تثبيت دلائل النبوة

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القاضى عبد الجبار (w. 415 H).

Bagian 15 dari 18 708 halaman

— Bagian 15 · وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صار… —

Bagian 15

وهذا علي قد خولف عليه، ورجع أصحابه عنه الذين صاروا خوارج، وأرادوه أن يتوب عن الحكومة أو يعتزل الأمر فما فعل، وقاتلهم وقتلوه وما نزل عن الخلافة. وقد سأله أهل الشام أن يعتزل لينظروا في الأمر، وفيمن قتل عثمان، ثم يولون الأمر بعد ذلك من يرون، فما اعتزل، وقد خلعه رسوله وصاحبه الذي أرسله حكما في دومة الجندل فما قبل حكمه. وقد تولاها الحسن فما اعتزل حتى اضطهده معاوية، وقد أرسل الحسين إلى أهل الكوفة وطلبها، وخرج اليهم لأجلها، فلما أحاط به عدوه أرادوه أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وعلى حكم يزيد بن معاوية ويبايعه ويقر له بالخلافة ويبرأ من الخلافة، فما فعل حتى قتل، فأية رغبة تكون أشد من هذه الرغبة. قلنا: الذي عمله عثمان وعليّ والحسن والحسين هو الصواب، وما كان يحل لهم أن يختلعوا، ولو فعلوا لعصوا ربهم، لأنهم كانوا أحق بالأمر ممن ينالهم الاختلاع، وهو فرض قد تعين عليهم القيام به، وقد كانوا أدخلوا فيه/ وصحت البيعة لهم، وإنما قلنا إن المهاجرين الأولين لم يكونوا يرغبون فيها إذا وجدوا من أمثالهم من يقوم بها، فأما بعد دخولهم فيها فلا يحل لهم الافراج عنها وتركها لأجل الجهال الذين خالفوهم فيها، بل يجب عليهم مجاهدتهم إذا وجدوا أعوانا، فإذا لم يجدوا كان لهم أن يعتزلوها إلى أن يجدوا أعوانا كما فعل الحسن ﵁ حين أسلمه أهل الكوفة. وما يحل لمسلم أن يخلي أئمة الضلالة وولاة الجور إذا وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه تمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين ﵄، وكما فعل القرّاء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن

جور إذا وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه تمكن من منعهم من الجور كما فعل الحسن والحسين ﵄، وكما فعل القرّاء حين أقاموا ابن الأشعث في الخروج على عبد الملك بن

مروان، وكما فعل أهل المدينة في وقعة الحرة، وكما فعل أهل مكة مع ابن الزبير حين مات معاوية، وكما فعل عمر بن عبد العزيز، وكما فعل يزيد ابن الوليد بن عبد الملك، فيما أنكروه من المنكر. وبزهد المهاجرين الأولين في الخلافة كان يضرب المثل كما قد تقدم ذكر ذلك، وعثمان وعليّ ﵄ فما عهدا في أحد البتة وأبو بكر وعمر لما عهدا لم يكن العهد في أحد من أولادهما ولا من أهلهما. ولما عزم معاوية في العهد لابنه يزيد فرق الأموال، وأخذ له على أهل الشام، وأرسل إلى المدينة وكان أميرها من قبله مروان بن الحكم وأبا زرعة روح بن زنباع الجذامي، ففرق الأموال، وقام مروان في الناس خطيبا وقال لهم: إن أمير المؤمنين معاوية قد جعل لكم ملجأ تلجئون اليه بعده وهو ابنه يزيد فقوموا وبايعوا، فلكم كذا وكذا، وذكر ما لمن أطاعه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: يا بني أمية إن هذا الأمر كان لرسول الله ﷺ، وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان أهلا فلم يفعل، وكان لأبي بكر/ وكان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا، وقد كان في عمر وقد كان في أهله من لو جعله فيه لكان له أهلا فلم يفعل، فأعدتموها يا بني أمية أعجمية، كلما هلك هرقل قام هرقل، فانفلّ الجمع، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: «وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي» «١» إلى آخر القصة، فسمعت عائشة من وراء الحجرة فقالت: كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله ﷺ أباك وأنت في ظهره. فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي

وراء الحجرة فقالت: كذبت، في غيره نزلت، وأما أنت فقد لعن رسول الله ﷺ أباك وأنت في ظهره. فاعرف كم في هذا من معنى ودلالة من وجوه كثيرة منها: أن ولد أبي

بكر وغيرهم ينطقون بالحق في زمن الجبابرة الذين قد أفنوا الأمم بالسيف ومما يكاد أحد ينطق إلا بما يهوون ويريدون، ومنها إدلال هؤلاء بصحة إمامة أبي بكر وعمر وبراءتها من كل عيب، فما نطق مروان ولا أحد من بني أمية بعيب مع حاجتهم إلى ذلك، وفيهم الملك ولهم الامر، والذي قد غاظهم وأغضبهم ولد أبي بكر. ولما حج معاوية أخذ من كان يصلح للإمامة من قريش ومن كان يخافهم مثل الحسين وعبد الله بن الزبير وابن عمر، فقال لهم: بايعوا ليزيد، فقال له ابن الزبير: ارض منا بسيرة رسول الله ﷺ فإنه ترك الناس فاختاروا لأنفسهم بعده من رأوه أهلا لها، أو بسيرة أبي بكر فتنص على رجل مرضيّ عند الأمة ليس من أهلك، أو كما فعل عمر فتجعلها شورى من قوم مرضيين معروفين ليس فيهم أحد من أهلك، فلك ولنا بهؤلاء أسوة. فغضب معاوية، وهددهم، وتوعد الناس وقال: لستم في زمن أبي بكر وعمر وإنما هم بنو أمية، من عصاهم أوجلوه السيف، فلاذت تلك الجماعة بعائشة وخافوه على أنفسهم فأرسلت اليه فجاءها وكلمته في أمرهم/ وقالت له: قد كان لمن يقدمك بنون ما ابنك مثلهم، فما رأوا في بنيهم ما رأيت في ابنك، فما زال يخرجها من باب وتخرج معه حتى أيبست ريقه انقطاعا في يديها، إلى أن قالت: إنما هو ملك بباطل تجعلونه بني أمية فيمن تهوونه. وفي هذا مثل ما في الذي قبله وأكثر، قال قائل من الإمامية: أنتم تزعمون أن عليّا كان يرضى سيرة أبي بكر وعمر وقد قال له عبد الرحمن بن عوف في الشورى: أوليك هذا الأمر على أن تقضي بكتاب الله وبسنة رسول الله وسيرة أبي بكر وعمر قال: أما بكتاب الله وسنة رسول الله فنعم، وأما سنة أبي بكر وعمر فلا، فما الذي يبقى بعد هذا؟

