— Bagian 18 · فقالوا: نحن بنو أبذى. قال رسول الله ﷺ: «ما فعل ا… —
Bagian 18
فقالوا: نحن بنو أبذى. قال رسول الله ﷺ: «ما فعل الغلام الذى أتانى معكم؟» قالوا: يا رسول الله، والله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله ﷿ لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله، إنى لأرجو أن يموت جميعا» . فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ: «تشعب أهواؤه وهمومه فى أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه فى بعض تلك الأودية، فلا يبالى الله ﷿ فى أيها هلك» . قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده فى الدنيا وأقنعه بما رزق، فلما توفى رسول الله ﷺ ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام فى قومه يذكرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر الصديق رضى الله عنه يذكره ويسأل عنه، حتى بلغه حاله وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا.
فروة بن مسيك المرادى «١» وقدم فروة بن مسيك المرادى على رسول الله ﷺ مفارقا لملوك كندة، متابعا للنبى ﷺ وقال فى ذلك: لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتى أؤم محمدا ... أرجو فواضها وحسن ثرائها ثم خرج حتى أتى المدينة، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، ثم غدا على رسول الله ﷺ وهو جالس فى المسجد، فسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله، أنا لمن ورائى من قومى، قال: «أين نزلت يا فروة؟» قال: على سعد بن عبادة، قال: «بارك الله على سعد بن عبادة» . وكان يحضر مجلس رسول الله ﷺ كلما جلس، ويتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه. وكان بين مراد وهمدان قبيل الإسلام وقعة، أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم فى يوم يقال له: «يوم الردم» ، وكان الذى قاد همدان إلى مراد «الأجدع ابن مالك» ، ففضحهم يومئذ، فقال رسول الله ﷺ لما وفد إليه: «يا فروة، هل ساءك ما
وهم فى يوم يقال له: «يوم الردم» ، وكان الذى قاد همدان إلى مراد «الأجدع ابن مالك» ، ففضحهم يومئذ، فقال رسول الله ﷺ لما وفد إليه: «يا فروة، هل ساءك ما
أصاب قومك يوم الردم؟» قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومى يوم الردم لا يسوءه ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما إن ذلك اليوم لم يزد قومك فى الإسلام إلا خيرا» . وفى ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك «١» : مررنا باللفاة* وهن خوص ... ينازعن الأعنة ينتحينا فإن نغلب فغلابون قدما ... وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا فحينا فبينا ما نسربه ونرضى ... ولو لبست غضارته سنينا إذا انقلبت به كرات دهر ... فألفى للأولى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم ... تجد ريب الزمان له خئونا فلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقى الكرام إذا بقينا فأفنى ذلكم سروات قومى ... كما أفنى القرون الأولينا واستعمل رسول الله ﷺ فروة بن مسيك «٢» على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، وكتب له فيها كتابا لا يعدوه إلى غيره، فكان خالد مع فروة فى بلاده حتى توفى رسول الله ﷺ «٣» . ولما كانت السنة التى توفى فيها صلوات الله وبركاته عليه، وصدر عن مكة، ورأت أبناء زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، مصدقين برسول الله ﷺ ثم يرجع راجعهم إلى بلاده وهم على ما هم عليه، قالوا لخالد بن سعيد «٤» : والله،
د قبائل اليمن تقدم على رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، مصدقين برسول الله ﷺ ثم يرجع راجعهم إلى بلاده وهم على ما هم عليه، قالوا لخالد بن سعيد «٤» : والله،
لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس، وصدقنا بمحمد ﷺ وخلينا بينك وبين صدقات أموالنا، وكنا لك عونا على من خالفك من قومنا. قال خالد: قد فعلتم، قالوا: فأوفد منا نفرا يقدمون على رسول الله ﷺ ويخبرونه بإسلامنا، ويقبسونا منه خيرا. قال خالد: ما أحسن ما دعوتم إليه، وأنا أجيبكم، ولم يمنعنى أن أقول لكم هذا إلا أنى رأيت الوفود تمر بكم فلا يهيجكم ذلك على الخروج، فساءنى ذلك منكم حتى ساء ظنى بكم، وكنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشرك، فخشيت أن يكون الإسلام لم يرسخ فى قلوبكم، فأما إذا طلبتم ما طلبتم، فأنا أرجو أن يكون الإسلام راسخا فى قلوبكم. قالوا: وما أنكرت منا؟ والله لقد كنا فى حيزك واخترناك على غيرك من عمال رسول الله ﷺ وما رأيت منا شيئا تكرهه ولا تنكره إلى يومنا هذا. قال: اللهم غفرا، لولا أنى أنكرت منكم بعض ما ينكر ما قلت هذا، أما تعلمون أنى أخذت من شاب منكم فريضة بنت مخاض، فعقلتها ووسمتها بميسم الصدقة، فجئتم بأجمعكم فأخذتموها، ثم قلتم: إن شاء خالد فليأخذها من مرعاها، فأمسكت عنكم وخفت أن يأتى منكم ما هو شر من هذا؟! فقالوا: فقد كان، ونزعنا وتبنا إلى الله، فلا نحول بينك وبين شىء تريده، فبعث معهم وفدا إلى رسول الله ﷺ.
أمسكت عنكم وخفت أن يأتى منكم ما هو شر من هذا؟! فقالوا: فقد كان، ونزعنا وتبنا إلى الله، فلا نحول بينك وبين شىء تريده، فبعث معهم وفدا إلى رسول الله ﷺ.
وفد زبيد عمرو بن معدى كرب «١» وقدم عمرو بن معدى كرب على رسول الله ﷺ فى أناس من قومه بنى زبيد، فأسلم؛ وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرادى، حين انتهى إليهم أمر رسول الله ﷺ: يا قيس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له: محمد خرج بالحجاز، يقال: إنه نبى، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول، فإنه لن يخفى علينا، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فإنه إن سبق إليه رجل من قومك سادنا وترأس علينا، وكنا له أذنابا. فأبى عليه قيس وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدى كرب حتى قدم على رسول الله ﷺ وأقام أياما، فأجازه رسول الله ﷺ كما كان يجيز الوفود، وأنصرف راجعا إلى بلاده، فأقام فى قومه بنى زبيد وعليهم فروة بن مسيك سامعا له مطيعا، فلما توفى رسول الله ﷺ ارتد عمرو، ثم راجع الإسلام بعد ذلك.
وقد كان قيس بن مكشوح لما بلغه خروج عمرو أوعده وتحطم عليه، وقال: خالفنى وترك رأيى. فقال عمرو فى ذلك من أبيات: أمرتك يوم ذى صنعاء ... أمرا باديا رشده أمرتك باتقاء الل ... هـ والمعروف تتعده فكنت كذى الحمير غره ... مما به وتده تمنانى على فرس ... عليه جالس أسده* فلو لاقيتنى للقي ... ت ليثا فوقه لبده وطلب فروة بن مسيك قيس بن مكشوح كل الطلب، حتى هرب من بلاده، وكان مصمما فى طلب من خالفه، فكان عمرو يقول لقيس: قد خبرتك يا قيس أنك تكون ذنبا تابعا لفروة بن مسيك.
