تثبيت دلائل النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القاضى عبد الجبار (w. 415 H).

Bagian 10 dari 18 708 halaman

— Bagian 10 · البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل … —

Bagian 10

البلاد، فمكن لابن حوشب، وتساعدا على الدعوة، وكل واحد منهما بمكانه، وتسمى ابن حوشب بالمنصور من آل أحمد، وتسمى الآخر بالولي. ومكثا مدة يتستران بإقامة الشريعة، ثم ظهر منهما الإباحة، وليلة الافاضة، وأولاد الصفوة، ونكاح الأمهات والأخوات والبنات، والمشاركة في الزوجات، وتعطيل الشرائع، وشتم الأنبياء عند التمكن والقدرة. ثم ظهر بين ابن حوشب وبين ابن الفضل من المشاتمة، وبرىء كل واحد من صاحبه، ودعا كل واحد منهما إلى نفسه بأنه إله وربّ، وغزا، وقصد العلويين بالمكاره والقتل وسبي الذرية. وقد كان نصب هذين، الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح «١» الذي زعم أنه الإمام، وهو خليفة محمد بن اسماعيل بن جعفر «٢» ، وقال لهذين وغيرهما ممن خرج معهما إلى اليمن: إذا ملكتم وغلبتم خرجت إليكم، وجعلنا الملك باليمن، والمهدي يظهر باليمن، وهكذا روينا عن أهل البيت. فلما تمكنوا باليمن، أخرج اليهم ابن ميمون القداح الحسين الأهوازي الداعية من قبله، فطلب منهم مالا يحملونه اليه، فأعطوه مرة بعد مرة، ثم رجع إليهم وعرّفهم أن الحجة خليفة محمد بن اسماعيل يخرج إليهم لينصروه، فشتموه وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرّفنا بهذا، فلم نسلم الملك اليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع

لينصروه، فشتموه وردوه، فقالوا: قد عرفنا أن هذا كله مخرقة، وهو عرّفنا بهذا، فلم نسلم الملك اليه، فقال لهم: على كل حال هو عرفكم هذا وخلصكم من الشرائع

والإسلام، فاشكروا له وأطيعوه، فشتموه وشتموا من وجّه به. فرجع الرسول إلى الحسين بن أحمد/ وعرّفه أن القوم قد أظهروا الباطن وعملوا به وفطنوا له، وتشاتموا وتفاضحوا بينهم. ثم صمد يحيى بن الحسين العلوي ﵁ لجهاد هم. وقد كان ابن حوشب هلك وبقي ابن الفضل، فهلك هو وابنه أمام يحيى بن الحسين العلوي كما هو مذكور، وفضائحهم مشهورة عند أهل العلم. ومن عند ابن حوشب انبثت دعوتهم باليمن والمغرب. ثم تأمل فضيحتهم بالبحرين، فإن داعية لهم خرج إلى من بها من الشيعة، وقال: أنا رسول المهدي إليكم، وقد قرب خروجه، فأعدوا واستعدوا، واحملوا اليه زكواتكم وأعشاركم وفضول أموالكم. فاجتمعوا، وكانوا نحو ثمانمائة، وأعطوه ما طلب. وغاب عنهم ورجع اليهم وأخبرهم عن المهدي: أن للأشياء كلها بواطن، وأن خاصة المهديّ لا يحرم عليهم شيء، وأن المهدي قد أحل لكم كل شيء، وأنه يحل للمؤمن أن يشارك أخاه في ماله وأصله «١» ، وأن علامة إيمانه أن تطيب نفسه بذلك كله. وكان فيمن أجابهم: أبو سعيد الحسين بن بهرام الجنابيّ «٢» ، وكان يبيع الطعام والدقيق بالراذة من أرض البحرين، وكان شريرا فاسقا جاهلا لا يعرف من كتاب الله شيئا، ولا من سنة نبيه، ولا شيئا من الأدب، ولا شغل له إلا بالمعاش. وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز. وكان يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي

ا شغل له إلا بالمعاش. وكان له صديق منهم يعرف بإبراهيم الصائغ داعية لهم، قد وجهوه غير مرة إلى ناحية فارس والأهواز. وكان يظنهم شيعة، فجاء يوما إلى أبي

بكر زكريا يحيى بن نبهان فقال له: اعلم أن هؤلاء القوم على ضلال، كنت مع أبي سعيد الجنابي وقد جاءه رجل من أهل جنابة يقال له يحيى بن علي، فأكلنا عنده فلما فرغنا، قام فأخرج امرأته ثم أدخلها مع يحيى هذا في بيت، وقال لها: إن أرادك الولي فلا تمنعيه نفسك فإنه أحق بك مني. فمضى يحيى ابن نبهان بإبراهيم الصائغ إلى هذا الأمير: علي بن مسمار/ فأخبره بما وقف عليه، فأرصد عليّ بن مسمار لذلك وتعرفه، فأخذ الرجل فضربه بالسوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم خلى سبيله، وطلب أبا سعيد فهرب إلى جنابة، وبحث عنهم وعن أحوالهم فإذا هم يتسترون بالتشيع ويعطلون الشريعة. وبقي أولاد ابي سعيد وأصهاره في البحرين، فبحث الناس عن أحوالهم وأحوال بني سنبر وأمثالهم فإذا هم على هذه الحال. ثم تمكنوا، وعاد أبو سعيد بعد أن صار إلى النيل وسواد الكوفة، ومعه الدعوة ورجالها، مثل حمدان بن الأشعث، «١» وهو المعروف بقرمط، واليه ينسب القرامطة، وخال ابن أبي المليح القرني، وخال عيدان. وقد كان بالبحرين يحيى الطمامي داعية لهم، فلما تمكن أفسد وغدر، وأظهر الإباحة، وكان شريك أبي سعيد الجنابي في الدعوة، فوثب عليه أبو سعيد وغدر به وقتله، واستولى على الأمر، وغدر بالناس لما ملكهم، وأظهر من الإباحة وتعطيل الشرائع ما هو مذكور. وقال إنه رسول الأمين الإمام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض

مام حجة الله على خلقه، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن الحنفية، وهو مقيم في بعض هذه الجبال، وهو المهدي، وأنه في سنة ثلاثمائة للهجرة يخرج ويملك الأرض

كلها. وكان هذا القول والوعد من أبي سعيد في سني نيّف وثمانين ومائتين للهجرة. وكان يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويحلف لهم أنه يدخل بهم إليها. ويملكها. فلما كان في سنة ثلاثمائة، قتل أبا سعيد خادم كان لأبي الفضل العباس بن عمرو الغنوىّ في الحمام «١» ، وكذبت أخباره، وظهرت فضائحه، فخجلوا لذلك خجلة يالها، وتحيروا. وقد كان علي بن عيسى بن داود بن الجراح «٢» وزير المقتدر بالله كاتب أبا سعيد يقول له: زعمت أنك رسول المهديّ، وقد قتلت العلويين، وسبيت آل الأخيصر العلويين، ومن باليمامة، واسترققت العلويات، وغدرت بأهل البحرين. وقد كان حاصر أهل هجر أربع سنين ومنعهم الأقوات، وحبس عنهم الماء، ثم وصل/ اليهم وما بهم رمق فأتى عليهم، وقتلهم عن آخرهم. وقد كان صنع بأهل القطيف شبيها بذلك، وغدر بهم أقبح غدر. فأجاب ولد أبي سعيد علي بن عيسى عن كتابه بأن أهل البحرين بغوا علينا، وغدروا بنا، ورمونا، وقالوا: إنا نشترك في أزواجنا، ونرى الإباحة وتعطيل الشريعة، وقد كذبوا علينا، ونحن قوم مسلمون وما نحل من اتهمنا بغير الإسلام. فكتب اليهم عليّ بن عيسى: إن كنتم صادقين فأطلقوا من في أيديكم من أسارى المسلمين، فأطلقوا منهم نحو ثلاثين ألفا، وأظهروا الإسلام والصلاة وقراءة القرآن، وخجلوا من الفضيحة.

ومما كانوا يقولونه ويقوله أبو سعيد من خروج المهدي في سنة ثلاثمائة لحقهم الخجل والفضيحة. وكان بنو بسطام، وبنو القاسم بن عبد الله، والعزاقريّ وأمثالهم يستولون على دولة المقتدر بالله «١» ، وكانوا يتشيعون. فراسلوا أولاد أبي سعيد وقالوا لهم: أنتم خرجتم أيام المعتضد والمكتفي، فلما صار الأمر إلى هذا الصبي المقتدر بالله قعدتم، قوموا فنحن كتابه وأصحابه، والدولة لكم، ولا يوحشنكم قتل أبي سعيد وما كان منه، فإن الناس قد تناسوا ذلك. فقالوا: هذا الرجل علي بن عيسى رجل صالح، وما دام هو الناظر فما نختار مخالفته. فلما قبض السلطان على عليّ بن عيسى، أطلق من ببغداد والكوفة من الشيعة الطيور إلى البحرين بذلك، فغزوا البصرة على غفلة وغدروا بهم أقبح غدرة، ثم غزوا الكوفة، وسرّ بهم الشيعة وقالوا: أبو طاهر بن أبي سعيد وليّ الله وحجة الله وخليفة المهديّ بالبحرين، يخرج عن قرب، وأبو طاهر خليفته، وهو الذي يأخذ الأرض له ويكون ملكه بالبحرين. فبادر من أهل الكوفة وسوادها خلق كثير، وقالوا: نهاجر إلى بلد المهدي قبل ظهوره، فنقلوا أموالهم وعيالهم، ومن منهم ببغداد والكوفة وسوادها يراعون أمر المقتدر، وينقلون أخباره إلى أبي طاهر بن أبي سعيد. وقد كان حصل لأبي/ طاهر من أموال الحجاج والخراسانية والكوفة والبصرة بيوت كثيرة، وأطمعه الشيعة ببغداد في السلطان، وعرّفوه ضعفه، وأن النجوم تدل على أن أبا طاهر يغلب السلطان، وأنه يدخل بغداد ويستولي على الملك. فتحمل أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال: أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان

داد ويستولي على الملك. فتحمل أبو طاهر، وحمل أهله وعياله، وسار يريد بغداد، وقال: أنا أدخلها وأدخل دار الخلافة على هذا الحمار، وأشار إلى حمار أسود كان

