— Bagian 11 · م كثرة ولهم نجدة وبأس وشدة، فأنزل الله: «يا أَيُ… —
Bagian 11
م كثرة ولهم نجدة وبأس وشدة، فأنزل الله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» أي «١» من تولاهم فإنه منهم في الكفر لا من المؤمنين، إن الله لا يهدي القوم الظالمين أي لا ينجيهم من العذاب ولا يوصلهم إلى الثواب. ثم قال على نسق الكلام: «فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ/ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ» ثم قال: «فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ» «٢» والفتح هو نصر رسول الله ﷺ عليهم وغلبته لهم، فوعده بذلك ثم أنجز له ووفى له، وعسى من الله وأحبه. فواقع رسول الله ﷺ اليهود وقائع كثيرة فنصره الله عليهم، وندم أولئك المنافقون في إسراعهم فيهم كما قال وكما أخبر. وقال المؤمنون حين رأوا غمّ المنافقين بما نزل باليهود وبما آتاه الله من نصر نبيّه ﷺ: «أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ» «٣» . وفي هذا آيات عظيمة وأخبار بغيوب كثيرة أخبر بها قبل أن تكون على وجه يغيظ ويغضب ويبعث العدو على استفراغ وسعه وبذل مجهوده في تكذيبه وفي إعمال حيله في أن لا يتم ما قال وما أخبر، خلافا «٤» لتدبير عقلاء البشر، فإنهم لا يظهرون لعدوهم وجوه مكايدهم لئلا يسبقوهم إليها، ولئلا يتحرروا منها، لتعلم أن هذا تدبير الله الغالب لكل شيء، الذي لا يغلبه شيء، وأن هذا القرآن كلامه وقوله لا كلام أحد من البشر. وكان ميل أولئك إلى اليهود فأنزل الله هذا في اليهود وفي النصارى، ونصر المسلمين عليهم أجمعين، وكانت
وقائع المسلمين مع النصارى أكثر، وكان بأس النصارى أشد، وعددهم أكثر، ومدة محاربتهم أطول، فكانت العقبى للمسلمين.
وباب آخر [اخباره تعالى عن المرتدين وأنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه يجاهدون في سبيله] من آياته ﷺ ودلائل نبوته، وهو قوله ﷿: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» . فأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه أتى الله بمن يغلبه ويقهره، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدّت/ القبائل الكبيرة من العرب عامة وخاصة على وجوه من الردة كما قد تقدم شرح ذلك، فشمر أبو بكر الصديق لحربهم، وأرسل المهاجرين والأنصار على قتالهم، وقاموا على ساق، فقهروهم وأذلوهم وغلبوهم وظهرت كلمة الإسلام فكان العز للمسلمين، وهذا من الآيات العظام، فانظر كيف قال ﷿ لهم بالمواجهة: «مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» «١» ولم يقل: من يرتد عن دينه، فكانت عدة تحتمل التسويف بل قال: «مِنْكُمْ» . وفي هذا غيوب كثيرة، فإن القبائل التي ارتدت تلك الأنواع من الردة كانت كثيرة ولها بأس وشدة كما قد تقدم ذكر ذلك، وفي هذا أيضا تأييد لإمامة أبي بكر الصديق، وأنها حق وهدى وصواب ورشاد ودين لله، وقد وصفه الله ومن معه بأنهم يحبون الله وأن الله يحبهم، وأنهم يخضعون ويذلون للمؤمنين وأنهم يستعلون ويشتدون على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله
، وقد وصفه الله ومن معه بأنهم يحبون الله وأن الله يحبهم، وأنهم يخضعون ويذلون للمؤمنين وأنهم يستعلون ويشتدون على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله
ولا يخافون أحدا ولا يراقبون أحدا ولا يهابون في الله مخلوقا وأن هذا فضل من الله ساقه اليهم وخصهم به، وهذه صفات أعلى المؤمنين درجة عند الله، فلو لم يقف من غلط من اتهمهم ورماهم بالريب إلا من هذا الوجه لكفى وأغنى وزاد على الكفاية «١» . ولو كان أبو بكر ﵁ وأصحابه ارتدّوا وكفروا كما زعم هؤلاء وادعوا لأتى الله بمن يقهرهم ويغلبهم، وإلا كان خبر الله قد كذب وأخلف وحاشا لأخبار الله أن تكون كذلك. وعند هؤلاء الزنادقة أن هؤلاء الصحابة قد ارتدوا، وأنهم أعداء الله وأعداء رسوله وأن أمير المؤمنين ونفرا كانوا معه على الإسلام مغلوبين مقهورين مقصودين بالإذلال والمكروه، وأن أبا بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار كانوا يعزون المشركين وأعداء الدين والمرتدين والمبدلين والمغيرين ويذلون المؤمنين، وهذا ضد/ التنزيل وتكذيب لقول الله فيهم كما قد شرحه الله وبينه في الآية وأظهره من ضمائر هؤلاء ونياتهم. وعلى ما يقوله الخصم كان ينبغي أن يكون التنزيل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يبغضهم ويبغضونه يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الشيطان فهذه صفاتهم عند هؤلاء الخصوم، نعوذ بالله من العمى. والذي عند العلماء، أن عليا ﵁ كان في أيام هؤلاء أعز المؤمنين وأجلهم وأعلاهم، نافذ الأمر مسموع الغلب، مثلهم في سلطانه؛ وبه قام سلطان أبي بكر وبأمثاله من المؤمنين، وقد تولى لأبي بكر أتعاب المدينة، وتولى له أموال رسول الله، وسار معه إلى الربذة وإلى ذي القصة، وغزا معه، وأشار عليه بتلك الآراء، وردّه إلى المدينة وأطاعه حياته وبعد موته، ونفذ وصيته في عمر. وكان ﵁ يضرب المثل لأصحابه، وأنه كان
ذة وإلى ذي القصة، وغزا معه، وأشار عليه بتلك الآراء، وردّه إلى المدينة وأطاعه حياته وبعد موته، ونفذ وصيته في عمر. وكان ﵁ يضرب المثل لأصحابه، وأنه كان
في سلطان أبي بكر وعمر أنفذ قولا، وأن أولئك كانوا أعرف بحقي منكم، وأني لو كنت الخليفة في زمانهم لكانت طاعتهم إلي أحسن، وكان يقول لعدوه مثل ذلك، ولقد كتب إلى معاوية يتمنى أولئك الذين مضوا من المهاجرين والأنصار فقال: «١» لو أن عندي يا ابن حرب جعفرا ... أو حمزة الليث الهمام الأزهرا أو أن لي صدّيقها أو عمرا ... أو من أولاك السابقين معشرا رأت قريش نجم ليلي ظهرا والخصم في زمانك هذا يقول: ما أسلموا قط ولا لهم إسلام، وأنهم ما زالوا أعداء المسلمين، والذي يعرف أهل العلم والتحصيل أنهم كانوا خاصة رسول الله ﷺ/ وبطانته، وأمناءه وثقاته على نفسه وأهله ودينه، وأنه كان يحبهم ويودهم ويجلهم ويعزهم ويواليهم. وأنه قد فرض محبتهم وموالاتهم وأوجبها على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. والعلم بهذا قبل العلم بنبوته، وهو كالعلم بأن عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، والنضر ابن الحارث بن كلدة، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمثالهم، كانوا أعداء رسول الله ﷺ، وأنه قد فرض بغضهم والبراءة منهم إلى يوم القيامة. فما يحتاج في هذا إلى تلاوة آية ولا إلى رواية خبر، وإن كان القرآن مملوآ بذلك، والحديث مستفيضا به. فإن فعلت ذلك فمن طريق الزيادة في الحجة والمظاهرة بالبينة. ولحكاية تلك الألفاظ عمل الناس الكتب في تفضيل القرآن وإن كانوا يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يفضله ويجله، وكما عملوا الكتب في تفضيل شهر رمضان وإن كانوا يعلمون أن
رسول الله ﷺ كان يفضله، وكما عملوا الكتب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الجهاد في سبيل الله، وكما عملوا الكتب على المبتدعين من أهل القبلة بأن القديم الأزلي هو الله وحده، وأنه لم يزل موجودا حيا عالما قادرا غنيا ولا يزال كذلك، وأن جميع ما خلقه وفعله وقضاه وقدره وشاءه وأراده وصنعه ودبره ورضيه وأحبه وأمر به ودعا اليه فكله حق وصواب وعدل وحسن من جميع وجوهه، أين كان وفيمن كان، وأنه يجب على العباد قبوله والصبر عليه والرضى به والتسليم له سواء كان شدة أم رخاء، وأن الكفر بالله وشتم أنبياء الله وتكذيب رسل الله وجميع المعاصي قبيحة، فتلوا في ذلك آيات القرآن وذكروا ألفاظ النبيّ ﷺ/ لما ذكرنا، فاعرف هذا، فالعلم بأن رسول الله ﷺ مدح أبا بكر وعمر وتلك الجماعة من السابقين أقوى من العلم بأنه مدح أحدا وأثنى عليه، أو أنكر أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وتلك الجماعة مدحوا رسول الله ﷺ وأعظموه أو صلوا خلفه، وإنما ذكرنا هذا للحاجة اليه ولأن الناس قد أكثروا فيه في هذا الزمان فما يستغلون الآية.
