— Bagian 13 · أنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ﷺ فلا يجدون، وه… —
Bagian 13
أنصار ليصدوهم عن اتباع رسول الله ﷺ فلا يجدون، وهذا من تلك المواطن وموضع الحاجة. ولما أخذ أولئك المنافقون في التتبع على رسول الله ﷺ، والتعرف لأخباره،
والتحفظ لما يكون منه مع المسلمين ومع غيرهم، وقد اختلطوا بالمسلمين وأظهروا الإسلام، فينقلون الأخبار إلى إخوانهم وأمثالهم من المنافقين واليهود، ويحلون معهم. وكان هؤلاء المنافقون أكثر من ستين رجلا، فلما كثر منهم ذلك تقدم رسول الله ﷺ بإخراجهم من المسجد، فقام الأنصار فأخرجوهم وسحبوهم واحدا واحدا، وأذلوهم، وقالوا لهم: يا أعداء الله، قد اختلطتم بنا وصليتم معنا، وأصغيتم إلى حديثنا مع رسول الله ﷺ، فلا أنتم وجدتم ما تحبون وتتمنون، ثم لا تنتهون ولا تخلصون. وهذا من تلك المواطن التي قد تقدم نظائرها وأنها لا تكون من تدبير البشر، فانظر إلى هذه المكاشفة، فلو وجدوا عثرة أو زلة أو ما يشبه ذلك لذكروه واحتجوا به، فهذا موضع الحاجة إلى ذكره، وهؤلاء المنافقون الذين سحبوا وأخرجوا من المسجد أسماؤهم معروفة وكذلك أنسابهم واحدا واحدا. وفي هذا تكذيب لمن زعم أن رسول الله ﷺ كان يداهن أصحابه واتباعه ويظهر تزكيتهم ومدحهم وتعظيمهم/ وإجلالهم ولا ينطوي على ذلك ولا ينويه ولا يضمره، وهذا يقوله من زعم أنه من المسلمين، وإنما وضع هذا من أراد الطعن في الإسلام وتحيير المسلمين وتشكيكهم وإخراجهم من الإسلام من حيث لا يشعرون. ثم انظر إلى اليهود: منهم من بني قينقاع، مثل زيد بن الصليت، وسعد ابن حنيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وعزيز بن أبي عزيز، وغيرهم من رؤساء بني قينقاع إلى بني النضير ورؤسائهم، كحييّ بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني
ائهم، كحييّ بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وجدي بن أخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن أبي الحقيق، وسلّام بن أبي الحقيق، وأمثالهم من رؤساء بني النضير. وإلى بني
قريظة ومن رؤسائهم، كعب بن أسد وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب، والزبير بن باطا بن وهب، واعزال بن شماويل، وقزوم بن كعب، ونافع بن أبي نافع، ووهب بن يهوذا، وأسامة بن حبيب، وغيرهم من رؤساء بني قريظة. فهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ بالمدينة وحول المدينة وإلى من يحبذون «١» رؤساءهم، فقد كانوا حين سمعوا رسول الله ﷺ وهو بمكّة وما ادّعاه من النبوة ثقل ذلك عليهم سيّما على أحبارهم ورؤسائهم، فجردوا في عداوته وظاهروا قريشا والعرب عليه ونهوهم عن أتباعه وتصديقه. وكانت قريش تشكوهم إليهم، وكان من يجتاز من أهل مكة في متجرهم إلى الشام يذكرون لهم ذلك، وفي قريش من يقصدهم لهذا، كالنضر بن الحارث وأمثاله يطلبون منهم ما يكون فيه تكذيب لرسول الله ﷺ وما ينفر الناس عنه وعن القبول منه مما يجدونه في كتبهم، ويأثرونه عن أنبيائهم ورؤسائهم/، فيقولون لهم: سلوه عن يوسف وما كان من أمره وإلى أي شيء انتهى، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: سلوه عن أصحاب الكهف من هم وكم عدتهم، فينزل القرآن بذلك، فإذا أخبروهم قالوا لهم: فاسألوه عن رجل مؤمن سار من مغرب الشمس إلى مشرقها، فينزل القرآن في ذي القرنين، إلى غير ذلك. فلما نزل رسول الله ﷺ لمدينة وجاورهم وصار معهم، كانت عداوتهم أشد، وشغلهم به ﷺ وبالمسلمين والدخول بينه وبين الأوس والخزرج والنهي عن اتّباعه. وكانوا معدن الشر والشبه والفتح على العرب أبواب الضلالة، وفيهم شجاعة وثروة، وكان كيدهم أحدّ من
سيوفهم وأنفذ من رماحهم. وقد رحل بنو النضير حين أجلاهم رسول الله ﷺ إلى قريش وبعثوهم على حربه وقصده، وكان من بني قينقاع وقريظة وخيبر ما هو مذكور وشرحه يطول. فانظر هل ظفروا مع طول هذا الطلب والحرص بزلة أو هفوة أو عثرة أو ما يشبه ذلك. وقد كان منهم باليمن وبعدن وبوادى القرى خلق كثير يمدون هؤلاء الذين بالمدينة ويصنعون صنيعهم في إلقاء الشبه للعرب، فتأمل هذا فكم فيه من نور وهدى. ولقد كان هؤلاء وجميع أعداء رسول الله ﷺ يتراجعون أمره فيما بينهم، فإذا هم لا يجدون مطعنا ولا مغمزا. كالذي كان من بني قريظة قبل النكث ونقض عهد رسول الله ﷺ، حين قال عمرو بن سعد للزبير بن باطا: «١» أطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، فو الله انكم لتعلمون أنه نبيّ قد بشّر به علماؤنا، منهم. ابن الهيبار، وأبو عمير بن حواش ممن قدم الينا من علماء بيت المقدس يتوكفان قدومه «٢» ، وأمرانا باتباعه وأن نقرئه/ منهما السلام، ثم ماتا على دينه ودفناهما بجزيرتنا هذه. فأمسك القوم فلم يتكلم منهم أحد. فأعادوا الكلام، فقال الزبير: قد قرأت صفته في كتاب باطا التي أنزلت على موسى. وذكروا صلاح بن الهيبار، وأنه حين حضرته الوفاة قال: ما الذي ترون؟ أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، قال: أتوكف خروج نبيّ قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره،
وفاة قال: ما الذي ترون؟ أخرجوني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، فقالوا: أنت أعلم، قال: أتوكف خروج نبيّ قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجره،
فكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقوا اليه فإنه يسفك الدماء ويسبي الذراري، فلا يمنعكم هذا منه، فقال له كعب بن أسد: فما يمنعك من اتباعه، قال: أنت، قال: كعب: ولم؟ ما حلت بينك وبينه، قال: أنت صاحب عقدنا وعهدنا، فإن اتبعته اتبعنا وإن أبيت أبينا. فأقبل عمرو بن سعدى على كعب فقال: أما والتوراة إنه للعزّ والشرف، وإنه لعلى منهاج موسى وننال معه شرف الدنيا وننزل معه ومع أمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا ولا يخفر محمد لنا ذمة، وننتظر ما يصنع حييّ بن أخطب، فقد أخرج إخراج ذل وصغار ولا أراه يقر حتى يغزو محمدا، فإن ظفر فهو ما أردنا أقمنا على ديننا، وإن ظفر بحييّ فما في العيش خير. وتحولنا من جواره. قال عمرو: ولم نؤخر الأمر وهو مقبل، قال كعب: ما على هذا فوت، متى أردت هذا من محمد أجابني. قال عمرو: بلى إن عليه لفوتا إذا سار الينا وتحصّنّا في حصوننا هذه التي هي قد خدعتنا فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه فيضرب أعناقنا. قال كعب: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا بقول هذا الاسرائيلي لا يعرف لي فضل البتة ولا قدر النعال، قال عمرو بن سعدى: بلى، / لنعرفن ذلك لك، وطال ما بينهم، ونزل قوم منهم ولحقوا برسول الله ﷺ وأسلموا. فانظر إلى طول البحث والمراجعة بينهم، وإلى أعداء رسول الله ﷺ من رؤسائهم وأحبارهم وهم يصدون عن اتباعه بجهدهم، هل يقول قائل منهم هذا الذي من غدراته ونكثه كذا وكذا، وكذبه يوم كذا، وهذا موضع الحاجة اليه وإلى ذكره، أو أن موسى قد وصّى بأن شريعته لا تنسخ، وأن السبت لا يعطل مما يدعيه اليهود، والمناظرة والمراجعة تذكر بالأمور المتقادمة وتخرج الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله ﷺ فيه مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه ﷺ من مشهد وموقف بهم الحاجة
الأمور المتقادمة وتخرج الأسرار، فتعلم أنه لم يكن لجميع أعداء رسول الله ﷺ فيه مطعن ولا مغمز بوجه من الوجوه، وكم لليهود معه ﷺ من مشهد وموقف بهم الحاجة
إلى ما قد ذكرنا وبيّنّا. وقد علمت مقامه بمكة وقد تفرغوا له وجعلوا شغلهم كله في طلب عثراته وفي الصد عنه، وفيهم مثل أبي لهب، وأبي جهل، وأخيه العاص، والعاص ابن سعيد، والحكم بن أبي العاص، وعديّ بن الحمراء، وابن الأصد الهذلي، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن عبد يغوث، وابن العيطلة وهو الحارث ابن قيس بن عديّ السهمي، والوليد وأبي وأمية ابنا خلف، وأبي قيس بن الفاكه والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي، والأسود بن عبد الأشد، هؤلاء جيرانه، وكانت عداوة أبي سفيان صخر بن حرب، وعتبة وشيبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو، مسلمة، والحارث ابني هشام، وأمثالهم، تصغر في جنب عداوة هؤلاء وهو معهم وأسير في أيديهم بمكة، يضربونه، ويخنقونه، ويطرحون/ التراب الفرث على رأسه، ويطرحون الجيف ببابه، فيقول: يا بني عبد مناف، أي وجوار هذا. وكان الموسم إذا جاء يخرج إلى الموسم فينذر ويدعو إلى الله تعالى ويقول: أيها الناس، إن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله، هلموا إلى عبادة الله وحده، ويتلو القرآن فيتبعوه ويضربوه، ويرمي عمه أبو لهب أعقابه حتى يدميها، ويتفرقون في الشعاب وعلى الطرق إذا جاء الموسم، ويلقون الناس ليصدوهم عن رسول الله ﷺ؛ فيقتسمون الطرق على عقاب مكة، فيقول لهم الوليد بن المغيرة: تفرقوا حيث يمر بكم أهل الموسم، فإذا سألوكم عنه فليقل بعضكم: كاهن، وبعضكم ساحر، وبعضكم شاعر، وبعضكم غاو يفرق بين الأب وابنه وبين الأخ وأخيه، فإذا انتهوا إليّ صدّقتكم. وهؤلاء
