تثبيت دلائل النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القاضى عبد الجبار (w. 415 H).

Bagian 14 dari 18 708 halaman

— Bagian 14 · ه للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ﵇، وكذا خالد… —

Bagian 14

ه للعنه، وقتل ابنه عبيد الله للحسين ﵇، وكذا خالد بن المعمر السدوسي وسائر من خانه من عماله، الذين استعملهم واختارهم فخانوه وغدروا به، وأنه استعمل قيس

ابن سعد على مصر، ثم أظهر تهمته وتقصيره والخوف من خيانته فعزله، مع شهامته وكفايته وأمانته وثقل وطأته على عدوه معاوية، واستعمل على مصر بدلا منه محمد بن أبي بكر الصديق، وهو يعلم أنه يقصر عن منزلة قيس، وأن معاوية سيقتله ويقتل أصحابه، وأنه بعد قتل محمد أنفذ الأشتر واليا على مصر، وهو يعلم أن صاحب القلزم سيقتله، وأنه والأئمة من ولده كانوا يعلمون ضمائر الخصوم الذين يرتفعون اليهم، ومن المحق منهم ومن المبطل، ويعرفون ضمائر الشهود والذين يشهدون عندهم، ومن هو الكاذب من الصادق. والعلم رحمك الله إنما يحتاج إليه لاجتلاب المنافع ودفع المضار، فهذ موضع الانتفاع بتقدمة المعرفة، ولولا ذلك لكان طلب العلم جهلا، والرغبة في المعرفة عناء، والله ﷿ يقول لنبيّه: قل يا محمد: «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» «١» ويقول له في قوم كانوا يظهرون له الحيل فيظن ذلك بهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» «٢» وقال له في آخرين ظن بهم هذا الظنّ: «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ» إلى قوله: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» «٣» وقد قال ﷺ (إنكم لتختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أحكم بالظاهر والله هو المتولي للسرائر، فمن قضيت له بشيء بغير حق فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) وهذا باب لا يتكلف نقضه على الخصوم، وإنما ذكرناه على طريق التعجب، فإنّ من عرف أمير المؤمنين وولده ﵃، يعلم أنهم كانوا لا يعلمون ما يدعيه هؤلاء عليهم، وأنهم كانوا يعملون فيها بظنونهم

وما يغلب على رأيهم، وهؤلاء يزعمون أنهم كانوا يقصدون ما يفسد أمرهم ويقتل نفوسهم وأحبابهم، ويشمت عدوهم، ويميت سلطانهم، ويكسر عساكرهم، ويمكن لعدوهم على علم ويقين؛ فإذا الجهال من أعدائهم الذين يعملون بالجهل والخبط، ويختارون لأنفسهم بجهلهم ونقضهم أسلم على عمالهم وأصحابهم من معاوية وبني أمية من هؤلاء العالمين المعصومين. فلو أراد مريد أن يبالغ في سبّ هؤلاء السادة صلوات الله عليهم لما بلغ منهم ما بلغ هؤلاء الذين زعموا أنهم لهم شيعة وأولياء. ولكن العلماء قالوا: إن أوائلهم أشدّ الناس عداوة لرسول الله ﷺ ولدينه ولأهل بيته، فلم يمكنهم المكاشفة بذلك، فادّعوا أنهم شيعة، وتستروا بذلك، وسبّوهم هذا السبّ، وطعنوا عليهم هذا الطعن، الذي لم يبلغه العدوّ المكاشف بعداوتهم من الحرورية وبني أمية [١] . وكذا يقول العلوية من بني الحسن، والزيدية من بني الحسين، والقاسمية، والناصرية: الرافضة أضرّ علينا وأنكأ فينا من الحرورية وبني أمية الذين ولغوا في دمائنا. ومما يزيدك في العجب قولهم: إن النبي ﷺ، / وأمير المؤمنين، والذين يدّعون لهم الإمامة من ولده يعرفون اللغة الفارسية والرومية والهندية والقبطية والتركية والديلمية وسائر اللغات ويتكلمون بها، ولا يجوز أن يكون في أهل هذه اللغات أحد أعلم بها منهم؛ قالوا: ويجب أن يعلموا ذلك بدليل العقل، ولو لم يعلموا ذلك لكان نقصا فيهم وهم حجج الله على خلقه، والإمام لا يترجم له ولا يحتاج إلى ترجمان إذا حضره الخصوم، ولا بد من أن يكون عالما بجميع اللغات؛ قالوا ويجب أن يعلم جميع الأقلام، ويكتب بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب منهم فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام كلها

ويكتب بها، ويقرأ ما كتب بها، ويخط بالأقلام كلها، ولا يجوز أن يكون أحد أكتب منهم فقد سبوهم وانتقصوهم، وأنهم قد كتبوا الكتب كلها، وكتبوا بالأقلام كلها

بالخطوط التي لا يكون أحسن منها، ونطقوا باللغات كلها، وأن النبي ﷺ قد كان قرأ صحف ابراهيم، وما نزل على آدم، ونوح، وموسى، وداود، وعيسى، وجميع الأنبياء، بتلك الألسن، وكتبها بتلك الأقلام. وأنت تجده ﷺ يحتج في نبوته على عدوه حين تلا عليهم ما في كتبهم بأنه من قبل الله وعلمه، وأنه ما تلا قبله كتابا ولا خطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون. ويدلّ بذلك، ويستطيل على الخصوم ويقول: إن الله قد نعته ووصفه للأنبياء قبله بأنه النبي الأمي، وهؤلاء يقولون لم يكن الأمر كذلك، وزعموا أنهم يمدحونه بهذا القول وفيه تكذيبه. فتأمل ما يجلب هؤلاء على رسول الله ﷺ وعلى دينه من المكاره وهم يتجاوزون هذا إلى أن هؤلاء القوم يعلمون ما تريده السباع بعوائها، وكذا جميع الطير والبهائم، وهذا لهم مسطور، وأنت فقد علمت بدليل عقلك أن رسول الله ﷺ ما قرأ كتابا قط ولاخطه بيمينه كما تقدم ذلك، وبأي شيء تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان والعباس وعبد الرحمن وأمثالهم ما كانوا «١» يكتبون بهذه الأقلام ولا يحسنون هذه اللغات إلا والعلم بأن رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين والحسن والحسين ﵃ ما كانوا يحسنون ذلك أقوى وأظهر. وأن هؤلاء ما كانوا يكتبون إلا بالعربية، وأن رسول الله ﷺ ما كان يكتب لا بالعربية ولا بغيرها من الأقلام، وهم يدّعون على رسول الله ﷺ وعلى هؤلاء الذين يدعون إمامتهم أنهم كانوا يحسنون الصنائع كلها، وأنهم أعلم الناس بها، من النجارة والخياطة والصباغة، وكل صناعة في الدنيا صغرت أو كبرت، ارتفعت أو اتضعت، وأن رسول الله ﷺ كان أعلم بالشعر من كل شاعر، وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه

اعر، وقد علم أهل المعرفة بعقولهم أنه ما كان يحسن شيئا من ذلك البتة، ولا يروي لغيره شيئا منه البتة، وأنه كان لا يقيم بيتا واحدا يرويه لغيره كما يرويه

العرب والعجم، والفصيح والأعجم، ولا يستقيم له، ولا يجري على لسانه، والله ﷿ يقول: «وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ» «١» فمن هذا الجنس مدائحهم لرسول الله ﷺ وأهل بيته، وهو الغاية في تكذيبه والطعن في نبوته. [الرد على علي أن الأئمة كانوا يعلمون المكاره التي كانت ستنزل بهم] وانظر إلى قولهم فيهم أنهم كانوا يعلمون المكاره التي كانت تنزل بهم، وتفسد أمرهم، وتشمت عدوهم، وكانوا يسعون اليها على عمد وعلم، والله قد أقامهم حتى يحافظوا عباده ويمنعوهم من الفساد، ولا يمكنوا من غفر حمار يهودي، وهم يمكنون من أنفسهم وعيالهم على علم، والله يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» «٢» ويقول: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» «٣» «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» «٤» ويقول في قصة سليمان ﷺ: «فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ» «٥» يقول ﷿: إن الجن وعفاريتها كانت تدعي علم الغيب، وفي الانس من يدّعي ذلك لها، وكان سليمان ﵇ واقفا بإزائها، ويستعملها في تلك الأعمال الشاقة المؤذية المهينة، وهي تعمل خوفا منه، وهو متكىء على عصا كانت في يده، فتوفاه الله ﷿ على تلك الحال، والشياطين لا تعلم، وهي تعمل وتظن أنه يراها ويشاهدها، وكانت إن قصّرت عذّبها، فهي تخاف نكاله بها، فبقيت على هذا حينا من الدهر تظنه حيا وهو قد مات، فلما أكلت دابة الأرض عصاه صلى الله عليه،

تبيّنت الجن أنه قد مات مذحين طويل وهو حذاءها ولا تعلم، ولو علمت لانتفعت بهذا العلم، ولتخلصت من العذاب المهين، فإنما يراد العلم بالعواقب لينتفع به، وهؤلاء يدّعون على القوم أنهم كانوا يعلمون العواقب ويلقون أنفسهم في المهالك، وقد بيّن ﷿ أن يوسف ﷺ لما أعلمه بالعواقب في تلك السنين انتفع بذلك العلم واستعمله، فدفع به المضار، واجتلب به المنافع، وصار به إلى ملك الأرض، وإلى أن خضعت له الملوك وألقت تقاليدها اليه فقرت عينه، وعيّن كل وليّ له وسجنت عيون أعدائه وماتوا كمدا فقال لهم: ستتوالى عليكم سبع سنين خصبة، فلا تغتروا واخزنوا الطعام، فسيأتي بعدهن سبع شداد قحطة تأكلون فيها جميع ما خزنتم في السبع الخصبة وليكن ما تخزنونه في سنبله وتبنه لئلا يعفن أو يقع فيه السوس، ولا تخرجوا من السنبل إلا ما تتدبرونه، حين قال لما سأله رسول الملك عن رؤيا الملك. والله ﷿ يقول: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» «١» بيّن ﷿، أن العاقل إذا علم العواقب بدأ بنفسه فتحرز من المضار سلم من المكاره، ثم بعد ذلك/ ينتفع غيره إن شاء، ففي وقوعهم في المكاره من أدلّ الدليل على أنهم لا يعلمون العواقب، فلم قالوا لغيرهم: لو أطاعونا ما قتلوا، ما في هذا فضيحتهم. وهذا مثل قصة سليمان مع الجن. فتأمل ما في هذا الكلام من الحكم البالغة، فإنه وإن كان كلاما في توبيخ الشيع فيما أضافوه إلى النبي ﷺ وإلى أهل البيت، ففيه بيان شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل ﵀ حين استدعاه المأمون

