— Bagian 23 · فقد لحم الأمر، واحتيج إلى ذلك منكم، وجعل يقول: ي… —
Bagian 23
فقد لحم الأمر، واحتيج إلى ذلك منكم، وجعل يقول: يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة، سأمنع دابركم، وجعل يرتجز: لبئسما أوردنا مسيلمة ... أورثنا من بعده أغيلمة فدخلوا الحديقة وغلقوها عليهم، ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر محكما بسهم فقتله، فقام مكانه المعترض ابن عمه، فقاتل ساعة حتى قتله الله. وفى غير حديث ضمرة أن خالد بن الوليد هو الذى قتل محكما. حدث الحارث بن الفضل، قال: لما رأى محكم بن طفيل من قتل قومه ما رأى، جعل يصيح: ادن يا أبا سليمان، فقد جاءك الموت الناقع، قد جاءك قوم لا يحسنون الفرار، فبلغ خالدا كلمته وهو فى مؤخر الناس، فأقبل يقول: هأنذا أبو سليمان، وكشف المغفر عن وجهه، ثم حمل على ناحية محكم يخوف بنى حنيفة، فاقتحم عليه خالد، فيضربه
ضربة أرعش منها، ثم ثنى له بأخرى وهو يقول: خذها وأنا أبو سليمان، فوقع ميتا، وكان عبد الرحمن بن أبى بكر قد رماه بسهم قبل ذلك، ومنهم من يقول: رماه عبد الرحمن بعد ضربة خالد، ومنهم من يقول: لم يكن من سهم عبد الرحمن شىء. وقاتلت حنيفة بعد قتل محكم بن طفيل أشد القتال، وهم يقولون: لا بقاء بعد محكم، وقال قائل: يا أبا ثمامة، أين ما كنت وعدتنا؟ قال: أما الدين فلا دين، ولكن قاتلوا عن أحسابكم، فاستيقن القوم أنهم كانوا على غير شىء. وقال وحشى: لما اختلط الناس فى الحديقة، وأخذت السيوف بعضها بعضا، نظرت إلى مسيلمة وما أعرفه، ورجل من الأنصار يريده، وأنا من ناحية أخرى أريده، فهززت من حربتى حتى رضيت منها، ثم دفعتها عليه، وضربه الأنصارى، فربك أعلم أينا قتله، إلا أنى سمعت امرأة فوق الدير تقول: قتله العبد الحبشى. وقال أبو الحويرث: ما رأيت أحدا يشك أن عبد الله بن زيد الأنصارى «١» ضرب مسيلمة وزرقه وحشى فقاتلاه جميعا «٢» . وذكر عمرو بن يحيى المازنى عن عبد الله بن زيد أنه كان يقول: أنا قتلته. وكان معاوية بن أبى سفيان يقول: أنا قتلته. وكانت أم عبد الله بن زيد، وهى أم عمارة، نسيبة بنت كعب تقول: إن ابنها عبد الله هو الذى قتله. وكانت ممن شهد ذلك اليوم، وقطعت فيه يدها، وذلك أن ابنها حبيب بن زيد كان مع عمرو بن العاص بعمان عندما توفى رسول الله ﷺ، فلما بلغ ذلك عمرا، أقبل من عمان، فسمع به مسيلمة، فاعترض له، فسبقه عمرو، وكان حبيب ابن زيد وعبد الله بن وهب الأسلمى فى الساقة، فأصابهما مسيلمة، فقال لهما: أتشهدان أنى رسول الله، فقال الأسلمى: نعم، فأمر به فحبس فى حديد، وقال لحبيب: أتشهد أنى رسول الله، فقال: لا أسمع، فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم،
ان أنى رسول الله، فقال الأسلمى: نعم، فأمر به فحبس فى حديد، وقال لحبيب: أتشهد أنى رسول الله، فقال: لا أسمع، فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم،
فأمر به فقطع. وكلما قال له: أتشهد أنى رسول الله، قال: لا أسمع، فإذا قال له: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، حتى قطعه عضوا عضوا، حتى قطع يديه من المنكبين ورجليه من الوركين، ثم حرقه بالنار، وهو كل ذلك لا ينزع عن قوله، ولا يرجع عن ما بدأ به، حتى مات فى النار، ﵀. فلما تهيأ بعث خالد بن الوليد إلى اليمامة جاءت أم عمارة إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستأذنته فى الخروج، فقال لها أبو بكر: ما مثلك يحال بينه وبين الخروج، قد عرفناك وعرفنا جزاءك فى الحرب، فاخرجى على اسم الله. قالت فيما حدث به عنها ابن ابنها عباد بن تميم بن زيد: فلما انتهوا إلى اليمامة، واقتتلوا، تداعت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا، فلما انتهينا إلى الحديقة ازدحمنا على الباب، وأهل النجدة من عدونا فى الحديقة، قد انحازوا، يكونون فئة لمسيلمة، فاقتحمنا فضاربناهم ساعة، والله يا بنى ما رأيت أبذل لمهج أنفسهم منهم، وجعلت أقصد لعدو الله مسيلمة لأن أراه، وقد عاهدت الله لئن رأيته لا أكذب عنه أو أقتل دونه، وجعلت الرجال تختلط، والسيوف بينهم تختلف، وخرص القوم، فلا صوت إلا وقع السيوف، حتى بصرت بعدو الله فأشد عليه، ويعرض لى منهم رجل، فضرب يدى فقطعها، فو الله ما عرجت عليها حتى أنتهى إلى الخبيث وهو صريع، وأجد ابنى عبد الله قد قتله. وفى رواية: وابنى يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته؟ قال: نعم يا أمه، فسجدت لله شكرا، وقطع الله دابرهم، فلما انقطعت الحرب، ورجعت إلى منزلى، جاءنى خالد بن الوليد بطبيب من العرب، فداوانى بالزيت المغلى، وكان والله أشد علىّ من القطع، وكان خالد كثير التعاهد لى، حسن الصحبة لنا، يعرف لنا حقنا، ويحفظ فينا وصية نبينا ﷺ، قال عباد: فقلت: يا جدة، كثرت الجراح فى المسلمين؟ فقالت: يا بنى، لقد تحاجز الناس، وقتل عدو الله، وإن المسلمين لجرحى كلهم، لقد رأيت بنى أبى مجرحين، ما بهم حركة، ولقد رأيت بنى مالك بن النجار بضعة عشر رجلا، لهم أنين يكمدون ليلتهم بالنار.
ل عدو الله، وإن المسلمين لجرحى كلهم، لقد رأيت بنى أبى مجرحين، ما بهم حركة، ولقد رأيت بنى مالك بن النجار بضعة عشر رجلا، لهم أنين يكمدون ليلتهم بالنار. ولقد أقام الناس باليمامة خمس عشرة ليلة، وقد وضعت الحرب أوزارها، وما يصلى مع خالد بن الوليد من المهاجرين والأنصار إلا نفر يسير من الجراح، وذلك أنا أتينا من قبل العرب، انهزموا بالمسلمين، إلا أنى أعلم أن طيئا قد أبلت يومئذ بلاء حسنا، لقد رأيت عدى بن حاتم يومئذ يصيح بهم: صبرا، فداكم أبى وأمى لوقع الأسل، وإن ابنى زيد الخيل يومئذ ليقاتلان قتالا شديدا.
وعن محمد بن يحيى بن حبارة، قال: جرحت أم عمارة يعنى يوم اليمامة، أحد عشر جرحا بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، وقطعت يدها سوى ذلك، فرئى أبو بكر يأتيها يسأل عنها، وهو يومئذ خليفة. وقاتل كعب بن عجرة «١» يومئذ، وانهزم الناس الهزيمة الآخرة، وجاوزوا الرحال منهزمين، فجعل يصيح: يا للأنصار، يا للأنصار الله ورسوله، حتى انتهى إلى محكم بن الطفيل، فضربه محكم، فقطع شماله، فو الله ما عرج عليها كعب، وأنه ليضرب بيمينه، وإن شماله لتهراق الدماء، حتى انتهى إلى الحديقة، فدخل. وأقبل حاجب بن زيد بن تميم الأشهلى «٢» يصيح بالأوس: يا للأشهل، فقال له ثابت ابن هذال: ناد يا للأنصار، فإنه جماع لنا ولك، فنادى: يا للأنصار، يا للأنصار، حتى اشتملت عليه حنيفة، فانفرجت، وتحته منهم اثنان قد قتلهما، وقتل ﵀، فخلفه فى مقامه عمير بن أوس، فاشتملوا عليه حتى قتل، ﵀. وكان أبو عقيل الأزرقى، حليف الأنصار، بدرى من أول من خرج يوم اليمامة، رمى بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشطب فى غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن شقه الأيسر، وكانت فيه، وهذا أول النهار وجرروه إلى الرحل، فلما حمى القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدى يصيح: يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، وأعنق معن بن عدى يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا رجلا رجلا، يتميزون.
سمع معن بن عدى يصيح: يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، وأعنق معن بن عدى يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخلصونا، فأخلصوا رجلا رجلا، يتميزون. قال أبو عمرو: ونهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نوه المنادى باسمى، فقلت: إنما يقول: يا للأنصار، لا يعنى الجرحى، قال: فأنا رجل من الأنصار، وأنا أجيب ولو جبنوا، قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل، فأخذ السيف بيده اليمنى مجردا، ثم جعل ينادى: يا للأنصار، كرة كيوم حنين، فاجتمعوا جميعا يقدمون المسلمين دريئة دون عدوهم، حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم، فنظرت إلى أبى عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب،
فوقعت إلى الأرض، وبه أربعة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة. قال ابن عمر: فوقفت على أبى عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل، فقال لبيك بلسان ملتاث، ثم قال: لمن الدبرة، فقلت: أبشر ورفعت صوتى، قد قتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات، ﵀. قال ابن عمر: فأخبرت أبى بعد أن قدمت بخبره كله، فقال: ﵀، مازال يسأل الشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمت لمن خيار أصحاب نبينا ﷺ، وقديمى إسلامهم. وذكر مجاعة بن مرارة يوما، معن بن عدى، وكان نازلا به ليالى قدم على رسول الله ﷺ، مع خلة كانت بينهما قبل ذلك قديمة، فلما قدم فى وفد اليمامة على أبى بكر، توجه أبو بكر رضى الله عنه، يوما إلى قبور الشهداء زائرا لهم فى نفر من أصحابه يمشون، قال: فخرجت معهم حتى أتوا قبور الشهداء السبعين يرحمهم الله، فقلت: يا خليفة رسول الله، لم أر قوما قط، أصبر لوقع السيوف، ولا أصدق كرة منهم، لقد رأيت رجلا منهم يرحمهم الله، وكانت بينى وبينه خلة، فقال أبو بكر رضى الله عنه: معن بن عدى؟ قلت: نعم، وكان عارفا بما كان بينى وبينه، فقال: ﵀، ذكرت رجلا صالحا، حديثك، قلت: يا خليفة رسول الله، فأنظر إليه وأنا موثق فى الحديد فى فسطاط ابن الوليد، وانهزم المسلمون، انهزمت بهم الضاحية انهزامة ظننت أنهم لا يجتبرون لها، وساءنى ذلك، قال أبو بكر: الله، لساءك ذلك؟ قلت: الله لساءنى، قال أبو بكر: الحمد لله على ذلك، قال: فأنظر إلى معن بن عدى قد كر معلما فى رأسه بعصابة حمراء، واضعا سيفه على عاتقه، وإنه ليقطر دما، ينادى: يا للأنصار، كرة صادقة، قال: فكرت الأنصار عليه، فكانت الوقعة التى ثبتوا عليها حتى انتحوا وأباحوا عدوهم، فلقد رأيتنى وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلى بنى حنيفة، وإنى لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، حتى بل لحيته.