الذين كانوا يفعلون هذا: حنظلة، وأبو سفيان، وعتبة، شيبة، وابو جهل والعاص بن هاشم، وأبو قيس بن الوليد، وقيس بن الفاكه، وزهير بن أبي أميّة، وهلال، والسائب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، ومنبّه بن الحجاج، وأمية، وأوس بن المغيرة مولى وهب بن حذافة، وزمعة ابن الأسود. وكان أصحاب رسول الله ﷺ ممن أسلم بمكة يخرجون فيتفرقون مع هؤلاء المقتسمين، فإذا ذكروا ما عندهم في رسول الله ﷺ قال لهم المسلمون: كذب هؤلاء، بل محمد رسول الله صادق يدعو إلى عبادة الله وحده، وإلى صلة الرحم، ورحمة اليتيم، وإلى كذا؛ ويتلون القرآن وأولئك يمنعونهم ويضربونهم في الموسم الذي يأمن فيه الناس فلا يأمن فيه رسول الله ﷺ ولا أصحابه وهم يدعون إلى الله ويقولون هذا مع كونهم مقهورين مغلوبين وقليلا وضعفاء/ يخافون أن يتخطفهم الناس. فتأمل هل قدرت قريش أو أهل مكة أن يقولوا فيه ﷺ أنه غدر أو كذب أو احتال أو أتى بفاحشة أو شيئا مما يدعيه أعداؤه وملحدة زمانك، مع طول تلك السنين التي كان مقيما فيها بمكة منذ ادعى النبوة وهي خمس عشرة سنة، فما زادوا في الطعن فيه على التكذّب عليه. وكان أهل الموسم إذا سمعوا قول أصحاب رسول الله ﷺ يقول بعضهم لبعض: قول هؤلاء أحسن وخير. فتأمل رحمك الله الأمور، وأطل الفكر والتأمل وأصرّ على ذلك، لتعلم حقائق الأمور، فقد بليت في زمانك بمن يقول في الصحابة المكيين والمهاجرين والذين بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول ﷺ لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما اعتقدوا
اجرين والذين بنوا الإسلام وشيدوه أنهم ما اعتقدوا الإسلام قط ولا اتبعوا رسول ﷺ لبصيرة ولا لحجة ولا اعتقدوا نبوته ولا أضمروا محبته وتعظيمه وما اعتقدوا
إلا تكذيبه ولا أضمروا إلا سقوطه واحتياله. وهؤلاء قوم اتبعوه وهو وحيد فقير ذليل خائف مقهور مغلوب وأهل الارض يد واحدة في عداوته وعداوة أتباعه، فخرجوا باتباعه من الأمن إلى الخوف، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزّ إلى الذل ومن الكرامة إلى الهوان ومن الراحة إلى النصب، ومن الأوطان إلى الغربة. وزعم ملحدة زمانك أنهم فعلوا نفاقا وأنهم كانوا منافقين فمن ينكر بعد هذا أعجوبة، أو ينفي عن الناس حماقة أو يحسن يأخذ ظنّا، وهل هذا إلا كقائل قال: إن محمدا نبيّ المسلمين كان ينافق قريشا والعرب تدافعهم وإن كان قد خرج معهم إلى تلك الأمور، وأنّ السحرة قد نافقوا فرعون وداهنوه في اتباعهم موسى/ وانصرافهم عنه ومكاشفتهم له حين قال لهم: «إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» «١» و «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى. قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» «٢» والأعجب من هذا، أنه ﷺ قد أوجب على العباد موالاة هؤلاء المهاجرين السابقين وفرض محبتهم وتعظيمهم وإجلالهم، وحرّم سوء الظن بهم إلا أن يظهر منهم كبيرة، كما أوجب معاداة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان. هذا معلوم من دينه ﷺ ودعوته غير ما قد ضمنه الله كتابه من مدح
داة اليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ومن سلك سبيلهم وفرض بغضهم إلا أن يظهر منهم الإيمان. هذا معلوم من دينه ﷺ ودعوته غير ما قد ضمنه الله كتابه من مدح
المهاجرين والأنصار وملأ القرآن به، وهذا كله خلاف ما يدعيه هؤلاء الذين غرّهم من لقنهم هذا، فإنه كاد بهذا الصنيع للإسلام والمسلمين من حيث لا يشعرون. وإنما أردنا ذكر حال أعداء رسول الله ﷺ من أهل جيرته وبلده وأهل بيته من طبقات قريش مع الدهاء، وأنهم قد توكلوا لجميع أعدائه وكفوهم وزادوهم على الكفاية، فما وجدوا شيئا يكون لهم حجة أو شبه الحجة في إبطال أمره، فبطل كيدهم مع طول العناء وبار مكرهم كما قال الله: «وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ» «١» . وقد خرج ﷺ إلى الطائف ودعا إلى الله وقال: أجيروني حتى أبلغ رسالة ربي ودعوا ما أنتم/ عليه فإن الله يسخط، وعاب دياناتهم وما كان عليه آباؤهم، وذم قريشا بما تأتيه من تكذيبه، فما كان عندهم في ردّه شيء إلا أن قالوا له: كيف اختارك الله من بين أهل مكة ومن بين الناس كلهم وهناك من الحكماء والعقلاء كفلان وفلان، وفي أهل الطائف فلان وفلان، وإذا كان الله قد اصطفاك فكيف أحوجك إلى نصرة الناس، إلى غير ذلك مما لقوه به من الجفاء وقد غاظهم وأغضبهم ما ذكره من قبح أديانهم وتضليل آبائهم. فانظر هل يرجعون في تكذيبه إلى حجة أو ما يشبه الحجة، وهل يجدون مطعنا أو مغمزا مع حاجتهم إلى ذكر ذلك في هذه المواضع. ومن هذا الجنس، لما أمر الله ﷿ رسوله بعرض نفسه على القبائل وهو أمر معروف، وقد ذكره الناس وتحدثوا به، وممن كان يتحدث به عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ بعرض نفسه على القبائل، خرج وأنا معه وأبو بكر الصديق حتى دفعنا إلى مجلس «٢» من مجالس العرب
فتقدم أبو بكر فسلم، قال علي: وكان أبو بكر مقدّما في كل خير، وكان رجلا نسّابة، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من ربيعة، قال: ومن أي ربيعة؟ ثم ذكر عليّ ﵁ ما كان بينهم وبين أبي بكر قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر قومهم، وفيهم مفروق بن عمرو وقد غلبهم خصالا ولسانا، وكانت له عذبتان تسقطان على تربيته «١» ، وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف/ العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف ولن تغلب ألف عن قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق علينا الجهل ولكل قوم جلّ؟ قال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين «٢» نلقى، وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلام على اللقاح، والنصر من عند الله: يديل علينا مرة، ويديل لنا مرة. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله، وهاهو ذا. فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى ما يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ، وقام أبو بكر يظلّه بثوب. فقال ﵇: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني. فإن قريشا قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً،
يضا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً،
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» «١» قال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» «٢» فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وكأنه/ أحب أن يشركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال مفروق: هذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، هذا زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة. وإنما تكون الزلة مع العجلة. ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حزبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فهو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، التامة والشامة. فقال رسول الله ﷺ ما هاتان الضربتان فقال: أنهار
ديننا واتباعك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له أول ولا آخر، وإنما نزلنا بين ضربتين، التامة والشامة. فقال رسول الله ﷺ ما هاتان الضربتان فقال: أنهار
كسرى ومياه العرب، نزلنا بينهما على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإنّا نرى يا قرشيّ أن هذا الأمر الذي تدعو أنت اليه مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الردّ إذ أفصحتم بالحق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم لو لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك. فنهض رسول الله ﷺ، وهو آخذ بيد أبي بكر ويقول: يا أبا بكر أية أحلام في الجاهلية- أو أية أخلاق شكّ الراوي الراوي أيهما قال- ما أشرفها، بها يدفع الله بأس بعضهم ببعض وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال علي ﵁/: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ وكانوا صدقاء صبراء وأنفذ رسول الله ﷺ معهم بعد أن تردد اليه منهم قوم بعد قوم يسلمون وينصرفون: مصعب بن عمير ﵁ لتلاوة القرآن والتفقيه في الدين، وكانت الأوس والخزرج قبائل كثيرة وعددا جما فأسلموا طوعا بهذا الشرط وغلب عليهم الإسلام. ولغلبة الاسلام على هذه القبائل ولاستبصار أهلها ما كان في الأوس والخزرج منافقون لما رأوا قومهم وقد عمهم الإسلام وكانوا كثيرا والمنافقون قليل فأحبوا أن يحقنوا دمائهم وأن يشاركوا قومهم في العز فأظهروا الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه. ثم انظر إلى صنيع قريش فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فقد كان صار بها نحو المائة من كبار المهاجرين، واستجاروا بالنجاشي ملك الحبشة فأجارهم وقبلهم، فعبدوا الله آمنين مطمئنين واستراحوا من المكاره التي كانت تجرى
عليهم من قريش فقد كانت عظيمة، فلما بلغ قريشا أمرهم قلقوا لذلك وقاموا وقعدوا، ثم ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فيهم رجلين منهم، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ثم لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو ابن العاص بن وائل السهمي، وقالوا لهما: إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن أن تكلموا النجاشي، ثم قدّموا للنجاشي هداياه ثم سلوه بأن يسلمهم اليكم قبل أن يكلمهم. فخرجا فقدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما الملك ثم قالا لكل بطريق منهم أنه قد ضوى إلى بلد الملك منا/ غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا فيهم إلى الملك أشراف قومهم ليردّهم اليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم الينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قرّبا هداياهما إلى الملك فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينك «١» ، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وما عابوهم فيه. ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو وسائر قريش من أن يسمع النجاشي كلام المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي:
