الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفا

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya أبو الربيع الكلاعي (w. 634 H).

Bagian 3 dari 40 1260 halaman

— Bagian 3 · أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر… —

Bagian 3

أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسنى أهلى، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنى الساحر.

فبينما هو كذلك، إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل. فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس. فرماها فقتلها، ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أى بنى، أنت اليوم أفضل منى، قد بلغ من أمرك ما أرى وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل على. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوى الناس من سائر الأدواء، فسمع به جليس للملك، وكان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتنى. قال: إنى لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله، فإن آمنت بالله، دعوت الله فشفاك. فآمن بالله، فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربى، قال: ولك رب غيرى؟! قال: ربى وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجىء بالغلام فقال له الملك: أى بنى، قد بلغ من سحرك ما يبرىء الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل. فقال: إنى لا أشفى أحدا، إنما يشفى الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجىء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جىء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدعا بالمنشار فوضع فى مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جىء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به، وصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا. وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه فى قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشى إلى الملك.

ملوه فى قرقورة فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشى إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله.

فقال للملك: إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟. قال: تجمع الناس فى صعيد واحد، وتصلبنى على جذع، ثم خذ سهما من كنانتى، ثم ضع السهم فى كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمنى، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتنى. فجمع الناس فى صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم فى كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم فى صدغه، فوضع يده فى صدغه فى موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه، يعنى فأقحموه فيها. أو قيل له: اقتحم. ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبى لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبرى فإنك على الحق!!. فهذا حديث مسلم عن عبد الله بن الثامر وأهل نجران، وإن وقعت الأسماء فيه مبهمة، فقد فسرها العلماء بما ورد من ذلك مبينا فى حديث ابن إسحاق وغيره، وجعلوا ذلك كله حديثا واحدا «١» . وذكر ابن إسحاق «٢» أنه لما كان من اجتماع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر ما تقدم الحديث به، سار إليهم ذو نواس بجنوده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بينها وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا. ففى ذى نواس وجنده ذلك أنزل الله على نبيه محمد ﷺ: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إلى آخر الآيات «٣» . والأخدود هنا هو الحفر المستطيل فى الأرض، كالخندق والجدول، ويقال أيضا لأثر السيف والسوط والسكين ونحوه فى الجلد: أخدود.

قال ابن إسحاق: ويقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله بن الثامر رأسهم وإمامهم. وحدث عن عبد الله بن أبى بكر أنه حدث أن رجلا من أهل نجران حفر خربة من خرب نجران فى زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة فى رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخرت يده عنها تثعبت دما، وإذا أرسلت يده ردها عليها فأمسك دمها، فى يده خاتم مكتوب فيه: ربى الله. فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليهم: أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذى كان عليه. ففعلوا «١» . وذو نواس هذا هو زرعة بن تبان أسعد أبى كرب، وهو تبع الآخر، وقد تقدم خبره، وابنه زرعة ذو نواس هذا كان من صغار بنيه، وصار إليه ملك اليمن، وأمر حمير بعد أبيه بزمان. وذلك أنه ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة، ربيعة بن نضر بن أبى حارثة ابن عمرو بن عامر، وكان من سادات اليمن وأهل الشرف منها. وهو صاحب الرؤيا التى يعرف من تأويلها استيلاء الحبشة على اليمن، والبشارة بظهور النبى ﷺ. وذلك أنه رأى رؤياه هالته وفظع بها، فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرونى به وبتأويلها. قالوا: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها. قال: إنى إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح «٢» وشق «٣» ، فإنه

إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح «٢» وشق «٣» ، فإنه

ليس أحد أعلم منهما، فهما يخبرانه بما سأل عنه. فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال: إنى قد رأيت رؤيا هالتنى وفظعت بها، فأخبرنى بها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها. فقال: أفعل. رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك فى تأويلها؟. فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين «١» إلى جرش» . فقال الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفى زمانى أم بعده؟ قال: لا، بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين. قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقاتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلى ذلك من قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم بن ذى يزن، يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبى زكى، يأتيه الوحى من قبل العلى. قال: وممن هو هذا النبى؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك فى قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرنى؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والقمر إذا اتسق، إن ما أنبأتك لحق، ثم قدم عليه شق، له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقان أم يختلفان. قال: نعم، رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أن قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا

يختلفان. قال: نعم، رأيت حممه خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما قال له ذلك عرف أن قد اتفقا وأن قولهما واحد، إلا أن سطيحا

قال: «بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة» ، وقال شق: «وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة» . فقال: الملك: ما أخطأت يا شق منها شيئا، فما عندك فى تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، ليهبطن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران «١» . قال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفى زمانى أم بعده؟ فقال، لا، بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنى ولا مدن يخرج من بيت ذى يزن. قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل يأتى بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك فى قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال: أحق ما تقول؟ قال: إى ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض، إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض، فوقع فى نفس ربيعة بن نضر ما قالا، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاد فأسكنهم الحيرة. فمن بقية ولد ربيعة بن نضر فيما يزعمون، النعمان بن المنذر، فهو فى نسب اليمن وعلمهم: النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدى بن ربيعة بن نضر، ذلك الملك. وقد تقدم قول من قال من العلماء أن النعمان من ولد قنص بن معد. وقد قيل أيضا إن النعمان من ولد الساطرون صاحب الحضر، وهو حصن عظيم كالمدينة على شاطئ الفرات، وهو الذى ذكره عدى بن زيد فى قوله:

وأخو الحضر إذا بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كل ... سا فللطير فى ذراه وكور «١» لم يهبه ريب المنون فباد الم ... لك عنه فبابه مهجور وأما شق وسطيح، فإن شقا هو ابن صعب بن يشكر من بنى أنمار بن نزار أبى بجيلة وخثعم. وكان شق إنسان فيما زعموا، إنما له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحد، ولذلك سمى بشق «٢» . وسطيح هو ربيع بن ربيعة من بنى ذبيان بن عدى بن مازن بن غسان، وكانت العرب تسميه الذيبى، وإياه عنى ميمون بن قيس الأعشى بقوله: ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما نطق الذيبى إذ سجعا وإنما قيل له سطيح، لأنه كان جسدا ملقى له رأس وليس له جوارح، فيما ذكروا. وكان لا يقدر على الجلوس، فإذا غضب انتفخ وجلس. وذكر أنه قيل له: أنى لك هذا العلم؟ فقال: لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء، حين كلم الله منه موسى ﵇، فهو يؤدى إلى من ذلك ما يؤديه. وعاش سطيح بعد هذا الحديث زمانا طويلا، حتى أدرك مولد رسول الله ﷺ. فذكر الخطابى وغيره من حديث هانئ بن هانئ المخزومى، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، أنه لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى فسقط منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادى السماوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك ألف عام. وأرى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها. فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فصبر عليه تشجعا، حتى إذا عيل صبره رأى ألا يدخر ذلك عن قومه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره، ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيم بعثت فيكم؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك. فبينا هم كذلك، إذ ورد عليه كتاب بخمود النار، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبر بما

اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيم بعثت فيكم؟ قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك. فبينا هم كذلك، إذ ورد عليه كتاب بخمود النار، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبر بما

رأى وما هاله من ذلك. فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت فى هذه الليلة رؤيا. ثم قص عليه رؤيا فى الإبل. فقال: أى شىء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب. وكان أعلمهم فى أنفسهم. فكتب عند ذلك كسرى إلى النعمان بن المنذر أن يوجه إليه برجل عالم بما يريد أن يسأله عنه. فوجد إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغسانى. فلما قدم عليه قال له الملك: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرنى الملك عما أحب، فإن كان عندى منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه. فأخبره بالذى وجه إليه فيه. فقال له: علم ذلك عند خال لى يسكن مشارف الشام، يقال له سطيح. قال: فائته فسله عما سألتك عنه، ثم ائتنى بتفسيره. فخرج عبد المسيح حتى أتى إلى سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وكلمه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاد فاز لم به شأو العنن يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيخ الحى من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن رسول قيل العجم ينمى للوسن ... لا يرهب الوغد ولا ريب الزمن تجوب بى الأرض علنداة شزن ... ترفعنى وجنا وتهوى فيه وجن حتى أتى عارى الجاحى والقطن ... تلفه فى الريح بوغاء الدمن فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح، أتى إلى سطيح، على جمل مشيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت فى بلادها. عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادى السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه، فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بمقالة سطيح. فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور. فملك منهم عشرة إلى أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى الله عنه.

لى كسرى أخبره بمقالة سطيح. فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور. فملك منهم عشرة إلى أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى الله عنه.

فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبى كرب، فسار بأهل اليمن يريد أن يطأبهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كان بأرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن المسير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهلهم، فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه فى جيشه فقالوا له: اقتل أخاك حسان ونملكك علينا وترجع بنا إلى بلادنا. فأجابهم. فاجتمعوا على ذلك إلا ذو رعين الحميرى، فإنه نهاه عن ذلك ولم يقبل منه. فقال ذو رعين الحميرى: ألا من يشترى سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذى رعين ثم كتبهما فى رقعة وختم عليها ثم أتى بها عمرا فقال له: ضع لى هذا الكتاب عندك. ففعل. ثم قتل عمرو أخاه حسان ورجع بمن معه إلى اليمن «١» . فلما نزل اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر، فلما جهده ذلك سأل الأطباء والحزاة «٢» من الكهان والعرافين عما به؛ فقال له قائل منهم: إنه والله ما قتل رجل أخاه أو ذا رحمه بغيا على مثل ما قتلت أخاك عليه إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر. فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه حسان من أشراف اليمن حتى خلص إلى ذى رعين. فقال له ذو رعين: إن لى عندك براءة. قال: وما هى؟ قال: الكتاب الذى دفعت إليك. فأخرجه فإذا فيه البيتان، فتركه ورأى أنه قد نصحه. وهلك عمرو، فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة، يقال له لخنيعة «٣» ينوف ذو شناتر «٤» ، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير: تقتل أبناها وتنفى سراتها ... وتبنى بأيديها لها الذل حمير

تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتى الشرور فتخسر وكان لخنيعة امرآ فاسقا يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه فى مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه وجنده قد أخذ مسواكا فجعله فى فيه علامة للفراغ من خبيث فعله. حتى بعث إلى زرعة ذى نواس، بن تبان أسعد، أخى حسان، وكان صبيا صغيرا حين قتل حسان، ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد به، فأخذ سكينا حديدا لطيفا فخبأه بين قدمه ونعله، ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه، فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله، ثم حز رأسه فوضعه فى الكوة التى كان يشرف منها، ووضع مسواكه فى فيه ثم خرج على الناس، فسألوه فأشار لهم إلى الرأس فنظروا فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا فى أثر ذى نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغى أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، ويسمى يوسف، فأقام فى ملكه سنين «١» . قال ابن قتيبة: ثمانيا وستين سنة. إلى أن كان منه فى أهل نجران ما تقدم ذكره، فكان ذلك سببا لاستئصال ملكه واستيلاء الحبشة على اليمن.

ذكر دخول الحبشة أرض اليمن واستيلائهم على ملكها وذكر السبب فى ذلك مع ما يتصل به من أمر الفيل ولما انتهى زرعة ذو نواس إلى ما انتهى إليه بأهل نجران من التحريق والقتل، أفلت منهم رجل من سبأ يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذى نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له: بعدت بلادك منا، ولكنى سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك. فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.

بره بما بلغ منهم، فقال له: بعدت بلادك منا، ولكنى سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك. فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره.

فقدم دوس على النجاشى بكتاب قيصر، فبعث سبعين ألفا من الحبشة، وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط، ومعه فى جنده أبرهة الأشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس، فسار إليه ذو نواس فى حمير، ومن أطاعه من قبائل اليمن، فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل به، فخاض به ضحضاح «١» البحر حتى أفضى به إلى غمره فأدخله فيه، فكان آخر العهد به. ودخل أرياط اليمن، فملكها «٢» . فأقام بها سنين فى سلطانه ذلك، ثم نازعه فى أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشى، حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط أنك لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا، فابرز لى وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده. فأرسل إليه أرياط: أنصفت. فخرج إليه أبرهة، وكان رجلا قصيرا لحيما، وكان ذا دين فى النصرانية، وخرج إليه أرياط، وكان رجلا عظيما جميلا طويلا، وفى يده حربة له، وخلف أبرهة غلام له يقال له عتودة يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه «٣» ، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته، فبذلك سمى أبرهة الأشرم. وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله. فانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط. فلما بلغ ذلك النجاشى غضب غضبا شديدا وقال: عدا على أميرى فقتله بغير أمرى! ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته. فحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشى، وكتب إليه: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، اختلفنا فى أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسى كله حين