في كراعه. وسار ونزل ظهرا بالكوفة، ولقيه بن أبي الساج فهزمه «١» ، ونادى مناديه أن يكون لنا وقعة مع مؤنس الخصّى برصافة الكوفة ونهزمه «٢» ويستغنى أهل الكوفة من ذلك النهب، وأسير فأدخل بغداد في يوم ثلاثاء، وفي يوم طشّ «٣» ، واستكتب عليّ بن عيسى، واستعمل على الشرطة أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان. وجلس بظهر الكوفة يقسم قصور بغداد على أصحابه، ويتماسكون ويختارون. فلم يخرج مؤنس من الكوفة ورحل من بغداد ونزل بطباطبا، وهي من بغداد على فراسخ يسيرة. وطال انتظار أبي طاهر له، وكان من ببغداد من الشيعة قدر راسلوا أبا طاهر أنه ما بقي عند السلطان إلا مؤنس الخصي، وهو الذي يلقاك. وهو أضعف من ابن أبي السّاج بألف طبقة، وأنت تهزمه وتدخل بغداد. فصبر مؤنس ولم يبرح من طباطبا، وأبو طاهر يراسله: ما انتظارك؟ وإن كنت رجلا فابرز، ومؤنس لا يبرح. فسار أبو طاهر وعبر الفرات، وجاء فنزل بالقرب من مؤنس، فانقلبت بغداد، وعبر الكثير من أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، إلا من كان من الشيعة. وانحدر كثير منهم وأحدروا عيالهم إلى البصرة. وخرج إلى أبي طاهر من أهل بغداد من الشيعة وغيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح

غيرهم من الكتاب سرا، وبشروه بضعف السلطان، وأنهم قد قلبوا له بغداد بالأراجيف. وقالوا له: بغداد بلد عظيم، وإن لم ترهب أهله بالقتل لم تملكه، فقال: نبيح

المؤمنين القتل فيه ثلاثة أيام، قالوا لا تصنع هذا، ولكن سبعة أيام، وتنظم جانبي دجلة/ بالمصلين من بني هاشم، والقراء، والفقهاء، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال: كذا نفعل. وأظهر من بالكوفة لعن بني العباس والسلف، وخرج أبو الغيث بن عبيدة العجلي في ثلاثين ألفا، وأقام أبو القاسم عيسى بن موسى حتى عيدان في البقلية أصحابه «١» ، وأظهروا الخلاف، وقالوا: ظهر الحق وقام المهدي وانقضت دولة بني العباس والفقهاء والقراء وأصحاب الحديث، وقال قائلهم: ما بقي شيء ينتظر وما جئنا لإقامة دولة، ولكن لإزالة شريعة. فقيل لهم: إن الخصي قد قطع قنطرة نهر بطباطبا، فقالوا: قد عبر أبو طاهر الفرات فلا يعبر نهر بطباطبا، وإنما هو كالساقية بالإضافة إلى الفرات. فسار أبو إسحاق ابراهيم بن ورقاء الشيباني الأمير، وكان رجلا صالحا لا يعين السلطان إلا فيما يحل ويحسن. فسار إلى الفرات في السماريات «٢» ، ومنع القرامطة من العبور ومن ورود الماء، فضاق صدر أبي طاهر من تأخرهم عنه، فرحل عن مؤنس ورجع إلى الفرات، وصاعد نحو الرقة يقتل وينهب من ظفر به، وقد ظن بعض الناس أنه كان يتوقع من بالمغرب من القرامطة أن يوافيه لوعد بينهم، فما جاءه أحد، فرجع إلى الأحساء، وكذبت أخباره تلك كلها، وكانت لهم من الفضائح ما لا يكاد يحصى. وكان أصحابه ومن بالكوفة وسوادها له على أحسن طاعة، لا يشكون أنه وليّ الله وحجة الله، فلما رجع بتلك الخيبة، وقد كذبت أخباره وأقاويله، أخذ

خواصه يلقون إلى من معه من البوادي إذا قالوا لهم: قتلنا عيالنا واقتسمنا قصور بغداد ثم رجعنا خائبين، وقد قتل ابن أبي الساج صناديدنا وعيون من بقي منا، فيقولون مرة: لهذا القول وهذه المواعيد باطن، ومرة يقولون: إن في كتب الحدثان والملاحم أنا نرجع، ومرة يقولون: سرنا بأمر، وأمثال هذا من الحيل والمخاريق. / ثم سار من البحرين إلى مكة، فوصل اليها في عشر ذى الحجة وبها الحجاج من أهل الدنيا كلها، والإسلام أكثر ما كان، فمنعه من بمكة من الحجاج وغيرهم من دخولها، ونقلوا صناديق البيت إلى ناحية دار ابن داود، وحاربوه أياما. فلما لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلى الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهروا أنهم محرمون، ونادوا بالتلبية، واستدعى من قريش من أهل مكة من راسلهم بهم، هو أبو الإمام بها والقاضي في يومنا هذا، فقالوا: كيف تكون حاجا وأنت في عشية ورودك الحرم قد قتلت المسلمين، فقال: هذا كان بغير أمري ولا رضاي، وقد يكون مثل هذا من الأتباع ومن معرة العساكر، ووجه اليهم بخاتمه وسوطه ليؤمنهم، وحلف لهذا القرشي بالأيمان الغليظة أنه قد أمنهم على دمائهم وأموالهم وحرمهم، وأنه لا يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، إلا أصحاب الجند والسلطان فإنه لا يؤمنهم، وقال: أنا لا أغدر ولا أغر من نفسي، ولو أردت ذلك لأمنت أصحاب السلطان ثم غدرت بهم، ولكن لا أؤمنهم، لأنهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعينون السلطان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة، ويشرب الخمر، ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له حتى دخل، ووضعوا السلاح.

ان الذي يحجب عنه الرعية، ويظلم اليتيم والأرملة، ويشرب الخمر، ويسمع القيان. فازداد الناس به اغترارا، وقبلوا أمانه، وأفرجوا له حتى دخل، ووضعوا السلاح.

فلما دخل وتمكن وسكن الناس، وثب بهم أغرّ ما كانوا، وقال لأصحابه: ضعوا السيف واقتلوا كل من لقيتم، ولا تشتغلوا إلا بالقتل. فلم يزل كذلك ثلاثة أيام، ولاذ المسلمون بالبيت، وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، وقتلوهم في المسجد الحرام وفي البيت، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم: «ومن دخله كان آمنا» ، أفامنون أنتم يا حمير، أما ترون كذب صاحبكم. وأمروا من يصعد لقلع الميزاب، فصعد وهو يقول مستهزئا: / هو في السماء وبيته في الأرض. وسلب البيت، وقلع الحجر الأسود، وأبو حفص عمر ابن زرقان صهر أبي سعيد واقف حذاء البيت والسيف يأخذ الناس، وهو على فرسه يضحك ويتلو: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» حتى [وصل] «١» إلى قوله: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» قال: ما آمنهم من خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة، حجّوا إلى البحرين، وهاجروا إلى الأحساء من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها. ثم أمر أصحابه بالنهب، فجمع شيئا عظيما من العين والورق والجوهر والطب، ومن متاع مصر واليمن والعراق وخراسان وفارس وبلدان الإسلام كلها، وحمل مقدار مائة ألف جمل، وأحرق الباقي، وسبى من العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألف رأس، وسار إلى الأحساء، فكانت حادثة في الإسلام لم يكن مثلها قط، وأحصوا القتلى عند الدفن، فكانوا عشرين ألف وثمان مائة. ولعلك تستكثر مائة ألف جمل لما ترى في زمانك من سوء حال الإسلام والمسلمين، وإذا تأملت الحال في ذلك الزمان استقللتها، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، وإذا تصورته استقللت ذلك، وإذا تأملت خراسان

، فإن الإسلام إذ ذاك قد كان من السعة ما كان، مستوليا على الدنيا إلا القليل، وكان يسار أهله على حال عظيمة، وإذا تصورته استقللت ذلك، وإذا تأملت خراسان

وحدها، والمسلمون يصلون من نواحي الصين، ثم من نواحي الهند، وكابل ثم عمان، ومشجر عمان، ثم اليمن، وجزيرة العرب وهي أوسع من بلاد الروم، ثم المغرب من الأندلس، والقيروان، والمغرب تشبه لكثرة رجالها وجمالها وبلدانها بخراسان، وأما أذربيجان فيشبه من السعة بما يقارب فارس أو العراق، وإنما ذكرت ذلك لأنا أردنا لا نخلى ما نقوله من حجة، وإن كان الناس قد ذكروه. فلما صار أبو طاهر إلى البحرين، سلم الأمر إلى ذكيرة الأصفهاني المجوسي «١» وجمع الناس بالبحرين، وقال: معشر الناس إنا كنا ندخل عليكم بحسب أهوائكم، مرة بمحمد، / ومرة بعليّ، ومرة بإسماعيل بن جعفر، ومرة بمحمد بن إسماعيل، وبالمهديّ «٢» ، وهذا كله باطل، وهو سر كنا نكتمه ومن قبلنا منذ ستين سنة، واليوم قد أظهرناه، وهذا إلهنا وإلهكم، وربنا وربكم، يعني ذكيرة الأصفهاني، فإن عاقب فبحق، وإن عفا فبفضل، أظهروا اللعن على الكذابين: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد معشر الأجمين، يعني بالأجمعين قسّين وجنبلا «٣» ، وعرج عمن كان عندهم بالبحرين ومن سواد الكوفة وأهل الكوفة، وقال: معشر الدعاة والخاصة، اذكروا ما عندكم، فذكروا معنى ما جرى بين عبد الله بن ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان وبين محمد بن الحسين بن جهار بخنان المعروف ببندار من أعمال الحيلة على المسلمين، والتستر بالتشيع، والدعاء إلى المهديّ، فإذا وقع التمكن، وصاروا في ملك وسيف، أظهروا تكذيب