ن أن يسمع النجاشي كلام المسلمين، فقال بطارقته وهم حوله صدقاء: أيها الملك، قومهم أعلا بهم عينا فسلمهم إليهما ليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقال النجاشي:
لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوم «١» جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان سلمتهم اليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل اليهم فدعاهم اليه. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه؟ فقالوا: نقول والله ما علمنا وأمرنا به نبيّنا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. وكان عمرو بن العاص صديق النجاشي قديم المعرفة به والمهاداة له، وكان يرفعه في مجلسه ويكرمه الكرامة الكبيرة. فدخلوا عليه، وعمرو بن العاص عن يمينه؛ فلما بصر بهم من حول الملك قالوا لهم: اسجدوا للملك، وكان الصحابة قد جعلوا أمرهم إلى جعفر بن أبي طالب ليكلم الملك عنهم. فقال جعفر: لا نسجد إلا لله وحده، فزبرهم من حول الملك فما سجدوا «٢» فقال لهم الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم/ فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل، فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجواري، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام؛ فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال
ش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام؛ فعدد عليه جعفر أمور الإسلام. ثم قال
له: فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحلّ علينا. فعدا علينا قومنا فعدبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك. فقال النجاشي: هل معك مما جاءك به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم، فقال النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: هذا من عند الله انطلقوا فو الله لا سلمتكم إليهما. فورد على عمرو والبطارقة الذين أعانوه وهاداهم ما كرهوا، وغلظ عليهم. فلما خرجوا من عنده قال عمرو: والله لأبيّتنه غدا/ بما أستأصل به خضراءهم، والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد الله. ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل اليهم واسألهم عما يقولون فيه. وبلغ ذلك المسلمين ولم ينزل بهم مثلها. فاجتمع المسلمون، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه، فقالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبيّنا ﵇ كائن في ذلك ما هو كائن فقال: فأرسل اليهم النجاشي، فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول الحصينة. وقد كان رسول الله ﷺ أرسل عمرو بن أميّة الضمري بكتابه إلى النجاشيّ يدعوه إلى الإسلام ويقول له: عندك أصحابي فأجرهم وقرّبهم ولا تتجبّر عليهم، وأرسل إلى المسلمين
بما أنزله الله عليه: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» فلما سمع النجاشيّ ذلك ضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود، فتأخرت بطارقته حوله حين قال ذلك فقال لهم: وإن نخرتم، ثم أقبل على المسلمين فقال: اذهبوا فأنتم سّيّوم بأرضي ما أحب أني آذيت رجلا منكم بجبل ذهب. ردوا على هذين هداياهما فلا حاجة لي بها، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فاخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فنال بطارقتهم من هذا ما غمّهم وساءهم، وخرج عمرو وصاحبه من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاآ به، وأقام المسلمون عنده بخير دار عند خير جار. ثم أقبل عليهم وبسطهم ورفع منهم ولم يزل يسمع، وأسلم، وأجاب/ رسول الله ﷺ عن كتابه بأني قد أسلمت، وترددت رسله وكتبه إلى رسول الله ﷺ مع هداياه، وأنفذ ابنه إلى النبي ﵇ فغرق في البحر قبل أن يصل اليه، وكان من أمر النجاشي ما هو من المعلوم من إسلامه. والذي أردنا من هذا أن مثل عمرو بن العاص قد تباهى في سبّ رسول الله ﷺ والتنفير عنه والصد عنه عند النجاشي. فانظر هل أمكنه أن يذكر في ذلك حجة أو ما يشبه الحجة، أو غدرة، أو زلة. وقد كان رسول الله ﷺ هاجر وكان له مع قريش واليهود والنصارى تلك الوقائع والمشاهد وقد شهدها عمرو وبلغه ما لم يشهده، فانظر هل كان عنده في ذلك شيء ينفر به عن رسول الله ﷺ أو يحتج به على المسلمين وقد استفرغ. ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن الراونديّ والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش
وقد استفرغ. ومنام عمرو فوق يقظة هؤلاء السفلة من زنادقة زمانك كالحداد والوراق وابن الراونديّ والكندي والباطنية وطبقات القرامطة. وكم مثل عمرو من قريش
سبيلهم سبيله في عداوة رسول الله ﷺ والمسلمين، وكم له مع النجاشي من المراجعات في أمر عمرو بن أمية الضمري ليمكنه منه ليقتله فما مكنه، ثم عاد بعد ذلك إلى النجاشيّ بمدة طويلة وسفرة بعد سفرة، فوعظه النجاشي ودعاه إلى الإسلام ورغبه في الهجرة، وقد كان أخوه هشام بن العاص أفضل منه وأجل قدرا فأسلم وهاجر وجاهد في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته واستشهد رحمة الله عليه. فانظر إلى تدبير قريش في مهاداة البطارقة ليكونوا معهم على المسلمين وليصرفوا النجاشي عن المسلمين، فإن هذا تدبير العقلاء والدهاة والمنكرين، ولا يمكن العاقل الكامل المتأني أن يفعل أكثر من هذا ليعرف عقول قريش وخصوم رسول الله ﷺ من العرب على غيرهم، ثم ما أغنى عنهم فيما راموه من/ الطعن على رسول الله ﷺ. وانظر كيف لما ذكره المسلمون بأنا نعرف أمانته وصدقه وعفافه إلى غير ذلك هل تهيأ لعمرو أو لغيره من أعدائه أن يقدح فيه أو ينكره، ورسول الله ﷺ ابنهم وهم ولدوه وهم ربّوه ومعهم نشأ ومعهم أقام وسافر.
وباب آخر [كيف أن معجزات الرسول يغني بعضها عن بعض وليس كذلك الأمور التي يسلم فرضها ويشمل وجوبها] أن معجزاته ﷺ والآيات التي نقضت العادات يغني بعضها عن بعض ويسد بعضها مسد بعض. فإن من استدل ببلاغة القرآن وفصاحته على نبوة النبيّ ﵇ عرف صدقه وإن لم يعلم ما في القرآن من الاخبار بالغيوب، ومن لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب، وليس كذلك النصوص على
من لم يستدل بالفصاحة واستدل بما فيه من التنبيه على ما في العقول يحصل عالما بنبوته وإن لم يستدل بالفصاحة ولا بالإخبار عن الغيوب، وليس كذلك النصوص على
الأمور التي يعم فرضها ويشمل وجوبها، فإن بعضها لا ينوب عن بعض ولا يغني بعضها عن بعض، ولا بد من أن يحصل العلم بكل واحد منها ويكون مجيء جميعها مجيئا واحدا. بيّن لك ذلك أن النص على القبلة لا يغني عن النصّ عن شهر رمضان، والنص على الجمعة لا يغني عن النص على غسل الجنابة، وكذا في الخمر، والخنزير، والزنا، واللواط، والأمهات، والأخوات، والبنات، وجميع الفروض العامة الوجوب، فاعرف ذلك. وإنما ذكرنا هذا لأن قوما من الإمامية والرافضة ادّعوا أن رسول الله ﷺ نصّ على إمامة رجل بعينه، وأوجب على جميع الخلق من الذكور والإناث والعبيد والأحرار والمسافرين والمقيمين والمرضى والأصحاء طاعته واعتقاد ولايته وموالاته. فقيل لهم: لو كان الأمر كما يدعونه لجاء العلم بذلك مجيء أمثاله من الفروض العامة الواجبة، لأن قوله ﷺ: هذا إمامكم/ وهذا حجة الله عليكم بعدي يجري في شمول وجوبه مجرى نصّه على نبوته، وقوله: أنا رسول الله اليكم فهذا أعم في الفرض من القبلة وشهر رمضان، فإذا علمنا نصّه على القبلة وشهر رمضان فقد كان ينبغي أن يكون العلم بما يدعون أقوى. قالوا: فاجعلوا ما يدّعيه من النص كالمعجزات التي هي غير القرآن. قيل له: إن إخراجكم هذا النص عن نظائره وأمثاله من النصوص من أدل الدليل على ضعف يقينكم فيه ويأسكم من صحته، وكفى بهذا بيانا منافيا في بطلان ما يدّعونه. وأيضا، فقد علم كل من سمع الأخبار أنه ﷺ قد ادّعى النبوة وادّعى أن معه آيات ومعجزات ودلالات لا يرتاب بذلك من صدّقه ولا من كذّبه،
فوازن ذلك ونظيره أن يعلم كلّ من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ قد نص النصّ الذي تدّعونه، وهذا فليس بمعكم ولا لكم، فقد صار ما صرتم اليه من أمر هذه المعجزات عليكم لا لكم. وأيضا، فإن هذه المعجزات التي مع النبيّ فيها ما يعلم كل من سمع الأخبار أنه ﵇ قد ادّعى أنها حجة له في نبوته، ومنها ما اجتمعت الأمة عليه، وما تدّعونه فلا يعلم باضطرار ولا فيه إجماع، فهذا كما ترون في بعده مما تدعون. وجواب آخر، أنه ينبغي أن تعلم أن كثيرا من المعجزات التي ليست في القرآن يعلمها كثير من الناس كعلمهم بالقرآن، وهذا تجده فيمن كثر سماعه واشتدت عنايته بمبعث رسول الله ﷺ وبمقامه بمكة وبهجرته إلى المدينة وبسيرته وبمكاتباته وبمراسلاته وبغزواته، ولهذا تجد أبا الهذيل، وعمرو بن بحر الجاحظ ومحمد بن شبيب، وأمثالهم من القدماء يدّعون في كتبهم التي صنفوها في النبوة في المعجزات التي ليست في القرآن العلم الضروري، وكذا أبو عمر/ الباهلي، وقد ذكر أبو هاشم في نقض الفريد نحو هذا، فادّعى في استسقاء النبي وفي إخباره عن المقتولين في غزاة مؤتة وفيما كان بين النبي ﷺ وأهل مكة من المراجعة في غلبة الروم على فارس علم الاضطرار، فاعرف ذلك، ولتشتد عنايتك بهذه الأمور لتساويهم في العلم بذلك.