وفد بنى ثعلبة وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى ثعلبة سنة ثمان مرجعه من الجعرانة. ذكر الواقدى عن رجل منهم قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الجعرانة قدمنا عليه وافدين مقرين بالإسلام، ونحن أربعة نفر، فنزلنا دار رملة بنت الحارث، فجاءنا بلال، فنظر إلينا، فقال: أمعكم غيركم؟ قلنا: لا، فانصرف عنا، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى بجفنة من ثريد بلبن وسمن، فأكلنا حتى نهلنا، ثم رحنا إلى الظهر، فإذا رسول الله ﷺ قد خرج من بيته ورأسه يقطر ماء، فرمى ببصره إلينا، فأسرعنا إليه، وبلال يقيم الصلاة. فسلمنا عليه، وقلنا: يا رسول الله، إنا رسل من خلفنا من قومنا، مقرين بالإسلام، وهم فى مواشيهم، وما لا يصلحه إلا هم، وقد قيل لنا يا رسول الله: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال رسول الله ﷺ: «حيثما كنتم، واتقيتم الله فلا يضركم حيث كنتم» . وفرغ بلال من الآذان، ورسول الله ﷺ يكلمنا، ثم تقدم فصلى بنا الظهر، لم تصل وراء أحد قط أتم صلاة ولا أوجز منه، ثم انصرف إلى بيته، فدخل، فلم يلبث أن خرج إلينا، فقيل لنا: صلى فى بيته ركعتين، فدعا بنا، فقال: «أين أهلكم؟» فقلنا: قريبا يا رسول
الله، هم بهذه السرية فقال: «كيف بلادكم؟» فقلنا: مخصبون، فقال: «الحمد لله» . فأقمنا أياما، فتعلمنا من القرآن والسنن، وضيافته تجرى علينا، ثم جئنا نودعه منصرفين، فقال لبلال: «أجزهم كما تجيز الوفد» ، فجاء بلال بنقر من فضة، فأعطى كل واحد منا خمس أواق، وقال: ليس عندنا دراهم مضروبة، فانصرفنا إلى بلادنا «١» .
فين، فقال لبلال: «أجزهم كما تجيز الوفد» ، فجاء بلال بنقر من فضة، فأعطى كل واحد منا خمس أواق، وقال: ليس عندنا دراهم مضروبة، فانصرفنا إلى بلادنا «١» .
وفد بنى سعد هذيم «٢» وقدم على رسول الله ﷺ بنو سعد هذيم، من قضاعة فى سنة تسع. ذكر الواقدى عن ابن النعمان منهم عن أبيه قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدا فى نفر من قومى، وقد أوطأ رسول الله ﷺ البلاد غلبة، وأداخ العرب، والناس صنفان. إما داخل فى الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول الله ﷺ يصلى على جنازة فى المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس فى صلاتهم، وقلنا: حتى نلقى رسول الله ﷺ ونبايعه، ثم انصرف رسول الله ﷺ فنظر إلينا، فدعا بنا، فقال: «من أنتم؟» فقلنا: من بنى سعد هذيم، فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم، قال: فهلا صليتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله، ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، فقال رسول الله ﷺ: «أينما أسلمتم مسلمون» . قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله ﷺ بأيدينا على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا، فبعث رسول الله ﷺ فى طلبنا، فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا، وإنه خادمنا، فقال: «أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه» «٣» . قال: فكان والله خيرنا، وأقرأنا للقرآن، لدعاء رسول الله ﷺ له، ثم أمره رسول الله ﷺ علينا، فكان يؤمنا. ولما أردنا الانصراف، أمر بلالا فأجازنا بأواقى من فضة، لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
له، ثم أمره رسول الله ﷺ علينا، فكان يؤمنا. ولما أردنا الانصراف، أمر بلالا فأجازنا بأواقى من فضة، لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
وفد بنى فزارة «١» ولما رجع رسول الله ﷺ من تبوك قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس بن حصن ابن أخى عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، فنزلوا فى دار زينب بنت الحارث، وجاؤا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، وهم مستنون على وكاف عجاف، فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله ويلك، هذا أنا شفعت إلى ربى ﷿، فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العلى العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهى تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد» . وقال رسول الله ﷺ: «إن الله جل وعز ليضحك من شفعكم، وأزلكم، وقرب غياثكم» . فقال الأعرابى: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ قال: «نعم» ، قال الأعرابى: لن نعدمك من رب يضحك خير، فضحك النبى ﷺ من قوله، وصعد المنبر، فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه فى شىء من الدعاء إلا فى الاستسقاء، فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا طيبا، واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» . فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصارى، فقال: يا رسول الله، التمر فى المربد. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقنا» ، فعاد أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله ﷺ لدعائه، فعاد أيضا أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله ﷺ لدعائه، فعاد أيضا أبو لبابة، فقال: التمر فى المربد يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» ، قالوا: ولا والله ما فى السماء سحاب ولا قزعة، وما بين المسجد وبين سلع من شجر ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت
السماء انتشرت، ثم أمطرت، فو الله ما رأوا الشمس سبعا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره، لئلا يخرج التمر منه، فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فدعا ورفع يديه مدا، حتى رؤى بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» «١» . قال: فانجابت السحاب عن المدينة انجياب الثوب.
وفد بنى أسد «٢» وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى أسد، عشرة رهط، فيهم وابصة بن معبد وطليحة ابن خويلد، ورسول الله ﷺ جالس فى المسجد مع أصحابه، فسلموا وتكلموا، وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثا، ونحن لمن وراءنا. قال محمد بن كعب القرظى: فأنزل الله ﷿ على رسوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١٧: الحجرات] . وكان مما سألوا رسول الله ﷺ عند يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كله. فقالوا: يا رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها فى الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟ قال: «وما هى» ؟ قال: الخط، قال: «علمه نبى من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم» «٣» .
رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها فى الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت؟ قال: «وما هى» ؟ قال: الخط، قال: «علمه نبى من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم» «٣» .
وفد بهراء» وذكر الواقدى عن كريمة بنت المقداد، قالت: سمعت أمى ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب «٢» تقول: قدم وفد بهراء من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد، ونحن فى منزلنا نبنى جديلة، فخرج إليهم المقداد، فرحب بهم، وأنزلهم، وجاءهم بجفنة من حيس قد كنا هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها، فحملها أبو معبد المقداد، وكان كريما على الطعام، فأكلوا منها حتى نهلوا، وردت إلينا القصعة وفيها أكل، فجمعنا تلك الأكل فى قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها إلى رسول الله ﷺ مع سدرة مولاتى، فوجدته فى بيت أم سلمة، فقال رسول الله ﷺ: «ضباعة أرسلت بهذا» ؟، قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: «ضعى» ، ثم قال: «ما فعل ضيف أبى معبد؟» قلت: عندنا، فأصاب منها رسول الله ﷺ أكلا هو ومن معه فى البيت حتى نهلوا، وأكلت معهم سدرة، ثم قال: «اذهبى بما بقى إلى ضيفكم» ، قالت سدرة: فرجعت بما بقى فى القصعة إلى مولاتى، قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا، نرددها عليهم وما تغيض، حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا فى الحين، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق أو نحوه، ونحن عندك فى الشبع، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله ﷺ أنه أكل منها أكلا وردها، فهذه بركة أثر أصابع رسول الله ﷺ فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينا، وذلك الذى أراد رسول الله ﷺ. وتعلموا الفرائض، وأقاموا أياما، ثم جاؤا رسول الله ﷺ فودعوه، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهلهم.
