى وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فو الذى كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلى حتى ما أرى من ورائى من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش فنظروا إلى أعدو وراءهم فحلأتهم عنه. فما ذاقوا منه قطرة، ويخرجون فيشتدون فى ثنية فأعدو فألحق منهم فأمكسه بسهم فى نغض كتفه، قلت: خذها وانا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع قال: يا ثكلته أمه أأكوعه بكرة؟ قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعه بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ، ولحقنى عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الذى حلأتهم عنه قد أخذ تلك الإبل وكل شىء استنقذته من المشركين وكل رمح وكل بردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التى استنقذت من القوم، وإذا هو يشتوى لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، قلت: يا رسول الله، خلنى فأنتحب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلنه. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه فى ضوء النار قال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم، والذى أكرمك، قال: «إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقالوا: إياكم القوم فخرجوا هاربين.

، قال: «إنهم الآن ليقرون بأرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا فقالوا: إياكم القوم فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالنا

سلمة» . ثم أعطانى رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لى جميعا. وذكر الزبير بن أبى بكر أن رسول الله ﷺ مر فى غزوة قرد هذه على ماء يقال له: بيسان، فسأل عنه فقيل: اسمه يا رسول الله: بيسان وهو مالح. فقال رسول الله ﷺ؟: «لا، بل اسمه نعمان وهو طيب» . فغير رسول الله ﷺ الاسم وغير الله- تعالى- الماء. فاشتراه طلحة بن عبيد الله ثم تصدق به وجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنت يا طلحة إلا فياض» . فسمى طلحة الفياض. وكان مما قيل من الشعر فى يوم ذى قرد قول حسان بن ثابت: أظن عيينة إذا زارها ... بأن سوف يهدم فيها قصورا فأكذبت ما كنت صدقته ... وقلتم سنغنم أمرا كبيرا وولوا سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملط حصيرا أمير علينا رسول الملي ... ك أحبب بذاك إلينا أميرا رسول نصدق ما جاءه ... ويتلوا كتابا مضيئا منيرا وقال كعب بن مالك: أيحسب أولاد اللقيطة أننا ... على الخيل لسنا مثلهم فى الفوارس وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... ولا ننثنى عند الرماح المداعس وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرى ... ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس «١» نرد كماة المعلمين إذا انتحوا ... بضرب يسلى نخوة المتقاعس بكل فتى حامى الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس يذودون عن أحسابهم وتلادهم ... ببيض تقد الهام تحت القوانس فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التمارس إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم فى المجالس وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر فى الصدر ما لم يمارس وقال شداد بن عارض الجشمى فى يوم ذى قرد لعيينة بن حصن وكان عيينة يكنى أبا مالك:

فى المجالس وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر فى الصدر ما لم يمارس وقال شداد بن عارض الجشمى فى يوم ذى قرد لعيينة بن حصن وكان عيينة يكنى أبا مالك:

فهلا كررت أبا مالك ... وخيلك مدبرة تقتل ذكرت الإياب إلى عسجر ... وهيهات قد بعد المقفل «١» وطمنت نفسك ذا ميعة ... مسح الفضاء إذا يرسل إذا قبضته إليك الشما ... ل جاش كما اضطرم المرجل فلما عرفتم عباد الإل ... هـ لم ينظر الآخر الأول عرفتم فوارس قد عودوا ... طراد الكماة إذا أسهلوا إذا طردوا الخيل تشقى بهم ... فضاحا وإن يطردوا ينزلوا فيعتصموا فى سواء المقا ... م بالبيض أخلصها الصيقل «٢»

غزوة بنى المصطلق وهى غزوة المريسيع «٣» وغزا رسول الله ﷺ بنى المصطلق من خزاعة فى شعبان سنة ست، وكان بلغه أنهم يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية زوج النبى ﷺ. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع، فتزاحف الناس واققتلوا، فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسوله أبناءهم ونساءهم وأموالهم. وكان شعار المسلمين فى ذلك اليوم: يا منصور أمت أمت. وأصاب- يومئذ- رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت رجلا من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن أمية بن ليث بن بكر يقال له: هشام ابن صبابة، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ. فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من غفار يقال له: جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهنى: يا معشر الأنصار.

وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أبى بن سلول فقال: أقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هؤلاء إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه- وفيهم زيد بن أرقم غلام حدث- فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، وذلك عند فراغه من عدوه، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله ﷺ: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا ولكن أذن بالرحيل» «١» . وذلك فى ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها. فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبى إلى رسول الله ﷺ حين بلغة أن زيدا بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان فى قومه شريفا عظيما، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم فى حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل. حدبا على ابن أبى ودفعا عنه. فلما استقل رسول الله ﷺ وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: يا نبى الله، والله لرحت فى ساعة منكرة ما كنت تروح فى مثلها. فقال له رسول الله ﷺ: «أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟» قال: وأى صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبى» . قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل» «٢» . قال: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليك ارفق به، فو الله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أن قد استلبته ملكا! ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح، وسار يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس ثم راح

، وسار يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالأمس ثم راح

بالناس، فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من الكفار» «١» . فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت- أحد ينى قينقاع- وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم. ونزلت السورة التى ذكر الله فيها المنافقين فى عبد الله بن أبى ومن كان على مثل أمره. فلما نزلت أخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد بن أرقم ثم قال: «هذا الذى أوفى الله بأذنه» «٢» . وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبى الذى كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أبى فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى، إنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبى يمشى فى الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقى معنا» «٣» . وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويؤاخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتله يوم قلت لى اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» «٤» ! فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى. وقدم مقيس بن صبابة من مكة متظاهرا بالإسلام، فقال يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك اطلب دية أخى قتل خطأ، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله. ثم خرج إلى مكة مرتدا وقال فى شعر له: شفى النفس أن بات بالقاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع «٥»

رسول الله ﷺ غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله. ثم خرج إلى مكة مرتدا وقال فى شعر له: شفى النفس أن بات بالقاع مسندا ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع «٥»

وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحمينى وطاء المضاجع حللت به وترى وأدركت ثؤرتى ... وكنت إلى الأوثان أول راجع ثأرت به فهرا وحملت عقله ... سراة بنى النجار أرباب فارع وقال أيضا: جللته ضربة باتت لها وشل ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا وأصاب رسول الله ﷺ من بنى المصطلق سبيا كثيرا، فشا قسمة فى المسلمين، وكان فيمن أصيب- يومئذ- من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار، فوقعت فى السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها. قال عائشة رضى الله عنها: وكانت- تعنى جويرية- امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه فى كتابتها، فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رايت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه، وقد أصابنى من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت فى السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسى، فجئتك أستعينك على كتابتى، قال: «فهل لك فى خير من ذلك؟» قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضى كتابتك وأتزوجك» «١» . قالت: نعم يا رسول الله. قال: «قد فعلت» «٢» . وخرج الخبر إلى الناس: أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية. فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ. فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزوجه إياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. وبعث إليهم رسول الله ﷺ بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره أن القوم هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون فى ذكر غزوهم حتى هم رسول

الله ﷺ يأن يغزوهم، فبينا هم فى ذلك قدم وفدهم على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا إليه لنقتله وو الله ما جئنا لذلك. فأنزل الله فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [الحجرات: ٦] . هكذا ذكر ابن إسحاق «١» أن رسول الله ﷺ بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة ولم يعين مدة توجيهه إياه إليهم، وقد يوهم ظاهره أن ذلك كان بحدثان إسلامهم، ولا يصح ذلك، إذ الوليد من مسلمة الفتح، وإنما كان الفتح فى سنة ثمان بعد غزوة بنى المصطلق وإسلامهم بسنتين، فلا يكون هذا التوجيه إلا بعد ذلك ولا بد. وقد قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله ﷿: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ نزلت فى الوليد بن عقبة حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بنى المصطلق مصدقا، والله سبحانه أعلم. وأقبل رسول الله ﷺ من سفره ذلك حتى إذا كان قريبا من المدينة قال: «أهل الإفك فى الصديقة المبرأة المطهرة عائشة بنت الصديق، رضى الله عنهما، ما قالوا» . فحدثت- يرحمها الله- قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمى عليهن معه فخرج بى ﷺ. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهبجهن اللحم فيثقلن، وكنت إذا رحّل لى بعيرى جلست فى هودجى ثم يأتى القوم الذين يرحلون لى ويحملوننى فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به.