قيل له: هذا يبطل من وجوه منها: أنكم تقولون أن عليا ﵁ «١» ، كان في زمن هؤلاء في تقية وخيفة، يمتثل أمرهم ولا يجسر يردّ عليهم ولا يظهر خلافهم، وكذا كان بعد موتهم، وفي سلطانه وخلافته ومعه مائة ألف سيف، يقولون: ما جسر أن يظهر مخالفتهم ولا عيبهم ولا الرد عليهم، لأن أعوانه ومن كانوا معه كانوا يتدينون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلو عابهم أو اتهموه بعيبهم لقتلوه. قلتم: إنه خرج من الدنيا وما أظهر ما في نفسه، وإنه سار في أموال رسول الله ﷺ في خلافته بسيرتهم، وقرأ هذا القرآن، وصلى التراويح، وحيا الأرض كما حيوها، ومدحهم على منابره بالمدح العظيم الذي قد امتلت الكتب به، وإذا سألناكم قلتم: هذا كله صحيح قد فعله عليّ وقاله، إلا أن باطنه فيه خلاف ظاهره، وإنما قاله تقربا إلى أنصاره وأعوانه لأن ذلك كان يعجبهم، ويرون إمامة هؤلاء فقاله خوفا منهم وتقربا اليهم، فكتب أسلافكم مملوءة بأنه قد فعله تقية وخيفة، والآن تذكرون بأنه قد كاشف في البراءة منهم ومن أفعالهم في زمن عثمان وقبل/ أن تصير الخلافة اليه، فأنتم لا تعملون على تحصيل، ولقلة حيلتكم وأنه ليس معكم حجة في مذهبكم (ما) «٢» تأتون بالشيء تظنونه حجة لكم فتنقضون به على أنفسكم من حيث لا تشعرون، ففي هذا كفاية.

[عليّ ﵁ استن بسنن أبي بكر وعمر ﵄ وعمل بها] ومنها: أنه قد علم كل من سمع الأخبار أن عليّا ﵁ قد استن بسنن أبي بكر وعمر وعمل بها، وأطاعهما حياتهما، ونفذ وصاياهما بعد موتهما، فأطاعهما حيّين وميتين ألا ترى أنه بايع أبا بكر وعمل له على أموال

ا ﵁ قد استن بسنن أبي بكر وعمر وعمل بها، وأطاعهما حياتهما، ونفذ وصاياهما بعد موتهما، فأطاعهما حيّين وميتين ألا ترى أنه بايع أبا بكر وعمل له على أموال

رسول الله ﷺ، وعمل له على الاتعاب بالمدينة وضبطها له، وغزا معه، وأشار عليه، ونفذ وصيته في عمر، وأطاعه أحسن طاعة، وخلفه على المدينة غير مرة، وصاهره، وأتى في طاعته ومزضاته ما يطول ذكره، وأدخله في الشورى فدخل، وجعله رعية لصهيب فقبل، وردّه إلى عبد الرحمن فرجع، وغير ذلك مما يطول شرحه؛ فكيف يقول: لا أسير بسيرة أبي بكر وعمر، أو يصدق عاقل سمع الأخبار مثل هذا الظن؟ ومن ذا الذي يدع المعروف المشهور بالمكاتبات ويرجع عن المعروف بمجهول التأويل. وإنما قال ذلك «١» ، لأن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتمل الزيادة ولا النقص البتة. وسنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر الذي قال له عبد الرحمن هو اجتهادهما في الدين وحياطته وحفظه، والزهد والعفاف الذي هو مشهور عنهما، فلو قال نعم للزمه الدخول في ذلك من غير زيادة ولا نقص، وقد لا يجد الشخص من نفسه القيام بما يقوم به غيره، ثم الفتيا في المسائل التي ليس فيها نص كتاب ولا سنة والعمل فيها بالقياس والاجتهاد من الإمام ما كان يمكنه التقليد فيه وترك نفسه من الاجتهاد، ولهذا المعنى أشار، وله أراد، هذا لا يشك فيه من له فطنة ولا دراية، والله أعلم. / وأيضا فليس ها هنا إلا أنه قيل إن عبد الرحمن قال لعلي تقضي بسنة أبي بكر وعمر. لأنه جاء أن عمرو بن العاص أتى عليّا ليالي الشورى فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، ثم لقي عمرو بن العاص عثمان فقال

شورى فقال له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة فإنه أرغب له فيك، ثم لقي عمرو بن العاص عثمان فقال

