— Bagian 22 · ليك، لهم بلاد منكرة، فلا تؤتى إلا من مفازة، فارف… —
Bagian 22
ليك، لهم بلاد منكرة، فلا تؤتى إلا من مفازة، فارفق بجيشك فى تلك المفازة، فإن فى جيشك قوما أهل ضعف، أرجو أن تنصر بهم حتى تدخل بلادهم إن شاء الله تعالى. فإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذى يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإن أعطاك الله الظفر عليهم، فأقل البقيا عليهم إن شاء الله تعالى، وإياك أن تلقانى غدا بما يضيق صدرى به منك، اسمع عهدى ووصيتى، لا تغيرن على دار سمعت فيها أذانا حتى تعلم ما هم عليه، وإياك وقتل من صلى، واعلم يا خالد أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، واعلم أن رعيتك إنما تعمل بما تراك تعمل، كف عليك أطرافك، وتعاهد جيشك، وانههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله تعالى.
ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها قالوا: وسار خالد بن الوليد ومعه عدى بن حاتم، وقد انضم إليه من طيىء ألف رجل، فنزل بزاخة، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام، وهى بطن من طيىء، وكان عدى بن حاتم من الغوث، وقد همت جديلة أن ترتد، فجاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائى، فقال: أتريدون أن تكونوا سبة على قومكم، لم يرجع رجل واحد من طيىء، وهذا أبو طريف عدى بن حاتم، معه ألف رجل من طيىء، فكسرهم، فلما نزل خالد بزاخة، قال لعدى: يا أبا طريف، ألا نسير إلى جديلة؟ فقال: يا أبا سليمان، لا تفعل، أقاتل معك بيدين أحب إليك، أم بيد واحدة؟ فقال خالد: بل بيدين، قال عدى: فإن جديلة إحدى يدى، فكف خالد عنهم، فجاءهم عدى فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد.
، أم بيد واحدة؟ فقال خالد: بل بيدين، قال عدى: فإن جديلة إحدى يدى، فكف خالد عنهم، فجاءهم عدى فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد. فلما رآهم خالد فزع منهم، وظن أنهم أتوا للقتال، فصاح فى أصحابه بالسلاح، فقيل له: إنما هى جديلة أتت تقاتل معك، فلما جاؤا حلوا ناحية، وجاءهم خالد، فرحب بهم، وفرح بهم، واعتذروا إليه من اعتزالهم، وقالوا: نحن لك حيث أحببت، فجزاهم خيرا، فلم يرتد من طيىء رجل واحد، فسار خالد على تعبئته، وطلب إليه عدى أن يجعل قومه مقدمة أصحابه، فقال: يا أبا طريف، إن الأمر قد اقترب، وأنا أخاف أن أقدم قومك، فإذا ألحمهم القتال انكشفوا، فانكشف من معنا، ولكن دعنى أقدم قوما صبرا، لهم سوابق ونيات، وهم من قومك. قال عدى: الرأى ما رأيت، فقدم المهاجرين، والأنصار، ولم يزل خالد يقدم طليعته منذ خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة، وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا به عند مواقيت الصلاة بالأذان لها، فيكون ذلك أمانا لهم، ودليلا على إسلامهم، وانتهى خالد والمسلمون إلى عسكر طليحة، وقد ضربت لطليحة قبة من أدم، وأصحابه حوله معسكرون، فانتهى خالد ممسيا، فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة، وخرج يسير على فرس معه نفر من أصحاب النبى ﷺ، فوقف من عسكر طليحة غير بعيد، ثم قال: يخرج إلى طليحة، فقال أصحابه: لا تصغر اسم نبينا، وهو طلحة. فخرج طليحة فوقف، فقال له خالد: إن من عهد خليفتنا إلينا أن ندعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن تعود إلى ما خرجت منه، فنقبل منك، ونغمد سيوفنا عنك، فقال: يا خالد، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، وأنى نبى مرسل يأتينى ذو النون، كما كان جبريل يأتى محمدا، وقد كان ادعى هذا فى عهد النبى
صلى الله عليه وسلم، فقال النبى ﷺ: لقد ذكر ملكا عظيما فى السماء يقال له: ذو النون، وكان عيينة بن حصن قد قال له: لا أبا لك، هل أنت مرينا بعض نبوتك، فقد رأيت ورأينا ما كان يأتى محمدا، قال: نعم، فبعث عيونا له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلا إليهم قبل أن يسمع بذكر خالد، وقال: إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بنى نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين، فهيئوا فارسين، فبعثوهما، فخرجا يركضان، فلقيا عينا لخالد بن الوليد، فقالا: ما وراءك؟ فقال: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، قد أقبلوا، فأتوا به إليه، فزادهم فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟. فلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه انصرف خالد إلى معسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل، وعدى بن حاتم، وكان لهما صدق نية ودين، فباتا يحرسان فى جماعة من المسلمين، فلما كان فى السحر، نهض خالد فعبأ أصحابه، ووضع ألويته مواضعها، ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب، فتقدم به، وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، وطلبت طيىء لواء يعقد لها، فعقد خالد لواء ودفعه إلى عدى بن حاتم، فلما سمع طليحة حركة القوم عبأ أصحابه، وجعل خالد يسوى الصفوف على رجليه، وطليحة يسوى أصحابه على راحلته، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة، فلما انتهى إليه، خرج إليه طليحة بأربعين غلاما جلداء من جنوده، مردا، فأقامهم فى الميمنة، فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة، فتضعضع الناس ولم يقتل أحد، ثم أقامهم فى الميسرة ففعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال رجل من هوازن، حضرهم يومئذ: إن خالدا لما كان ذلك قال: يا معشر الأنصار، الله الله، واقتحم وسط القوم، وكر عليه أصحابه، فاختلطت الصفوف، واختلفت السيوف بينهم، وضرس خالد فى القتال، فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله، فإنك أمير القوم، ولا ينبغى لك أن تقدم، فيقول: والله إنى لأعرف ما تقولون، ولكنى والله ما رأيتنى أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين.
رسه ويقولون له: الله الله، فإنك أمير القوم، ولا ينبغى لك أن تقدم، فيقول: والله إنى لأعرف ما تقولون، ولكنى والله ما رأيتنى أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين. وفيما ذكر الكلبى عن بعض الطائيين: أنه نادى مناد من طيىء، يعنى عندما حمل أولئك الأربعون غلاما على المسلمين: يا خالد، عليك سلمى وأجأ فقال: بل إلى الله الملجأ، قال: ثم حمل، فو الله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، وقاتل خالد يومئذ بسيفين، حتى قطعهما، وتراد الناس بعد الهزيمة، واشتد القتال، وأسر حبال ابن أبى حبال، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبى بكر، فقال: اضربوا عنقى ولا ترونى محمديكم هذا، فضربوا عنقه.
وذكر الواقدى عن ابن عمر، قال: نظرت إلى راية طليحة يومئذ، حمراء يحملها رجل منهم لا يزول بها فترا، فنظرت إلى خالد أتاه فحمل عليه فقتله، فكانت هزيمتهم، فنظرت إلى الراية تطؤها الإبل والخيل والرجال حتى تقطعت. وعنه، قال: يرحم الله خالد بن الوليد، لقد كان له غناء وجرأة، ولقد رأيته يوم طليحة يباشر الحرب بنفسه حتى ليم فى ذلك، ولقد رأيته يوم اليمامة يقاتل أشد القتال، إن كان مكانه ليتقى حتى يطلع إلينا منبهرا. ولما تراجع المسلمون، وضرس القتال، تزمل طليحة بكساء له ينتظر، زعم أن ينزل عليه الوحى، فلما طال ذلك على أصحابه وهدتهم الحرب، جعل عيينة بن حصن يقاتل ويذمر الناس. قال ابن إسحاق: قاتل يومئذ فى سبعمائة من فزارة قتالا شديدا، حتى إذا لج المسلمون عليهم بالسيف وقد صبروا لهم، أتى طليحة وهو متلثم فى كسائه، فقال: لا أبا لك، هل أتاك جبريل بعد؟ قال: يقول طليحة وهو تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد، فقال عيينة: تبا لك سائر اليوم، ثم رجع عيينة فقاتل، وجعل يحض أصحابه وقد ضجوا من وقع السيوف. فلما طال ذلك على عيينة جاء طليحة وهو مستلق متسج بكسائه فجبذه جبذة جلس منها، وقال له: قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شىء؟ فقال: طليحة: قد قيل لى:
فلما طال ذلك على عيينة جاء طليحة وهو مستلق متسج بكسائه فجبذه جبذة جلس منها، وقال له: قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شىء؟ فقال: طليحة: قد قيل لى: إن لك رحا كرحاه، وأمرا لن تنساه، فقال عيينة: أظن قد علم الله أن سيكون لك أمر لن تنساه، يا فزارة، هكذا، وأشار له تحت الشمس، هذا والله كذاب، ما بورك له ولا لنا فيما يطالب، فانصرفت فزارة، وذهب عيينة وأخوه فى آثارها، فيدرك عيينة فأسر، وأفلت أخوه، ويقال: أسر عيينة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائى، فأراد خالد قتله حتى كلمه فيه رجل من بنى مخزوم، فترك قتله. ولما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون، خرج منهزما، وأسلمه الشيطان، فأعجزهم هو وأخوه، فجعل أصحابه يقولون له: ماذا ترى؟ وقد كان أعد فرسه وهيأ امرأته النوار فوثب على فرسه، وحمل امرأته وراءه فنجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل، ولينج بأهله، ثم هرب حتى قدم الشام، فأقام عند بنى جفنة الغسانيين. وفى كتاب يعقوب الزهرى: أن طليحة قال لأصحابه لما رأى انهزامهم: ويلكم ما