الأنبياء، وتعطيل الشرائع، وقتلوا المسلمين، مما هو مذكور في كتاب ابن رزام، وكتاب عطية، وغيرهما من العلماء «١» . فأخذهم ذكيرة بلعن الأنبياء جهارا في الأسواق، وتقدم بإحراق المصاحف وبراءة الذمة ممن ترك عنده شيئا من المصاحف أو التوراة والانجيل وجمع هذا كله، وأمر بطرحه في الحشوش، والاستنجاء به، ونادى بنكاح الأمهات، والبنات، والأخوات، وذوات المحارم، وبإباحة اللواط، وبأن تطعن البهائم في خواصرها إلى أن تموت، ثم تموت، وبأشياء كثيرة يطول شرحها، وهي مذكورة في كتب العلماء، وقال لهم: تأهبوا فإني سائر إلى العراق لاستئصال دين محمد وقتل أتباعه، فقد انقضت دولته، وقد أحييته ثلاث مرات، واستتبته من إضلال الناس فما تاب، فالعنوه والعنوا الكذابين، يعني الأنبياء. فكانت الأصوات ترتفع بذلك في الأسواق وقتل بني زرقان وبني سلمان ومن وجوه عسكره في مدة ثمانين يوما سبعمائة رجل/، وأمرهم بأن يعرضوا عليه نساءهم من بيت أبي سعيد وغيره، فعرضوهن فاختار منهن من أراد، فكان فيمن اختار زينب بنت أبي سعيد امرأة عمر بن زرقان، وقد كان قتل زوجها، وكان له منها ابن، فأمر ذكيرة أبا طاهر بذبحه، فأخذه أبو طاهر خاله فذبحه. ثم بعد مدة، قال أبو دلف لأم أبي طاهر: إن ذكيرة الأصبهاني قد عزم على قتل ابنك وإخوتك؛ وكان لأبي طاهر خمسة إخوة، وهم ولد أبي سعيد، فاتفق قتلهم له نهارا، فماج القصر لذلك، فقال لهم الحسن ابن سنبر: أغلقوا باب القصر، فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له:

فقال لهم الحسن ابن سنبر: أغلقوا باب القصر، فأغلق، وأشرف على الناس فقال: ما لكم اجتمعتم؟ قالوا: بلغنا أنكم قتلتم الإله، قال: قد فعلنا ذاك، قالوا له:

ولم قتلتموه، قال: ما نريد أن نذكر لكم السبب في ذلك فأمسكوا، وقال لهم ابن سنبر: إن شئتم أن تذهبوا فاذهبوا، فما نعرفكم السبب. ثم قال لهم: يا قوم لا تفضحونا وأنفسكم، ولا تشمتوا بنا المسلمين وبكم، وارجعوا عن جميع ما قاله لكم أبو طاهر إلى ما كنتم عليه وكنا من قبل ذلك، من أنّا أصحاب المهدي؛ والدعاة إلى المهدي، والمؤمنون والشيعة، فإنه كنا نحدّث أن ستكون للمؤمنين زلة وهي هذه، فالله الله في أنفسنا وأنفسكم، فما أدخلناكم في شيء إلا بعد أن دخلنا فيه. قالوا نريد أن نراه إن كان مقتولا، وخافوا أن لا تكون حيلة من جملة حيلهم وكذبهم الذي كان لأبي طاهر، ففتحوا الباب وأدخلوهم، فرأوا ذكيرة مقتولا، وجاءت زينب بنت أبي سعيد امرأة ابن زرقان، فشقت جوفه، واستخرجت كبده فأكلتها، وكانت فضيحة عظيمة. فقال ابن سنبر لأبي طاهر: فرق المال في الرؤساء وأرضهم، فإن هذه سقطة عظيمة سقطناها، فوجه/ أبو طاهر في الليل إلى الرؤساء وتلافاهم، وخضع لهم، ولم تكن عادته. ثم إنه غزا بعد قتل ذكيرة ونهب، وجاء إلى الكوفة. فصار أصحابه لا يمتثلون أمره كما كان، وقد كانوا لا يخالفونه في شيء البتة، وكان أي شيء نهبوه أو غنموه يسلموه اليه ولا يخونونه في شيء منه. لأنه حجة الله، وأن المال يجبيه للمهديّ، فصار بعد قصة ذكيرة لا يعطونه ما ينهبونه وصاروا يشربون، ويسمعون القيان، ويطلبون المواخير، وإذا جاءهم العرفاء، وقالوا لهم: هاتوا ما غنمتم، لم يعطوهم، وإذا قالوا لهم: السيد يأمركم بكذا، قالوا: ناك السيد أمه، وفي است أم السيد، فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب بن الكذاب فإنه يصير بكم إلى البحرين ويسترهن

أم السيد، فرحل بهم راجعا إلى البحرين، فقال العويمل العقيلي وغيره لبني عمهم: يا ويحكم، اعتزلوا هذا الكذاب بن الكذاب فإنه يصير بكم إلى البحرين ويسترهن

عيالاتكم، ويطالبكم بما غنمتم، ويأخذه منكم ويستعبدكم. فبلغه قوله، فأخذه وقيده، ورجع إلى الأحساء، فقتل من أصحابه وثقاته نحو أربعمائة، وأقام بالأحساء وقال: قد نهيت عن الغزو، وأمرت بعمارة الأحساء فأخذ المسلمين الذين أسرهم واستعبدهم بالعمارة. وأقام مدة، ثم غزا وأقام ناحية من الكوفة، ووكل بالعسكر من يراعيه لئلا يدخل اليه غريب، وطمع أن يعود أصحابه كما كانوا، فما فعلوا، ودخل على أهل السواد من الكوفة ومن كان يلتجىء اليه من المتشيعين من الحزن والفضيحة وشماتة الأعداء ما قتلهم حزنا. وكان مثل عيسى بن موسى ختن عبدان وأصحابه وأمثاله، يعاتبون أبا طاهر وأصحابه بينهم سرا، فيقول لهم: ما الحيلة، ما اخترنا هذا لأنفسنا، وقولوا لنا من كان من أهل هذه الدعوة لم تكن له سقطة وفضيحة. ألم يفتضح المنصور بن حوشب/ بعدن لاعة، ألم يفتضح الوليّ ابن الفضل بجيشان «١» ، ألم يفتضح سعيد بسجلماسة، حتى شيخ المشائخ أبو موسى هرون وهو شيخ الشيعة، وقال لسعيد في وجهه: ويلك، أنت الغاوي لا المهدي، تزني، وتلوط، وتشرب الخمر، وتكذب، وتغدر، وتسفك الدم، ويلك، أي شيء أنت، وابن من أنت، قال: قد قال لكم أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الكوفي الداعية أني أنا المهدي، فجاؤا بأبي عبد الله، فقالوا له: هذا هو المهدي، فقال: لا، فقال له سعيد: ألم تقل لأهل العسكر بسجلماسة: هذا هو المهدي الذي

كنت أدعو اليه، فأقبل أبو عبد الله على أبي موسى والجماعة فقال: يا هؤلاء غلطت كما يغلط الناس، أنا رجل من أهل الكوفة من الشيعة، وكنا نذهب إلى إمامة موسى بن جعفر وولده، فرجع ابن حوشب ورجعنا لما مات الحسن العسكري، ووقع علينا من دعانا إلى إمامة محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولقيت الإمام من قبل محمد بن اسماعيل بالكوفة، وودعته وخرجت إلى ابن حوشب باليمن، وبين يدي الإمام بالكوفة غلامان. فقال لي حين ودعته: يا أبا عبد الله، هذان إماماك، فمن دعاك منهما فأجبه. فخرجت إلى اليمن، ومنها إلى مكة، ومنها اليكم إلى المغرب. وبلغنا أن الإمام قد مات وخلف ولده، وكانت الكتب تأتيني من هذين، وفيها بعض العلامات التي كانت بيني وبين الإمام، فظننته المهديّ وما هو بالمهديّ، ولكنه رجل سوء، كذاب، شرّير، عدو الله، وعدوّ رسوله، وعدوّ أهل بيته، وعدو الشيعة، وعدو المهدي. فوافق سعيد أبا عبد الله على غدراته وأكاذيبه وما كان له في كتامة، وتشاتما وانفرد سعيد ومعه الأموال، وأعمل الحيلة، وقتل أبا عبد الله/ وشيخ المشائخ. وقام أبو زكريا محمد بن أحمد بن زكريا «١» أخو أبي عبد الله وكان أجل منه وأخص بسعيد وأعلم بالدعوة، فنادى على سعيد بأنه كذاب عدو لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وواقفه وتشاتما، وما زال ينادي عليه برقادة وأرض المغرب إلى أن دس عليه من قتله. وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها في الشيعة، فما زال ينادي: احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه

لى أن دس عليه من قتله. وقام أبو ذاكي تمام بن معارك، وكان أخص الناس بسعيد وأوثقهم عنده ووجها في الشيعة، فما زال ينادي: احذروا هذا المشرقي الكذاب فإنه

لا دين له إلى أن بذل سعيد الأموال في العبيد والجهال إلى أن قتل أبا ذاكي وأصحابه. أو ليس حين مات سعيد وقام ابنه قد رجع عنه خاصته، وقالوا هذا أكفر من أبيه. أو ليس قد أظهروا بأرض المغرب شتم نبيّ العرب وأصحابه فقالوا: العنوا الغار ومن حوله، العنوا عائشة وبعلها؛ ولعنوا جميع الأنبياء وأظهروا الباطن كله، وبعثوا الدعاة، فدعوا إلى سعيد أنه إله حق، وأنه خالق رازق، وأنه هو الذي فتق ورتق وأمات وأحيا. ونكحوا البنات، حتى كان مثل أبي الأسود وأبو طاعة من الدعاة قد نكحوا بناتهم؛ حتى ذهبت الشيعة إلى أبي يزيد مخلد بن كرّاد وهو من الشراة «١» وشكوا اليه ذهاب الإسلام بهؤلاء المشارقة، وقالوا: هذا وإن كان من الشراة فليس ينكر الربوبية ولا يكذب الرسل ولا يلعن الأنبياء ومعه حفظ الأموال، فساروا معه إلى ابن سعيد بعد موت أبيه، فأنفذ اليه ابن سعيد عسكرا بعد عسكر، فما زال يهزمهم إلى أن وافى باب المهدية فأغلق بابه دونه، فأخذ الحلقة بيده وهو شيخ كبير لا يمكنه لعجزه وكبره أن يركب فرسا، فكان يركب حمارا، فحاصر ابن سعيد في المهدية مع عساكره فمات في حصاره/ فرقا منه. وقام اسماعيل ابنه من بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه.