هودجى ثم يأتى القوم الذين يرحلون لى ويحملوننى فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم أذن فى الناس بالرحيل، فارتحل الناس وخرجت لحاجتى وفى عنقى عقد لى فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه فى عنقى فلم أجده وقد أخذ الناس فى الرحيل، فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء خلافى القوم الذين كانوا يرحلون لى البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أنى فيه كما

كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس، قالت: فتلففت بجلبابى ثم اضطجعت فى مكان وعرفت أنه لو قد افتقدت لرجع إلى. فو الله إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المعطل السلمى، وكان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس، فرأى سوادى، فأقبل حتى وقف على، وقد كان يرانى قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ظعينة رسول الله ﷺ! وأنا متلففة فى ثيابى. قال: ما خلفك، رحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: اركبى. واستأخر عنى، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودنى، فقال أهل الإفك ما قالوا. فارتعج العسكر، والله ما أعلم بشىء من ذلك. ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوا شديدا لا يبلغنى من ذلك شىء وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوى لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بى، كنت إذا اشتكيت رحمنى ولطف لى فلم يفعل ذلك فى شكوى ذلك فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل على وعندى أمى تمرضنى قال: كيف تيكم، لا يزيد على ذلك حتى وجدت فى نفسى حين رأيت من جفائه لى. فقلت: يا رسول الله لو أذنت لى فانتقلت إلى أمى فتمرضنى؟ قال: «لا عليك» .

تمرضنى قال: كيف تيكم، لا يزيد على ذلك حتى وجدت فى نفسى حين رأيت من جفائه لى. فقلت: يا رسول الله لو أذنت لى فانتقلت إلى أمى فتمرضنى؟ قال: «لا عليك» . فانتقلت إلى أمى ولا علم لى بشىء مما كان، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوما عربا لا نتخذ فى بيوتنا هذه الكنف التى تتخذ الأعاجم نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب فى فسح المدينة، وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة فى حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها خالة أبى بكر الصديق، فو الله إنها لتمشى معى إذ عثرت فى مرطها فقالت: تعس مسطح. قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا. قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك. قلت: أوقد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان. فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى ورجعت، فوالله مازلت أبكى حتى ظننت

أن البكاء سيصدع كبدى. وقلت لأمى: يغفر الله لك! تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لى من ذلك شيئا؟ قالت: أى بنية خفضى عليك الشأن، فو الله لقل ما كنت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله ﷺ فى الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، ما بال رجال يؤذوننى فى أهلى ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى» . قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبى فى رجال من الخزرج مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب كانت عند رسول الله ﷺ ولم يكن من نسائه امرأة تناصينى فى المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادنى لأختها، فشقيت بذلك. فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة قال أسيد بن خضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: وتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر. ونزل رسول الله ﷺ فدعا على بن أبى طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا، ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل. وأما على فإنه قال: يا رسول الله، إن النساء لكثير وإنك لتقدر أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، فقام إليها على فضربها ضربا شديدا ويقول: اصدقى رسول الله ﷺ، فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أنى كنت أعجن عجينى فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله.

ل: اصدقى رسول الله ﷺ، فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا إلا أنى كنت أعجن عجينى فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله. قالت: ثم دخل على رسول الله ﷺ وعندى أبواى وعندى امرأة من الأنصار فأنا أبكى وهى تبكى معى، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقى الله وإن كنت قارفت سوآ مما يقول الناس فتوبى إلى الله

فإن يقبل التوبة عن عباده» «١» . قالت: فو الله إن هو إلا أن قال لى ذلك فقلص دمعى حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبوى أن يجيبا رسول الله ﷺ فلم يتكلما. قالت: وأيم الله لأنا كنت أحقر فى نفسى وأصغر شأنا من أن ينزل الله فى قرآنا يقرأ به فى المسجد ويصلى به، ولكنى كنت أرجوا أن يرى رسول الله ﷺ فى منامه شيئا يكذب الله به عنى لما يعلم من براءتى أو يخبر خبرا، فأما قرآن ينزل فى فو الله لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك. قالت: فلما لم أرى أبوى يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﷺ؟ فقالا: والله ما ندرى بماذا نجيبه. قالت: وو الله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر فى تلك الأيام. قالت: فلما استعجما على استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنى لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أنى منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقوننى، ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت: ولكنى سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] . قالت: فو الله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فرغت ولا باليت، قد عرفت أنى بريئة وأن الله غير ظالمى، وأما أبواى فو الذى نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس. ثم سرى عن رسول الله ﷺ، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان وفى يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشرى يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» «٢» قلت: بحمد الله.

ن رسول الله ﷺ، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان وفى يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشرى يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» «٢» قلت: بحمد الله. ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن فى ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم. قالت: فلما نزل القرآن ذكر من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ

Bagian 13 dari 40