له: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل. قال: فلما قال عبد الرحمن لعليّ: هل أنت يا عليّ تبايعني على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، قال له عليّ: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، ومن يطيق ذلك. فقال لعثمان هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر، فقال: نعم، فبايعه. فقال عليّ، خدعة، يعني أن ابن النابغة خدعه، فهكذا جاء الحديث، فإن كان صحيحا فاقبلوه، فأنتم أول من يقول لا يجوز أن يقال لأمير المؤمنين بكتاب الله وسنة رسول الله فيقول هذا القول «١» ، ولا يجوز أن يخدعه عمرو بن العاص فأنتم لا تقبلون ما قد ذكر، وإذا دعيتم اليه نفرتم عنه، ثم تدّعون ما لم يكن وتجعلونه أصلا تنصرفون به عن المعروف من اتباع أمير المؤمنين لهؤلاء القوم وتصويبه لهم؟ على أن الذي ثبت عند العلماء أن عبد الرحمن قال لأهل الشورى: إني قد نظرت وشاورت واستخرت فما وجدت الناس يعدلون بعثمان أحدا. وأيضا فقد كان في الصحابة من يخالف أبا بكر وعمر في مسائل الاجتهاد. ولا يحتشم ذلك، ولا ينكر أبو بكر وعمر ذلك، وقد خالفهما ابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وغيرهم. فتعلم أن ما يتعلق به هؤلاء باطل. ومن عجيب ما يدعونه أن عمر احتال على عليّ بن أبي طالب ﵁/ حتى أدخله في الشورى، وقال: إنه يصلح للخلافة، وأنه قال إذا صار أهل الشورى ثلاثة وثلاثة فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن، وأن عبد الرحمن كان عدوا لعليّ وصرفها عنه إلى عثمان، وأن عمر إنما قال هذا حرصا على أن ينصرف عن عليّ ويصير إلى عثمان.

وليس معهم في هذا دلالة ولا برهان، إنما هو البهت والفرية وظنون كاذبة كغيرها من أقاويلهم، وقد تقدم لك الدلالة على أنه لم يكن بين عليّ وأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة عداوة، بل كان بينهم من الموالاة والمودة في الدين والإسلام ما فيه كفاية. ثم يقال لهم: لو أرادها عمر لعثمان وحده أو لعبد الرحمن أو لأحد يريده لنص عليه كما تقدم النص من أبي بكر أو كما نص هو على صهيب في الصلاة، فكان الناس يمتثلون ذلك وقد استراح مما ادعيتموه، ولم يكن عليه خوف، كما لم يكن على أبي بكر خوف. والعجب أنكم تقولون: إن أبا بكر وثب بمقام رسول الله ﷺ، فقام فيه في حياته وفي بيته وبحضرته وبحضرة جميع بني هاشم والمهاجرين والأنصار، اغتصابا وقهرا، وتم له ذلك، واغتصبهم بعد موته، وساعده الناس، ونصّ على عمر فقبلوا منه فأنفذوا وصيته، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ ولم ينفذوا وصيته، وقبلوا من عمر في الشورى وفي كل ما وصى به، ولم يقبلوا من رسول الله ﷺ وصيته ونصه على وصيّة علي ﵁، وقد بين لهم الفرض في ذلك، وهو من فرض الكافة. وها هنا يقولون: إن عمر خاف ولم يكشف ما أراده وأخفاه ودلّسه، كصنيع المغلوب المقهور الخائف المترقب، فأقاويلكم يكذب بعضها بعضا، وأنتم تنقضون مذاهبكم وأصولكم بأيديكم، وتبعثون/ خصومكم على النقض عليكم، فلستم ممن يستقر له قول ولا يتقرر له مذهب. وقد علمت رحمك الله في الجملة أنه ما كان يجري في ذلك الزمان وبحضرة أولئك السابقين ولا يقبل ولا يمتثل إلا الصواب، وإن من أتى بغيره ردّوه وأنكروه، وقد تقدم لك بيان ذلك وبرهانه، فكلما بلغك عنهم مما له ظاهر

لزمان وبحضرة أولئك السابقين ولا يقبل ولا يمتثل إلا الصواب، وإن من أتى بغيره ردّوه وأنكروه، وقد تقدم لك بيان ذلك وبرهانه، فكلما بلغك عنهم مما له ظاهر

تنكره، فأما أن لا يكون له أصل البتة، وأما أن يكون إن كان حقا المراد به والنية فيه والقصد غير الظاهر الذي أنكره الخصم وأوّله، فقد علمت حالهم في تمسكهم بدين رسول الله ﷺ ووصاياه والقيام على نصوصه وعهوده، وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا لو أرادوا في سلطانهم أن يغيروا نصا لرسول الله ﷺ في امرأة أرملة ذمية لما تمكنوا منه، وإن سلطان هؤلاء لم يكن كسلطان معاوية ومن بعده من الملوك. فاحفظ هذا الأصل وارجع اليه فيما ذكروه عن عمر في قتل أهل الشورى، وفي ادعائهم على أبي بكر أنه أمر خالد بن الوليد بقتل عليّ بن أبي طالب ثم بدا له فقال لا تفعل، بحضرة المهاجرين والأنصار، وأنه وجّه بالنعمان بن بشير، والمغيرة بن شعبة فقاتلا سعد بن عبادة الأنصاري، وأن أبا سفيان وبني أمية كانوا في زمن عثمان يظهرون بين الناس بتكذيب النبيّ، وأنه ما ها هنا معاد ولا جنة ولا نار، ولهم في هذا روايات كثيرة عن الصحابة من الرجال والنساء، وذكرها يطول، غير أنك تعلم كذبهم فيها بالدليل الذي تقدم من تمسك المهاجرين والأنصار بدين النبي ﷺ، وأن الغلبة في زمانهم كانت للمقيمين على دينه وللمعتقدين على تصديقه. على أن هذا الانكار والتكذيب له وبالبعث/ والنشور والحساب والجنة والنار وما أشبه ذلك، ما كان أحد يجسر على إظهاره في زمن معاوية وأئمة الجور من بني أمية، ولا في زمن ملوك بني العباس وحيث كان الملوك منهم، فإن الملوك من بني أمية وبني العباس ما كانوا ملحدة ولا زنادقة ولا أعداء لرسول الله ﷺ بل كانوا على ملة الاسلام ويحبون رسول الله ﷺ ودينه، ويبرؤون من أعدائه وإن شابوا ذلك بحب الدنيا وبإيثار العاجلة وقتل من يأمرهم بالقسط من الناس، وغير ذلك من الكبائر والمناكير التي ارتكبوها.