بعده وحاصرهم صاحب الحمار حتى أكلوا براذينهم، وحتى ذلوا له وخضعوا؛ وقد دوخهم خمس سنين، واستولى مع عجزه وضعفه على أكثر ممالكهم، إلى أن تمت حيلته عليه.

وأعان أبو الحسين بن عمار اسماعيل القائم الثالث منهم عليّ أبي يزيد حتى ظهر عليا، فلما خرج أظهر اسماعيل الرجوع إلى الإسلام. وقتل الدعاة، ونفى بعضهم إلى أرض الأندلس وغيرها. فقال للعامة: من سمعتموه يلعن الأنبياء فاقتلوه وأنا من ورائكم، وأذن للفقهاء والمحدثين، وخضع للعامة، وزعم أن الذي كان من الدعوة ومن الناحية والمنشدين كان بغير علم أبي ولا علم جدي، وخفف الخراج، وأظهر الشغل بالفقه. فسقطات غيرنا من أهل هذه الدعوة أكثر من سقطاتنا، أم تظنون أنا بالبحرين لا نعرف أخبار اخواننا وأهل دعوتنا بالمغرب واليمن والعراق، فكانوا يحتجون بمثل هذا على من عذلهم من إخوانهم في إظهار الباطن، وكان الدعاة مثل أبي القاسم عيسى بن موسى، وأبي مسلم بن حماد الموصلي، وأبي بكر أخيه، وأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي الكلابي وغيرهم يحدثون أسفا وحسرة بما أتاه أبو طاهر من كشف الدعوة، حتى سقطت هيبته واستخفت العرب به بعد ذلك التعظيم، وحتى كان أبو طالب بن عيسى بن موسى وأمثاله يقولون إذا ذكروا هتيكة أبي طاهر وفضيحته مالك يا أبا طاهر، لعنك الله ويلك، لم سلمت الأمر إلى ذكيرة الأصبهاني. ويلك، إلا مضيت على غرتك وقد ظن الناس أنك المهدي، وفيهم من ظن أنك فوق المهدي، ويلك، إلى بخارى قدما ما يردك أحد. لعنك الله، وصلى الله عليك يا محمد. لا يلعنون أبا طاهر براءة منه، ولا/ يصلون على النبي ﷺ موالاة له وتصديقا بنبوته، ولكن يذهبون إلى أنه وإن كان كذابا محتالا مثل أبي طاهر والذين بالمغرب وحاشاه ﷺ من قولهم فما افتضح مثل فضائحهم. ولقد رجع أبو الغيث العجلي عنهم وكان نابا من أنيابهم، ومطاعا في

عشيرته. وكانوا نحو ثلاثين ألفا، وكتب في ذلك كتابا بيّن فيه أنه تموّه أمرهم عليه وظنهم شيعة وأصحاب المهدي؛ ورجع غيره من رؤسائهم ممن قد ذكره ابن رزام من المراتب الخمس وفي الكتاب الكبير، وذكرهم غيره. ولقد بلغ الأمر بأبي طاهر أنه كان بعد ذكيرة يغير على الحاج وعلى بلدان المسلمين، ثم يجهد بالعرب أن يعطوه شيئا مما يأخذونه كما كانوا يفعلون من قبل، ويقول هذا مال المهدي، فإن لم تعطونا كله كما كنتم فهاتوا بعضه، فيقولون له: استأمنا إن أعطيناك مفاتحنا وقد عرفناك. فلما رأى استخفافهم به بعد الكرامة قال: لا وجه لما أنا فيه، أقتل المسلمين وأنهبهم ويذهب هؤلاء بالمال. فجاء إلى الكوفة وآمن الناس، ووجه إلى الراضي بعد المقتدر وبعد القاهر، «١» وكان هذا الراضي من الضعف وحجر بجكم والأعاجم عليه على حال قبيحة «٢» ، وقد تفرقت الجنود عنه، وأخذت الأموال منه؛ فوجه اليه يطلب منه مالا يعطيه ليخدمه ويبذرق الحاج «٣» ، ففعل الراضي ذلك، وأعطاه مالا معلوما، وقال أبو طاهر هذا أربح لي، آخذ هذا المال وأعطي بعض أصحابي وأعواني وأفوز ببعض. وكان العقلاء يعجبون ويعتبرون، ويقولون عظم أمر أبي طاهر حتى ادّعى قوم أنه إله، وادعى آخرون له أنه نبيّ، وادعى قوم أنه المهدىّ، وأقل ما ادّعى له أنه ثقة المهدي وسيف المهدي. واستقلوا له ملك الأرض، وما شك

هر حتى ادّعى قوم أنه إله، وادعى آخرون له أنه نبيّ، وادعى قوم أنه المهدىّ، وأقل ما ادّعى له أنه ثقة المهدي وسيف المهدي. واستقلوا له ملك الأرض، وما شك

الشيعة أنه يملكها، وأظهروا/ الروايات «١» له بذلك، وأنه مذكور في الملاحم، وفي كتب الحدثان؛ وأنه حجة الله وصاحب حجة الله، والمهديّ والمنتظر الذي يملك الأرض كلها. وطمع في ذلك أشد الطمع، وكان السلطان في زمانه مقصرا لا يعرف من التدبير قليلا ولا كثيرا، وقد قلد الخلافة وله اثنتا عشر سنة متحليا بالنساء، كتابه وعماله وخاصته تغلب عليهم التشيع، يظنون أبا طاهر من الشيعة، فكانوا أعوانه على السلطان، فخذله الله حتى صنع مع ذكيرة ما صنع ففضحه الله بلسانه، ثم عاد فقتل ذكيرة ورجع عما كان عليه، ثم لم يزل خذلان الله به حتى جاء إلى الراضي وتلك حاله يطلب بذرقة الحاج منه، وسأله أن يستخدمه في ذلك، وضمن كل ما يجري على الحاج. وخرج إليه إلى الكوفة ابن مقاتل صاحب ابن رائق «٢» ووافقه على بذرقة الحاج بعد أن وبخه على ما كان منه، فأنكر أن أن يكون ما جرى باختياره، وأن البوادي كانت تقتات عليه ولا تطيعه، وأن السلطان قصر في أمره وقد كان ينبغي له أن يعرف مكانه، ويعطيه ما يرضي البوادي، ويستخدمه ويجعله أحد صنائعه، فقال الحجاج لا نسير معه ولا نثق به ولا كرامة له، فأقام السلطان أبا عليّ عمر بن يحيى العلوي أميرا عليهم، يسير أبو طاهر مع أصحابه بسيره وينزل بنزوله، ولا يكون له على أحد من الحاجّ أمر ولا نهي. وإذا تصورت حال أبي طاهر وكيف كانت وإلى أي شيء صارت، حتى يرغب إلى الراضي- وهو أول من

ه بسيره وينزل بنزوله، ولا يكون له على أحد من الحاجّ أمر ولا نهي. وإذا تصورت حال أبي طاهر وكيف كانت وإلى أي شيء صارت، حتى يرغب إلى الراضي- وهو أول من

زالت دولة بني العباس على يده وأخذت الأموال منه، وأجرى له مقدار الكفاية، وزال أمره عن تدبير الجند وعن الولايات؛ وهو أول من حجر عليه منهم- في أن يستخدمه في بذرقة الحاج بشيء يعطيه، علمت أن ذلك آية من آيات الله العظام، فقد/ كان أثخن في الإسلام، وأخرب منازل الحاج، وقد كاتب في الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، ولعل قتلاه أكثر من قتلى بابك وصاحب الزنج، وكانت هيبته قد ملأت القلوب، حتى كتب ملك الروم إلى السلطان كتابا يظهر له الشماتة بأن أبا طاهر القرمطي قد أبادكم وأفناكم وشغلكم عن غزونا وأراحنا منكم وقصد بيت عبادتكم فقتل زواره ومن يعظمه وأنزل بدينكم كل هوان. وكان العامة ومن ليس هو من الدعوة إذا سألوا أصحاب أبي طاهر عما أتاه في باب ذكيرة لا يجيبون بل يقولون إنما سلم الأمر اليه ليمكر به ولينظر ما عنده، وصبر عليه وعلى ما أتاه ليعرف آخر أمره، فكان لتسليمه باطن غير ما ظهر للناس. وهذا أعجب ما يكون من فضائح المبطلين وبهتهم، وهذا ما لا يعجز عن ادعائه أحد، فإنهم قد افتضحوا وتقطعوا ندما، وانصرفت عنهم عقيل لهذه الفضائح وهانوا على جندهم بعد الكرامة، وسقطت أقدارهم البتة، ثم يبهتون هذا البهت. وهذا كقولهم لو قال: إن خادم العباس بن عمرو الغنوي ما وثقنا به ولا سكنا اليه ولا وثق به أبو سعيد ولا ائتمنه ولا سكن اليه وإنما تركناه وقتل أبي سعيد وتلك الجماعة الذين قتلهم في الحمام لننظر ما عنده وليظهر آخر أمره، على علم منّا بما سيأتيه ويفعله. وأن ما أتاه الأصفر من قتل رجالنا ومنعنا من التصرف في البلاد والخروج لأخذ ضريبة الحاج وحصاره إيانا في الأحساء، ليس عن عجز منا ولا لجهل منا بما كان منه قبل أن