أباحوا عدوهم، فلقد رأيتنى وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرفه قتلى بنى حنيفة، وإنى لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، حتى بل لحيته. وعن أبى سعيد الخدرى، قال: دخلت الحديقة حين جاء وقت الظهر، واستحر القتال، فأمر خالد بن الوليد المؤذن، فأذن على جدار الحديقة بالظهر، والقوم يضطربون على القتل، حتى انقطعت الحرب بعد العصر، فصلى بنا خالد الظهر والعصر، ثم بعث السقاة يطوفون على القتلى، فطفت معهم، فمررت بأبى عقيل الأنصارى البدرى، وبه خمسة عشر جرحا، فاستسقانى، فسقيته، فخرج الماء من جراحاته كلها، ومات رحمه
الله، ومررت ببشر بن عبد الله وهو قاعد فى حشوته، فاستسقانى، فسقيته، فمات، ومررت بعامر بن ثابت العجلانى وإلى جنبه رجل من بنى حنيفة به جراح، فسقيت عامرا فشرب وقال الحنفى: اسقنى فدى لك أبى وأمى، قلت: لا كرامة، ولكنى أجهز عليك، قال: قد أحسنت لى مسألة ولا شىء عليك فيها، أسألك عنها، قلت: وما هى؟ قال: أبو ثمامة، ما فعل؟ قلت: قتل والله، قال: نبى ضيعه قومه، قال أبو سعيد: فضربت عنقه. وعن محمود بن لبيد قال: لما قتل خالد بن الوليد من أهل اليمامة من قتل، كانت لهم فى المسلمين أيضا مقتلة عظيمة «١» ، حتى أبيح أكثر أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: لا نغمد السيوف بيننا وبينهم عين تطرف وكان فيمن بقى من المسلمين جراحات كثيرة، فلما أمسى مجاعة بن مرارة، أرسل إلى قومه ليلا: أن ألبسوا السلاح النساء والذرية والعبيد، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبلى الشمس على حصونكم حتى يأتيكم أمرى، وبات خالد والمسلمون يدفنون قتلاهم، فلما فرغوا، رجعوا إلى منازلهم، فباتوا يتكمدون بالنار من الجراح. فلما أصبح خالد، أمر بمجاعة، فسيق معه فى الحديد، فجعل يستبرئ القتلى، وهو يريد مسيلمة، فمر برجل وسيم، فقال: يا مجاعة، أهو هذا؟ قال: لا، هذا والله أكرم منه، هذا محكم بن الطفيل، ثم قال مجاعة: إن الذى تبتغون رجل ضخم أشعر البطن والظهر، أبجر، بجرته مثل القدح، مطرق إحدى العينين، ويقال: هو أرجل أصيفر أخينس، قال: وأمر خالد بالقتلى، فكشفوا حتى وجد الخبيث، فوقف عليه خالد، فحمد الله كثيرا، وأمر به فألقى فى البئر التى كان يشرب منها» .
ال: هو أرجل أصيفر أخينس، قال: وأمر خالد بالقتلى، فكشفوا حتى وجد الخبيث، فوقف عليه خالد، فحمد الله كثيرا، وأمر به فألقى فى البئر التى كان يشرب منها» . قالوا: ولما أمسينا، أخذنا شعل السعف، ثم جعلنا نحفر لقتلانا حتى دفناهم جميعا، بدمائهم وثيابهم، وما صلينا عليهم، وتركنا قتلى بنى حنيفة، فلما صالحوا خالدا طرحوهم فى الآبار. وكان خالد يرى أنه لم يبق من بنى حنيفة أحد إلا من لا ذكر له، ولا قتال عنده، فقال خالد لما وقف على مسيلمة مقتولا: يا مجاعة، هذا صاحبكم الذى فعل لكم
الأفاعيل، ما رأيت عقولا أضعف من عقول أصحابك، مثل هذا فعل بكم ما فعل، فقال مجاعة: قد كان ذلك يا خالد، ولا تظن أن الحرب انقطعت بينك وبين بنى حنيفة، وإن قتلت صاحبهم، إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن جماعة الناس وأهل البيوتات لفى الحصون، فانظر، فرفع خالد بن الوليد رأسه وهو يقول: قاتلك الله، ما تقول؟ قال: أقول والله الحق، فنظر خالد، فإذا السلاح، وإذا الخلق على الحصون، فرأى أمرا غمه، ثم تشدد ساعتئذ وأدركته الرجولية، فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبى، وجعل يدعو بسلاحه، ويقول: يا صاحب الراية قدمها، قال: والمسلمون كارهون لقتالهم، وقد ملوا الحرب، وقتل من قتل وعامة من بقى جريح. فقال مجاعة: أيها الرجل، إنى لك ناصح، إن السيف قد أفناك وأفنى غيرك، فتعال أصالحك عن قومى، وقد أخل بخالد مصاب أهل السابقة، ومن كان يعرف عنده الغناء، فقد رق وأحب الموادعة مع عجف الكراع، فاصطلحا على الصفراء والبيضاء، والحلقة والكراع، ونصف السبى، ثم قال مجاعة: آتى القوم فأعرض عليهم ما صنعت، قال: فانطلق، فذهب ثم رجع، فأخبره أنهم قد أجازوه، فلما بان لخالد أنه إنما هو السبى، قال: ويلك، يا مجاعة خدعتنى فى يوم مرتين، قال مجاعة: قومى، فما أصنع، وما وجدت من ذلك بدا، قد حضنى النساء، وأنشده قول امرأة من بنى حنيفة: مسيلم لم يبق إلا النساء ... سبايا لذى الخف والحافر وطفل ترشحه أمه ... حفير متى يدع يستأخر فأما الرجال فأودى بهم ... حوادث من دهرنا العاثر فليت أباك مضى حيضه ... وليتك لم تك فى الغابر سحبت علينا ذيول البلاء ... وجئت بهن سمى قاشر
يدع يستأخر فأما الرجال فأودى بهم ... حوادث من دهرنا العاثر فليت أباك مضى حيضه ... وليتك لم تك فى الغابر سحبت علينا ذيول البلاء ... وجئت بهن سمى قاشر فمجاعة الخير فانظر لنا ... فليس لنا اليوم من ناظر سواك فإنا على حالة ... تروعنا مرة الطائر فقال: مجاعة: فكنت أجد من هذا بدا «١» . وذكر أن مجاعة لما ذهب إلى قومه ليعرض عليهم الصلح، انتهى إلى باب الحصن ليلا، فإذا امرأة تنشد هذا الشعر، فدنا منها مجاعة، فقال: هتم الله فاك، اسكتى، أنا مجاعة، ثم دخل الحصن وليس فيه إلا النساء والصبيان، فأمرهم بلبس السلاح وإطالة الإشراف، والقيام فى مصاف الرجال، فقال سلمة بن عمير لأصحابه: يا بنى حنيفة قاتلوا ولا
تصالحوا خالدا، فإن الحصن حصين، والطعام كثير، والقوم قد أفناهم السيف، ومن بقى منهم جريح، ولا تطيعوا مجاعة، فإنه إنما يريد أن ينفلت من إساره، فقال مجاعة: يا بنى حنيفة، أطيعونى واعصوا سلمة، فإنى أخاف أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن سلمة، أن تستردف النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فأطاعوا مجاعة، وتم الصلح بينه وبين خالد. وقال أسيد بن حضير «١» وأبو نائلة لخالد لما صالح: يا خالد، اتق الله، ولا تقبل الصلح، قال خالد: إنه أفناكم السيف، قال أسيد: وإنه قد أفنى غيرنا أيضا، قال: فمن بقى منكم جريح، قال: وكذلك من بقى من القوم جرحى، لا ندخل فى الصلح أبدا، اغد بنا عليهم حتى يظفرنا الله بهم أو نبيد من آخرنا، احملنا على كتاب أبى بكر: إن أظفرك الله ببنى حنيفة فلا تبق عليهم، فقد أظفرنا الله بهم وقتلنا رأسهم، فمن بقى أكل شوكة، فبينما هم على ذلك إذ جاء كتاب أبى بكر يقطر الدم، ويقال: إنهم لم يمسوا حتى قدم سلمة بن سلامة بن وقش من عند أبى بكر بكتابين، فى أحدهما: بسم الله الرحمن، أما بعد فإذا جاءك كتابى، فانظر، فإن أظفرك الله ببنى حنيفة فلا تستبق منهم رجلا جرت عليه الموسى «٢» . فكلمت الأنصار فى ذلك، وقالوا: أمر أبى بكر فوق أمرك، فلا تستبق منهم أحدا، فقال خالد: إنى والله ما صالحت القوم إلا لما رأيت من رقتكم، ولما نهكت الحرب منكم، وقوم قد صالحتهم ومضى الصلح فيما بيننا وبينهم، والله لو لم يعطونا شيئا ما قاتلتهم، وقد أسلموا. قال أسيد بن حضير: قد قتلت مالك بن نويرة وهو مسلم، فسكت عنه خالد، فلم يجبه، قالوا: وقال سلمة بن سلامة بن وقش: لا تخالف كتاب إمامك يا خالد، فقال خالد: والله ما ابتغيت بذلك إلا الذى هو خير، رأيت أهل السابقة وأهل الفضل وأهل القرآن قد قتلوا، ولم يبق معى إلا قوم خشيت أن لا يكون لهم بقاء على السيف لو ألح عليهم، فقبلت الصلح، مع أنهم قد أظهروا الإسلام، واتقوا بالراح.
