— Bagian 2 · حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى، وقدم إليها ر… —
Bagian 2
حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى، وقدم إليها رأسه فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذى فى المقام من ذلك. قال أبو الجهم: فقد رأيت موضع العقب والإصبع.
وعن الواقدى من غير حديث أبى الجهم أن أبا سعيد الخدرى سأل عبد الله بن سلام عن الأثر الذى فى المقام، فقال: كانت الحجارة على ما هى عليه اليوم إلا أن الله جل ثناؤه، أراد أن يجعل المقام آية من آياته. قال أبو الجهم: فلما فرغت يعنى المرأة، من غسل رأس إبراهيم ﵇، قال لها: إذا جاء إسماعيل فقولى له: أثبت عتبة بابك فإن صلاح المنزل العتبة. فلما جاء إسماعيل قال: هل جاءك أحد بعدى؟ فأخبرته بإبراهيم وما صنعت به، ثم قال لها: هل قال لك أن تقولى لى شيئا؟ قالت: قال لى أثبت عتبة بابك فإن صلاح المنزل العتبة. ففرح إسماعيل وقال: أتدرين من هو؟ قالت: لا. قال: هذا خليل الله إبراهيم أبى، وأما قوله: «أثبت عتبة بابك» فقد أمرنى أن أقرك وقد كنت على كريمة وقد ازددت على كرامة. فصاحت وبكت، فقال: ما لك؟ قالت: ألا أكون علمت بمن هو فأكرمه وأصنع به غير الذى صنعت! فقال لها إسماعيل: لا تبكى ولا تجزعى فقد أحسنت ولم تكونى تقدرين أن تفعلى فوق الذى فعلت، ولم يكن ليزيدك على الذى صنع بك. فولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت «١» . فلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة، أوحى الله جل ثناؤه إلى إبراهيم أن ابن لى بيتا. قال إبراهيم: أى رب أين أبنيه؟. فأوحى الله إليه: أن اتبع السكينة، وهى ريح لها وجه وجناحان ومع إبراهيم الملك والصرد. فانتهوا بإبراهيم إلى مكة، فنزل إسماعيل إلى الموضع الذى بوأه الله جل وعز، لإبراهيم، وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها. فحفر إبراهيم وإسماعيل ﵉ وليس معهما غيرهما، أساس البيت، يريدان أساس آدم الأول.
فحفرا عن ربض البيت يعنى حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم ثم بنى عليه، وحلقت السكينة كأنها سحابة، على موضع البيت، فقالت: ابن علىّ. فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبدا، كافر ولا جبار، إلا رأيت عليه السكينة. فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، فجعل طوله فى السماء تسع أذرع، وعرضه ثلاثين ذراعا، وطوله فى الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع فى البيت، وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل. وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض، ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه خزانة للبيت، يلقى فيها ما أهدى للبيت وجعل الركن علما للناس. فذهب إسماعيل إلى الوادى يطلب حجرا، ونزل جبريل بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض، كما رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بالحجر من الوادى فوجد إبراهيم قد وضع الحجر، فقال: من أين هذا؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلنى إليك ولا إلى حجرك «١» . وعن الواقدى أيضا من غير حديث أبى الجهم، أن يزيد بن رومان، قال: سمعت ابن الزبير يقول: إن إبراهيم ﵇ ابتغى الحجر، فناداه من فوق أبى قبيس: ألا أنا هذا. فرقى إليه إبراهيم فأخذه، فوضعه موضعه الذى هو فيه اليوم. وكان الله جل ثناؤه لما غرقت الأرض استودع أبا قبيس الركن، وقال: إذا رأيت خليلى يا بنى لى بيتا فأعطه الركن فأعطاه الركن. وعن غير ابن الزبير أن أبا قبيس لذلك كان يسمى فى الجاهلية الأمين، لوفائه بما استودعه الله إياه.
ا رأيت خليلى يا بنى لى بيتا فأعطه الركن فأعطاه الركن. وعن غير ابن الزبير أن أبا قبيس لذلك كان يسمى فى الجاهلية الأمين، لوفائه بما استودعه الله إياه.
قال أبو جهم: ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر فى البيت، جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل، فلما كانت قريش قصر الخشب عليهم، فأخرجوا الحجر، وكان ما أخرجوا منه سبعة أذرع. وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذن فى الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتى؟! قال الله جل ثناؤه: أذّن وعلىّ البلاغ. فارتفع على المقام وهو يومئذ ملصق بالبيت، فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه فى أذنيه، وأقبل بوجهه شرقا وغربا، يقول: أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم ﷿. فأجابه من تحت البحور السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف الأرض كلها: لبيك اللهم لبيك. أفلا تراهم يأتون يلبون؟! فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله ﷿. وذلك قول الله جل ثناؤه: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: ٩٧] يعنى نداء إبراهيم على المقام بالحج فهى الآية. قال الواقدى: وقد روى أن الآية هى أثر إبراهيم على المقام. قال أبو الجهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليها الحجارة، ففعل إبراهيم ذلك، وكان أول من أقام أنصاب الحرم، ويريه إياها جبريل. فلما كان اليوم السابع من ذى الحجة، خطب إبراهيم ﵇ بمكة، حين زاغت الشمس قائما، وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين، مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية. فأتيا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا فى الجانب الأيمن، ثم أقام حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج يمشى هو وإسماعيل حتى أتيا
يا منى فصليا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا فى الجانب الأيمن، ثم أقام حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج يمشى هو وإسماعيل حتى أتيا
عرفة، وجبريل معهما يريهما الأعلام، حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: قد عرفت: فسميت عرفات. فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل ﵇، حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات، وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر، ثم ارتفع بهما إلى الهضاب، فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما، حتى انتهيا إلى جمع فنزلا، فصلى إبراهيم المغرب والعشاء فى ذلك الموضع الذى يصلى فيه اليوم، ثم باتا حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفر قبل طلوع الشمس دفعا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فى الجانب الأيمن، ثم ذبحا فى المنحر اليوم، وحلقا رؤسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين تزيغ الشمس ماشيين ذاهبين وراجعين، وصدرا يوم الصدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل ﵇. قال أبو الجهم: فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، فكان يحج البيت كل عام، وحجته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط، والأنبياء هلم جرا. وحجه موسى بن عمران ﵇. روى الواقدى بإسناد له عن ابن عباس قال: مر موسى ﵇، بصفاح الروحاء يلبى، تجاوبه الجبال، عليه عباءتان قطوانيتان من عباء الشام. وعن جابر بن عبد الله قال: حج هارون نبى الله البيت، فمر بالمدينة يريد الشام، فمرض بالمدينة فأوصى أن يدفن بأصل أحد، ولا تعلم به يهود، مخافة أن ينبشوه فدفنوه فقبره هناك. وعن ابن عباس، أن الحواريين كانوا إذا بلغوا الحرم نزلوا يمشون حتى يأتوا البيت. وعن ابن الزبير: أن الحواريين خلعوا نعالهم حين دخلوا الحرم، إعظاما أن ينتعلوا فيه.