يكون، وإنما تركناه على علم وقدرة ليظهر كل ما عنده ولكل أمر باطن. أو كمن قال: إن الأصفر لم يصنع بهم هذا الصنيع عداوة لهم، فكذا ما صنعه ابن أبي الساج، وإنما أراد الأصفر أن يمتحنهم بذلك، ولهذا باطن وهذا خلق لأهل هذه الدعوة حيث كانوا من مشرق الأرض وغربها، فإنهم متى افتضحوا ومتى بان كذبهم فقالوا لهذا باطن. فقد كان سعيد أنفذ الجيوش في سنة اثنين وثلاثمائة إلى مصر وقال: تفتحونها وأنا في إثركم، وكانت خالية ليس فيها إلا القاسم بن الاخشيد الفرغاني في سبعة آلاف، وعسكر ابن سعيد الذي ورد به إلى مصر في نحو مائتي ألف، فهزمهم القاسم وردّهم، فرجعوا في سنة سبع وثلاثمائة في ثلاثمائة ألف، وقال: تفتحونها، فرجعوا منهزمين. وكان ابن سعيد رئيس الجند، ويوسف بن غروي الكبير المدبّر، وهو يعجب من رجوعهم وقد قال تفتحون. فقال لهذا القول باطن فأخذ يوسف هذا وقتله» . وقد كان الرابع منهم لما ملك مصر والشام قال: الآن أملك الدنيا كلها، وكان له برذون أشهب يقال له عين الفضة، فقال: على هذا أدخل قسطنطينة، وقال: أنا لا أعطي أهل الاحساء عن الحاج ضريبة كما كان كافور الخصيّ الأسود قبلي يعطيهم، فإن خالفوني وجّهت بكتامة فشدّوا براذينهم على أبوابهم بالأحساء وساوم صاحبه وصاحب جيشه في ثياب بياض، ثم قال: وهذه تجلب من نيسابور وإلى هناك نصير فنشتريه من معدنه. فجاء ولد أبي سعيد وأخذوا الرايات السود من بغداد وعليها الامام المطيع لله أمير المؤمنين. وكانوا في جيش قليل، وأخذوا الشام منه، وقتلوا

شتريه من معدنه. فجاء ولد أبي سعيد وأخذوا الرايات السود من بغداد وعليها الامام المطيع لله أمير المؤمنين. وكانوا في جيش قليل، وأخذوا الشام منه، وقتلوا

ابن فلاح صاحبه «١» ، وقالوا له ما تحتاج أن تنفد/ بكتامة إلى الأحساء فقد جئناك. فراسلهم وداراهم، وقال لهم: لم رضيتم لأنفسكم أن تسيروا تحت الرايات السود وتقيموا الدعوة لبني العباس، قالوا له: قد كان ينبغي ألا تمخرق علينا ولا تتكلم فينا، ونحن نعرفك ونعرف أباك، فما زال يراسلهم ويتضرع اليهم ويقول: الدعوة واحدة وهذا البيت وبيت أبي سواء، فساروا اليه إلى مصر وضيقوا عليه، فخندق على نفسه، وبذل الأموال، وبذل المال للبوادي فأخذوا سوادهم وانهزموا من باب مصر، وأسر ابن المنجا وجماعة منهم، فأكرمهم وصانهم وخلع عليهم، وردهم إلى الأحساء وأعطاهم أكثر مما كان يعطيهم كافور، وقتل من كان في عسكرهم من السوقة والباعة وهم ألوف كثيرة، وقال لولد أبي سعيد أنا ما منعتكم وإنما منعكم هذا العبد جوهر، وتقرب اليهم، وأذكرهم أن الدعوة واحدة وما ينبغي أن نختلف فيشمت بنا المسلمون، وما زال هو ومن بعده يحمل اليهم المال الكثير والبرّ الكثير إلى أن حاصرهم الأصفر ومنعهم، ووافى ملك الروم لعنه الله ونزل الشام. واتفق موت البرذون عين الفضة، ونما الخبر إلى ابن الزيات وهو بالشام فكتب اليه: قلت إنك تدخل القسطنطينة على عين الفضة وقد مات وبينك وبين القسطنطينة مسيرة ستة أشهر، وملك الروم فقد نزل بالشام وبينك وبينه مسيرة عشرين يوما، وقد قرب الأمر عليك فالحق. فترك الجواب عن هذا وكتب إلى ابن الزيات: أنت رجل فاضل كامل، صنعتك وأسأت اليك وأنكرت فضلك، وما أدري كيف أعتذر اليك، وأنا من

وقد قرب الأمر عليك فالحق. فترك الجواب عن هذا وكتب إلى ابن الزيات: أنت رجل فاضل كامل، صنعتك وأسأت اليك وأنكرت فضلك، وما أدري كيف أعتذر اليك، وأنا من

أحوج الناس اليك، وما هذا/ سبيله من الملاطفة. وإذا طالبت خاصته والدعاة له بتلك الأقوال وبينت لهم كذبها وخلقها قالوا: تلك الأقوال لها باطن. وعند الخامس منهم من أهل خوارزم والموليان وغيرهما زوار كثير قد جاؤا بالأموال والهدايا، وهم محجور عليهم وموكل بهم ومع هذا فقد تبلغهم ما هناك من الفواحش والإباحات. فربما استفهم الواحد بعد الواحد من هؤلاء الزوار فيقال له: لهذا باطن، وربما قيل لبعضهم: إنما يفعل هذا مولاكم عمدا ليريكم ويمتحن صبركم، فأمسكوا ولا تتكلموا، ثم لا يؤذن بالرجوع لأهل الفطنة منهم. وقد كان سعيد وهو بالمغرب قد جعل الرصد على من يرد ويصدر بباب البلد فيعرف أخبارهم، فمن كان منهم من الرسل والدعاة الذين يريدهم فلا يدخلهم إلا ليلا ملثمين في هوادج، وإن كانوا جماعة، فرق بينهم، وأنزلهم ووكل بهم ثقاته، وأخرجهم كذلك، لئلا يقفوا على شيء من أمره؛ ويدس اليهم من يحدثهم من أخباره بما يريد، ويبرهم ويصلهم ويخلفهم ويخرجهم في الاستخفاء كما دخلوا، ويردهم إلى النسفى وأبي حاتم الرازي وابن حماد. فتأمل حال هؤلاء وهم في الأطراف، وقد تستروا بدين الإسلام وأقاموا المؤذنين، فكل من يستدعونه في أول أمره يقولون له لسنا كالإمامية أصحاب موسى بن جعفر الذين يقولون: الصلاة إحدى وخمسين ركعة. الذي يجب عليك عافاك الله ثلاث وسبعون ركعة في اليوم والليلة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. وتؤدي الأمانه، وتحصن فرجك، وما نحل لك المتعة كما تحله الرافضة، وتجتنب الكذب والزنا والربا واللواط، / ولا تشرب شيئا من المنكر، وما لك في شيء من هذا رخصة البتة. وإذا كان عند الداعية أحد من المحرومين وممن

لا يعرف حقيقة الدعوة يصلي الداعية بحداه الليل والنهار. ومع هذا فقد عرف أهل العلم حقيقة الدعوة فكيف بأمر النبوة وهو من الأمور المكشوفة. ولو أخذت تحصي فضائح هؤلاء في كل زمان مع هذا التحفظ لطال، وينبغي أن تعنى بأمورهم فليس هاهنا من يطعن في النبوات سواهم كما قد تقدم لك ودعاتهم اليوم مثل جابر المتوفى، وابن جبلة، وابن الكميث، والحسن بن محمد الممدى، يقولون لمن قد بلغوا به، أما ترون أتباع هذا الفاعل الصانع- يعنون رسول الله ﷺ اليوم- أربع مائة سنة قد أقاموا على شريعته ما يفارقونها، ماذا يرون فيها الحمير، وقد كدّهم بالصلاة والصوم والحج والجهاد، أما يفطنون أما يفيقون. والعجب ممن ذهب عنه ﷺ مع ظهور أعلامه وانكشاف براهينه، ولو كان لهؤلاء فطنة ومعهم تدبّر لكفتهم أنفسهم وأحوالهم في معرفة صدقه، فإنهم مع اعتصامهم به وتسترهم بإقامة شريعته والانتساب إلى أهل بيته، ومع الأيمان والمواثيق، يفتضحون في كل طرفة عين، وهو ﷺ قد جاء ذلك المجيء وأعداؤه منذ أربع مائة سنة يطلبون عثرة له وزلة فلا يجدونها، وهو كما يقال: قد كان ينبغي أن يكون أصحاب الطب من أخشى خلق الله وأعرفهم به لكثرة ما يرون من الشدائد النازلة بالناس وبأنفسهم ثم قل ما يغني طبهم عن أنفسهم وأعزّتهم، ولكن قد سبقوا إلى الاعتقادات الباطلة والتقليد للرجال، فتركوا النظر وقلت عبرتهم، فتبلدوا وتحيروا، فتاهت عقولهم، وماتت/ فطنهم، فنعوذ بالله من طول الغافلة وموت على غرّة وقدوم على حسرة.

طلة والتقليد للرجال، فتركوا النظر وقلت عبرتهم، فتبلدوا وتحيروا، فتاهت عقولهم، وماتت/ فطنهم، فنعوذ بالله من طول الغافلة وموت على غرّة وقدوم على حسرة.

وباب آخر [علم الرسول ﷺ حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أنهم لن يستطيعوا] وهو أنه ﷺ قد علم وتيقن حين تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل عشر سور أو بمثل سورة أنهم لا يأتون بذلك، ولو لم يتيقن ذلك لما تحداهم ولا قال، لأن العاقل لا يقدم على مثل هذا وهو لا يأمن أن يأتوا بمثله فيفتضح وتبطل حجته ويستظهر عليه خصمه ويظهر كذبه وينصرف عنه أصحابه وتبطل رئاسته، سيما والعرب أمم كثيرة، والفصاحة مثبوتة فيهم غالبة على رجالهم ونسائهم وعبيدهم وإمائهم، وهو لا يعرفهم بأعيانهم ولا يحيط علما بأشخاصهم وبشعرائهم وخطبائهم وبلغائهم وفصحائهم ودعاتهم، فكان لا يأمن أن يتبتّل له قوم منهم غضبا لأديانهم، وعصبية لآبائهم، وأنفة لأنفسهم، فيأتون بمثل ذلك في الفصاحة والبلاغة، أو بما يقارب ذلك، فيهدمون كل ما بنى، وهو العاقل الحليم الذي لا يدفع عدوه عقله فلم يكن ليخبر أنهم لا يأتون بشيء من ذلك إلا وهو على يقين أنهم لا يأتون بذلك ولا بما يقاربه، فما في الدنيا عاقل تأمل أمره ﷺ إلا وأثمر له الفكر والعلم بذلك. فإن قيل: قد يقول العاقل في صنعة يدعيها، أو شجاعة، أو في شدة وقوة وأشباه ذلك: إن أحدا لا يساويني في ذلك ولا يدانيني فيه، وإن كان لا يعلم أن الأمر كما ادّعى ولا يخرجه ذلك من أن يكون عاقلا ... قيل له: لا يسأل عنه وعن أمثاله من تأمل ما قلنا، فإنا لم نقل إنه ليس في الدنيا عاقل ادعى أنه لا يساوى في منزله إلا وهو على يقين من أن الأمر/ كذلك، وإنما قلنا: إن هذا الرجل ﷺ قد ادعى أعظم الأمور وأجلها، وهو أن الله اصطفاه على العالمين، وجعله وحده منذ أرسله حجة على كل من أدركه

من أن الأمر/ كذلك، وإنما قلنا: إن هذا الرجل ﷺ قد ادعى أعظم الأمور وأجلها، وهو أن الله اصطفاه على العالمين، وجعله وحده منذ أرسله حجة على كل من أدركه

وكل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، وأن من خالفه فقد حلّ ماله ودمه وأهله وذريته، وعليه الخزي والغضب من الله في الدنيا والآخرة، وانه قد وجب على كل عاقل طاعته والانقياد إلى أمره إلى غير ذلك مما ادعاه وفرضه مما يطول ذكره، وان حجته في ذلك أن الخلق أجمعين لو اجتمعوا واجتهدوا لن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه لا يأتون بمثله، وأنهم إن أتوا بذلك فقد بان كذبه وحرمت طاعته ووجبت معصيته وحل دمه ودم كل من صدقه، فبهذه الشريطة قلنا ذلك وادّعيناه، وبهذا قد علمنا، لا بما ظنه السائل.