لله ﷺ ودينه، ويبرؤون من أعدائه وإن شابوا ذلك بحب الدنيا وبإيثار العاجلة وقتل من يأمرهم بالقسط من الناس، وغير ذلك من الكبائر والمناكير التي ارتكبوها.

فقل كان لهم تعظيم القرآن وجهاد العدو وعمارة الثغور، وقد كانوا كلهم يعيبون المسرفين منهم، وقد كانوا في مجالسهم يتذاكرون أعلام رسول الله ﷺ وآياته، وكانت أظهر وأقهر من أن يعتقدوا خلافها، وقد كانوا يوصون أولادهم بالإسلام. ولم نقل هذا فيهم من طريق حسن الظن بهم، ولكن إذا اعتقدوا عداوته أو تكذيبه أو عيبه أو عيب شيء من طرائقه وأخلاقه ومذاهبه ﷺ لظهر ذلك ولبدا في أخلاقهم وطرائقهم وفلتات ألسنتهم وفي سقطات أعمالهم، فبهذا جرت العبرة والعادة سيما وهم ملوك. ولقد تفاءل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو خليفة وملك جبار، وهو أغنى بني مروان «١» ، فخرج له في المصحف ما يكرهه فرمى بالمصحف من يده وتسخط ما خرج له، فقام اليه ابن عمه فضرب عنقه في هذا المقدار، وجعله حجة في قتله، وأنت تتبين ذلك وأن مثله لا يخفى بمثل ابن العميد وزير ركن الدولة، وبأبي جعفر بن بانو السجزي ملك سجستان، وأبي علي بن إلياس ملك كرمان، وأمثالهم، فإن هؤلاء وقعت عليهم الباطنية فما زالوا بهم/ حتى خرجوا من الإسلام، وما أمكنهم المجاهرة والمكاشفة بعداوة رسول الله ﷺ، غير أن ذلك بدا في فلتات ألسنتهم وسقطات أعمالهم وإن اجتهدوا في كتمانه. [الرد على دعوى القرامطة أن الصحابة أخروا عليا لكراهتهم له] فأما من بالأحساء ومصر والمغرب فما يظهر منهم من عداوته ﷺ والقصد إلى إطفاء نوره وإماتة شريعته فعظيم، وكان مما ادّعوه على المهاجرين والأنصار أنهم كانوا ممن يبغض أمير المؤمنين لقتل من قتل من المشركين، قالوا فلهذا

أخروه ولم يقلدوه الخلافة، قالوا ومع هذا فحسدوا بني هاشم أن يجتمع فيهم الخلافة والنبوة جميعا. وهذا كأمثاله من الافتراء الذي لهم على المهاجرين والأنصار، فقد علمت أحوالهم وكيف أجابوا النبي ﵇ من تلقاء أنفسهم تصديقا له وإيمانا بما أتاه، وقد كان لهم بمكة وبالمدينة وبأرض الحبشة ما قد تقدم ذكره لك، ويشهد عندك ببطلان هذه الدعوى. وبعد فقد علمت ما كان للمهاجرين والأنصار من الخوض في باب الإمامة في حياة النبي ﷺ، وفي مرضه، وبعد موته، وقبل دفنه. وفيما جرى بين أبي سفيان والعباس وبني هاشم، وفي السقيفة، وعند استخلاف عمر، وفي الشورى، وفي غير ذلك. فما ذكر ذاكر أن هذا يكرهه لأنه قتل الآباء والأبناء ولا بألا يحب أن تكون النبوة والخلافة جميعا في بني هاشم، وما نطق أحد من خلق الله بحرف من هذا ولا خطر ببالهم. وقد دخل أمير المؤمنين ﵁ في الشورى فما أنكر أحد دخوله، ولا نفر أحد، ولا نطق أحد في ذلك بحرف، بل رضي الناس كلهم بذلك كما رضوا بغيره ممن كان في الشورى، وقد تبادر الناس اليه بعد عثمان، وأكبوا عليه ومدوا يده، فقبضها مرة بعد مرة/ وحرصوا به وأحبوا خلافته وبيعته، فما نطق أحد بحرف مما يدّعيه هؤلاء، وفي كل هذا تكذيب لدعاويهم وفريتهم. وقد علمنا أنه لم يكن له ﵁ في زمن رسول الله ﷺ ولا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان عدو من المهاجرين ولا من الأنصار، حر ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى، لأن ذلك لو كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم.

كان كذا لظهر، ولكان العلم به كالعلم بغيره من الأمور، وكالعلم بمن قعد عنه، وكالعلم بمن عاداه من أهل الشام، وكالعلم بمن رجع عنه من أصحابه كما قد تقدم.