اس، أن الحواريين كانوا إذا بلغوا الحرم نزلوا يمشون حتى يأتوا البيت. وعن ابن الزبير: أن الحواريين خلعوا نعالهم حين دخلوا الحرم، إعظاما أن ينتعلوا فيه. ثم توفى الله خليله إبراهيم ﷺ، بعد أن وجه إليه ملك الموت، فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله قبضه، فأخبره بما أمر به، فسلم إبراهيم لأمر ربه ﷿ فقال له ملك الموت: يا خليل الله، على أى حال تحب أن أقبضك؟ قال: تقبضنى وأنا ساجد، فقبضه وهو ساجد، وصعد بروحه إلى الله ﷿، ودفن إبراهيم ﵇ بالشام «١» .
وعاش إسماعيل ﵇ بعد أبيه ما عاش، وتوفى بمكة، فدفن داخل الحجر، مما يلى باب الكعبة، وهنالك قبر أمه هاجر، ودفن معها وكانت توفيت قبله. ولما توفى إسماعيل ﵇، ولى البيت بعده ابنه نابت، ولم يله أحد من ولده غيره. ثم مات فدفن فى الحجر مع أمه رعلة بنت مضاض. فولى البيت بعده جده مضاض بن عمرو، ثم أخواله من جرهم، وقاموا عليه، فكانوا هم ولاته وحجابه وولاة الأحكام بمكة. وكان البيت قد دخله السيل من أعلى مكة فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم، وجعلت له مصراعين وقفلا. قال ابن إسحاق: ثم إن جرهما وقطوراء بغى بعضهم على بعض وتنافسوا الملك بها، ومع مضاض يومئذ إسماعيل وبنو نابت وإليه ولاية البيت دون السميدع. فسار بعضهم إلى بعض، فخرج مضاض من قعيقعان فى كتيبته سائرا إلى السميدع، ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب يقعقع بذلك معه. فيقال: ما سمى قعيقعان قعيقعان إلا لذلك. وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال. فيقال: ما سمى أجياد أجيادا إلا لخروج الجياد من الخيل مع السميدع منه «١» . وغير ابن إسحاق يقول: إنما سمى أجياد لأن مضاضا ضرب فى ذلك الموضع أجياد مائة رجل من العمالقة. وقيل: بل أمر بعض الملوك غير مسمى بضرب رقاب فيه، فكان يقول لسيافه: توسط الأجياد. وهذا ونحوه أصح فى تسمية الموضع بأجياد، مما قال ابن إسحاق. قال: فالتقوا بفاضح «٢» ، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع وفضحت قطوراء. فيقال: ما سمى فاضح فاضحا إلا بذلك.
تسمية الموضع بأجياد، مما قال ابن إسحاق. قال: فالتقوا بفاضح «٢» ، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع وفضحت قطوراء. فيقال: ما سمى فاضح فاضحا إلا بذلك.
ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ «١» شعبا بأعلى مكة، فاصطلحوا به وأسلموا الأمر إلى مضاض. فلما رجع إليه أمر مكة فصار ملكها له، نحر للناس وأطعمهم، فاطبخ الناس وأكلوا. فيقال: ما سميت المطابخ إلا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت بذلك لما كان تبع نحر بها وأطعم، وكان منزله. فكان الذى كان بين مضاض والسميدع أول بغى كان بمكة، فيما يزعمون. ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك، لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال. فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل، انتشروا فى البلاد، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم. ثم إن جرهم بغوا بمكة، واستحلوا [خلالا] «٢» من الحرمة، وظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذى يهدى لها، فرق أمرهم. فلما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشان من خزاعة، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بالحرب. فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة. وكانت مكة فى الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا، ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه. فيقال: ما سميت ببكة «٣» ، إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا.
رجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه. فيقال: ما سميت ببكة «٣» ، إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا.
فلم يزل أهلها على وجه الدهر يصونون جنابها ويحافظون على حرمتها. يقال: إنه اجتمع رأى بنى إسماعيل وخيارهم على أن لا يدعوا أحدا أحدث فى حرم الله حدثا إلا غربوه منه، ثم لم يرجع فيه. ويقال: بل كان ذلك مما سن لهم أولوهم، فصارت سنة فيهم يدينون بها، ثم خلف من خلف بعدهم على ذلك، يرون فيه رأيهم، وتكبر مواقعة الظلم فى حرم الله والتعدى به فى نفوسهم، ويعتقدون أن الباغى فيه معاقب فى دنياه فى نفسه وماله، وأن الحالف عند البيت حانثا مخوف عليه مما أصاب قبله ممن فعل فعله، وأن دعاء المظلوم عنده وخصوصا فى الشهر الحرام مجاب فى ظالمه، ويوثرون فى ذلك أشياء أراها الله إياهم، صونا لحرمه الكريم، وتنزيها لبيت خليله إبراهيم. ذكر الواقدى من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، قال: عدا رجل من بنى كنانة بن هذيل على ابن عم له وظلمه واضطهده فناشده بالرحم وعظم عليه، فأبى إلا ظلمه، فقال: والله لألحقن بحرم الله فى هذا الشهر، ولأدعون الله عليك. فقال له ابن عمه مستهزئا به: هذه ناقتى فلانة، فأنا أفقرك ظهرها فاذهب فاجتهد. فأعطاه ناقة، وخرج حتى جاء الحرم فى الشهر الحرام، فقال: اللهم إنى أدعوك جاهدا مضطرا على ابن عمى فلان، ترميه بداء لا دواء له. ثم انصرف، فيجد ابن عمه قد رمى فى بطنه فصار مثل الزق، فمازال ينتفخ حتى انشق. قال عبد المطلب: لحدثت بهذا الحديث ابن عباس، فقال: أنا رأيت رجلا دعا على ابن عم له بالعمى، يعنى فى الحرم، فرأيته يقاد أكمة العميان. وعن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يسأل رجلا من بنى سليم عن ذهاب بصره. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، كنا فى بنى ضبعاء عشرة، وكان لنا ابن عم، فكنا نظلمه ونضطهده، فكان يذكرنا بالله والرحم، وكنا أهل بيت نرتكب كل الأمور، فلما رأى ابن عمنا أنا لا نكف عنه ولا نرد إليه ظلامته، أمهل حتى دخلت الأشهر الحرم، انتهى إلى الحرم فجعل يرفع يديه إلى الله جل ثناؤه، ويقول: لاهم «١» أدعوك دعاء جاهدا ... اقتل بنى الضبغاء إلا واحدا
ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا ... أعمى إذا قيد يعنى القائدا قال: فمات إخوتى تسعة فى تسعة أشهر، فى كل شهر واحد، وبقيت أنا، فعميت، ورمانى الله ﷿ فى رجلى، وكمهت فليس يلائمنى قائد. قال ابن عباس: فسمعت عمر يقول: سبحان الله إن هذا لهو العجب! قال: وسمعت عمر يسأل ابن عمهم الذى دعا عليهم، فقال: دعوت عليهم كل ليلة رجب الشهر كله بهذا الدعاء، فأهلكوا فى تسعة أشهر وأصاب الباقى ما أصابه. قال ابن عباس: وعدا رجل على ابن عم له فاستاق ذودا له، فخرج يطلبه حتى أصابه فى الحرم، فقال: ذودى. فقال اللص: كذبت ليس لك. قال: فاحلف. قال: إذا أحلف. فحلف عند المقام بالله الخالق رب هذا البيت ما هن لك. فقيل له: لا سبيل لك عليه. فقام رب الذود بين الركن والمقام باسطا يديه يدعو على صاحبه، فما برح مقامه يدعو عليه حتى دله فذهب عقله، فجعل يصيح بمكة: ما لى وللذود، ما لى ولفلان رب الذود. فبلغ ذلك عبد المطلب، فجمع الذود فدفعها إلى المظلوم فخرج بها، وبقى الآخر مدلها حتى تردى من جبل فمات فأكلته السباع. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يقول: لو وجدت قاتل الخطاب فى الحرم ما هجته. وكان يقول: لأن أذنب بركبة سبعين ذنبا أحب إلى من أن أذنب ذنبا واحدا فى الحرم. وركبه خارج الحرم، محاذية لذات عرق. وذكر رضى الله عنه، يوما وهو خليفة ما كان يعاقب به من حلف ظلما، يعنى فى الحرم، زمن الجاهلية، فقال: إن الناس ليرتكبون ما هو أعظم منها ثم لا يعجل لهم من العقوبة مثل ما كان يعجل لأولئك، فما ترون ذلك؟ فقالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال: إن الله جل ثناؤه، جعل فى الجاهلية، إذ لا دين حرمة حرمها وعظمها وشرفها، وجعل العقوبة لمن استحل شيئا مما حرم، ليتنكب عن انتهاك ما حرم مخافة
منين. قال: إن الله جل ثناؤه، جعل فى الجاهلية، إذ لا دين حرمة حرمها وعظمها وشرفها، وجعل العقوبة لمن استحل شيئا مما حرم، ليتنكب عن انتهاك ما حرم مخافة
تعجيل العقوبة، فلما بعث الله رسوله ﷺ أو عدهم فيما انتهكوا مما حرم الساعة، فقال: وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [القمر: ٤٦] . فأخر العقاب إلى يوم القيامة، وأراهم الله الاستجابة بعضهم لبعص ليتناهوا عن الظلم، وأخر أهل الإسلام ليوم الجمع، ويستجب الله لمن يشاء، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين. ومن المشهور فى هذا الباب أمر إساف ونائلة، وهما صنما قريش اللذان أقاموهما على زمزم ينحرون عندهما. ذكروا أنهما كان رجلا وامرأة من جرهم، إساف بن بغى، ونائلة بنت ديك، فوقع إساف على نائلة فى الكعبة، فمسخهما الله حجرين. ويقال: أحدثا فيها فمسخهما الله؛ فالله أعلم. وأمرهما معدود فيما بلغت إليه جرهم من الاستخفاف بحرمة الحرم وقلة مبالاتهم بالبغى فيه، مع ما أراهم الله من عظيم الآية بمسخهما حجرين، فما نهاهم ذلك عن قبيح ما كانوا عليه، حتى أخرجهم الله عن جوار بيته بأيدى آخرين من عباده، فكان من أمرهم مع خزاعة ما كان. فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغزالى الكعبة وبحجر الركن فدفنها فى زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن، وحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا. فقال عمرو بن الحارث بن مضاض فى ذلك، وليس بمضاض الأكبر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «١» بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالى والجدود العواثر «٢» وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحى غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
عد نابت ... بعز فما يحظى لدينا المكاثر ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحى غيرنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فإن تنثنى الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجرى المقادر أقول إذا نام الخلى ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدلت منها أو جها لا أحبها ... قبائل منها حمير ويحابر وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة ... بذلك عضتنا السنون الغوابر فسحت دموع العين تبكى لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر وتبكى لبيت ليس يؤذى حمامه ... يظل به أمنا وفيه العصافر وفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر وقال عمرو بن الحارث أيضا يذكر بكرا وغبشان وساكنى مكة الذين خلفوا فيما بعدهم: يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا حثوا المطى وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا قال ابن هشام: هذا ما صح له منها، وحدثنى بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل فى العرب، وأنها وجدت مكتوبة فى حجر باليمن ولم يسم لنا قائلها «١» . ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بنى بكر بن عبد مناة. وغبشان لقب، واسمه الحارث، وخزاعة يقال: إنهم من ولد قمعة بن إلياس بن مضر، وأن أباهم عمرو بن لحى، هو عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف، وخزاعة يأبون هذا النسب، ويقولون: إنهم من ولد كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن غسان. وقد روى أن رسول الله ﷺ قال: «أريت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار، فسألته عمن بينى وبينه من الأمم، فقال: هلكوا» «٢» .
فقيل له: ومن عمرو بن لحى؟ قال: أبو هؤلاء الحى من خزاعة، وهو أول من غير الحنيفية دين إبراهيم، وأول من نصب الأوثان حول الكعبة «١» . فإن كان رسول الله ﷺ قال هذا، فرسول الله أعلم وما قال فهو الحق. وعمرو بن ربيعة الذى تنتسب إليه خزاعة يقال: هو عمرو بن لحى، وإن حارثة بن ثعلبة بن عمرو خلف على أم لحى، ولحى هو ربيعة، بعد أن تأيمت من قمعة، ولحى صغير، فتبناه حارثة وانتسب إليه. فيكون النسب على هذا صحيحا بالوجهين، إلى قمعة بالولادة وفق ما روى أن رسول الله ﷺ قاله، وإلى حارثة بن ثعلبة بالتبنى، والانتساب به موجود كثيرا فى العرب. فلما وليت خزاعة البيت حفظوه مما كانت جرهم استباحته، وتوافروا على تعظيمه والذب عنه، وكان الذى يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشانى، ثم قومه من بعده، وقريش إذ ذاك حلول وصرم «٢» متقطعون وبيوتات متفرقون فى قومهم من بنى كنانة. فأقامت خزاعة على ولاية البيت، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى. وبعده انتقلت ولاية البيت إلى قصى بن كلاب. وكان من حديث قصى «٣» أنه لما هلك أبوه كلاب بن مرة، خلف ولديه زهرة وقصيا، مع أمهما فاطمة بنت سعد بن سيل من عذرة، وزهرة يومئذ رجل، وقصى فطيم، فقدم مكة بعد مهلك كلاب حاج مع قضاعة فيهم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد كبير بن عذرة، فتزوج فاطمة بنت سعد فاحتملها إلى بلاده، فاحتملت ابنها قصيا لصغره، وأقام زهرة فى قومه. فولدت فاطمة لربيعة رزاحا، فكان أخا قصى لأمه، وكان لربيعة بنون ثلاثة من امرأة أخرى، وهم: حن ومحمود وجلهمة، بنو ربيعة.
قصيا لصغره، وأقام زهرة فى قومه. فولدت فاطمة لربيعة رزاحا، فكان أخا قصى لأمه، وكان لربيعة بنون ثلاثة من امرأة أخرى، وهم: حن ومحمود وجلهمة، بنو ربيعة.