وباب آخر [حول غزوة أحد] من آياته ﷺ، وهو أن قريشا والعرب تجمعوا وأعدوا الخيل والرجال والسلاح وقالوا: نسير إلى محمد فنقتله ونقتل أصحابه ونأخذ بثأرنا يوم بدر. فساروا في ثلاثة آلاف، وقال رسول الله ﷺ ندعهم حتى يردوا المدينة؛ فقال قوم من الأنصار قد أصابوا زروعنا فنخرج اليهم فنلقاهم وراء المدينة، فصار رسول الله ﷺ إلى رأيهم وسار. ثم فكروا وقالوا: نأخذ بما أشار به رسول الله ﷺ ونقاتلهم في المدينة، فقال رسول الله ﷺ: ما كان لي أن ألبس لامتي فأرجع حتى ألقى العدو. فخرج في سبعمائة وفيهم عبد الله بن أبي
ذ بما أشار به رسول الله ﷺ ونقاتلهم في المدينة، فقال رسول الله ﷺ: ما كان لي أن ألبس لامتي فأرجع حتى ألقى العدو. فخرج في سبعمائة وفيهم عبد الله بن أبي
سلول وأمثاله ممن في قلبه مرض، فقال رسول الله ﷺ: ستكون فيكم مصيبة، وذاك أن النبي ﷺ رأى في المنام أن بقرا تنحر فتأوله قتلا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار قد انفصم فكان قتل عمه حمزة ﵁، ورأى أن كبشا أعين قتل فتأوله كبش الكتيبة فكان عثمان بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين. فلما صاروا بأحد التقوا مع المشركين عبّأ رسول الله ﷺ أصحابه قال لهم: إنكم ستهزمونهم، وأقام الرماة من أصحابه في موضع خاف أن يدخل المشركون منه فيصيروا خلف العسكر، وأمرّ عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: / إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى بلغنا بهم بموضع بعيد فلا تبرحوا أنتم، فانهزم المشركون كما قال رسول الله ﷺ ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم، ونظر الرماة إلى الهزيمة فتركوا مراكزهم واتبعوا العدو واشتغلوا بالغنائم وثبت أميرهم مع طائفة وقال: والله لا أعصى رسول الله ﷺ، فلما زال الرماة عن مكانهم دخل المشركون وصاروا من ورائهم ونادى مناديهم بصوت عال: قتل محمد وقتل ابن أبي قحافة وقتل ابن الخطاب. وانصرف عبد الله بن أبي سلول بمن معه، وانهزم المسلمون، وبقي رسول الله ﷺ مع نفر يسير، فما برح وما برحوا مع قلتهم وكثرة المشركين، منهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ونفر من الأنصار؛ وأقبل أبو سفيان بأصحابه نحو الجبل الذي فيه رسول الله ﷺ والنفر الذين معه فصرفهم الله فلم يقدموا عليهم، فنادى أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب، فما أجابه أحد فقال: قتل هؤلاء، فقال عمر: يا رسول الله ألا أجيبه، فقال: أجبه، فقال أبو سفيان: اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: الأيام
فقال أبو سفيان: اعل هبل، فقال عمر: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: الأيام
دول، والحرب سجال، وأحد ببدر، وحنظلة بحنظلة، يعني ابنه حنظلة. فقال له عمر: ولا سواء، قتلانا في الجنة يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون، فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب أسألك عن شيء فأخبرني، فقال: قل، فقال: أما أنت فحيّ، سألتك بالله أمحمد حيّ وابن أبي قحافة حيّ، قال: نعم/، ورسول الله يسمع كلامك ولك منه ما تكره، فقال أنت أصدق، فإن ابن قمئة أخبرني أنه قتل «١» . فقال النبي ﷺ اللهم أقمه في الدنيا قبل الآخرة، فاعتقل عنزا ليحلبها فنطحته فمات. وفي هذه الوقعة يقول الله ﷿: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» أي تقتلونهم «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ» «٢» إلى آخر القصة. فتعلم أنه لا يسوغ ولا يجوز أن يقول رئيس قوم لهم: قد كنت وعدتكم أن تقتلوهم وقد صدقتكم فيما وعدتكم وأريتكم ما تحبون ثم عصيتم أمري وخالفتم وصيتي وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في جميع ذلك، فكيف بمن يدّعي النبوة والصدق في جميع ما يقوله ويخبر به. وقوله: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ» إلى قوله: «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» يعني أولئك الذين أخلوا المراكز «٣» واشتغلوا بالغنيمة «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا
بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «١» ثمّ أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم» . وهذه أيضا من الآيات بأحد، فإن النعاس غشيهم كما غشيهم ببدر، في الموضع الذي يطير فيه النعاس؛ والذي يدلّك على كونه امتنان الله عليهم به ولا يجوز أن يمتن عليهم بذلك والعدو والوليّ يسمع هذا الامتنان، وهو أمر لا أصل له وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم في ذلك. إلى قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ/ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» ، وقال لنبيّه ﵇: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» فأمره بالاستغفار لهم وأن يعود لهم إلى حالهم في مشاورتهم، فإن المشورة فيما لم ينزل به قرآن مستحبة حسنة. والذين أشاروا من الأنصار على رسول الله ﷺ بأن تكون الحرب خارج المدينة كان لهم أن يشيروا بذلك، وكان لرسول الله ﷺ أن يأخذ برأيهم؛ ولقد اجتهد أعداء عثمان في أن يجدوا له عيبا فما قدروا عليه مع طول المخاطبة، فقال له قائل منهم: أنت ممن تولى يوم أحد فقال له عثمان: فلم تعيرني بذنب قد غفره الله، أما سمعت قوله: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» إلى آخر الآية. وفكر في معنى قوله ﷿: «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «١» أي بذنبكم وتقصيركم وترككم الموضع الذي قال لكم نبيكم ﷺ سنهزمهم فلا تتركوا مركزكم ولا تمسوا غنائمهم حتى تفرغوا. وقد كانوا يوم بدر
شَيْءٍ قَدِيرٌ» «١» أي بذنبكم وتقصيركم وترككم الموضع الذي قال لكم نبيكم ﷺ سنهزمهم فلا تتركوا مركزكم ولا تمسوا غنائمهم حتى تفرغوا. وقد كانوا يوم بدر
قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى من المسلمين كانوا يوم أحد سبعين فلهذا قال لهم: «قد أصبتم مثليها» لأن القتلى من المسلمين كما ذكرنا. فتأمل ما تقرأ وأطل الفكر فيه تقف على المراد به، فإن الذكر للقصة بأحد من قوله: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ» إلى قوله: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» . فتأمل طول هذه المراجعة والمواقفة للمؤمنين على الوفاء بما ضمنه لهم، وعلى الصدق فيما أخبرهم وفيما كان من تقصيرهم، / فكم فيه من آيات ودلالات. وانظر إلى هذا الادلال بالحق والاستطالة على العدوّ والولي بالحجة حتى ما يستطيع العدو المكاشف أن يدفع شيئا من ذلك. وانظر إلى المواقفة والمناظرة التي كانت بين عمر وبين أبي سفيان، هل قدر أبو سفيان وأصحابه وهم يناظرون المسلمين من عسكرهم أن يقولوا: إن محمدا كذبنا في كذا وأخلف في كذا وكيف تطيعونه وتفارقون أديانكم وبلدانكم وتقتلون أنفسكم لرجل هذه سبيله وما أشبه ذلك، وهذا موضع حاجتهم إلى ما هذه سبيله. وانظر إلى أهل الردة على طبقاتهم، فقد كانوا أشد الناس عداوة لأبي بكر وقد نال منهم كل منال وقتلهم كل قتلة، فما استطاع أحد منهم أن يقول له: وأنت فقد بدلت دين محمد ونقضت عهوده فكيف أنكرت علينا ما صنعنا، ولم تقتلنا لأنا منعنا الزكاة، وهذا موضع حاجتهم اليه وحجتهم عليه، ولتعلم أنه لم يكن فيه مغمز كما لم يكن في رسول الله ﷺ. ولما رجع المشركون من أحد وصاروا بالروحاء «١» ، أقبل بعضهم على
ذا موضع حاجتهم اليه وحجتهم عليه، ولتعلم أنه لم يكن فيه مغمز كما لم يكن في رسول الله ﷺ. ولما رجع المشركون من أحد وصاروا بالروحاء «١» ، أقبل بعضهم على
بعض يتلاومون، وأنهم صاروا في عسكر عظيم وهم لا يشكون في أنهم يقتلون رسول الله ﷺ ويستأصلون الإسلام، فخاب أملهم واختلفت أقوالهم وقالوا: لا محمدا قتلتم ولا كواعب أردفتم فبئس ما صنعتم. وقد كان أبو سفيان نادى أصحاب رسول الله ﷺ قبل انصرافه من أحد: ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى نلتقي بها، فقال النبي ﷺ لمن كان يجيبه من الصحابة: قل نعم إن شاء الله، فلما حضر الوقت تعذر على أبي سفيان الخروج للوعد أو كرهه، فأتى نعيم بن، مسعود فقال له: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم/ بدر الصغرى وقد بدا لي أن لا أفعل، وأكره أن يخرج محمدا وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من قبلهم أحبّ إليّ، فلك عشرة من الإبل إن حبستهم عني. فقدم نعيم على أصحاب رسول الله ﷺ وهم مجهزون فجعل يثبطهم ويخوفهم ويذكر أن أبا سفيان قد جمع لهم الجمع الكبير، وأنهم إن خرجوا لم يفلت منهم أحد. وجعل يريهم النصح لهم والإشفاق عليهم، فما قبلوا وبادروا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وخرجوا وتخلف أبو سفيان عن الوعد وفيهم نزلت: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ» «١» الآية. فتأمل خيبة المشركين وخلف أقوالهم وحيرتهم مع كثرتهم، وصدق جميع ما وعدهم رسول الله ﷺ، وجرأة المسلمين مع قلتهم وفقرهم وشدة الأمر عليهم.