يهزمكم؟ فقال له رجل منهم: أنا أخبرك أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله، وأنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه. وذكر ابن إسحاق أن طليحة لما ولى هاربا تبعه عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وقد كان طليحة أعطى الله عهدا أن لا يسأله أحد النزول إلا فعل، فلما أدبر ناداه عكاشة: يا طليحة، فعطف عليه، فقتل عكاشة، ثم أدركه ثابت، فقتله أيضا طليحة، ثم لحق بالشام. وقال طليحة يذكر قتله إياهما: زعمتم بأن القوم لن يقتلوكم ... أليسوا وإن لم يسلموا برجال عدلت لهم صدر الحمالة إنها ... معودة قيل الكماة نزال فيوما تفى بالمشرفية خدها ... ويوما تراها فى ظلال عوال ويوما تراها فى الجلال مصونة ... ويوما تراها غير ذات جلال عشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمى عند مجال فإن يك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال وقد قيل فى قتلها غير هذا، وهو ما ذكره الواقدى عن عميلة الفزارى، وكان عالما بردتهم: أن خالد بن الوليد كان لما دنا من القوم بعث عكاشة وثابتا طليعة أمامه، وكانا فارسين، فلقيهما طليحة وأخاه مسيلمة ابنى خويلد، طليعة لمن وراءهما من الناس، وخلفوا عسكرهم من ورائهم، فلما التقوا، انفرد طليحة بعكاشة، ومسلمة بثابت، فلم يلبث مسلمة أن قتل ثابتا، وصرخ طليحة بمسلمة: أعنى على الرجل فإنه قاتلى، فكر معه على عكاشة، فقاتلاه ﵀، ثم كرا راجعين إلى من وراءهما، وأقبل خالد معه المسلمون، فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم قتيلا تطؤه المطى، فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيرا حتى وطئوا عكاشة قتيلا، فثقل على المطى، كما وصف واصفهم، حتى ما تكاد المطى ترفع أخفافها. وفى كتاب الزهرى: ثم لحقوا أصحاب طليحة، فقتلوا وأسروا، وصاح خالد: لا يطبخن رجل قدرا ولا يسخنن ماء إلا على أثفية رأس رجل، وتظلف رجل من بنى أسد، فوثب على عجز راحلة خالد وهو يقول: لن يخزى الله قوما أنت قائدهم ... يا ابن الوليد ولن تشقى بك الدبر كفاك كف عقاب عند سطوتها ... على العدو وكف برة عقر أنشدك الله أن يكون هلاك مضر اليوم على يديك، قال: من أنت ويحك؟ قال: أنا
بن الوليد ولن تشقى بك الدبر كفاك كف عقاب عند سطوتها ... على العدو وكف برة عقر أنشدك الله أن يكون هلاك مضر اليوم على يديك، قال: من أنت ويحك؟ قال: أنا
الأباء بن قيس يا خالد، حكمك فى بنى أسد، قال: حكمى فيهم أن يقيموا الصلاة، ثم يؤتوا الزكاة، ثم يرجعوا إلى بلادهم، فمن كان له بها مال فليعمده، وليسلم عليه، فهو له. فأقروا بذلك، فنادى خالد: من قام فهو آمن، فقام الناس كلهم، فآمن من قام. وسمعت بذلك بنو عامر، فأعلنوا بالإسلام، وأمر خالد بالحظائر أن تبنى، ثم أوقد فيها النار، ثم أمر بالأسرى، فألقيت فيها، وألقى يومئذ حامية بن سبيع بن الحسحاس الأسدى، وهو الذى كان رسول الله ﷺ، استعمله على صدقات قومه فارتد عن الإسلام. وأخذ أم طليحة، إحدى نساء بنى أسد، فعرض عليها الإسلام، فأبت، ووثبت فاقتحمت النار وهى تقول: يا موت عم صباحا ... كافحته كفاحا إذا لم أجد براحا وذكر الواقدى عن يعقوب بن يزيد بن طلحة: أن خالدا جمع الأسارى فى الحظائر، ثم أضرمها عليهم، فاحترقوا وهم أحياء، ولم يحرق أحد من بنى فزارة، فقلت لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ فقال: بلغت عنهم مقالة سيئة، شتموا النبى ﷺ، وثبتوا على ردتهم. وذكر عن غير يعقوب: أن خالدا أمر بالأخدود يحفر، فقيل له: ما تريد بهذا الأخدود؟ قال: أحرقهم بالنار، فكلم فى ذلك، فقال: هذا عهد الصديق أبى بكر إلى، اقرؤه فى كل مجمع: إن أظفرك الله بهم فاحرقهم بالنار. وعن عبد الله بن عمر، قال: شهدت بزاخة فظفرنا الله على طليحة، فكنا كلما أغرنا على القوم سبينا الذرارى واقتسمنا أموالهم. ذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام ولما أوقع الله ببنى أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة بعث خالد بن الوليد السرايا ليصيبوا ما قدروا عليه ممن هو على ردته، وجعلت العرب تسير إلى خالد راغبة فى الإسلام أو خائفة من السيف، فمنهم من أصابته السرية، فيقول: جئت راغبا فى الإسلام، وقد رجعت إلى ما خرجت منه، ومنهم من يقول: ما رجعنا ولكنا منعنا أموالنا وشححنا
أو خائفة من السيف، فمنهم من أصابته السرية، فيقول: جئت راغبا فى الإسلام، وقد رجعت إلى ما خرجت منه، ومنهم من يقول: ما رجعنا ولكنا منعنا أموالنا وشححنا
عليها، فقد سلمناها فليأخذ منها حقه، ومنهم من لم تظفر به السرايا، فانتهى إلى خالد مقرا بالإسلام، ومنهم من مضى إلى أبى بكر الصديق ولم يقرب خالدا. قال الواقدى: فاختلفوا علينا فى قرة بن هبيرة القشيرى «١» ، فقال قائل: هرب إلى أبى بكر وأسلم عنده، وقال قائل: أخذته خيل خالد، فأتت به إليه، ومنهم من قال: جاء إلى خالد بن الوليد شاردا حين جاءت بنو عامر إلى خالد، وهو أثبت عندنا. قال بعضهم: وكانت بنو عامر تربص لمن الدبرة، وصاحب أمرهم قرة بن هبيرة، فقام فيهم أبو حرب ربيعة بن خويلد العقيلى، وهو يومئذ، فارس عامر ورجلها، فقال: مهلا يا بنى عامر، قد قتلتم رسل رسول الله ﷺ، إلى بئر معونة، وأخفرتم ذمة أبى براء، وأرداكم عامر بن الطفيل، وقد أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، فكسرهم قوله، وقد رضوه، وكان عرض لعمرو بن العاص مقدمه من عمان بعد وفاة رسول الله ﷺ، مع قرة بن هبيرة ما نذكره، وذلك أن عمرا كان عاملا للنبى ﷺ، على عمان، فجاءه يوما يهودى من يهود عمان، فقال: أرأيتك إن سألتك عن شىء أأخشى على منك؟ قال: لا، قال اليهودى: أنشدك الله، من أرسلك إلينا؟ قال: اللهم، رسول الله ﷺ، فقال اليهودى: الله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: اللهم نعم، فقال اليهودى: لئن كان حقا ما تقول لقد مات اليوم.
سلك إلينا؟ قال: اللهم، رسول الله ﷺ، فقال اليهودى: الله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: اللهم نعم، فقال اليهودى: لئن كان حقا ما تقول لقد مات اليوم. فلما رأى عمرو ذلك جمع أصحابه وحواشيه، وكتب ذلك اليوم الذى قال له اليهودى فيه ما قال، ثم خرج بخفراء من الأزد وعبد القيس، يأمن بهم، فجاءته وفاة رسول الله ﷺ بهجر، ووجد ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى، فسار حتى قدم أرض بنى حنيفة، فأخذ منهم خفيرا حتى جاء أرض بنى عامر، فنزل على قرة بن هبيرة القشيرى، فقال له حين أراد عمرو أن يركب: إن لك عندى نصيحة، وأنا أحب أن تسمعها، إن صاحبك قد توفى، قال عمرو: وصاحبنا هو لا أم لك، يعنى دونك، قال له قرة: وإنكم يا معشر قريش كنتم فى حرمكم تأمنون فيه ويأمنكم الناس، ثم خرج منكم رجل يقول ما سمعت، فلما بلغنا ذلك لم نكرهه، وقلنا، رجل من مضر يريد يسوق الناس، وقد توفى، والناس إليكم سراع، وإنهم غير معطيكم شيئا، فالحقوا بحرمكم تأمنون فيه، وإن كنت غير فاعل، فعدنى حيث شئت آتك، فوقع به عمرو وقال: إنى أرد عليك نصيحتك، وموعدك حفش أمك، قال قرة: إنى لم أرد هذا، وندم على مقالته، ويقال:
خرج مع عمرو فى مائة من قومه خفراء له. وأقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين، حتى أتى على ذى القصة، فلقى عيينة بن حصن خارجا من المدينة، وذلك حين قدم على أبى بكر يقول: إن جعلت لنا شيئا كفيناك ما وراءنا، فقال له عمرو بن العاص: ما وراءك يا عيينة؟ من ولى الناس أمورهم؟ قال: أبو بكر. فقال عمرو: الله أكبر، قال عيينة: يا عمرو، استوينا نحن وأنتم، فقال عمرو: كذبت يا ابن الأخابث من مضر، وسار عيينة فجعل يقول لكل من لقى من الناس: احبسوا عليكم أموالكم. قالوا: فأنت ما تصنع؟ قال: لا يدفع إليه رجل من فزارة عناقا واحدة، ولحق عند ذلك بطليحة الأسدى، فكان معه. وقدم عمرو المدينة، فأخبر أبا بكر بما كان فى وجهه، وبمقالة قرة بن هبيرة، وبمقالة عيينة بن حصن، وأتى عمرو خالدا حين بعثه أبو بكر إلى أهل الردة، فجعل يقول: يا أبا سليمان، لا يفلت منك قرة بن هبيرة، فلما صنع الله بأهل بزاخة ما صنع، عمد خالد إلى جبلى طيىء فأتته عامر وغطفان يدخلون فى الإسلام، ويسألونه الأمان على مياههم وبلادهم، وأظهروا له التوبة، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فأمنهم خالد، وأخذ عليهم العهود والمواثيق ليبايعن على ذلك أبناءكم ونساءكم آناء الليل وآناء النهار، فقالوا: نعم نعم، ولما اجتمعوا إليه، قال خالد: أين قرة بن هبيرة القشيرى؟ قال: ها أنا ذا، قال: قدمه فاضرب عنقه، وقال: أنت المتكلم لعمرو بن العاص بما تكلمت به وأنت المتربص بالمسلمين الدوائر، ولم تنصر وقلت إن كانت الدائرة على المسلمين فمالى بيدى، وجمعت قومك على ذلك، ورأسك قومك، ولم تكن بأهل أن ترأس ولا تطاع. قال: يا ابن المغيرة، إن لى عند عمرو بن العاص شهادة، فقال خالد: عمرو الذى نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمت به. ويروى أنه قال له هذا ما قال لك عمرو: سيأتيك فى حفش أمك. فقال له قرة: يا أبا سليمان، إنى قد أجرته فأحسنت جواره، وأنا مسلم لم أرتد، فقال: لولا ما تذكر لضربت عنقك، ولكن لا بد أن أبعث بك فى وثاق إلى أبى بكر فيرى فيك رأيه، فلما فرغ من بيعة بنى عامر أوثق عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة، وبعث بهما إلى أبى بكر الصديق.