وأقام قصى بأرض قضاعة لا ينسب إلا إلى ربيعة بن حرام. فناضل يوما رجلا من قضاعة يدعى رفيعا، فنضله قصى، وهو يومئذ شاب، فغضب المنضول، فوقع بينهما حتى تقاولا وتنازعا، فقال رفيع: ألا تلحق ببلدك وبقومك، فإنك لست منا!. فرجع قصى إلى أمه، وقد وجد فى نفسه مما قال، فسألها عن ذلك فقالت: أو قد قال هذا؟ أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا ونسبا وأشرف منزلا، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشى، وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله، تفد العرب إلى ذلك البيت، وقد قالت لى كاهنة رأتك: هذا يلى أمرا جليلا، فطب نفسا. فأجمع قصى الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، وضاق ذرعا بالمقام فيهم، فقالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس. فأقام قصى حتى إذا دخل الشهر الحرام وخرج حاج قضاعة خرج معهم، وهم يظنون أنه إنما يريد الحج ثم يرجع إلى بلاده، حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وعالجه القضاعيون على الخروج معهم فأبى. وكان رجلا جلدا نهدا نسيبا، فلم ينشب أن خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبى، فعرف حليل النسب ورغب فى الرجل فزوجه، وحليل يومئذ يلى أمر مكة والحكم فيها وحجابة البيت. فأقام قصى معه بمكة، وولدت له حبى بنيه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا. فلما انتشر ولد قصى وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، فرأى قصى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر، وأن قريشا قرعة إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وصريح ولده. فكلم رجالا من قريش وبنى كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكة، فأجابوه إلى ذلك، فكتب عند ذلك قصى إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته والقيام معه، فخرج رزاح ومعه إخوته لأبيه، حن ومحمود وجلهمة، فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه.
ربيعة، يدعوه إلى نصرته والقيام معه، فخرج رزاح ومعه إخوته لأبيه، حن ومحمود وجلهمة، فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصى والقيام معه.
فلما اجتمع الناس بمكة وفرغوا من الحج ولم يبق إلا أن يصدر الناس، كان أول ما تعرض له قصى من المناسك أمر الإجازة للناس بالحج. وكانت صوفة هى التى تلى ذلك مع الدفع بهم من عرفة ورمى الجمار، وهم ولد الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر «١» . والغوث هو أول من ولى ذلك منهم. وذلك أن أمه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت لله إن هى ولدت ولدا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت الغوث وكان يقوم على الكعبة فى الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولى الإجازة بالناس من عرفة لمكانه الذى كان به من الكعبة، وولده من بعده حتى انقرضوا. فقال مر بن أد أبو الغوث لوفاء نذر أمه: إنى جعلت رب من بنيه ... ربطة بمكة العليه فباركن لى بها إليه ... واجعله لى من صالح البريه وكان الغوث بن مر، زعموا، إذا دفع بالناس قال: لا هم إنى تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعه وذلك أن قضاعة كان منهم أحياء يستحلون الحرمة فى الجاهلية، فكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيز بهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمى الجمار، ورجل من صوفة يرمى للناس، لا يرمون حتى يرمى، فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له: قم فارم حتى نرمى معك. فيقول: لا والله حتى تميل الشمس. فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك، ويقولون له: ويلك قم فارم بنا. فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه. فإذا فرغوا من رمى الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة فحبسوا الناس وقالوا: أجيزى «٢» صوفة. فلم يجز أحد من الناس حتى يرموا، فإذا نفذت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم، فكانوا كذلك حتى انقرضوا.
فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت من بنى سعد فى آل صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد. فكان صفوان هو الذى يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام كرب بن صفوان. وفى ذلك يقول ابن مغراء السعدى: لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا فأما قول ذى الإصبع العدوانى، واسمه حرثان بن عمرو، وقيل له ذو الإصبع لحية لدغته فى إصبعه فقطعها: عذير الحى من عدوا ... ن كانوا حية الأرض «١» بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض ومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض ومنهم حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى وإنما قال ذلك لأن الإفاضة من المزدلفة كانت فى عدوان، وهو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو سيارة عميلة بن الأعزل. قال حويطب بن عبد العزى: رأيت أبا سيارة يدفع بالناس من جمع على أتان له عقوق. وذكروا أنه أجاز عليها أربعين سنة «٢» . قالوا: وكان إذا وقف بالناس قال: اتقوا الله ربكم، وأصلحوا أموالكم، واحفظوا جيرانكم، وقاتلوا أعداءكم، اللهم حبب بين نسائنا، وبغض بين رعائنا، واجعل أمر الناس بأيدى صالحائنا؛ ثم يقول: أفيضوا على بركة الله. وفيه يقول شاعر من العرب: نحن دفعنا عن أبى سياره ... وعن مواليه بنى فزاره
بين رعائنا، واجعل أمر الناس بأيدى صالحائنا؛ ثم يقول: أفيضوا على بركة الله. وفيه يقول شاعر من العرب: نحن دفعنا عن أبى سياره ... وعن مواليه بنى فزاره
حتى أجاز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره قوله: «حكم يقضى» يعنى عامر بن ظرب العدوانى، وكانت العرب لا يكون بينها ثائرة ولا عضلة «١» فى قضاء إلا أسندوا ذلك إليه ثم رضوا بما قضى فيه. فاختصم إليه، فى بعض ما كانوا يختلفون فيه، فى رجل خنثى له ما للرجل وله ما للمرأة، أيجعله رجلا أو امرأة؟ ولم يأتوه بأمر كان أعضل منه. فقال: حتى أنظر فى أمركم، فو الله ما نزل بى مثل هذه منكم يا معشر العرب. فاستأخروا عنه، فبات ليلته ساهرا يقلب أمره وينظر فى شأنه فلا يتوجه له من وجه، وكانت له جارية يقال لها: سخيلة، ترعى عليه غنمه، فكان يعاتبها إذا سرحت فيقول: صبحت والله يا سخيل. وإذا راحت عليه يقول: مسيت والله يا سخيل. وذلك أنها كانت تؤخر السرح حتى يسبقها بعض الناس، وتؤخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس. فلما رأت سهره وقلة قراره على فراشه قالت: ما لك لا أبالك! ما عراك فى ليلتك هذه؟! قال: ويلك دعينى، أمر ليس من شأنك. ثم عادت له بمثل قولها، فقال فى نفسه: عسى أن تأتى مما أنا فيه بفرج. فقال: ويحك، اختصم إلى فى ميراث خنثى، أأجعله رجلا أو امرأة؟ فو الله ما أدرى ما أصنع وما يتوجه لى فيه وجه. فقالت: سبحان الله! لا أبالك! اتبع القضاء المبال، أقعده، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة. قال: مسى سخيل بعدها أو ضحى، فرجتها والله. ثم خرج على الناس حين أصبح، فقضى بالذى أشارت إليه «٢» . وهذا كله من الخبر معترض قطع اتصال حديث صوفة وقصى، فنرجع الآن إليه ونصله بموضع انقطاعه. حيث ذكر أن صوفة هى التى كانت تلى الإجازة بالناس من منى والدفع بهم من عرفة، وأن قصيا عزم على انتزاع ذلك من أيديهم والقيام به دونهم، واستدعى لمظاهرته على ذلك أخاه رزاحا فوصله مع من ذكر وصوله معه. فلما كان ذلك العام فعلت صوفة مثل ما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين فى أنفسهم من عهد جرهم وخزاعة.
لك أخاه رزاحا فوصله مع من ذكر وصوله معه. فلما كان ذلك العام فعلت صوفة مثل ما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين فى أنفسهم من عهد جرهم وخزاعة.