ضل وأهل القرآن قد قتلوا، ولم يبق معى إلا قوم خشيت أن لا يكون لهم بقاء على السيف لو ألح عليهم، فقبلت الصلح، مع أنهم قد أظهروا الإسلام، واتقوا بالراح.
وكان خالد قد خطب إلى مجاعة ابنته، وكانت أجمل أهل اليمامة، فقال له مجاعة: مهلا، إنك قاطع ظهرى وظهرك عند صاحبك «١» ، إن القالة عليك كثيرة، وما أقول هذا رغبة عنك، فقال له خالد: زوجنى أيها الرجل، فإنه إن كان أمرى عند صاحبى على ما أحب فلن يفسده ما تخاف علىّ، وإن كان على ما أكره، فليس هذا بأعظم الأمور، فقال له مجاعة: قد نصحتك، ولعل هذا الأمر لا يكون عيبة إلا عليك، ثم زوجه. فلما بلغ ذلك أبا بكر رضى الله عنه، غضب، وقال لعمر بن الخطاب: وأبى خالد أنه لحريص على النساء، حين يصاهر عدوه، وينسى مصيبته، فوقع عمر فى خالد، وعظم الأمر ما استطاع، فكتب أبو بكر إلى خالد مع سلمة بن سلامة: يا خالد بن أم خالد، إنك لفارغ، تنكح النساء، وتعرس بهن، وببابك دماء ألف ومائتين من المسلمين، لم تجف بعد، ثم خدعك مجاعة عن رأيك فصالحك على قومه، ولقد أمكن الله منهم، فى كلام غير هذا ذكره وثيمة فى الردة. فلما نظر خالد فى الكتاب قال: هذا عمل عمر «٢» . وكتب إلى أبى بكر جواب كتابه مع أبى برزة الأسلمى: أما بعد، فلعمرى ما تزوجت النساء حتى تم لى السرور، وقرت بى الدار، وما تزوجت إلا إلى امرئ لو أعملت إليه من المدينة خاطبا لم أبل، دع أنى استشرت خطبتى إليه من تحت قدمى، فإن كنت كرهت لى ذلك لدين أو دنيا اعتبتك، وأما حسن عزائى على قتلى المسلمين، فو الله لو كان الحزن يبقى حيا أو يرد ميتا لأبقى حزنى الحى ورد الميت، ولقد أقحمت فى طلب الشهادة حتى يئست من الحياة، وأيقنت بالموت، وأما خدعة مجاعة إياى عن رأيى، فإنى لم أخط رأى يومى، ولم يكن لى علم بالغيب، وقد صنع الله للمسلمين خيرا، أورثهم الأرض، وجعل لهم عاقبة المتقين. فلما قدم الكتاب على أبى بكر رضى الله عنه، رق بعض الرقة، وتم عمر على رأيه الأول فى عيب خالد بما صنع، ووافقه على ذلك رهط من قريش، فقام أبو برزة الأسلمى فعذر خالدا، وقال: يا خليفة رسول الله، ما يؤبن خالد بجبن ولا خيانة، ولقد
الأول فى عيب خالد بما صنع، ووافقه على ذلك رهط من قريش، فقام أبو برزة الأسلمى فعذر خالدا، وقال: يا خليفة رسول الله، ما يؤبن خالد بجبن ولا خيانة، ولقد
أقحم حتى أعذر، وصبر حتى ظفر، وما صالح القوم إلا على رضاه، وما أخطأ رأيه بصلح القوم، إذ هو لا يرى النساء فى الحصون إلا رجالا، فقال أبو بكر: صدقت لكلامك هذا أولى بعذر خالد من كتابه إلىّ. وقد كان خالد لما وقع الصلح، خاف من عمر أن يحمل أبا بكر، رضى الله عنهما، عليه، فكتب إلى أبى بكر كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم لأبى بكر خليفة رسول الله من خالد بن الوليد، أما بعد، فإنى أقسم بالله أنى لم أصالحهم حتى قتل من كنت أقوى به، وحتى عجف الكراع، وهلك الخف، ونهك المسلمون بالقتل والجراح، حتى إنى لأفعل أمورا أرى أنى فيها معزر، أباشر القتال بنفسى حتى ضعف المسلمون ونهكوا، حتى إن كنت لا تنكر، ثم أدخل بسيفى فرقا على المسلمين حتى جاء بالظفر، فله الحمد. فسر أبو بكر بذلك، فدخل عليه عمر وهو يقرأ الكتاب، فدفعه إليه، فقرأه، فقال: إنما راقب خئونتهم وخالف أمرك، ألا ترى إلى ذكره أنه يباشر القتال بنفسه، يمن عليك بذلك. فقال أبو بكر: لا تقل يا عمر، فإنه والى صدق ميمون النقيبة، ناكى العدو، وقد كان رسول الله ﷺ، يقدمه ويقربه، وقد ولاه، فقال عمر: ولاه، وخالف أمره، وقبل بدخول الجاهلية حتى كان ما كان، فقال أبو بكر: دع هذا عنك، فقال عمر: سمعا وطاعة.
رسول الله ﷺ، يقدمه ويقربه، وقد ولاه، فقال عمر: ولاه، وخالف أمره، وقبل بدخول الجاهلية حتى كان ما كان، فقال أبو بكر: دع هذا عنك، فقال عمر: سمعا وطاعة. ولما فرغ خالد من الصلح، أمر بالحصون فألزمها الرجال، وحلف مجاعة بالله لا يغيب عنه شيئا مما صالحه عليه، ولا يعلم أحدا غيبة إلا رفعه إلى خالد، ثم فتحت الحصون، فأخرج سلاحا كثيرا، فجمعه خالد على حدة، وأخرج ما وجد فيها من دنانير ودراهم، فجمعه على حدة، وجمع كراعهم، وترك الخف فلم يحركه ولا الرثة، ثم أخرج السبى، فقسمه قسمين، ثم أقرع على القسمين، فخرج سهمه على أحدهما، وفيه: مكتوب لله، ثم جزأ الذى صار له من السبى على خمسة أجزاء، ثم كتب على كل سهم منها: لله، وجزأ الكراع، والحلقة هكذا، ووزن الذهب والفضة، فعزل الخمس، وقسم على الناس أربعة الأخماس، وأسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وعزل الخمس من ذلك كله، حتى قدم به على أبى بكر الصديق، رضى الله عنه. ولما انقطعت الحرب بين خالد وبين أهل اليمامة، تحول من منزله الذى كان فيه إلى منزل آخر، ينتظر كتاب أبى بكر يأمره أن ينصرف إليه بالمدينة، فبينا هو على ذلك، إذ
أقبل سلمة بن عمير الحنفى، وكان من شياطينهم، فقال لمجاعة: استأذن لى على الأمير، فإن لى إليه حاجة، فأبى مجاعة عليه، وقال: ويحك يا سلمة، ابق على نفسك، فقد آن لك أن تبصر ما أنت فيه، والله لكأنى أنظر إلى خالد بن الوليد قد أمر بك فضربت عنقك. فقال سلمة: ما بينى وبين خالد من عتاب، قد قتل قومى، فلهى عنه مجاعة، يطلب غرة من خالد، فأقبل مع الناس الذين يدخلون عليه، فلما رآه خالد التفت إلى مجاعة، فقال: والله إنى لأعرف فى وجه هذا الشر، فقام إليه مجاعة وهو يخافه على الذى ظن به، فإذا هو مشتمل على السيف، فقال: يا عدو الله، لعنك الله، لقد أردت أن تستأصل حنيفة، والله لو قتلته ما بقى من حنيفة صغير ولا كبير إلا قتل، ثم لببه بثوبه، وجعل يتله حتى أدخله بيتا، ثم أوثقه فى الحديد، وأغلق عليه، فأفلت من الليل ومعه سيف، فوقع فى حائط من حوائط اليمامة، وعلم شأنه وما أراد من ضرب خالد بالسيف، وكان خالد قد أمر به أن تضرب عنقه، فكلمه فيه مجاعة، وقال: هبه لى يا أبا سليمان، فوهبه له، وقال له: أحسن أدبه، فذلك حين حذره مجاعة، فخرج بالسيف واكتنفه أهل اليمامة، فلما رأى ذلك أمال السيف على حلقه، فقطع أوداجه، وسقط فى بئر هناك، فانقطع ذكره. وحدث زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كان أبو بكر حين وجه خالدا إلى اليمامة، رأى فى النوم كأنه أتى بتمر من تمر هجر «١» ، فأكل منها تمرة واحدة وجدها نواة على خلقة التمرة، فلاكها ساعة ثم رمى بها، فتأولها، فقال: ليلقين خالد من أهل اليمامة شدة، وليفتحن الله على يديه إن شاء الله، فكان أبو بكر يستروح الخبر من اليمامة بقدر ما يجىء رسول خالد، فخرج أبو بكر يوما بالعشى إلى ظهر الحرة، يريد أن يبلغ صرارا، ومعه عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، ونفر من المهاجرين والأنصار، فلقى أبا خيثمة النجارى قد أرسله خالد، فلما رآه أبو بكر قال له: ما وراءك يا أبا خيثمة؟ قال: خير يا خليفة رسول الله، قد فتح الله علينا اليمامة، قال: فسجد أبو بكر، قال أبو خيثمة: وهذا كتاب خالد إليك، فحمد الله أبو بكر وأصحابه، ثم قال: أخبرنى عن الوقعة، كيف كانت؟.