ك، ولكن لا بد أن أبعث بك فى وثاق إلى أبى بكر فيرى فيك رأيه، فلما فرغ من بيعة بنى عامر أوثق عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة، وبعث بهما إلى أبى بكر الصديق. قال ابن عباس: فقدم بهما المدينة فى وثاق، فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد، ويضربونه، ويقولون: أى عدو الله، أكفرت بالله بعد إيمانك؟ فيقول: والله ما كنت آمنت بالله.
قالوا: ووقف عليه عبد الله بن مسعود، فقال: خبت وخسرت، إنك لموضع فى الباطل قديما، فقال له عيينة: اقصر أيها الرجل، فلولا ما أنا فيه لم تكلمنى بما تكلمنى به، فانصرف ابن مسعود، وأتى بقرة بن هبيرة، فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما كفرت، وسل عمرو بن العاص، فإن لى عنده شهادة، لما أقبل من عمان خرجت فى مائة من قومى خفراء له، وقبل ذلك ما أكرمت منزله، ونحرت له، فسأل أبو بكر رضى الله عنه، عمرا، فقال: نزلت به، فلم أر للضيف خيرا منه، لم يترك، وخرج معى فى مائة من قومه؛ ثم ذكر عمرو ما قال له قرة، فقال قرة: انزع يا عمرو، فقال عمرو: لو نزعت نزعت، فلم يعاقبه أبو بكر، وعفا عنه، وكتب له أمانا، وقبل منه. وكان فيمن ارتد من بنى عامر ولم يرجع معهم علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، فبعث أبو بكر إلى ابنته وامرأته ليأخذهما، فقالت امرأته: مالى ولأبى بكر، إن كان علقمة قد كفر فإنى لم أكفر، فتركها، ثم راجع علقمة الإسلام زمن عمر رضى الله عنه، فرد عليه زوجته. وأخذ خالد بن الوليد من بنى عامر وغيرهم من أهل الردة ممن جامعهم وبايعه على الإسلام كل ما ظهر من سلاحهم، واستحلفهم على ما غيبوا عنه، فإن حلفوا تركهم، وإن أبوا شدهم أسرا حتى أتوا بما عندهم من السلاح، فأخذ منهم سلاحا كثيرا، فأعطاه أقواما يحتاجون إليه فى قتال عدوهم، وكتبه عليهم، فلقوا به العدو ثم ردوه بعد، فقدم به على أبى بكر، رضى الله عنه. وحدث يزيد بن شريك الفزارى، عن أبيه، قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبى بكر وافدا حين فرغ خالد من بزاخة، وجعلت أسد وغطفان تسلل، فاجتمعوا عند أبى بكر، فمنهم من بايع خالدا، ومنهم من لم يبايعه، فجاؤا إلى أبى بكر، فقال أبو بكر:
ر وافدا حين فرغ خالد من بزاخة، وجعلت أسد وغطفان تسلل، فاجتمعوا عند أبى بكر، فمنهم من بايع خالدا، ومنهم من لم يبايعه، فجاؤا إلى أبى بكر، فقال أبو بكر: اختاروا بين خصلتين: حرب مجلية أو سلم مخزية، قال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفتها، فلما السلم المخزية؟. قال: تقرون أن قتلانا فى الجنة، وأن قتلاكم فى النار، وأن تردوا علينا ما أخذتم منا، ولا نرد عليكم مما أخذنا منكم شيئا، وأن تدوا قتلانا دية كل قتيل مائة بعير، منها أربعون فى بطونها أولادها، ولا ندى قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع، وتلحقون بأذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم أو يرى منكم إقبالا إلى ما خرجتم منه. فقال خارجة بن حصن: نعم يا خليفة رسول الله، قال أبو بكر: عليكم
عقد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلموه أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله فى أموالكم، قالوا: نعم، فقال عمر: يا خليفة رسول الله، كل ما قلت كما قلت إلا أن يدوا من قتلوا منا، فإنهم قوم قتلوا فى سبيل الله، واستشهدوا. وفى رواية: فتتابع الناس على قول عمر، وقبض أبو بكر رضى الله عنه، كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى، رأى عمر رضى الله عنه، أن الإسلام قد ضرب بجرانه، فدفعه إلى أهله، أو إلى عصبة من مات منهم. ولما فرغ خالد من بزاخة وبنى عامر ومن يليهم، أظهر أن أبا بكر عهد إليه أن يسير إلى أرض بنى تميم وإلى اليمامة، فقال ثابت بن قيس بن شماس، وهو على الأنصار، وخالد على جماعة المسلمين: ما عهد إلينا ذلك، وما نحن بسائرين، وليست بنا قوة، وقد كلّ المسلمون، وعجف كراعهم. فقال خالد: أما أنا فلست بمستكره أحدا منكم، فإن شئتم فسيروا، وإن شئتم فأقيموا، فسار خالد ومن تبعه من المهاجرين وأبناء العرب، عامدا لأرض بنى تميم، واليمامة، وأقامت الأنصار يوما أو يومين، ثم تلاومت فيما بينها، وقالوا: والله ما صنعنا شيئا، والله لئن أصيب القوم ليتولن: أخذلتموهم وأسلمتموهم، وإنها لسبة باق عارها آخر الدهر، ولئن أصابوا خيرا وفتح الله فتحا، إنه لخير منعتموه، فابعثوا إلى خالد يقيم لكم حتى تلحقوه، فبعثوا إليه مسعود بن سنان، ويقال: ثعلبة بن غنمة، فلما جاءه الخبر أقام حتى لحقوه، فاستقبلهم فى كثرة من معه من المسلمين، لما أطلوا على العسكر حتى نزلوا، وساروا جميعا حتى انتهى خالد بهم إلى البطاح من أرض بنى تميم، فلم يجد بها جمعا، ففرق السرايا فى نواحيها، وكان فى سرية منها أبو قتادة الأنصارى. قال: فلقينا رجل، فقلنا: ممن أنت؟ قال: من بنى حنظلة، فقلنا: أين من يمنع الصدقة منا الآن؟ قال: هم بمكان كذا وكذا، فقلت: كم بيننا؟ قال: مائة، فانطلقنا سراعا حتى أتيناهم حين طلعت الشمس، ففزعوا حين رأونا، وأخذوا السلاح، وقالوا: من أنتم؟ قلنا:
قال: هم بمكان كذا وكذا، فقلت: كم بيننا؟ قال: مائة، فانطلقنا سراعا حتى أتيناهم حين طلعت الشمس، ففزعوا حين رأونا، وأخذوا السلاح، وقالوا: من أنتم؟ قلنا: نحن عباد الله المسلمون، قالوا: ونحن عباد الله المسلمون، وكانوا اثنى عشر رجلا، فيهم مالك بن نويرة، قلنا: فضعوا السلاح واستسلموا، ففعلوا، فأخذناهم، فجئنا بهم خالدا. وذكر من خبرهم ما يأتى بعد إن شاء الله تعالى. وكان مالك بن نويرة قد بعثه النبى ﷺ، مصدقا إلى قومه بنى حنظلة، وكان سيدهم، فجمع صدقاتهم، فلما بلغته وفاة النبى ﷺ، جفل إبل الصدقة، أى ردها من حيث
جاءت، فلذلك سمى الجفول، وجمع قومه، فقال: إن هذا الرجل قد هلك، فإن قام قائم من قريش بعد نجتمع عليه جميعا، إن رضى منكم أن تدخلوا فى أمره، ولم يطلب ما مضى من هذه الصدقة أبدا، ولم تكونوا أعطيتم الناس أموالكم، فأنتم أولى بها وأحق، فتسارع إليه جمهور قومه وفرحوا بذلك، فقام ابن قعنب، وكان سيد بنى يربوع، فقال: يا بنى تميم، بئس ما ظننتم، أن ترجعوا فى صدقاتكم ولا يرجع الله فى نعمه عليكم، وأن تجردوا للبلاء ويلبسكم الله العافية، وأن تستشعروا خوف الكفر، وأن تسكنوا فى أمن الإسلام، إنكم أعطيتم قليلا من كثير، والله مذهب الكثير بالقليل ومسلط على أموالكم غدا من لا يأخذها على الرضى ولا يخيركم فى الصدقة، وإن منعتموها قتلتم، فأطيعوا الله واعصوا مالكا. فقام مالك، فقال: يا معشر بنى تميم، إنما رددت عليكم أموالكم إكراما لكم، وبقيا عليكم، وإنه لا يزال يقوم قائم منكم يخطئنى فى ردها عليكم ويخطئكم فى أخذها، فما أغنانى عما يضرنى ولا ينفعكم، فو الله ما أنا بأحرصكم على المال، ولا بأجزعكم من الموت، ولا بأخفاكم شخصا إن أقمت، ولا بأخفكم رحلة إن هربت، فترضاه عند ذلك بنو حنظلة، وأسندوا إليه أمرهم، وقالوا: حربنا حربك وسلمنا سلمك، فأخذوا أموالهم، وأبى الله إلا أن يتم أمره فيهم، وقال فى ذلك مالك: وقال رجال سدد اليوم مالك ... وقال رجال مالك لم يسدد فقلت دعونى لا أبا لأبيكم ... فلم أخط رأيا فى المعاد ولا البد وقلت خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجىء به غد فدونكموها إنها صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرد
ا لأبيكم ... فلم أخط رأيا فى المعاد ولا البد وقلت خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجىء به غد فدونكموها إنها صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرد سأجعل نفسى دون ما تحذرونه ... وأرهنكم يوما بما قلته يدى فإن قام بالأمر المخوف قائم ... أطعنا وقلنا الدين دين محمد ولما بلغ ذلك أبا بكر والمسلمين حنقوا على مالك، وعاهد الله خالد بن الوليد لئن أخذه ليقتلنه، ثم ليجعلن هامته أثفية للقدر، فلما أتى به أسيرا فى نفر من قومه، أخذوا معه كما تقدم. اختلف فيه الذين أخذوهم، فقال بعضهم: قد والله أسلموا، فما لنا عليهم من سبيل وفيمن شهد بذلك أبو قتادة الأنصارى، وكان معهم فى تلك السرية، وقالوا: إنا قد أذنا فأذنوا، ثم أقمنا فأقاموا، ثم صلينا فصلوا.