وليس معاداة من عاداه بعد ذلك وبرىء منه دليلا على أنهم قد كانوا أعداءه في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر وعمر وعثمان فقد عادى قوم عثمان ﵁ وخالفوه ونازعوه في آخر أيامه، ولا يدل هذا على أنهم كانوا عدوه في زمن رسول الله ﷺ، ولا فرق بين من ادّعى هذا أو ادعى أن الخوارج إنما خالفوه وأكفروه لأنه قتل المشركين، ولأنه كسر الأصنام، ولأنهم كرهوا أن تكون النبوة والخلافة في بني هاشم. وكذا أهل الشام في خلافهم عليه، وهذا كله بهت واختلاط ممن ادعاه، بل الأمور التي لها ومن أجلها خالفه من خالفه من أهل الصلاة معروفة، كما أن الأمور التي لها ومن أجلها خولف عثمان معروفة. وبعد فإن المهاجرين والأنصار، إنما كانوا يقدمون من قتل المشركين ويجلونه ويعظمونه ويعظمون من كانت وطأته على المشركين أشدّ، ولهذا جلّ عندهم من شهد بدرا والمشاهد التي كانت في قتال المشركين وقتلهم، ولم تكن منزلة غيرهم من مسلمة الفتح ومن أسلم بعد الفتح منزلتهم، وكان مما يجل به عبد الله بن مسعود ﵁ أنه احتز رأس أبي جهل/ وكان مما يجل به عمر عندهم أنه يوم بدر ما أسر أسيرا وأن كل من وقع بيده من المشركين قتله، وكان فيمن قتله العاص بن هشام وكان خاله، وطلب خاله الحارث ابن هشام فأفلت من يده، ومما كانوا يقدمونه فيه أنه يوم بدر أشار على النبيّ ﷺ بقتل الأسرى وقال له: سلم كل رجل منهم إلى أقاربه وأهل بيته فليضرب عنقه، فهم رؤوس الشرك، وهم كذبوك وأخرجوك، فسلم عقيلا إلى أخيه عليّ ليقتله، وفلانا إلى فلان، ولقتل المشركين تقدم عندهم الزبير، وأبو دجانة، وبنو عفرة، والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل كان من كانت نكايته في المشركين

ين تقدم عندهم الزبير، وأبو دجانة، وبنو عفرة، والبراء بن مالك وأمثالهم. كما قد كان يتقدم عندهم من جمع القرآن وحفظه، بل كان من كانت نكايته في المشركين

أشد تقدما عندهم ممن جمع القرآن وقرأه، وما دعوى من ادعى هذا إلا كمن ادعى أن المهاجرين والأنصار كانوا يبغضون عليا لقراءته القرآن ولصلاته الطويلة ولكثرة ما كان يقول لا إله إلا الله. وقد كان هناك من المهاجرين والأنصار من قد قتل القتل الكثير غير من ذكرنا، وهم أكثر مما يحصون، وما كان هناك أحد من مسلمة الفتح ممن قتل له أمير المؤمنين قتيلا إلا أبو سفيان صخر بن حرب، فإن أمير المؤمنين قتل ابنه حنظلة يوم بدر، وأبو سفيان فهو الذي كان أشد الناس حرصا يوم مات النبي ﷺ أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وأن يكون عليّ بن أبي طالب هو الخليفة دون أبي بكر وقد تقدم لك ذكر ذلك. فأما المهاجرون والأنصار والسابقون فهم كانوا يتولون قتل أحبابهم وأهليهم، ولقد برز أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى أبيه يوم بدر ليقتله فمنعه النبي ﷺ من ذلك، وقال له: دعه يقتله غيرك، فقتل أبوه وعمه وأخوه وابن أخيه وغير واحد/ من أهله وهو صابر راض يشكر الله على ذلك وبما وهبه الله لرسوله من النصر، وهذا من أولاد سادات قريش ومن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة، وكم مثله فيهم ﵃. فإن قالوا: وما حرص أبي سفيان أن تكون الخلافة في عليّ؟ قلنا: لأنه من رهطه وبني عمه فأحب أن تكون الخلافة في بني عبد مناف، وكذا أحب العباس وخالد بن سعيد بن العاص، وغير هؤلاء من بني هاشم. غير أن خالد ابن سعيد لم يكن من مسلمة الفتح بل كان ممن أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة وإلى المدينة، وقد تقدم لك ذكر إسلامه، فتعلم بطلان دعاويهم من كل وجه. فإن قالوا: فإنا لا نصدق أن أبا سفيان حرص في أن تكون في عليّ دون

أبي بكر، قلنا: لا فرق بين من ادّعى هذا فيه أو في العباس، وأنه جرى بينه وبينه في ذلك قول ولا خوض ولا مراجعة، ولا فرق بين من أنكر هذا أو أنكر السقيفة والشورى، ويمثل ما علمت أنه لم يكن لعلي ولا لعثمان في المهاجرين عدوّ ولا مخالف منهم ولا من غيرهم، تعلم أنه لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا لأولئك السابقين عدو من المهاجرين ولا من الأنصار ولا من بني هاشم ولا من أحد من الصحابة ولا من السابقين ولا من سائر المسلمين إلى أن حدث من أمر هشام بن الحكم وأمثاله ما حدث، فاعرف ذلك فإنه لو كان يعرف الناس الحال فيه كما عرفوه في غيره مما قد تقدم ذكره من شأن من خالف على عثمان وعليّ وعاداهما، وما كان من شأن سعد بن عبادة فإن من ادّعى هذا كمن ادعى أنه قد كان في زمن رسول الله ﷺ وزمن أبي بكر رافضة وخوارج لتتأكد لك المعرفة من كل وجه ببطلان دعاوى هؤلاء على القوم/ الخلاف يوم موت رسول الله ﷺ إلى غير ذلك من دعاويهم. وقد تقدمت لك أدلة العقول قبل أدلة القرآن بمحبة النبيّ ﷺ لهؤلاء، وأنه قد فرض محبتهم على الأولين والآخرين من أمته. فأما دعوى عبد الله بن سبأ وأصحابه فلم تكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل، إنما كان في التفضيل، ثم كان من إنكار أمير المؤمنين ما هو مذكور ثم خرجوا إلى ما خرجوا إليه هؤلاء، وما هم من المهاجرين ولا الأنصار ولا من التابعين، ولا يعرفون بشيء من الخبر البتة. وقد تقدم لك شدة تمسك المهاجرين والأنصار بدين رسول الله ﷺ وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله ﷺ، لا يملكون أنفسهم