فأتاهم قصى بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقال: لنحن أولى بهذا الأمر منكم. فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصى على ما كان بأيديهم من ذلك. وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه بادأهم وأجمع لحربهم، وخرجت له خزاعة وبنو بكر فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا بالأبطح، حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا، وفشت الجراح فيهم وأكثر ذلك فى خزاعة. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن قصى. فقضى بينهم أن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصى من خزاعة وبنى بكر موضوع يشدخه «١» تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة ومكة. فسمى يعمر بن عوف يومئذ الشداخ، لما شدخ من الدماء، ووضع منها، ويقال: الشداح أيضا. فولى قصى البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، إلا أنه قد أقر العرب على ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينا فى نفسه لا ينبغى تغييره. فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه؛ حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله «٢» . وبنو مرة بن عوف هم أهل البسل وقد تقدم ذكرهم. وأما النسأة «٣» فهم بنو فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
وهم الذين كانوا ينسأون الشهور على العرب فى الجاهلية، فيحلون الشهر من أشهر الحرم ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر، ففيه أنزل الله سبحانه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [التوبة: ٣٧] . وكان أول من نسأ الشهور منهم على العرب، فأحلت منها ما أحل وحرمت منها ما حرم: القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدى، وتوارث ذلك بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذى قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة، وهو القلمس. قال الزبير: وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمرا، يقال: إنه نسأ أربعين سنة. وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم الأربعة: رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم. فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفرا فحرموه، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم. فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إنى قد أحللت أحد الصفرين، الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل. وفى ذلك يقول عمير بن قيس، جذل الطعان، أحد بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، يفخر بالنسأة على العرب: لقد علمت معد أن قومى ... كرام الناس إن لهم كراما «١» فأى الناس فاتونا بوتر ... وأى الناس لم نعلك لجاما «٢» ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما فهذا كان شأن النسأة فى الجاهلية، فأقره قصى على ما كان عليه، مع سائر ما ذكر إقراره العرب عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله. فكان قصى أول بنى كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه
كان عليه، مع سائر ما ذكر إقراره العرب عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله. فكان قصى أول بنى كعب بن لؤى أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه
الحجابة والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء. فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التى أصبحوا عليها. ويزعم الناس أن قريشا هابوا قطع الشجر من الحرم فى منازلهم، فقطعها قصى بيده وأعوانه؛ فسمته قريش مجمعا، لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا يزوج رجل من قريش، ولا يشاورون فى أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم غيرهم إلا فى داره، يعقده لهم بعض ولده، ولا يعذر غلام إلا فى داره، ولا تدرع جارية «١» من قريش إلا فى داره، يشق عليها فيها درعها إذا بلغت ذلك، ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها. ولا تخرج عير من قريش فيرحلون إلا من داره، ولا يقدمون إلا نزلوا فى داره. فكان أمره فى قريش فى حياته ومن بعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره. واتخذ لنفسه الندوة، وجعل بابها إلى المسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضى أمورها. ولما فرغ قصى من حربه انصرف أخوه رزاح إلى بلاده بمن معه من قومه، فلما استقر فى بلاده نشره الله ونشر حبا، فهما قبيلا عذرة اليوم. فهذا حديث قصى فى ولاية البيت بعد حليل بن حبشية وإخراج خزاعة عنه «٢» . وخزاعة تزعم أن حليلا أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصى ما طلب. قال ابن إسحاق: ولم يسمع ذلك من غيرهم؛ فالله أعلم. وقد ذكر الواقدى الأمرين على نحو ما ذكر ابن إسحاق. قال: وقد سمعنا فى ذلك وجها آخر، ذكر أن أبا غبشان رجلا من خزاعة، كان ولى الكعبة فباع حجابتها من قصى بن كلاب بيعا. وذكر غيره أنه باع منه مفتاح الكعبة بزق خمر. فلذلك قيل: أخسر صفقة من أبى غبشان.
غبشان رجلا من خزاعة، كان ولى الكعبة فباع حجابتها من قصى بن كلاب بيعا. وذكر غيره أنه باع منه مفتاح الكعبة بزق خمر. فلذلك قيل: أخسر صفقة من أبى غبشان.
وذكر الواقدى أيضا بإسناد له، أن رجلا من قضاعة يقال له: أبو الشموس؛ حدث عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو خليفة حديث قصى بن كلاب، وكيف استعان بإخوته على خزاعة، فاستمع له عمر وتعجب لأول الحديث وقال: ذكرتنا أمرا كان دثر منا، فالحمد لله رب العالمين، إن الله ﷿ ليصنع لهذا الحى من قريش، وهم أولى الناس أن يتقوا الله وتحسن سيرة من ولى منهم، بصنع الله لهم، جعل فيهم الإمامة وقبل ذلك النبوة. قالوا: فلما كبر قصى ورق، وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف فى زمان أبيه وذهب كل مذهب، وعبد العزى وعبد، قال قصى لعبد الدار: أما والله يا بنى لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك. لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الحرم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا فى دارك. فأعطاه دار الندوة التى لا تقضى قريش أمرا من أمورها إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة. وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش فى كل موسم من أموالها إلى قصى بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد «١» . وذلك أن قصيا فرضها على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم» . ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره فى الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى فى الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذى يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضى الحج. فمضى أمر قصى فى عبد الدار ابنه، وجعل إليه كل ما كان بيده من أمر قومه؛ وكان قصى لا يخالف ولا يرد عليه شىء صنعه.