له، قد فتح الله علينا اليمامة، قال: فسجد أبو بكر، قال أبو خيثمة: وهذا كتاب خالد إليك، فحمد الله أبو بكر وأصحابه، ثم قال: أخبرنى عن الوقعة، كيف كانت؟. فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد، وكيف صف أصحابه، وكيف انهزم المسلمون، ومن قتل منهم، وجعل أبو بكر يسترجع ويترحم عليهم، وجعل أبو خيثمة
يقول: يا خليفة رسول الله ﷺ، أتينا من قبل الأعراب، انهزموا بنا وعودونا ما لم نكن نحسن، حتى أظفرنا الله بعد، ثم قال أبو بكر: كرهت رؤيا رأيتها كراهية شديدة، ووقع فى نفسى أن خالدا سيلقى منهم شدة، وليت خالدا لم يصالحهم، وأنه حملهم على السيف، فما بعد هؤلاء المقتولين يستبقى أهل اليمامة، ولن يزالوا من كذابهم فى بلية إلى يوم القيامة، إلا أن يعصمهم الله، ثم قدم بعد ذلك وفد اليمامة مع خالد على أبى بكر رضى الله عنه. قال الواقدى: أجمع أصحابنا أن خالد بن الوليد قدم المدينة من اليمامة، وقدم بوفد اليمامة سبعة عشر رجلا من بنى حنيفة، فيهم مجاعة بن مرارة، وإخوته، وأن أبا بكر حبسهم، فلم يدخلهم عليه، فدخلوا على عمر بن الخطاب يكلمونه فى أن يكلم أبا بكر أن يأذن لهم فيدخلهم أو يأذن لهم فى الرجوع إلى بلادهم، فوجدوه يحلب شاة على رغيف فى صحفة، ومعه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وابنه زيد بن الخطاب، فهما ينزوان على ظهره، قالوا، أو من قال منهم: فنسبنا، فانتسبنا، فقرب تلك الصحفة وما فيها، وقال: أصيبوا شيئا، فتحرمنا فأصبنا شيئا، فسألته: من هذان الغلامان؟ فقال: هذان ابنا زيد بن الخطاب ﵀، فوجمنا لأنا قتلنا زيدا، فلما رأى وجومنا قال: ما لكم قد سكتم؟ هذا أمر قد ذهب، حاجتكم، قالوا: فبسطنا، فقلنا: احتبسنا ولا نقدر على الدخول على أبى بكر، ولا السراح إلى بلادنا، فقال عمر: عليكم عهد الله وكفالته أن تناصحوا الإسلام وأهله، قلنا: نعم، قال: ارجعوا حتى تأتوا فى هذه الساعة من غد فأوصلكم إلى أبى بكر، فلما كان ذلك الوقت من الغد، جاؤه، فخرج معهم حتى أوصلهم إلى أبى بكر. وقال زيد بن أسلم عن أبيه: لما دخلوا على أبى بكر الصديق، قال: ويحكم، ما هذا الذى استنزل منكم ما استنزل، وخدعكم، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذى بلغك مما أصابنا.
عن أبيه: لما دخلوا على أبى بكر الصديق، قال: ويحكم، ما هذا الذى استنزل منكم ما استنزل، وخدعكم، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذى بلغك مما أصابنا. وذكر وثيمة أن الذى كلم أبا بكر منهم رجل من بنى سحيم، فقال: يا خليفة رسول الله، كان رجلا مشئوما أصابته فتنة من حديث النفس، وأمانى الشيطان، دعا إليها أقواما مثله فأجابوه فلم يبارك الله له ولا لقومه. قال أسلم فى حديثه: ثم أقبل يعنى أبا بكر، على مجاعة، فقال: يا مجاعة، أنت خرجت طليعة لمسيلمة حتى أخذك خالد أخذا؟ فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما
فعلت، خرجت فى طلب رجل من بنى نمير قد أصاب فينا دما، فهجمت علينا خيل خالد، ولقد كنت قدمت على رسول الله، فلما ذكر رسول الله، قال أبو بكر: قل ﷺ، فقال: ﷺ، ثم رجعت إلى قومى، فو الله ما زلت معتزلا أمر مسيلمة حتى كان أوان قدمت عليك مقدمى هذا، ثم لم آل لخالد فيما استشارنى إلى اليوم، وقد جئناك لترضى عمن أساء، وتقبل ممن تاب، فإن القوم قد رجعوا وتابوا، فقال أبو بكر: أما أنى قد كتبت إلى خالد كتابا فى أثر كتاب آمره أن لا يستبقى من بنى حنيفة أحدا مرت عليه الموسى قال مجاعة: الذى صنع الله لك ولخالد خير، يفىء الله بهم إلى الإسلام، قال أبو بكر: أرجو أن يكون ما صنع خالد خيرا، يا مجاعة أنى خدعتم بمسيلمة؟ قال: يا خليفة رسول الله، لا تدخلنى فى القوم، فإن الله يقول: لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: ١٨] ، قال أبو بكر رضى الله عنه: فما كان يقول لقومه؟ قال: فكره مجاعة أن يخبره فقال أبو بكر: عزمت عليك لتخبرنى. وفى غير هذا الحديث أن الرجل السحيمى الذى تقدم ذكره قبل أخبره بأنه كان يقول: يا ضفدع بنت ضفدعين، لحسن ما تنقنقين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، امكثى فى الأرض حتى يأتيك الخفاش بالخبر اليقين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم لا يعدلون. فاسترجع أبو بكر، ثم قال: سبحان الله، ويحكم، أى كلام هذا، إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر، فأين ذهب بكم؟ الحمد لله الذى قتله، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد أردنا الرجوع إلى بلادنا، قال: ارجعوا، وكتب لهم كتابا آمنهم فيه.
ما خرج من إل ولا بر، فأين ذهب بكم؟ الحمد لله الذى قتله، قالوا: يا خليفة رسول الله، قد أردنا الرجوع إلى بلادنا، قال: ارجعوا، وكتب لهم كتابا آمنهم فيه. وفى كتاب يعقوب الزهرى: أن وفد بنى حنيفة لما قدموا، نادى أبو بكر أن لا يؤويهم أحد، ولا يبايعهم، ولا ينزلهم، ولا يكلمهم، فداروا فى المدينة لا يكلمون ولا يبايعون، فضاقت عليهم، فقيل لهم: ائتوا عمر، فجاؤه، فوجدوه معتقلا عنزا يحلبها على رغيف، فلما رآهم، حلب، فاشتد حلبه حتى دار الرغيف فى القدح من شدة حلبه، ثم وضعه، فدعاهم فأكلوا معه، ومعه صبية صغيرة، فقالوا: إنا نعوذ بالله أن يرد علينا من إسلامنا ما يقبل من غيرنا، وإنا نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، الذى لا إله إلا هو، الذى يعلم من السر ما يعلم من العلانية، قال: الله، إن ما تقولون بألسنتكم لحق من قلوبكم، قالوا: الذى لا إله إلا هو إن ما نقول بألسنتنا لحق من قلوبنا، قال: الحمد لله الذى جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه. قال: أفيكم قاتل زيد بن الخطاب؟ قلنا: ما تريد بذلك؟ قال: أفيكم قاتل زيد؟ فقام أبو مريم، فقال: أنا قاتل زيد،
جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه. قال: أفيكم قاتل زيد بن الخطاب؟ قلنا: ما تريد بذلك؟ قال: أفيكم قاتل زيد؟ فقام أبو مريم، فقال: أنا قاتل زيد،
قال: وكيف قتلته؟ قال: اضطربت أنا وهو بالسيفين حتى انقطعا، ثم أطعنا بالرمحين حتى انكسرا، ثم اصطرعنا، فشحطته بالسكين شحطا، قال: يا بنية، هذا قاتل أبيك، فوضعت يدها على رأسها، وصاحت: يا أبتاه. قال: ثم خرج حتى جاء أبا بكر، فاستأذن لنا عليه، فدخلنا فقلنا له كما قلنا لعمر، وناشدنا كما ناشدنا عمر، فحلفنا له، فقال: الحمد لله الذى جعل لنا من الإسلام ما يعزنا ويردنا إليه، قال: أفيكم من رهط عامر بن مسلمة أحد؟ قال خالد: وما تصنع بعامر وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة، فكررها أبو بكر، فقال: هل فيكم من رهط ثمامة ابن أثال أحد؟ قال خالد: وما تصنع بثمامة، وهذا مجاعة سيد أهل اليمامة، قال أبو بكر رضى الله عنه: إنهم أهل بيت اصطعنهم النبى ﷺ، فأحب أن أصطنعهم، فقام مطرف بن النعمان بن سلمة، فقال: عامر بن سلمة عمى، وثمامة بن أثال عمى، فاستعمله أبو بكر على اليمامة. وقال أبو بكر لخالد: سم لى أهل البلاء، فقال: يا خليفة رسول الله، كان البلاء للبراء بن مالك، والناس له تبع. ولما قدم خالد المدينة لم يبق بها دار إلا فيها باك لكثرة من قتل معه من الناس، فبكى أبو بكر رضى الله عنه، لما رأى ذلك، وقال ما أبعد ما رأى من الظفر، والله لثابت بن قيس بن شماس «١» أعز على الأنصار من أسماعها وأبصارها. وكانت اليمامة فى ربيع الأول من سنة اثنتى عشرة «٢» ، واختلف فى عدد من استشهد فيها من المسلمين، فأكثر ما فى ما وقع فى كتاب أبى بكر إلى خالد: أن ببابك دماء ألف ومائتين من المسلمين. وقال سالم بن عبد الله بن عمر: قتل يوم اليمامة ستمائة من المهاجرين والأنصار، وغير ذلك. وقال زيد بن طلحة: قتل يوم اليمامة من قريش سبعون، ومن الأنصار ستون، ومن سائر الناس خمسمائة.
: قتل يوم اليمامة ستمائة من المهاجرين والأنصار، وغير ذلك. وقال زيد بن طلحة: قتل يوم اليمامة من قريش سبعون، ومن الأنصار ستون، ومن سائر الناس خمسمائة.