أيها الملك إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، اختلفنا فى أمرك، وكل طاعته لك، إلا أنى كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسى كله حين

بلغنى قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضى ليضعه تحت قدميه، فيبر قسمه فى. فلما انتهى ذلك إلى النجاشى رضى عنه، وكتب إليه: أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمرى «١» . فأقام بها، ثم إن أبرهة بنى القليس «٢» بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها فى زمانها بشىء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشى: إنى قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشى غضب رجل من النسأة أحد بنى فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، فخرج حتى أتى القليس فأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة؛ فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل هذا البيت الذى تحج العرب إليه بمكة، لما سمع قولك: «أصرف إليها حج العرب» غضب فجاء فقعد فيها، أى أنها ليست لذلك بأهل «٣» . فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم ساروا وخرج معه بالفيل. وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه. فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك لا تقتلنى، فإنه عسى أن يكون بقائى معك خيرا لك من قتلى. وكان أبرهة رجلا حليما، فتركه من القتل وحبسه عنده فى وثاق.

ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمى فى قبيلى خثعم «١» : شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به، فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلنى فإنى دليلك بأرض العرب، وهاتان يداى لك على قبيلى خثعم، شهران وناهس، بالسمع والطاعة. فخلى سبيله وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب ابن مالك الثقفى فى رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذى تريد. يعنون اللات، إنما تريد البيت الذى بمكة، ونحن نبعث من يدلك عليه. فتجاوز عنهم. واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة، فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذى يرجم الناس بالمغمس «٢» . فلما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتى بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها. فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم. فإن هو لم يرض حربى فائتنى به.

م، ثم قل له: إن الملك يقول لك: إنى لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لى بدمائكم. فإن هو لم يرض حربى فائتنى به.

فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة؛ فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أو كما قال فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه. فقال حناطة: فانطلق إليه، فإنه قد أمرنى أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه، حتى أتى المعسكر فسأل عن ذى نفر، وكان له صديقا، حتى دخل عليه فى محبسه فقال له: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير فى يدى ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندى غناء فى شىء مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لى فسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك. قال: حسبى. فبعث: ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش فى رؤس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتى بعير، فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة، قال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، فأذن له فليكلمك فى حاجته. ووصفه له بما وصفه ذو نفر لأنيس. فإذن له أبرهة، وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجمله وأعظمه، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان. فقال: حاجتى أن يرد على الملك مائتى بعير أصابها لى. فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى! أتكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه!؟.

له: قد كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى! أتكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه!؟. قال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع منى. قال: أنت وذاك. ويزعم بعض أهل العلم أنه كان ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة يعمر ابن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بنى بكر، وخويلد بن واثلة الهذلى، وهو يومئذ سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة

على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، فالله أعلم أكان ذلك أم لا. فرد أبرهة على عبد المطلب الإبل التى أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز فى شعف الجبال والشعاب، تخوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: لا هم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك «١» لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه. وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت والانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة قام نفيل بن حبيب إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه فقال له: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك فى بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل يشتد حتى أصعد فى الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوه فى رأسه بالطبرزين «٢» ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم فى مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.

ى مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، يحملها حجر فى منقاره وحجران فى رجليه، أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذى منه جاؤا ويسألون عن نفيل بن حبيب

ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب وقال نفيل أيضا: ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا ردينة لو رأيت ولا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتنى وحمدت أمرى ... ولم تأسى على ما فات بينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علىّ للحبشان دينا «١» فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة فى جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة منها اتبعتها مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون. ويقال: إنه أول ما رئيت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام، وإنه أول ما رئى بها مرائر الشجر الحرمل «٢» والحنظل والعشر «٣» ذلك العام. فلما بعث الله محمدا ﷺ كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال ﵎: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ. وقالت عائشة رضى الله عنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعمين مقعدين يستطعمان. قال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم به من النقمة،

ائشة رضى الله عنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعمين مقعدين يستطعمان. قال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم ما أصابهم به من النقمة،

أعظمت العرب قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، فقالوا فى ذلك أشعارا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة وما رد عن قريش من كيدهم، فقال عبد الله بن الزبعرى السهمى: تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالى حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها سائل أمير الحبش عنها ما رأى ... ولسوف ينبى الجاهلين عليهما ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم ... بل لم يعش بعد الإياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصارى ثم الخطمى، من قصيدة سيأتى ذكرها بجملتها: فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب فعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبى يكسوم هادى الكتائب كتيبته بالسهل تمشى ورجله ... على القاذفات فى رؤس المناقب «١» فلما أتاكم نصر ذى العرش ردهم ... جنود المليك بين ساف وحاصب فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى قومه ملحبش غير عصائب «٢» وقالت سبيعة بنت الأحب بن زبينة من بنى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور، لابنها خارجة بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، تعظم عليه حرمة مكة وتنهاه عن البغى فيها وتذكر تبعا وتذلله لها، والفيل وهلاك جيشه عندها: أبنى لا تظلم بمك ... ة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها بن ... ى ولا يغرنك الغرور أبنى من يظلم بمك ... ة يلق أطراف الشرور أبنى يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير أبنى قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور والله آمن طيرها ... والعصم «٣» تأمن فى ثبير ولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير «٤»

تها ... فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور والله آمن طيرها ... والعصم «٣» تأمن فى ثبير ولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير «٤»