وفد بنى غدرة وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى غدرة فى صفر سنة تسع، اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان وسليم وسعد ابنا مالك ومالك بن أبى رباح، فنزلوا فى دار رملة بنت
وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى غدرة فى صفر سنة تسع، اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان وسليم وسعد ابنا مالك ومالك بن أبى رباح، فنزلوا فى دار رملة بنت
الحارث النجارية، ثم جاؤا رسول الله ﷺ وهو فى المسجد، فسلموا بسلام أهل الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «من القوم» ؟ فقال متكلمهم: من لا تنكر، نحن بنو غدرة، أخوة قصى لأمه، نحن الذين عضوا قصيا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبنى بكر، ولنا قرابات وأرحام. قال رسول الله ﷺ: «مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفنى بكم، فما منعكم من تحية الإسلام» ؟ قالوا: يا محمد، كنا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لأنفسنا ولمن خلفنا، فإلام تدعو؟ فقال رسول الله ﷺ: «إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تشهدوا أنى رسول الله إلى الناس كافة» ، فقال المتكلم: فما وراء ذلك من الفرائض؟ فقال رسول الله ﷺ: «الصلوات الخمس، تحسن طهورهن وتصليهن لمواقيتهن، فإنه أفضل العمل» . ثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام والزكاة والحج، فقال المتكلم: الله أكبر، نشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قد أجبناك إلى ما دعوت إليه، ونحن أعوانك وأنصارك ثم قال: يا رسول الله: إنا متاخمو الشام، وأخبارهم ترد علينا، وبالشام من قد علمت، هرقل، فهل اوحى إليك فى أمره بشىء؟ فقال رسول الله ﷺ: «أبشر، فإن الشام ستفتح عليكم، ويهرب هرقل إلى ممتنع بلاده» ، قال: الله أكبر، يا رسول الله، إن فينا امرأة كاهنة، كانت قريش والعرب يتحاكمون إليها، ولو قد رجعنا أقرت هى وغيرها من قومنا بالإسلام إن شاء الله، أفنسألها عن كهانتها؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تسألوها عن شىء» ، قال: الله أكبر، ثم سأله عن الذبائح التى كانوا يذبحون فى الجاهلية لأصنامهم، فنهاهم رسول الله ﷺ عنها، وقال، وقال: «لا ذبيحة لغير الله ﷿ ولا ذبيحة عليكم فى سنتكم إلا واحدة» . قال: وما هى؟ فداك أبى وأمى، قال: «الأضحية» ، قال: وأى وقت تكون؟ قال: «صبيحة العاشر من ذى الحجة، تذبح شاة عنك وعن أهلك» ، قال: يا رسول الله، أهى على أهل كل بيت وجدوها؟ قال: «نعم» «١» . فأقوموا أياما، ثم أجازهم كما يجيز الوفود، وانصرفوا.
ى الحجة، تذبح شاة عنك وعن أهلك» ، قال: يا رسول الله، أهى على أهل كل بيت وجدوها؟ قال: «نعم» «١» . فأقوموا أياما، ثم أجازهم كما يجيز الوفود، وانصرفوا.
وفد بلى «٢» وقدم على رسول الله ﷺ وفد بلى فى ربيع الأول من سنة تسع. قال رويفع ابن
ثابت البلوى: فبلغنى قدومهم، فخرجت حتى جئتهم برأس الثنية فى أيديهم خطم رواحلهم، فرحبت بهم وقلت: المنزل على، فعدلت بهم إلى منزلى، فنزلوا، ولبسوا من صالح ثيابهم، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو جالس فى أصحابه فى بقية فئ الغداة، فسلمت. فقال: «رويفع» ، فقلت: لبيك، قال: «من هؤلاء القوم» ؟ قلت: قومى، قال: «مرحبا بك وبقومك» ، قلت: يا رسول الله، قدموا وافدين عليك مقرين بالإسلام، وهم على من وراءهم من قومهم. فقال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يهده للإسلام» . قال: وتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فجلس بين يديه، فقال: يا رسول الله، إنا قدمنا عليك لنصدقك ونشهد أن ما جئت به حق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا قبلنا. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذى هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» ، قال: يا رسول الله، إنى رجل لى رغبة فى الضيافة، فهل لى فى ذلك من أجر؟ قال رسول الله ﷺ: «نعم، وكل معروف صنعته إلى غنى أو فقير فهو صدقة» ، قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال: «ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف ان يقيم عندك فيحرجك» ، قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها فى الفلاة من الأرض؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب» ، قال: فالبعير، قال: «مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه» «١» . وسأله عن أشياء غير هذه، فأجابه عنها. قال رويفع: ثم قاموا، فرجعوا إلى منزلى، فإذا رسول الله ﷺ يأتى منزلى يحمل تمرا، فقال: «استعن بهذا التمر» ، فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثا، ثم ودعوا رسول الله ﷺ وأجازهم، ورجعوا إلى بلادهم.
ضمام بن ثعلبة «٢» وبعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ فقدم عليه، وأناخ
ثلاثا، ثم ودعوا رسول الله ﷺ وأجازهم، ورجعوا إلى بلادهم.
ضمام بن ثعلبة «٢» وبعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ فقدم عليه، وأناخ
بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فى أصحابه؛ وكان ضمام رجلا جلدا، أشعر، ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ: «أنا ابن عبد المطلب» . قال: أمحمد؟ قال: «نعم» ؛ قال: يا ابن عبد المطلب، إنى سائلك ومغلظ عليك فى المسألة، فلا تجدن فى نفسك، قال: «لا أجد فى نفسى، فسل عما بدا لك» . قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال: «اللهم نعم» ، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن تأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: «اللهم نعم» ، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك: الله أمرك أن نصلى هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» . ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: الزكاة والصيام والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة كما ينشده فى التى قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتنى عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله ﷺ: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» . قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا عليه، فكان أول ما تكلم به أن سب اللات والعزى، قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله ما تضران ولا تنفعان إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا فاستنقذكم به مما كنتم فيه، فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فو الله، ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. فبنوا المساجد، وأذنوا بالصلاة، وكلما اختلفوا فى شىء قالوا: عليكم بوافدنا.
عنه. قال: فو الله، ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. فبنوا المساجد، وأذنوا بالصلاة، وكلما اختلفوا فى شىء قالوا: عليكم بوافدنا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة «١» . واختلف فى الوقت الذى وفد فيه ضمام هذا على النبى ﷺ فقيل: سنة خمس. ذكره الواقدى وغيره، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، فالله أعلم.