وباب آخر [محاولة اليهود والنصارى في المدينة القضاء على الإسلام وفشلهم] من أعلامه ﷺ، وهو أنه لما صاروا أصحابه في المدينة مشى اليهود إلى الأوس والخزرج وقالوا لهم: لقد جلبتم على أنفسكم باتباع هذا الرجل الضلال والبلاء العاجل بمعاداة الأمم، ولو كنتم يهودا لناظرناكم؛ وقد كان في الأوس والخزرج من قد تهود. وقالت النصارى لهم مثل ذلك، ورغبوهم في النصرانية، وهددوهم بنصارى العرب وبملوك الروم، وأكثروا في ذلك وهوّلوا، فقال الله ﷿: «وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» فكفاهم الله إياهم كما وعد وكما أخبر، وقد كانوا أشد الناس حرصا على قتله واستئصاله وبواره،

يبذلون في ذلك أموالهم ودماءهم. وقد كانت حاله بالمدينة وإن كان قد صار في جماعة وأنصار قريبا من حاله بمكة فقد كان يجلس وحده ويمشي وحده، ويدعو به الرجل والمرأة لحاجة فيمشي مع من دعاه، وقد يكون في بيته وعند أهله وحده، وإنما بيوته ومسجده من جريد النخل وارتفاعها مقدار قامة. وكانت سبيله في ذلك سبيل خلفائه وأصحابه في البذل والتظرح، وقد قصد العبد النصراني لقتل عمر فقتله «١» ، وقصد ابن ملجم لقتل علي بن أبي طالب فقتله، وقد تحصن عثمان وأخذ حذره وجمع نفسه ومع هذا فقد تسلق عدوّه عليه ودخل من خوخته ونال منه حاجته مع هذه الأنساب وهم الأمراء، فتعلم أن سلامة رسول الله ﷺ من هذه الأشياء، من الآيات العظيمة، سيما وقد قال لعدوّه: إن الله سيكفينّكم، وفي هذا تهييج لعدوه على نفسه، وبعث على مكروهه. وقد كان أهل مكة يبعثون اليهود والنصارى ومن بالمدينة على قتل رسول الله ﷺ، ويحرشون بين الأوس والخزرج، ويبعثونهم على من آمن برسول الله ﷺ وعلى من اتبعه، وقد كان اليهود وأعداء رسول الله ﷺ ممن بالمدينة يردون مكة ويلقون قريشا فيبعثونهم على مكاره رسول الله ﷺ وقتله. وقد كان لليهود بالمدينة وبالحجاز وبجزيرة العرب عدد جمّ. وقرى وحصون، ولهم بأس، ولهم نجدة وخيول وفرسان، وأبطال وفصحاء وشعراء، ولهم ثروة، وفيهم أجواد ويستجار بهم ويجيرون ويمنعون جيرانهم، ويقاومون الملوك ويدفعونهم عن أنفسهم؛ ونصارى العرب أكثر في هذا كله وأقوى وأشد، فاعرف هذا فبك إلى معرفته أمس الحاجة.

تجار بهم ويجيرون ويمنعون جيرانهم، ويقاومون الملوك ويدفعونهم عن أنفسهم؛ ونصارى العرب أكثر في هذا كله وأقوى وأشد، فاعرف هذا فبك إلى معرفته أمس الحاجة.

وباب آخر [بدر وما فيها من آيات] من آياته ﷺ/ وهو ما كان ببدر فإنه يوم كانت فيه آيات كثيرة وأظهر الله ﷿ لنبيّه أعلاما عظيمة، وكان للمشركين من قريش عير قد أقبلت فيها أموال وبزّ وأمتعة فاخرة، وخرجت قريش وقد خافت عليها المسلمين في نحو ألف فارس معدين ومستعدين ليحموها، ووعد الله المسلمين إحدى الطائفتين أن يظفرهم بهم ويغنمهم إياهم، وودّ المسلمون أن تكون هذه الطائفة غير ذات الشوكة لقلة المسلمين وضعفهم وكثرة المشركين وقوتهم، وكان المسلمون في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا يعتقب العدة منهم البعير الواحد، ولا فرس معهم يومئذ إلا فرس المقداد وفرس الزبير، وقد سبقهم العدو إلى الماء، واحتوى على الشعاب، واستظهروا على المسلمين بالماء والمكان، فوافى المسلمون في ضعفهم وقلتهم، فحصلوا على المضايق والخروق من الأرض، ولا ماء لهم، فأنزل الله عليهم الماء فشربوا وسقوا ركابهم وتطهروا، وتوطت الأرض لهم ما كان منها رملا حتى ثبتت أقدامهم عليها، وعند الحرب ألقى عليهم النعاس في الوقت الذي لا يكون فيه نعاس ويطير النوم للخوف على النفوس، فطيب قلوبهم وطير خوفهم، وشجع جبنهم، وأرسل إليهم ملائكته فثبتتهم وبشرتهم، وأخذ رسول الله ﷺ كفا من تراب وفيه حصيات فرمى به في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، حم، لا ينصروا، فتفرق الحصى في عسكر المشركين وبلغ إلى خلق كثير بخلاف ما جرت به العادة. وقد ورد القرآن بذلك وتفصيله ورودا يشهد عقل كل عاقل ومتأمل ومعتبر ومتفكر أن ذلك قد كان ووقع في قوله في سورة الأنفال إلى قوله: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ

د القرآن بذلك وتفصيله ورودا يشهد عقل كل عاقل ومتأمل ومعتبر ومتفكر أن ذلك قد كان ووقع في قوله في سورة الأنفال إلى قوله: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ

بَيْتِكَ/ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» إلى قوله: «وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «١» .

نٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» إلى قوله: «وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «١» . فانظر كيف يصف لهم أحوالهم وضعفهم وخوفهم وقلّتهم وما كان قد وعدهم به من الظفر بإحدى الطائفتين قبل اللقاء وما نصرهم به على ذلك التفضيل. ولا يجوز أن يقول لهم: قد كنت وعدتكم وقد كنتم كارهين وخائفين ومستضعفين، فأزلت خوفكم، وطيبت نفوسكم، وأنزلت عليكم الماء، وغشيتكم بالنعاس أمنة مني، ونصرتكم بالملائكة، وهو يعلم أنهم يعلمون أنه كاذب، وأن ذلك لم يكن؛ وهذا القول يسمعه العدو والوليّ، وهو يمتنّ به على الصحابة وأتباعه، ويحتج به على العدو والوليّ، ويصول بذلك ويدل ويستطيل؛ هذا لا يقع من عاقل، ولا يتوهمه عاقل تدبر وفكر، فكيف بمن يدعي النبوة والصدق، ويريد من كل أحد سمع

قوله/ أن يتبعه ويعتقد ذلك منه ويطيعه. وهؤلاء الذين اتبعوه وأطاعوه وبذلوا أموالهم ودماءهم، إنما فعلوا ذلك لما اعتقدوه من نبوته، وعرفوه من صدقه، وتحققوه من قوله. ففي كل واحد من هذه الآيات ما فيه أتم الحجة بانفراده، فكيف بترادفه واتصال بعضه ببعض، ولو افردت لكل آية بابا وشرحت ما فيها لكان أولى وإن طال، وأنت متى شئت قدرت على ذلك. وانظر ما في قوله: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» إلى قوله: «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» «١» فتأمل موافقته لهم واحتجاجه عليهم، وليس يدعى أن هذا قوله، بل يقول لهم: هذا قول ربي وربكم، وهو الذي كان وعدكم هذه المواعيد وضمن لكم النصر وقد وفى لكم بجميع ذلك. وانظر إلى حسن تدبيره ﷾، فإنه ضمن لهم إحدى الطائفتين ولم يقل أيهما هي، وودوا هم أن تكون غير ذات الشوكة فإنها في عدة من الرجال قليلة، وأموالها كثيرة؛ وكرهوا ذات الشوكة لقوتهم، وكثرة عددهم؛ وأراد الله أن يحق الحق بكلماته التي وعد نبيّه أنه يهزم جموعهم وينصر ضعف المسلمين عليهم. ولو قال لهم: إنكم تلقون ذات الشوكة ها لهم ما عاينوا، إذ هم رجّالة وعدتهم قليلة وأولئك خيّالة وعدتهم كثيرة فخافوا أن يبرزوا فيجول عليهم العدوّ جولة يصطليهم فيها فأيدهم بذلك

ذات الشوكة ها لهم ما عاينوا، إذ هم رجّالة وعدتهم قليلة وأولئك خيّالة وعدتهم كثيرة فخافوا أن يبرزوا فيجول عليهم العدوّ جولة يصطليهم فيها فأيدهم بذلك