وأذل ربى ملكه ... فيها فأوفى بالنذور يمشى إليها حافيا ... بفنائها ألفا بعير ويظل يطعم أهلها ... لحم المهارى والجزور يسقيهم العسل المصف ... ى والرحيض من الشعير والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصخور والملك فى أقصى البلا ... د وفى الأعاجم والجزير فاسمع إذا حدثت واف ... هم كيف عاقبة الأمور ولم يزل شعراء أهل الجاهلية يذكرون ذلك فى أشعارهم معتدين بصنع الله فيه، وقد جرى على ذلك شعراء الإسلام، فقال الفرزدق بن غالب التميمى، يمدح سليمان بن عبد الملك بن مروان ويعرض للحجاج بن يوسف، ويذكر الفيل وجيشه: فلما طغى الحجاج حين طغى به ... غنى قال إنى مرتق فى السلالم فقال كما قال ابن نوح سأرتقى ... إلى جبل من خشية الماء عاصم رمى الله فى جثمانه مثل ما رمى ... عن القبلة البيضاء ذات المحارم جنودا تسوق الفيل حتى أعادهم ... هباء وكانوا مطرخيمى الطراخم «١» نصر كنصر البيت إذ ساق فيله ... إليه عظيم المشركين الأعاجم قال ابن إسحاق «٢» : فلما هلك أبرهة ملك الحبشة ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم ملك اليمن فى الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة. فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذى يزن الحميرى حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا إليه ما هم فيه، وسأله أن يخرجهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فلم يشكه. فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة، فقال له النعمان: إن لى على كسرى وفادة فى كل عام، فأقم حتى يكون ذلك؛ ففعل. ثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان كسرى يجلس فى إيوان مجلسه الذى فيه تاجه، وكان تاجه مثل القلنقل العظيم، فيما يزعمون، يضرب فيه الياقوت والزبرجد

واللؤلؤ بالذهب والفضة، معلقا بسلسلة من ذهب فى رأس طاقة فى مجلسه ذلك، وكانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس فى مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه فى تاجه، فإذا استوى فى مجلسه كشفت عنه الثياب، فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له. فلما دخل عليه سيف بن يزن برك، وقيل: إنه لما دخل عليه طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا لأحمق! يدخل على من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه!. فقيل ذلك لسيف، فقال: إنما فعلت هذا لهمى، لأنه يضيق عنه كل شىء. ثم قال: أيها الملك، غلبنا على بلادنا الأغربة. فقال كسرى: أى الأغربة؟ الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرنى ويكون ملك بلادى لك. قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب، لا حاجة لى بذلك. ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة. فلما قبض ذلك سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس. فبلغ ذلك الملك فقال: إن لهذا لشأنا. ثم بعث إليه فقال: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس! فقال: وما أصنع بهذا؟! ما جبال أرضى التى جئت منها إلا ذهب وفضة، يرغبه فيها. فجمع كسرى مرازبته «١» فقال: ماذا ترون فى أمر هذا الرجل وما جاء له؟ فقال قائل: أيها الملك إن فى سجونك رجالا حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن يهلكوا كان ذلك الذى أردت، وإن ظفروا كان ملكا ازددته. فبعث معه كسرى من كان فى سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل، واستعمل عليهم رجلا منهم يقال له: وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا، فخرجوا فى ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصلت إلى ساحل عدن ست سفائن. فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له: رجلى مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا. قال وهرز: أنصفت. وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنوده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس

ليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنوده، فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقا عليهم. فلما تواقف الناس

على مصافهم قال وهرز: أرونى ملكهم. قالوا له: أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء؟. قال: نعم. قالوا: ذلك ملكهم. قال: اتركوه. فوقفوا طويلا ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحول على الفرس. قال: اتركوه. فوقفوا طويلا. ثم قال: علام هو؟ قالوا: على البغلة. قال وهرز: بنت الحمار! ذل وذل ملكه، إنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم. ثم أوتر قوسه، وكانت فيما يزعمون، لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بحاجبيه فعصبا له، ثم رمى فصك الياقوتة التى بين عينيه فتغلغلت النشابة فى رأسه حتى خرجت من قفاه؟ ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس وانهزموا فقتلوا وهربوا فى كل وجه. وأقبل وهرز ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتى منكسة أبدا، اهدموا الباب. فهدم، ثم دخلها ناصبا رايته. وقال فى ذلك أبو الصلت بن أبى ربيعة الثقفى، وتروى لابنه أمية بن أبى الصلت: ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... مذيم فى البحر للأعداء أحوالا يهم قيصر لما حاز رحلته ... فلم يجد عنده بعض الذى سالا حتى أتى ببنى الأحرار يحملهم ... إنك عمرى لقد أسرعت قلقالا «١» لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن أرى لهم فى الناس أمثالا بيضا مرازبة غلبا أساورة ... أسدا تربب فى الغيضات أشبالا أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى الأرض فلالا «٢» فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا «٣» واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم فى برديك إسبالا»

فى الأرض فلالا «٢» فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا «٣» واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم فى برديك إسبالا»

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم. وكان ملك الحبشة باليمن منذ دخلها أرياط إلى أن أخرجتهم الفرس عنها اثنتين وسبعين سنة، وفق ما ذكره سطيح وشق فى تأويل رؤيا ربيعة بن نصر. ثم مات وهرز، فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان بن المرزبان، ثم مات فأمر كسرى ابن التينجان، ثم عزله وولى باذان، فلم يزل عليها حتى بعث الله محمدا ﷺ «١» . فلما بلغ مبعثه كسرى كتب إلى باذان: إنه بلغنى أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبى، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلا فابعث إلى برأسه. فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله ﷺ، فكتب إليه رسول الله ﷺ: إن الله قد وعدنى أن يقتل كسرى فى يوم كذا من شهر كذا. فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر وقال: إن كان نبيا فسيكون ما قال. فقتل الله كسرى على يد ابنه شيرويه فى اليوم الذى قال رسول الله ﷺ. فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ. فقالت الرسل من الفرس: إلى من نحن يا رسول الله، قال: «أنتم منا وإلينا أهل البيت» . قال الزهرى: فمن ثم قال رسول الله ﷺ: «سلمان منا أهل البيت» «٢» . وكأن هذه الأخبار وإن قطعت بعض ما كنا بسبيله من أمر بنى قصى فلها أيضا من الإفادة بنحو ما قصدناه وحسن الإمتاع بالشأن المناسب لما اعتمدناه ما يحسن اعتراضها وينظم فى سلك واحد مع ما مر من ذلك أو يأتى أغراضها. وعلينا بمعونة الله فى تجويد الترتيب لذلك كله تطبيق المنفصل ورد هذه الأحاديث المتفرقة فى حكم الحديث المتصل، فنطيل ولا نمل، ونقصر فلا نخل كل ذلك ببركة