اما في توبيخ الشيع فيما أضافوه إلى النبي ﷺ وإلى أهل البيت، ففيه بيان شاف في تكذيب المنجمين والرد عليهم، فقد قال لهم أبو الهذيل ﵀ حين استدعاه المأمون

وسأله الكلام عليهم فقال لهم: أخبروني أيما أيسر عندكم، العلم بما سيكون، أو العلم بما قد كان «١» ، فقال لهم: فأخبرونا عما قد كان، إن شئتم بالبصرة، وإن شئتم بالكوفة، وإن شئتم ببغداد، وإن شئتم في هذا القصر، بأن تقولوا في خزانة الكسوة كذا وكذا صندوقا أو رزمة أو عدلا، وفي الصندوق الفلاني كذا وكذا قميصا وكذا وكذا قباء، وكذا وكذا عمامة، وفصلوا ما في كل واحد منها، وهو شيء قد كان ووجد، وعرفه الخزان والفراشون، ولكم الكلام. فسكتوا فما أحاروا جوابا، وهذا شاف كاف بل زائد على الكفاية فما تحتاج معه إلى غيره في بيان فضيحتهم، فاعرف ذلك. [الرد على أن النجوم تدل على ما كان ويكون، أو أن الأئمة يعلمون الغيب] وكذا قال لهم أبو الفضل جعفر بن حرب ﵀: إذا قلتم إن النجوم تدل على ما كان ويكون، وما هو موجود ومعدوم، فما يمنعكم أن تستدلوا على كنوز كسرى وقيصر فتستغنوا بها عن خدمة الملوك، وطلب ما في أيدي الناس، والتذلل لهم لأجل ما عندهم، وكذلك معادن الذهب والفضة والغوص على الدر، فيجعلون للملوك عليه الجعل الثمين، ويخبروهم بمبلغ ما فيها. وقد سألهم أبو علي الجبائي عن مثل هذا، وسألهم أصحابه، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وإنما أنطق هؤلاء القرآن وما نبه الله عليه/ عباده مما تقدم ذكره، فعليك بمداومة درسه والفكر فيما تدرسه والتدبر له، ولو كان للمنجمين فطنة الشيع وما عندهم لما انقطعوا في يد أحد، فإنهم كانوا يقولون: قد علمنا ما كان وما يكون ولكن لا نقول، ونخطىء على عمد، ونفضح أنفسنا على عمد، ونشمت أعداءنا على عمد، ولو شئنا لا ستغنينا وأغنينا من شئنا ولكن لا نفعل على ضرب من التدبير. وعلى قول الشيع لا يفتضح كذاب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبىء، فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبيّ، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب

اب، ولا تقوم حجة على محتال وكذاب ومتكهن ومتنبىء، فإن كل واحد من هؤلاء يقدر أن يقول أنا نبيّ، ولو شئت لأحييت الموتى وأخبرت بالغيوب، ولكن لا أفعل لضرب

من التدبير، ولمحنة امتحني الله بها كما تقول ذلك الشيع في أئمتها، فلا يكون للشيعة معهم كلام، ولا من قولهم انفصال. فأما أنت رحمك الله، فلو قال لك قائل من المنجمين أو المحتالين المتكسبين هذا لكان من جوابك أن تقول: أنا أعلم أنك تكذب لأنك مضطر ملجأ إلى أن تغني نفسك وعيالك، وإلى أن لا تفضح نفسك وتشمت عدوك، فأنت لا تعلم شيئا مما ادعيت ولا تقدر عليه، ولا تجد سبيلا اليه. والعجب أن الشيع تزعم أن الله أطلع الأئمة على هذه الغيوب لأنهم حجج الله على خلقه، ولتقوم حجتهم عليهم بهذه العلوم، ثم لا يظهر من هؤلاء القوم شيء مما يدّعون مع حاجتهم إلى ذلك، بل أفعالهم تشهد أنهم لا يعلمون ذلك، وأنهم كغيرهم من طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فسبيل أمير المؤمنين سبيلهم، بل الأمر في بابه ﵇ أوضح في كذب هؤلاء عليه في ادعائهم له النص والعصمة والمعجزات، وقد خالفه من ذكرنا ونازعهم وخاصمهم فما احتج بشيء من ذلك مع حاجته اليه كما تقدم ذكر/ ذلك في غير موضع من هذا الكتاب. والعجب أن أمير المؤمنين ﵁ يسأل عما كان من طلحة والزبير، فيقال له: قد سارا مع عائشة إلى البصرة، فيعجب ويقول: ما ظننت أنهما يفعلان هذا، ويسأل عن معاوية وأهل الشام ويتعرف بأخبارهم من واحد بعد واحد، ويتعجب من إخراج من بالبصرة عامله عثمان بن حنيف منها بعد أن بايعوه، وأنه ما ظن أنهم يفعلون ذلك، ولما سار إلى البصرة وصار بالربذة قال «١» : من له هداية بذي قار يهديناا ويعرفنا الطريق، فجاء رجل فقال له: أنا من أهدي الناس بذي قار، فسار بين يديه حتى جاء إلى ذي قار.

ولما اشنبكت الحرب بالبصرة قال للحسن ابنه ﵉: يا حسن، أما ترى، ودّ أبوك أنه قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، قال له الحسن: قد أمرتك وخوفتك فعصيتني، فقال: والله يا بني ما ظننت أن الامر يصير إلى هذا. وكان ابن عباس يقول: كان علي ﵁ لسابقته وقرابته يرى أنه لا يخالف ولا يريد أمرا إلا بلغه، فلم يكن كما ظن. ورأى ﵇ على بنت له لؤلؤة من المال فعرفها، فانزعج، فقال: من أين لها هذه لله، عليّ أن أقطع يدها، فقال له أبو رافع خازنه على بيت المال لما رأى جدّه في ذلك: أنا والله يا أمير المؤمنين زينتها بها، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فهدأ وسكت. ودخل على الحسن ﵇ رجل فقال له: من أنت ومن تكون؟ فقال له: أنا رسول معاوية إليك، فقال له: أو هكذا يدخل الناس على الناس، اخرج فاستأذن وسلم، ففعل ذلك ودخل/ بعد أن أذن له، فقال له: في أي شيء أرسلك معاوية، فقال له: يقول لك أنت من أهل العراق على غرر، قد راسلني «١» رؤساؤهم بأنهم يسلمونك إليّ، وهذه كتبهم، فألقاها بين يديه ليقرأها، فلما وقف على ذلك قال: حتى أعرف ما عند الناس، فخرج وعلا المنبر، وجمع الناس، ثم قال: يا أهل العراق، الله الله في جيرانكم وضيفانكم من أهل نبيّكم، فبكى الناس، ثم خطبهم فقال: إنه والله ما ثنانا عن قتال معاوية شكّ ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وقد كنتم في مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وإنا كما كنا لكم

والصبر فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وقد كنتم في مبدئكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وإنا كما كنا لكم

ولستم كما كنتم لنا، وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، والباكي خاذل، والطالب ثائر، وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت ردنا عليه وحاكمناه إلى الله، وإن أردتم البقية أخذنا لكم بالوثيقة فنادوه البقية البقية يا أمير المؤمنين، فجلس، وتعجب أن معاوية قد صدق عليهم، وقال: يا أهل العراق سخا بنفسي عنكم قتل أبي وجراحتكم لي وانتهابكم متاعي. ولما مات معاوية عزم الحسين ﵇ على المسير إلى الكوفة، أتاه عبد الله بن عمر بن الخطاب فسأله عن رأيه، فأخبره أن أهل الكوفة قد راسلوه وبايعوه، فقال له عبد الله بن عمر: لا تقبل منهم ولا تسر اليهم، ولا تأمن بني أمية، فإنهم طغاة ضلال طلاب دنيا، لا يبالون من قتلوا، فلا تغتر بأهل الكوفة فإنهم قتلوا أباك/ وخذلوا أخاك، وهم يسلمونك في طاعة بني أمية. فقال الحسين: هذه كتبهم، وقد بايعوني، وأخذ عليهم مسلم بن عقيل البيعة لي، وكاتبوني بالقدوم عليهم، وأنهم ينصروني؛ وابن عمر يقول له لا تثق بهم فإنهم يسلمونك، والحسين ﵇ يكذب عنهم ويذكر ثقته بهم، وأنه قد راجعهم ووبخهم بما كان منهم، وأنه وثق منهم أنهم لا يسلمونه ولا يصنعون به ما صنعوا بأبيه وأخيه، فلما رآه ابن عمر واثقا بهم لا يقبل منه فيهم، قال له: استودعك الله من قتيل. وأتاه عبد الله بن عباس فنهاه عن المسير اليهم، وقال له نحو قول ابن عمر، فأخرج كتبهم وأقرأه إياها، يقولون: قد اخضرّ الجناب فأقدم، فإنما تقدم على جند مجنّد. فقال له ابن عباس: لا تقبل منهم، فإنما يدعونك إلى القتال وهم يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له لا تفعل

فإنما يدعونك إلى القتال وهم يسلمونك، والحسين يقول: ما كانوا ليفعلوا هذا وقد بايعوني وعاهدوني وهذه كتبهم، وأشار إلى خرج مملوء بكتبهم، فقال له لا تفعل