وفد عبد القيس «١» وقدم على رسول الله ﷺ وفد عبد القيس فى جماعة رأسهم عبد الله بن عوف الأشج، فلما أتوه قال: «من الوفد؟» أو «من القوم؟» قالوا: ربيعة، قال: «مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى» ، قالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. فأمرهم بأربع، ونهاهن عن أربع. أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: «هل تدرون ما الإيمان بالله» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسا من المغنم» . ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير. قالوا: يا نبى الله، ما علمك بالنقير؟ قال: «بلى، جذع ينقرونه فيقذفون فيه من القطيعاء، أو قال: من التمر ثم يصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى أن أحدكم أو أن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف» ، وفى القوم رجل أصابته جراحه كذلك، قال: وكنت أخبأها حياء من رسول الله ﷺ وقد كان رسول الله ﷺ لما سلم عليه القوم سألهم: «أيكم عبد الله الأشج» ؟ فقالوا: أتاك يا رسول الله. وكان عبد الله وضع ثياب سفره، وأخرج ثيابا حسانا فلبسها، وكان رجلا دميما، فلما جاء ونظر رسول الله ﷺ إلى دمامته قال: يا رسول الله، إنه لا يستقى فى مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه، لسانه وقلبه. فقال له رسول الله ﷺ: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة» . فقال عبد الله: يا رسول الله، أشىء حدث فى، أم شىء جبلت عليه؟ فقال: «بل شىء جبلت عليه» «٢» .
ه ﷺ: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة» . فقال عبد الله: يا رسول الله، أشىء حدث فى، أم شىء جبلت عليه؟ فقال: «بل شىء جبلت عليه» «٢» . وكان الأشج يسائل رسول الله ﷺ عن الفقه والقرآن، فكان رسول الله يدنيه منه إذا جلس، وكان يأتى أبى بن كعب فيقرأ عليه.
وأمر لهم رسول الله ﷺ بجوائز، وفضل الأشج عليهم، فأعطاه اثنتى عشرة أوقية، ونشا، وذلك أكثر مما كان يجيز به الوفود. وقدم فى هذا الوفد الجارود بن عمرو، وكان نصرانيا، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه، فعرض عليه الإسلام، ودعا إليه، ورغبه فيه. فقال: يا محمد، إنى كنت على دين، وإنى تارك دينى لدينك، أفتضمن لى دينى؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه» . فأسلم وحسن إسلامه، وأراد الرجوع إلى بلاده، فسأل النبى ﷺ حملانا، فقال: «والله ما عندى ما أحملكم عليه» ، قال: يا رسول الله، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: «لا» ، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار» «١» . فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام، صليبا فى دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة، فلما رجع من كان أسلم من قومه إلى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان، قام الجارود فتشهد بشهادة الحق، ودعا إلى الإسلام، فقال: يا أيها الناس، إنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لم يتشهد. ويروى: وأكفىء من لم يشهد «٢» .
وفد بنى مرة وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى مرة، ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث بن عوف، وذلك منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، جاؤه وهو فى المسجد، فقال الحارث بن عوف: يا رسول الله، إنا قومك وعشيرتك، نحن قوم من بنى لؤى بن غالب، فتبسم رسول الله ﷺ وقال للحارث: «أين تركت أهلك» ؟ قال: بسلاح وما والاها قال: «فكيف البلاد؟ قال: والله، إنا لمستنون وما فى المال مخ، فادع الله لنا. قال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقهم الغيث» ، فأقاموا أياما، ثم أرادوا الإنصراف إلى بلادهم، فجاؤا رسول الله ﷺ مودعين له، فأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق، عشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف، أعطاه اثنتى عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم، فوجدوا البلاد
لله ﷺ مودعين له، فأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر أواق، عشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف، أعطاه اثنتى عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم، فوجدوا البلاد
مطيرة، فسألوا: متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذى دعا رسول الله ﷺ فيه. فقدم عليه قادم بعد وهو يتجهز لحجة الوداع، فقال: يا رسول الله، رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مضبوطة مطرا، لذلك اليوم الذى دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع فى كل خمس عشرة ليلة مطرة جودا، ولقد رأيت الإبل تأكل وهى بروك، وإن غنمنا ما توارى من أبياتنا، فترجع فتقيل فى أهلنا. فقال رسول الله: «الحمد الله الذى هو صنع ذلك «١» » .
وفد خولان وقدم على رسول الله ﷺ فى شعبان من سنة عشر وفد خولان، وهم عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن على من وراءنا من قومنا، ونحن مؤمنون بالله ﷿ مصدقون برسوله، قد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقال رسول الله ﷺ: «أما ذكرتم من مسيركم إلى فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارنى بالمدينة كان فى جوارى يوم القيامة» . قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذى لا توى عليه. ثم قال رسول الله ﷺ: «ما فعل عم أنس؟» وهو صنم خولان الذى كانوا يعبدونه قالوا:
فى جوارى يوم القيامة» . قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذى لا توى عليه. ثم قال رسول الله ﷺ: «ما فعل عم أنس؟» وهو صنم خولان الذى كانوا يعبدونه قالوا: بشر وعر، بدلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به، ولو قد قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله فقد كنا فى غرور وفتنة يا رسول الله، إن فتنته كانت أعظم مما عسينا أن نذكره لك، فالحمد لله الذى من علينا بك، وتنقذنا من الهلكة، وما مضى عليه الآباء من عبادته، قال رسول الله ﷺ: «وما أعظم ما رأيتم من فتنته؟» قالوا: يا رسول الله، لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة، ومات الولدان غرما، وهلكت ناغيتنا وراعيتنا وحافرنا أو ما ذهب منها. فقلنا، أو من قال منا: قربوا لعم أنس قربانا يشفع لكم، فتغاثوا فتعاونوا، فجمعنا ما قدرنا عليه من عين مالنا، ثم ذهب ذاهبنا فابتاع مائة ثور، ثم حشرها علينا، فنحرناها فى غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، فأى فتنة أعظم من هذه، فلقد رأينا العشب يوارى الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.
دها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، فأى فتنة أعظم من هذه، فلقد رأينا العشب يوارى الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.
وذكروا لرسول الله ﷺ ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزآ له وجزآ لله بزعمهم. قالوا: كنا نزرع الزرع، فنجعل له وسطه، فنسميه له، ونسمى زرعا آخر حجرة لله جل وعز فإذا مالت الريح بالذى سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح بالذى جعلناه لعم أنس لم نجعله لله. فذكر لهم رسول الله ﷺ أن الله ﷿ أنزل عليه فى ذلك: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام: ١٣٦] . قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلم. فقال رسول الله ﷺ: «تلك الشياطين تكلمكم» . قالوا: فأصبحنا يا رسول الله، وقلوبنا تعرف أنه كان لا يضر ولا ينفع، ولا يدرى من عبده ممن لم يعبده. فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذى هداكم وأكرمكم بمحمد ﷺ» . وسألوه عن فرائض الدين، فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وأن يظلموا أحدا. قال: «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» «١» . ثم أمر بهم فأنزلوا دار رملة وأمر لهم بضيافة تجرى عليهم، وأمر من يعلمهم القرآن والسنن، ثم ودعوه بعد أيام، فأجازهم، ورجعوا إلى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس.