وكان من عهد أبى بكر إلى خالد أن: أيما دار غشيتموها فسمعتم الأذان فيها بالصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ماذا نقموا وماذا يبغون، وأيما دار غشيتموها فلم تسمعوا فيها الأذان، فشنوا عليها الغارة، فاقتلوا وحرقوا. وشهد بعض من كان فى تلك السرية أنهم لم يسلموا، وأنهم لم يسمعوهم كبروا ولا أذنوا، وأن قتلهم وسبيهم حلال، وكان ذلك رأى خالد فيهم. قال أبو قتادة: فجئته فقلت: أقاتل أنت هؤلاء القوم؟ قال: نعم، قلت: والله ما يحل لك قتلهم، ولقد اتقونا بالإسلام، فما عليهم من سبيل، ولا أتابعك على قتلهم، فأمر بهم خالد فقتلوا. قال أبو قتادة: فتسرعت حتى قدمت على أبى بكر، فأخبرته الخبر، وعظمت عليه الشأن، فاشتد فى ذلك عمر، وقال: ارجم خالدا، فإنه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر: والله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأه. وذكر يعقوب بن محمد الزهرى والواقدى فى مقتل مالك بن نويرة روايات غير ما تقدم، أستغنى عن إيرادها بما ذكر هنا. وفى بعض ذلك أن خالدا أمر برأسه فجعل أثفية لقدر حسب ما تقدم من نذره ذلك، وكان من أكثر الناس شعرا، فكانت القدر على رأسه، فراحوا وإن شعره ليدخن وما خلصت النار إلى شواة رأسه. وعاتب أبو بكر خالدا لما قدم عليه فى قتل مالك بن نويرة مع ما شهد له به أبو قتادة وغيره، فاعتذر إليه خالد، وزعم أنه سمع منه كلاما استحل به قتله، فعذره أبو بكر وقبل منه. ورثا متمم بن نويرة «١» أخاه مالكا بقصائد كثيرة منها قصيدته المشهورة المتخيرة فى مراثى العرب التى يقول فيها «٢» : وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ويروى أن عمر بن الخطاب ﵀، قال لمتمم بن نويرة: لوددت أنى رثيت أخى زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، وكان زيد أصيب يوم اليمامة، فقال له متمم: يا أبا
عا ويروى أن عمر بن الخطاب ﵀، قال لمتمم بن نويرة: لوددت أنى رثيت أخى زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، وكان زيد أصيب يوم اليمامة، فقال له متمم: يا أبا
حفص، والله لو علمت أن أخى صار حيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزانى أحد عن أخى بمثل تعزيته. قصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة «١» عن رافع بن خديج قال: قدمت على النبى ﷺ، وفود العرب، فلم يقدم علينا وفد أقسى قلوبا ولا أحرى أن يكون الإسلام لم يقر فى قلوبهم من بنى حنيفة. وقد تقدم ذكر قدوم مسيلمة فى قومه، وأنه ذكر لرسول الله ﷺ، فقال: «أما أنه ليس بشركم مكانا، لما كانوا أخبروه به من أنهم تركوه فى رحالهم حافظا لها» «٢» . ويروى من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ، ذكر له مسيلمة، قال عندما قدم فى قومه: لو جعل لى محمد الخلافة من بعده لاتبعته، فجاءه رسول الله ﷺ، معه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد رسول الله ﷺ، ميتخة من نخل فوقف عليه، ثم قال: «لئن أقبلت ليفعلن الله بك، ولئن أدبرت ليقطعن الله دابرك، وما أراك إلا الذى رأيت فيه ما رأيت، ولئن سألتنى هذه الشظية، لشظية من الميتخة التى فى يده، ما أعطيتكها، وهذا ثابت يجيبك» . قال ابن عباس: فسألت أبا هريرة عن قول النبى ﷺ: ما أراك إلا الذى رأيت فيه ما رأيت، قال: كان رسول الله ﷺ، قال: «بينا أنا نائم، رأيت فى يدى سوارين من ذهب، فنفختهما فطارا، فوقع أحدهما باليمامة، والآخر باليمن، قيل: ما أولتهما يا رسول الله؟ قال: أولتهما كذابين يخرجان من بعدى» «٣» . ولما انصرف فى قومه إلى اليمامة، ارتد عدو الله، وادعى الشركة فى النبوة مع النبى ﷺ، وقال للوفد الذين كانوا معه: «ألم يقل لكم حين ذكرتمونى له: أما أنه ليس بشركم مكانا، ما ذاك إلا لما علم أنى أشركت فى الأمر معه» ، وكتب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإنى قد أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون.
إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإنى قد أشركت فى الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون.
وقدم على رسول الله ﷺ، بهذا الكتاب رسولان لمسيلمة، فقال لهما رسول الله ﷺ حين قرآ كتابه: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال: «أما والله لولا أن الرسل ما تقتل لضربت أعناقكما» ، ثم كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين «١» » . قال ابن إسحاق: وكان ذلك فى آخر سنة عشر، وذكر غيره أن ذلك كان بعد انصراف النبى ﷺ، من حجة الوداع، ووقوعه فى المرض الذى توفاه الله فيه، فالله تعالى أعلم. وجد بعدو الله ضلاله بعد وفاة رسول الله ﷺ، وأصفقت معه حنيفة على ذلك، إلا أفدادا من ذوى عقولهم، ومن أراد الله به الخير منهم، وكان من أعظم ما فتن به قومه شهادة الرجال بن عنفوة له بإشراك النبى ﷺ، إياه فى الأمر، وكان من قصة الرجال أنه قدم مع قومه وافدا على النبى ﷺ، فقرأ القرآن وتعلم السنن. قال ابن عمر: وكان من أفضل الوفد عندنا، قرأ البقرة وآل عمران، وكان يأتى أبيا يقرئه فقدم اليمامة، وشهد لمسيلمة على رسول الله ﷺ، أنه أشركه فى الأمر من بعده، فكان أعظم أهل اليمامة فتنة من غيره، لما كان يعرف به. وقال رافع بن خديج: كان بالرجال من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير فيما نرى شىء عجيب، خرج علينا رسول الله ﷺ، يوما وهو معنا جالس مع نفر، فقال: «أحد هؤلاء النفر فى النار» «٢» . قال رافع: فنظرت فى اليوم، فإذا بأبى هريرة وأبى أروى الدوسى وطفيل بن عمرو الدوسى، والرجال بن عنفوة، فجعلت أنظر وأعجب، وأقول: من هذا الشقى؟ فلما توفى رسول الله ﷺ، رجعت بنو حنيفة، فسألت: ما فعل الرجال؟ قالوا: افتتن، هو الذى شهد لمسيلمة على رسول الله ﷺ، أنه أشركه فى الأمر من بعده، فقلت: ما قال رسول الله ﷺ فهو حق. قالوا: وسمع الرجال يقول: كبشان انتطحا، فأحبهما إلينا كبشنا. وكان ابن عمير اليشكرى من سراة أهل اليمامة وأشرافهم، وكان مسلما يكتم إسلامه، وكان صديقا
للرجال، فقال شعرا فشا فى اليمامة حتى كانت المرأة والوليدة والصبى ينشدونه، فقال: يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلى بفتنة الرجال إنها يا سعاد من حديث الده ... ر عليكم كفتنة الرجال فتن القوم بالشهادة والل ... هـ عزيز ذو قوة ومحال لا يساوى الذى يقول من الأم ... ر قبالا وما احتذى من قبال إن دينى دين النبى وفى القو ... م رجال على الهدى أمثالى أهلك القوم محكم بن طفيل ... ورجال ليسوا لنا برجال بزهم أمرهم مسيلمة اليو ... م فلن يرجعوه أخرى الليالى قلت للنفس إذ تعاظمها الصب ... ر وساءت مقالة الأقوال ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال إن تكن ميتتى على فطرة الل ... هـ حنيفا فإننى لا أبالى فبلغ ذلك مسيلمة، ومحكما، وأشراف أهل اليمامة، فطلبوه، ففاتهم، ولحق بخالد بن الوليد، فأخبره بحال أهل اليمامة، ودله على عوراتهم، وقالوا: إن رجلا من بنى حنيفة كان أسلم، وأقام عند رسول الله ﷺ، فحسن إسلامه، فأرسله رسول الله ﷺ، إلى مسيلمة ليقدم به عليه، وقال الحنفى: إن أجاب أحدا من الناس أجابنى، وعسى أن يجيبه الله، فخرج حتى أتاه، فقال: إن محمدا قد أحب أن تقدم عليه، فإنك لو جئته لم يفارقك إلا عن رضى، ورفق له، وجعل يأتيه خاليا، فيلقى هذا القول إليه، فلما أكثر عليه قال: انظر فى ذلك، فشاور الرجال بن عنفوة وأصحابه، فقالوا: لا تفعل، إن قدمت عليه قتلك، ألم تسمع كلامه وما قال.
يا، فيلقى هذا القول إليه، فلما أكثر عليه قال: انظر فى ذلك، فشاور الرجال بن عنفوة وأصحابه، فقالوا: لا تفعل، إن قدمت عليه قتلك، ألم تسمع كلامه وما قال. فأبى مسيلمة أن يقدم معه على رسول الله ﷺ، وبعث معه رجلين ممن يصدق به ليكلماه ويخبراه بما قال الحنفى، فخرج الرسولان حتى قدما على رسول الله ﷺ، مع رسوله، فتشهد أحدهما برسول الله وحده، ثم كلمه بما بدا له، فلما قضى كلامه تشهد الآخر، فذكر رسول الله وذكر مسيلمة، فقال رسول الله ﷺ: «كذبت، خذوا هذا فاقتلوه» ، فثار المسلمون إليه يلببونه، وأخذ صاحبه بحجزه وجعل يقول: يا رسول الله، اعف عنه، بأبى أنت وأمى، فيجاذبه إياه المسلمون، فلما أرسلوه تشهد بذكر رسول الله، ﷺ وحده، وأسلم هو وصاحبه، فلما توفى رسول الله ﷺ خرجا فقدما على أهليهما باليمامة، وقد فتن الذى أمسك بحجزة صاحبه ذلك، فقتل مع مسيلمة، وثبت المسمك بحجزته، وكان بعد يخبر خالد بن الوليد بعورة بنى حنيفة، وأخبر رسول الله ﷺ، رسوله
إلى مسيلمة كيف رفق به حتى أراد أن يقدم لولا أن الرجال نهاه، فقال رسول الله ﷺ: يقتله الله، ويقتل الرجال معه، ففعل الله ذلك بهما، وأنجز وعده فيهما. واستضاف مسيلمة إلى ضلاله فى دين الله وتكذبه على الله ضلالة سجاح، وكانت امرأة من بنى تميم، أجمع قومها أنها نبية، فادعت الوحى، واتخذت مؤذنا وحاجبا ومنبرا، فكانت العشيرة إذا اجتمعت تقول: الملك فى أقربنا من سجاح، وفيها يقول عطارد بن حاجب بن زرارة: أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا ثم إن سجاح رحلت تريد حرب مسيلمة، وأخرجت معها من قومها من تابعها على قولها وهم يرون أن سجاح أولى بالنبوة من مسيلمة، فلما قدمت عليه خلا بها، وقال لها: تعالى نتدارس النبوة، أينا أحق؟ فقالت سجاح: قد أنصفت، وفى الخبر بعد هذا من قوله ما يحق الإعراض عن ذكره. وقد قيل إن سجاح إنما توجهت إلى مسيلمة مستجيرة به لما وطئ خالد العرب ورأت أنه لا أحد أعز لها منه، وقد كانت أمرت مؤذنها شبت بن ربعى أن يؤذن بنبوة مسيلمة، فكان يفعل، فلما قدمت على مسيلمة قالت: اخترتك على من سواك ونوهت باسمك، حتى إن مؤذنى ليؤذن بنبوتك، فخلا بها ليتدارسا النبوة.