وباب آخر [دعوة الرسول لنصارى نجران للمباهلة وخضوعهم له] من أعلامه ﷺ، وهو أن نصارى نجران وغيرهم من النصارى دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك فكذبهم في قولهم بأنهم قالوا: لله ولد، وعظّموا الصليب، وأكلوا الخنزير. فقال شيخ منهم كبير فيهم: من أبو عيسى؟ فسكت النبي ﷺ وكان لا يعجل حتى يأمره الله، فأنزل الله ﷿ «ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ» إلى قوله: «إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» «١» فقرأ رسول الله ﷺ عليهم ذلك، ثم دعاهم إلى المباهلة وأخذ بيد الحسن والحسين وعليّ وفاطمة رضوان الله عليهم. فقال واحد منهم لمن معه من النصارى: أنصف الرجل، وتشاوروا وقال قائل منهم: إنه لصادق ولئن باهلتموه ليحرقن. فقالوا له: لا نبارزك، وكرهوا الإسلام، وأقروا بالجزية، وسألوه أن يقبلها منهم فأجابهم إلى ذلك، وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو باهلونا «٢» لأضرم الله عليهم الوادي نارا، فرضوا بالجزية وانصرفوا بالخزي. فانظر إلى هذا الاحتجاج في أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، احتجاج غير متكلف ولا متعمل ولا مخالط للمتكلمين ولا هو في بلد الجدل صنعتهم. فأشار لك بهذه الإشارة التي هي من جوامع العلم ومفاتيح الحكمة كما قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا» فإن خلق آدم من أكبر الحجج على النصارى، وخلقه أبدع، لأنه خلق من غير ذكر
ن جوامع العلم ومفاتيح الحكمة كما قال ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا» فإن خلق آدم من أكبر الحجج على النصارى، وخلقه أبدع، لأنه خلق من غير ذكر
ومن أنثى وأكمل الله له قوته وأداته وعقله وتميزه ضربة واحدة، وتولى الله ﷿ مناجاته وتأدبه وتعليمه بنفسه دون كل أحد من خلقه. وعلى كل حال فالمسيح قد تقلب في الحشا كالأطفال، وخرج من الفرج وكانت أمه تحتاج إلى آية في أنه مولود من غير ذكر، وقد خلق الله حواء من آدم، وقد خلق الملائكة من غير تناسل» ولا أكلوا ولا شربوا ولا بالوا ولا تغوطوا، وليس كذلك المسيح، فإن سبيله في ذلك سبيل سائر الناس. وقد تقدم لك ذكر أجناس الحيوان التي خلقها الله من غير ذكر ومن غير أنثى وبغير تناسل في كتابك المعروف «بالمصباح» ، وخلق الدودة والذبابة في الحجة كخلق الفيل، فإن المخلوقين لا يتأتى منهم إنشاء علامة ظفر ولا إحياء دودة، بل إحياء الدودة أبدع من إحياء الفيل، كما أن نظم الخردل أبدع من نظم الحنظل. هذا وقد قدم دلالة العقل في سورة يونس فقال ﷿: قالوا «/ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ» «٢» ، في أن الولد لا يتخذه الحكيم إلا للعز والرفد وبقاء للذكر، فإذا كانت الحاجات منتفية عن الله ﷿ علمنا أن اتخاذ الولد لا يجوز منه. وقد تبين أيضا من طريق العقل أنه لا كفء له ولا إله معه، فقال ﷿: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فليس مع التضادّ نظام ولا مع الشركة استقامة. ولما قالوا له ﷺ: كفرت أهل الكتب من النصارى ومشركي العرب بأيّتما آية يا محمد جعلت الإله واحدا؟ فأنزل الله ﷿: «وَإِلهُكُمْ إِلهٌ
لا مع الشركة استقامة. ولما قالوا له ﷺ: كفرت أهل الكتب من النصارى ومشركي العرب بأيّتما آية يا محمد جعلت الإله واحدا؟ فأنزل الله ﷿: «وَإِلهُكُمْ إِلهٌ
واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» «١» فقدم الدعوى، ثم اتبعه بأدلة العقل فقال ﷿: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» «٢» فتبين أنه لو كان هاهنا آلهة أخر لقدّم ما أخره هذا وأخر ما قدمه، وسوّد ما بيضه وبيض ما سوده، وإن كان جميع ذلك حكمة، لأنه ليس بمحال أن تنبت اللحى للنساء وأن يكون ابتداء نبات اللحى أبيض كالصلع أو أخضر كالحصرم، أو أصفر كالزعفران، وأن تلد النساء كأولاد الأنعام وأن تلد الأنعام كأولاد النساء، وأن يكون ماء البحر عذبا فراتا وأن يكون ماء دجلة ملحا أجاجا، وأن يولد المولود كامل العقل والقوى والأدوات، كاسيا كيسا كالفروج، عالما بالصنائع من غير تعلم ولا تمرين كفرخ الأوز وعلمه بالسباحة حين يخرج من بيضته، وكعلم دود القز والعنكبوت بالنسج والنحل ببناء البيوت، كل هذا ممكن، فلما جاء ذلك/ على طريق واحدة فلا ينتقض بما نبهت عليه، علمت وتيقنت أنه لا إله إلا هو، وأنه المعتز بالقدم فلا قديم إلا هو، وأن كل موجود ليس هو الله فكائن بعد أن لم يكن. فإن قيل: فما ينكر أن يكون هناك آلهة جماعة إلا أنها قد وكلت التدبير إلى واحد منها فجرى تدبيره على طريقة واحدة. قيل له: هذا خلاف ما يعقل وخلاف ما أخرجت العبرة في أن الجماعة لا يتفقون في المشيئة والإرادة والتقدير والتدبير أبدا على طريقة واحدة، ولا فرق
بين من ادعى هذا أو ادعى في الإنسان الواحد أنه جملة أحياء قادرين عالمين مدبرين غير أنهم قد اتفقوا في الإرادة فلا يختلفون، وهذا خروج من العقل ومما شهدت به العبرة. وقد بين أيضا بحجة العقل أن الإله لا يكون محتاجا، فقال ﷿: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» «١» فقال: أنتم ترون حاجته وفقره وضعفه، وحاجة أمه وحاجته إلى أمه، فكيف يكون من هذه سبيله إلها؟ فإن كان عندكم إلها بكون الآيات ظهرت على يديه، فقد خلت من قبله رسل كانت لهم آيات ومعجزات عظيمة كثيرة، ثم قال: «أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» «٢» فقد كان المسيح لا يدفع عن نفسه الحاجات والآفات فكيف يملك لكم. ثم قال: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» «٣» يقول: أنتم معشر النصارى قد آمنتم بنبوة موسى والأنبياء قبل عيسى، وصدقتم كتبهم، وكلهم قد جاء بإخلاص التوحيد، وأنه إله واحد غني قديم لا إله إلا هو، لا يعرفون ما يقوله النصارى من الجوهر والأقانيم/ والاتحاد وما أشبه ذلك، وأن هذا نمط من ينكر خلق السموات والأرض والبعث والنشور وما جاءت به الأنبياء ﵈ فكيف تكونون من أهل الكتاب وهذه سبيلكم؟ فينبغي أن يصدق قولكم فعلكم.
ذلك، وأن هذا نمط من ينكر خلق السموات والأرض والبعث والنشور وما جاءت به الأنبياء ﵈ فكيف تكونون من أهل الكتاب وهذه سبيلكم؟ فينبغي أن يصدق قولكم فعلكم.
فتأمل رحمك الله هذه الجملة، فإن الجوهر والأقانيم والاتحاد هو من قول أرسطوطاليس وأشباهه من القائلين بالقدم وتكذيب الرسل وبإنكار البعث، وهم قالوا: إن الإنسان إذا عرف شيئا فقد اتحد به، وأن العقل والعاقل والمعقول يصير شيئا واحدا، وأن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ولهذا قالوا: هرمس المثلث، فهذه الجهالة والحماقة هي لهؤلاء وعنهم أخذ نموها، وهم يسمون حكامهم ورؤساءهم آلهة لا الأنبياء وأهل الكتاب، فانظر إلى هذه من مقالة هؤلاء كيف أطلع الله ﷿ محمدا عليه ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكان عجبا. ويبلغ من جهل أرسطو طاليس وأمثاله أنهم يقولون: إن الشمس والقمر والكواكب حية عالمة سميعة بصيرة تخلق وترزق وتحيي وتميت، وهي عندهم آلهة يدعونها ويسألونها ويرغبون اليها في الرزق والعافية والحياة، ولكل كوكب منها عندهم هيكل ودعاء وبخور ودخنة، فقد كان الناس يعجبون من قولهم في الناس أنهم آلهة حتى صاروا يقولون ذلك في الجماد والموات، إذ لا فرق بين من ادعى ذلك في الشمس والقمر أو ادعى في البرق والغيم والريح والنار والياقوت والزجاج، أو ادعى في شعاع الشمس، أنه سميع بصير خطيب شاعر. على أن إخوانهم من المنانية قد ادّعوا في الغيم والمطر والريح والماء وفي جميع الأجسام أنها حية سميعة بصيرة حساسة دراكة، وإنما ذكرنا هذا وإن لم يكن كاملا في النبوة لتعلم أن أدلة التوحيد ونفي الشركة/ والشبيه مأخوذ من القرآن، مجتذب إلى ما في أدلة العقول من ذلك، ولتعلم أن الخير كله
ا هذا وإن لم يكن كاملا في النبوة لتعلم أن أدلة التوحيد ونفي الشركة/ والشبيه مأخوذ من القرآن، مجتذب إلى ما في أدلة العقول من ذلك، ولتعلم أن الخير كله