وعن أبى سعيد الخدرى قال: قتلت الأنصار فى مواطن أربعة سبعين سبعين، يوم أحد سبعين، ويوم بئر معونة سبعين، ويوم اليمامة سبعين، ويوم جسر أبى عبيد سبعين. وقال سعيد بن المسيب: قتلت الأنصار فى مواطن ثلاثة سبعين سبعين، فذكر ما تقدم إلا بئر معونة. وذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه، يوما وقعة اليمامة ومن قتل فيها من المهاجرين والأنصار، فقال: أحلت السيوف على أهل السوابق من المهاجرين والأنصار، ولم نجد المعول يومئذ إلا عليهم، خافوا على الإسلام أن يكسر بابه، فيدخل منه إن ظهر مسيلمة، فمنع الله الإسلام بهم، حتى قتل عدوه وأظهر كلمته، وقدموا يرحمهم الله، على ما يسرون به من ثواب جهادهم من كذب على الله وعلى رسوله، ورجع عن الإسلام بعد الإقرار به. وفى رواية عنه: جعل منادى المسلمين، يعنى يوم اليمامة، ينادى: يا أهل الوجوه، لولا ما استدرك خليفة رسول الله ﷺ، من جمع القرآن لخفت أن لا يلتقى المسلمون وعدوهم فى موضع إلا استحر القتل بأهل القرآن. ولما قتل ثابت بن قيس بن شماس يوم اليمامة، ومعه كانت راية الأنصار يومئذ، وهو خطيبهم وسيد من سادتهم، أرى رجل من المسلمين فى منامه ثابت بن قيس يقول له: إنى موصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إنى لما قتلت بالأمس جاء رجل من ضاحية نجد وعلىّ درع فأخذها، فأتى بها منزله فأكفأ عليها برمة، وجعل على البرمة رحلا، وخباؤه فى أقصى العسكر، إلى جنب خبائه فرس يستن فى طوله، فائت خالد بن الوليد فأخبره فليبعث إلى درعى فليأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ، فأخبره أن علىّ من الدين كذا ولى من الدين كذا، وسعد ومبارك غلاماى حران، وإياك أن تقول هذا حلم، فتضيعه. فلما أصبح الرجل أتى خالد بن الوليد فأخبره، فبعث خالد إلى الدرع فوجدها كما قال، وأخبره بوصيته فأجازها، ولا نعلم أحدا من المسلمين أجيزت، وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس «١» . وقد روى أن بلال بن الحارث كان صاحب الرؤيا، رواه الواقدى، ثم قال بعقبه:
فأجازها، ولا نعلم أحدا من المسلمين أجيزت، وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس «١» . وقد روى أن بلال بن الحارث كان صاحب الرؤيا، رواه الواقدى، ثم قال بعقبه: فذكرته، يعنى الحديث، لعبد الله بن سعد، فقال: حدثنى عبد الواحد بن أبى عون، قال:
قال بلال: رأيت فى منامى كأن سالما مولى أبى حذيفة قال لى ونحن منحدرون من اليمامة إلى المدينة: إن درعى مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق، تحت قدرهم، فإذا أصبحت فخذها من تحت قدرهم، فاذهب بها إلى أهلى، وإن علىّ شيئا من دين، فمرهم يقضونه، قال بلال: فأقبلت إلى تلك الرفقة، وقدرهم على النار، فألفيتها وأخذت الدرع، وجئت أبا بكر فحدثته الحديث، فقال: نصدق قولك، ونقضى دينه الذى قلت. وقتل الله من بنى حنيفة يوم اليمامة عددا كثيرا، ففى كتاب يعقوب الزهرى أنه قتل منهم أكثر من سبعة آلاف، وعن غيره أنه أصيب يومئذ من صليب بنى حنيفة سبعمائة مقاتل، وكان داؤهم خبيثا، والطارئ منهم على الإسلام عظيما، فاستأصل الله تعالى شأفتهم، ورد ألفة الإسلام على ما كانت عليه على عهد رسول الله ﷺ. ذكر ردة بنى سليم ذكر الواقدى من حديث سفيان بن أبى العوجاء السلمى، قال: وكان عالما بردة قومه، مع أنه كان من وعاة العلم، وممن يوثق به فى الدين، قال: أهدى ملك من ملوك غسان إلى النبى ﷺ، لطيمة فيها مسك وعنبر، وخيل، فخرجت بها الرسل حتى إذا كانوا بأرض بنى سليم، بلغتهم وفاة النبى ﷺ، فتشجع بعض بنى سليم على أخذها والردة، وأبى بعضهم من ذلك، وقالوا: إن كان محمد قد مات، فإن الله حى لا يموت، وكان الذين ارتدوا منهم عصية وبنو عميرة وبنو عوف، وبعض بنى جارية، والذين انتهبوا اللطيمة فتمزقوها، بنو الحكم بن مالك بن خالد بن الشريد. فلما ولى أبو بكر كتب إلى معن بن حاجز «١» فاستعمله على من أسلم من بنى سليم، وكان قد قام فى ذلك قياما حسنا، ذكر وفاة النبى ﷺ، وذكر الناس ما قال الله لنبيه ﵇: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية [آل عمران: ١٤٤] والتى قبلها، مع آى من كتاب الله، فاجتمع إليه بشر كثير من بنى سليم، وانحاز أهل الردة منهم فجعلوا يغيرون على الناس، ويقطعون السبيل، فلما بدى لأبى بكر أن يوجه خالد بن الوليد إلى الضاحية، كتب إلى معين بن حاجز أن يلحق بخالد بن الوليد هو ومن معه من المسلمين، ويستعمل
، ويقطعون السبيل، فلما بدى لأبى بكر أن يوجه خالد بن الوليد إلى الضاحية، كتب إلى معين بن حاجز أن يلحق بخالد بن الوليد هو ومن معه من المسلمين، ويستعمل
على عمله طريفة بن حاجز، ففعل، وأقام طريفة يكالب من ارتد بمن معه من المسلمين، يغير عليهم ويغيرون عليه، إذ قدم الفجاءة، وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عمير ابن خفاف، على أبى بكر الصديق، فقال: يا أبا بكر، إنى مسلم، وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار، فاحملنى وأعنى، فإنه لو كان عندى قوة لم أقدم عليك، ولكنى مضعف من الظهر والسلاح، فسر أبو بكر بمقدمه، فحمله على ثلاثين بعيرا، وأعطاه سلاح ثلاثين رجلا، فخرج يستعرض المسلم والكافر، فيأخذ أموالهم، ويصيب من امتنع مع قوم من أهل الردة قد تبعوه على ذلك، لقد أغار على قوم بالأرحضية مسلمين، جاؤا يريدون أبا بكر، فسلبهم وقتلهم، ومعه رجل من بنى الشريد، يقال له: نجبة بن أبى المثنى. فلما بلغ أبا بكر خبره وما صنع، كتب إلى طريفة بن حاجز: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله إلى طريفة بن حاجز، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على محمد ﷺ أما بعد، فإن عدو الله الفجاءة أتانى، فزعم أنه مسلم، وسألنى أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام، فقويته، وقد انتهى إلى الخبر اليقين أنه قد استعرض المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم، ويقتل من امتنع منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأسره، فتأتينى به فى وثاق إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله.
والمرتد، يأخذ أموالهم، ويقتل من امتنع منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأسره، فتأتينى به فى وثاق إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله. فقرأ طريفة كتاب أبى بكر على قومه المسلمين، فحشدوا، وساروا معه إلى الفجاءة، فقدم إليهم نجبة بن أبى المثنى، فناوش المسلمين، وقتل نجبة، وهرب من كان معه إلى الفجاءة، ثم زحف طريفة إلى الفجاءة، فتصادما، وجعل المسلمون يرمون بالنبل، ورمى أصحاب الفجاءة شيئا وهم منكسرون لما يرون من انكسار الفجاءة وندامته، فقال: يا طريفة «١» والله ما كفرت، وإنى لمسلم، وما أنت بأولى بأبى بكر منى، أنت أميره وأنا أميره، قال طريفة: فإن كنت صادقا، فألق السلاح، ثم انطلق إلى أبى بكر فأخبره خبرك، فوضع الفجاءة السلاح، وأوثقه طريفة فى جامعة، فقال طريفة: لا تفعل، فإنك إن أقدمتنى فى وثاق أشعرتنى، فقال طريفة: هذا كتاب أبى بكر إلى: أن ابعثك إليه فى وثاق، فقال الفجاءة: سمعا وطاعة، فبعث به فى جامعة مع عشرة من بنى سليم، فأرسل به أبو بكر رضى الله عنه، إلى بنى جشم، فحرقه بالنار.
وقدم على أبى بكر رضى الله عنه، قبيصة، أحد بنى الضربان، من بنى خفاف، فذكر أن مسلم، وأنه قومه لم يرتدوا، فأمره أبو بكر أن يقاتل بمن معه من سليم على الإسلام من ارتد عنه منهم، فرجع قبيصة إلى قومه، فاجتمع إليه ناس كثير ممن ثبت على الإسلام، فخرج يتبع بهم أهل الردة يقتلهم حيث وجدهم، حتى مر ببيت خميصة بن الحكم الشريدى، فوجده غائبا يجمع أهل الردة، ووجد جارا له مرتدا، فقتله، واستاق ماله ومضى حتى نزل منزلا، فذبح أصحابه شاة من غنم جار خميصة، ثم راحوا، ويقبل خميصة حتى أتى أهله، فيخبروه خبر جاره، فخرج فى طلب القوم حتى مر بمنزلهم حيث ذبحوا الشاة، فيجد رأسها مملولا، قد تركه القوم، فأخذه، فجعل ينهش منه، وهو يطلبهم فأدركهم وهو ينهشه والدم يسيل على لحيته، وكان رجلا أيدا، فقال لقبيصة: قتلت جارى؟ قال: إن جارك ارتد عن الإسلام، قال: فاردد ماله، فرد قبيصة ماله، فقال: وفقد الشاة التى ذبحوا، فقال: أين الشاة التى ذبحت؟ فقال: لا سبيل إليها، قد أكلها القوم وهم مستحقون لذلك فى طلب قوم كفروا بعد إسلامهم، فقال: يا قبيصة، أمن بين من كفر تعدو على جار لجأ إلى لأمنعه؟ فقال قبيصة: قد كان ذلك فاصنع ما أنت صانع، فطعن قبيصة بالرمح، فوقع فى واسط الرحل، فدقه وانثنى سنان الرمح، وخر قبيصة عن بعيره، فقال لخميصة: إنك قد أشويتنى، فاكفف، فعدل خميصة سنان رمحه بين حجرين ثم شد على قبيصة، وهو يقول: أكفف بعد قتل جارى، لا والله أبدا، فطعنه بالرمح فقتله وكان قبيصة قد فرق أصحابه، وبثهم قبل أن يلحقه خميصة. وكتب أبو بكر ﵀، إلى خالد بن الوليد: أما بعد، فإن أظفرك الله ببنى حنيفة، فأقل اللبث فيهم حتى تنحدر إلى بنى سليم فتطأهم وطأة يعرفون بها ما منعوا، فإنه ليس بطن من العرب أنا أغيظ عليه منى عليهم، قدم قادمهم يذكر إسلاما ويريد أن أعينه، فأعنته بالظهر والسلاح، ثم جعل يعترض الناس، فإن أظفرك الله بهم فلا ألومك فيهم، فى أن تحرقهم بالنار، وتهول فيهم بالقتل، حتى يكون نكالا لهم.