وفد محارب «٢» وقدم على رسول الله ﷺ عام حجة الوداع وفد محارب، وهم كانوا أغلظ العرب، وأفظه على رسول الله ﷺ فى تلك المواسم، أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسول الله ﷺ منهم عشرة نائبين عن من وراءهم من قومهم، فأسلموا. وكان بلال يأتيهم بغذاء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله ﷺ يوما من الظهر إلى العصر، فعرف رجلا منهم، فأبداه النظر، فلما رآه المحاربى يديم النظر إليه، قال: كأنك
يا رسول الله توهمنى. قال: «لقد رأيتك» . فقال المحاربى: أى والله، لقد رأيتنى وكلمتنى، وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس. فقال رسول الله ﷺ: «نعم» . ثم قال المحاربى: يا رسول الله، ما كان فى أصحابى أشد عليك يومئذ ولا أبعد من الإسلام منى، فأحمد الله الذى أبقانى حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معى على دينهم. فقال رسول الله ﷺ: «إن هذه القلوب بيد الله ﷿» . فقال المحاربى: يا رسول، استغفر لى من مراجعتى إياك. فقال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام يجب ما كان قبله من الكفر» «١» . ثم انصرفوا إلى أهليهم.
وفد طىء «٢» وقدم على رسول الله ﷺ وفد وطىء، فيهم زيد الخيل «٣» ، وهو سيدهم؛ فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم الإسلام، فأسلموا، فحسن إسلامهم؛ وقال رسول الله ﷺ: «ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ، ثم سماه زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه؛ وكتب له بذلك كتابا، فخرج من عنده راجعا إلى قومه؛ فقال رسول الله ﷺ: «إن ينج زيد من حمى المدينة» يسميها رسول الله ﷺ يومئذ باسم غير الحمى، وغير أم ملدم. وقال زيد حين انصرف: أنيخت بآجام المدينة أربعا ... وعشرا يغنى فوقها الليل طائر فلما قضى أصحابها كل بغية ... وخط كتابا فى الصحيفة ساطر شددت عليها رحلها وسليلها ... من الدرس والشعراء والبطن ضامر فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له: فردة أصابته الحمى، فمات. وقال لما أحس بالموت «٤» : أمر تحل قومى المشارقى غدوة ... وأترك فى بيت بفردة منجد
زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له: فردة أصابته الحمى، فمات. وقال لما أحس بالموت «٤» : أمر تحل قومى المشارقى غدوة ... وأترك فى بيت بفردة منجد
ألا رب يوم لو مرضت لعادنى ... عوائد من لم يشف منهن يجهد فليت اللواتى عدننى لم يعدننى ... وليت اللواتى غبن عنى شهد فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التى قطع له رسول الله ﷺ فحرقتها بالنار «١» . وأما عدى بن حاتم «٢» ، فكان يقول فيما ذكر عنه: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به منى، أما أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير فى قومى بالمرباع، فكنت فى نفسى على دين. وكنت ملكا فى قومى، لما كان يصنع بى قومى، وما كان يصنع فى أهل دينى، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، فقلت لغلام كان لى عربى وكان راعيا لإبل لى: لا أبا لك، أعدد لى من إبلى أجمالا ذللا سمانا، فاحتبسها قريبا منى، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذنى؛ ففعل، ثم إنه أتانى ذات غداة، فقال: يا عدى، ما كنت صانعا إذا غشيك خيل محمد فاصنعه الآن، فإنى قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قلت: فقرب إلى أجمالى، فقربها، فاحتملت بأهلى وولدى، ثم قلت: ألحق بأهل دينى من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم فى الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت بها. وتخالفنى خيل رسول الله ﷺ فتصيب بنت حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله ﷺ فى سبايا من طىء، فجعلت بنت حاتم فى حظيرة بباب المسجد، كانت السبايا تحبس فيها، فمر بها رسول الله ﷺ وقد كان بلغه هربى إلى الشام، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ من الله عليك، قال: «ومن وافدك؟» قالت عدى بن حاتم. قال: «الفار من الله ورسوله؟» قالت: ثم مضى وتركنى، حتى إذا كان من الغد مر بى، فقلت له مثل ذلك، وقال لى مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومى فكلميه؛ فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب
مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بى وقد يئست، فأشار إلى رجل من خلفه أن قومى فكلميه؛ فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب
الوافد، فامنن على من الله عليك؛ قال رسول الله ﷺ: «قد فعلت، فلا تعجلى بخروج حتى تجدى من قومك من يكون لك ثقة، حتى يبلغك إلى أهلك، ثم آذنينى» . فسألت عن الرجل الذى أشار إلى أن كلميه، فقيل: على بن أبى طالب، وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، وإنما أريد أن آتى أخى بالشام، فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومى، لى فيهم ثقة وبلاغ. فكسانى رسول الله ﷺ وحملنى، وأعطانى نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدى: فو الله إنى لقاعد فى أهلى، إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا، قلت: ابنة حاتم؟ فإذا هى هى، فلما وقفت على انسحلت تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك، قلت: أى أخية، لا تقولى إلا خيرا، فو الله ما لى من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. ثم نزلت فأقامت عندى، فقلت لها، وكانت امراة حازمة: ماذا ترين فى أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يك ملكا فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت، قلت: والله، إن هذا للرأى.
ا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يك ملكا فلن تذل فى عز اليمن، وأنت أنت، قلت: والله، إن هذا للرأى. فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلت عليه، وهو فى مسجده، فسلمت عليه، فقال: «من الرجل؟» فقلت: عدى بن حاتم؛ فقام رسول الله ﷺ فانطلق بى إلى بيته، فو الله إنه لعامد بى إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه فى حاجتها؛ قال: قلت فى نفسى: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بى رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بى بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلى؛ فقال: «اجلس على هذه» ، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: «بل أنت» ، فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ بالأرض؛ فقلت فى نفسى: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: «إيه يا عدى بن حاتم! ألم تك ركوسيا؟» قلت: بلى، قال: «أولم تكن تسير فى قومك بالمرباع؟» قلت: بلى، قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك فى دينك» ؛ قلت: أجل والله، وعرفت أنه نبى مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: «لعلك يا عدى إنما يمنعك من الدخول فى هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه؛ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف؛ ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك
والسلطان فى غيرهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» «١» . قال: فأسلمت. وكان عدى يقول: مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن. قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وأيم الله لتكونن الثالثة، ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه.
وفد كندة «٢» وقدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس فى ثمانين راكبا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده، قد رجلوا جمعهم وتكحلوا، عليهم جباب [الحبرة] «٣» ، قد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: «ألم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال: «فما بال هذا الحرير فى أعناقكم؟» ، قال: فشقوه منها، فألقوه. ثم قال له الأشعث بن قيس «٤» : يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة ابن الحارث، وكانا إذا خرجا تاجرين فضربا فى بعض العرب فسئلا ممن هما؟ قالا: نحن آكل المرار، يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكا» . ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة، لا تقفو أمنا، ولا ننتفى من أبينا» «٥» . وقال جندب بن مكيث «٦» : لقد
رأيت رسول الله ﷺ يوم قدم وفد كندة عليه حلة يمانية يقال: إنها حلة ابن ذى يزن، وعلى أبى بكر وعمر مثل ذلك. وكان رسول الله ﷺ إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليه أصحابه بذلك.
ندة عليه حلة يمانية يقال: إنها حلة ابن ذى يزن، وعلى أبى بكر وعمر مثل ذلك. وكان رسول الله ﷺ إذا قدم عليه الوفد لبس أحسن ثيابه، وأمر عليه أصحابه بذلك.