في القرآن ومن القرآن، ومنه صنفت كتب الكلام بما في العقل من ذلك، وقد تقدم لك في كتاب «المصباح» قطعة منه:. وقد طعن أبو عيسى الوراق وابن الراوندي في قصة المباهلة أنها مشاتمة وأن القوم رفعوا أنفسهم عنها، وقال: وقولكم إنه قال لهم: إن باهلتموني نزلت بكم النقمة، ليس هذا في الكتاب وإنما هو حديث من أحاديثكم. قيل لهم: هم كانوا يلعنونه ويشتمونه ويبالغون في ذلك وفي شتم أصحابه ولعنهم ويطلبون نفسه بغير حجة، ويرحلون إلى الملوك ويستفرغون الوسع في ذلك، فمتى رفعوا أنفسهم عن هذا. ولكن لما لم يجد هؤلاء في آياته ﷺ مطعنا وقد بذلوا جهدهم عدلوا إلى المباهنة والمكابرة؛ وليست المباهة كما ظنوا «١» ، وذلك لجهلهم باللغة كما جهلوا صنعة الكلام. فإن المباهلة في اللغة تجري مجرى المخاطرة والمبايعة والمراهنة التي يكون صاحبها يؤول أمره فيها: إما إلى الظفر، وإما إلى الفضيحة والعطب. وهو لفظ مشتق من الباهل وهي الناقة المخلوع عنها صرارها وهو ما يصر به ضرعها، أي يشد، لئلا ترضع ولا تحلب، فإذا نزع عنها ذلك الصرار فهي باهل، أي متروكة، فمن أراد حلبها نال ذلك منها، وفي الخبر عن امرأة من العرب أنها قالت لزوجها: منحتك مأدومي، وأبثثتك مكتومي، وأتيتك باهلا غير ذات صرار. فقد علمت ثقة رسول الله ﷺ بربه وسكونه إلى ما يوحى اليه، وإلا لم يكن ليقوم هذا المقام في أن الكاذب يعجل الله له خزيه وينزل به نقمته/ لأن هذا القول عليهم سهل، فكان لا يأمن أن يجيبوا إلى ذلك فلا ينزل بهم عقاب فتكون الفضيحة. وكان أيضا قد مكنهم من شتمه ولعنه في وجهه وبحضرة أصحابة
وهذا مقام لا يقومه عاقل، فتعلم بدلالة عقلك أنه قد توعدهم بأنهم إن باهلوه نزلت بهم النقمة وأنهم لا ينصرفون من ذلك المقام إلا وقد بان أمرهم لأن الملاعنة لا يعجز عنها أحد، ولو لم يكن إلا الملاعنة وحدها لأجاب إليها القوم ولكان فيها كل فائدة ورغبة، فتعلم بدلالة عقلك أنهم هربوا منها للبوار الذي توعدهم به. ومما يدلك من طريق عقلك أنه قد توعدهم في المباهلة بنزول العذاب امتناعهم منها وفرارهم، ويدلّ أيضا أنه لو لم يكن إلا الملاعنة لما كان لإحضار النبي ﷺ من يعينه من قراباته دون سائر الناس ذلك الموضع معنى ألا ترى أن الذين حضروا ذلك الموضع ولده وولد ولده ومن يجري مجرى ذلك، فإن الصهر ولد ويعز فقده على العاقل، لا سيما وهو ابن عمه؛ فأحضر أمسّ الأرحام وأشدهم عليه فقدا، وقد قال لهم: «تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ» «١» فإن لم يكن إلا اللفظ بالملاعنة فما وجه هذا القول وإحضار الولد، فمن تأمل ذلك شهد عقله بأنه ﵇ قد توعدهم عند المباهلة بالاستئصال ونزول النقمة، وإن كان المتأمل لا يعرف لفظ الخبر كما يعلم إذا فكّر في قوله ﷿: «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ» أنه قد وعدهم بذلك قبل أن يكون، وأنه قد وفى لهم بما وعدهم وإن لم يعرف عين الخبر ولا لفظه، لأنه لا يسوغ أن يقول رئيس قوم لهم إني/ قد كنت وعدتكم بكذا وتمنيتم كذا وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذب في ذلك كله؛ ولهذا قالت العلماء في قول عمر على المنبر متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: إن تحريم المتعة قد قد تقدم من رسول الله ﷺ فعرفه عمر والمهاجرون والأنصار، وإلا لم يكن عمر ليقوم هذا المقام على منبر رسول الله ﷺ ويحضره أصحابه والذين بهم عز
يم المتعة قد قد تقدم من رسول الله ﷺ فعرفه عمر والمهاجرون والأنصار، وإلا لم يكن عمر ليقوم هذا المقام على منبر رسول الله ﷺ ويحضره أصحابه والذين بهم عز
وبهم صال واستطال، وهم أوفر ما كانوا، وبهم من المحافظة على دين رسول الله ﷺ ما قد عرفه أهل العلم، هذا مقام لا يقومه عاقل ولا يختاره ممتر. وبعد فهم أولئك القوم الذين صنعوا بعثمان ما صنعوا لأنه وصل سببا وآوى طريدا فتعلم أن القول من رسول الله ﷺ في تحريم المتعة كان مؤكدا كما علمت الوعيد بالعذاب ونزوله في المباهلة. وزعم ابن الراوندي أيضا أنه ما دعا النصارى إلى المباهلة واليهود إلى التمني «١» على وجه الاحتجاج بذلك للنبوة، ولو كان إلى هذا قصد لبادروا إلى إجابته. فقيل له: أما سمعته يقول: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا» «٢» فكيف تكون المحاجة إلا كذا لولا حيرتك وانقطاعك وفضيحتك. قيل له أيضا: كيف لا يكون متحديا ومحتجا بذلك على اليهود والنصارى وغيرهم وقد كان يدّعى من أول أمره أنه لا يكذب فيما يأتيه عن الله ﷿ وان الكذاب لا يكون نبيا، فإذا أخبرهم بأنهم لا يتمنون الموت فلو تمنوه لكان قد دل ذلك على كذبه وعلى خروجه من النبوة على حكمه بأن من كان نبيّا لا يكذب فأي تحدى «٣» واحتجاج يكون أقوى من هذا وكذا الحال في قولهم في المباهلة. فإن قيل: كيف يحتج عليهم بالنساء والصبيان؟ قيل له: لم يحتج عليهم بهؤلاء وإنما أحضرهم لان مقدمهم يعزّ عليه وهم أقرب أرحامه اليه.
في قولهم في المباهلة. فإن قيل: كيف يحتج عليهم بالنساء والصبيان؟ قيل له: لم يحتج عليهم بهؤلاء وإنما أحضرهم لان مقدمهم يعزّ عليه وهم أقرب أرحامه اليه.
وباب آخر [حول الآية «الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ» ] من أعلامه ﷺ، من ذلك قوله ﷿: «الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ» «١» . فخبر بإنفاقهم قبل أن ينفقوا، وبقتالهم قبل أن يقاتلوا، وبهزيمتهم قبل أن يهزموا، ثم كان ذلك كما قال وكما أخبر وكما فصل، وأورد ذلك موردا يغيظ ويغضب ويبعث على تكذيبه وعلى الممانعة من وقوع ما أخبر به، بخلاف تدبير البشر، فإن الحكماء يتواصون بكتمان ما يدبرونه ويعزمون عليه ويقولون: من فساد الأمر والتدبير إعلانه قبل الفراغ منه، ثم لا يرضى أن يجعل ذلك خبرا عن نفسه بل يجعله خبرا عن ربه.
وباب آخر [إخباره عن اليهود] من آياته وعجيب أعلامه، وهو إخباره عن اليهود فقال: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا» «١» . فخبر أن أقلّهم يؤمن ولو لم يكن على بينة من أمره وثقة عن خبر ربه ﷿ وما يوحيه اليه، لم يكن ليقول هذا وهو لا يأمن أن يتبعه أكثرهم ويؤمنون ويدخلون في دينه. ثم قال: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً» ولو لم يكن على يقين لم يقل: «وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» وهو لا يأمن أن أن يتجاوزوا الأذى إلى أخد المال أو إلى سبي/ الذرية وإلى قتل الأنفس، وأن
يغلبوه إن قاتلوه ولا يولون الأدبار، فقاتلوه ﷺ يوم قينقاع فنزلوا على حكمة، وقاتلوه يوم بني النضير فأجلاهم عن بلادهم، وقاتلوه يوم بني قريظة فولوا الأدبار فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقاتلوه يوم خيبر فهزمهم وملكهم وأخذ عنوة خيبر بالسيف فرضوا به أن يقرهم على أن يكونوا حرثة يعملون له في النخل. فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل في هذه الأخبار، فإن مثلها لا يقع اتفاقا ولا من حذاق المنجمين ولا الكهنة، وانظر كيف أخبرهم بها قبل وقوعها، وأنذرهم بما يكون قبل أن يكون، وجعلهم على أهبة، بخلاف تدبير البشر. وقد كانوا جماعات كثيرة لهم خيول وسلاح وحصون ويمتنعون ويقاتلون من ناوأهم وأرادهم وقصدهم، لتعلم أن هذا من أخبار علّام الغيوب، وهذا من الدلائل الواضحة والأعلام البينة النيرة لأن السيف إذا لقي السيف دبّ الحياء، ولا يأمن من ليس على يقين مما يخبر به أن يقع الأمر بخلاف ما خبر ولا يحمل أحد نفسه على هذا من غير يقين إلا الغاية في الحمق والجهل والنقص.
وباب آخر [ما أرجف به المشركون بعد هزيمة المسلمين في أحد] من آياته ﷺ، وهو أنه لما كانت وقعة بدر، وصدقت أخباره وتحققت مواعيده، ماج أعداؤه من اليهود وغيرهم، وقال بعضهم لبعض: ما أخلف محمد في شيء أصحابه، وإنه لنبيّ، وستؤول الأمور إلى ما يقول، وسيظهر على الناس وتكون الدولة له. فلما كان يوم أحد وقتل من أصحابه من قتل اشتدت قلوبهم ورجعوا على إخوانهم الذين قالوا لهم ما قد تقدم، وقالوا لهم: أبشروا بما كان عليه يوم أحد، فأنزل الله ﷿/ «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ، «١» » ثم أذكرهم بالآيات التي
ان عليه يوم أحد، فأنزل الله ﷿/ «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ، «١» » ثم أذكرهم بالآيات التي
كانت يوم بدر فقال: «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ» «١» فغلبوهم وقهروا كما قال وإلى جهنم يحشرون كما أخبر، فصدق إخباره بالأول يشهد بالثاني، فتأمل هذه الأجوبة والأدلة المكشوفة الواضحة، وانظر كيف يذكر قصة بدر ويحتج عليهم بها ويجعل ذلك عن ربه لتعلم أنها قصة قد عرفها العدوّ والولي.