وباب آخر [كتب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم وملك فارس، وما فيها من دلالات] كتاب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم كما كتب إلى كسرى ملك فارس. وكان كتابه إلى ملك الروم مع دحية بن خليفة الكلبي؛ وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم
الات] كتاب رسول الله ﷺ إلى ملك الروم كما كتب إلى كسرى ملك فارس. وكان كتابه إلى ملك الروم مع دحية بن خليفة الكلبي؛ وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم
قد أمر دحية إلى أن يدفع كتابه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر ملك الروم. فلما قرىء على قيصر فيما يدعوه إلى الله وعبادته وحده، وأن لا يضن بملكه، وأن لا يتحمل آثام الروم مع إثمه. وكان ملك الروم بالشام بحمص ودمشق يشتو في بلد ويصيّف في بلد، فطال فكره في رسول الله ﷺ وفي كتابه، ووجد قلبه يخشع، فقال لأصحابه: التمسوا لي هل هاهنا من قوم هذا العربي الذي يزعم أنه نبيّ من أحد لنسأله عنه؟ فوجدوا بالشام رجالا من قريش قدموا تجارا في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش وفيهم أبو سفيان صخر بن حرب، فأشخصوا اليه وقد صار إلى بيت المقدس. فأدخلوا عليه وهو جالس في مجلس ملكه، وعليه التاج، وحوله عظاماء الروم. فقال لترجمانه أيهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم اليه، فقال ملك الروم: ما قرابة ما بينك وبينه؟ قال أبو سفيان: هو ابن عمي، وما كان في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غير أبي سفيان؛ فقال ملك الروم له: ادن مني، ثم أمر أصحابه من قريش فجعلوا خلف ظهره عند كتفه، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه إني سائل هذا الرجل/ عن هذا الذي يزعم أنه نبيّ فإن كذب فكذبوه، فقالوا: نعم. ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب، فقال ملك الروم: فهل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ قال: لا، قال ملك الروم: فهل كان في آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال
قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ قال: لا، قال ملك الروم: فهل كان في آبائه من ملك؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: أفأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قال
أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال ملك الروم: أفيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون، قال ملك الروم: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال أبو سفيان: لا، قال ملك الروم: فهل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا، ونحن الآن منه في هدنة ونحن نخاف أن يغدر. قال ملك الروم: فهل قاتلتموه وقاتلكم؟ قال أبو سفيان نعم. قال ملك الروم: فكيف كانت حربكم وحربه؟ قال أبو سفيان: كانت دولا سجالا، يدال علينا مرة ويدال عليه الآخرى، قال: بما يأمركم به؟ قال أبو سفيان: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عن كل ما يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وأولئك الملأ من قريش يسمعون قول أبي سفيان، فصدقوه، فقال ملك الروم لترجمانه: قل له: إني سألت عن نسبه فيكم فزعمتم أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال هذا القول أحد فيكم قبله فزعمت أن لا، فقلت لو كان قال هذا القول منكم أحد قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله، وسألتك هل كنتم تتهمونه في الكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك هل كان من آبائه ملك فزعمت أن لا، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت يطلب ملك آبائه. وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك هل يزيدون/ أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه فزعمت أن لا،
وكذلك الإيمان حتى يخالط القلوب لا ينقضه أحد. وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك هل قاتلكم وقاتلتموه فزعمت أن قد فعل وأن حربكم دولا، وكذلك الرسل قد تبتلى ويكون لها العاقبة. وسألتك عما يأمركم فزعمت أنه يأمر أن تعبدوا الله وحده وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء وأداء الأمانة، وهذه صفة النبيّ قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم. وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فأمر به فقرىء إلى أن انتهى منه إلى قوله: «يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «١» قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظاماء الروم وكثر لغطهم فما أدري ما قالوا، وأمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت: لقد أمر أمر بن أبي كبشة، هذا ملك بني الأصفر يخافه. وقال أبو سفيان لأصحابه: والله لولا الحياء من أن يأثروا عني الكذب لحدثته عنه حين سألني، ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقت عنه، ولم يمكني كلمة «٢» أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين قال لي: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن/ منه في هدنة، ونحن نخاف أن يغدر.
ه، ولم يمكني كلمة «٢» أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين قال لي: فهل يغدر قلت: لا، ونحن الآن/ منه في هدنة، ونحن نخاف أن يغدر.
فهذا أبو سفيان عدو رسول الله ﷺ إذ ذاك، وهذا كان قبل إسلامه وفي حال عداوته، والذين معه من قريش على حاله في العداوة، وهذا ملك الروم عاقل حازم. وانظر كيف استظهر في أن يسأل عنه ﷺ أعداءه. فأحضرهم وهم لا يدرون ما يريده منهم، وسألهم عنه على تلك السبيل التي استنطق واحدا منهم بحضرة جماعة بغتة على حال يبعد فيها المواطأة. ثم قول أبي سفيان لأصحابه: لولا خوفي منكم أن تأثروا عني الكذب واستحيائي منكم لما صدقت ملك الروم عنه ولكذبت عليه، وما قدرت أن أطعن عليه إلا بقولي: ونحن نخاف أن يغدر، ما قدرت على أكثر من هذا. وخاف أبو سفيان أن لو كان وحده أن يسأل ملك الروم غيره فيتبين كذبه. وتأمل قول ملك الروم: هل يرتد أحد سخطة لدينه أي لعثرة أو زلة تكون منه. ولما أسلم أبو سفيان كان يعيد هذا الحديث ثم يقول: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمر محمد ﷺ سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا له كاره. وجعل ملك الروم كتاب النبي ﷺ بين يديه، وراجع الفكر فيه، وأدام المسألة عنه ﷺ. فقدم عليه أميه بن أبي الصلت الثقفي، وحكيم بن حزام القرشي، فسألهما عنه، فأخبراه بحاله ودعوته على نحو ما أخبر به أبو سفيان وأولئك النفر، فقال لأمية بن أبي الصلت: أآمنت به؟ قال لم أكن لأومن لنبيّ إلا أن يكون من ثقيف. وكان هذا الملك متخشعا، ولما انكشف عنه جنود فارس مشى من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله.
أبي الصلت: أآمنت به؟ قال لم أكن لأومن لنبيّ إلا أن يكون من ثقيف. وكان هذا الملك متخشعا، ولما انكشف عنه جنود فارس مشى من حمص إلى بيت المقدس شكرا لله.