فإنهم لا يفون. فلما رآه ابن عباس لا يقبل منه قال له: فلا تسر بعيالك معك فتقتل وهم يرونك. فسار بعياله معه واثقا بهم ليستوطن الكوفة، مسرورا مستبشرا بأنه لا يلقى قتالا، ولا من أهل الكوفة خلافا ولا غدرا، وأنه يدخلها مع عياله بغير دافع ولا مانع. ولم يكن عبيد الله بن زياد بالكوفة بل كان بالبصرة، فسار إلى الكوفة فأخذ مسلم بن عقيل فقتله، وقتل هانىء بن عروة المرادي، والحسين قاصد إلى الكوفة لا يعلم بشيء من ذلك. وأرسل أخاه من الرضاعة إلى الكوفة ليعرّف مسلم بن عقيل وأهل الكوفة بأنه ﵇ قد سار اليهم وقرب منهم، فأخذه عبيد الله بن زياد فقتله، والحسين ﵇ لا يعلم بشيء من ذلك. فلما قرب من الكوفة لقيه من قد جاء من الكوفة يريد البادية، فسأله عن الخبر فأخبره بقتل مسلم وهانىء والرضيع، وأن أهل الكوفة ما دافعوا عبيد الله بن زياد عنهم، وأنه قد تمكن. فبقي ﵇ كئيبا حزينا، وصار في نسائه مأتم بمسلم ابن عمه وكان زوج أخته، فقال له من لقيه: ارجع، فقبل منهم وهم بالرجوع. فقال له بنو عقيل إخوة مسلم: يقتل أخونا ونرجع وما أخذنا بثأرنا، سر بنا حتى نلقى أهل الكوفة. فسار معهم وظنّ أن أهل الكوفة إذا رأوه نصروه وصاروا معه على ابن زياد، وهو يسير وكل من يلقاه يقول له: ارجع فإن أهل الكوفة قد غدروا بك، وهو يظن أنهم إذا رأوه صاروا معه. فلما قرب من الكوفة وجّه عبيد الله بن زياد بأهل الكوفة فأحاطوا بالحسين ومنعوه من الرجوع، فقال لهم: ويلكم بكتبكم جئت، ومنكم قبلت،

وناداهم يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هذا كتابك، قد كنا ساكتين وعدونا عنا ممسك، فسللتم علينا سيفا كان مغمودا عنا، وفعلتم وفعلتم، فما زالوا يحاربونه، وعياله يضجون ويبكون، ومن معه من إخوته وولده وبني عمه يقتلون، وهو يبكي ويذكر قول ابن عمر، وكلما ضج نساؤه يقول: لا يبعد الله ابن عباس، وقد أيقن بالقتل، وهو يودع عياله ويوصيهم بأن لا يشقوا عليه جيبا؛ ولا يظهروا «١» عويلا، وأخته زينب تقول له: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله، أنا الفداء لك، أتغتصب نفسك على القتل، / ويقول كيف أصنع يا أخيّة، اصبري واحتسبي، قتل أبي وهو خير مني، ومضى أخى وهو خير مني، ويحتسب على أهل الكوفة وأنهم غروه وكذا أبوه، ويندم على قبوله منهم وعلى قدومه، وأنه ما علم أنهم لا يفون، وأنه ليته لم يقدم، وأنه حين قدم لم يقدم بعياله. وكم مثل هذا من أفعالهم وأقوالهم لو أردت أن تحصيه لاحتجت فيه إلى الطوامير الطوال «٢» ، ثم كنت لا تأتي على جميعه لكثرته. والعلم بأن هؤلاء كانوا يحتاجون إلى المعرفة بما في نفس عدوهم ووليهم مثل غيرهم من الناس أقوى من العلم بأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب. [الرد على ما تدعيه الشيع من المعجزات لعلي ﵁ وأئمتهم من بعده وبيان أن عليا كان منكرا لمثل هذه الأقوال إنكارا شديدا] ولا يزال هؤلاء الشيع يقولون: الدلالة على أن أمير المؤمنين خير من أبي بكر وعمر وأن المعجزات كانت تظهر عليه، أن قوما في زمانه قد ادّعوا فيه أنه إله العالمين ورب السموات والأرضين، وأن مثل ذلك ما قيل في أبي بكر وعمر. قيل لهم: فقد ادّعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها آلهة وأرباب وعبدوها، وادّعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على

ي أبي بكر وعمر. قيل لهم: فقد ادّعى قوم من الهند والعرب وغيرهم في الأصنام والبددة أنها آلهة وأرباب وعبدوها، وادّعى قوم في الكواكب مثل ذلك، فينبغي على

قياسكم أن يكون قد ظهر منها آيات ومعجزات، وأن تكون خيرا من الأنبياء وقد ادعى قوم لخلق بما تقدم ذكره. ومن عجيب الأمور، أن أفعال هؤلاء وأقوالهم، تشهد بأنهم ﵈ ما ادّعوا ما تدعيه الشيع لهم من النصوص والوصايا والمعجزات، وقد تيقن ذلك كل متوسم ومتأمل، فقالوا: ننصرف عن هذا كله لقول جاهل لا يعرف الربوبية من الانسانية، فإن الذي ألقى هذا في عسكر أمير المؤمنين إلى قوم جهال لا يعرفون عبد الله بن سبأ «١» ، وهو/ المعروف بابن السوداء، وكان يهوديا من ناحية اليمن، وكان خبيثا منكرا، فأظهر الإسلام في زمن عثمان، وسار حتى أتى الحجاز، وأظهر التقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاختلاط بالمسلمين. وكان يطلب الرئاسة فلم يقم له سوق، ولم يؤبه له. فرحل إلى الكوفة فأقام مدة يطلب ذلك، فلم يقم له سوق فرحل إلى الشام وأقام يطلب ذلك واختلط بالصحابة، وتقرب إلى أبي الدرداء، وعبادة ابن الصامت، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففطن أولئك له فنهوه، وأوقع بين أبي الدرداء وبين قوم بالشام شرا، وتبين أمره بالشام فرحل إلى مصر، وكان على هذا، واغتر به قوم فأوقع خلافا بين الناس، ووافى عمار ابن ياسر رسولا لعثمان إلى مصر، فحمل أقواما على أن بلغوا عمارا ﵀ عليه من بمصر عن الولاة مكروها، فثار من ذلك فتنة وسار ابن السوداء هذا إلى المدينة مع المصريين الذين تظلموا من عمال عثمان، وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من المصريين، فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية.

من عمال عثمان، وأقام بالمدينة معهم، وما زال يغري بعثمان إلى أن اغتاله قوم من المصريين، فتسلقوا عليه في السحر فقتلوه، وقاتله لا يعرف إلى هذه الغاية.

ثم وثب المصريون، فأثاروا فتنة عظيمة بعد قتل عثمان، ولما نفر طلحة والزبير وعائشة من أفعالهم وصاروا إلى البصرة، راسلهم أمير المؤمنين بالقعقاع بن عمرو، وبابن عباس، وبمحمد بن حاطب، وبكليب الجرمي، واصطلحوا على أن يصير أمير المؤمنين إلى البصرة ويجتمعون وينظرون، فدس ابن السوداء أصحابه وقال لهم: أوقعوا الفتنة حتى تنشب الحرب، فإنهم إن اصطلحوا فما يصطلحون إلا عليكم، فكانت الفتنة، وكل هذا فقد ذكره غير/ واحد من العلماء وشرحوه طويلا مفصلا، وحاله هذه معروفة. وكان بالكوفة يظهر تعظيم أمير المؤمنين بما لا يرضاه أمير المؤمنين ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين، وكالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين عليهم في الفضل، لأنه كان يدعي ما ادعاه أبو الخطاب وهشام بن الحكم. وكان يدّعي عند أمثال هؤلاء أن أمير المؤمنين يستخصه ويخرج اليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وأمير المؤمنين لا يعلم بذلك. ولقد قال قائل لأمير المؤمنين عجبت لقوم كنت فيهم كيف ولّوا عليهم وعليك غيرك؟ فقال له أمير المؤمنين: أرأيت أبا بكر الصديق؟ قال: لا، قال أما إنك لو قلت لي أنك رأيته لفعلت بك وفعلت. وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدها حجرا حجرا، ويظهر على أهل الأرض ويكشف له أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان. ولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن عقلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفير من الشيعة يتناولون

أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله، مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه، رحمة الله عليهما. / ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضا على يدي سويد، حتى دخل المسجد، فصعد المنبر فجلس عليه متمكنا، قابضا على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة، ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيّدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزه، ومما قالوا برىء، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان، فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأيا، ولا يحب كحبهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ، فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ، ولاه المؤمنون ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سنّ له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يودّ لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعا، وأقدمه سلما وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ، حتى قبضه الله على ذلك. ثم ولىّ الأمر بعده عمر، واستأمر/ في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي

ك. ثم ولىّ الأمر بعده عمر، واستأمر/ في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي

صلّى الله عليه وسلم، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقا رحيما لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عونا وناصرا على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن أن ملكا ينطق على لسانه، أعز الله باسلامه الاسلام وجعل هجرته للدين قواما، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فطنا غليظا على الأعداء، وبنوح حنقا مغتاظا على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله، فمن لكم بمثلهما رحمة الله عليهما ورزقنا المضيّ على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما، واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت اليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإنه عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. فإن قالوا: لا نصدق بهذا، قلنا: العجب أنكم تصدقون قوله ﵇: من كنت مولاه فعليّ مولاه، ولا تصدقون بهذا ومجيئه أقوى من مجيء ذاك. والحال التي وصفها أمير المؤمنين في هذا الحديث بيّنة معلومة قد شهد بها العقل، وقد تقدم بيان ذلك، وإنما ذكرنا هذا عند ذكركم للتفضيل وتعلقكم بصحته/ مما ادعته السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو ابن السوداء. ولقد قال أبو القاسم البلخي في كتابه الذي نقض به اعتراض ابن الراوندي على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر «١»

راوندي على كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في أن القرآن سليم من الزيادة والنقصان: إن قول أمير المؤمنين: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر «١»