وفد صداء وقدم على رسول الله ﷺ وفد صداء فى سنة ثمان، وذلك أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثا إلى اليمن، وهيأ بعثا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواء أبيض، ورفع له راية سوداء، وعسكر بناحية قناة فى أربعمائة من المسلمين، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول الله ﷺ رجل منهم وعلم بالجيش، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جئتك وافدا على من ورائى، فاردد الجيش وأنا لك بقومى، فرد رسول الله ﷺ قيس بن سعد من صدور قناة، وخرج الصدائى إلى قومه، فقدم على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلا منهم، فقال سعد ابن عبادة: يا رسول الله، دعهم ينزلوا على، فنزلوا عليه، فحياهم وأكرمهم وكساهم، ثم راح بهم إلى النبى ﷺ فبايعوه على الإسلام، وقالوا: نحن: لكن على من وراءنا من قومنا، فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل فى حجة الوداع. ذكر هذا الواقدى عن بعض بنى المصطلق. وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائى أنه الذى قدم على رسول الله ﷺ، فقال له: أردد الجيش، وأنا لك بقومى. فردهم. قال: وقدم وفد قومى، عليه، فقال لى: «يا أخا صداء، إنك لمطاع فى قومك» ، قال: قلت: بلى من الله ﷿ ومن رسوله، وكان زياد هذا مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره. قال: فاعتشى رسول الله ﷺ أى سار ليلا واعتشينا معه، وكنت رجلا قويا، قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه، ولزمت عرزه، فلما كان فى السحر قال: «أذن يا أخا صداء» ، فأذنت على راحلتى، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال: «يا
: فجعل أصحابه يتفرقون عنه، ولزمت عرزه، فلما كان فى السحر قال: «أذن يا أخا صداء» ، فأذنت على راحلتى، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال: «يا
أخا صداء، هل معك ماء؟» قلت: معى شىء فى إداوتى. فقال: «هاته» فجئت به، فقال: «صب» ، فصببت ما فى الإداوة فى القعب، وجعل أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفه على الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، ثم قال: «يا أخا صداء، لولا انى أستحى من ربى لسقينا واستقينا» ، ثم توضأ، وقال: «أذن فى صحابى. من كانت له حاجة بالوضوء فليرد» . قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم، فقال رسول الله ﷺ: «إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم» ، فأقمت، ثم تقدم رسول الله ﷺ فصلى بنا، وكنت سألته قبل أن يؤمرنى على قومى ويكتب لى بذلك كتابا، ففعل، فلما سلم يريد من صلاته قام رجل يتشكى من عامله، فقال: يا رسول الله، إنه أخذنا بدخول كانت بيننا وبينه فى الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله، أعطنى من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب، ولا نبى مرسل، حتى جزأها على ثمانية أجزاء، فإن كانت جزآ منها أعطيتك، وإن كنت عنها غنيا فإنما هو صداع فى الرأس وداء فى البطن» . فقلت فى نفسى: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غنى عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبلهما، فقال رسول الله ﷺ:
فقلت فى نفسى: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غنى عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبلهما، فقال رسول الله ﷺ: «ولم؟» قلت: إنى سمعتك تقول: «لا خير فى الإمارة لرجل مسلم وأنا مسلم» ، وسمعتك تقول: «من سأل من الصدقة وهو عنها غنى فإنما هى صداع فى الرأس وداء البطن» ، وأنا غنى. فقال رسول الله ﷺ: «أما إن الذى قلت كما قلت لك» ، فقتلهما رسول الله ﷺ ثم قال: دلنى على رجل من قومك استعمله، فدللته على رجل فاستعمله، قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان الصيف قل علينا فتفرقنا على المياه، والإسلام اليوم فينا قليل، ونحن نخاف، فادع الله ﷿ لنا فى بئرنا. فقال رسول الله ﷺ: «ناولنى سبع حصيات» ، فناولته فعركهن بيده، ثم دفعهن إلى، وقال: «إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة وسم الله» . قال: ففعلت، فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة «١» .
وفد غسان «١» وقدم على رسول الله ﷺ وفد غسان. قالوا أو من قاله منهم فيما ذكر الواقدى عنهم: قدمنا على رسول الله ﷺ فى رمضان سنة عشر، ونحن ثلاثة نفر، فلما كنا برأس الثنية لقينا رجل على فرس متنكب قوسا، فحيانا بتحية الإسلام، فرددنا عليه تحيتنا، فقال: من أنتم؟ قلنا: رهط من غسان، قد قدمنا على محمد نسمع من كلامه ونرتاد لقومنا، قال: فانزلوا حيث ينزل الوفد، قلنا: وأين ينزل الوفد؟ قال: دار رملة بنت الحارث، ويقال: الحارث، ثم ائتوا رسول الله ﷺ فكلموه، قلنا: ونقدر عليه كلما أردنا؟ قال: فتبسم، فقال: أى لعمرى، إنه ليطوف بالأسواق ويمشى وحده، وكنا قوما نسمع كلام النصارى وصفتهم رسول الله ﷺ، وأنه يمشى وحده لا شرطة معه، ويرعب من يراه منهم، فقلنا للرجل: من أنت لك الجنة؟ قال: أنا أبو بكر بن أبى قحافة، فقلنا: أنت فيما يزعم النصارى تقوم بهذا الأمر بعده، قال أبو بكر: الأمر إلى الله ﷿، ثم قال: كيف تخدعون عن الإسلام وقد خبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء؟ قلنا: هو ذاك، فمضى ومضينا نسأل عن دار رملة حتى انتهينا إليها فنصادف وفودا من العرب كلهم مصدق بمحمد ﷺ، فقلنا فيما بيننا: أترانا شر من نزى من العرب؟ ثم خرجنا حتى نلقى رسول الله ﷺ عند باب المسجد واقفا، فأمدنا ببصره، وقال: «أنتم الغسانيون؟» قلنا: نعم، قال: «قدمتم مرتادين لقومكم فما انتفعتم بعلم من كان معكم من أهل الكتاب» . قلنا: يا محمد، لم نر أحدا منهم اتبعك، فوقفنا عنك لذلك، ونحن الآن على غير ما كنا عليه، فالإم تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وخلع ما دعى من دونه، وأنى رسول الله» . قال قائلهم: فمن معك من اتباعك؟ قال: «الله جل وعز معى والملائكة: جبريل وميكائيل، والأنبياء، وصالح المؤمنين» ، ثم التفت ونظر إلى عمر، ولم ير أبا بكر، فقال: «هذا وصاحبه» ، قلنا: ابن أبى قحافة؟ قال: «نعم» ، قلنا: إنك لتأوى إلى ركن شديد، وقد صدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق، ولا ندرى أيتبعنا قومنا أم لا، وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر «٢» . ثم أسلموا، وأجازهم رسول الله ﷺ بجوائز، وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم،
به حق، ولا ندرى أيتبعنا قومنا أم لا، وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر «٢» . ثم أسلموا، وأجازهم رسول الله ﷺ بجوائز، وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم،
فلم يستجيبوا لهم، وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقى أبا عبيدة فخبره بإسلامه، فكان يكرمه.