النصر، وسلمهم تلك السلامة فظفروا بعدوهم فقتلوا سبعين وأسروا/ سبعين وهزموا الباقين. وتفهم معنى قوله: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ» «١» أي بذلك النصر وذلك التأييد وتلك الآيات والمعجزات استوى لكم قتلهم، «وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» «٢» لأنه ﷺ لما رمى بلغ الله رميته إلى ما لم يكن في وسعه تبليغها وبثها وإيصالها، فما أحد أصابته إلا قتل أو أسر؛ وليس يجوز أن يقول لهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ومثل ذلك قد يكون وقد يتفق، وكذا في قوله: «وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» ووليّه وعدوّه يسمع هذا، وهم قد مارسوا الحروب قبله وجربوها وعرفوها وسمعوا بها، ليعلم أن ذلك شيء انتقضت به العادة وكان فيه آيات ومعجزات. وقد سأل الخصوم فقالوا: إذا كان الملائكة ثلاثة آلاف أو خمسة والمسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر فكيف لم يصطلموا عدوّهم وإنما هم في نحو ألف، وكيف لم يعنه بالملائكة يوم أحد وقد قتل أصحابه، وهو قد كان يوم أحد إلى الملائكة أحوج. قيل له: قد علمنا بما قدمنا أن الملائكة قد شهدتهم يوم بدر بدلالة امتنانه على المسلمين بذلك والعدوّ والولي يسمعه، فليس في سؤاله قدح في هذا العلم، فإن بيّنا وجه حضورهم فمن طريق التطوع، وهو أنه ليس في حضور الملائكة ﵈ سقوط الفرض عن المسلمين في مجاهدة عدوّهم، ولا أذن الله لهم في محاربة العدو، ولكنهم حضروا ليثبتوا الذين آمنوا وليرغبوا الذين كفروا وليقتلوا الواحد بعد الواحد تثبيتا للمؤمنين

في مجاهدة عدوّهم، ولا أذن الله لهم في محاربة العدو، ولكنهم حضروا ليثبتوا الذين آمنوا وليرغبوا الذين كفروا وليقتلوا الواحد بعد الواحد تثبيتا للمؤمنين

وإرعابا للكافرين وإيضاحا للمعجزات، وكذا قال الله وقد ذكر نزول الملائكة: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» وقال في موضع آخر/ في هذه القصة: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ» . وأما قصة أحد، فليس إذا أنزل الله الملائكة يوم بدر وجب أن ينزلهم يوم أحد، وليس إذا عافى الله نبيه وقتا وجب أن يعافيه في كل وقت بل قد يمتحنه بالمرض في وقت ويكلفه الصبر، وكذا ينصر وقتا بالملائكة ويخليه من ذلك وقتا آخر فتشتد محنته ويلزمه الصبر؛ وإنما يسأل عن هذا من ادعى أن الله ينصر أنبياءه في جميع مواطنهم بالملائكة، وهذا سؤال يذكره ابن الراوندي بعد موافقته أبي عيسى الوراق وابن لاوى اليهودي، وأمثالهم من الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ، وهذا غاية كيدهم، وقد بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم فما فضحوا بذلك إلا أنفسهم، ولو سكتوا لكان أستر لهم، ولو آمنوا لكان خيرا لهم، لتعلم أن الإسلام نور لا يطفأ، وأن مطاعن الخصوم فيه لا تزيد إلا قوة كالذهب الذي لا يكلف وكلما سبكته وعرضته على النار زاد جودة وصفاء. وقد كان أعداء رسول الله ﷺ في زمانه من قريش، واليهود والنصارى أكبر عقولا وأشد كيدا وأكثر شغلا بالتتبّع على رسول الله ﷺ وطلب عثراته ولهم فضل المشاهدة، فلو وجدوا مطعنا لسبقوا اليه ولوافقوا عليه، فقد كان ينبغي لهؤلاء المتأخرين من أعدائه أن يعملوا هذا فيمسكوا، ولكن الجهل والغباء قد سد مسامعهم وغطّى على أبصارهم، ويأبى الله إلا فضيحتهم وهتيكتهم؛ وهم لم يسألوا عن الآيات التي كانت تنذر ولا عن المواعيد التي تقدمت بها قبل كونها مع كثرة ذلك واعتداد الله به، وما سألوا إلا عن الملائكة ليأسهم من تلك/ وطعنهم في هذه

وقد تبينت خيبة أملهم في هذه أيضا وفي شهود الملائكة مع ما قدمنا من الدلالة. أخبار من ذلك: أن رجلين من مزينة من الكفار كانا على جبل ينظران على من تكون الهزيمة، فقال الباقي: وكنا نحب أن يكون على قريش لأنهم أكثر أموالا ومتاعا فنصيب منه فرابنا سحابة قد أقبلت، وقائل يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فإنه انكشف قناع قلبه فمات، وأما أنا فتماسكت، فأتى النبيّ فأخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ حيزوم اسم فرس الملك «١» . ومن ذلك أن حكيم بن حزام لما أسلم وقد كف بصره وكان يوم بدر مع الكفار قال: لو كان بصري صحيحا لأريتكم الوادي الذي خرجت علينا منه الملائكة. ومن ذلك أن أبا تميم الأسلمي لما رأى الحارث بن هشام يصير إلى مكة داخلا وقد انقطع فرسه فسأله عن الخبر فقال «٢» : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق تطير بين السماء والأرض فانهزمنا. ومن ذلك أن أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب لما قدم مكة منهزما قال له أبو لهب: إلى أين يا ابن أخي فعندك لعمري الخبر فقال: يا عم قتل الناس، قال له أكانوا أكثر منكم، قال: لا، ولكنا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق

زما قال له أبو لهب: إلى أين يا ابن أخي فعندك لعمري الخبر فقال: يا عم قتل الناس، قال له أكانوا أكثر منكم، قال: لا، ولكنا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق

تطير بين السماء والأرض، فلما رأيناهم انهزمنا، قال أبو رافع مولى العباس ابن عبد المطلب وكان مسلما: تلك الملائكة فوثب عليه أبو لهب فضربه. ومن ذلك خبر أبي داود المازني قال: بينا أنا أبتغي خلف رجل من الكفار إذ سقط رأسه بين يدي من غير أن أضربه، وقد كان المسلمون لما رأوا كثرة المشركين وعدتهم وبأسهم وضعف المسلمين وقلتهم قالوا: يا رسول الله قد تخلف عنك خلق من المسلمين بالمدينة لم يخرجوا لأنهم لم يظنوا أنك تلقى عدوا تقاتلهم/ وإنما ظنوا أنك تلقى عير قريش، ولسنا نأمن جولة العدوّ، فإن رأيت يا رسول الله أن نبني لك عريشا تكون فيه، فأجابهم إلى ذلك وقال: اتخذوا لي عريشا تسعني وصاحبي، وأخذ بيد أبي بكر الصديق فأدخله معه العريش، وجعل رسول الله ﷺ يدعو ربه، وطالت مناجاته ربه: ربّ ما وعدتني، ربّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض، فاحتضنه أبو بكر من ورائه وقال: بأبي أنت وأمي مناشدتك ربك، فو الذي بعثك بالحق لينجزنّ الله لك ما وعدك. وجعل رسول الله يخبر أبا بكر بما يأتيه به جبريل والملائكة، ويقول له: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله وعونه، هذا جبريل معتمرا بعمامة آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناة النفع، وهذه الملائكة قد سومت. فأمر الملائكة ﵈، وحضورهم يوم بدر، وقتال من قاتل منهم، من الأمور المشهورة، وقد قدمنا قبل هذه الأخبار دلالة العقل على ذلك، وقوله ﷿: «وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» «١» فقلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرؤوا عليهم ولئلا يهابوهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين ثم ملأ

ْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» «١» فقلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرؤوا عليهم ولئلا يهابوهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين ثم ملأ

قلوبهم رعبا منهم ليكون ذلك آية للفريقين. وقد كان المشركون من قريش خرجوا من مكة على خيولهم مستظهرين ووعيدهم أن يغلبون كل من يلقونه ولا غالب لهم من الناس، فلما نجت عيرهم ذات الأموال، قال عتبة بن أبي ربيعة: ننصرف فقد نجت عيرنا من محمد وأصحابه، فقال أبو جهل: لا ننصرف ونقيم ونجزر الجزور ونأكل ونطعم الناس ونأخذ محمدا وأصحابه فإنهم في ضعف وقلة، فلما التقى الجمعان ورأوا قلة المسلمين وضعفهم/ رهبوهم وزال ما كانوا يظنون. وقد ذكر الله للمسلمين أمرهم فقال: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ» «١» إلى آخر القصة ولعظم الآيات ببدر ما أذكر الله بها في كل موضع، فقال ﷿ في سورة آل عمران: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» إلى قوله: «لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» «٢» معطوف على قوله: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» أي ليس لك ولا لغيرك شيء من هذا النصر، وإنما هو من الله وحده في إنزال الملائكة وفيما ألقى من الرعب وفيما غشى من النعاس وفيما بلّغ من الرمى وغير ذلك. وكان المشركون مغيظين وحنقين ومحفظين يتمنون أن يبرز اليهم رسول الله ﷺ، وأصحابه لا يشكون في أنهم إذا وقعت عيونهم عليهم اصطلموهم واستأصلوا الإسلام وشفوا غيظهم من رسول الله ﷺ فجاءهم ما لم يحتسبوا.