وكانت القصة المعروفة التي قد تقدم ذكرها لك لقوله ﷿: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي/ أَدْنَى الْأَرْضِ» فرجع ملكهم اليهم في عام الحديبية، وأرسل ملك الروم إلى رجل كان برومية يقرأ بالعبرانية ويعرف الكتب القديمة، فكتب اليه يخبره بورود كتاب النبي ﷺ عليه، وبما ذكر فيه، وبما وقف عليه حين سأل عنه. فكتب اليه صاحب رومية أنه النبيّ الذي كنا ننتظر لا شك فيه، فلما وقف ملك الروم على هذا أمر بطارقته فجمعوا له في دسكرة ملكه «١» ، فأمر بها فأشرجت عليهم بأبوابها «٢» ، ثم اطلع عليهم من عليّة له خوفا على نفسه، فقال: يا معشر الروم، إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وو الله إنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه ونصدقه وتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا باب الدسكرة ليخرجوا فوجدوها مغلقة، فقال: كرّوهم عليّ، فلما رجعوا قال: يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث، وقد رأيت منكم الذي أسرّ به. فوقعوا له سجّدا، وأمر بباب الدسكرة ففتحت لهم. وكان الناس يتحدثون بذلك، ويقول الروم: إن الملك [فعل] «٣» هذا امتحانا لأصحابه، ويقول غيرهم من النصارى: ما فعل هذا إلا لورود كتاب صاحب رومية عليه بما ورد. وقد كان بقي منهم من أدرك خلافة عبد الملك بن مروان، غير أن الجملة التي لا ريب فيها عند أهل العلم إكرام ملك الروم لكتاب رسول الله، ومسألته عنه، ومدحه له، وقوله إنه للنبيّ الذي كنا ننتظر، وما صنعه في الدسكرة،
وما قاله لبطارقته والروم بعد ذلك من محاسنها وحزم ملوكها. والعلم بذلك كالعلم بكتابه ﵇ إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، وتمزيق كسرى للكتاب واستخفافه/ به وبرسوله. وكانت كتبه ﷺ في أكارع الأدم يكتبها جهارا بعلم عدوه ووليه، وينفذها جهارا، ويعلم العدو والوليّ بما يكون من الجواب. فتأمل الحال في ذلك وحال الملوك في زمانك، الذين يزعمون أنهم من ولده، وكيف يسترون مكاتباتهم عن أوليائهم فضلا عن أعدائهم، ويكتمون ذلك بجهدهم، ويعظمون الكتاب ويزينونه ويصورونه ويهولونه، ويضمنونه المخاريق والخدع، هذا مع تسترهم بالإسلام، وأنهم من ولد النبيّ ﷺ والأئمة الذين وصى اليهم النبي ﷺ. ويكون مع تلك الكتب الأموال والهدايا والتحف العجيبة، ويذكرون للمكتوب اليه ملكهم، وأنهم قد وجدوا ذلك في كتب الحدثان وفي الملاحم والأبار، ويطمعون المكتوب اليه في المشاركة في الملك، وإن كان ملكا قالوا نقرّك ونزيد في ملكك، ويحلفونه في كتمان ذلك وكتمان ما يلقونه اليه، ويهولون عليه بأن فلانا الملك، وفلانا الأمين، وفلانا السلطان، قد أجابونا، وهم أهل دعوتنا، وقد عرفوا حقيقة ما قلناه لهم؛ فبادروا في الإجابة لتكون لكم الوسيلة قبل ظهور الدعوة، وقبل ملك الإمام لجميع الأرض، وقبل انغلاق باب التوبة. وإنما يكتبون بهذا إلى الملوك الذين هم في الإسلام، والذين يزعمون أنهم شيعة، وقد تواطئوا لهم من كل وجه، وقد لاذوا برسول الله ﷺ، وأظهروا الاعتصام به، ويقولون: السنّة السنّة تكون الغلبة، وظهور الأمر على جميع الأرض، فلا يكون لذلك أصل، ويموت من وعدوه ذلك، ويتناسى، ويبتدئون فيسخرون بقوم آخرين فيبطل ذلك ولا يكون، ويبتدئون بقوم آخرين، ويموت/ ذلك الذي قالوا لهم إنه
، فلا يكون لذلك أصل، ويموت من وعدوه ذلك، ويتناسى، ويبتدئون فيسخرون بقوم آخرين فيبطل ذلك ولا يكون، ويبتدئون بقوم آخرين، ويموت/ ذلك الذي قالوا لهم إنه
الإمام الذي يظهر، ويدعون إلى آخر ويموت الذي بعده، ثم الذي بعده كذلك. كما وعدوا نصر بن أحمد أمير خراسان، ومرداويج الحالي، وأسفار بن شيرويه، وابن أبي الساج، وأمثالهم، ثم من بعدهم. ومات أولئك الذين كانوا يقولون في كل واحد منهم في زمانه أنه الإمام الذي يقوم ويغلب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها. فتأمل وفكر، فبالفكر تكون البصائر. وإنما عرض هذا في ذكر كتبه ومكاتباته فضلا على ما تقدم لتعلم أن أحواله كلها محفوفة بالعصمة، «١» مكنونة بالحجة الظاهرة والبينة القاهرة. وإنما ذكرنا أحوال هؤلاء الملوك الذين في زمانك بعد ذكر من تقدم من ملوك بني أمية وبني العباس، لأن هؤلاء معك وفي زمانك، وهم يدعونك ويدعون الناس كلهم، فتأمل أحوالهم، فإنك إن ذهبت عما في زمانك كنت عما فاتك زمانه أذهب. ولما ذكر الله ﷿ نعمه على بني آدم بما سخره لهم حين قال: «رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» إلى قوله «وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا» «٢» وهو كما قال ﷿، فإن العاقل إذا ترك الفكر فيما يشاهد، وذهب عن معرفة النعم التي عليه في الدنيا، فهو عما أراده الله به من نعم الآخرة أذهب. [بين جرير بن عبد الله البجلي واليهودي] ومن جنس ما تقدم أن جرير بن عبد الله البجلي سمع بأرضه من رجل تاجر من اليهود قدم عليهم بمتاع يشترونه منه: لا والذي أنزل التوراة على موسى، فقال له جرير: من موسى هذا؟ وما التوراة؟ فقال اليهودي: موسى بن
رضه من رجل تاجر من اليهود قدم عليهم بمتاع يشترونه منه: لا والذي أنزل التوراة على موسى، فقال له جرير: من موسى هذا؟ وما التوراة؟ فقال اليهودي: موسى بن
عمران رجل من بني إسرائيل/ أرسله الله إلى بني إسرائيل وأنزل عليه كتابا يسمّى التوراة، فقال له جرير: فأخبرني خبره، فقص عليه شأنه، فقال له جرير: فهل أرسل الله أحدا قبله، قال: نعم، فقصّ عليه قصة نوح، قال له: فهل أرسل الله بعد نوح أحدا، قال: نعم، فقص عليه قصة إبراهيم، فقال له جرير: فهل غير هؤلاء؟ قال: كثير، فجعل يسم له الرسل، فقال له جرير: بأي شيء يرسلون، وما يقال لهم؟ قال: يرسلون أن يعبد الله وحده، وبالصدق، وأداء الأمانة، وغير ذلك، قال له جرير: فكيف صنع قومهم بهم؟ قال: آذوهم وضربوهم وقتلوا بعضهم، ودخل في دينهم ناس من قومهم؛ وجرير يستزيده من حديثهم ويعجب، ويعجب قومه من ذلك، وهو شيء ما سمعوا به أصلا، ولا سمعوا أسماء هؤلاء الرسل، فضلا عن غير ذلك. فقال جرير: والله ما سمعت بهذا قط ولا ظننته، فلعل محمدا هذا القرشيّ رسول مثل هؤلاء، فقد سمعنا خبره ثم عزب عنا ذكره، وقد خفي علينا أمره. ثم شاور جرير من يعقل من قومه في الرحيل إلى النبيّ ليسمع منه وينظر فيما يقوله، فقيل له: إنه قد ساجل قومه الحرب ولا يؤمن عليك، ومن الرأي أن ينتظر الأشهر الحرم فيخرج للحج مع الحاج؛ فلما دخلت الأشهر الحرم رحل مع قومه فوافى إلى عكاظ وإلى ذي المجاز وإلى منى، «١» وصدروا إلى مكة، فعمدوا إلى مجلس من قريش أكثره كهلا وأبداه شرفا، فجلسوا اليهم، وتحدثوا معهم، وباسطوهم في الحديث. فقال جرير: ما فعل صاحبكم هذا، الذي يزعم أنه رسول الله؟ قالوا: فعل شرّا، شتمناه وشتمنا، وفعل وفعل، ثم حاربنا فقتلنا وقتلناه. فقال جرير: وما نقمتم عليه؟ قالوا: نقمنا
سحره وكذبه، / قال جرير: فكيف علمتم أنه ساحر؟ قالوا: سحر قلوب فتياننا حتى اتبعوه وعصونا، قال جرير: ما علمتم إلا بهذا؟ قالوا: لا، قال جرير: فما دلكم على كذبه، هل حدثكم شيئا فوجدتموه باطلا؟ قالوا لا والله، إلا أنه يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله أن آلهتنا باطل، وأن سلفنا ضلال من أهل النار. قال جرير: دعوا هذا فماذا يقول سوى ذلك؟ قالوا: والله ما يقول إلا حسنا، إنه ليأمر بصلة الرحم، والكفّ عن المحارم، والخلق الجميل، والعفو عن المسيء، وأخلاق سوى ذلك جميلة لو قالها من عند نفسه ولم يزعم أن الله أرسله بها ما أنكرنا عليه، قال جرير: فلعله رسول الله، فقد أرسل الله رسلا قبله: إبراهيم ونوحا وموسى، قالوا: وأين هو من موسى؟ قال جرير: لمه؟ فأنتم خير وأكرم أم قوم موسى؟ قالوا: لا بل نحن، قال: فما أنكرتم أن يرسل الله منكم رسولا كما أرسل من قوم موسى؟ وجادلهم عنه ﷺ. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ساحر وكذاب، ثم قالوا لجرير: ألقيته قط؟ قال: لا والله ما لقيته قط ولا كلمته، ولكن هذا هكذا فغلظوا في شتم رسول الله ﷺ وسبه، قال جرير: أنتم أعلم. ورجع إلى قومه وعشيرته بمن معه؛ فجاء قومه يسألونه عن الموسم، وعن العرب وما كان بينهم، فحدثهم بذلك، ثم قال: وغير ذلك قالوا: وما هو: فحدثهم عن رسول الله ﷺ، وأنه بيثرب، وما كان من قريش، وأنه ما وجد عند عدوه مطعنا غير السفاهة، ووجدت قومه قد خافوه، فهل لكم في خبر، قالوا ما هو؟ قال جرير: قد أرسل الله قبله رسلا، فهل لكم أن أخرج قبله وترسلوا معي رسلا تأمنونهم وتثقون بعقولهم وتطمئنون إليهم وإلى خبرهم، فتأتيه/ ونسائله، فلا يخفى أمره علينا، إن كان صادقا سالمناه وآمنا به ودخلنا في دينه وأخذنا لكم منه سببا وحبلا، وإن كان غير ذلك أريناكم برأينا. قالوا: ما بما قلت بأس. فأرسلوا معه من اختاروه، وخرجوا حتى قدموا عليه