د أن أعينه، فأعنته بالظهر والسلاح، ثم جعل يعترض الناس، فإن أظفرك الله بهم فلا ألومك فيهم، فى أن تحرقهم بالنار، وتهول فيهم بالقتل، حتى يكون نكالا لهم. قالوا: فجعل خالد بن الوليد يبعث الطلائع أمامه، وسمعت بنو سليم بمقبل خالد، فاجتمع منهم بشر كثير يعرضون لهم، وجلهم بنو عصية، واستجلبوا من بقى من العرب مرتدا، وكان الذى جمعهم أبو شجرة بن عبد العزى، فانتهى خالد إلى جمعهم بالجواء مع الصبح، فصاح خالد فى أصحابه، وأمرهم بلبس السلاح، ثم صفهم، وصفت بنو سليم، وقد كل المسلمون وعجف كراعهم، وخفهم، وجعل خالد يلى القتال بنفسه، حتى أثخن فيهم القتل، ثم حمل عليهم حملة واحدة، فهربوا، وأسر منهم بشر كثير، فجعل
يضرب أحدهم على عاتقه فيجز له باثنين، ويبدو سحره، ويضرب الآخر من وسطه. وفى حديث سفيان بن أبى العوجاء: أن خالدا خطر لهم الخطائر، فحرقهم فيها بالنار، وأصاب أبو شجرة يومئذ، فى المسلمين وجرح جراحات كثيرة، وقال فى ذلك أبياتا، يقول فى آخرها: فرويت رمحى من كتيبة خالد ... وإنى لأرجو بعدها أن أعمرا ولما قدم خالد على أبى بكر، كان أول ما سأل عنه خبر بنى سليم، فأخبره خالد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قدم على أبى بكر معاوية بن الحكم، وأخوه خميصة مسلمين، فقال أبو بكر لخميصة: أنت قتلت قبيصة، ورجعت عن الإسلام؟ قال: إنه قتل جارى، قال: وإن قتل جارك على ردة، قتلته، لن تفلت منى حتى أقتلك، فقال أخوه: يا خليفة رسول الله، كان يومئذ مرتدا كافرا موتورا، وقد تاب اليوم وراجع، ولكن نديه قال أبو بكر: فأخرج ديته، فقال: أفعل يا خليفة رسول الله، قال: فنعم الرجل كان قبيصة، ونعم السبيل مات عليه. ثم قال لمعاوية: وعمدتم يا بنى الشريد إلى لطيمة بعث بها إلى رسول الله ﷺ، فانتهبتموها، وقلتم إن يقم بهذا الأمر رجل من قريش، فلعمرى ليرضى أن تدخلوا فى الإسلام مع الناس، فكيف يأخذكم بأمن الطريق إلى رجل قد مات، فإن طلب ما أخذتم فإنما يطلبها أهل بيته، فما كانوا يطلبون ذلك منكم وأنتم أخوالهم. قال معاوية: نحن نضمنها حتى نؤديها إليك، فحمل أبو بكر، معاوية اللطيمة التى أصابوها، ووقت لهم شهرين أو ثلاثة.
فما كانوا يطلبون ذلك منكم وأنتم أخوالهم. قال معاوية: نحن نضمنها حتى نؤديها إليك، فحمل أبو بكر، معاوية اللطيمة التى أصابوها، ووقت لهم شهرين أو ثلاثة. قال: فأداها إلى أبى بكر، ثم إن أبا شجرة أسلم، ودخل فيما دخل فيه الناس، فجعل يعتذر ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، قدم أبو شجرة وأناخ راحلته بصعيد بنى قريظة، وجاء من حرة شوران، ثم أتى عمر وهو يقسم بين فقراء العرب، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنى، فإنى ذو حاجة، فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو شجرة بن عبد العزى، فقال له: يا عدو الله، ألست الذى يقول: فرويت رمحى من كتيبة خالد ... وإنى لأرجو بعدها أن أعمرا عمر الله سوء ما عشت لك يا خبيث، ثم جعل يعلوه بالدرة على رأسه، حتى سبقه عدوا، وعمر فى طلبه، فرجع أبو شجرة موليا إلى راحلته، فارتحلها، ثم شد بها فى حرة شوران راجعا إلى أرض بنى سليم، فما استطاع أبو شجرة أن يقرب عمر حتى توفى،
وإن كان إسلامه لا بأس به، وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه، ويقول: ما رأيت أحدا أهيب من عمر بن الخطاب. وقال أبو شجرة فيما كان من ذلك: ضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق ما زال يرهقنى حتى خذيت له ... وحال من دون بعض البغية الشفق لما لقيت أبا حفص وشرطته ... والشيخ يقرع أحيانا فينحمق ثم ارعويت إلى وجناء كاشرة ... مثل الطريرة لم يثبت لها الأفق أقبلت الخيل من شوران صادرة ... أنى لأزرى عليها وهى تنطلق تطير مروا خطاها عن مناسمها ... كما ينقر عند الجهبذ الورق إذا يعارضها خرق تعارضه ... ورهاء فيها إذا استعجلتها خرق ينوء آخرها منها وأولها ... سرح اليدين معا نهاضة فتق وفى حديث هشام بن عروة عن أبيه: أن لقاء أبى شجرة عمر كان على غير ما تقدم، وأن أبا شجرة قدم المدينة، فأدخل راحلته بعض دورها، ودخل المسجد متنكرا، فاضطجع فيه، وكان عمر رضى الله عنه، قل شىء يظنه إلا كان حقا، فبينا عمر جالسا فى أصحابه، وأبو شجرة مضطجع، قال عمر: إنى لأرى هذا أبا شجرة، فقام حتى وقف عليه، فقال: من أنت؟ قال: رجل من بنى سليم، قال: انتسب، قال: فلان بن عبد العزى، قال: ما كنيتك؟ قال: أبو شجرة، فعلاه بالدرة. ثم ذكر من تقريره على قوله: فرويت رمحى البيت، نحوا مما تقدم. ردة البحرين «١» حدث يعقوب الزهرى عن إسحاق بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلحة، قال: لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ، قال صاحب المدائن: من يكفينى أمر العرب، فقد مات صاحبهم وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعوا على أفضلهم، فإنهم إن فعلوا صلح أمرهم، وبقى ملكهم، وأخرجوا العجم من أرضهم، قالوا: نحن بذلك على أكمل الرجال، قال: من؟ قالوا: مخارق بن النعمان، ليس فى الناس مثله، وهو من أهل بيت قد دوخوا العرب ودانت لهم، وهؤلاء جيرانك بكر بن وائل، فأرسل
بذلك على أكمل الرجال، قال: من؟ قالوا: مخارق بن النعمان، ليس فى الناس مثله، وهو من أهل بيت قد دوخوا العرب ودانت لهم، وهؤلاء جيرانك بكر بن وائل، فأرسل
منهم ناسا مع مخارق، فأرسل معه ستمائة من بكر بن وائل، الأشرف فالأشرف، وارتد أهل هجر عن الإسلام. وعن الحسن بن أبى الحسن: أن الجارود قام فى قومه، فقال: يا قوم، ألستم تعلمون ما كنت عليه من النصرانية، وإنى لم آتكم قط إلا بخير، وإن الله تعالى بعث نبيه فنعى له نفسه وأنفسكم؟ فقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آلا عمران: ١٤٤] . وفى حديث آخر، أنه قام فيهم، فقال: ما شهادتكم أيها الناس على موسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله، قال: فما شهادتكم على عيسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله، قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، عاش كما عاشوا، ومات كما ماتوا، وأتحمل شهادة من أبى أن يشهد على ذلك، فلم يرتد من عبد القيس أحد. وقد كان رسول الله ﷺ، قال حين وفدوا عليه: «عبد القيس خير أهل المشرق، اللهم اغفر لعبد القيس ثلاثا، وبارك لهم فى ثمارهم» ، فخرجوا مسرورين بدعوته وأهدوا له من طرائف ثمارهم، وثبتوا على الإسلام حين الردة. وكان النبى ﷺ، استعمل أبان بن سعيد بن العاص «١» على البحرين، وعزل العلاء بن الحضرمى، فسأل أبان رسول الله ﷺ، أن يحالف عبد القيس، فأذن له، فحالفهم، فلما بلغ أبان بن سعيد مسير من سار إليه مرتدين، قال لعبد القيس: أبلغونى مأمنى، فأشهد أمر أصحاب رسول الله ﷺ، فليس مثلى يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم، وأموت بمماتهم، فقالوا: لا تفعل، فأنت أعز الناس علينا، وهذا علينا وعليك فيه مقالة، يقول قائل: فر من القتال، فأبى وانطلق معه ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة، فقال أبو بكر لأبان: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟ فقال: ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ.