وباب آخر [حول الآية «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» ] من آياته وهو قوله ﷿: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» «٢» . فإن مسجد بيت المقدس قد كان غلب عليه الروم الدهور الطويلة واستولوا عليه مع ملكهم بالشام وأقاموا فيه الشرك ومنعوا من ذكر التوحيد فيه، وغلبت قريش على المسجد الحرام وغيرهم من مشركي العرب، وقد كان أبو بكر الصديق بنى مسجدا بمكة بفناء داره قبل الهجرة فكان يتلو فيه القرآن ويدعو إلى الله وإلى رسوله، وقد كان أجاره رجل من سادات قريش على أن يفعل ذلك. فمشت قريش إلى الرجل الذي أجار أبا بكر، وهو معروف ولكن لم يحضرني اسمه في هذا الموضع [٣] ، فذكروا له محل أبي بكر وحلمه وبيانه ولطفه، وأنه يمر به القيان والعبيد والنسوان فيسمعون دعاءه فلا يلبثون أن يجيبوه إلى
يحضرني اسمه في هذا الموضع [٣] ، فذكروا له محل أبي بكر وحلمه وبيانه ولطفه، وأنه يمر به القيان والعبيد والنسوان فيسمعون دعاءه فلا يلبثون أن يجيبوه إلى
دين محمد، فلا تجره. فقال لهم: إنه رجل يكسب المعدم ويصل الرحم ويقري الضعيف، فكرهت أن يخرج من بينكم ويهرب بدينه عنكم فتعدمون هذا/ الفضل. قالوا: فيلزم بيته ولا يعلن دينه؛ فمنعوه من ذكر الله في مسجده. فبشر الله نبيه ﵇ وأصحابه بالظهور على هذه المساجد، وملكهم لها ولمن فيها، وأنهم لا يدخلونها إلا أذلاء خائفين مقهورين، أو بأمان وعهد وإذن من رسول الله ﷺ أو من أصحابه. ثم أخبر بخزيهم في الدنيا وعقوبتهم من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فنزل بهم ذلك الخزي بقتل من قاتل منهم وعليهم، والذل بأداء الجزية لمن رغب في الإقامة فيما غلب عليه الصحابة، فكان كل ذلك كما أخبر، وفي هذا غيوب كثيرة. وقد كانت ممالك الروم وغيرهم قوية ممتنعة فوفى الله لنبيه بتصديق هذه المواعيد، وبفتح هذه الأمصار، وبنزول الخزي على مشركي العرب في الدنيا وسينالهم في الدار الآخرة عذاب عظيم كما قال، وكما صدق في الأول صدق في الثاني، فنعوذ بالله من عذابه وسخطه.
وباب آخر [قوله ﷺ لعثمان بن أبي طلحة العبدري بأن مفاتيح مكة ستكون له وحصول ذلك] من هذا الجنس، أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قبل الهجرة جاء ليدخل الكعبة فدفعه عثمان بن أبي طلحة العبدري ومنعه من دخولها، فقال له النبي ﷺ: لا تفعل يا عثمان فكأنك بمفتاح الكعبة في يدي أضعه حيث شئت فقال له عثمان: لقد ذلت قريش يومئذ وقلّت، فقال النبي ﷺ: بل كثرت وعزت. واعتبر رحمك الله سيرته في المكاتبة والمراسلة فإنه فعل ذلك بجبابرة الأرض وملوك الدنيا من العرب والعجم في أقطار الدنيا، فدعاهم إلى رفض ما هم
عليه، والدخول في طاعته، وامتثال أمره، والخضوع له، وأخبرهم بذات نفسه وبما يدعو إليه، وأخبرهم بأن الله ﷿ اصطفاه وحده واختاره وحده/ ووعده بالظهور والغلبة لملوك الأرض وجبابرتها، وأن السعيد من بادر إلى طاعته من قبل أن تسبى أمواله وتستباح حريمه ويسفك دمه، فما ترك شيئا مما يغضبهم ويغيظهم ويبعثهم على قتله واستئصاله وبواره وبوار أصحابه إلا أتى به وفعله، وهذا ما لم يكن مثله ولا يقدم عليه عاقل إلا وهو على غاية الثقة بالسلامة من العواقب، وأن العاقبة تكون له لا لعدوّه. أما ترى كيف اغتصب كسرى كتابه حين أنفذه مع عبد الله بن حذافة السهمي وهو «١» : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله. وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك. فمضى بكتابه، وكان في طريقه وبحضرته ما لعله يرد عليك، فلما بلغه كتابه غاظه ذلك وأغضبه، حتى كتب إلى صاحبه باذان وهو خليفته باليمن وملكها يأمره بإشخاصه إليه «٢» ، فأرسل باذام في ذلك، فسرّ ذلك أعداء رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى وقريش والعرب واستبشروا. وقال بعضهم لبعض: كفيتموه كفيتموه. فلما وصل الرسول اليه قال له رجل منهم انطلق معي إلى الملك باذان فنكتب معك كتابا إلى الملك شاهنشاه ينفعك عنده
بشروا. وقال بعضهم لبعض: كفيتموه كفيتموه. فلما وصل الرسول اليه قال له رجل منهم انطلق معي إلى الملك باذان فنكتب معك كتابا إلى الملك شاهنشاه ينفعك عنده
ويكفّ عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، فقال له رسول الله ﷺ: أقم إلى غد حتى أجيبك. فلما كان الغد صار، فقال ما تقول يا/ محمد؟ قال ارجع إلى صاحبك فإن ربّي قد خبرني أنه قتل البارحة كسرى، قتله ابنه شيرويه على كذا كذا ساعة من الليل «١» ، فقال له هل تدري ما تقول، إنا قد نقمنا منك أيسر من هذا، فتكتب بهذا عنك ونخبر الملك باذام بذلك قال: نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، إلى أن قال: سيأتي هذا الدين على ما أتى عليه الليل. وقد كان قال ﷺ لعبد الله بن حذافة لما رجع إليه وأخبره بأن كسرى استخف به ومزق كتابه فقال ﷺ: أما إن الله ﷿ سيمزق ملكه. فانظر إلى هذه الأقوال المغضبة كيف تتوالى لهم منه، وانظر إلى هذه الثقة هذا الثبات. وقد كان راسل قيصر ملك الروم بدحية بن خليفة الكلبي، فأكرمه وأكر كتاب رسول الله ﷺ، وسأل من عنده من أهل مكة وتجار قريش عنه ﷺ وعن أخلاقه وطرائقه وسيرته، واستقصى ذلك، فإذا هو النبيّ الذي تقدمت البشارة به، وردّه مكرما، فقال النبيّ ﷺ: لقد عرف الحق ولكن ضن الخبيث بملكه وعاجل دنياه فاثرها على دينه. وأرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية حاطب بن أبي بلتعة بكتابه اليه «٢»
ما، فقال النبيّ ﷺ: لقد عرف الحق ولكن ضن الخبيث بملكه وعاجل دنياه فاثرها على دينه. وأرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية حاطب بن أبي بلتعة بكتابه اليه «٢»
فدفعه اليه فقرأه، ثم أقبل على جلسائه فضحك وقال لهم: كتب إليّ يصف لي حسن دينه ويدعو اليه، فما منعه إن كان رسول الله أن يسأل الله فيسلط البحر عليّ فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي، فقال له حاطب فما منع عيسى ابن مريم وهو كما زعمت إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وحلقوا وسط رأسه وجعلوا عليه إكليل شوك وجعلوا على عنقه الخشبة التي صلبوه عليها ثم خرجوا به وهو يبكي حتى صلبوه/ على الخشبة ثم طعنوه بالحربة حتى مات، فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منهم ويهلكهم ويكفى مؤونتهم ويظهره وأصحابه عليهم، وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة زانية رجلا أن يقتله فقتله وبعث إليها برأسه حتى وضعوه بين يديها فما منعه أن يسأل ربه أن ينجيه منها ويهلك الملك. فأقبل المقوقس على جلسائه فقال: والله إنه لحكيم. وما يخرج الحكيم إلا من عند الحكماء، ما تقولون، قالوا: نقول: صدق أيها الملك، قد رأينا ما رأيت. وعاود قراءة كتاب النبي ﷺ، واحتبس حاطب عنده مدة، وسأله عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه وعن سيرته، وردّه مكرما. وأرسل النبي ﷺ إلى غير واحد من ملوك الشام يدعوهم إلى طاعته. وكان فيمن أرسل الحارث بن عمير الأزدي فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني «١» فأنفذ رسول الله ﷺ بعده غير واحد ولامهم على غدرهم وقتلهم الرسل، وقال لهم: أنتم مغلوبون وسلطاني يعلو عليكم، فأغضب ذلك ملوك الروم ونصارى العرب. وأرسلت نصارى العرب إلى ملك الروم: انتهز الفرصة مادام هذا الرجل في ضعف، فأنفذ جيشا في مائة ألف قاصدا لرسول الله ﷺ بياتوقس
لك ملوك الروم ونصارى العرب. وأرسلت نصارى العرب إلى ملك الروم: انتهز الفرصة مادام هذا الرجل في ضعف، فأنفذ جيشا في مائة ألف قاصدا لرسول الله ﷺ بياتوقس