المختار الذى يممنا تخليد أوليته، وتيمنا بخدمة آثاره وسيرته، صلى الله عليه وعلى آله الأكرمين وصحابته. وكنا انتهينا من شأن بنى قصى بعده، إلى ما تراضوا به بينهم من الصلح على أن تكون السقاية والرفادة لبنى عبد مناف، وتكون حجابة البيت واللواء والندوة لبنى عبد الدار، على نحو ما جعله قصى إلى أبيهم. فولى السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف. وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد كثير، وكان هاشم موسرا، وكان فيما يزعمون، إذا حضر الحج قام صبيحة هلال ذى الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها، فيحض قومه على رفادة الحاج التى سنها لهم قصى، ويقول لهم فى خطبته: يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسنها وجوها، وأعظمها أحلاما، وأوسط العرب أنسابا، وأقرب العرب بالعرب أرحاما. يا معشر قريش، إنكم جيران بيت الله، أكرمكم الله بولايته وخصكم بجواره دون بنى إسماعيل، حفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره، وإنه يأتيكم فى هذا الموسم زوار الله، يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فأكرموا ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح، وقد أزحفوا وأرملوا فأقروهم وأعينوهم، فورب هذه البنية لو كان لى مال يحمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرج من طيب مالى وحلاله، ما لم تقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعله. وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبا لم تقطع فيه رحم، ولم يؤخذ غصبا «١» . فكانت بنو كعب بن لؤى وسائر قريش يجتهدون فى ذلك ويترافدون عليه، ويخرجون ذلك من أموالهم حتى يأتوا به هاشم بن عبد مناف فيضعوه فى داره، حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشىء اليسير على قدرهم. وكان هاشم يخرج فى كل سنة مالا كثيرا. وكان قوم من قريش أهل يسار، ربما أرسل كل إنسان منهم بمائة مثقال هرقلية. وكان هاشم يأمر بحياض من أدم، فتجعل فى موضع زمزم من قبل أن تحفر، ثم يستقى فيها من البيار التى بمكة، فيشرب الحاج.

سل كل إنسان منهم بمائة مثقال هرقلية. وكان هاشم يأمر بحياض من أدم، فتجعل فى موضع زمزم من قبل أن تحفر، ثم يستقى فيها من البيار التى بمكة، فيشرب الحاج.

وكان يطعمهم أول ما يطعمهم بمكة قبل التروية بيوم، ثم بمنى، وبجمع وعرفة، يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، فيطعمهم ويسقيهم حتى يصدروا. وكان اسم هاشم عمرا، ويقال له: عمرو العلا. وإنما سمى هاشما لهشمه الخبز بمكة لقومه، وهو فيما يذكرون أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف. وفى ذلك يقول بعض شعرائهم: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف «١» سنت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الإصياف وذلك أن قريشا كانوا قوما تجارا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، إنما يقدم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ويتبايعون فيما بينهم، ويبيعون ممن حولهم من العرب. فلم يزالوا كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام، فكان يذبح كل يوم شاة، فيصنع جفنة ثريد، ويدعو من حوله فيأكلون. وكان هاشم من أحسن الناس وأجملهم، إلى شرف نفسه وكرم فعاله. فذكر لقيصر فدعا به فلما رآه وكلمه أعجب به وأدناه. فلما رأى هاشم مكانه منه، طلب منه أمانا لقومه ليقدموا بلاده بتجاراتهم. فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم قيصر كتاب أمان لمن أتى منهم. فأقبل هاشم بذلك الكتاب، فكلما مر بحى من أحياء العرب أخذ من أشرافهم إيلافا لقومه يأمنون به عندهم وفى أرضهم من غير حلف، وإنما هو أمان الطريق. واستوفى أخذ ذلك ممن بين مكة والشام، فأتى قومه بأعظم شىء أتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم ليوفيهم إيلافهم الذى أخذ لهم من العرب، فلم يزل يوفيهم إياه، ويجمع بينهم وبين العرب حتى قدم بهم الشام. فهلك هاشم فى سفره ذلك بغزة من أرض الشام. وكان أول بنى عبد مناف هلكا. وخرج المطلب بن عبد مناف، وهو يسمى الفيض لسماحته وفضله، إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم أمانا لمن تجر من قومه إلى بلادهم، ثم أقبل يأخذ لهم الإيلاف ممن

لكا. وخرج المطلب بن عبد مناف، وهو يسمى الفيض لسماحته وفضله، إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم أمانا لمن تجر من قومه إلى بلادهم، ثم أقبل يأخذ لهم الإيلاف ممن

كان على طريقه من العرب، كما فعل أخوه هاشم، حتى أتى مكة، ثم رجع إلى اليمن، فمات بردمان. وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة، فأخذ منه أمانا كذلك لمن تجر من قريش إلى بلاده، ثم أخذ الإيلاف من العرب الذين على الطريق إليها حتى بلغ مكة، وتوفى بها فقبره بالحجون. وخرج نوفل بن عبد مناف، وكان أصغر ولد أبيه إلى العراق، فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى قدم مكة، ثم رجع إلى العراق فمات بسلمان من ناحية العراق. فجبر الله قريشا بهؤلاء النفر الأربعة من بنى عبد مناف، فنمت أموالهم، واتسعت تجارتهم، فكان بنو عبد مناف يسمون لأجل ذلك المجيزين، والعرب تسميهم أقداح النضار، لطيب أحسابهم، وكرم فعالهم. وقال مطرود بن كعب الخزاعى يبكيهم جميعا حين أتاه نعى نوفل منهم، وكان آخرهم هلكا: يا ليلة هيجت ليلاتى ... إحدى ليالى القسيات «١» وما أقاسى من هموم وما ... عالجت من رزء المنيات إذا تذكرت أخى نوفلا ... ذكرنى بالأوليات ذكرنى بالأزر الحمر وال ... أردية الصفر القشيبات «٢» أربعة كلهم سيد ... أبناء سادات لسادات ميت بردمان وميت بسل ... مان وميت بين غزات «٣» وميت أسكن لحدا لدى ال ... حجون شرقى البنيات أخلصهم عبد مناف فهم ... من لوم من لام بمنجاة إن المغيرات وأبناءها ... من خير أحياء وأموات «٤»