اجرين والأنصار بدين رسول الله ﷺ وحفظ شريعته بعده، ولقد خرجوا إلى حرب مسيلمة وأهل الردة مبادرين للإنكار عليهم من مخالفة رسول الله ﷺ، لا يملكون أنفسهم

غضبا على من خالفه أو خرج من دينه حتى يقول الأخ منهم لأخيه والوالد لولده إذا قال أحدهما لصاحبه أقم أنت حتى أخرج أنا، فيقول الآخر: أنا أريد من الشهادة والجهاد مثل ما تريد، فيودعون الأهل والأحباب ويقولون لعلنا لا نرجع إليكم، ولا يلوون على شيء من الدنيا. ولقد التقوا مع مسيلمة فانكشفوا، فقالوا عوّدنا الاعراب الفرار، ما هكذا كنا نقاتل مع النبيّ ﷺ، وقالوا لخالد بن الوليد وهو أميرهم أخلصنا بعدونا فأخلصهم، وحفروا الحفائر وثبتوا فيها يقاتلون إلى أن ظفروا، وقتل مسيلمة وقتل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وثابت بن قيس، وزيد بن الخطاب، وغيرهم من المهاجرين والأنصار نحو أربعمائة، فيهم من حفّاظ القرآن سبعين رجلا، وفيهم ممن شهد له النبيّ ﵇ بالجنة وأنه يقتل شهيدا، وهذا من آياته وكلهم قتل في طاعة أبي بكر. ولأجل هذه القضية وهذا الزحف اجتمع الصحابة/ إلى أبي بكر وقالوا له: اجمع القرآن في مصحف واحد ليناله كل أحد، فقد قتل في هذا الزحف خلق كثير ممن حفظ القرآن، ولا نأمن زحفا مثله يقتل فيه آخرون ممن قد جمع القرآن، فيذهب منه أو يضيع، وهؤلاء ما يملكون أنفسهم، ولا يصبرون عن الجهاد ولا عن الموت في طاعة الله، [وللموت في طاعة الله] «١» أحب إليهم من الحياة، أفعلى هؤلاء يدّعى أنهم كانوا يعادون من قتل المشركين، أو أنهم تغيروا بعد نبيهم. ولقد انطلق أبو الجهم بن حذيفة العدوي يوم اليرموك يطلب ابن عم له ومعه شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت

ليرموك يطلب ابن عم له ومعه شيء فيه ماء، فإن كان به رمق سقاه ومسح بالماء على وجهه. فأتاه فقال له: أسقيك؟ فما كان به طرف يتكلم، فأشار أي نعم، فإذا صوت

رجل يقول: أوّه، فأشار ابن عمه إليه أن انطلق إليه واسقه، فأتاه فإذا هو هشام بن العاص بن وائل السهمي، فقال له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: أوّه وما بهشام طرف يتكلم فأشار هشام أن انطلق إليه، فجاءه فإذا هو قد مات، فرجع إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتى ابن عمه فإذا هو قد مات. وكم مثل هذا لو أخذت أذكره لطال ذلك، وأنت تجدها في أماكنها. وهؤلاء هم الذين كانوا أعداء رسول الله ﷺ في أول أمره حين دعا إلى الله ﷿ وأولاد أعدائه. وانظر إلى مسلمة الفتح. فهذا الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعباس بن أبي ربيعة، فإنهم هجروا الأوطان، وفارقوا الأهلين، ورفضوا الأموال، وأقاموا على الجهاد، حتى أسعدهم الله بالشهادة، وأوجب لهم الكرامة. ولقد استلحموا، وجلت عنهم المعركة وقد أصابهم أشد العطش من حر السلاح، فمد الحارث يده يستسقي، ومد عكرمة يده، فقال الحارث: اسق عكرمة، فمد عياش يده فقال عكرمة: اسق عياشا/ فلم يصل إلى أحد منهم حتى مات الآخر مما كان بهم من الطعن والضرب وحرّ الحديد، فكيف يتوهم على هؤلاء الحقد والضغن، وهل شيء يؤمن من ذلك إلا وقد كان معهم؟ وهؤلاء قد قتل رسول الله ﷺ أباهم وأبناءهم وإخوانهم وآذوه وحاربوه قبل إسلامهم، فلما أسلموا أخلصوا، وكان هؤلاء وأمثالهم أشد الناس على أهل الردة وعلى جميع أعدائه ﷺ. ومثلهم سهيل بن عمرو، والمهاجر بن أبي أمية، وعتاب بن أسيد، وجبير ابن مطعم، فهؤلاء من ردّ الردة، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وقتل أهل ردة عمان، ورجال أسد وغطفان، وما قنعوا بقتلهم حتى أحرقوهم

بالنار غضبا لرسول الله وحمية لدينه، وهم كانوا أشد الناس عليه، ولكن لما أسلموا زال ذلك كله، وأخلصوا أشد الاخلاص. وهؤلاء وأمثالهم قد كانوا عرفوا الحق فمنعهم من الدخول في الاسلام الحمية وحب الرئاسة، وقد كانوا علموا أن رسول الله ﷺ لا يقدمهم على الفقراء والموالي الذين سبقوا إلى الاسلام كما قد تقدم ذكر ذلك لك، فلما قهرهم الحق وجاء الفتح أسلموا، وكانت نفوسهم أبية يأنفون من النفاق والفسق والغيبة، فأسلموا وهذه أخلاقهم فأخلصوا ونصحوا. وقد تقدم لك ما قاله الحارث بن هشام حين خرج من مكة مهاجرا في سبيل الله، ولهذا المعنى قال أبو جهل لابن مسعود حين أكب عليه ليجهز عليه: ألست رويعيا بتهامة، لقد ركبت مركبا صعبا. وقد تقدم لك للاسباب نزول قوله ﷿: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» . ولقد ذكر سهيل بن عمرو، أن الحمية والأنفة وحب الرئاسة مما منعهم من الدخول في الاسلام، وكان يقول: وأبو سفيان يعرف من هذا/ الحق ما أعرف، ولكنّ حسد بني عبد المطلب قد ختم على قلبه. وقد كان أبو سفيان يتحدث بمثل ذلك فيقول: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وطليق بن سفيان بن أمية تجارا إلى الشام «١» ، وكان أمية بن الصلت يأتي النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب

النصارى ويسمع من علمائهم، فقال لي: هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتب تسأله عما بدا لك؟ قلت: لا أرب لي به، والله لئن حدثني ما أحب

لا أثق به، ولئن حدثني ما أكره لأوجلن منه. فأقام عندهم أمية ثم رجع كئيبا حزينا، فلما سرنا قال لي [: هي عن عتبة بن ربيعة يجتنب المحارم والمظالم، قلت إي والله، قال ويصل الرحم ويأمر بصلتها، قلن نعم، قال ومحوج، قلت نعم، قال فهل تعلم قرشيا أشرف منه، قلت لا والله ما أعلم، قال: كم أتى له قلت: سبعون هو لها هو ابنها] «١» . قلت: وأنت قائل شيئا فقله، قال: والله لا تذكر حديثي حتى تأتي منه ما هو آت، قلت لا أذكره، قال: إني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء، فأخبرني عن نبيّ من العرب منتظر، وأنه من أهل بيت يحجه العرب، قال: قلت فينا بيت تحجه العرب، قال: لا، هو من إخوانكم وجيرانكم قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، فكنت أرجو أن أكون أنا هو، قلت فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: شابّ، حين دخل في الكهولة بدأ أمره، إنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج، ليس بذارع الشرف، كريم الطرفين في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قال: قلت: ما آية ذلك؟ قال: قد رجف الشام منذ هلك عيسى ثمانين رجفة كلها فيه مصيبة عامة وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة، نخرج على أثرها. قال أبو سفيان: قلت: إن هذا والله هو الباطل، لئن بعث الله رسولا/ إلا شريفا مسنا، قال: ثم رحلنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان، أدركنا راكب من خلفنا فسألناه فإذا هو يقول: أصابت الشام رجفة دمرت أهلها وأصابتهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا. وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة

تهم فيها مصيبة عظيمة، قال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟ قلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقا. وقدمنا مكة فتفضيت مما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت أرض الحبشة

تاجرا فكمثت بها خمسة أشهر ثم أقبلت حتى قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون علي حتى جاءني آخرهم محمد بن عبد الله وعندي هند جالسة تلاعب صبية لها، فسلم عليّ ورحّب بي وسألني عن سفري ومقدمي ثم انطلق، فقلت: والله إن هذا الفتى للعجب، ما جاءني أحد من قريش له معي بضاعة إلا سألني عنها، وما بلغت، والله إن له معه لبضاعة ما هو بأغناهم عنها ثم ما سألني عنها، فقالت هند أو ما علمت شأنه؟ قلت: وفزعت: ما شأنه؟ قالت: والله إنه ليزعم أنه رسول الله. فذكرت قول النصارى، ووجمت، حتى قالت لي: مالك؟ فانتهيت، فقلت: إن هذا والله لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت بلى والله إنه ليقول، وإن له لصحابة على أمره معه، قال: قلت: هذا الباطل فخرجت؛ فبينما أطوف إذ لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت وكان وكان فيها خير، فأرسل اليها فخذها، ولست آخذ فيها ما آخذ من قومك. قال: فاني غير آخذها حتى تأخذ مني ما تأخذه من قومي، قال: قلت: ما أنا بفاعل، قال: فو الله لا آخذها، فأرسلت إليها وأخذت منها ما كنت آخذه من غيره، وبعثت إليه ببضاعته. ولم ألبث أن خرجت تاجرا إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية فتغديت معه، / ثم قلت: يا أبا عثمان، هل تذكر حديث النصراني؟ قال: أذكره، قلت فقد كان قال: ومن هو، قلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. ثم قصصت عليه خبر هند، قال فالله يعلم أنه تصبب عرقا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله قال. ومضيت إلى اليمن فلم ألبث أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى قدمت الطائف، فنزلت على أمية، قلت: قد كان من أمر هذا الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان، قلت: فأين أنت؟ قال:

والله ما كنت لأومن لرسول ليس من ثقيف، قال: وأقبلت إلى مكة فوجدته هو وأصحابه يضربون ويقهرون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ ودخلني ما دخل الناس من التعاسة. ولهذا نظائر من حديثهم، وقد كان معاوية يتحدث به في زمن ملكه وسلطانه، ويتحدث به عنه مروان بن الحكم، ويتحارون الأسباب التي أبطأت بهم عن الهجرة من الأنفة والرجال الذين كانوا يصدون عن ذلك من بني أمية، مثل عقبة بن أبي معيط، ومثل الحكم بن أبي العاص، ومثل أبي سفيان من بني أمية، ومن كان كذلك من بني مخزوم، وما كان يلحق من أسلم منهم من الأذى من هؤلاء. كما كان يتحدث بذلك سهيل بن عمرو، وعمرو بن العاص، وغيرهم، ويذكر بعضهم بعضا في حياة النبيّ ﵇ وبعد وفاته وبعد مضي الخلفاء الراشدين، فتعلم بصائر مسلمة الفتح والذين أبطؤوا عن رسول الله ﷺ، وإذا تأملت وجدت لبني أمية، وبني مخزوم من المهاجرين منهم، ومن مسلمة الفتح آثارا كثيرة عظيمة في نصرة الاسلام في حياة رسول الله ﷺ، والذي لهم بعد وفاته أعظم. ولم يكن الخلاف الذي كان بين أولئك القوم وبين أمير المؤمنين ﵁ لشك في النبوة ولا لضعف/ بصائر هم فيها، لأن ذلك لو كان لبان كما قدمنا الدلالة على ذلك، لأنه لا يمكن أن تقول إن عبد الله ابن وهب الراسبي وأصحابه من الخوارج إنما خالفوا أمير المؤمنين وأكفروه وقاتلوه لبغضهم لرسول الله ولا لشكهم في نبوته، وقد كانت لهم عبادة وقراءة القرآن وصوم وأمور كثيرة حسنة، جميلة، يطول تفصيلها، غير أنهم أحبطوا ذلك كله. بمخالفتهم لأمير المؤمنين. وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله ﷺ، واستعمله غير واحد من