وفد سلامان «١» وذكر الواقدى أيضا بإسناد له: أن خبيب بن عمرو السلامانى كان يحدث قال: قدمنا وفد سلامان على رسول الله ﷺ، ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله ﷺ خارجا منه إلى جنازة دعى إليها، فلما رأيناه قلنا يا رسول الله، السلام عليك. فقال رسول الله ﷺ: «وعليكم السلام، من أنتم؟» قلنا: نحن من سلامان، قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فالتفت إلى ثوبان غلامه، فقال: «أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد» ، فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب، وإذا هى دار رملة بنت الحارث النجارية، فلما سمعنا أذان الظهر خرجنا إلى الصلاة، فقمنا على باب رسول الله ﷺ حتى خرج إلى المسجد، فصلى بالناس وهو يتصفحنا، ودخل بيته فلم يلبث أن خرج، فجلس فى المسجد بين المنبر وبين بيته، وجلست عليه أصحابه، عن يمينه وعن شماله، فرأيت رجلا هو أقرب القوم منه، يكثر ما يلتفت إليه، ويحدثه. فسألت عنه، فقيل: أبو بكر بن أبى قحافة، وجئنا فجلسنا تجاه وجهه، وجعل الوفد يسألونه عن شرائع الإسلام، فلم يكد سائلهم يقطع حتى خشيت أن يقوم رسول الله ﷺ فقلت: إنا نريد ما تريد، فتبسم رسول الله ﷺ وأسكت السائل، فقلت: أى رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال: «الصلاة فى وقتها» ، ثم ذكر حديثا طويلا.
رسول الله ﷺ فقلت: إنا نريد ما تريد، فتبسم رسول الله ﷺ وأسكت السائل، فقلت: أى رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال: «الصلاة فى وقتها» ، ثم ذكر حديثا طويلا. قال: ثم جاء بلال، فأقام الصلاة، فقام رسول الله ﷺ، فصلى بالناس العصر، فكانت صلاة العصر أخف فى القيام من الظهر، ثم دخل بيته، فلم ينشب أن خرج فجلس فى مجلسه الأول، وجلس معه أصحابه، وجئنا فجلسنا، فلما رآنى قال: «يا أخا سلامان» ، قلت: لبيك، قال: «كيف البلاد عندكم؟» قلت: أى رسول الله، مجدبة، وما لنا خير من البلاد، فادع الله أن يسقينا فى بلادنا، فنقر فى أوطاننا ولا نسير إلى بلاد غيرنا، فإن النجع تفرق الجميع وتشتت الديار. فقال رسول الله ﷺ بيده: «اللهم اسقهم الغيث فى
ديارهم» ، فقلت: يا رسول الله، ارفع يديك، فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسو الله ﷺ، ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام وقمنا عنه، فأقمنا ثلاثا وضيافته تجرى علينا، ثم ودعناه، وأمر لنا بجوائز، فأعطينا خمس أواقى، لكل رجل منا، واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا مال اليوم، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه، ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت فى اليوم الذى دعا فيه رسول الله ﷺ فى تلك الساعة «١» . قال الواقدى: وكان مقدمهم على رسول الله ﷺ فى شوال سنة عشر.
وفد بنى عبس قال: وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، وهى معايشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له فلا خير فى أموالنا، بعناها وهاجرنا من آخرنا، فقال رسول الله ﷺ: «اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم الله من أعمالكم شيئا» ، وسألهم رسول الله ﷺ عن خالد بن سنان، هل له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له، كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله ﷺ يحدث أصحابه عن خالد بن سنان، فقال: «نبى ضيعه قومه» «٢» .
عن خالد بن سنان، هل له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له، كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله ﷺ يحدث أصحابه عن خالد بن سنان، فقال: «نبى ضيعه قومه» «٢» .
وفد الأزد ووفد جرش» قال ابن إسحاق «٤» : وقدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدى، فأسلم، وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد، فأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه. وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله ﷺ حتى نزل بجرش، وهى يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت إليها خثعم، فدخلوها معهم حين
سمعوا بمسير رسول الله ﷺ إليهم، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه رجع عنهم قافلا، حتى إذا كان إلى جبل يقال له: شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزما، فخرجوا فى طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم، فقتلهم قتلا شديدا. وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبينما هما عند رسول الله ﷺ عشية بعد العصر، إذ قال رسول الله ﷺ: «بأى بلاد الله شكر؟» فقال الجرشيان: ببلادنا جبل يقال له: كشر وكذلك يسميه أهل جرش فقال: «إنه ليس بكشر، ولكنه شكر» ، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: «إن بدن الله لتنحر عنده الآن» ، فجلس الرجلان إلى أبى بكر أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله ﷺ الآن لينعى لكما قومكما، فقوموا فاسألاه أن يدعو الله ان يرفع عن قومكما؛ فقاما إليه، فسألاه عن ذلك، فقال: «اللهم ارفع عنهم» ، فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما، فوجدوا قومهما أصابهم صرد بن عبد الله فى اليوم الذى قال فيه رسول الله ﷺ ما قال: وفى الساعة التى ذكر فيها ذكر «١» . فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله ﷺ فأسلموا، وحمى لهم حمى حول قريتهم، على أعلام معلومة، للفرس والراحلة وللميرة، بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت. فقال فى تلك الغزوة رجل من الأزد، وكانت خثعم تصيب من الأزد فى الجاهلية، وكانوا يعدون فى الشهر الحرام «٢» : يا غزوة ما غزونا غير خائبة ... فيها البغال وفيها الخيل والحمر حتى أتينا حميرا فى مصانعها ... وجمع خثعم قد شاعت لها النذر إذا وضعت غليلا كنت أحمله ... فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا
وفد غامد قال الواقدى: وقدم على رسول الله ﷺ وفد غامد سنة عشر، وهم عشرة، فنزلوا فى
ا النذر إذا وضعت غليلا كنت أحمله ... فما أبالى أدانوا بعد أم كفروا
وفد غامد قال الواقدى: وقدم على رسول الله ﷺ وفد غامد سنة عشر، وهم عشرة، فنزلوا فى
بقيع الغرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى رسول الله ﷺ وخلفوا فى رحلهم أحدثهم سنا، فنام عنه، وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له، وانتهى القوم إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام، وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وقال لهم: «من خلفتم فى رحالكم؟» قالوا: أحدثنا يا رسول الله، قال: «فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم» ، فقال أحد القوم: يا رسول الله، ما لأحد من القوم عيبة غيرى. فقال رسول الله ﷺ: «قد أخذت، وردت إلى موضعها» فخرج القوم سراعا حتى أتو رحلهم، فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما خبرهم رسول الله ﷺ، فقال: فزعت من نومى ففقدت العيبة، فقمت فى طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآنى ثار يعدو منى، فانتهيت إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها، وأنها قد ردت، فرجعوا إلى النبى فأخبروه، وجاء الغلام الذى خلفوه فأسلم. وأمر النبى ﷺ أبى بن كعب «١» ، فعلمهم قرآنا، وأجازهم ﷺ كما كان يجيز الوفود، وانصرفوا.