وإنما سماهم المغيرات لأن عبد مناف أباهم كان اسمه المغيرة. فقيل لمطرود فيما يزعمون: لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل مما هو كان أحسن. فقال: أنظرونى ليالى. فمكث أياما ثم قال: يا عين جودى وأذرى الدمع وانهمرى ... وابكى على السر من كعب المغيرات يا عين واسحنفرى بالدمع واحتفلى ... وابكى خبيئة نفسى فى الملمات «١» وابكى على كل فياض أخى ثقة ... ضخم الدسيعة وهاب الجزيلات «٢» محض الضريبة عالى الهم مختلق ... جلد النجيزة ناء بالعظيمات «٣» صعب البديهة لا نكس ولا وكل ... ماضى العزيمة متلاف الكريمات صقر توسط من كعب إذا نسبوا ... بحبوحة المجد والشم الرفيعات ثم اندبى الفيض والفياض مطلبا ... واستخرطى بعد فياض بجمات أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا ... يا لهف نفسى عليه بين أموات وابكى لك الويل إما كنت باكية ... لعبد شمس بشرقى البنيات وهاشم فى ضريح وسط بلقعة ... تسفى الرياح عليه بين غزات ونوفل كان دون القوم خالصتى ... أمسى بسلمان فى رمس بمومات لم ألق مثلهم عجما ولا عربا ... إذا استقلت بهم أدم المطيات أمست ديارهم منهم معطلة ... وقد يكونون زينا فى السريات* أفناهم الدهر أم كلت سيوفهم ... أم كل من عاش أزواد المنيات أصبحت أرضى من الأقوام بعدهم ... بسط الوجوه وإلقاء التحيات يا عين وابكى أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسرا مثل البليات** يبكين أكرم من يمشى على قدم ... يعولنه بدموع بعد عبرات

دهم ... بسط الوجوه وإلقاء التحيات يا عين وابكى أبا الشعث الشجيات ... يبكينه حسرا مثل البليات** يبكين أكرم من يمشى على قدم ... يعولنه بدموع بعد عبرات

يبكين شخصا طويل الباع ذا فخر ... أبى الهضيمة فراج الجليلات يبكين عمرو العلا إذ حان مصرعه ... سمح السجية بسام العشيات يبكينه مستكينات على حزن ... يا طول ذلك من حزن وعولات يبكين لما جلاهن الزمان له ... خضر الخدود كأمثال الحميات محتزمات على أوساطهن لما ... جر الزمان من أحداث المصيبات أبيت ليلى أراعى النجم من ألم ... أبكى وتبكى معى شجوى بنياتى ما فى القروم لهم عدل ولا خطر ... ولا لمن تركوا شروى بقيات أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم ... خير النفوس لدى جهد الأليات كم وهبوا من طمر سابح أرن ... ومن طمرة نهب فى طمرات ومن سيوف من الهندى مخلصة ... ومن رماح كأشطان الركيات ومن توابع مما يفضلون بها ... عند المسائل من بذل العطيات فلو حسبت وأحصى الحاسبون معى ... لم أحص أفعالهم تلك الهنيات هم المدلون إما معشر فخروا ... عند الفخار بأنساب نقيات زين البيوت التى خلوا مساكنها ... فأصبحت منهم وحشا خليات أقول والعين لا ترقا مدامعها ... لا يبعد الله أصحاب الرزيات وكان هاشم بن عبد مناف قد قدم المدينة فتزوج بها سلمى بنت عمرو أحد بنى عدى بن النجار، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح فيما ذكر ابن إسحاق. قال: وكانت لا تنكح الرجال لشرفها حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إن كرهت رجلا فارقته. فولدت لهاشم عبد المطلب فسمته شيبة «١» ، فتركه هاشم عندها حتى كان وصيفا أو فوق ذلك. ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه، فقالت له سلمى: لست بمرسلته معك. فقال لها المطلب: إنى غير منصرف حتى أخرج به معى، إن ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه، ونحن أهل بيت شرف فى قومنا نلى كثيرا من أمرهم، ورهطه وعشيرته وبلده خير له من الإقامة فى غيرهم. أو كما قال. وقال شيبة لعمه المطلب فيما يزعمون: لست بمفارقها إلا أن تأذن لى. فأذنت له

كثيرا من أمرهم، ورهطه وعشيرته وبلده خير له من الإقامة فى غيرهم. أو كما قال. وقال شيبة لعمه المطلب فيما يزعمون: لست بمفارقها إلا أن تأذن لى. فأذنت له

ودفعته إليه، فاحتمله فدخل به مكة مردفه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب ابتاعه. فبها سمى شيبة: عبد المطلب. فقال المطلب: ويحكم إنما هو ابن أخى هاشم قدمت به من المدينة «١» . وذكر الزبير أن شيبة إنما سمى عبد المطلب، لأن عمه المطلب لما قدم به من يثرب ودخل به مكة ضحوة مردفه خلفه والناس فى أسواقهم ومجالسهم، قاموا يرحبون به ويقولون: من هذا معك؟ فيقول: عبد لى ابتعته بيثرب، فلما كان العشية ألبسه حلة ابتاعها له، ثم أجلسه فى مجلس بنى عبد مناف وأخبرهم خبره، فجعل بعد ذلك يخرج فى تلك الحلة فيطوف فى سكك مكة، وكان أحسن الناس، فيقولون: هذا عبد المطلب، لقول المطلب فيه ذلك، فلج اسمه عبد المطلب، وترك شيبة. وكان يقال لعبد المطلب: شيبة الحمد، وإنما سمى شيبة لأنه كان فى ذؤابته شعرة بيضاء. ثم ولى عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم من أمرهم قبله، وشرف فى قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم. ويقال: كان يعرف فى عبد المطلب نور النبوة وهيبة الملك. قال الزبير: ومكارم عبد المطلب أكثر من أن أحيط بها، كان سيد قريش غير مدافع نفسا وأبا وبيتا وجمالا وبهاء وفعالا وكمالا. فصلى الله على المنتخب من ذريته، المخصوص بأولية الفخر وآخريته، وعلى آله الأكرمين وعترته وسلم تسليما.

ذكر حفر عبد المطلب زمزم وما يتصل بذلك من حديث مولد رسول الله ﷺ قد تقدم الخبر عن زمزم أنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، التى سقاه الله حين ظمأ وهو صغير.

وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة بين صنمى قريش إساف ونائلة عند منحر قريش، فبقى أمرها كذلك إلى أن أمر عبد المطلب بن هاشم بحفرها. فذكر ابن إسحاق «١» وغيره من حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال عبد المطلب: إنى لنائم فى الحجر إذ أتانى آت فقال: احفر طيبة. قلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر برة. فقلت: وما برة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه، فجاءنى فقال: احفر المضنونة. فقلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عنى. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى فنمت فيه فجاءنى فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم؟. قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقى الحجيج الأعظم، وهى بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل «٢» . فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر. فلما بدا لعبد المطلب الطى كبر. فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشر كنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: اجعلوا بينى وبينكم من شئتم نحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بنى سعد بن هذيم، قال: نعم. وكانت بأطراف الشام. فركب عبد المطلب ومعه نفر من بنى أبيه من بنى عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز. قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فنى ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسا مثل ما أصابكم. فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا

قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسا مثل ما أصابكم. فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا

ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت. قال: فإنى أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه فى حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلا واحدا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا. قالوا: نعم ما أمرت به، فقام كل رجل منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب فى الأرض ولا نبتغى لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا. فارتحلوا، حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم. ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا. فجاؤا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك فى زمزم أبدا، إن الذى سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذى سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها. وفى غير حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه، أن عبد المطلب قيل له حين أمر بحفر زمزم: ثم ادع بالماء الروى غير الكدر ... يسقى حجيج الله فى كل مبر ليس يخاف منه شىء ما عمر فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلمون أنى قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هى؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مضجعك الذى رأيت فيه ما رأيت فإن يك حقا من الله يبين لك، وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك. فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهى تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم، تستقى الحجيج الأعظم،

رجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتى فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهى تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم، تستقى الحجيج الأعظم،

مثل نعام جافل «١» لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهى بين الفرث والدم. فزعموا أنه حين قيل له ذلك قال: وأين هى؟ قيل له: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها، بين الوثنين إساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحهما. فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركنك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما. فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذب عنى فو الله لأمضين لما أمرت به. فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى، فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها أسيافا قلعية «٢» وأدراعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك فى هذا شرك وحق، قال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بينى وبينكم، فضرب عليها بالقداح. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولى قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شىء فهو له ومن تخلف قدحاه فلا شىء له، قالوا: أنصفت. فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش. ثم أعطوا القداح الذى يضرب بها عند هبل، وهبل صنم فى جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم، وهو الذى عنى أبو سفيان بن حرب لما نادى يوم أحد: اعل هبل، أى أظهر دينك. وقام عبد المطلب يدعو الله، وضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على

الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب فى الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة، فيما يزعمون «١» . وذكر الزبير أن عبد المطلب لما أنبط الماء فى زمزم حفرها فى القرار ثم بحرها حتى لا تنزف، ثم بنى عليها حوضا فطفق هو وابنه ينزعان عليها فيملآن ذلك الحوض، فيشرب منه الحاج. وكان قوم حسدة من قريش لا يزالوان يكسرون حوضه ذلك بالليل ويغتسلون فيه، فيصلحه عبد المطلب حين يصبح. فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه، فقيل له فى المنام: قل: اللهم إنى لا أحلها لمغتسل، وهى لشارب حل وبل. فقام عبد المطلب فى المسجد فنادى بالذى أرى، ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش أو يغتسل فيه إلا رمى فى جسده بداء، حتى تركوا حوضه ذلك وسقايته فرقا. وذكر الزبير أيضا أن عبد المطلب لما حفر زمزم وأدرك منها ما أدرك وجدت قريش فى أنفسها مما أعطى، فلقيه خويلد بن أسد بن عبد العزى، فقال: يا ابن سلمى، لقد سقيت ماء رغدا ونثلت عادية حتدا، قال: يا ابن أسد، أما إنك تشرك فى فضلها، والله لا يساعفنى أحد عليها ببر ولا يقوم معى بأزر إلا بذلت له خيرا لصهر. فقال خويلد بن أسد: أقول وما قولى عليهم بسنة ... إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم حفيرة إبراهيم يوم ابن آجر ... وركضة جبريل على عهد آدم فقال عبد المطلب: ما وجدت أحدا ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج، وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة «٢» ، وكانت خارجا من مكة آبار حفائر قديمة من عهد مرة بن كعب وكلاب بن

عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج، وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت بئارا بمكة «٢» ، وكانت خارجا من مكة آبار حفائر قديمة من عهد مرة بن كعب وكلاب بن

مرة وكبراء قريش الأول، منها يشربون، فعفت زمزم على تلك البئار التى كانت قبلها يسقى عليها الحاج. وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب. وكان عبد المطلب فيما يزعمون «١» والله أعلم، قد نذر حين لقى من قريش ما لقى عند حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله ﷿ عند الكعبة. فلما توافى بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء به، فأطاعوه وقالوا: وكيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب اسمه فيه ثم ائتونى ففعلوا، ثم أتوه فدخل بهم على هبل فى جوف الكعبة، وكان على بئر فى جوف الكعبة، فيها يجمع ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل قداح سبعة بها يضربون على ما يريدون، وإلى ما تخرج به القداح ينتهون فى أمورهم. فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه. وأخبره بنذره الذى نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذى فيه اسمه. وكان عبد الله بن عبد المطلب أحب بنى أبيه إليه فيما يزعمون، فكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى. فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله،

بنى أبيه إليه فيما يزعمون، فكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى. فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله،

ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه فيذبحه فما بقاء الناس على هذا؟!. وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بنم مخزوم، وكان عبد الله بن أخت القوم، أمه وأم أخويه الزبير وأبى طالب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع، فتسألها ثم أنت على رأس أمرك، إن أمرتك بذبحه ذبحته وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها فيما يزعمون، بخيبر، فركبوا حتى جاؤها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به ونذره فيه. فقالت لهم: ارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله. فرجعوا من عندها، فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها فقالت لهم: قد جاءنى الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم.

من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، وعبد المطلب عند هبل يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، فبلغت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل، ومازالوا كذلك يزيدون عشرا فعشرا من الإبل ويضربون عليها، كل ذلك يخرج القدح على عبد الله، حتى بلغت الإبل مائة من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش: قد انتهى، رضى ربك يا عبد المطلب. فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة وعبد المطلب قائم يدعو الله، فخرج القدح فى كلتيهما على الإبل.

فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع. ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد الله، فمر به فيما يزعمون، على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى «١» ، وهى أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهى عند الكعبة. قال الزبير: وكان عبد الله أحسن رجل رئى فى قريش قط، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله. قال: مع أبى. قالت: لك مثل الإبل التى نحرت عنك وقع على الآن، قال: أنا مع أبى ولا أستطيع خلافه ولا فراقه. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وهو يومئذ سيد بنى زهرة سنا وشرفا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا. فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها فحملت برسول الله ﷺ، ثم خرج من عندها فأتى المرأة التى عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين على اليوم ما عرضت بالأمس، قالت له: فارقك النور الذى كان معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل، وكان تنصر واتبع الكتب، أنه كائن فى هذه الأمة نبى. ويقال: إن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة ابنة وهب، وقد عمل فى طين له وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسها، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك، ثم خرج عائدا إلى آمنة، فمر بتلك المرأة فدعته إلى نفسها فأبى عليها، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد رسول الله ﷺ، ثم مر بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررت بى وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها. فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث: أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن تكون تلك بى، فأبى على ودخل على آمنة فأصابها فحملت برسول الله ﷺ.