وعمر قد جاء مجيئا لا ينكره من له في العلم نصيب، وذكر جماعة ممن رووا فضلهم ونبلهم وكثرتهم وجلالتهم ثم قال: ولكن عندنا ما أراد نفسه. ثم ذكر أبو القاسم رحمة الله عليه أن شريك بن عبد الله كان من كبار الشيعة «١» ، وكان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر وهما خير من عليّ، ولو قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي، لأنه قد قام على هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فنكذبه، والله ما كان كذابا. قال أبو القاسم: الخبر صحيح، ولكنه عندنا مخصوص، ولم نقصد لذكر ما قاله أمير المؤمنين في فضلهما، فإن ذلك أوضح من الشمس وهو كثير، وله كتب كثيرة مفردة طويلة، وإنما ذكرنا هذا عند ذكر عبد الله بن سبأ وما كان منه. وبما أفسد به على أمير المؤمنين، وربما ألقى عبد الله بن سبأ هذا ما ألقاه، وظهر إلى قوم كان يلقيه اليهم من أنه إله، واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفيرا يسيرا، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ قد قتل ومات ودفن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق، فأهدم مسجدها حجرا حجرا، وأفعل وأفعل، فلو جئتمونا بدماغه مسرودا لما صدقنا أنه قد مات. / ولما افتضح بهت، وادّعى على أمير المؤمنين ما لم يقله. والشيع الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها وفي العراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضيا بقوله، وبقول الذين حرقهم، وإنما

أحرقهم لأنهم أظهروا السرّ، ثم أحياهم بعد ذاك. قالوا: وإلا فقولوا لنا لم لم يحرّق عبد الله بن سبأ؟ قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرّقه لما نفع ذلك معكم شيئا، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر. وأنت رحمك الله، إذا شاهدت الإمامية مع هؤلاء ومع من يقول في أمير المؤمنين وولده أنهم أنبياء، فإن الإمامية تقول لهم: قد كان هؤلاء الأئمة بين الناس فما ادّعوا النبوة، فيقولون لهم: قد كانوا بين الناس فما ادعوا ولا أظهروا ما يدّعون عليهم من الإمامة والنص والوصية والعصمة والآيات والمعجزات، فإن كان ما يقولون لنا من أنهم ما أظهروا النبوة حجة، فهذا حجة عليكم لمن خالفكم، فإن قلتم: قد أظهروا ما يدّعون بهتم الناس وليس مع المباهتة مناظرة، وقلنا لكم: أيضا قد أظهروا ادعاء النبوة، فإن قلتم بالعقل قد علمنا أنه لا بد من إمام معصوم، قلنا لكم: بالعقل علمنا وبالسمع جميعا أنه لا تخلو الدنيا من نبيّ موجود فيها قائم العين ولا تقوم شريعة نبيّ إلا بنبيّ مثله، ولا يبلغ شريعة نبيّ إلا نبيّ مثله، وقد قال الله: «ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا» «١» وقال: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً» «٢» فإن قلتم: هذا انصراف عن الضرورات بالظواهر والتأويلات، لأن رسول الله ﷺ قال: لا نبيّ بعدي، قلنا: فما حالنا نحن وقد ادعينا/ ذلك، فإن ادعيتم علينا المكابرة ادّعينا عليكم مثله، وبعد فنحن ندّعي أن هؤلاء القوم قالوا لنا ولسلفنا أنهم أنبياء وقد ذكرنا لكم بحجة العقل وحجة السمع، فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم

العقل وحجة السمع، فكيف يريد النبي أنه لا نبي بعده. وأيضا فنقول لكم: ما في العقل وجوب إمام معصوم، وإنما هو ظن يظنونه بما ألقاه هشام لكم، وقد بينا لكم

من أفعال رسول الله ﷺ وأقواله، وأفعال أمير المؤمنين وأقواله، أن الإمامة بالاختيار، وأن الإمام يجوز أن يخطىء ويعصى. فإن قلتم لنا: أنتم كفار عندنا. قلنا لكم: هذا أول انقطاعكم وأيضا فإنكم عندنا كذلك، فإنه لا حجة تقوم لكم، ونحن نروي أن النبيّ ﷺ قال لعليّ: لا نبيّ بعدي إلا أنت وولداك، فإن قلتم هذا كذب ولدتموه، قالت لكم المعتزلة والفقهاء وأصحاب الحديث: قولكم: إنه لا بد من نص ووصية من النبيّ، وبيان شخص الإمام، وأنه معصوم، وأن الآيات قد ظهرت عليه، شيء وضعه هشام وفرية ابتدعها، والعقل والسمع يشهد بكذبه، فلا يجدون فصلا، وإذا كلم هؤلاء الإمامية من يقول أمير المؤمنين إله فإنهم ينقطعون في أيديهم أيضا كما انقطعوا في أيدي الذين قالوا إنه نبيّ، لأنهم إن قالوا: لهم جسم لا يكون قديما قالوا لهم فهشام بن الحكم وأمثاله من الإمامية يقولون في الله إنه جسم ذو نهاية، وأنه نور وأنه يتحرك ويرى ويلمس، قالوا: والعقل يشهد بذلك. قالوا: ومع هذا فإنا أخذنا هذا عن الأئمة بالمشافهة، قالوا لهم: دعوا ما حكته المعتزلة عن هشام وأصحابه في أن الله جسم ونور يتحرك ويرى ويصعد وينزل ويلمس وأنه لا يعلم الشيء قبل أن يكون، وخذوا فيما حكاه عنهم أبو عيسى الوراق وابن الراوندي وأبو محمد الحسن بن موسى النوبختي وأبو سهل النوبختي والسوس النجردي، وأمثالهم من الإمامية، وكتبهم مملوءة بذلك، ويذكرونه عن كل من سبق وتقدم من الإمامية، وكذا أيضا يذكرون عنهم القدر، قالوا لهم: ونحن نروي أن أمير المؤمنين قال في خطبته وعلى منبره: أنا رفعت سماءها وحفرت بحارها ونصبت جبالها، فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول النبي: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله،

ا، فإذا قالوا لهم: هذا لا يصح، قالوا: هذا أصح من قول النبي: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فيقول الإمامية لهم: فقد قال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله،

قالوا: ما هكذا قال، قد حرفتم القول، إنما قال أأنا عبد الله، أأنا أخو رسول الله، على طريق الإنكار لقول من يحكي هذا عنه، فينقطع الإمامية في أيديهم. وهؤلاء يروون عن أبي الخطاب محمد بن أبي زينب قال: كنت عند جعفر بن محمد فأستأذنت عليه، هذه الإمامية الذين يقولون فيه إنه إمام وحجة الله على أهل زمانه، فقال: ائذن لهم، عليهم لعنتي وغضبي، فلما دخلوا قطع الكلام الذي كان يتكلم به قبل أن يدخلوا، فلما خرجوا أتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، ما خلقت خلقا أبغض إلي من هذه الإمامية، وإني لأتقيهم أكثر مما أتقي الناصبة، واتبعهم اللعن وقال: يا أبا الخطاب، أنا إلهك وأنت رسولي إلى خلقي. وكان أبو الخطاب إذا لبّى يقول: لبيك جعفر لبيك. وإنما أوردنا هذا لأنه مثل ادعاء الإمامية وروايتهم أن أمير المؤمنين وولده كانوا يدّعون أنهم يعلمون الغيب وما في نفس عدوهم ووليهم، ويظهرون المعجزات، ويدّعون العصمة، فليس لكذبهم عليه غاية، وفي كل حين قد ولّد أهل ذلك العصر من الإمامية على أهل البيت غير ما ولده من قبلهم. ويدّعون أن هذا مما قاله النبيّ ﵇ ونص عليه ومما هذا سبيله. وقد أذاعوه في هذا العصر ووضعوا أنّ النبيّ ﷺ قال: إن بنتي فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فلا يجوز أن يدخل النار أحد من ولد فاطمة. فأعداء رسول الله ﷺ يطعنون عليه بمثل هذا. قلنا: لو كان هذا من نصوصه لجاء مجيء أمثاله ممن نصّ عليه ﷺ أنه لا يدخل النار وأن النار لا تمسه مثل آدم ونوح وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم، بل كان يجب أن يكون العلم بما ادعوه لولد فاطمة ﵍ أقوى من العلم بنصه على أولئك، لأن عهد هؤلاء

أقرب من عهد أولئك، وهم خلق كثير وأمم عظيمة، أحياء بين الناس، وهذا نص فيهم وحجة لهم، فالعلم به كان ينبغي أن يكون أقوى، فلما لم يكن كذلك علمت أنه أمر لا أصل له، وهو كادعائهم النص والعصمة والمعجزات لأئمتهم.

[حول قولهم بأن الله حرّم ذرية فاطمة ﵂ عن النار] ولقد قال عظيم من ولد فاطمة ﵍ وملك من ملوكهم لأبي عبد الله محمد بن علي بن زيد بن رزام الطائي الكوفي: نحن أمرنا على يقين، فإن فاطمة أمنا حصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، فقال له ابن رزام فهل بلغك أن حواء زنت قط؟ ما كانت إلا حصينة الفرج، فذريتها محرمة على النار، فسكت. وهو كما قال ابن رزام، وفي هذا كلام كبير. والذي يعرف العلماء أن النبي ﷺ، قال: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، ويا عباس عم محمد، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم شيئا «١» لا تأتوني بالأنساب ويأتي غيركم بالأعمال، فمن قعد به عمله لم ينهض به نسبه، إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى أعمالكم، كلكم لآدم وآدم من تراب، والناس سواء كأسنان المشط، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، فخيركم من اتقى الله. وكم مثل هذا من قوله، وكم في القرآن مثل هذا، وأنت تعرفه، والذي جعله الله في عقول العلماء من عباده هو الذي قاله رسول الله لا يجوز غيره، وهؤلاء القرامطة يدّعون أنهم شيعة أهل البيت، وهم فيما بينهم يتواصون بقتل العلوية أين تمكنوا، ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء شر من ولد العباس، وأشد في الإدلال على الناس بجدهم من أولئك، وقد سلطهم على الناس. وهذا

بينهم يتواصون بقتل العلوية أين تمكنوا، ويقول بعضهم لبعض: هؤلاء شر من ولد العباس، وأشد في الإدلال على الناس بجدهم من أولئك، وقد سلطهم على الناس. وهذا