ربعى أن يؤذن بنبوة مسيلمة، فكان يفعل، فلما قدمت على مسيلمة قالت: اخترتك على من سواك ونوهت باسمك، حتى إن مؤذنى ليؤذن بنبوتك، فخلا بها ليتدارسا النبوة. ولما قتل مسيلمة، أخذ خالد بن الوليد سجاح، فأسلمت ورجعت إلى ما كانت عليه، ولحقت بقومها. وعظمت فتنة بنى حنيفة بكذابهم هذا حتى كان يدعو لمريضهم ويبرك على مولودهم، ولا ينهاهم عن اغترارهم به ما يشاهدون من قلة غنائه عنهم. جاءه قوم بمولود، فمسح رأسه فقرع وقرع كل مولود له، وجاءه آخر، فقال: يا أبا ثمامة، إنى ذو مال، وليس لى مولود يبلغ سنتين حتى يموت غير هذا المولود، وهو ابن عشر سنين، ولى مولود ولد أمس، فأحب أن تبارك فيه وتدعو أن يطيل الله عمره، فقال: سأطلب لك الذى طلبت، فجعل عمر المولود أربعين سنة، فرجع الرجل إلى منزله مسرورا، فوجد الأكبر قد تردى فى بئر، ووجد الصغير ينزع فى الموت، فلم يمس من ذلك اليوم حتى ماتا جميعا، تقول أمهما: فلا والله ما لأبى ثمامة عند إلهه مثل منزلة محمد ﷺ. قالوا: وحفرت بنو حنيفة بئرا، فأعذبوها نتاحا، فجاؤا إلى مسيلمة، فطلبوا إليه أن يأتيها، وأن يبارك فيها، فأتاها، فبصق فيها، فعادت أجاجا.
وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، قد عاهد خالدا إذا فرغ من أسد وغطفان والضاحية أن يقصد اليمامة، وأكد عليه فى ذلك، فلما أظفر الله خالدا بأولئك تسلل بعضهم إلى المدينة يسألون أبا بكر أن يبايعهم على الإسلام ويؤمنهم، فقال لهم: بيعتى إياكم وأمانى لكم أن تلحقوا بخالد بن الوليد ومن معه من المسلمين، فمن كتب إلى خالد بأنه حضر معه اليمامة فهو آمن، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا تقدموا على، اجعلوا وجوهكم إلى خالد. قال أبو بكر بن أبى الجهم: أولئك الذين لحقوا خالد بن الوليد من الضاحية الذين كانوا انهزموا بالمسلمين يوم اليمامة ثلاث مرات، وكانوا على المسلمين بلاء. وقال شريك الفزارى: كنت ممن حضر بزاخة مع عيينة بن حصن، فرزق الله الإنابة، فجئت أبا بكر، فأمرنى بالمسير إلى خالد، وكتب معى إليه: أما بعد، فقد جاءنى كتابك مع رسولك تذكر ما أظفرك الله بأهل بزاخة، وما فعلت بأسد وغطفان، وإنك سائر إلى اليمامة، وذلك عهدى إليك، فاتق الله وحده لا شريك له، وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين، كن لهم كالوالد، وإياك يا خالد بن الوليد ونخوة بنى المغيرة، فإنى قد عصيت فيك من لم أعصه فى شىء قط، فانظر بنى حنيفة إذا لقيتهم إن شاء الله، فإنك لم تلق قوما يشبهون بنى حنيفة كلهم عليك، ولهم بلاد واسعة، فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك، واجعل على ميمنتك رجلا وعلى ميسرتك رجلا، واجعل على خيلك رجلا، واستشر من معك من الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ، من المهاجرين والأنصار، واعرف لهم فضلهم، فإذا لقيت القوم وهم على صفوفهم، فالقهم إن شاء الله وقد أعددت للأمور أقرانها، فالسهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإذا صرت إلى السيف فهو الثكل، فإن أظفرك الله بهم فإياك والإبقاء عليهم، اجهز على جريحهم، واطلب مدبرهم، واحمل أسيرهم على السيف، وهول فيهم القتل، واحرقهم بالنار، وإياك أن تخالف أمرى، والسلام عليك. فلما انتهى الكتاب إلى خالد اقترأه، وقال: سمع وطاعة. ولما اتصل بأهل اليمامة مسير خالد إليهم بعد الذى صنع الله له فى أمثالهم حيرهم ذلك وجزع له محكم بن الطفيل سيدهم، وهم أن يرجع إلى الإسلام، فبات يتلوى على فراشه، وهو يقول:
مامة مسير خالد إليهم بعد الذى صنع الله له فى أمثالهم حيرهم ذلك وجزع له محكم بن الطفيل سيدهم، وهم أن يرجع إلى الإسلام، فبات يتلوى على فراشه، وهو يقول: أرى الركبان تخبر ما كرهنا ... أكل الركب يكذب ما يقول
ألا لا ليس كلهم كذوبا ... وقد كذبوا وكذبهم قليل وقد صدقوا لهم منا ومنهم ... لنا إن حاربوا يوم طويل فقل لابن الوليد وللمنايا ... على السراء والضراء دليل أيقطع بيننا حبلا وصال ... فليس إليهما أبدا سبيل وما فى الحرب أعظم من جريح ... وعان خر بينهما قتيل فلما سمع القوم كلامه، عرفوا أنه ثابت على ضلالته معهم، وفرح بذلك منه مسيلمة، وكان محكم سيد أهل اليمامة، وكان صديقا لزياد بن لبيد بن بياضة من الأنصار، فقال له خالد فى بعض الطريق: لو ألقيت إلى محكم شيئا تكسره به، فإنه سيد أهل اليمامة، وطاعة القوم له، فبعث إليه مع راكب، ويقال: بل بعث بها إليه حسان بن ثابت من المدينة: يا محكم بن طفيل قد أتيح لكم ... لله در أبيكم حية الوادى يا محكم بن طفيل إنكم نفر ... كالشاء أسلمها الراعى لآساد ما فى مسيلمة الكذاب من عوض ... من دار قوم وإخوان وأولاد فاكفف حنيفة عنه قبل نائحة ... تنعى فوارس شاخ شجوها بادى لا تأمنوا خالدا بالبرد معتجرا ... تحت العجاجة مثل الأغضف العاد ويل اليمامة ويلا لا فراق له ... إن جالت الخيل فيها بالقنا الصاد والله لا تنثنى عنكم أعنتها ... حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد ووردت على محكم، وقيل له: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، فقال: رضى خالد أمرا ورضينا غيره، وما ينكر خالد أن يكون فى بنى حنيفة من قد أشرك فى الأمر، فسيرى خالد إن قدم علينا يلق قوما ليسوا كمن لقى، ثم خطب أهل اليمامة فقال: يا معشر أهل اليمامة إنكم تلقون قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم، فابذلوا أنفسكم دون صاحبكم، فإن أسدا وغطفان إنما أشار إليهم خالد بذباب السيف، فكانوا كالنعام الشارد، وقد أظهر خالد بن الوليد بأوا حيث أوقع ببزاخة ما أوقع، وقال: هل حنيفة إلا كمن لقينا.
ا وغطفان إنما أشار إليهم خالد بذباب السيف، فكانوا كالنعام الشارد، وقد أظهر خالد بن الوليد بأوا حيث أوقع ببزاخة ما أوقع، وقال: هل حنيفة إلا كمن لقينا. وكان عمير بن ضابئ اليشكرى فى أصحاب خالد، وكان من سادات اليمامة، ولم يكن من أهل حجر، كان من أهل ملمم، وهى لبنى يشكر، فقال له خالد: تقدم إلى قومك، فاكسرهم، فأتاهم، ولم يكونوا علموا بإسلامه، وكان مجتهدا فارسا سيدا، فقال: يا معشر أهل اليمامة، أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، تركت القوم يتتابعون
إلى فتح اليمامة، قد قضوا وطرا من أسد وغطفان وعليا وهوازن، وأنتم فى أكفهم، وقولهم: لا قوة إلا بالله، إنى رأيت أقواما إن غلبتموهم بالصبر غلبوكم بالنصر، وإن غلبتموهم على الحياة غلبوكم على الموت، وإن غلبتموهم بالعدد غلبوكم بالمدد، لستم والقوم سواء، الإسلام مقبل، والشرك مدبر، وصاحبهم نبى، وصاحبكم كذاب، ومعهم السرور، ومعكم الغرور، فالآن والسيف فى غمده والنبل فى جفيره قبل أن يسل السيف ويرمى بالسهم سرت إليكم مع القوم عشرا. فكذبوه واتهموه، فرجع عنهم، وقام ثمامة بن أثال الحنفى «١» فى بنى حنيفة، فقال: اسمعوا منى وأطيعوا أمرى ترشدوا، إنه لا يجتمع نبيان بأمر واحد، وإن محمدا ﷺ، لا نبى بعده، ولا نبى مرسل معه، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: ١، ٣] .
ّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: ١، ٣] . هذا كلام الله ﷿، أين هذا من: يا ضفدع نقى كم تنقين، لا الشرب تمنعين، ولا الماء تكدرين، والله إنكم لترون أن هذا الكلام ما يخرج من إل، وقد استحق محمد ﷺ، أمرا أذكره به، مر بى رسول الله ﷺ، وأنا على دين قومى، فأردت قتله، فحال بينى وبينه عمير، وكان موفقا، فأهدر رسول الله ﷺ، دمى، ثم خرجت معتمرا، فبينا أنا أسير قد أظللت على المدينة أخذتنى رسله فى غير عهد ولا ذمة، فعفا عن دمى وأسلمت، فأذن لى فى الخروج إلى بيت الله، وقلت: يا رسول الله، إن بنى قشير قتلوا أثالا فى الجاهلية، فأذن لى أغزهم، فغزوتهم، وبعثت إليه بالخمس، فتوفى رسول الله ﷺ، وقام بهذا الأمر من بعده رجل هو أفقههم فى أنفسهم، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ثم بعث إليكم رجلا لا يسمى باسمه ولا اسم أبيه، يقال له: سيف الله، معه سيوف لله كثيرة، فانظروا فى أمركم «٢» ، فآذاه القوم جميعا، أو من آذاه منهم، فقال ثمامة: مسيلمة ارجع ولا تمحك ... فإنك فى الأمر لم تشرك كذبت على الله فى وحيه ... فكان هواك هوى الأنوك ومناك قومك أن يمنعوك ... وإن يأتهم خالد تترك فما لك من مصعد فى السماء ... ولا لك فى الأرض من مسلك
ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح «١» قالوا: ولما سار خالد بن الوليد من البطاح، ووقع فى أرض بنى تميم، قدم أمامه مائتى فارس عليهم معن بن عدى العجلانى، وبعث معه فرات بن حيان العجلى دليلا، وقدم عينين له أمامه، مكنف بن زيد الخيل الطائى، وأخاه. وذكر الواقدى: أن خالدا لما نزل العارض، قدم مائتى فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فانطلقوا حتى أخذوا مجاعة بن مرارة الحنفى فى ثلاثة وعشرين رجلا من قومه قد خرجوا فى طلب رجل من بنى نمير أصاب فيهم دما، فخرجوا وهم لا يشعرون بمقبل خالد، فسألوهم: ممن أنتم؟ قالوا: من بنى حنيفة، فظن المسلمون أنهم رسل من مسيلمة إلى خالد، فلما أصبحوا وتلاحق الناس، جاؤا بهم إلى خالد، فلما رآهم ظن أيضا، أنهم رسل من مسيلمة، فقال: ما تقولون يا بنى حنيفة فى صاحبكم؟ فشهدوا أنه رسول الله ﷺ، فقال لمجاعة: ما تقول أنت؟ فقال: والله ما خرجت إلا فى طلب رجل من بنى نمير أصاب فينا دما، وما كنت أقرب مسيلمة، ولقد قدمت على رسول الله ﷺ، فأسلمت، وما غيرت ولا بدلت، فقدم القوم، فضرب أعناقهم على دم واحد، حتى إذا بقى سارية بن مسيلمة بن عامر قال: يا خالد، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرا أو شرا فاستبق هذا، يعنى مجاعة «٢» ، فإنه لك عون على حربك وسلمك. وكان مجاعة شريفا، فلم يقتله، وأعجب بسارية وكلامه، فتركه أيضا، وأمر بهما فأوثقا فى جوامع حديد، وكان يدعو مجاعة وهو كذلك فيتحدث معه، ومجاعة يظن أن خالدا يقتله، فبينما هما يتحدثان، قال له: يا ابن المغيرة، إن لى إسلاما، والله ما كفرت، ولقد قدمت على رسول الله ﷺ، فخرجت من عنده مسلما، وما خرجت لقتال، وأعاد ذكر خروجه فى طلب النميرى، فقال خالد: إن بين القتل والترك منزلة، وهى الحبس حتى يقضى الله فى حربنا ما هو قاض، ودفعه إلى أم متمم امرأته التى تزوجها لما قتل زوجها مالك بن نويرة وأمرها أن تحسن إساره، فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه لأن يشير عليه ويخبره عن عدوه، فقال: يا خالد، إنه من خاف يومك خاف غدك، ومن
قتل زوجها مالك بن نويرة وأمرها أن تحسن إساره، فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه لأن يشير عليه ويخبره عن عدوه، فقال: يا خالد، إنه من خاف يومك خاف غدك، ومن
رجاك رجاهما، ولقد خفتك ورجوتك، ولقد علمت أنى قدمت على رسول الله ﷺ، وبايعته على الإسلام، ثم رجعت إلى قومى، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكن كذاب خرج فينا، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: ١٨] . وقد عجلت فى قتل أصحابى قبل التأنى بهم، والخطأ مع العجلة، فقال خالد: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب، وسكوتك عنه وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيرى، إقرارا له، ورضى بما جاء به، فهلا أبليت عذرا، فتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد وأنكر، وقد تكلم اليشكرى، فإن قلت أخاف قومى، فهلا عمدت إلىّ تريد لقائى، أو كتبت إلىّ كتابا أو بعثت إلىّ رسولا، وأنت تعلم أنى قد أوقعت بأهل بزاخة، وزحفت بالجيوش إليك. فقال مجاعة: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله فعلت. فقال خالد: قد عفوت عن دمك، ولكن فى نفسى من تركك حوجا بعد، فقال مجاعة: أما إذا عفوت عن دمى فلا أبالى. وكان خالد كلما نزل منزلا واستقر به دعا مجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرنى عن صاحبك يعنى مسيلمة، ما الذى يقرأ عليكم؟ هل تحفظ منه شيئا؟ قال: نعم، فذكر له شيئا من رجزه، قال خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يا مجاعة، أراك رجلا سيدا عاقلا، اسمع إلى كتاب الله ﷿، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقربه حتى لم يكن يعد له فى القرب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذاب، وما أظنكم تتهموننى عليه، إنكم لترون منزلتى عنده، وحالى، هو والله يكذبكم ويأتيكم بالباطل.
د، فكان يخرج إلينا فيقول: يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذاب، وما أظنكم تتهموننى عليه، إنكم لترون منزلتى عنده، وحالى، هو والله يكذبكم ويأتيكم بالباطل. قال خالد: فما فعل ذلك البحرانى؟ قال: هرب منه، كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه، فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: فما كان فى هذا ناه ولا زاجر، ثم قال: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة: أخرج لكم حنطة وزؤانا، ورطبا وتمرانا، فى رجز له، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقا؟ وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غدا أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذا يكفيناهم الله ويعز دينه، فإياه تقاتلون ودينه تريدون.
وفى كتاب الأموى: ثم مضى خالد حتى نزل منزله من اليمامة، ببعض أوديتها، وخرج الناس مع مسيلمة. وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: لما أشرف خالد بن الوليد وأجمع أن ينزل عقرباء «١» ، دفع الطلائع أمامه، فرجعوا إليه، فخبروه أن مسيلمة ومن معه قد خرجوا فنزلوا عقرباء، فشاور أصحابه أن يمضى إلى اليمامة، أو ينتهى إلى عقرباء، فأجمعوا له أن ينتهى إلى عقرباء، فزحف خالد بالمسلمين حتى نزلوا عقرباء، وضرب عسكره. وقد قيل: إن خالدا هو الذى سبق إلى عقرباء، فضرب عسكره ثم جاء مسيلمة فضرب عسكره «٢» . ويقال: توافيا إليها جميعا. قالوا: وكان المسلمون يسألون عن الرجال بن عنفوة، فإذا الرجال على مقدمة مسيلمة، فلعنوه وشتموه، فلما فرغ خالد من ضرب عسكره، وحنيفة تسوى صفوفها، نهض خالد إلى صفوفه فصفها، وقدم رايته مع زيد بن الخطاب، ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس، فتقدم بها، وجعل على ميمنته أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعلى ميسرته شجاع بن وهب، واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله واستعمل عليها أسامة بن زيد، وأمر بسرير فوضع فى فسطاطه، واضطجع عليه يتحدث مع مجاعة، ومعه أم متمم وأشراف أصحاب رسول الله ﷺ، يتحدث معهم، وأقبلت بنو حنيفة قد سلت السيوف، فلم تزل مسللة وهم يسيرون نهارا طويلا، فقال خالد: يا معشر المسلمين، أبشروا، فقد كفاكم الله عدوكم، ما سلوا السيوف من بعيد إلا ليرهبونا، وإن هذا منهم لجبن وفشل، فقال مجاعة ونظر إليهم: كلا والله يا أبا سليمان، ولكنها الهندوانية، خشوا من تحطمها، وهى غداة باردة، فأبرزوها للشمس لأن تسخن متونها. فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر من سلنا سيوفنا حين سللناها، والله ما سللناها ترهيبا لكم ولا جبنا عنكم، ولكنها كانت الهندوانية، وكانت غداة باردة، فخشينا تحطمها، فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم، فسترون. قال: فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان جميعا صبرا طويلا، حتى كثرت القتلى والجراح فى الفريقين، وكان أول قتيل من المسلمين مالك بن أوس من بنى زعوراء، قتله
فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان جميعا صبرا طويلا، حتى كثرت القتلى والجراح فى الفريقين، وكان أول قتيل من المسلمين مالك بن أوس من بنى زعوراء، قتله
محكم بن الطفيل، واستلحم من المسلمين حملة القرآن حتى فنوا إلا قليلا، وهزم كلا الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين، والمشركون عسكر المسلمين مرارا، وإذا أجلى المسلمون عن عسكرهم فدخل المشركون أرادوا حمل مجاعة، فلا يستطيعون لما هو فيه من الحديد، ولأنه لا تزال تناوشهم خيل المسلمين، فإذا رجع المسلمون وثبوا على مجاعة ليقتلوه، وقالوا: اقتلوا عدو الله، فإنه رأسهم، وأنهم إن دخلوا عليه أخرجوه، فإذا أشهروا عليه سيوفهم ليقتلوه، حنت عليه أم متمم امرأة خالد وردتهم عنه، وقالت: إنى له جار، حتى أجارته منهم، وكان مجاعة أيضا، قد أجارها من المشركين مرارا أن يقتلوها على هذا الوجه. وقد كان مجاعة قال لها لما دفعه إليها خالد لتحسن إساره: يا أم متمم، هل لك أن أحلفك، إن غلب أصحابى كنت لك جارا، وأنت كذلك؟ فقالت: نعم، فتحالفا على ذلك. وقال عكرمة: حملت حنيفة أول مرة كانت لها الحملة، وخالد على سريره حتى خلص إليه، فجرد سيفه وجعل يسوق حنيفة سوقا، حتى ردهم، وقتل منهم قتلى كثيرة، ثم كرت حنيفة حتى انتهوا إلى فسطاط خالد، فجعلوا يضربون الفسطاط بالسيوف. قال الواقدى: وبلغنا أن رجلا منهم لما دخلوا الفسطاط، أراد قتل أم متمم، ورفع السيف عليها، فاستجارت بمجاعة، فألقى عليها رداءه، وقال: إنى جار لها فنعمت الحرة كانت، وعيرهم وسبهم «١» ، وقال: تركتم الرجال وجئتم إلى امرأة تقتلونها، عليكم بالرجال، فانصرفوا، وجعل ثابت بن قيس يومئذ يقول، وكانت معه راية الأنصار: بئس ما عودتم أنفسكم الفرار يا معشر المسلمين.