ا أن امرأته تلك كانت تحدث: أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن تكون تلك بى، فأبى على ودخل على آمنة فأصابها فحملت برسول الله ﷺ.

فكان رسول الله ﷺ أوسط قومه نسبا، وأعظمهم شرفا، من قبل أبيه وأمه ﷺ، ويزعمون فيما يتحدث الناس، والله أعلم، أن أمه كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا. ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله ﷺ، أن هلك وأمه حامل به. هذا قول ابن إسحاق «١» . وخالفه كثير من العلماء، فقالوا: إن النبى ﷺ كان فى المهد حين توفى أبوه. ذكره الدولابى وغيره. وذكر ابن أبى خيثمة أنه كان ابن شهرين، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم. وولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول عام الفيل. قيل: بعد الفيل بخمسين يوما «٢» . وحكى الواقدى عن سليمان بن سحيم قال: كان بمكة يهودى يقال له يوسف، فلما كان اليوم الذى ولد فيه رسول الله ﷺ قبل أن يعلم به أحد من قريش قال: يا معشر قريش قد ولد نبى هذه الأمة فى بحرتكم هذه اليوم. وجعل يطوف فى أنديتهم فلا يجد خبرا، حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل فقيل له: ولد لابن عبد المطلب غلام. فقال: هو نبى والتوراة. وقال حسان بن ثابت: والله إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما

لس عبد المطلب فسأل فقيل له: ولد لابن عبد المطلب غلام. فقال: هو نبى والتوراة. وقال حسان بن ثابت: والله إنى لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما

أسمع إذا سمعت يهوديا يصرخ على أطمة بيثرب: يا معشر يهود. حتى إذا اجتمعوا قالوا: ويلك! مالك! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذى ولد به «١» . وذكر ابن السكن من حديث عثمان بن أبى العاص عن أمه فاطمة بنت عبد الله، أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلا. قالت: فما شىء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإنى لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأقول لتقعن على. وذكر ابن مخلد فى تفسيره أن إبليس رن أربع رنات، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله ﷺ، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب! قال ابن إسحاق «٢» : فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام، فائته فانظر إليه. فأتاه ونظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت أن تسميه. فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها. ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها. زعموا أنه أرى فى منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء وطرف فى الأرض وطرف فى المشرق وطرف فى المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها. فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض. فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته أمه. ولا يعرف فى العرب أحد تسمى بهذا الاسم قبله، سوى نفر سموا به من أجله منهم محمد بن سفيان بن مجاشع التميمى، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح، وآخر من ربيعة. وكان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك ممن كان عنده علم بالكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبى ﷺ وتقارب زمانه، وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا. ففعلوا ذلك رجاء أن يكونه. والله أعلم حيث يجعل رسالاته. وقد وقع فى مواضع أخر أن هؤلاء النفر كانوا أربعة، ولم يذكر فيهم محمد بن أحيحة، وحديثهم مخالف لما ذكرناه خلافا يسيرا.

روينا من حديث عبد الملك بن أبى سوية عن أبيه عن جده قال: سألت محمد بن عدى بن ربيعة: كيف سماك أبوك محمدا؟ فقال: سألت أبى عما سألتنى عنه، فقال: خرجت رابع أربعة من بنى تميم أنا فيهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم وأسامة بن مالك ابن خندف ويزيد بن ربيعة، نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا إلى غدير عليه شجرات وقربه شخص نائم، فتحدثنا فاستمع كلامنا وأشرف علينا فقال: إن هذه لغة ما هى لغة أهل هذه البلاد. فقلنا: نحن قوم من مضر قال: من أى المضريين؟ قلنا: من خندف. قال: أما إنه يبعث فيكم وشيكا نبى خاتم النبيين فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا. فقلت له: ما اسمه؟ قال: محمد: فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل رجل منا ابن سماه محمدا. والتمس لرسول الله ﷺ الرضعاء، فاسترضع له من امرأة من بنى سعد بن بكر يقال لها: حليمة بنت أبى ذؤيب «١» . وكانت تحدث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها ترضعه، فى نسوة من بنى سعد بن بكر تلتمس الرضعاء. قالت: وفى سنة شهباء «٢» لم تبق لنا شيئا. قالت: فخرجت على أتان لى قمراء «٣» معنا شارف لنا «٤» ، والله ما تبض بقطرة ولا ننام ليلتان أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج. فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفا وعجفا. حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله

ث والفرج. فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفا وعجفا. حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله

صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده!! فكنا نكرهه لذلك. فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره. فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روى. ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك. وقام زوجى إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل «١» ، فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا. فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة! قلت: والله إنى لأرجو ذلك. ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معى، فو الله لقطعت بالركب، ما يقدر على شىء من حميرهم، حتى إن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك! اربعى «٢» علينا! أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها؟! فأقول لهن: بلى والله إنها لهى. فيقلن: والله إن لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا، فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب. فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمى شباعا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتان وفصلته. وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جعفرا. فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته.

تان وفصلته. وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جعفرا. فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته.

فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بنى عندى حتى يغلظ، فإنى أخشى عليه وباء مكة. فلم نزل بها حتى ردته معنا، فرجعنا به. فو الله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفى بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لى ولأبيه ذاك أخى القرشى قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه. قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدناه قائما منتقعا وجهه. قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا: ما لك يا بنى؟ قال: «جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى فشقا بطنى فالتمسا فيه شيئا لا أدرى ما هو» «١» . قالت: فرجعنا به إلى خبائنا وقال لى أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به. قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر «٢» ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟. قلت: قد بلغ والله بابنى، وقضيت الذى على، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين. قالت: ما هذا شأنك، فاصدقينى خبرك. قالت: فلم تدعنى حتى أخبرتها. قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت: نعم. قالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لبنى لشأنا، أفلا أخبرك خبره، قلت: بلى. قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج منى نور أضاء لى قصور بصرى من أرض الشام. ثم حملت به، فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقى راشدة «٣» .

Bagian 3 dari 40