مذكور لهم في البلاغ السابع والنيموس الأعظم الذي فيه حقيقة مذهبهم الذي يخرجون به إلى من قد بلغوه، وهو وصيتهم لأبي طاهر بن سعيد الجنابي. [حول الادعاء بأن لأهل بيت الرسول خمس أموال المسلمين] ومما يذكرونه الآن للناس مما هذا سبيله، قولهم للمعتزلة: إنكم تقولون إن هذا الرجل الذي هو نبيكم قد زهد في الدنيا وحمل أهل بيته عنها، وولد العباس وولد أبي طالب لا يتدافعون انهم قد جعل لهم خمس الأرض وخمس ما في أيدي الناس كلهم، حتى يقولوا عظاماؤهم وأغنياؤهم وملوكهم وأهل الثروة منهم: لنا في أموال الناس كلهم الخمس، حتى الأرملة الفقيرة التي تعيش بغزلها لنا فيه الخمس. فقيل لهم: لو كان ﷺ قد نص على هذا وفرضه لجاء مجيء أمثاله من النصوص، وكان العلم به أقوى من العلم بقسم الصدقات، لقوله: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» «١» إلى آخر الآية، ومن قسمة المواريث بقوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» «٢» إلى آخر الآيات، لأن هذا نص في رجال سادة أشراف معروفين، وكان ينبغي أن يكون رسول الله ﷺ قد قسم فيهم خمس جزيرة العرب فقد ملكها، وأن يكون أمير المؤمنين قد قسم فيهم خمس الأرض فقد كان ملك الإسلام كله إلا كورة فلسطين وحدها، ونفد أمره فيها خمس سنين. فإن قالوا: قد فعل رسول الله ﷺ ذلك، وفعله أمير المؤمنين حين ملك، قلنا: فقد كان ينبغي أن يكون العلم بذلك حاصلا لمن سمع الأخبار، ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن كونه بالكوفة وبالنهروان، وما كان له مع من

، ويكون أقوى من العلم بدخوله البصرة ومحاربته لمن حارب بها، ومن دخوله إلى الشام ولمحاربته لمن حارب بها، ومن كونه بالكوفة وبالنهروان، وما كان له مع من

حاربه بها، لأن قسمة ما ادعوه فعل يتكرر على رجال ونساء صفتهم ما قدمنا، ولا فرق بين من ادعى هذا أو ادعى أنه ﵇ كان قد أقطع عبيد الله اليمن حين ولاه إياها لتكون له ولولده مما يستحقه من الخمس، وكذا فعل بابن عباس حين ولاه البصرة، وبتمام بن العباس حين ولاه المدينة، وبقثم حين ولاه مكة، وبمعبد بن العباس حين ولاه خراسان، وأنه أقطع عقيل ابن أبي طالب أصبهان، وولد جعفر بن أبي طالب الجبل، والحسن ابنه مصر، والحسين ﵇ عمان والهند، أو ادّعى أن رسول الله ﷺ قسم ذلك عليهم في حياته وتقدم إلى أمته بذلك. والذي يعرف أهل العلم أن رسول الله ﷺ حرم عليهم الصدقات وأوجبها على أغنيائهم لفقراء المسلمين من ليس من بني هاشم، وجعل للفقراء من بني هاشم من خمس الخمس من الفيء بمقدار ما يسدّ به الخلة. وقد كان يمنعهم إذا سألوه، فكان أمير المؤمنين يتحدث بذلك فيقول: ألا أحدثكم عنا وعن رسول الله ﷺ، إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قمّت البيت حتى أثر بثوبها «١» ، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقيل لها: إن أباك قد أتاه سبي وهو يقسمه بين الناس فلو سألتيه خادما يكفيك، فاستحيت أن تسأله، فمشى معها عمات رسول الله ﷺ ومشينا معها، فأتيناه وهو مشغول بالنّاس، وطال انتظارنا فرجعنا، فلما فرغ، أخبر بذلك فأتانا، فقال: ما جاء بك يا فاطمة، فاستحيت أن تقول، فقلنا جاءتك يا رسول الله لتخدمها من السبي الذي أتاك خادما، فإنها قد قمت البيت حتى أثر بثوبها، وطحنت حتى أثر بكفها، واستقت بالقربة حتى أثر بنحرها، فقال لها: يا بنية أيتام بدر أحق منك، ألا أعلمك ما هو خير لك

من هذا، تسبحين الله كذا وتحمدينه كذا، وذكر الحديث، وهي قصة معروفة طويلة. وأتته فاطمة مرة أخرى بالحسن والحسين، فقال: يا نبي الله أنحلهما. فقال: نحلت هذا الكبير المهابة والحلم، ونحلت هذا الصغير المحبة والرضا، فما زاد على هذا. وكم قد سأله ﷺ غير واحد من بني هاشم فمنعهم، وتفصيل ذلك يطول، وهو مذكور في كتب العلماء. وما كان يعطي المحتاجين منهم إلا من خمس الخمس من الفيء، وربما دفعه إلى العباس ليقسمه عليهم. وكانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا، فكانت أرض بني النضير حبسا لنوائبه، وجزأ خيبر ثلاثة أجزاء، وكانت فدك لأبناء السبيل، فكان عمر ابن عبد العزيز يعجب من إقطاع معاوية إياها مروان بن الحكم وهي لأبناء السبيل، وقد سألته إياها فاطمة بنته ﷺ فمنعها، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب الناس فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله، لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فسألته إياها فاطمة ﵂، فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك. فكان ﷺ يضع ما كان يأتيه منها في أبناء السبيل. ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله ﷺ، ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك، فصارت لي وللوليد وسليمان، فلما ولي الوليد سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي مال أحبّ إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.

فلما ولي الوليد سألته حصته فوهبها لي، وسألت سليمان حصته فوهبها لي، فاستجمعتها، وما كان لي مال أحبّ إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.

فعادة رسول الله ﷺ في منع أهله معروفة، وكان يعطي الناس الجزيل الكثير، ويمنع أهله. ولقد سأله رجل غنما ما بين جبلين فأعطاه إياها كلها، وكم من رجل قد أعطاه مائة بعير وأكثر، وكان إذا أتاه المال لا يدخل بيوته حتى يقسمه كله ثم يدخل، وربما أمسى عنده منه شيء فيبيت في المسجد إلى أن يقسمه. وكان أصحابه من السابقين الأولين يتذاكرون سيرته ﷺ في هذا، وأنه كان يأتيه الفيء العظيم فيمسي وإن بيوته لصفر ما أدخلها حلوا ولا مرا حتى يرد عليه من بيوتنا. ولقد دخلت من الأنصار امرأة على عائشة فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى عائشة بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: يا رسول الله، إن فلانة الانصارية دخلت عليّ فرأت فراشك، وذهبت فبعثت إليّ بهذا، فقال: رديه، فلم تردّه، وأعجبها أن يكون في بيتها، فراجعته فقال لها ذاك ثلاث مرات، وكم مثل هذا مع أزواجه في ستر يراه وغيره مما يطول شرحه، وقد عرفت شرطه على أزواجه وما أنزل الله في سورة الأحزاب، وقد تقدم لك ذكر ذلك، وإنما هذا وأمثاله من الأحاديث التي يضعها الملحدة ويتقربون بها إلى بني هاشم ليغروهم بالناس، وليلبسوا عليهم دينهم، ثم يأتون العلماء فيسألون عنها في المطاعن على رسول الله ﷺ، فيشغبون من كل وجه، فقلّ ملحد إلا وهو يدعي التشيع ويصنف الكتب في نصرة الرفض كما هو معروف، وقد تقدم لك ذكر ذلك. والذي يجب على رسول الله ﷺ البيان، وليس يجب عليه ألا يكذب عليه أحد ولا يلزمه ذلك. وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله ﷺ ليست تلك النخيلات التي

ه أحد ولا يلزمه ذلك. وكان أبو الفتح بن فراس الكاتب وهو أحد الشيع ومن كبار الإمامية يقول للإمامية: فدك التي أعطاها رسول الله ﷺ ليست تلك النخيلات التي

بالحجاز وإنما فدك التي نحلها رسول الله ﷺ فاطمة هو ما سقته الفرات والنيل ودجلة وسيحون وجيحون، فلأولادها يأكلون من مال أمهم، والشيعة يأكلون من مال مواليهم، وكأنك بهذا قد انتشر وصار له إسناد، وادّعوا فيه التواتر. وكان أبو الفتح هذا ينزل ببغداد في الجانب الشرقي في سوق يحيى، وقريبه مات، وكانت الشيع ترجع اليه في الرواية ويعرض عليه شعراؤهم شعرهم، مثل أبي الحسن عليّ بن وصيف الجلاء الذي تسمى بالناشيء وحمام بن فراس في هذا الموضع معروف [١] . [الرد على الروايات التي زوروها من أن الفروض لا تجب على أهل بيته ﵊ وشيعته] وقد وضعوا أن رسول الله ﷺ قال: إن الصلاة والصوم والزكاة والحج لا تجب على أهل بيتي ولا على شيعتي، ولا يحرم عليهم شيء من هذه المحرمات وإنما هذه عذاب على أعداء أهل النبي وأهل بيته، وما كان الله ليجمع بين أوليائه وأعدائه في الفروض. وزوّر لهم في ذلك الروايات، وتأولوا في ذلك القرآن، وقد انتشر هذا وانبث وعليه خلق كثير منهم بسواد الكوفة وبالبحرين وببغداد وبنواحي اليمن وبالشام، ولا يكاد أحد من هؤلاء يصلي إلا إذا حضره الناس ولأجل الناس وفي المشاهدة ليغتر به الناس، وبينما ترى الواحد وقد ادّعى التشيع حتى قد تبرأ من أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار حتى قد ادّعى أن القرآن مغير ومبدل، حتى ادعى أن له باطنا غير ما عليه العلماء والفقهاء والعامة، ثم لا يلبث أن يدعي أنه ما يحرم عليه لا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا تجب عليه عبادة، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. وقد علم كل من سمع الأخبار أن رسول الله ﷺ أوجب هذه الفرائض على كل عاقل بلغته دعوته، وأنها بركة ورحمة من الله على عباده، وأنها لا تسقط عن أحد يستطيعها، ولا يحل