قتال، فأبى وانطلق معه ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة، فقال أبو بكر لأبان: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟ فقال: ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ. وذكر أبان من عبد القيس خيرا، فدعا أبو بكر العلاء بن الحضرمى، فبعثه إلى البحرين، فى ستة عشر راكبا، وقال: امض، فإن أمامك عبد القيس، فسار حتى بلغهم، ومر بثمامة بن أثال الحنفى، فأمده برجال من قومه بنى سحيم، ولحق به ثمامة، فخرج
العلاء بمن معه حتى نزل بحصن يقال له جواثى، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر بن وائل المشقر، فسار إليهم العلاء فيمن اجتمع إليه من المسلمين، فقاتلهم قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى وأكثرها فى أهل الردة، والجارود بالخط يبعث البعوث إلى العلاء، وبعث مخارق الخطم بن شريح، أحد بنى قيس بن ثعلبة إلى مرزبان الخط يستمده، فأمده بالأساورة، فنزل الخطم ردم الفلاح، وكان حلف أن لا يشرب الخمر حتى يرى هجر، فقالوا له: هذه هجر، وأخذ المرزبان الجارود رهينة عنده، وقال عبد الرحمن بن أبى بكرة: أخذ الخطم الجارود، فشده فى الحديد، وسار الخطم وأبجر بن العجلى فيمن معهما حتى حصروا العلاء بن الحضرمى بجواثى. فقال عبد الله بن حذف أحد بنى عامر بن صعصعة: ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وسكان المدينة أجمعينا فهل لكم إلى نفر يسير ... مقيم فى جواثى محصرينا كأن دماءهم فى كل شمس ... شعاع الشمس يغشين العيونا توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا «١» فمكثوا على ذلك محصورين، فسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطا فى عسكر المشركين، فقالوا: والله لوددنا أن لو علمنا أمرهم، فقال عبد الله بن حذف: أنا أعلم لكم علمهم، فدلونى بحبل، فدلوه، فأقبل حتى يدخل على أبجر بن جابر العجلى، وأم عبد الله امرأة من بنى عدل، فلما رآه أبجر، قال: ما جاء بك، لا أنعم الله بك علينا؟ قال: يا خالى، الضرر والجوع وشدة الحصار، وأردت اللحاق بأهلى، فزودنى. قال أبجر:
امرأة من بنى عدل، فلما رآه أبجر، قال: ما جاء بك، لا أنعم الله بك علينا؟ قال: يا خالى، الضرر والجوع وشدة الحصار، وأردت اللحاق بأهلى، فزودنى. قال أبجر: أفعل، على أنى أظنك والله على غير ذلك، بئس ابن الأخت سائر الليلة، فزوده وأعطاه نعلين، وأخرجه من العسكر، وخرج معه حتى برزا، فقال له: انطلق، فإنى والله لأراك بئس ابن الأخت أنت هذه الليلة، فمض ابن حذف كأنه لا يريد الحصن، حتى أبعد، ثم عطف فأخذ بالحبل، فصعد الحصن، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ورائى والله أنى تركتهم سكارى لا يعقلون، قد نزل بهم تجار من تجار الخمر، فاشتروا منهم ثم وقعوا فيها، فإن كانت لكم حاجة بهم فالليلة، فنزل إليهم المسلمون، فبيتوهم، ووضعوا فيهم سلاحهم حيث شاؤا «٢» . وقال إسحاق بن يحيى بن طلحة فى حديثه: كان العلاء فى ثلاثمائة وستة وعشرين
من المهاجرين، فطرقوهم، فوجدوهم قد ثملوا، فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحد، ووثب الخطم وهو سكران، فوضع رجله فى ركاب فرسه، ثم جعل يقول: من يحملنى، فسمعه عبد الله بن حذف، فأقبل نحوه وهو يقول: أبا ضبيعة؟ قال: نعم، قال: أنا أحملك، فلما دنا منه ابن حذف ضربه حتى قتله، وقطعت رجل أبجر بن جابر العجلى فمات منها وقد كان قال حين قطعت: قاتلك الله يا ابن حذف، ما أشأمك، وقد قيل إن عفيف بن المنذر، أحد بنى عمرو بن تميم، هو الذى سمع كلام الخطم حين رام الركوب، فلم يستطع، فقال: ألا رجل من بنى قيس بن ثعلبة يعقلنى الليلة، فقال له عفيف وقد عرف صوته: أبا ضبيعة، أعطنى رجلك، فأعطاه إياها، يظن أنه يعقله على فرسه، فأطنها من الفخذ وتركه، فقال: أجهز على، فقال: إنى أحب أن لا تموت حتى أمصك، وكان مع عفيف تلك الليلة عدة من بنى أبيه أصيبوا. وقتل ليلتئذ مسمع بن سنان، أبو المسامعة، وانهزم الباقون، حتى صاروا فى ناحية من البحرين فعصموا بمفروق الشيبانى. قال إسحاق: وأصبح ما أفاء الله على المسلمين من خيولهم، وما سوى ذلك عند العلاء فى حصن جواثى، ثم صار العلاء إلى المدينة فقاتلهم قتالا شديدا، وهزمهم الله حتى لجئوا إلى باب المدينة، فضيق عليهم، فلما رأى ذلك مخارق ومن معه، قالوا: إن خلوا عنا رجعنا من حيث جئنا، فشاور العلاء أصحابه، فأشاروا عليه أن يخلى عنهم، فخرجوا فلحقوا ببلادهم، وبقى أهل المدينة، فطلبوا الصلح والأمان، فصالحهم العلاء على ثلث ما فى أيديهم بالمدينة من أموالهم، وما كان من شىء خارج منها، فهو له، فبعث العلاء بمال كثير إلى المدينة. وفى غير هذا الحديث أن عبد القيس لما أوقعوا تلك الليلة ببكر بن وائل، طفقت بكر تنادى: يا عبد القيس، إياكم مفروق بن عمرو فى جماعة بكر بن وائل، فقال عبد الله بن حذف فى ذلك: لا توعدونا بمفروق وأسرته ... إن يأتنا يلق منا سنة الخطم النخل ظاهرها خيل وباطنها ... خيل تكردس بالفرسان كالنعم وإن ذا الحى من بكر وإن كثروا ... لأمة داخلون النار فى أمم
أسرته ... إن يأتنا يلق منا سنة الخطم النخل ظاهرها خيل وباطنها ... خيل تكردس بالفرسان كالنعم وإن ذا الحى من بكر وإن كثروا ... لأمة داخلون النار فى أمم ثم سار العلاء بن الحضرمى إلى الخط حتى نزل على الساحل، فجاءه نصرانى، فقال له: مالى إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين، قال: وما تسألنى؟ قال: أهل
بيت بدارين، قال: هم لك، فخاض به وبالخيل إليهم، فظفر عليهم عنوة، وسبى أهلها، ثم رجع إلى عسكره. وقال إبراهيم بن أبى حبيبة: حبس لهم البحر حتى خاضوه إليهم، وجازه العلاء وأصحابه مشيا على أرجلهم، وقد تجرى فيه السفن قبل، ثم جرت فيه بعد، فقاتلهم، فأظفره الله بهم، وسلموا له ما كانوا منعوا من الجزية التى صالحهم عليها رسول الله ﷺ. ويروى أنه كان للعلاء بن الحضرمى ومن كان معه جوار إلى الله تعالى فى خوض هذا البحر، فأجاب الله دعائهم، وفى ذلك يقول عفيف بن المنذر، وكان شاهدا معهم «١» : ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الذى شق البحار فجاءنا ... بأعظم من غلق البحار الأوائل وفى حديث غيره، قال: لما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين سألوه الصلح على ما صالح عليه أهل حجر. ولما ظهر العلاء بن الحضرمى على أهل الردة والمجوس من أهل البحرين، أقام عليها أميرا، وبعث أربعة عشر رجلا من رؤساء عبد القيس وفدا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فنزلوا على طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأخبروهما بمسارعتهم إلى الإسلام وقيامهم فى الردة، ثم دخل القوم على أبى بكر، وحضر الزبير وطلحة رضى الله عنهم، فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنا قوم أهل إسلام، وليس شىء أحب إلينا من رضاك، ونحن نحب أن تعطينا أرضا من أرض البحرين وطواحين، فأبى أبو بكر، فكلمه فى ذلك طلحة والزبير، فأذعن، وقال: اشهدوا أنى قد فعلت وأعطيتهم كل ما سألونى، وعرفت لهم قدر إسلامهم، فجزوه خيرا.
ض البحرين وطواحين، فأبى أبو بكر، فكلمه فى ذلك طلحة والزبير، فأذعن، وقال: اشهدوا أنى قد فعلت وأعطيتهم كل ما سألونى، وعرفت لهم قدر إسلامهم، فجزوه خيرا. فلما خرجوا من عنده، قال لهم طلحة: إن هذا الأمر لا نراه يليه بعد أبى بكر إلا عمر، فكلموا أبا بكر يكتب لكم كتابا، ويشهد فيه عمر، فلا يكون لعمر بعد هذا اليوم كلام، فعادوا إلى أبى بكر، فذكروا له ذلك، فدعا عبد الله بن الأرقم، فقال: اكتب لهم بهذا الذى أعطيتهم، ففعل، وشهد فى الكتاب عشرة من قريش والأنصار، ولم يكن عمر بن الخطاب حاضرا، فانطلقوا إليه، فأقرأوه الكتاب، فلما قرأه فض الخاتم ثم تفل
فيه، ورده عليه، فأقبل الوفد على طلحة، فقالوا: هذا عملك أنت، أمرتنا أن نشهد عمر، واتهموه فى أمرهم، فقال طلحة: والله ما أردت إلا الخير، فرجعوا إلى أبى بكر غضابا، فخبروه الخبر، ودخل طلحة والزبير، فقالا: والله ما ندرى أنت الخليفة أم عمر، فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فأخبروه، فقال: فما صنع عمر بالكتاب؟. قالوا: فض الخاتم وتفل فى الكتاب ومحاه، فقال أبو بكر: لئن كان عمر كره من ذلك شيئا، فإنى لا أفعله، فبينما هم كذلك إذ جاء عمر، فقال له أبو بكر: ما كرهت من هذا الكتاب؟ فقال: كرهت أن تعطى الخاصة دون العامة، ولكن اجعل أمر الناس واحدا لا يكون عندك خاصة دون عامة، وإلا فأنت تقسم على الناس فيئهم، فتأبى أن تفضل أهل السابقة وأهل بدر وتعطى هؤلاء قيمة عشرين ألفا دون الناس، فقال أبو بكر: وفقك الله وجزاك خيرا، فهذا هو الحق.