وجئتم إلى امرأة تقتلونها، عليكم بالرجال، فانصرفوا، وجعل ثابت بن قيس يومئذ يقول، وكانت معه راية الأنصار: بئس ما عودتم أنفسكم الفرار يا معشر المسلمين. وقد انكشف المسلمون حتى غلبت حنيفة على الرحال، فجعل زيد بن الخطاب ينادى، وكانت عنده راية خالد: أما الرحال فلا رحال، وأما الرجال فلا رجال، اللهم إنى اعتذر إليك من فرار أصحابى، وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، ومحكم بن طفيل، وجعل يشتد بالراية، يتقدم بها فى نحر العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، ﵀، فلما قتل وقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبى حذيفة، فقال المسلمون: يا سالم، إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا إن أتيتم من قبلى. قالوا: ونادت الأنصار ثابت بن قيس وهو يحمل رايتهم: الزمها، فإنما ملاك القوم الراية.
فتقدم سالم مولى أبى حذيفة، فحفر لرجليه حتى بلغ أنصاف ساقيه، ومعه راية المهاجرين، وحفر ثابت لنفسه مثل ذلك «١» ، ثم لزما رايتيهما، ولقد كان الناس يتفرقون فى كل وجه، وإن سالما وثابتا لقائمان برايتيهما، حتى قتل سالم وقتل أبو حذيفة مولاه، رحمهما الله تعالى، فوجد رأس أبى حذيفة عند رجلى سالم، ورأس سالم عند رجلى أبى حذيفة، لقرب مصرع كل واحد منهما من صاحبه، فلما قتل سالم، مكثت الراية ساعة لا يرفعها أحد، فأقبل يزيد بن قيس، وكان بدريا، فحملها حتى قتل ﵀، ثم حملها الحكم بن سعيد بن العاص، فقاتل دونها نهارا طويلا، ثم قتل ﵀. قال وحشى «٢» : اقتتلنا قتالا شديدا، فهزموا المسلمين ثلاث مرات، وكر المسلمون فى الرابعة، وتاب الله عليهم، وثبت أقدامهم، وصبروا لوقع السيوف، واختلفت بينهم وبين بنى حنيفة السيوف، حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها، حتى سمعت لها أصواتا كالأجراس، وأنزل الله تعالى، علينا نصره، وهزم الله بنى حنيفة، وقتل الله مسيلمة. قال: ولقد ضربت بسيفى يومئذ حتى غرى قائمه فى كفى من دمائهم. وقال ابن عمر: لقد رأيت عمارا على صخرة قد أشرف، يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر، هلموا إلىّ، وأنا أنظر إلى أذنه تذبذب وقد قطعت. وقال سعد القرظ: لقد رأيته يومئذ يقاتل قتال عشرة.
يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر، هلموا إلىّ، وأنا أنظر إلى أذنه تذبذب وقد قطعت. وقال سعد القرظ: لقد رأيته يومئذ يقاتل قتال عشرة. وقال شريك الفزارى: لما التقينا والقوم، صبر الفريقان صبرا لم أر مثله قط، ما تزول الأقدام فترى، واختلفت السيوف بينهم، وجعل يقبل أهل السوابق والنيات فيتقدمون، فيقتلون، حتى فنوا، وذلقت فينا سيوفهم طويلا، فانهزمنا، فلقد أحصيت لنا ثلاث انهزامات، وما أحصيت لحنيفة إلا انهزامة واحدة، التى ألجأناهم فيها إلى الحديقة، يعنى حديقة الموت.
وقال رافع بن خديج «١» : شهدنا اليمامة، فكنا تسعين من النبيت، فلاقينا عدوا صبرا لوقع السلاح، وجماعة الناس أربعة آلاف، وحنيفة مثل ذلك أو نحوه، فلما التقينا أذن الله للسيوف فينا وفيهم، فجعلت السيوف تختلى هام الرجال وأكفهم، وجراحا لم أر جراحا قط أبعد غورا منه، فينا وفيهم، إنى لأنظر إلى عباد بن بشر قد ضرب بسيفه حتى انحنى كأنه منجل، فيقيمه على ركبته، فيعرض له رجل من بنى حنيفة، فلما اختلفا ضربات ضربه عباد بن بشر على العاتق مستمكنا، فو الله لرأيت سحره باديا، ومضى عنه عباد، ومررت بالحنفى وبه رمق، فأجهزت عليه، وأنظر بعد إلى عباد وقد اختلف السيوف عليه وهو يبضع بها ويبعج بطنه، فوقع وما أعلم به مصحا، وكانوا حنقوا عليه لأنه أكثر القتل فيهم. قال: وحرضت على قتلته، فناديت أصحابنا من النبيت، فقمنا عليه، وقتلنا قتلته، فرأيتهم حوله مقتلين، فقلت: بعدا لكم. وقال ضمرة بن سعيد المازنى، وذكر ردة بنى حنيفة: لم يلق المسلمون عدوا أشد لهم نكاية منهم، لقوهم بالموت الناقع، وبالسيوف قد أصلتوها قبل النبل، وقبل الرماح، وقد صبر المسلمون لهم، فكان المعول يومئذ على أهل السوابق، ونادى عباد بن بشر يومئذ وهو يضرب بالسيف، قد قطع من الجراح، وما هو إلا كالنمر الجرف، فيلقى رجلا من بنى حنيفة كأنه جمل صئول، فقال: هلم يا أخا الخزرج، أتحسب قتالنا مثل من لاقيت، فيعمد له عباد، ويبدره الحنفى، ويضربه ضربة بالسيف، فانكسر سيفه ولم يصنع شيئا، وضربه عباد فقطع رجليه وجاوزه وتركه ينؤ على ركبتيه، فناداه: يا ابن الأكارم اجهز علىّ، فكر عليه عباد، فضرب عنقه، ثم قام آخر فى ذلك المقام، فاختلفا ضربات وتجاولا، وعباد على ذلك كثير الجراح، فضربه عباد ضربة أبدى سحره، وقال: خذها وأنا ابن وقش، ثم جاوزه يفرى فى بنى حنيفة ضربا فريا، فكان يقال: قتل عباد يومئذ من بنى حنيفة بالسيف أكثر من عشرين رجلا، وأكثر فيهم الجراح. قال ضمرة: فحدثنى رجل من بنى حنيفة قديم قال: إن حنيفة لتذكر عباد بن بشر، فإذا رأت الجراح بالرجل منهم تقول: هذا ضرب مجرب القوم، عباد بن بشر.
هم الجراح. قال ضمرة: فحدثنى رجل من بنى حنيفة قديم قال: إن حنيفة لتذكر عباد بن بشر، فإذا رأت الجراح بالرجل منهم تقول: هذا ضرب مجرب القوم، عباد بن بشر. وفى بعض الروايات عن حديث رافع بن خديج قال: خرجنا من المدينة ونحن أربعة آلاف، وأصحابنا من الأنصار ما بين خمسمائة إلى أربعمائة، وعلى الأنصار ثابت بن
قيس، ويحمل رايتنا أبو لبابة، فانتهينا إلى اليمامة، فننتهى إلى قوم هم الذين قال الله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦] . فلما صففنا صفوفنا ووضعنا الرايات مواضعها، لم يلبثوا أن حملوا علينا، فهزمونا مرارا، فنعود إلى مصافنا وفيها خلل، وذلك أن صفوفنا كان مختلطة، فيها حشو كثير من الأعراب فى خلال صفوفنا، فينهزم أولئك الناس فيستخفون أهل البصائر والنيات، حتى كثر ذلك منهم، ثم إن الله بمنه وفضله رزقنا عليهم الظفر، وذلك أن ثابت بن قيس نادى خالد بن الوليد: أخلصنا، فقال: ذلك إليك، فناد فى أصحابك، قال: فأخذ الراية ونادى: يا للأنصار، فتسللت إليه رجلا رجلا، فنادى خالد للمهاجرين، فأحدقوا به، ونادى عدى بن حاتم، ومكنف بن زيد الخيل الطائى بطيئ، فثابت إليهما طيئ، وكانوا أهل بلاء حسن، وعزلت الأعراب عنا ناحية، فقاموا من ورائنا غلوة أو أكثر، وإنما كنا نؤتى من الأعراب. قال رافع: فانتهينا إلى جمعهم فصبروا وصبرنا صبرا لم ير مثله قط، لم تزل الأقدام، فذكرت بيتى قيس بن الحطيم: إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب «١»
فذكرت بيتى قيس بن الحطيم: إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح الأقدام عند التضارب «١» قال: واجهضهم أهل السوابق والبصائر، فهم فى نحورهم ما يجد أحد مدخلا إلا أن يقتل رجل منهم، أو يخرج فيقع، فيخلف مقامه آخر، حتى أوجعنا فيهم وبان خلل صفوفهم، وضجوا من السيف، ثم اقتحمنا الحديقة، فضاربوا فيها، وعلقنا الحديقة، وأقمنا على بابها رجالا لئلا يهرب منهم أحد، فلما رأوا ذلك عرفوا أنه الموت، فجدوا فى القتال، ودكت السيوف بيننا وبينهم، ما فيها رمى بسهم ولا حجر ولا طعن حتى قتلنا عدو الله مسيلمة، فقيل لرافع: يا أبا عبد الله، أى القتلى كان أكثر، قتلاكم أو قتلاهم؟ قال: قتلاهم أكثر من قتلانا وأخبث، أحسبنا قتلنا منهم ضعف ما قتلوا منا مرتين، فقد قتل من الأنصار يومئذ زيادة على التسعين، وجرح منهم مائتان، ولقد لقينا بنى سليم بالجواء، وأنهم لمجروحون، فأبلوا بلاء حسنا. وكان أبو خيثمة النجارى يقول: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة تنحيت ناحية،