وباب آخر [حول موقف اليهود والنصارى وعبد الله بن أبي سلول] من آياته وهو أنه ﷺ لما نزل بالمدينة ودعا إلى ربه وبها وحولها من اليهود وخلق كثير، فدعاهم ووعظهم وبين لهم، فرجع الرؤساء والأتباع وتواصوا بالانحراف عنه وبالصدّ وبالقصد له، وكان عددهم كثيرا وشوكتهم شديدة، فمشوا في الأوس والخزرج في الصدّ عنه، ومالوا إلى عبد الله بن أبي سلول، وكان الأوس والخزرج على أن يملكوه عليهم إلى أن جاء الإسلام فانتقض ما عزموا عليه. وكانت اليهود تدّعي أنها على بصيرة/ من أمرها، وأن الجنة لها، وأن نعيم الجنة خالص لها، فأخبر الله نبيّه أنهم ليسوا من أمرهم على يقين كما يدعون، وأن رهبتهم لكم شديدة، وأنك إن دعوتهم إلى تمني الموت لا يتمنونه، فقال: «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ثم قال: «وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ «١» أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ» «٢» إلى آخر القصة. ثم أعاد هذا التقريع والتوبيخ في سورة أخرى وفي زمان آخر فقال: «قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ثم قال: «وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» «٣» . فما تمنوه أبدا مع هذا الاقتضاء والمطالبة التي تغيظ وتغضب، ومع شدة عداوتهم لرسول الله ﷺ وحرصهم على تكذيبه وفضيحته وزلة تكون منه، وقد بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم وأولادهم وحاربوه

ء والمطالبة التي تغيظ وتغضب، ومع شدة عداوتهم لرسول الله ﷺ وحرصهم على تكذيبه وفضيحته وزلة تكون منه، وقد بذلوا في ذلك دماءهم وأموالهم وأولادهم وحاربوه

وأعانوا عدوه عليه، وتكلفوا كل شدة وكل مشقة في ذلك وما أقدموا على تمني الموت مع سهولته وقربه، وهو أن يقولوا: ليتنا متنا. وهذه الآيات العظام والأعلام الكبار الهائلة الواضحة المكشوفة الباهرة القاهرة التي ما فكر فيها عاقل إلا ملأت قلبه علما بنبوته ﷺ وصدقه، وبهرت عقله، فإنك ما تدري أمن إقدامه ﷺ على الإخبار عنهم بأنهم لا يتمنون ذلك مع خفته وسهولته ومع علمه بشدة حرصهم على تكذيبه وفضيحته تعجب، أم من إحجامهم عن ذلك مع شدة حاجتهم اليه. ولم يقل هذا من عندي ولا من مولى/ بل هذا من قول الله ربي وربكم وإلهي وإلهكم والعالم بسركم وجهركم، فجعله كتابا يقرأ وقرآنا يتلى، ليكون أشد وأغيظ وأبلغ في الحجة وأظهر في التنبيه، ولتعلم أنه ما قال هذا لهم إلا وهو عالم أنهم لا يتمنونه. وهو أعجب من قوله للعرب أنكم لا تأتون بمثل هذا القرآن، وهذا مقام لا يقومه مثله مع عقله وعظم دعاويه إلا مع اليقين، لتعلم ثقته بربه جل وعز وسكونه إلى ما يوحى اليه. وقد تحيرت الملحدة وأعداء رسول الله ﷺ، وتاهت عقولهم عند هذه الآيات، فهم يلعنون العرب لم لم يأتوا بمثل هذا القرآن، وكون اليهود لم لم يتمنوا الموت فيكذبونه فيستريحون ونستريح. وهذا يقوله مثل الحدّاد وصاحبه أبي عيسى قبحهم الله. فمرة يقولون: كانوا جهالا بلها فقيل لهم ما قد تقدم ذكره من أن من رمى أعداء رسول الله ﷺ من قريش واليهود والنصارى بالجهل والغباء فهو كمن رماه ﷺ بذلك. ومرة يقولون: قد كانوا عقلاء وفطناء ولم يكونوا أهل جدل ونظر فيعرفوا مثل هذا، قلنا: لو كانوا مثلكم في النظر والجدل لعميت قلوبهم كما عميت قلوبكم. وبعد فما حاجتهم إلى جدلكم ونظركم ليعرفوا ما دعاهم اليه ﷺ وهم بهذا أعلم الناس، وهو شيء يعرفه الرجال والنساء

لنظر والجدل لعميت قلوبهم كما عميت قلوبكم. وبعد فما حاجتهم إلى جدلكم ونظركم ليعرفوا ما دعاهم اليه ﷺ وهم بهذا أعلم الناس، وهو شيء يعرفه الرجال والنساء

والصبيان من كل أمة، فإن من استعالى على خصمه بأنه لا يأتي بمثل ما أتى من كتابة أو سباحة أو فصاحة أو خطابة أو شعر فإنه قد عرف الوجه في ذلك، فإن الصبي يقول لقريبه: أنت لا تحسن تكتب كما أكتب ولا تحسب كما أحسب ولا تطفر هذا الجدول كما أطفر، فإن خصمه يدري ما أراده منه وبأي شيء قد طالبه/ وما الوجه في مغالبته وإكذابه، وكذا تمني الموت قد عرفته اليهود وعرفوا كل أحد منهم ما أراده ﷺ. فذكر ابن الراوندي أن الوراق كان يقول: إنما لم يتمنوا الموت لأن اليهود والنصارى كانوا يؤمنون بموسى وغيره ممن كان يدعي النبوة، وقد أخبر هؤلاء في كتبهم بنبوة محمد ﷺ فلم يقدموا على التمني لهذا. فقيل له: فهذا يدل على نبوة أولئك ونبوة محمد جميعا فقد لزمكم القول بكتبهم أجمعين، وأنتم تنكرون ذلك كله. قال: إنما إخبار هؤلاء عن مجيء محمد ﷺ كما يخبر المنجم عن ما يكون، فيقولون ذلك. قيل له: ومتى كان مثل هذا في أخبار المنجمين أن يخبروا عن مثل مجيء محمد ﷺ، وفي أي زمان يجيء، وبأي شيء يجييء، ومن أي بلد يجيء، ومن أي جيل، هو وابن من هو، على التفصيل الذي جاء به، مثل هذا لا يكون في أخبار حذاق المنجمين ولا ما يقاربه ولا ما يدانيه، وإنما يتفق لهم الإصابة في شيء مجمل قليل يسير بعد أن يكذبوا ويخطئوا «١» في ألف شيء، فيتفق ما يتفق لهم من ذلك بطريق التجارب والزجر، كما يتفق للصبيان من الإصابة في إخراج الزوج والفرد وفي اللعب بالخاتم، بل ما يتفق للصبيان في الإصابة أكثر وأسرع وأحسن وأبدع، وكذا ما يتفق للقوابل في أن الحمل ذكرا أو أنثى، وكذا ما يتفق لمن يزجر الطير ويضرب بالحصا، وكذا ما يتفق للمتفائلين بالثعلب والمتطيرين بالبوم ولمن يزجر الطير، فكذب المنجمين

وخطئهم أكثر من كل كبير، وهو شيء لا يستنكر، وهم يعترفون بهذا فيقولون: لا تعجبوا من خطئنا ولكن اعجبوا من/ صوابنا، وإنما صوابهم كمجنون نطق بحكمة، أو صبي أتى بنادرة، فإن الناس يحفظون ذلك ويعجبون به لأنه أتى من غير معونة، ولا يحفظون ما يكون من المجانين والصبيان من الجهل والكذب، فكذا ما يكون من المنجم، يخطىء في ألف شيء ويكذب في ألف شيء فلا يحفظ عليه لأن ذلك غير منكر منه، فإذا اتفق له الصواب في شيء واحد تعجبوا وحفظ لقلته من مثله ولأنه أتى من غير معدنه. وعلى أن الناس يكذبون المنجمين ويدّعون لهم ما ليس لهم ولا في صنعتهم، ويضايقون الأنبياء ويتعنتوهم، وقد تقدم قبل هذا شيء على المنجمين فارجع اليه. ثم قال هؤلاء الزنادقة: إنما لم يتمنوا الموت لأنهم لو تمنوه بألسنتهم لقال إنما عنيت أمنية القلوب، فإن قالوا له: قد تمنينا بقلوبنا، قال لهم: قد أخبرني جبريل أنكم لم تفعلوا ذلك. قيل لهم: قد حصلوا لنا غير متمنين بألسنتهم، وانتقضت العادة وقامت الحجة وظهرت البينة، وحصلتم تعللون ما لم يكن وما لم يقع، وقد كنتم نسبتم اليهود في تركهم التمني إلى البله، والآن فقد نسبتموهم إلى التميز والتحصيل وإلى غاية الذكاء والفطنة، ومن هذه مرتبته كانوا يقولون له: أنت قلت لنا لن نتمنى ذلك أبدا وهاقد تمنيناه وهذا إكذاب لخبرك ظاهر بين. فرجوعك إلى ما في القلوب هو الانقطاع على أنك قد نفيت التمني منا نفيا عاما لما كان منه باللسان وما كان منه بالقلب، فإذا تمنيناه باللسان فقد أكذبناك وقد أفضحناك وقامت حجتنا عليك، وقولك بعد هذا أن جبريل أخبرك أنا ما تمنيناه بقلوبنا قدح منك لأنا نحن نقول لك: إن جبريل ما أتاك ولا يأتيك فكيف يكون دعواك حجة علينا. فتعلم بهذا/ بطلان كيد الخصوم في توكلهم لليهود

بعد أربع مائة سنة، وبعد فكيف لم يقولوا له: أي الأمنيتين أخبرت إنا لا نفعلها ليبينوا للناس أنه لا حجة عليهم فيما أخبر به عنهم في أنهم لا يتمنون الموت مع حرصهم على تكذيبه وإبطال حجته.

قولوا له: أي الأمنيتين أخبرت إنا لا نفعلها ليبينوا للناس أنه لا حجة عليهم فيما أخبر به عنهم في أنهم لا يتمنون الموت مع حرصهم على تكذيبه وإبطال حجته.

وباب آخر [محاولة اليهود قتل الرسول بالصخرة واخباره تعالى بذلك] من آياته ﷺ، أنه مضى ومعه أبو بكر وعمر إلى اليهود في بعض الشأن، فلما جلسوا أرسل اليهود من يلقي عليهم صخرة لتقتلهم فلما صعد رسول اليهود لذلك أنذره الله ﷿ فنهض من ساعته وقال لأبي بكر وعمر: قوما فإن هؤلاء قد أرسلوا من يلقي علينا ما يقتلنا، فخجل اليهود لذلك. وفي ذلك يقول الله ممتنا عليهم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» «١» وهي قصة معروفة، فلهذا جاز الامتنان بها، ولا يجوز أن يمتن ويقول مثل هذا إلا لما هو مشهور معروف عندهم سمعه الوليّ والعدو.

وباب آخر [توعد اليهود والنصارى في وقت كثر فيه ممالئوهم] من آياته ﷺ، وهو أن قوما من المنافقين وممن في قلوبهم مرض وضعف يقين وقلة بصيرة كانوا يمالئون اليهود ويتوددون إليهم، فيقال لهم: لا تفعلوا هذا، فيقولون: الصواب لنا ولكل عاقل أن يفعل ذلك، فإنا لا نأمن أن يكون لليهود دولة فيصيبنا منهم دائرة، وهم كثرة ولهم نجدة وبأس وشدة، فأنزل الله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ

Bagian 10 dari 18