نا به ودخلنا في دينه وأخذنا لكم منه سببا وحبلا، وإن كان غير ذلك أريناكم برأينا. قالوا: ما بما قلت بأس. فأرسلوا معه من اختاروه، وخرجوا حتى قدموا عليه
المدينة؛ وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه: أتاكم خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك؛ وكان جرير جميلا سيدا وسيما. فلما قدموا المدينة نزلوا منزلا ثم لبسوا أجمل ثيابهم وخرجوا، فلقوا رسول الله ﷺ، وجلسوا اليه، وكلموه، وساءلوه عما يقول وما يدعي، وما يدعو اليه. فذكر ذلك وشرحه، وتلا القرآن، وبيّن لهم. فقال جرير: رضينا منك، وأسلم، وأسلم أصحابه ومن معه. فتأمل ما في هذا، فإن بجيلة هي حي عظيم وقبائل كبيرة يجاورون مكة ما سمعوا باسم موسى فضلا على أن يعلموا هل أرسله الله بل لم يعلم جلهم وأكثرهم أن هناك من يدّعي له الرسالة والنبوة، وهذا قد يكون من قلة الطلب والمساءلة، ومن قبل عدم من يقصد الناس ويدعوهم إلى ذلك ويذكرهم به، ومن قبل غير ذلك مما يطول شرحه. وقد كان أبو الحسن عليّ بن محمد بن بكر الاسفذاني صاحب أبي علي ﵄ «١» ، حج، وكان كثير الحج، فأسرته القرامطة مرة ثم أرسلوه، فحصل في البوادي، فأجرى ذكر رسول الله ﷺ فلم يعرفوه، وقالوا: ما سمعنا به، فتعجب من ذلك. وهذا أبو الحسن كان كبيرا من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، وكبيرا من أصحاب الحديث، غزير الرواية زاهدا، واعظا مجيدا، وكان خلا لأبي الحسن الكرخي رحمة الله عليهما، وكان يلقى جبابرة الملوك من البريديين/ والديلم بالموعظة، ويصدقهم ويعظهم، وله كتب كثيرة في العلم، ولعل أكثرها في خزانة الوقف بالريّ. وكان يكثر تعجبه وهو فارسيّ من بلاد العجم، ومن أهل عسكر مكرم، وهو أعلم الناس أو من أعلمهم بنبوة «٢» رسول الله ﷺ وباثاره وبأخلاقه وشريعته،
وقف بالريّ. وكان يكثر تعجبه وهو فارسيّ من بلاد العجم، ومن أهل عسكر مكرم، وهو أعلم الناس أو من أعلمهم بنبوة «٢» رسول الله ﷺ وباثاره وبأخلاقه وشريعته،
وقومه من العرب وجيرانه في البلد لا يعلمون شيئا من ذلك، وهذا إنما صار كذلك لترك السلطان العناية بالدين وإرسال العلماء والفقهاء في البوادي والآفاق كما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وخلفاؤه ولا يخلون القبائل من مقرىء وفقيه وساعي، ومع هذا فابتلى الناس بيحيى الطحاني وبأبي سعيد الجنابي وولده وأمثالهم من القرامطة في جزيرة العرب، فزعموا أنهم شيعة ودعاة إلى المهدي ابن رسول الله ﷺ، فقتلوا المسلمين ومن يقيم شريعة الإسلام، وسبوا المسلمين، وغزوا مكة وغيرها، وأحرقوا المصاحف، وصنعوا ما هو معلوم، فلهذا خفي على أولئك ذكر رسول الله ﷺ وإذا تدبرت هذا إن دارت بصيرتك بصدق قوله في قصة نوح ﵇: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» «١» . فهذا جرير وبجيلة يقولون: ومن موسى، وما التوراة؟ وإن كنت قد علمت بعقلك بما تقدم لك، أنه ﷺ ما عرف ما أقصه من قصة نوح وغيره من الأنبياء إلا بالوحي. وانظر كيف صنع جرير وبجيلة في معرفة أخبار رسول الله ﷺ، فإنهم ابتدؤوا فسألوا عنه أهل بلده، وأهل بيته، ومن رباه، ومن ربّي معه، وأعداءه، ومن ناصبه وطلب عثراته، فعرف ما عندهم، / فلم يجد عيبا ولا مطعنا، فرجع إلى قومه بمن معه فأخبروهم بما سمعوا، ثم تخيروا عقلاءهم وفضلاءهم فأرسلوهم إلى المدينة فسألوه وسمعوا منه، وهذا غاية ما يفعله العاقل الحازم المرتاد الطالب. فتأمل هذا وما قبله من تلك المحافل والمقامات والمواطن التي تقدم لك ذكرها، مما كان بمكة وبأرض العرب وبأرض الحبشة وبالشام عند ملوك الروم وبالعراق عند ملوك الفرس، وأحضره فهمك، وواصل درسه، وتدبر
قول قريش لجرير وبجيلة في رسول الله ﷺ أنه ساحر، فإنهم لما سمعوا القرآن ورأوا غيره من آياته ودلالاته ﷺ فلم يمكنهم دفعها بالحجة، قالوا: سحر وهذا ساحر، وإنما يقولون ذلك لما لطف وغمض ودقّ وأخذ بالعقول: هذا سحر وهذا ساحر ولهذا قال أبو جهل حين خرجوا ومعهم القافة في طلب رسول الله ﷺ حين هاجر ومعه أبو بكر في قصة الغار: والله إني لأراه معنا في بعض هذه الشعاب يرانا من سحره وما نراه، ولما نزل قوله ﷿: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» «١» سأل ﷺ عمه أبا طالب ليجمعهم له، فكان يراجعه ويدافعه، ثم أجابه لما يعرف من صدقه ولشدة محبته له فجمعهم، فلما حضروا، أطعمهم حتى امتلئوا شبعا من يسير من الطعام، وسقاهم حتى أرواهم من عسّ لبن، ثم ابتدأ بدعوتهم وإنذارهم لأن الله أمره بذلك، وأنه قال للملك: إني إن فعلت ذلك تفلق قريش رأسي فلق الخبزة «٢» ، فقال لي: يا محمد، إنك إلا تفعل ذلك تعذّب، وإن الله قد اتخذ لك جندا تبعثهم، وإن الله ينزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان، وإن قريشا والعرب ليست على شيء من الله ولا لله، وإن الله/ يقول: «إني خلقت عبادي جميعا حنفاء مسلمين، وجعلت ما يحلهم من رزق فهو لهم حلال، فأحالتهم الشياطين على دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي. فقطع أبو لهب كلامه وأمر أصحابه بالقيام فقاموا وخرجوا، وتحادّوا أنه أشبعهم وأرواهم من ذلك الطعام والشراب اليسير الذي لا يكاد يشبع الواحد ولا يروي، فقال أبو لهب: هذا من سحره، وهذا بعض سحره، كالذي قالوه لجرير وأولئك الرهط من بجيلة. وهذا المقام الذي كان له مع قريش كتلك المقامات التي قد تقدم ذكرها من
ال أبو لهب: هذا من سحره، وهذا بعض سحره، كالذي قالوه لجرير وأولئك الرهط من بجيلة. وهذا المقام الذي كان له مع قريش كتلك المقامات التي قد تقدم ذكرها من
شأن الإسراء وقصة الروم وغير ذلك، لا يرتاب بها العلماء ولا يشكون فيها. وقد علمت أن إسلام الأنصار كان في الاستقصاء وطول السؤال والمراجعة أشد من استقصاء جرير وبجيلة، وفي نحو ذلك كان إسلام قبائل عبد القيس، وهذه كانت سبيل قبائل طيّ. وتأمل أحوال قريش من أعداء رسول الله ﷺ فيما كان يظهر من آياته، ويصدق من أقواله، كيف كان يرجع بعضهم إلى بعض في الرؤساء خاصة، إن هذا الرجل ما تزل له قدم، ولا يخلف في شيء قاله، ولا يغني كيدنا له شيئا؛ متأسفين ومتحسرين على ما يخيب من سعيهم، فيقول بعضهم لبعض: فلعله نبي كما يقول، فنحن جميع وهو وحده، ونحن أغنياء وهو فقير، فيقول بعضهم لبعض: هذا من سحره. ولما دخل سعد بن معاذ الأنصاري رحمة الله عليه مكة بعد هجرة النبي ﷺ اليهم، نزل على أبيّ بن خلف وكان خلّا له، فأراد أن يطوف بالبيت، فخاف عليه ابن خلف قريشا، فقال له: اصبر إلى أن يخف الناس، فلما خفوا خرجوا وطاف، فأبصره/ أبو جهل فقال له: أتطوف بالبيت آمنا وقد آويتم محمدا، لأفعلن ولأفعلن، فخاصمه ابن معاذ وجادله ولامه في عداوته لرسول الله ﷺ، وذكر عذرهم في قبولهم منه ﷺ، وأنه جاءهم بالنور والهدى، وأنكم على ضلال في تكذيبه، فلم يكن عنده ولا عند قريش حجة ولا ما يشبه الحجة، من ذكر زلة أو هفوة يصرفون سعد بن معاذ والأنصار عنه مع حاجتهم إلى ذلك. واستطال سعد على أبي جهل، فقال له أبيّ بن خلف: أترفع صوتك على أبي الحكم وهو سيد البطحاء، فقال له سعد: أما أنت فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يقتلك، فراعه ذلك، ودخل على امرأته كئيبا، فقال لها: أما تسمعين ما قال أخي اليثربيّ، زعم أنه سمع محمدا يقول إنه يقتلني وما كذب محمد قط. فلحق المرأة من الرعب أكثر مما لحق أبيّا؛ فلما
ته كئيبا، فقال لها: أما تسمعين ما قال أخي اليثربيّ، زعم أنه سمع محمدا يقول إنه يقتلني وما كذب محمد قط. فلحق المرأة من الرعب أكثر مما لحق أبيّا؛ فلما