وكأنى أنظر إلى أبى دجانة «١» يومئذ ما يولى ظهره منهزما، وما هو إلا فى نحور القوم، حتى قتل ﵀، وكان يختال فى مشيته عند الحرب سجية، ما يستطيع غير ذلك. قال: وكرت عليه طائفة من بنى حنيفة، فما زال يضرب بالسيف أمامه وعن يمينه وعن شماله، فحمل على رجل فصرعه، وما ينبس بكلمة، حتى انفرجوا عنه ونكصوا على أعقابهم، والمسلمون مولون، وقد ابيض ما بينهم وبينه، فما ترى إلا المهاجرين والأنصار، لا والله ما أرى أحدا يخالطهم، فقاموا ناحية، وتلاحق الناس، فدفعوا حنيفة دفعة واحدة، فانتهينا بهم إلى الحديقة، فأقحمناهم إياها. قال أبو دجانة: ألقونى على الترسة حتى أشغلهم، فكانوا قد أغلقوا الحديقة، فأخذوه فألقوه على الترسة، حتى وقع فى الحديقة، وهو يقول: لا ينجيكم منا الفرار، فضاربهم حتى فتحها، ودخلنا عليه مقتولا ﵀. وقد روى أن البراء بن مالك هو المرمى به فى الحديقة، والأول أثبت. وقال ثابت بن قيس، يومئذ: يا معشر الأنصار، الله الله ودينكم، علمنا هؤلاء أمرا ما كنا نحسنه، ثم أقبل على المسلمين، فقال: أف لكم ولم تعملون، ثم قال: خلوا بيننا وبينهم، أخلصونا، فأخلصت الأنصار، فلم يكن لهم ناهية حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل، فقتلوه، ثم انتهوا إلى الحديقة فدخلوها، فقاتلوا أشد القتال، حتى اختلطوا فيها، فما يعرف بعضهم بعضا إلا بالشعار، وشعارهم: أمت أمت، ثم صاح ثابت صيحة يستجلب بها المسلمين: يا أصحاب سورة البقرة، يقول رجل من طيئ: والله ما معى منها آية، وإنما يريد ثابت: يا أهل القرآن. وقال واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ: لما زحف المسلمون، انكشفوا أقبح الانكشاف، حتى ظن ظانهم أن لا تكون لهم فئة فى ذلك اليوم، والناس أوزاع قد هدأ حسهم. وأشرت حنيفة وأظهروا البغى، وأوفى عباد بن بشر على نشز من الأرض، ثم صاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار، يا للأنصار، ألا إلى، ألا إلى، فأقبلوا إليه جميعا، وأجابوه: لبيك لبيك، حتى توافوا عنده، فقال: فداكم أبى وأمى، حطموا جفون السيوف، ثم حطم جفن سيفه، فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال: حملة صادقة، اتبعونى، فخرج أمامهم حتى ساقوا حنيفة منهزمين، حتى انتهوا بهم
وا جفون السيوف، ثم حطم جفن سيفه، فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال: حملة صادقة، اتبعونى، فخرج أمامهم حتى ساقوا حنيفة منهزمين، حتى انتهوا بهم
إلى الحديقة، فأغلق عليهم، فأوفى عباد بن بشر يشرف على الحديقة وهم فيها، فقال للرماة: ارموا، فرموا أهل الحديقة بالنبل حتى ألجئوهم أن اجتمعوا فى ناحية منها لا يطلع النبل عليهم، ثم إن الله فتح الحديقة، فاقتحم عليهم المسلمون، فضاربوهم ساعة، ثم أغلق عباد باب الحديقة لما كلّ أصحابه، وكره أن تفر حنيفة، وجعل يقول: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاءت به حنيفة. قال واقد بن عمرو: فحدثنى من رأى عباد بن بشر ألقى درعه على باب الحديقة، ثم دخل بالسيف صلتا يجالدهم حتى قتل، ﵀. وقال أبو سعيد الخدرى: سمعت عباد بن بشر يقول حين فرغنا من بزاخة: يا أبا سعيد، رأيت الليلة كأن السماء فرجت، ثم أطبقت علىّ، فهى إن شاء الله الشهادة، قال: قلت: خيرا والله، قال أبو سعيد: فأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار ويقول: أخلصونا، فأخلصوا أربعمائة رجل، لا يخلطهم أحد، يقدمهم البراء بن مالك وأبو دجانة سماك بن خرشة وعباد بن بشر، حتى انتهوا إلى باب الحديقة. قال أبو سعيد: فرأيت بوجه عباد، يعنى بعد قتله، ضربا كثيرا، وما عرفته إلا بعلامة كانت فى جسده.
ة سماك بن خرشة وعباد بن بشر، حتى انتهوا إلى باب الحديقة. قال أبو سعيد: فرأيت بوجه عباد، يعنى بعد قتله، ضربا كثيرا، وما عرفته إلا بعلامة كانت فى جسده. وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه، لما انصرف إليه أسامة بن زيد من بعثه إلى الشام، بعثه فى أربعمائة مددا لخالد بن الوليد، فأدرك خالدا قبل أن يدخل اليمامة بثلاث، فاستعمله خالد على الخيل مكان البراء بن مالك، وأمر البراء أن يقاتل راجلا، فاقتحم عن فرسه، وكان راجلا لا رجلة به، فلما انكشف الناس يوم اليمامة، وانكشف أسامة بأصحاب الخيل، صاح المسلمون: يا خالد، ول البراء بن مالك، فعزل أسامة، ورد الخيل إلى البراء، فقال له: اركب فى الخيل، فقال البراء: وهل لنا من خيل؟ قد عزلتنى وفرقت الناس عنى، فقال له خالد: ليس حين عتاب، اركب أيها الرجل فى خيلك، أما ترى ما لحم من الأمر، فركب البراء فرسه، وإن الخيل لأوزاع فى كل ناحية، وما هى إلا الهزيمة، فجعل يليح بسيفه وينادى: يا صحابة، يا للأنصار، يا للأنصار، يا خيلاه، يا خيلاه، أنا البراء بن مالك، فثابت إليه الخيل من كل ناحية، وثابت إليه الأنصار، فارسها وراجلها. قال أبو سعيد الخدرى: فقال لنا: احملوا عليهم فداكم أبى وأمى، حملة صادقة، تريدون فيها الموت، ثم أظهر التكبير، وكبرنا معه، فما كانت لنا ناهية إلا باب الحديقة،
وقد غلقت دوننا، وازدحمنا عليهم، فلم نزل حتى فتح الله، وظفرنا، فله الحمد. وقال عبد الله بن أبى بكر بن حزم: كان البراء فارسا، وكان إذا حضرته الحرب أخذته رعدة، وانتفض حتى يضبطه الرجال مليا، ثم يفيق فيبول بولا أحمر كأنه نقاعة الحناء، فلما رأى ما يصنع بالناس يومئذ من الهزيمة أخذه ما كان يأخذه، فانتفض وضبطه أصحابه وجعل يقول: طرونى إلى الأرض، فلما أفاق سرى عنه، وهو مثل الأسد، وهو يقول: أسعدنى ربى على الأنصار ... كانوا يدا طرا على الكفار فى كل يوم ساطع الغبار ... فاستبدلوا النجاة بالفرار قال: وضرب بسيفه قدما، حتى أفرجوا له، وخاض غمرتهم، وثابت إليه الأنصار كأنها النحل تأوى إلى يعسوبها، وتلاومت الأنصار فيما صنعت. وحدث عن خالد بن الوليد من سمعه يقول: شهدت عشرين زحفا، فلم أر قوما أصبر لوقع السيوف ولا أضرب بها ولا أثبت أقداما من بنى حنيفة يوم اليمامة، أنّا لما فرغنا من طليحة الكذاب، ولم تكن له شوكة، قلت كلمة والبلاء موكل بالقول: وما حنيفة، ما هى إلا كمن لقينا فلقينا قوما ليسوا يشبهون أحدا، لما انتهينا إلى عسكرهم نظرت إلى قوم قد قدموا أمام عسكرهم بشرا كثيرا، فقلت: هذه مكيدة، وإذا القوم لم يحفلوا بنا، فعسكرنا منهم بمنظر العين، فلما أمسيت حزرت القوم بنفسى، فإذا القوم نحونا، فبتنا فى عسكرنا، وباتوا فى عسكرهم. فلما طلع الفجر قام القوم إلى التعبئة، وثرنا معهم فى غدوة باردة، وصففت صفوفى، وصفوا صفوفهم، ثم أقبلوا إلينا يقطعون قطوا، قد سلوا السيوف، فكبرت، ورأيت ذلك منهم فشلا، فلما دنوا منا نادوا: أن هذا ليس بفشل، ولكنها الهندوانية وخفنا التحطم عليها، فما هو إلا أن واجهونا، حملوا علينا حملة واحدة، وانهزمت الأعراب، ولا ذوا بين أضعاف الصفوف، فانهزم معهم أهل النيات، وأوجعت حنيفة فى أدباركم بالقتل، وتقدمت أضرب بسيفى مرة يشتملون علىّ، ومرة أنفذ منهم، وكر المسلمون كرة ثانية، فحملت بنو حنيفة أيضا، حتى هزموا المسلمين ثلاث مرات. وإنما يهزم بالناس الأعراب.
ت أضرب بسيفى مرة يشتملون علىّ، ومرة أنفذ منهم، وكر المسلمون كرة ثانية، فحملت بنو حنيفة أيضا، حتى هزموا المسلمين ثلاث مرات. وإنما يهزم بالناس الأعراب. فناديت فى المسلمين، فذكرتهم الله، وناديت فى المهاجرين والأنصار: الله الله، الكرة على عدوكم، فنادى أهل السوابق: أخلصونا، فأخلصوا، لا يخلطهم رجل، فأخلص قوم قد ألح السيف عليهم، وقتل من قتل منهم، ومن بقى من أهل النيات منقطع من الجراح،
ولكنا لم نجد المعول إلا عليهم ولا الصبر إلا عندهم، فصفوا جميعا فى نحر العدو، وجاءت الأعراب من خلفهم، وذهبت حنيفة تطلب أن تهزمهم كما كانت تفعل، فثبتوا على مصافهم لا تزول فترا، واختلفت السيوف بينهم، وصبر الفريقان جميعا، وذهب الأعراب من ورائنا، فحملنا عليهم حملة، فما زادت حنيفة على أن رجعت القهقرى ما تولى الأدبار، حتى وقفوا على باب الحديقة، واختلفت السيوف بيننا وبينهم حتى نظرت إلى شهب النار، وحتى صارت القتلى منا ومنهم ركاما، وقد أغلقت الحديقة، فدخل من ﵀ فشغلهم عن الباب حتى دخلنا. فإذا أهل السوابق قد وطئوا أنفسهم على الموت، فما هو إلا أن عاينتهم حنيفة فى الحديقة، فناديت أصحابى: عضوا على النواجذ، لا أسمع شيئا إلا وقع الحديد بعضه على بعض، فما كان شىء حتى قتل عدو الله، فما ضرب أحد بعده من بنى حنيفة بسيف، ولقد صبروا لنا من حين طلعت الشمس إلى صلاة العصر، ولقد رأيتنى فى الحديقة وعانقنى رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر فى سيفى، وجعل يجؤنى بمعول فى سيفه، فجرحنى سبع جراحات، وقد جرحته جرحا أثبته، فاسترخى فى يدى، وما بى حركة من الجراح، وقد نزفت من الدم إلا أنه سبقنى بالأجل، فالحمد لله على ذلك. وحدث ضمرة بن سعيد: أنه خلص يومئذ إلى محكم بن طفيل وهو يقول: يا بنى حنيفة قاتلوا قبل أن تستحقب الكرائم غير رضيات، وينكحن غير حظيات، وما كان عندكم من حسب فأخرجوه، فقد لحم الأمر، واحتيج إلى ذلك منكم، وجعل يقول: يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة، سأمنع دابركم، وجعل يرتجز: لبئسما أوردنا مسيلمة ... أورثنا من بعده أغيلمة