ثم إن قصيا هلك، فأقام أمره فى قومه وفى غيرهم بنوه من بعده. فاختطوا مكة رباعا بعد الذى كان قصى قطع لقومه بها، فكانوا يقطعونها فى قومهم وفى غيرهم من حلفائهم ويبيعونها. فأقامت قريش على ذلك معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع «١» . ثم إن بنى عبد مناف بن قصى: عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا أجمعوا أن يأخذوا ما فى يدى بنى عبد الدار بن قصى مما كان قصى جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة منهم مع بنى عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بنى عبد الدار لمكانهم فى قومهم، وكانت طائفة مع بنى عبد الدار يرون ألا ينزع منهم ما كان قصى جعل إليهم. فكان صاحب أمر بنى عبد مناف، عبد شمس بن عبد مناف؛ وذلك أنه كان أسنهم. وكان صاحب أمر بنى عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. وكانت بنو أسد بن عبد العزى بن قصى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة ابن كعب، وبنو الحارث بن فهر مع بنى عبد مناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو عدى بن كعب مع بنى عبد الدار. وخرجت عامر بن لؤى ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين. فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة «٢» . فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا «٣» فوضعوها لأحلافهم فى المسجد عند
أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة «٢» . فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا «٣» فوضعوها لأحلافهم فى المسجد عند
الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدواهم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف. ثم سوند بين القبائل ولز بعضها ببعض، فعبئت عبد مناف لبنى سهم، وعبئت بنو أسد لبنى عبد الدار، وعبئت زهرة لبنى جمح، وعبئت تيم لبنى مخزوم، وعبئت بنو الحارث بن فهر لبنى عدى، ثم قالوا: لتغن كل قبيلة من أسند إليها. فبينما الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بنى عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبنى عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضى كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «ما كان من حلف فى الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة» «١» . فهذا حلف المطيبين «٢» . وقد كان فى قريش حلف آخر بعده، وهو حلف الفضول «٣» ، تداعت إليه قبائل من قريش، فاجتمعوا إليه فى دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، لشرفه وسنه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. واختلف فى السبب الذى دعا قريشا إلى هذا الحلف، ولم سمى بهذا الاسم، فأما ما
ه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. واختلف فى السبب الذى دعا قريشا إلى هذا الحلف، ولم سمى بهذا الاسم، فأما ما
دعاهم إليه، فذكر الزبير وغيره أن رجلا من أهل اليمن من بنى زبيد قدم مكة معتمرا ومعه بضاعة له، فاشتراها رجل من بنى سهم، ويقال: إنه العاص بن وائل، فلوى الرجل بحقه، فسأله ماله فأبى عليه، وسأله متاعه فأبى عليه، فجاء إلى بنى سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا له، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف فى قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك قام على الحجر، ويقال: بل أشرف على أبى قبيس حين أخذت قريش مجالسها ثم نادى بأعلى صوته ثم قال: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائى الدار والنفر وأشعث محرم لم يقض حرمته ... بين الإله وبين الحجر والحجر أقائم من بنى سهم بذمتهم ... أم ذاهب فى ضلال مال معتمر فلما سمعت ذلك قريش أعظموه وتكلموا فيه، فقال المطيبون: والله لئن قمنا فى هذا لتغضبن الأحلاف، وقال الأحلاف: والله لئن تكلمنا فى هذا ليغضبن المطيبون. فقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفا فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فلذلك قيل له: حلف الفضول. فاجتمعوا فى دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعاما كثيرا، وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل أن يوحى إليه، فاجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب وزهرة وأسد وتيم، فتحالفوا على أن لا يظلم بمكة قريب ولا غريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقه ويردوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم عمدوا إلى ماء من ماء زمزم فجعلوه فى جفنة، ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت فيه أركانه، ثم أتوا به فشربوه، ثم انطلقوا إلى الرجل الذى تعدى على الرجل المستصرخ، العاص بن وائل أو غيره. فقالوا: والله لا نفارقك حتى تؤدى إليه حقه. فأعطى الرجل حقه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقه بمكة إلا أخذوه له، وقال رسول الله ﷺ: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت» «١» .
م أحد حقه بمكة إلا أخذوه له، وقال رسول الله ﷺ: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت» «١» . وحكى الزبير أيضا أنه إنما سمى حلف الفضول لأنهم تحالفوا على أن لا يتركوا لأحد عند أحد فضلا إلا أخذوه. وقيل: إنما سمى بذلك لأنه لما تداعى له من ذكر من قبائل قريش كره ذلك سائر المطيبين والأحلاف بأسرهم، وسموه حلف الفضول، عيبا
له، وقالوا: هذا من فضول القوم. وقيل: بل كان هذا الحلف على مثل حلف تقدم إليه نفر من جرهم يقال لهم: الفضل وفضال والفضيل، فسمى لذلك هذا الآخر حلف الفضول، وأيا ما كان من ذلك، فهى مأثره لقريش من مآثرها الكرام، وآثارها العظام، نالتهم فيه بركة حضور رسول الله ﷺ، فهو وإن كان فعلا جاهليا دعتهم السياسة إليه، فقد صار لحضور رسول الله ﷺ له وما قاله بعد النبوة فيه وأكده من أمره، حكما شرعيا وفعلا نبويا. وقد نشأ بين حسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان زمن معاوية، والوليد يومئذ أمير المدينة من قبله منازعة فى مال كان بينهما بذى المروة، فكأن الوليد تحامل على حسين فى حقه لسلطانه، فقال له حسين: أحلف بالله لتنصفنى من حقى أو لآخذن سيفى ثم لأقومن فى مسجد رسول الله ﷺ، ثم لأدعون بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفى ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة الزهرى فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمى فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد أنصف الحسين من حقه حتى رضى. ولم تكن بنو عبد شمس دخلت فى هذا الحلف. وقد سأل عبد الملك بن مروان عن ذلك محمد بن جبير بن مطعم إذ قدم عليه حين قتل ابن الزبير، واجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، وكان محمد بن جبير أعلم قريش، فلما دخل عليه قال: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم، يعنى بنى عبد شمس وبنى نوفل ابنى عبد مناف، فى حلف الفضول؟ قال: أنت أعلم. قال عبد الملك: لتخبرنى يا أبا سعيد بالحق من ذلك. فقال: لا والله، لقد خرجنا منه نحن وأنتم. قال: صدقت. فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس، حتى أدخل فى حلف الفضول.
والله، لقد خرجنا منه نحن وأنتم. قال: صدقت. فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس، حتى أدخل فى حلف الفضول. وكانت لقريش أحلام عظام، كانوا منها فى جاهليتهم على مثل السلطان الضابط، عناية من الله بهم ومنا منه سبحانه عليهم، هم سكان الحرم، وأهل الله وحجاب بيته، وأهل السقاية والرفادة والرياسة واللواء والندوة ومكارم مكة، وكانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، من قرى الضيف ورفد الحاج وتعظيم
الحرم ومنعه من البغى فيه والإلحاد، وقمع الظالم ومنع المظلوم. إلا أنه دخلت على أوليتهم أحداث غيرت أصول الحنيفية عندهم، وطال الزمان حتى أفضى ذلك بهم إلى جهالات بشرائع الدين وضلالات عن سنن التوحيد فتدارك الله ذلك كله بنبيه ﷺ، فهدى من الضلالة وعلم من الجهالة. فيقال: إنه كان أول من غير الحنيفية دين إبراهيم ونصب الأوثان حول الكعبة ودعا إلى عبادتها: عمرو بن لحى بن قمعة بن إلياس بن مضر. روى أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعى: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه» . فقال أكثم: عسى أن يضرنى بشبهه يا نبى الله، قال: «لا، لأنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامى» «١» . فالبحيرة «٢» : عند العرب الناقة تشق أذنها ولا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، أو يتصدق به، وتهمل لآلهتهم. والسائبة: التى ينذر الرجل إن برئ من مرضه أو أصاب أمرا يطلبه أن يسيبها ترعى لا ينتفع بها. والوصيلة: التى تلد أمها اثنين فى كل بطن، فيجعل صاحبها لآلهته الإناث منها ولنفسه الذكور، فتلدها أمها ومعها ذكر فى بطن فيقولون: وصلت أخاها، فيسيب أخوها معها فلا ينتفع به. والحامى: الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره، فلم يركب ولم يجز وبره وخلى فى إبله يضرب فيها، لا ينتفع منه بغير ذلك.
لا ينتفع به. والحامى: الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره، فلم يركب ولم يجز وبره وخلى فى إبله يضرب فيها، لا ينتفع منه بغير ذلك. فلما بعث الله رسوله ﷺ أنزل عليه: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣] .
وذكر بعض أهل العلم أن عمرو بن لحى خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم من ولد عملاق، ويقال: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التى أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها ونستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوننى منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له: «هبل» ؛ فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. قال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسيح فى البلاد، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة. حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة، وأعجبهم حتى خلفت الخلوف «١» ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات «٢» . وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك» ، فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده! يقول الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] ، أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى.