كانت بدر، قال له أبو جهل: اخرج معنا، فقالت له امرأته: اذكر ما قال أخوك اليثربي، فكره الخروج، فما تركه أبو جهل حتى أخرجه، فقتل كما قال رسول الله ﷺ. والذي بدأنا به وأردنا، خوض أهل مكة في عداوته ﷺ واجتهادهم في صرف الناس عن اتباعه بكل وجه وحيلة فلا يجدون مطعنا، واتصل بهذا، اخباره ﷺ عن قتل أبي بن خلف فكان كما قال، وهذا آية أخرى. وكم لاموا أنفسهم فيما بينهم لما نزل بهم ببدر، وقد كانوا خرجوا واثقين بالظفر برسول الله ﷺ وأصحابه لقلتهم وضعفهم، ولقوة قريش بالكراع والسلاح والمال وكثرة العدد، وكم تلاوموا فيما بينهم حين رجعوا من أحد وقد خرجوا في ثلاثة آلاف، وهم لا يشكون أنهم يظفرون برسول الله ﷺ وأنهم يسبون المدينة، ومعهم أبو عامر الراهب/ كما تقدم لك. ولما رجعوا مع الأحزاب والخندق وقد جمعوا تلك الجموع، فنزل بهم من الريح والرعب ما قد تقدم لك ذكره، تجمع كل قوم إلى رئيس وصاحب يتعجبون من ذلك، فقال عمرو بن العاص للذين اجتمعوا اليه: والله إني لأرى أمر محمد يعلو على الأمور علو المنبر، فتشاوروا فيما يصنعون، فقال عمرو: إني قد رأيت رأيا، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي- وكان له صديقا- فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يده أحب الينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. وصاروا إلى النجاشي، فأقاموا عنده. وورد على النجاشيّ عمرو بن أمية الضمري رسول رسول الله ﷺ «١» ، وأفاضوا في ذكر رسول الله ﷺ وما أتى به وما دعا اليه، فأجمعوا على حسن
ذلك، وعذلهم النجاشي في إبطائهم عنه، فما وجدوا في رسول الله ﷺ غميزة يذكرونها أو يحتجون بها، فكروا راجعين إلى مكة. وقد رحلوا إلى النجاشي غير مرة، وكانت له معهم في هذا الشأن محافل ومجالس. ولقد قال خالد بن الوليد بن المغيرة لأصحابه وأهل أنسه قبل إسلامه وقبل هجرته: والله لقد استقام الميسم، وإن الرجل لنبيّ فحتى متى؟ ثم هاجر وأسلم بعد الحديبية، وهاجر بعده عمرو بن العاص وأسلم، وكان منهما ما هو معلوم. ولما قسم رسول الله ﷺ شعره على أصحابه في حجة الوداع، ما زال خالد ابن الوليد يضرع ويقول: يا رسول الله ناصيتك، يا رسول الله ناصيتك، فيها أرجو النصر، فنادى أبو بكر الصديق في الناس متعجبا ومعتبرا ومنبها، وقال: أيها الناس، هذا/ خالد بن الوليد الذي لقينا منه ببدر وأحد والخندق والحديبية ما لقينا، انظروا اليوم اليه وإلى بصيرته. ولما قسم رسول الله ﷺ غنائم أرطاس، وأعطى المؤلفة ما أعطاهم، قال عيينة بن حصن: أنا ابن الأشياخ، أنا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فقال ﷺ: خير الناس يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم؛ وكان ﷺ يقول في عيينة بن حصن: الأحمق المطاع، وكان من أمره معه، ومع الأقرع ابن حابس، والعباس بن مرداس المسلمي، وتلك المؤلفة. ما هو معلوم «١» ولما أعطاهم من تلك العناية ما أعطاهم، وحرم السابقين والبدريين والمهاجرين والأنصار، قال قائل من الأنصار: نظهر على هذه الغنائم بأسيافنا ويأخذها هؤلاء دوننا، وبلغه ذلك، فأرسل ﷺ، وجمع الأنصار، وقال:
ابقين والبدريين والمهاجرين والأنصار، قال قائل من الأنصار: نظهر على هذه الغنائم بأسيافنا ويأخذها هؤلاء دوننا، وبلغه ذلك، فأرسل ﷺ، وجمع الأنصار، وقال:
أخبروني عنكم معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلّالا فهداكم الله بي؟ قالوا بلى، قال: ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى، قال: فما مقالة بلغتني عن بعضكم؟ وأعاد عليهم القول، فقالوا: يا رسول الله أيما كان، هذا من بعض أحداثنا، فأما نحن فراضون. فقال ﷺ: هذا مال تألفت به قلوب هؤلاء الذين عهدهم بالإسلام حديث، وببصائرهم ضعف، أما ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رجالكم؟ قالوا: بلى، رضينا؛ وبكوا، فقال رسول الله ﷺ: لو شئتم أن تقولوا أتيتنا طريدا فاويناك، ومخذولا فنصرناك، لقلتم، فزاد بكاؤهم وخشوعهم، وقالوا: المنّة علينا في ذلك لله ولرسوله. [سيرة الرسول ﵊ في السابقين والبدريين] وكم قد كان مثل هذا، فتأمل هذا المقال والفعال للفريقين من المؤلفة ومن الأنصار، ففيه العبرة الكبيرة والبصائر النيّرة، وتأمل سيرته ﷺ في السابقين والبدريين، لأهل بيته، وفي ولده وأزواجه، كيف حرمهم الدنيا وحماهم منها؟، وكيف ملأ قلوبهم بالوعيد والمخاوف؟، وكيف جعلهم أسوة الناس كلهم في الأحكام والقصاص والحلال والحرام، وفي أن من حازت شهادته من العجم والموالي على الحاكة والحجامين والزيالين، حازت شهادته على القرشيين والهاشميين والسابقين والبدريين، وكيف حرم الصدقات على أهل بيته وأوجبها في أموالهم للناس، وكيف شرع وبيّن أن الخطأ والزلل جائز على كل واحد من أصحابه وأهل بيته وخاصته، ووصى بمراعاة أفعالهم وأقوالهم وأن يذكروا وأن يعلموا وأن يتفقوا حين جعلهم قواما على المسلمين، ووكلاء وخدما، لما علم الله ﷿ أن الأتقياء والأولياء الأذكياء من قريش، أحرص على رشاد المسلمين وصلاحهم من سائر الناس، فقال فيهم: استقيموا لقريش
مسلمين، ووكلاء وخدما، لما علم الله ﷿ أن الأتقياء والأولياء الأذكياء من قريش، أحرص على رشاد المسلمين وصلاحهم من سائر الناس، فقال فيهم: استقيموا لقريش
ما استقاموا لكم، وتلك الأقوال التي قد تقدم لك ذكرها، فأحضرها فهمك وتأمل ما فيها. [الرد على دعوى العصمة لعلي بن أبي طالب ﵁] ثم لم يجعل العصمة والأمانة من الزلل في دين الله إلا له وحده إلى يوم القيامة، لا يشاركه أحد فيه، ولا يقوم مقامه ولا يسدّ مسدّه، فقبلوا كل ذلك منه، وخضعوا له، وتدينوا به، وأجابوه إلى ذلك على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، لتعلم بمكان الاعلام والدلائل والبراهين التي انتقضت بها العادة فبهرت عقولهم، وقد كانوا من أعظم الناس نخوة وأنفة وحميّة، ثم لا تجدهم لما صحبوه واختصوا به وأجابوه حدث لهم نبوه عنه، ولا نفور منه، ولا طعن عليه في دينه/ لشيء وقفوا عليه، أو وقف عليه واقف، أو استراب فيه مريب في شيء من أحواله، لا من الرجال ولا من النساء، ولا من الخدم، ولا من الأزواج، لا في حياته ولا بعد وفاته، وأزواجه عدد كثير وهن ضرائر، وفيهن بنات أصحابه وخاصته، وفيهن بنات أعدائه. فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أنه قد شهد بالعصمة لابن عمه عليّ ابن أبي طالب، وأنه كالأنبياء في أن الخطأ والزلل لا يجوز عليه البتة في حال من الأحوال، ولا يلحقه سهو ولا غفلة، وأنه يسدّ مسدّه ويقوم مقامه، وأنه مفزع الخلق، وكذا ولده بعده، فيهم من يقول ثلاثة، ومنهم من يقول سبعة، ومنهم من يقول اثنا عشر، ومنهم من يقول أكثر. قيل له: إنا لم نقل أن هؤلاء ادّعوا هذا، ولا أخبرنا عنهم، وإنما أخبرنا عن شرعه ﷺ وسنته ووصاياه، لا عما يقول هؤلاء. وقد تقدم لك الأدلة على بطلان دعاويهم، وأن أصحابه كلهم من أولهم إلى آخرهم أطبقوا على ذلك قرنا بعد قرن، ثم الذين يلونهم ثم التابعين لهم، ثم الذين يلونهم في القرون والاعصار، إلى زمن هشام بن الحكم؛ فإنه ابتدع هذا القول، ثم
أخذ عنه الحداد، والوراق، وابن الراوندي، وأرادوا به كيد رسول الله ﷺ وإفساد دينه، وتشكيك الناس في نبوته، وأحوالهم في شدة عداوته معروفة، وقد تقدم لك بيان ذلك والبرهان عليه بما لا حاجة لك إلى إعادته. وقد ذكر أبو عليّ ﵀ طرفا من ذلك في «التفسير» وفي «نقض الإمامة على ابن الراوندي» ، وذكره غيره من العلماء. والعلماء يقولون: إن من قال: إن رسول الله ﷺ جعل مفزع الدين أرسل اليهم، واتباعه في العلم بالحلال والحرام إلى واحد، كمن قال ما أرسل إلا إلى ذلك الواحد، / ولا آمن به ولا اتبعه إلا ذلك الواحد، ولا زكّى ولا مدح إلا ذلك الواحد، ولا شهد بالجنة إلا لذلك الواحد، قالوا: وإنما تكلم من قال إن بعض أصحابه أعلم من بعض وأوعى وأحفظ، وأنه ما استخلف على أمته واحدا بعده كما استخلف أبو بكر ويدله على ذلك. فأما من قال ذلك القول فسبيله ما ذكرنا، ونظيره ما مثلنا. وهؤلاء يدّعون أن رسول الله ﷺ بيّن عصمته وعصمة ولده، ونصّ لأمته على ذلك، وأداه لهم بحسب وجوبه على كل واحد منهم من عبد وحر، وذكر وأنثى، وحضهم على ذلك، وأن الاعلام والمعجزات كانت تظهر عليه وعلى ولده، وأنها ظاهرة إلا على إمام الزمان الذي هو معنا وحجة علينا. وقد علم كل عاقل سمع الأخبار أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قد ابتلى من الخلاف والتضليل والتخطئة والإكفار ما لم يبل بمثله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، فما احتج لنفسه بأنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ، ولا أن النبيّ نصّ عليه ووصى اليه واستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه مثل الحسن والحسين، وعبد الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب
ستخلفه، ولا بأن المعجزات ظهرت عليه مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له من يخاصم عنه في زمانه مثل الحسن والحسين، وعبد الله بن العباس، وقيس بن سعد وأبي أيوب
الأنصاري، وصعصعة بن صوخان، وعديّ بن حاتم، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وجهر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وشريح بن هاني، والأحنف بن قيس، وأبي الأسود الدؤلي، وغيرهم ممن أرسلهم إلى من خالفه من أهل البصرة، ومن أرسله إلى أهل الشام، ومن أرسله إلى الخوارج، ومن أرسله إلى أهل الكوفة يستنفرهم حين قعدوا عنه بمشورة عامله أبي موسى، وكان يجادل عنه بحضرته من كان يرد عليه من رسل معاوية، ويجادل الخوارج، لا يعرفون شيئا مما يدعيه هؤلاء بوجه من الوجوه، ولا يرجع فيما يحتج به ﵁ إلا إلى الاجماع، فيقول: وجبت طاعتي كما وجبت/ طاعة أبي بكر وعمر وعثمان، لأنه قد بايعني من بايعهم، وإنما الأمر في الإمامة إلى السابقين والبدريين من المهاجرين والأنصار، لا إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويحتج بأنه من أهل الشورى التي وضعها عمر، ويحتج في التحكيم بالقياس، ويردّه إلى الاجتهاد، ويقول: قد أمر الله بإرسال الحكمين في شقاق يقع بين المرأة وزوجها وفي أرنب تصاب في الحرم قيمتها ربع درهم، فكيف بإمامة قد أشكلت على المسلمين، ويشير عليه ولده وأهله وأصحابه وخاصته الذين قدمنا ذكرهم وغيرهم، ويقولون: له: الرأي أن تفعل كذا وقد فعلت كذا ولم يكن الرأي أن تفعله، كما قال له الحسن ابنه وابن عباس حين قبل البيعة، وكما قال له قيس بن سعد في شأن مصر، وحين قال له الأحنف في شأن التحكيم، ففي آرائهم ما يأخذ به ويدع رأيه لرأيهم، ومنه ما يقيم على رأيه دون رأيهم، ويقول: هو أصوب. وإذا فعل الشيء يسأل الناس عنه، هل هو صواب أم خطأ، ويسمع منهم، ويجادلهم، ويعتذر اليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض أصحابه لما حكّم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟:
ب أم خطأ، ويسمع منهم، ويجادلهم، ويعتذر اليهم، ويبين وجه الصواب. كما قال لبعض أصحابه لما حكّم بالشام ورجع إلى العراق فقال لخاصته: ما يقول أهل الرأي؟:
فقيل له: أما أهل الرأي فيقولون: إن عليا كان له بناء فهدمه، وكان له جمع ففرقه، فحتى متى يا بنى مثل ما هدم، ويجمع مثل ما فرّق، فلو أنه إذ عصاه من عصاه مضى بمن أطاعه فإما فتح وإما قتل، فكان أعذر مما صنع؛ فقال ﵁: أنا هدمت أم هم؟، أنا فرقت أم هم؟ وأما قولهم: لو مضى بمن أطاعه من أصحابه إذ عصاه من عصاه ففتح أو قتل فكان أعذر، فو الله ماغبي عليّ هذا الرأي ولا ذهب عني، ولكن كان هذان، يعني الحسن والحسين، متى حملت اتبعاني، وهذان: يعني محمد بن الحنيفية وعبد الله ابن جعفر/ بن أبي طالب يقدماني فكرهت أن يهلك هذان فلا يبقى لرسول الله ﷺ ذرية، وكرهت أن يهلك هذان فإنهما شابان ومن أجلي أقدما، وسترون إذا عدت إن شاء الله إلى الشام، لا أدع هؤلاء في عسكري. فانظر كيف يباحث أهل الرأي ويقبل الصواب ويحمده ويبين عذره لما هو. ولما قال له قائل بالكوفة: ذهبت إلى الشام ورجعت فلم تصنع شيئا، فيكون من جوابه، أن على الانسان أن يجتهد رأيه، ولا لائمة عليه بعد ذلك. ولا يحتج في شيء من ذلك بنصّ، ولا حكمة، ولا عصمة، ولا آية ولا معجزة، ولا يقول: هكذا وصاني رسول الله ﷺ وقال لي: ينبغي أن تفعل كذا، ويقول لأهل الكوفة: اخترتكم على أهل البصرة وظننت أن عندكم ما أحب من الطاعة والنصرة، فقلت لابن عباس هؤلاء أشد شوكة، وهم أزالوا كسرى عن ملكه، فلم تكونوا كما ظننت. وخطبهم مرة فقال: ليتني لم أركم ولم أعرفكم معرفة والله جرت ندما، وملأتم قلبي غيظا،
وجرعتموني بكأس التهمام أنفاسا. ويقول في بعض أقواله: ندمت على كذا، ويقول» : إني عثرت عثرة لا أجتبر ... سوف أكيس بعدها أو أستمر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر وقد قال في الجد بأقوال مختلفة، ورجع من قول إلى قول، وكذا في الخلية والبرية، وفي أمهات الأولاد، وفي غير ذلك، وهو في الاجتهاد وفي الرجوع من قول إلى قول أشهر من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وكان يستقضي ويستعمل من يخالفه في الاجتهاد والرأي، ويحكم بغير قوله، مثل ابن عباس، وشريح بن الحارث، وأبي مسعود البدري، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم. وكان الناس في سلطانه وفي بلدان ملكه/ وحيث ينفذ أمره، والبلدان التي هو فيها وفيها عماله، يفتي الناس فيها بالرأي والاجتهاد، بما يخالف اجتهاده ورأيه، مثل من كان بالكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن بالمدينة من زيد بن ثابت وغيره، ومن بالبصرة، ويعلم بذلك ويجاريهم فيه، فلا ينكره ولا يردّه، بل يسوغهم، ويصوب الأحياء ويترحم على الموتى، حين حكم أهل الكوفة في إبل ابني عم، أحدهما أخ لأم، فجعلوا أهل الكوفة المال كله للأخ للأم، فقال لهم: لم فعلتم ذلك؟ قالوا: هكذا فعل ابن مسعود، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وكان مذهبه غير هذا، إلى ما لا يحصى كثرة. ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي ﵇ ما نصّ على عليّ ولا استخلفه، ولا كان علي يدّعي النصّ والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه
، إلى ما لا يحصى كثرة. ولقد قالت العلماء: العلم بأن النبي ﵇ ما نصّ على عليّ ولا استخلفه، ولا كان علي يدّعي النصّ والوصية والعصمة، أقوى من العلم بأنه
ما نصّ على عمار، ولا على بلال، ولا على أبي ذرّ، لأن عليا قد كان في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، وبقي بعدهم خليفة وسلطانا مائة ألف سيف تطيعه وتنقاد لأمره، وقد خوصم وخولف ونوزع، وجادل وخاصم أصحابه وأهله عنه، فما احتج قط بنص ولا وصية ولا عصمة مع حاجته إلى ذلك، ولا احتج له أحد من أولئك. ومن عجيب أمر هؤلاء الإمامية أنهم يقولون: إن رسول الله ﷺ قد كان عرّفه عدوّه ووليّه وما يجري عليه بعده، وأنه خرج إلى صفين وهو يعلم أنه لا يظفر بمعاوية، وأن معاوية سيرفع المصاحف، وينقض تدبيره، ويفسد عليه أصحابه، ويرده كئيبا حزينا، وأن عمرو بن العاص سيغلب صاحبه أبا موسى إذا أنفذه للحكومة، ويجعل ذلك حجة لأهل الشام. وأن عبد الرحمن ابن ملجم سيقتله في تلك الساعة، وأنه خرج اليه وهو يعلم أنه ينتظره ليقتله، وأن الحسين ﵇، وجه بابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة ليأخذ البيعة عليهم/ وهو يعلم أنه لا يتم له أمر، وأن عدوه سيقتله، وأن أهل الكوفة لما كاتبوه بالمصير اليهم وضمنوا له النصرة فقبل كتبهم وقولهم وسار اليهم وهو يعلم أنهم لا يفون له، وأنه إذا صار اليهم ومن معه سيقتلونهم ويقتلون إخوته، ويحملون رأسه وذريته إلى الشام، وأن أمير المؤمنين استعمل مصقلة بن هبيرة الشيباني وائتمنه على كورة أردشير حرة وعلى مال بني ناحية، وهو يعلم أنه سيغدر به ويخونه ويصير إلى معاوية، وأنه استعمل زياد بن سمية الثقفي على كورة اصطخر، وهو يعرف عداوته له، وما يؤول اليه أمره من مصيره بعده إلى معاوية، وقتله لشيعته، وإظهاره للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ﵇، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله، الذين استعملهم واختارهم فخانوه وغدروا به، وأنه استعمل قيس