البطريق، وعلى نصارى العرب من غسان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو الغساني، فانتهوا إلى مؤتة فكفاه الله أمرهم كما هو معلوم. وأرسل إلى ملوك اليمن وملوك البحرين وعمّان رسلا معروفين، وقد علمت رحمك الله أنه دعاهم إلى الاختلاع من ملكهم والخروج من عزهم إلى التواضع والتذلل، وإلى الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وهذا غير تدبير البشر وحكماء الملوك، وهذا عندهم من سوء التدبير، فتعلم بعقلك أنه لم يفعل ذلك/ إلا وهو على يقين من السلامة من سطواتهم وكيدهم وشرهم. وقد تقدم لك حال كل من جاء بعده من قريش والعرب وغيرهم، وأنهم به لاذوا واعتصموا وعلى ما مهّده ﷺ، وأنه هو ما اعتصم بمخلوق بما فيه كفاية، فارجع إليه. وقد أجابه ﷺ من الملوك الذين دعاهم النجاشي وغيره. وتأمل حال قوم في زمانك وهم من الملوك العظماء، وملكهم واسع، وشأنهم عظيم، فإنهم من تسترهم بالإسلام ومع اعتزائهم إلى النبي ﷺ وأنهم من ولده وقد قدموا على ما مهد لهم، بأي شيء يلقون ملوك الإسلام، وبأي شيء يراسلونهم، وكيف يخضعون لهم ويخدعونهم بألوان الخدع ليستبقوا طاعتهم لهم باللسان، فيقول دعاتهم لكل واحد من هؤلاء حتى لرؤساء الأعراب والأكراد: أخوك فلان ابن فلان ابن رسول الله، وقد علمت عظيم ملكه، وهو يدعى بأمير المؤمنين، وقد فرض رسول الله ﷺ عليك طاعته لقوله كذا ولوصيته الفلانية؛ وما يطالبك بحقوقه، وما يطلب منك شيئا، ولكنه يرغب في أخواتك وفي صداقتك وفي الانبساط إليك في أن تقبل هديته، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قبل الهدية ورغب في ذلك، وإن كافأت بأقل القليل قبله
منك وشكرك عليه. ثم يهاديه بالهدية النفيسة الخطيرة ويقول له: «إذا استحكم الأنس وتمت الثقة فتح لك أبوابا يتضاعف بها ملكك، وتشتد بها شوكتك، وما عليك في الوصول إلى ذلك مشقة ولا كلفة ولا مؤونة ولا غرامة، وما هو إلا الثقة بك وأن يعرف طويتك وأنك بحيث يوثق بك. فإذا تعلق قلبه بذلك وطمع، قال له: قد علمت ما جاء في الكتمان والمواثيق المأخوذة/ من الأنبياء ثم يروضه بعد هذا، فإن كان من أهل الشهوات والرغبة في الدنيا قال له: أنت فيمن قال الله: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» «١» ويبيحه المحظورات ويتقرب اليه بما يسقط عنه الكلف ويؤمنه من كل عقاب آجلا وعاجلا، ويذكر له ما قد أعدّه من التأويلات، ويتحبب اليه بهذا وأشباهه، ويأخذ عليه كتمان السر وأن لا يخبر غيره بما عنده ولا يسأله عن شيء وإن كان مجوسيا. وإن رآه من المتمسكين بالشريعة زيّن ذلك عنده وقال له: لا تغتر بما يقوله الإمامية القطعية أن الصلاة عند أهل البيت إحدى وخمسين ركعة فإن هؤلاء ليسوا من دين أهل البيت على شيء، وصلاة أهل البيت ثلاث وسبعون ركعة، ويأمره بذلك، ويصلي عنده وبحضرته وبحضرة أتباعه وحشمه، وإن يأت عنده لم ينم الليل من كثرة الصلاة. ويأمره بالزكاة وبكل خير بحسب ما يتفق ذلك عنده، غير أنه يقول: للصلاة باطن، ولكل شيء باطن. وإن كان يهوديا زيّن عنده اليهودية وما فيها من إقامة السبت وجميع ما هم عليه، وقال: المهديّ الذي ندعو اليه هو المسيح الذي تنتظرونه.
طن، ولكل شيء باطن. وإن كان يهوديا زيّن عنده اليهودية وما فيها من إقامة السبت وجميع ما هم عليه، وقال: المهديّ الذي ندعو اليه هو المسيح الذي تنتظرونه.
وإن كان نصرانيا مدح الصليب وقال: المهدي الذي ندعو اليه هو الفارقليط الذي بشر به المسيح. وإن كان مجوسيا مدح عنده المجوسيّة وقال: أنتم الناس، وأنتم العقلاء، وأهل الملك القديم. وإن كان صابئا مدح عنده عبادة الكواكب، ويقول لكل واحد من هؤلاء الأصناف: إن الديانات كلها سواء وهي تتفق في الباطن ولكن أصحابها لا يعلمون. ويظهرون التودد إلى كل أحد بما يهواه، ثم يتواصون بكتمان ذلك وأن لا يظهروا «١» ذلك إلا لمن أحبهم أو مال اليهم. ويقصدون بالدعوة/ الأعراب والأكراد والديلم والبربر والنبط والمترفين من الأمراء والوزراء والكتاب وأهل الجهالة، ويستظهرون على من انتمى إلى القول بالإمامة والتشيع، وهؤلاء يسرعون إلى إجابتهم والقبول منهم، ويوثقون الجميع بالأيمان الغليظة والعهود المؤكدة؛ وملوك الأرض منذ نحو مائة سنة من الديلم وبني حمدان ومن بالبحرين وعمران في البطيحة ومن باليمن والشام وأذربيجان، وكل هؤلاء الملوك أصحاب إمامة ومشيّعة، وفي الأرض كلها، ودولة بني العباس لم يبق منها إلا اسمها في بعض المواضع، والموضع الذي فيه سلطانهم وملكهم وعزهم يشتم فيه العباس وولده والمهاجرون والأنصار ويلعنون، ثم هؤلاء القوم مع الملك ومع تسترهم برسول الله ﷺ واعتصامهم، ومع هذه الأحوال كلها التي تستروا بها وتوثقوا بها، أنت ترى فضائحهم في الأطراف وفي أقطار الأرض في كل حين كما قد تقدم لك طرف منه. ثم هو شيء
واعتصامهم، ومع هذه الأحوال كلها التي تستروا بها وتوثقوا بها، أنت ترى فضائحهم في الأطراف وفي أقطار الأرض في كل حين كما قد تقدم لك طرف منه. ثم هو شيء
يحدث في كل حين، وتبدو فيه الفضيحة كل قليل مع الملك والقهر والغلبة والسيف والقتل الذريع الذي قد تقدم لك طرف من ذكره، لتعلم أن السبل التي سلكها رسول الله ﷺ لا يسلكها عاقل، ولا تخطر بقلبه، ولا تسمو اليها همته، ولا يحدث بها نفسه، ولا يدخل فيها طمعه، إلا أن يكون رسولا لله ونبيا لله وواثقا بوحي الله. ثم هو شيء ما كان في أحد من الأنبياء قط منذ كانت الدنيا، على ما حصله العلماء وأحصوه وبلغهم خبره، أن يكون إنسان ضعيف فقير أجير وحيد معيل مبتدىء مع هذه الحال، فيذكر ملوك العرب وملوك الفرس وملوك الروم حتى يذكر خراسان وملوك الشرك والترك/ وأنه يحويها ويحوزها وهو على تلك الحال، ثم يكاتبهم ملكا ملكا وسيدا سيدا وقبيلا قبيلا وبلدا بلدا يذكرها. ويوصيهم بالقبط وما لهم من الحرمة بمارية القبطية فإنهم يفتحون مصر، ويقول: أبشروا بفتح العروسين غزة وعسقلان، ويذكر دمشق وبيت المقدس، ويسمع ذلك نصارى العرب ويذكرونه لملوك الروم وغيرهم فيغتاظون من ذلك، وتذكر قريش ذلك للفرس. ولما دخلت رسل المسلمين إلى الشام ولقوا ملوك النصارى بها رأوا بعضهم قد جلس على فرش عالية يرقى اليها بسلم وعليه السواد، وفي رسل المسلمين عبادة بن الصامت الأنصاري، قال: ما هذا السواد عليك وما هذه المسوح التي قد لبستها، قال الملك لبستها نذرا لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام وأفعل وأفعل، فقالوا له المسلمون: سنمنعك مجلسك هذا وو الله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم. ثم ساروا من عنده إلى الملك الأعظم من ملوك الروم وأبلغوه الرسالة، فأنزلهم أكرم منزل واحتبسهم عنده مدة طويلة، وخلا بهم، وناظرهم وامتحنهم، وسألهم عن شيء فشيء من أمر رسول الله ﷺ ومن أمر الإسلام والمسلمين ليلا ونهارا، وكان لهم معه ما هو مذكور، إلى
أن قالوا له: إن أرضك هذه نأخذها منك ونغلبك عليها، أخبرنا بذلك نبينا، فساءه هذا القول وقال: مهما قال من شيء فقد صدق، والله لوددت أن نفسي تطيب بالخروج من ملكي وأكون عنده فأخدمه وأشد ملكه، ولكن نفسي لا تطيب. وقال المقوقس ملك مصر لحاطب: إنكم ستملكون ملكي هذا كما قال صاحبكم، وملوك الروم كانت أعرف بحق رسول الله ﷺ، فلذلك كانت ألين وإن كانت نصارى العرب تغضبها وتثيرها عليه ﷺ/ ولم تكن كالجبار الشقي كسرى وما فعله برسول رسول الله ﷺ وتمزيق كتبهم فمزق الله ملكه كل ممزق كما قال ﷺ، أخبر أن ابنه قتله في تلك الليلة وبينه وبين كسرى نحو ثلاثمائة فرسخ، وذلك من آياته المعروفة التي جاءت مجيء القرآن، يعرف ذلك أهل العلم كما يعرفون أن رسوله كان اليه عبد الله بن حذافة السهمي، وكما يعرف ما كان بينه وبين النجاشي، وبين صاحب عمان، وغيرهم من الملوك. وإسلام باذان ملك صنعاء واليمن لأجل هذه الآية معروف، وإخلاصه ومن معه في الإسلام وهم يعرفون بالأنبياء. ولما تنبأ العنسي الكذاب باليمن ناقشوه «١» وباحثوه فلم يجدوا عنده آية ولا علامة، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ في أمره، فأمرهم بجهاده ففعلوا، وقتله فيروز الديلمي الذي كان أحد رسل الملك باذان إلى رسول الله ﷺ، ولم يكن ديلمي الأصل وإنما كان أحد عمال الفرس على ثغور الديلم. ولما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ كان لهؤلاء الأنباء من باذان ومن معه من البصيرة في الإسلام والإقامة عليه ومجاهدة المرتدين ومعونة أبي بكر الصديق وعماله ما هو معلوم.