ه ﵎ لنبيه محمد ﷺ: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] ، أى ما يوحدوننى بمعرفة حقى إلا جعلوا معى شريكا من خلقى. وقد كانت لقوم نوح أصنام عكفوا عليها، قص الله ﵎ خبرها على رسوله ﷺ، فقال: وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نوح: ٢٣] . وذكر الواقدى بإسناد له عن أبى هريرة أن أول ما عبدت الأصنام فى زمن نوح عليه
السلام، وأن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا رجالا صالحين من قوم نوح، أهل عبادة وفضل، فماتوا، فوجد عليهم أهلوهم وتوحش الناس لفقدهم، فقال لهم رجل: ألا أصورهم لكم صورا من خشب فتنظرون إليهم وتسكنون إلى رؤيتهم؟ قالوا: بلى إن قدرت، قال: أنا أقدر على تصويرهم، ولا أقدر أن أنفخ الروح فيهم. فجاء بالصور كهيئتهم أحياء، فأخذ أهل كل بيت صورة صاحبهم فوضعوها فى منزلهم ينظرون إليها، فأذهب ذلك بعض حزنهم. فكانوا على ذلك ما شاء الله، حتى هلك ذلك القرن، ثم خلف قرن آخر ثم ثالث بعده فكانوا على ما كان عليه القرن الأول حتى هلكوا. ثم خلف القرن الرابع، فقالوا: لو أنا عبدنا هؤلاء لقربونا إلى الله وشفعوا لنا عنده، ولا يزيدونا إلا خيرا إنما نريد ما يقربنا منه، فعبدوها حتى هلكوا، وعبدها من بعدهم. فلما غرقت الأرض زمن نوح ﵇، غرقت تلك الأصنام، فمكثت ما شاء الله أن تمكث، ثم استخرجها عمرو بن لحى ففرقها فى القبائل. فالله تعالى أعلم. وقد خرج البخارى فى صحيحه من حديث عبد الله بن عباس موقوفا عليه فى التفسير نحو ما ذكره الواقدى مختصرا، أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشياطين إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون إليها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت. قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار فى دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، وكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمد ﷺ بالتوحيد قالت قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] «١» .
دأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث الله رسوله محمد ﷺ بالتوحيد قالت قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] «١» .
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهى بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدى إليها كما تهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها، وتنحر عندها، وهى تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده. وسيمر فى تضاعيف هذا الكتاب بعض أخبار هذه الطواغيت وكيف جعل الله عاقبة أمرها خسرا، فأزهق الحق باطلها وعفى الإسلام آثارها، وأكمل الله تعالى دينه، وتم نوره ونعمته، ونصر دين الهدى والحق، فأظهره على الدين كله. ومع إصفاق العرب مضرها ويمنها على هذا الضلال، فقد كان وقع إلى بعضهم باليمن دين اليهودية فدانوا به، ووقع أيضا دين النصرانية بنجران من أرض العرب على ما نذكره. فأما موقع اليهودية باليمن فمن جهة تبع الآخر، وهو تبان أسعد أبو كرب بن كلكى ابن كرب بن زيد، وهو تبع الأول بن عمرو ذى الأذعار بن أبرهة ذى المنار. وتبان أسعد هو الذى قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه. وكان قد جعل طريقه حين أقبل من المشرق على المدينة، وكان قد مر بها فى بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها. فجمع له هذا الحى من الأنصار، ورئيسهم عمرو بن ظلة أخو بنى النجار، وقد كان رجل من بنى عدى بن النجار يقال له: أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع، حين نزل بهم، فقتله. وذلك أنه وجده فى عذق له يجده «١» ، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما التمر لمن أبره «٢» . فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم. فاقتتلوا، فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل! فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام.
ره «٢» . فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم. فاقتتلوا، فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل! فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام.
فبينا تبع على ذلك من حربهم إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بنى قريظة عالمان راسخان، حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك: لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بيتك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال لهما: ولم ذلك؟ قالا: هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش فى آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهى ورأى أن لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما. وهذا الحى من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحى من يهود، الذين كانوا بين أظهرهم، وإنما أراد هلاكهم فمنعوهم منه، ثم انصرف عنهم، ولذلك قال فى شعره: حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد وذكر ابن هشام أن الشعر الذى فيه هذا البيت مصنوع «١» . وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجه إلى مكة وهى طريقه إلى اليمن، حتى إذا كان بين عسفان وأمج «٢» أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا له: أيها الملك: ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده «٣» . وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده. فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك، وما نعلم بيتا لله اتخذه فى الأرض لنفسه غيره، ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا.
قال: فماذا تأمرانى أن أصنع إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق رأسك عنده، وتذلل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التى نصبوها حوله، وبالدماء التى يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك؛ أو كما قالا له. فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل. ورأى فى المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف «١» ، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت. وأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاة «٢» وهى المحائض وجعل له بابا ومفتاحا. ثم خرج موجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه، حتى يحاكموه إلى النار التى كانت باليمن. ويقال: إنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فدعاهم إلى دينه وقال: إنه خير من دينكم. قالوا: فحاكمنا إلى النار، قال: نعم. وكان باليمن فيما يزعم أهل اليمن، نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم. فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به فى دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما متقلديها، حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذى تخرج منه، فخرجت النار عليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها. فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من
هم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها. فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من
رجال حمير. وخرج الحبران بمصاحفهما فى أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما. فأصفقت عند ذلك حمير على دينه. من هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن. قال ابن إسحاق «١» : وقد حدثنى محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، وحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص «٢» عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذى خرجت منه. فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما. فالله أعلم أى ذلك كان. وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم فخل بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن، كلبا أسود، فذبحاه ثم هدما ذلك الييت. قال ابن إسحاق «٣» : فبقاياه اليوم كما ذكر لى، بها آثار الدماء التى كانت تهراق عليه. وتبع هذا هو أحد الملوك الذين وطئوا البلاد ودوخوا الأرض ودانت لهم الممالك، ويقال: إنه المسمى فى قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ [الدخان: ٣٧] ، ذلك لأنه لما آمن فى آخر عمره ووحد، خالفته حمير فتفرقوا عنه، فانتقهم الله منهم. وحكى الحسن بن أحمد الهمدانى: أنه أول ملك بشر برسول الله ﷺ وآمن به، وهو رتب الملوك وأبناء الملوك من قومه فى قبائل العرب والعجم ومدائنها وأمصارها، وكان لكل قبيلة من العرب ولكل حى من العجم ملك من قومه، إما حميرى وإما كهلانى يسمع له ويطاع. ويذكر أنه جمع الملوك وأبناء الملوك والأقاول وأبناء الأقاول من قومه، وقال لهم: أيها الناس: إن الدهر نفد أكثره ولم يبق إلا أقله، وإن الكثير إذا قل إلى النقصان
ه جمع الملوك وأبناء الملوك والأقاول وأبناء الأقاول من قومه، وقال لهم: أيها الناس: إن الدهر نفد أكثره ولم يبق إلا أقله، وإن الكثير إذا قل إلى النقصان
أجرى منه إلى الزيادة، سارعوا إلى المكارم، فإنها تقربكم إلى الفلاح، واعملوا، على أنه من سلم من يومه لم يسلم من غده، ومن سلم من الغد لا يسلم مما بعده، وإنكم لتؤوبون مآب الآباء والأجداد وتصيرون إلى ما صاروا إليه، والموت كل يوم أقرب إلى المرء من حياته منه، ولكل زمان أهل، ولكل دائرة سبب، وسبب عطلان هذه الفترة التى من عز فيها بز من هو دونه، ظهور نبى يعز الله به دينه ويخصه بالكتاب المبين، على يأس من المرسلين، رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين، فليكن ذلك عندكم وعند أبنائكم بعدكم وأبناء أبنائكم قرنا فقرنا وجيلا فجيلا، ليتوقعوا ظهوره وليؤمنوا به وليجتهدوا فى نصره على كافة الأحياء، حتى يفىء الناس له إلى أمر الله. وأنشد له: شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله بارى النسم فلو مد دهرى إلى دهره ... لكنت وزيرا له وابن عم وألزمت طاعته كل من ... على الأرض من عرب أو عجم ولكن قولى له دائما ... سلام على أحمد فى الأمم فى أبيات ذكرها، وأشعار غير هذا أثبت فى «إكليله» كثيرا منها. قال: وذكروا أن الملوك وأبناء الملوك من حمير وكهلان لم تزل تتوقع ظهور النبى ﷺ وتبشر به، وتوصى بالطاعة له والإيمان به والجهاد معه والقيام بنصره، منذ ذلك العصر إلى أن ظهر رسول الله ﷺ، فكانوا بذلك حين بعث من أحرص الناس على نصره وطاعته. فمنهم من سمع له وأطاع وآمن به قبل أن يراه، ومنهم من وصل إليه كتابه فسمع وأطاع وآمن وصدق، ومنهم من آواه ونصره وأيده وجاهد فى سبيل الله دونه، نطق بذلك الكتاب المنير فى قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] .
مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] . وقوله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة: ٥٤، ٥٥] إلى آخر الآية. قال الهمدانى: عن أبى الحسن الخزاعى يقال: إنهم همدان. ثم أشار إلى ذكر سيف
ابن ذى يزن للنبى ﷺ وما ألقاه من أمره إلى جده عبد المطلب عند وفادته عليه. قال: وذكروا أنه لم يكن لسيف بن ذى يزن ذلك العلم فى قصة النبى ﷺ إلا من جهة تبع، وما تناهى إليه مما كان ألقاه إليهم وعرفهم به من خبر النبى ﷺ، وسنذكر خبر سيف هذا فى موضعه إن شاء الله. وأما موقع النصرانية «١» بأرض العرب، فقد كان بنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له عبد الله ابن الثامر، وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهى بأوسط أرض العرب فى ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها أن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له: «فيميون» ، وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به. فحدث وهب بن منبه: أن فيميون كان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا فى الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا ينزل القرى، لا يعرف فى قرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد، فإذا كان يوم الأحد لم يعمل فيه شيئا، وخرج إلى فلاة من الأرض، فصلى فيها حتى يمسى. قال: وكان فى قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفيا، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح، فأحبه صالح حبا لم يحب شيئا كان قبله مثله، فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون، حتى خرج مرة فى يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد أتبعه صالح، وفيميون لا يدرى، فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم بمكانه، وقام فيميون يصلى، فبينا هو يصلى إذ أقبل نحوه التنين، الحية ذات الرؤس السبعة، فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخاف عليه فعيل عوله فصرخ: يا فيميون التنين قد أقبل نحوك. فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ منها. وأمسى فانصرف وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فقال له: يا فيميون تعلم والله أنى ما أحببت شيئا قط حبك، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت. قال: ما شئت، أمرى كما ترى، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه، وكان إذا ما جاءه العبد به الضر دعا له فشفى، وإذا
ال: ما شئت، أمرى كما ترى، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية يفطنون لشأنه، وكان إذا ما جاءه العبد به الضر دعا له فشفى، وإذا
دعى إلى أحد به ضر لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنه لا يأتى أحدا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه فى حجرته وألقى عليه ثوبا، ثم جاءه فقال: يا فيميون، إنى قد أردت أن أعمل فى بيتى عملا، فانطلق معى حتى تنظر إليه فأشارطك عليه. فانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قال له: ما تريد أن تعمل فى بيتك هذا؟ قال: كذا وكذا. ثم انتشط الثوب عن الصبى وقال: يا فيميون: عبد من عباد الله أصابه ما ترى فادع الله له. فدعا له فيميون فقام الصبى ليس به بأس «١» . وعرف فيميون أنه قد عرف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينا هو يمشى فى بعض الشام إذ مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال: يا فيميون ما زلت أنتظرك وأقول: متى هو جاء، حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو، لا تبرح حتى تقوم على، فإنى ميت الآن. قال: فمات. وقام عليه حتى واراه، ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فاحتفظتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران، وأهل نجران يومئذ على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد فى كل سنة، إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلى النساء، ثم خرجوا إليها فعكفوا عليها يوما. فابتاع فيميون رجل من أشرافهم، وابتاع صالحا آخر، فكان فيميون إذا قام من الليل يصلى فى بيت أسكنه إياه سيده، استسرج له البيت نورا حتى يصبح، من غير مصباح، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما يرى منه، فسأله عن دينه فأخبره به، وقال له فيميون: إنما أنتم فى باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، لو دعوت عليها إلهى الذى أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا فى
تم فى باطل، إن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع، لو دعوت عليها إلهى الذى أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له، فقال له سيده: فافعل، فإنك إن فعلت دخلنا فى
دينك وتركنا ما نحن عليه. فقام فيميون فتطهر وصلى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها. فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم ﵇، ثم دخلت عليهم الأحداث التى دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران، فيما ذكر وهب بن منبه فى حديثه هذا. وأما محمد بن كعب القرظى، وبعض أهل نجران، فذكروا أن أهل نجران كانوا أهل شرك، يعبدون الأوثان، وكان فى قرية من قراها ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيميون ولم يسمه محمد بن كعب ولا شركاؤه فى الحديث، قالوا: رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التى بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه، فقال: يا ابن أخى إنك لن تحمله، أخشى عليك ضعفك عنه. والثامر أبو عبد الله بن الثامر، لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان. فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه فى قدح، لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أو قد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بذلك الاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذى كتمه، فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع، قال أى ابن أخى، قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل فى دينى فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم.
لله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل فى دينى فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم. فيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى.
حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفى. حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال: أفسدت على أهل قريتى وخالفت دينى ودين آبائى، لأمثلن بك. قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع أحد فيها إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس.. فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلى حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطك الله على، فقتلتنى. فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا فى يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، وهلك الملك مكانه. واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث. فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمد بن كعب القرظى وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، فالله أعلم أى ذلك كان «١» . وحديث عبد الله بن الثامر هذا قد ورد فى الصحيح مرفوعا إلى النبى ﷺ من طرق ثابتة، خرجه مسلم بن الحجاج من حديث صهيب، وبينه وبين حديث ابن إسحاق اختلاف، وفيه مع ذلك زوائد تحسن لأجلها إعادة الحديث. فروى عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن صهيب، أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إنى قد كبرت، فابعث إلى غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان فى طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسنى أهلى، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنى الساحر.