أنت تقسم على الناس فيئهم، فتأبى أن تفضل أهل السابقة وأهل بدر وتعطى هؤلاء قيمة عشرين ألفا دون الناس، فقال أبو بكر: وفقك الله وجزاك خيرا، فهذا هو الحق. وذكر وثيمة بن موسى: أن بكر بن وائل لما خفت عند ردة العرب بعد وفاة النبى ﷺ، قالوا: والله لنردن هذا الملك إلى آل النعمان بن المنذر، فبلغ ذلك كسرى، فبعث فى وجوههم، فقدموا عليه وعنده يومئذ المخارق بن النعمان وهو المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، فقال لهم: سيروا مع المنذر بن النعمان، فإنى قد ملكته، فخذوا البحرين، فساروا، وسارت معه الأساورة، وهم يومئذ ستة آلاف راكب، ثم إن كسرى ندم على تمليك المنذر وتوجيه من وجه معه، وقال: غلام موبق، قتلت أباه، معه كتيبة النعمان من بكر بن وائل يأتون إخوتهم من عبد القيس، وهو غلام فتى السن لم يختبر، هذا خطأ من الرأى، فصرفه إليه، وانكسر المنذر للذى صنع به، ثم عاود كسرى رأيه فيه لكلام بلغه عنه، فأمضاه وسرح معه أبجر بن جابر العجلى، ثم ذكر حديثا طويلا تتخلله أشعار كثيرة لم أر لذكر شىء منها وجها، واستغنيت من حديثهم بما تقدم منه. وذكر أن المنذر لما كان من ظهور الإسلام ما تقدم ذكره هرب إلى الشام، فلحق ببنى جفنة، وندم على ما مضى منه، ثم ألقى الله فى قلبه الإسلام، فأسلم، فكان بعد إسلامه، يقول: لست بالغرور ولكنى المغرور، هذا ما ذكره وثيمة فى شأن الغرور. وذكر سيف فى فتوحه وحكاه الدارقطنى عنه، قال: الغرور بن سويد أسر يوم البحرين، أسره عفيف بن المنذر وأجاره، فأتى به العلاء بن الحضرمى، فقال: إنى قد أجرت هذا، قال: ومن هو؟ قال: الغرور، قال: أنت غررت هؤلاء؟ قال: إنى لست
بالغرور ولكنى المغرور، قال: أسلم، فأسلم، وبقى بهجر، وكان اسمه الغرور وليس بلقب. ذكر ردة أهل دبا وأزد عمان «١» وكان وفد الأزد من أهل دبا قد قدموا على النبى ﷺ، مقرين بالإسلام، فبعث عليهم مصدقا منهم، يقال له حذيفة بن اليمان الأزدى، من أهل دبا، وكتب له فرائض صدقات أموالهم، ورسم له أخذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم، ففعل حذيفة ذلك، وبعث إلى رسول الله ﷺ، بفرائض فضلت من صدقاتهم لم يجد لها موضعا، فلما توفى رسول الله ﷺ، منعوا الصدقة وارتدوا، فدعاهم حذيفة إلى التوبة، فأبوا، وأسمعوه شتم النبى ﷺ، فقال: يا قوم، أسمعونى الذى فى أبى وفى أمى، ولا تسمعونى الأذى فى رسول الله ﷺ، فأبوا إلا ذلك، وجعلوا يرتجزون: لقد أتانا خير ردى ... أمست قريش كلها نبى ظلم لعمر الله عبقرى «٢» فكتب حذيفة إلى أبى بكر الصديق بما كان منهم، فاغتاظ أبو بكر عليهم غيظا شديدا، وقال: من هؤلاء، ويل لهم، ثم بعث إليهم عكرمة بن أبى جهل، وكان النبى ﷺ، استعمله على سفلى بن عامر بن صعصعة مصدقا، فلما بلغته وفاة النبى ﷺ، انحاز إلى تبالة فى أناس من العرب ثبتوا على الإسلام، فكان مقيما بتبالة من أرض كعب بن ربيعة، فجاءه كتاب أبى بكر الصديق وكان أول بعث بعثه إلى أهل الردة، أن سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا، فسار عكرمة فى نحو ألفين من المسلمين، ورأس أهل الردة لقيط بن مالك، فلما بلغه مسير عكرمة بعث ألف رجل من الأزد يلقونه، وبلغ عكرمه أنهم فى جموع كثيرة، فبعث طليعة، وكان لأصحاب لقيط أيضا طليعة، فالتقى الطليعتان فتناوشوا ساعة. ثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارسا نحو عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته، ثم زحفوا جميعا ميمنة وميسرة، وسار
ساعة. ثم انكشف أصحاب لقيط، وبعث أصحاب عكرمة فارسا نحو عكرمة، فلما أتاه الخبر أسرع بأصحابه ومن معه حتى لحق طليعته، ثم زحفوا جميعا ميمنة وميسرة، وسار
على تعبئته حتى إذا أدرك القوم والتقوا فاقتتلوا ساعة، ثم رزق الله عكرمة عليهم الظفر، فهزمهم وأكثر فيهم القتل، وخرجوا منهزمين راجعين إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن جمع عكرمة مقبل إليهم، وأنهم لا طاقة لهم بهم، وفقدوا من أصحابهم بشرا كثيرا، منهم من قتل ومنهم من أسره عكرمة أسرا. فلما انتهوا إلى لقيط مفلولين قوى حذيفة بن اليمان بمن معه من المسلمين، فناهضهم وناوشهم، وجاء عكرمة فى أصحابه، فقاتل معهم، فأصابوا منهم مائة أو نحوها فى المعركة، ثم انهزموا حتى دخلوا مدينة دبا «١» ، فتحصنوا فيها، وحصرهم المسلمون فى حصنهم شهرا أو نحوه، وشق عليهم الحصار، إذ لم يكونوا أخدوا له أهبته، فأرسلوا إلى حذيفة رجلا منهم يسألونه الصلح، فقال: لا إلا أن أخيرهم بين حرب مجلية أو سلم مخزية، قالوا: أما الحرب المجلية فقد عرفناها، فما السلم المخزية؟. قال: تشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار، وأن ما أخذنا منكم فهو لنا وأن ما أخذتموه منا فهو رد علينا، وأنا على حق وأنكم على باطل وكفر ونحكم فيكم بما رأينا، فأقروا بذلك، فقال: اخرجوا عن مدينتكم عزلا لا سلاح معكم، ففعلوا، فدخل المسلمون حصنهم، فقال حذيفة: إنى قد حكمت فيكم: أن أقتل أشرافكم، وأسبى ذراريكم. فقتل من أشرافهم مائة رجل، وسبى ذراريهم، وقدم حذيفة بسبيهم إلى المدينة وهم ثلاثمائة من المقاتلة، وأربعمائة من الذرية والنساء، وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبى بكر، فلما قدم حذيفة بسبيهم المدينة، اختلف فيهم المسلمون، فكان زيد بن ثابت يحدث أن أبا بكر أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقى من المقاتلة.
فلما قدم حذيفة بسبيهم المدينة، اختلف فيهم المسلمون، فكان زيد بن ثابت يحدث أن أبا بكر أنزلهم دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقى من المقاتلة. فكان من كلام عمر له: يا خليفة رسول الله، قوم مؤمنون إنما شحوا على أموالهم، والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام، ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول، ولم يزالوا موقفين فى دار رملة بنت الحارث، حتى توفى أبو بكر رضى الله عنه، وولى عمر، فدعاهم، فقال: قد كان من رأيى يوم قدم بكم على أبى بكر أن يطلقكم، وقد أفضى إلى الأمر، فانطلقوا إلى أى البلاد شئتم، فأنتم قوم أحرار لا فدية عليكم، فخرجوا حتى نزلوا البصرة، وكان فيهم أبو صفرة والد المهلب، وهو غلام يومئذ، فكان ممن نزل البصرة.
وروى عن ابن عباس: أن رأى المهاجرين فيهم إذا استأسرهم أبو بكر، كان قتلهم، أو فداءهم بأغلى الفداء، وكان عمر يرى أن لا قتل عليهم ولا فداء، لم يزالوا محتبسين حتى ولى عمر، فأرسلهم بغير فداء. ويروى عن عمر بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب قضى فيهم بأربعمائة درهم فداء، ثم نظر فى ذلك، فقال: لا سباء فى الإسلام وهم أحرار، والأول أكثر. وعن عروة قال: لما قدم أهل غزو دبا قافلين، أعطاهم أبو بكر خمسة دنانير خمسة دنانير «١» . ذكر ردة صنعاء وكان الأسود بن كعب العنسى «٢» قد ادعى النبوة فى عهد النبى ﷺ، واتبع على ذلك، فتزوج المرزبانة امرأة باذان الفارسى، وكانت من عظماء فارس، وقسرها على ذلك، فأبغضته أشد البغض، وسمعت به بنو الحارث بن كعب، من أهل نجران، وهم يومئذ مسلمون، فأرسلوا إليه يدعونه أن يأتيهم فى بلادهم، فجاءهم، فاتبعوه وارتدوا عن الإسلام. ويقال: دخلها يوم دخلها فى آلاف من حمير، يدعى النبوة، ويشهدون له بها، فنزل غمدان، فلم يتبعه من النخع ولا من جعفى أحد، وتبعه ناس من زبيد ومذحج، وعبس وبنى الحارث وأود ومسلية وحكم.
لاف من حمير، يدعى النبوة، ويشهدون له بها، فنزل غمدان، فلم يتبعه من النخع ولا من جعفى أحد، وتبعه ناس من زبيد ومذحج، وعبس وبنى الحارث وأود ومسلية وحكم. وأقام الأسود بنجران يسيرا، ثم رأى أن صنعاء خير له من نجران، فسار إليها فى ستمائة راكب من بنى الحارث، فنزل صنعاء، فأبت الأبناء أن يصدقوه، فغلب على صنعاء واستذل الأبناء بها، وقهرهم وأساء جوارهم لتكذيبهم إياه، فبعث رسول الله ﷺ، رجلا من الأزد، وقيل من خزاعة، يقال له وبر بن يحنس إلى الأبناء فى أمر الأسود، فدخل صنعاء مختفيا، فنزل على داذويه الأبناوى فخبأه عنده، وتآمرت الأبناء لقتل الأسود، فتحرك فى قتله نفر منهم قيس بن عبد يغوث المكشوح، وفيروز الديلمى، وداذويه الأبناوى، وكانت المرزبانة كما تقدم قد أبغضت الأسود أشد البغض، فوعدتهم
موعدا أتوا لميقاته، وقد سقته الخمر حتى سكر، فسقط نائما كالميت، فدخل عليه فيروز وقيس ونفر معهما، فوجدوه على فراش عظيم من ريش، قد غاب فيه، فأشفق فيروز أن يتعادى عليه السيف إن ضربه به، فوضع ركبته على صدر الكذاب، ثم فتل عنقه فحولها، حتى حول وجهه من قبل ظهره، وأمر فيروز قيسا، فاحتز رأسه، فرمى به إلى الناس، ففض الله الذين اتبعوه، وألقى عليهم الخزى والذلة، وخطب الناس قيس بن مكشوح، وأظهر أن الكذاب قتل بكذبه على الله، وأن محمدا رسول الله. وبلغ الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ، وهو فى مرضه الذى توفى فيه، فقال ﷺ، وذكر الأسود: «قتله الرجل الصالح فيروز الديلمى» «١» ، ورد فيروز وداذويه الأمر إلى قيس بن المكشوح، فكان أمير صنعاء، وبها يومئذ جماع من أصحاب الأسود الكذاب، فلما بلغتهم وفاة رسول الله ﷺ، ثبت قيس والأبناء وأهل صنعاء على الإسلام، إلا أصحاب الأسود. ثم إن قيسا خاف فيروز وداذويه أن يغلباه على سلطان صنعاء، فأجمع أن يفتك بهما، فأرسل إليهما يدعوهما، فجاء داذويه فقتله، وأقبل فيروز يريده، فأخبره بقتل داذويه، فهرب منه إلى أبى بكر رضى الله عنه، وارتد قيس بن المكشوح، وأخرج الأبناء من صنعاء، فلم يبق بها أحد إلا فى جوار، فكان الشعبى يقول فيما ذكر عنه: باليمن رجلان لو انبغى لأحد أن يسجد لشىء دون الله لانبغى لأهل اليمن أن يسجدوا لهما: سيف بن ذى يزن فى الحبشة، وقيس بن مكشوح فى الأبناء الذين بصنعاء، يعنى إخراج سيف الحبشة وإخراج قيس الأبناء. ولما بلغ خالد بن سعيد بن العاص ردة صنعاء، سار يومها، وكان فى ناحية أرض مراد، حتى دخلها، فاستعداه فيروز على قيس فى قتل داذويه، فبعث إليه من يأتى به، فذهب الرسول فأخذه، ثم أقبل به حتى إذا كان قريبا من صنعاء اختدع قيس الرسول حتى انفلت منه فدخل على خالد فقال: من جاءكم مسلما قد أصاب فى الجاهلية أشياء ماذا عليه؟ فقال له خالد: هدم الإسلام ما قبله، فأسلم قيس، ثم خرج مع خالد إلى الصلاة فيجد فيروز فى المسجد، فقال له: يا فيروز، هل لك حاجة إلى الأمير؟.