وإنما أجرينا هذا من أعلامه ﷺ عند ذكر مكاتبته ومراسلته الملوك، والنية ذكر أعلامه التي ليست في القرآن بعد الفراغ مما في القرآن، فإن وهب الله ذلك وإلا ففيما معك فوز عظيم فاحتفظ به وحافظ عليه واطلب ما بعده فإنه أكبر الجهاد وأجل العبادة.
ليست في القرآن بعد الفراغ مما في القرآن، فإن وهب الله ذلك وإلا ففيما معك فوز عظيم فاحتفظ به وحافظ عليه واطلب ما بعده فإنه أكبر الجهاد وأجل العبادة.
وباب آخر [اخبار الرسول أصحابه أن الله سيمكن لهم في الأرض ويستخلفهم] من آياته ﷺ، وهو ما أخبر أصحابه من أنه يمكّن لهم في الأرض ويستخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ويؤمن خوفهم، فيخلصون في عبادته وحده لا يشركون/ به شيئا، فقال ﷿: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ» «١» إلى آخر الآية. وهذه نزلت في غزوة الأحزاب وفي الخندق، وقد تحزبت العرب واليهود عليهم، وغدر من حول المدينة بهم وهم في حومة الموت وشدة الخوف، وما كان بأيديهم إلا المدينة مع من بها من اليهود والمنافقين، فأظهر الله أصحاب رسول الله ﷺ واستخلفهم ومكّن لهم وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وعبدوه وحده وأطاعوه، وفي هذا غيوب كثيرة لا تكون بالاتفاق ولا لحذاق المنجمين، ولا هو مما يغلب في العقل بل الغالب في العقل والظاهر في الحزم والتدبير أن يكونوا هم المغلوبون المقهورون، إلا أن يكونوا من قبل الله، وأن يكون صاحبهم رسولا لله، والذي يدلك على أن هذا نزل وهم غير متمكنين وأنهم قد كانوا خائفين من قوله ﷿: «وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً» «٢» فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن
خَوْفِهِمْ أَمْناً» «٢» فلا يجوز أن يخبرهم بما لم يكونوا عليه ويمتن عليهم بذلك والعدو والولي يسمعه وهو يعلم أنهم يعلمون أنه قد كذبهم ثم يؤكد هذا بأن
يقول: هذا قول الله لكم، ووعد الله لا وعدي، وبشارة الله لا بشارتي، وفي هذا دلالة على صحة الخلفاء من بعده، ألا تسمعه يقول: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» ولو قال: الذين آمنوا لكانت عدة تحتمل التسويف والتأويل، فلما قال: «منكم» جعلها فيهم ولهم ومنهم، فزالت الشكوك وارتفع اللبس، ولو كان الأمر على ما يقول الإمامية لكانت هذه الأخبار قد كذبت وهذه المواعيد قد أخلفت لأنهم زعموا أن المستخلف كان علي بن أبي طالب، وأنه ما كان متمكنا ولا آمنا بل كان مقهورا مغلوبا خائفا، فأين تصديق ما وعد الله، فنعوذ بالله من الذهاب عن الحق. وعندنا أنه/ ﵁ كان في زمن أبي بكر والخلفاء قبله ممكنا غالبا قاهرا آمنا عزيزا نافذ الأمر مسموع القول كما قد تقدم شرح ذلك لك، وبه وبإخوانه من المهاجرين والأنصار كانت خلافة من قبله وعزّ سلطانهم، فالعدة فيه وفي أبي عبيدة بن الجراح وفي سعد ومعاذ وعبد الرحمن وغيرهم من المهاجرين والأنصار، والله ﷿ لا يستخلف إلا المتقين ولا يمكن إلا لأوليائه وأحبائه وأهل طاعته، وليس لمن أسلم في عام الفتح، وفي هذا خبط، لأن هذه نزلت في عام الخندق وفي غزوة الأحزاب قبل فتح مكة، وأولئك من الطلقاء لا من المهاجرين ولا من الأنصار، وليس هذا بنصّ جليّ مكشوف في خلافة هؤلاء ﵃، ولكنه شيء يعرف بالاستنباط والاستدلال والتدبر في هذه التلاوة، فلا يسوغ في تأويلها وتفسيرها إلا هذا. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ حين ارتدت العرب بعد وفاته وكثر من خالفهم يستبشرون بظهور الإسلام وغلبة المسلمين بهذه الآية وقد تلاها أبو بكر الصديق عليهم في ذلك الزمان وقال لهم ما لعله قد تقدم لك شيء من ذكره، وهذا شيء قد تقدم به الإجماع وسبق به الاتفاق قبل أن يخلق هشام بن الحكم
الذي هو الأصل في الطعن على خلفاء رسول الله ﷺ والمهاجرين والأنصار. ومع هذا فقد ذكر هشام بن الحكم أنه أدرك الشيعة وكلهم يتوالى أبا بكر وعمر وعثمان، ويقولون هؤلاء ما أنكروا فضل الوصيّ عليّ بن أبي طالب ولا دفعوه عن حقه، وأن الذين دفعوه عن حقه وأنكروا فضله هم المنافقون الذين كان القرآن يهتف بهم. قال هشام وهذا كله تلزيق وتلفيق/ دعاهم اليه هيبة أولئك القوم فما أقدموا على تهمتهم ولو عرفوهم لا تهموهم، ثم أخذ يذكر ما عنده من تهمتهم، فقد أقر بلسانه أنه لم يسبقه أحد إلى شتمهم ولعنهم، ولو لم يقر لكان العقل يشهد به ويدل عليه.
وباب آخر [قوله ﷺ في أوان ضعفه أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه] من أعلامه وآياته، وهو أنه كان يقول في أوان ضعفه وعنفوان أمره أنه سيعظم أمره ويعلو شأنه، وتتحزب الأمم عليه، وتقصد لقتاله وقتله واستئصاله واستئصال أتباعه، ويأتونهم من كل وجه. وأن أصحابه يثبتون ويزدادون بصيرة ويقينا في أمرهم عند ذلك. وأن من رآهم ورأى من سار إليهم يكون عنده وفي عقله ورأيه أنهم لا ينجون، فكان ذلك كما قال وأخبرهم الله في تلك الحال، أنه ﷿ سيكفيهم أمر هؤلاء وأمر من ظاهرهم من أهل الكتاب، ويستخلفهم في الأرض، ويؤمن خوفهم، ويبدلهم بالضعف قوة، ويمكن لهم في الأرض، وكان هذا في قصة الأحزاب، وأنزل الله فيها وفي يومها الآية التي تقدم ذكرها في سورة النور. وقد كان ﷺ أجلى بني النضير من اليهود لأذيتهم له وغدرهم به، فرحلوا عن المدينة من جواره، وصاروا إلى قريش وإلى عبس وذبيان وفزّارة وغيرهم من القبائل، وحرضوهم عليه بأنه أكفر أسلافكم وعاب أديانكم واستجهلكم وذهب بسيادتكم ورئاستكم وبأحسابكم
ه، وصاروا إلى قريش وإلى عبس وذبيان وفزّارة وغيرهم من القبائل، وحرضوهم عليه بأنه أكفر أسلافكم وعاب أديانكم واستجهلكم وذهب بسيادتكم ورئاستكم وبأحسابكم
وفرق آلافكم وحمل الأبناء على قتل الآباء، والآباء على على قتل الأبناء، وهو يزعم أنه يظهر عليكم ويستأصلكم وأنتم غير آمنين مما يوعدكم به، فبادروا مادام في ضعف قبل أن يقوى بأشد مما كنتم عليه ببدر وأحد. وكانت لليهود بالحجاز رئاسات وضيافات ومنن على العرب، يجيرون من استجار بهم ويمنعون عن جيرانهم ويقاتلون/ دونهم؛ فأثاروا قريشا والعرب على رسول الله ﷺ، فساروا اليه في نحو عشرين ألفا، وجاء حييّ بن أخطب اليهودي النضري إلى بني قريظة من اليهود وكانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ أن يسالموه ولا يعينوا أحدا عليه أبدا وكتبوا بينهم وبينه في ذلك كتابا. فجاء حييّ بن أخطب اليهودي إلى كعب بن أسد رئيس بني قريظة، وقال له: جئتك بشرف الدنيا وبالعزّ، وهذه القبائل من قريش والعرب قد ساروا إلى محمد فكن معنا، فقال: دعني فإن هذا الرجل قد عرفناه بالصدق والوفاء، إن قال نعم فهي نعم، وإن قال لا فهي لا، ما لقوله خلف، وأكره أن يغدر به ولعلكم ألا تظفروا به. فقال حيي: ليس هذا من تلك العساكر التي لقيته قبل هذا، ونحن في كثرة وهو في قلة، ولن ننصرف عنه أو نستأصله، فتندم في قعودك عنا؛ وإنما هو وأصحابه قليلون، وهذه قريش في هذا العدد. وذكر عدد تلك القبائل وما زال بهم حتى غدرت قريظة. فأرسل رسول الله ﷺ بسعد ابن معاذ وسعد بن عبادة اليهم ليعرف ما عندهم وهل غدروا أم لا. فلما بصرت قريظة بالسعدين مزقوا الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ وسبوه، فرد عليهم سعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: كفّ، فما بيننا وبينهم أجلّ من السباب. فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه بغدرهم تعريضا إشفاقا على ضعف
وسبوه، فرد عليهم سعد بن عبادة، فقال له سعد بن معاذ: كفّ، فما بيننا وبينهم أجلّ من السباب. فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه بغدرهم تعريضا إشفاقا على ضعف