الزنا والاشتراك في الزوجات واللواط وغير ذلك لأحد البتة، وأنها على البررة والخاصة، والعلماء ومن أهل البيت أوجب وألزم منها للعامة الفجرة، وأنها ليست بعذاب على أحد، وأن لمن فعلها وقام بحقوقها ولم يبطلها ولم يحبطها الثواب والمدح والإجلال والكرامة في الدنيا والآخرة. والعلماء يعرفون من سنة محمد ﷺ أن تكاليفه الثقيلة إنما هي على خاصته والسابقين، وأنه كان يولي على أهل بيته ويلزمهم الطاعة لولاته، فقد ولى عتاب بن أسيد مكة وبها من بني هاشم خلق كثير فكانوا له رعية، وقد ولّى على المدينة في غزواته وأسفاره غير واحد من المهاجرين والأنصار وبها من بني هاشم ومواليهم رجال كثير وقد ولى زيد بن حارثة على عسكر مؤتة وعلى جعفر بن أبي طالب، فكان هو الأمير دون جعفر، وقد كان هناك غير جعفر هذا. وجعفر ﵁ قديم الإسلام، قديم الهجرة، وقد وّلى رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب وجعله خليفة/ على عسكره وجيشه يوم الطائف ويوم الفتح ويوم حنين، وكان علي بن أبي طالب ﵁ في ذلك العسكر وفي هذه المواطن كلها، وقد ولّى رسول الله ﷺ على عسكره وجيشه أبا بكر الصديق في غزوة تبوك، وأقام بالمدينة يحرض الناس على غزو الروم، وفي ذلك الجيش الذين أمرهم غير واحد من بني هاشم، وكان أبو بكر يصلي بهم ويأمرهم وينهاهم. ولما سار رسول الله ﷺ إلى تبوك قدم أبو بكر وعمر على معظم جيشه وقدمهما أمامه وسار في آخر الناس في نفر يسير، وفي ذلك العسكر غير واحد من بني هاشم، وهي قصة معروفة، وفيها يقول رسول الله ﷺ لمن معه: كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيّهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أليس في القوم أبو بكر وعمر، إنهما

الله ﷺ لمن معه: كيف ترون الناس صنعوا حين أرهقتهم صلاتهم وفقدوا نبيّهم، قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: أليس في القوم أبو بكر وعمر، إنهما

سيرشدان الناس، فإن أطاعوهما فقد رشدوا ورشدت أمهم، وإن عصوهما فقد غووا وغوت أمهم، يقولها ثلاثا. [حول تولية الخلفاء الراشدين صحابة رسول الله] وقد ولى رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع وفيه عليّ ابن أبي طالب وغير واحد من بني هاشم، وأبو بكر الأمير والمصلي والخطيب والدافع بالناس دون عليّ، ودون أحد من بني هاشم. وقد استخلف رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الصلاة في مرضه، فصلّى ببني هاشم وبالمهاجرين والأنصار وبالناس كلهم وهناك من بني هاشم خلق كثير، فكانوا في كل ذلك سامعين ومطيعين وما كلفهم من الشدائد فأعظم، ولمثل هذا قال أمير المؤمنين لمعاوية في كتابه اليه، وقد ذكر فيه الشدائد التي كلفها رسول الله ﷺ بني هاشم: فكان إذ حمي الناس ودعي إلى البراز قدم رسول الله ﷺ أهل بيته فوقّى بهم/ أصحابه حرّ السيف وحرّ الأسنة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وقتل أخي جعفر يوم مؤتة، وقتل زيد بن حارثة يوم مؤتة، وأراد من لو شئت لذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع نبيّ الله ﷺ غير مرة غير أن آجالهم عجلت ومنيته تأخرت، فما سمعت ولا رأيت أحدا هو أنصح ولا أطوع لله ولرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر من أهل بيته، وفي المهاجرين خلق كثير يعرفونه لهم، فجزاهم الله خيرا. فتأمل رحمك الله هذه السيرة من رسول الله ﷺ، فإنها ضد سيرة طلاب الدنيا وخطاب الملك في أولاوهم أقاربهم وأهل بيتهم، وفي هذا كلام كثير، وقد تقدم له نظائر وأمثال، وقد تقدم ذكر وصاياه لأصحابه في مرضه فارجع اليها وتأملها. وتأمل حالهم حين قبض رسول الله ﷺ، وقد خاضوا فيمن الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع أمير

رضه فارجع اليها وتأملها. وتأمل حالهم حين قبض رسول الله ﷺ، وقد خاضوا فيمن الخليفة بعده كما قد تقدم لك فيما كان من بني هاشم والعباس وأبي سفيان مع أمير

المؤمنين، وما كان من السقيفة، وقد جرت تلك الخطوب التي قد تقدم لك ذكرها يوم موت رسول الله ﷺ على وجه الأرض لم يدفن بعد، وقد تذاكروا وخاضوا وأدلى كل قوم بما لهم من الفضائل وبما قاله رسول الله ﷺ في كل فريق، وقد تجاذبوا الامارة وفيمن تكون الرئاسة، فانظر كيف أجمعوا كلهم على تزكية رسول الله ﷺ، والتسليم لأوامره، والاقتفاء بأثره، والطلب لوصاياه فما هناك أحد منهم أظهر معتبة أو شك في شيء من أمره وأفعاله ﷺ ولا سأل على طريق الاستفهام عن شيء من أموره بوجه من الوجوه، هذا والعهد قريب، وفيهم من يريد شرف/ الرئاسة في قومه، فما رجعوا إلا إلى وصاياه في أن يكون في الأخيار من قريش، وهذا موضع يخرج في الأضغان ويظهر الشحناء. ثم انظر كيف جعلوها فيمن كان يجله ويعظمه ويقدمه، وفي أهل السابقة، وهناك من سادات العرب وذوي الشرف والنخوة والعدد والعدة وكثرة العشيرة وظهور الثروة ما لا يحصى كثرة، ثم هناك من الأقارب من سادات بني هاشم خلق كثير، ولو لم يكن إلا العباس مع فضله وعقله الذي كان يدعى حليم قريش، وإذا كان حليم قريش وقريش أحلم العرب إذ ذاك وأعقل العرب فهو حليم العرب كلها، فجعلوها في أبي بكر وهو أضعف حيّ في قريش وأقله عددا وأظهر فقرا، فقد كان له مال فأنفقه على رسول الله ﷺ وفي نوائب الإسلام، حتى لم يكن له ثوب يكفن فيه حين مات فوصّى أن يكفن في أطماره الرثة، فلما قيل له: ألا تشتري لك ثوبا جديدا يكفيك فيه، فقال: الحيّ أحوج إلى الجديد. ولما استخلف، غدا إلى السوق وعلى عاتقه أثواب يبيع ويشتري، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا خليفة رسول الله ﷺ أصبح غاديا يبايع

الناس في الأسواق، وله بشأن المسلمين شغل، ولن يبلغ أحدا خبره من سادات العرب وملوك العجم إلا احتقروا أمركم، فأتوه وكلموه في ذلك «١» ، وقالوا له قولا غليظا شديدا، فقال: إنما أنا كاسب أهلي، فإن أنا أضعتهم فأنا لمن وراءهم أضيع، وقد كرهت أمركم وحرصت أن أكون وزيرا فأبيتم إلا بيعتي وأكرهتموني. وكان من أمرهم معه ما هو مذكور. فتأمل هذه المواطن والمقامات، فكم فيها من دلائل وعلامات على سلامة/ النبوة من كل دنس، وطهارتها من كل لبس. فإن قيل: أو ليس الرافضة تدّعي أن أبا بكر غلبهم وقهرهم، وأنهم في السقيفة اتزروا بالأزر الصنعانية واقتتلوا على الملك والخلافة؟ قلنا: قد فرغنا من هذا، وبينّا بطلان هذه الدعوى، وأن القوم الذين اعتقدوا نبوة النبيّ ﷺ وتدينوا بصدقه واتبعوه بتلك الشرائط التي قدمنا ذكرها، هم الذين اجتمعوا على خلافة أبي بكر واستخلفوه واعتقدوا إمامته فطهارته، وتقربوا إلى الله بطاعته وامتثال وصاياه وأوامره، فلا فرق بين من ادّعى هذا وأن أبا بكر غلبهم وقهرهم وخدعهم وسحرهم، وبين من ادّعى ذلك في رسول الله ﷺ وادعى ذلك في أمير المؤمنين، ومن أطاعه واعتقد إمامته. ولا فرق [بين] «٢» من ادعى أنهم لبسوا الازر الصنعانية أو ادعى أنهم تقاتلوا عليها بالسيوف والرماح على الخيول، فإن الملك بمثل هذا يؤخذ لا بالأزر، وإنما هذه دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ﷺ. وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة

نما هذه دعاوى من يريد تشكيك المسلمين في دينهم لتستوي له المطاعن في نبوة نبيهم ﷺ. وأهل المعرفة يعلمون أن أبا بكر مضى إلى الأنصار وهم أهل العدد والعدة

والبأس والنجدة، وهم أكثر من جميع المهاجرين وجميع قريش الذين بالمدينة وتبعه عمر وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، فكيف كان يغلب الأنصار بهؤلاء الثلاثة؟ ولو أراد أن يغلبهم بكل من بالمدينة من قريش لما أطاقوا ذلك، ولكن الأنصار ﵏ طلبوا في بدء الأمر الخلافة فلما بيّن لهم أبو بكر أنه لا ينبغي ذلك رجعوا عنه لله وابتغاء وجه الله. قال متكلم الشيع: خدع أبو بكر/ الأنصار بأن قال: منكم الوزراء ومنا الأمراء، فأطمعهم ثم غدر بهم، فما استوزر أحدا منهم لا هو ولا من بعده من الخلفاء، فلهذا أجابوه واتبعوه. قلنا: هذا من دعاويكم التي لا دليل عليها، والوزارة التي ذكرها أبو بكر لهم إنما هي المعونة والمؤازرة في طاعة الله لمن يلي الأمر من قريش، فهذا زيادة في كلفة الانصار في شدة الوطأة عليهم والمشقة الشديدة فيما ألزمهم من معونة الخلفاء، فأين الإطماع الذي ادعيتم عليهم؟ وهذا الذي شرطه أبو بكر عليهم إلى النفور عنه وإلى الايحاش منه أقرب، فهذه الوزارة التي شرطها عليهم. وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال: ولّوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة «١» ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند وفاته: ليتني يوم سقيفة بنى ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي عبيدة، وكنت وزيرا لا أميرا يريد معينا، وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا اليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا.

نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا.

ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد سلطان الزمان منه جباية الأموال، وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك، وتمدحه الشعراء، ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار والبحار، كابن كلّس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر/ هكذا ينبغي أن تكون، «١» أو ما علموا أن موسى سأل ربه فقال: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» «٢» وقال رسول الله ﷺ: وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، ولولا فساد الزمان وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام. وبعد فإن العاقل يعلم بطلانه من كل وجه، فإن الأنصار لو كان غرضهم الدنيا لقالوا لأبي بكر: ولم ندع الأمارة ونصير تبعا لك والدار دارنا والبلاد بلادنا والبادية باديتنا والعدد والعدة فينا والبأس والنجدة لنا، وأنت وصاحبك وجميع قريش جئتمونا هرابا الينا مستجيرين بنا، فما بنا حاجة اليك أن تكون من أتباعنا وحاشيتنا فكيف تكون أميرا علينا، وما حاجتنا والدنيا طلبتنا ونيتنا والعاجلة بغيتنا أن نتكلف هذه التكاليف الشديدة التي أتانا بها صاحبك، من الصلاة والصيام والزكاة والحج والمواساة والحدود ومعاداة الأمم والمجاهدة للملوك حتى يقيموا دينه ويتملكوا بشريعته، ونسفك دمانا في ذلك، ونكفر أسلافنا الذين خالفوا دينه وشريعته.

وهذا مثل دعوى من ادعى أن رسول الله ﷺ خدع المهاجرين والأنصار بغير ما ادعى هؤلاء عليهم، فقال ﷿: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «١» فأخبر عن نياتهم وشهد بصدقهم، وقال في الأنصار: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ/ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» «٢» فأخبر أنهم يؤثرون الفقر في طاعة الله، ويواسون المحتاجين في ذات الله، مع ما بهم من الخصاصة، وشهد لهم بالفلاح، وقال رسول الله ﷺ: لو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديهم، وقال لهم: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، إلى غير ذلك مما قاله فيهم ﵃. فهذه الشيع تقول فيهم بخلاف ما دل عليه العقل وبخلاف ما قال الله وبخلاف ما قال رسوله، ولكن الأنصار ﵏ لما علموا أن الإمامة لا تكون فيهم جعلوها في الفاضلين من مهاجرة قريش، ولو أرادوا الدنيا والملك لكذبوا أبا بكر حين قال لهم إن رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» أو كانوا يقولون: وإن قال هذا فإنا لا نقبل، فقد كانوا على ذلك قادرين والغلبة والعز لهم وفيهم، ولو أرادوا الدنيا والملك لقدحوا في رسول الله ﷺ ولكذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء، فتعلم بهذا صحة النبوة وسلامة رسول الله ﷺ من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره،

كذبوا عليه ولقالوا فيه كما يقول هؤلاء، فتعلم بهذا صحة النبوة وسلامة رسول الله ﷺ من كل عيب، وطهارة أبي بكر والمهاجرين وبراءتهم في صغير القبيح وكبيره،

وإن الأنصار ما أرادوا إلا الله والدار الآخرة في تصييرهم الخلافة في أبي بكر وأمثاله من قريش، وأنهم قدموه لأن رسول الله ﷺ قدمه، ولقوله ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» » فكان أبو بكر وعمر هما اللذان يليانه إذا قام لصلاته، وإذا استوى في مجالسه، ولهذا قالوا/ وهم يصفون مجالس رسول الله ﷺ ومنازل أصحابه عنده، قالوا: إن كانت حلقة رسول الله ﷺ لتشتبك حتى تكون كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل اليه رسول الله ﷺ بوجهه وألقى اليه حديثه، وسمع الناس. ولقد أقبل العباس يوما فتنحى له أبو بكر وأجلسه معه، فعرف السرور في وجه رسول الله ﷺ بتعظيم أبي بكر للعباس، فاعرف هذا فإن الإمامية اليوم يروون عن رسول الله ﷺ أنه كان يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم من المهاجرين والأنصار، وأنه كان يتلو في ذلك القرآن كما كان يتلوه في لعن فرعون وهامان وقارون وإبليس وأبي لهب وأبي جهل، وهذا باب ينبغي أن تراعيه، فإن الأدلة تشهد ببراءة هؤلاء من كل عيب، كما تشهد ببراءة رسول الله ﷺ، والكلام على الفريقين ممن كشف قناعه في الطعن على رسول الله ﷺ واعتقد افتعاله واحتياله ونسب الطعن عليه بتهمة أصحابه. وأيضا فإن أبا بكر ما قبض الأموال لنفسه ولا لولده ولا لأصهاره ولا لأهل بيته، ولا أقطعها القواد والجند فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ويجتازون.

هل بيته، ولا أقطعها القواد والجند فنوجه في ذلك تهمة، وإنما جعلها لأبناء السبيل الذين لا يعرفهم ولا يدري من هم، وإنما هم غرباء فقراء يطرقون ويجتازون.

وقد قال أبو علي محمد بن عبد الله العلوي المصري الفاطمي الحسيني أفقه أهل بيته في زمانه، وأرواهم لأحاديثهم وأخبارهم، وكان رحمة الله عليه من الزهد والنزاهة والعبادة بالمنزلة التي لم يكن في أهل بيته وزمانه مثله، فقال ﵀: من الدلالة على براءة ساحة أبي بكر الصديق مما رمته/ الرافضة به أنه منع العباس وفاطمة وأزواج النبي ﷺ أموال رسول الله ﷺ وجعلها في سبيل الله، فإنه إنما فعل هذا وتم له وأقدم عليه مدلّا بالحق الذي كان عليه، ولو كان مبطلا لأعطاهم إياها وأكثر منها، لأنه برسول الله ﷺ عزّ، وبه تقدم، وبه كانت له الرئاسة، وبه صار صدّيقا، وأصحابه وأنصاره جعلوه خليفة، فلو كان مبطلا وطالب دنيا لأعطاهم ذلك وأرضاهم بكل ما يقدر عليه ليتم له ما يطلبه من الملك، فليس من الحزم أن يمنعهم هذا المقدار وينفرهم ويوحشهم لأجل شيء هذا قدره، وقد كان عاقلا حازما بالأمور عارفا بالأمور لا يدفعه عن هذا من عرفه، فإنما منعهم ذلك لأن رسول الله ﷺ منعهموه «١» . ذكر أبو عليّ ﵀ هذا ومعناه في رسالته التي بين فيها من الرافضة، ومن الناصبة، ومن الشيعة. يزيدك بذلك علما، أن معاوية بعد أن قاتل بني هاشم وقتل منهم ومن شيعهم، وملك الأرض، واستتب له الأمر، حتى ما بقي أحد يقاومه أو يدفعه، جعل لأعدائه من بني هاشم ومن كان يخافه من قريش العطاء الجزيل، استكفافا لهم، وليتم له ملكه، وليستقيم له أمره وسلطانه. فكان يعطي الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ﵃ لكل واحد منهم في كل سنة ألف ألف درهم، ويقضي حوائجهم، ويتبع ذلك بغيره من الألطاف والهدايا. وأبو بكر ﵁ لم يعطهم شيئا من ذلك، بل كان يعطيهم

على قدر الحاجة، ويسوي بين الناس كلهم في العطاء. ولما اتسعت الأموال في زمن عمر، ودوّن الدواوين، وأعطى من شهد بدرا، / وسوّى بين الموالي والعرب ممن شهدها في ذلك، سألوه الصحابة في أن يجعل للحسن والحسين مثل ذلك، وكان مقدار خمس مائة دينار، تقربا إلى رسول الله ﷺ، وبرا به ﷺ فقد كان يحبهما، فأشاروا عليه بذلك، وأذنوا له فيه، فجرى أمر عمر على ذلك، وعليه عمل عثمان، وعليه عمل أمير المؤمنين حين صارت الخلافة اليه. ولقد سأل خالد بن المعمر السدوسي أمير المؤمنين في أن يزيدهما ﵄ في عطائهما فلم يفعل، وراجعه، فغضب أمير المؤمنين فقال: ما كنت لأزيدهما على ما فرض لهما عمر، وسأله عبد الله بن جعفر في أن يزيد عائشة وهي بالبصرة فقال: ما كنت لأزيدها عما فرض لها عمر. وسأله أخوه عقيل ليزيده على ما فرض له عمر فلم يفعل، وراجعه فلم يفعل. وسأله جعدة بن هبيرة المخزومي وهو ابن أخته أن يعطيه فما زاده على ما فرض له عمر، وقال له أتريد أن يكون خالك سرّاقا. وكان ﵁ لا يأخذ في خلافته وسلطانه إلا ما فرض له عمر، ومثل هذا كثير. فإن قيل: ولم لا عرف رسول الله ﷺ أئمته وأزواجه أنهم لا يرثونه فكانوا لا يحتاجون أن يسألوا أبا بكر؟ قيل لهم: الذي يلزم رسول الله ﷺ أن يقيم الحجة، ويقول، وقد فعل، وعند حاجة أهله إلى ذلك عرفوه ووجدوه قد قاله وعلموا ذلك، ومن كان الحق طلبته ففي أقل قليل مما ذكرنا كفايه، ولو لم يكن إلا فعل أمير المؤمنين ﵁ وشبهه. وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله ﷺ أحبّ إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم، وهم

ر المؤمنين ﵁ وشبهه. وقد علم أهل التحصيل أن فاطمة وأهل بيت رسول الله ﷺ أحبّ إلى أبي بكر وعمر وعثمان وأولئك السابقين من أولادهم وأسماعهم وأبصارهم، وهم