وفد بنى الحارث بن كعب «٢» قال ابن إسحاق «٣» : وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد بن الوليد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه،
بن الوليد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه،
فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وبذلك كان أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد إلى رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبى رسول الله من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو: أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتنى إلى بنى الحارث بن كعب، وأمرتنى إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم، وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتللهم، وإنى قدمت عليهم، فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، كما أمرنى رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانا، فقالوا: يا بنى الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، آمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عن ما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبى ﷺ حتى يكتب إلى رسول الله ﷺ، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فكتب إليه رسول الله ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبى، رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءنى مع رسولك يخبر أن بنى الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» . فأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم قيس بن الحصين «١» ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان «٢» ، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادى «٣» ، وشداد بن عبد الله القنانى «٤» ، وعمرو بن عبد الله الضبابى «٥» ، فلما قدموا
على رسول الله ﷺ فرآهم قال: «من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟» يعنى فى الطول والسمرة قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب، فلما وقفوا عليه سلموا، وقالوا: نشهد أنك لرسول الله، وأنه لا إله إلا الله؛ قال: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله» ، ثم قال: «أنتم الذين إذا زجروا استقدموا» ، فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم، يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استدقموا، قالها أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ: «لو أن خالدا لم يكتب إلى بأنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤسكم تحت أقدامكم» . فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: «فمن حمدتم؟» قالوا: حمدنا الله الذى هدانا بك يا رسول الله، قال: «صدقتم» ، ثم قال رسول الله ﷺ: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم فى الجاهلية» ؟ قالوا: لم نك نغلب أحدا؛ قال: «بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم» . قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله، إنا كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدا بظلم؛ قال: «صدقتم» . وأمر رسول الله ﷺ على بنى الحارث بن كعب قيس بن الحصين «١» . فرجع وفد بنى الحارث إلى قومهم فى بقية شوال أو فى صدر ذى القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفى رسول الله ﷺ. وقد كان رسول الله ﷺ بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم «٢» ، ليفقههم فى الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب لهم كتابا
وقد كان رسول الله ﷺ بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم «٢» ، ليفقههم فى الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب لهم كتابا
عهد إليه فيه عهده، وأمره فيه أمره: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] ، عهد من محمد النبى رسول الله، ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله فى أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا. والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذى لهم، والذى عليهم، ويلين للناس فى الحق، ويشتد عليهم فى الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويتألف الناس حتى يفقهوا فى الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وما أمر الله به، والحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة وينهى الناس أن يصلى أحد فى ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثنى طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يجتبى أحد فى ثوب واحد يفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه فى قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، ولتكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له.
إلى السماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه فى قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، ولتكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله، ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحوا برؤسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والسجود يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس فى الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم فى السماء، والعشاء أول الليل، وأمره بالسعى إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين فى الصدقة من العقار عشر ما سقت السماء وسقت العين، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفى كل عشر من الإبل شاتان، وفى كل عشرين أربع شاة، وفى كل أربعين من البقر بقرة، وفى كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفى كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة، فإنها فريضة الله التى افترض على المؤمنين فى الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، وإنه من أسلم من يهودى أو نصرانى إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها أى لا يفتن وعلى كل حالم: ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار واف أو عوضه ثيابا.
فمن أدى ذلك، فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك، فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» «١» .
ن أدى ذلك، فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منع ذلك، فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته» «١» .
وفد بنى حنيفة «٢» وقدم على رسول الله ﷺ وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب الحنفى الكذاب. قال ابن إسحاق «٣» : فحدثنى بعض علمائنا من أهل المدينة: أن بنى حنيفة أتت به رسول الله ﷺ تستره بالثياب، ورسول الله جالس فى أصحابه، معه عسيب من سعف النخل، فى رأسه خوصات؛ فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب، كلمه وسأله، فقال رسول الله ﷺ: «لو سألتنى هذا العسيب ما أعطيتكه» «٤» . قال: وقد حدثنى شيخ من بنى حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا. زعم أن وفد بنى حنيفة اتوا رسول الله ﷺ وخلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا أو فى ركابنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله ﷺ بمثل ما أمر به للقوم، وقال: «أما إنه ليس بشركم مكانا» أى لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذى يريد رسول الله ﷺ «٥» . قال: ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاؤه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إنى قد أشركت فى الأمر معه، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له: «أما إنه ليس بشركم مكانا» ؟ ما ذاك إلا لما كان يعلم إنى قد أشركت فى الأمر معه؛ ثم جعل يسجع لهم، ويقول فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله
صلى الله عليه وسلم بأنه نبى، فأصفقت معه حنيفة على ذلك. فالله أعلم أى ذلك كان «١» . وذكر الواقدى إنه قدم فى وفد بنى حنيفة الرحال بن عنفوة، وأنه كان أيام مقام الوفد يختلف إلى أبى كعب، يتعلم القرآن وشرائع الإسلام، حتى كان الرحال عندهم أفضل من كان وفد عليهم لما يرون من حرصه، فلما تنبأ مسيلمة بعد وفاة رسول الله ﷺ له الرحال بن عنفوة أن رسول الله ﷺ أشركه فى الأمر، فافتتن الناس.
وفد همدان قال ابن هشام «٢» : وقدم وفد همدان على رسول الله ﷺ فيهم مالك بن نمط، وأبو ثور، وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السلمانى، وعميرة ابن مالك الخارقى، فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات، والعمائم العدنية، برحال الميس على المهرية والأرحبية، ومالك بن نمط ورجل آخر يرتجزان بالقوم، يقول أحدهما: همدان خير سوقة وأقيال ... ليس لها فى العالمين أمثال «٣» محلها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطابات وآكال «٤» ويقول الآخر: إليك جاوزن سواد الريف ... فى هبوات الصيف والخريف مخطمات بحبال الليف «٥» فقام مالك بن نمط «٦» بين يديه، ثم قال: يا رسول الله، نصيّة من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف، ويام وشاكر، أهل السواد والقود، أجابوا دعوة الرسول
كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارف، ويام وشاكر، أهل السواد والقود، أجابوا دعوة الرسول
وفارقوا آلهات الأنصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بصلع. فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من رسول الله لمخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وخقاف الرمل، مع وافدها ذى المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها ووهاطها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار» «١» . فقال فى ذلك مالك بن نمط «٢» : ذكرت رسول الله فى فحمة الدجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد وهن بنا خوض طلائع تغتلى ... بركبانها فى لا حب متمدد على كل فتلاء الذراعين جسرة ... تمر بنا مرا لهجف الخفيدد حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادى بالركبان من ظهر قردد بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذى العرش مهتد فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفى المهند
وفد النخع قال الواقدى: وقدم على رسول الله وفد النخع، وهم آخر وفد، قدموا للنصف من المحرم سنة إحدى عشرة من الهجرة، فى مائتى رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ ابن جبل باليمن. فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو «٣» : يا رسول الله إنى رأيت فى سفرى هذا عجبا، قال: «وما رأيت» ؟ قال: رأيت أتانا تركتها فى الحى كأنها ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ: «هل تركت أمة لك مصرة على حمل» ؟ قال: نعم، قال: «فإنها قد