المسلمين، وكانت قريظة بالقرب من المدينة وفي أحد جوانبها. وجاءت قريش والقبائل من وجه آخر، وأشار سلمان الفارسي رحمة الله عليه بحفر خندق، وكان هذا أول مشهد شهده سلمان. فأمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق وأخذ كل جماعة من الصحابة قطعة يحفرونها/، فاعترضتهم صخرة صلبة لا يعمل فيها المعول فهموا بالتعريج عنها، ثم قال قائل: عرفوا رسول الله ﷺ وقد كان ﷺ سار بالمسلمين عن المدينة وعسكر بإزاء العدو. فنزل ﷺ إلى الصخرة وأخذ المعول فضربها ضربة فثار منها برقة عظيمة. فكبر وكبر المسلمون، وقال: رفعت لي صنعاء واليمن فرأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة عظيمة فكبر وكبر المسلمون فقال: رفعت لي قصور الشام كأنها أنياب الكلاب وأنتم تفتحونها وتملكونها. ثم ضرب أخرى فبرقت برقة ثالثة فكبر وكبر المسلمون وقال: رفعت لي قصور مدائن فارس وفارس وأنتم تفتحونها وتملكونها فأبشروا. وتصدعت الصخرة فصعد رسول الله ﷺ من الخندق وهو مستبشر مسرور، ورتب أصحابه لحراسة الخندق وجعله بينهم نوائب كما هو مذكور. وكان بالخندق من الضيق ما تطفره خيول شجعانهم، فطفره عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وضرار بن الخطاب، وأقاموا أياما يحاربون، ثم تواعدوا عشية أن يكونوا من غد يحملون حملة واحدة من كل جانب، ويقتحمون على المسلمين. فأرسل الله عليهم ريحا عاصفا قلعت أخبيتهم وأبنيتهم، ونفرت خيولهم وإبلهم، وأخذهم من الرعب ما لم يملكوا أنفسهم، ومروا هرابا على وجوههم، وكفى الله المؤمنين قتالهم، وبات المسلمون من تلك الريح في كل عافية. فإن قيل: ومن أين لكم صحة هذا أنه جرى، قيل له: قد جاء مجيئا إذا
تدبّره من سمعه وفكر فيه علم وتيقن أن الأمر كذلك، فإن القرآن نزل به مذكرا هذه النعمة ومحتجا بهذه الآية وممتنا على المؤمنين فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً» «١» فلو كانت هذه الريح وغيرها من الأمور التي جرت العادة مثلها «٢» لما امتن الله به ولا احتج والعدو والولي يسمعه، [هذا] لا يفعله عاقل فكيف بمن يدعي النبوة. ثم يؤكده بأن يجعله قولا لله وأن الله يذكرهم بهذه النعمة. ثم قال: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً» «٣» لما كان قد تقدم به البشرى، فكانوا يقولون: الواحد منا ما يستطيع أن يذهب لحاجته من العساكر التي قد أحاطت بنا وهو يعدنا بملك اليمن وملك كسرى وقيصر. ثم أذكرهم بقول طائفة أخرى «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً» «٤» وقد كان قوم من بني حارثة قالوا ذلك أخبرهم الله بضمائرهم في قولهم، ولا يجوز أن يقول ذلك إلا وهو كما قال، ثم قال: «ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا. ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا» إلى قوله: «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا» إلى قوله: «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ» «١» يصف جبنهم وخورهم وخداعهم وأنهم إذا زال الخوف وأمنوا قالوا: فعلنا وصنعنا واجتهدنا، ويظهرون احتقار العدو وإن عادوا عاودناهم، ثم قال/: «يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ» «٢» يحكي عن هؤلاء المنافقين وعن من قلت بصيرته وعن من في قلبه مرض، أنهم يحسبون أن الأحزاب لم يذهبوا ولم ينصرفوا، وأنهم سيرمون شعثهم مما نالهم من الريح ويرجعون، وأن عسكرا مثل هذا في الكثرة والقوة لا ينصرفون بإزائهم في ضعف وهم مع ذلك في قلة، و «يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ، وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا» » فأخبر عن أسرارهم وعن ضمائرهم وواجههم بنفاقهم وسوء نياتهم، وهذا لا يفعله إلا نبي واثق بتأييد الله له وبنصره إياه، لأن من صواب الرأي ومحكم التدبير عند الحكماء والرؤساء وطلاب الملك وخطاب الدنيا أن يقبلوا الطاعة ممن أظهرها لهم وإن اتهموا ضمائرهم، وأن لا يردوا ما ظهر من نصحهم ولا يقولوا لهم ليس ظاهركم كباطنكم وأنتم أعداء، ليس هذا من حقوق الرئاسة ولا يسوغ في تدبير السيادة ولا يقع هذا من عاقل إلا أن يكون نبيا، لأن الرئيس إذا فعل هذا حملهم على مكروهه وبعثهم على مكاشفته واستفراغ الوسع في الإفساد عليه وفي قتله. وفي أمثال الحكماء: لا تسمّه عاقّا فيعق، وقال في وصاياه التي ترتضيها العقلاء: اقبل مقالة من يأتيك معتذرا ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
ال في وصاياه التي ترتضيها العقلاء: اقبل مقالة من يأتيك معتذرا ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
وكان أيضا لو لم يكن نبيا لا يأمن أن يكون باطنهم في طاعته مثل ظاهرهم، فإذا قال لهم قد نافقتم وهم بخلاف ذلك لكان طعن في قوله، وإن لم يواجهوه بالكذب قالوه/ من ورائه وذكروه لأتباعه ولمن قد اعتقد صدقه، ويذكرونه لعدوه من اليهود والنصارى. فإنهم كانوا أشد الناس حرصا أن يقع له كذبة أو زلة، فهم كانوا يواجهونه بالتكذيب وليس معهم حجة فكيف إذا صار لهم حجة. فتعلم أنه لم يقل ذلك إلا عن علم ويقين، وهذا باب كبير من الاخبار بالغيوب وهو كثير في القرآن فاعرفه، فهو من الآيات العظام ثم قال لهم: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً» «١» فقد كانوا رأوه ﷺ في تلك الشدائد والأهوال، ساكن القلب، طيب النفس يبشرهم بالنصر على هؤلاء وعلى أمم العرب والعجم. ثم قال: «وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً» . وقد كانوا يقولون عند قول النبي ﷺ وهو بمكة: أني سأصير في جماعات وعساكر فيقولون: ملكنا أبسط وحزبنا أغلب وجندنا أكثر، فأنزل الله إذ ذاك وقبل الهجرة: «أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ. جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» «٢» فلما رآهم المؤمنون ذكروا هذا الوعد من الله ﷿ فازدادوا إيمانا. ولهذا الوعد نظائر وأمثال كقوله: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا» ومثل قوله: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً» «٣» وغير
ذلك. وقوله: «وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً» لم يرد به الذكر باللسان وإنما أراد الذكر ذكر القلب والفكر في آيات الله ودلائله وحججه، وهذا أعظم الذكرين/ وأجلهما وأنفعهما، والذكر باللسان بعده، ولا يغني عن ذكر القلب شيء البتة. ثم قال: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» «١» فأخبر عن ضمائر المؤمنين السابقين والمهاجرين والأنصار، وأن باطنهم في الإسلام كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم. كما أخبر عن باطن المنافقين ومن في قلبه مرض، وفي إخباره عن بواطن المؤمنين من الدلالة مثل ما في إخباره عن ضمائر المنافقين، فتأمل ذلك لتعرفه فشرحه يطول. وقوله: منهم من قضى نحبه، أي من قتل في سبيل الله أو مات وهو مقيم على موالاة الله وإيثار مرضاته، ومن بقي ينتظر مثله ونيته وطويته ألا يزول عن ذلك، وما بدلوا تبديلا ولا غيروا. وفكر في قوله: «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً» «٢» فانظر كيف تمنن عليهم بأنه صرف عنهم هؤلاء الجنود وهذه العساكر بالريح وكفاهم قتالهم، وما نال المسلمين من الريح أذى مع قرب المسافة. بل باتوا منها في كل عافية وبات أولئك في كل بلية، وهذا بخلاف ما جرت به العادة، ولا يقدر على صرف الريح في الجهات وإجرائها على هذه السبيل إلا الله ﷿.
. بل باتوا منها في كل عافية وبات أولئك في كل بلية، وهذا بخلاف ما جرت به العادة، ولا يقدر على صرف الريح في الجهات وإجرائها على هذه السبيل إلا الله ﷿.
وهمّ النبي ﷺ بالانصراف إلى المدينة والرجوع اليها بعد انصراف الأحزاب، فأتاه جبريل يقول له عن الله: لا تنزع درعك حتى تصير إلى بني قريظة، فسار اليهم ونزل عليهم، فألقى الله في قلوبهم الرعب منه ﷺ مع كثرتهم فامتنعوا بحصونهم، وقال ﷺ: يا يهود يا إخوة القرود «١» ، فقالوا يا محمد: ما عهدناك فحّاشا، فقال ﷺ: غدرتم بي ونبذتم/ عهدي، إنا إذا حللنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وبعث اليهم أبا لبابة بن عبد المنذر فقالوا له: يا أبا لبابة أتنزل على حكم محمد قال: نعم، وأومى بإصبعه إلى حلقه، أي أنه الذبح، فأنزل الله ﷿: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» «٢» وما كان من أبي لبابة إلا إيماء بإصبعه، فأخبر الله بما كان من إشارته وما كان بينه وبينهم. قال أبو لبابة والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، وذهب من وجهه فأوثق نفسه بسارية في المسجد، فقال ﷺ أما إنه لو أتاني لاستغفرت له فأما إذ فعل فلا أحلّه حتى يكون الله هو الذي يحله، وما زالت سارية أبي لبابة معروفة في المسجد، وهذه آية أخرى. وقد كان بنو قريظة في كثرة وبأس ونجدة، فقذف الله في قلوبهم الرعب عند نزول رسول الله ﷺ. فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فجاء على حمار أقمر، وقد كان أصابه يوم الأحزاب سهم، وكان يقول اللهم لا تمتني حتى تريني في بني قريظة ما أحب، فقال له