فتحوا الدنيا ودعوا/ أهلها إلى حب رسول الله ﷺ وبني هاشم، وسلموها اليهم. ولم نقل هذا من طريق حسن الظن بهم، ولكن بدلائل العقول التي قد تقدم ذكرها في غير موضع من هذا الكتاب. وقد سأل موسى أخاه هارون ﵉ وأخذ برأسه يجره اليه، ثم رجع اليه حين عرف الجواب عند حاجته اليه. فعير منكر أن تعرف فاطمة وأهل رسول الله ﷺ ما احتاجوا اليه من أبي بكر. ولم يكن لقائل أن يقول: فلم لا عرف الله موسى الحال قبل مصيره إلى أخيه فكان لا يحتاج أن يجر برأس أخيه ويعاتبه ذلك العتاب، ولم لا عرفه وجه الصواب في حرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فكان لا يحتاج إلى أن يلقى العبد الصالح الذي كان يتعلم منه بذلك الجفاء ثم يعتذر اليه بأنه نسي. ولم لا عرف سليمان ﵇ حال المرأة الملكة، ولم لا أغناه عن تعريف الهدهد ومساءلته وطول مراجعته؟ ولكن من وضع هذا غرضه ما قدمنا، وعنده أن أبا بكر وعمر وعثمان وأمثالهم وأشباههم من المهاجرين والأنصار، ما صحبوا رسول الله ﷺ للإعلام التي كانت معه، ولا لبصيرة في دينه، وما اعتقدوا قط نبوته ولا صدقه، ولا انطووا على تعظيمه وإجلاله، ولا عرفوا له قدرا ولا أقاموا له وزنا، وإنما كانوا يراؤونه ويرائيهم، وينافقونه وينافقهم، وإنما كان غرضهم الدنيا والعاجلة، وكانوا يتربصون به وينتظرون موته ليكونوا ملوكا بعده، وأنهم قد اغتصبوا مصلاه ومقامه في حياته وفي جوف بيته، ونحّوا خليفته ووصيّه في حياته وبعد موته، وضربوا/ بنته وقتلوا جنينها في بطنها. وقد علمت رحمك الله على أي وجه كانت إجابتهم لرسول الله ﷺ ومتى أجابوه ومالقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه

ﷺ ومتى أجابوه ومالقوه في إجابته، وقد علمت بما تقدم لك في دلائل العقول أنهم قد اعتقدوا نبوته وصدقه، وأن المتأمل يعلم ذلك قبل العلم بنبوته، ويعلم أنه

كان يحبهم، وأنه قد فرض موالاتهم ومحبتهم كما فرض بغض أولئك الذين قدمنا ذكرهم، وعلمنا أنه لم يكن له حرص في الإمارة إلا بمقدار القيام بحدود الله، وأن كل واحد منهم قد تمنع وود أن غيره قد كفاه، فقد امتنع أبو بكر منها واجتهد أن يكون في غيره فأكرهوه عليها، ولم يكن لعمر فيها رغبة ولا منه لها طلب فاختاره أبو بكر وأدخله فيها، وعاتبه طلحة وغيره على ذلك وقالوا له: عمر رجل مهيب فاستعمل علينا أحمد طريقة في حسن الخلق منه، فقال: لا، هو خير لكم وأقواكم عليكم. وقال: اللهم إني وليتهم ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، وقد حضرني من أمرك ما حضر، اللهم عملت فيهم بالعدل جهدي، وآثرت محبتك على محبتي، واجتهدت لهم الرأي، فوليت عليهم خيرهم لهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على رشدهم، ولم أرد به صحابة عمر وأنا خارج من الدنيا داخل في الآخرة، فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبيه نبيّ الرحمة ﷺ، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، وأسلم لعمر أن لا يكون تلبس من هذا الأمر بشيء، وذلك أن الفارغ من أمر الناس يقبل على شغل نفسه، وأن والي الناس يتعرض فيما لا يدري ما يختم له به في آخر عمره، فإن هذه الدنيا قد/ غرّت من كان قبلكم وتنافسوا فيها فأوردتهم موارد الهلكة، فندموا حيت لا تنفعهم الندامة، قد انقطعت الآمال، وعاينوا أعمالهم، فلا يقبل من محسن عمل ولا من مسيء نزوع عن خطيئة، فمن استطاع أن يقدم عملا يعيذه الله به من مساوىء يوم القيامة فليفعل. فما حقد عمر على طلحة ما قاله ولا تنكر له ساعة قط، ولقد جعلها عمر شورى في ستة من غير رغبة كانت من واحد منهم اليه في ذلك ولا مسألة، ولم

يقل أحد من أولئك السابقين الذين لم يدخلهم في الشورى لم لا أدخلتنا فيها، ولا قالوا هذا بعد موته، ولا عيب أحد عليه، وقد جعلهم كلهم لصهيب رعية وهو مولى، فصلى بهم ثلاثة أيام إلى أن استخلفوا عثمان، فما أنكروا ذلك. لتعلم زهدهم فيها، وأنهم كانوا يرونها مع الكلف الثقيلة، فإذا وجدوا من يقوم بحقوقها ويحمل أثقالها استراحوا اليه وتمنوا مكانه. ولما دفن عمر، وأخذ أهل الشورى في الانصراف، ناداهم المهاجرون والأنصار إلى أين أيها الرهط، أما سمعتم عهد أمير المؤمنين، اجلسوا واختاروا واحدا منكم، فجلسوا ناحية يتشاورون، فقال أبو طلحة الخزرجي: أبرموا أمركم أظنكم تتنافسونها، لقد كنت أرى أنكم تتدافعونها، فتبرؤا من المنافسة فيها، وأنهم إنما يديرون الرأي في واحد منهم. فتعلم من ذلك أن أمرهم الزهد فيها، وأن الطريف الغريب أن يرغبوا فيها، فردوا الأمر إلى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم، فأخرج نفسه وابن عمه منها، وأخرج الجماعة واختار عثمان وقال: قد شاورت ونظرت، فما رأيت الناس يعدلون بعثمان أحدا، فبايعه الناس وعبد الرحمن/ وبايعه عليّ بعده، فما أنكر ذلك أمير المؤمنين ولا طلحة ولا الزبير ولا سعد بن أبي وقاص ولا تعتّبوا، ولهذا كان يقول عثمان للذين تنكروا له في آخر عمره: أدخلت في الشورى من غير طلب مني ولا رغبة، ثم اجتمع الناس عليّ من بين أهل الشورى من غير طلب ولا رغبة فبايعوني، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون متبعا غير مبتدع. وأما أمير المؤمنين ﵁ فقد عرضت عليه، وعرضها عليه «١» العباس وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبيّ وبعد عثمان فأباها وردها،

ينكرون متبعا غير مبتدع. وأما أمير المؤمنين ﵁ فقد عرضت عليه، وعرضها عليه «١» العباس وبنو هاشم وبنو عبد مناف يوم وفاة النبيّ وبعد عثمان فأباها وردها،

واختلفوا اليه أياما كثيرة فامتنع منها، ومد يده فقبضها وقال: اختاروا غيري أبايعه وتبايعونه. وما كان من طلحة والزبير من المصير إلى البصرة فلم يكن للرغبة في الإمارة ولكن للطلب بدم عثمان، فقد كان حرقوص بن زهير وتلك الجماعة أفحشوا فيما أتوه، وقد كانوا شكوا إلى طلحة عمال عثمان فأعانهم على عثمان، وظن أنهم صادقين، فتجرؤوا على عثمان بمعاتبة طلحة له ومعونته إياهم عليه. فلما اغتالوه وقتلوه، ندم طلحة أشد الندم على ما كان منه إلى عثمان. ولما نزل هو والزبير وعائشة ومن كان معهم حين ساروا إلى البصرة الجفير أرسل عثمان ابن حنيف الأنصاري عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤليّ إلى عائشة فقال: انطلقا فاعلما علمها وعلم من معها، فقالا: يا أم المؤمنين، أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله ﷺ أم رأي رأيتيه، فإن أميرنا بعثنا اليك، فهل أنت مخبرتنا؟ قالت: «١» بلى هو رأي رأيته والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، ولا يعطى لبنيه الخمر، إن الغوغاء من/ أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ فأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تره، ولا عذر أنا نقمنا عليه ضربة السوط، وموقع النحاية المحماة، وإمرة الوليد وسعيد، فعدوا عليه فاستحلوا منه الحرم الثلاث: حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص الإناء «٢» فركبوا هذه منه ظالمين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم

ين، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا بدار قوم كارهين لمقامهم، ضارين غير نافعين ولا مبقين، لا يقدرون على الامتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم

ما أتى هؤلاء القوم، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا، وقرأت: «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» «١» إلى آخرها، ثم قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان فما أنصفنا عثمان إذ لم نغضب له من سيفكم، فهذا شأننا، معروف نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكر نحثكم على تغييره وننهاكم عنه. فخرجا من عندها فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال: أو لم تبايع عليا؟ قال: بلى، وذكر شغب المصريين- الذين غزوا عثمان- في البيعة، وقولهم للناس: من لم يبايع قتلناه، ثم قال: وما أستقيل عليا إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فسألاه، فقال مثل ما قال طلحة سواء. فهذا الذي أخرجهما لا طلب الإمارة والمنافسة فيها. ثم أقاما بالبصرة وترددت الرسل بينهم وبين أمير المؤمنين، وتقرر الأمر بينهم على أن يقدم أمير المؤمنين عليهم البصرة، ويكون الأمر له، ويستقبلون النظر فيمن غزا المدينة، فأفسد الأمر عليهم ابن السوداء/ وأمثاله، كما تقدم ذكره. فإن قيل: كيف تقولون ما كان لهم في الإمارة رغبة وهذا عثمان قد قال له عبد الرحمن بن عدس في المصريين ليملأ الكتاب الذي وجدوه عن عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح في ضرب المصريين المتظلمين وحبسهم، وأن لا يسلم الأمر إلى محمد بن أبي بكر الصديق ولا يلتفت على الكتاب الذي معه، فقالوا له: إمام المسلمين يكتب بضرب المسلمين وحبسهم ويظهر شيئا ويبطن خلافه، فقال: ما كتبت ولا أمرت ولا علمت، قالوا: نصدقك، ولكن تختلع لضعفك عن القيام بها، ولخبث بطانتك. فقال: لا أنزع قميصا قمصنيه الله، فما خلعها «٢» حتى قتل.

Bagian 14 dari 18