وأمور كثيرة حسنة، جميلة، يطول تفصيلها، غير أنهم أحبطوا ذلك كله. بمخالفتهم لأمير المؤمنين. وكذلك معاوية، قد استعمله رسول الله ﷺ، واستعمله غير واحد من

الخلفاء بعده على ثغور الروم، فضبطها وفتح الفتوح وغزا معه في تلك المغازي خلق كثير من المهاجرين والأنصار والبدريين وكانت فيه عفة عن أموالهم. وكان عمر ﵁ كثير التصفح لأحوال العمال والاستبدال بهم، فما وجد عليه ولا استبدل به، فلما مضى عثمان فكان من أمر معاوية ما كان من الخلاف على أمير المؤمنين ﵁ انصرف عنه البدريون، وصاروا في حملة أمير المؤمنين، ولم يبق معه منهم أحد من البدريين خاصة، وأقام على خلاف أمير المؤمنين فأحبط عمله وضل ضلالا بعيدا. فليس أحد من هؤلاء خالف أمير المؤمنين لشكه في النبوة، ومع هذا فما سار أمير المؤمنين في قتال هؤلاء سيرة من شك في النبوة، ولا أخرجهم من أن يكونوا من أهل الصلاة وأهل القبلة، وما زاد على تضليلهم. وقد دعا عبد الله بن الزبير إلى نفسه بأمرة المؤمنين، وأقام على حرب بني أمية تسع سنين وتفانوا بالقتل، وقتل بنو أمية آل الزبير وأفنوهم وصلبوهم ولم يكن ذاك لشك من أحد الفريقين، في النبوة والعجب أن عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه أكفروا أمير المؤمنين فما أكفرهم هو ولا زاد على تضليلهم/ وكذا سار القراء والتابعون الذين قاموا مع ابن الاشعث وأنكروا شأن عبد الملك والحجاج، فإنما أنكروا فسقهم وجورهم لا أن أحد الفريقين شك في النبوة، ومثل هذا كثير فاعرفه، فإن قوما قد دخلوا بين الناس وألقوا إليهم مثل هذا لشدة عداوتهم للنبي ﷺ، حتى قالوا في العباس ابن عبد المطلب انه كان عدوا لرسول الله ﷺ، وأن رسول الله ﷺ كان يمقته، وكان اذا سلم عليه لا يرد عليه ويقول له: لعنك الله ولعن أبا لهب، وأنه لم يكن من بني هاشم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس.

شم ولا ولد عبد المطلب، وأنه لتلك العداوة التي كانت في نفسه صارت في ولده، فلهذا قتل أبو جعفر المنصور من ولد أبي طالب من قتل، وكذا غيره من بين العباس.

وأهل المعرفة يعلمون أن رسول الله ﷺ كان يعظمه ويجله ويقول فيه: ما كان لي أن أرفع صوتي بحضرة عمي ويجعله بما لا يتهيأ له إحصاء لطوله في هذا الموضع، وقد كان أمير المؤمنين يجلّه ويعظمه ويقدمه ولا يقطع أمرا دونه، وكان ولده هم خاصة أمير المؤمنين وبطانته، وخلفاء على رعيته كما هو معلوم. وكذا كان ولده ﵇ مع ولد العباس بعده، وكلمتهم واحدة، إلى أن وقع الخلاف بين عبد الله بن حسن بن حسن وبين أبي جعفر، وراموا أخذ الأمر منه وانتشبت العداوة منذ ذاك بينهم، «١» لا لشك في النبوة ولا لعداوة قديمة كانت بين رسول الله ﷺ وبين أبيهم، ولا بين عليّ والعباس، وها أنت تجد بني العباس يثب بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضا، يقتل الأخ أخاه والعم ابن أخيه، أتراها لعداوة في الأصل أو في الآباء والأجداد، وتجد من ولد أبي طالب مثل ذلك، ألا ترى إلى من بطبرستان وبلاد الديلم منهم كيف/ يثب بعضهم ببعض، ويقاتل بعضهم بعضا، وكذا من منهم بصعدة من أرض اليمن، وكذا من منهم بالعراق، يقتتلون في الرئاسة لا لعداوة كانت في الآباء والأجداد، وإنما أكثرنا من ذكر هذا وشبهه وما تعلق بالامامة لأن أكثر الملحدة من هذا الباب يدخلون في خديعة المسلمين وإفسادهم في الدين. وقد تقدم لك ذكر أوائلهم.

[حول أقوال الباطنية ووسائلهم في استدراج المسلمين الى التخلي عن حقائق الايمان والفرائض] وفي هذا الزمان منهم مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان، ومثل جابر المتوفي، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمديّ وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت، وأبي محمد الطبري، وأبي الحسن الحلبي، «٢» وأبي يتيم

الرلباى، وأبي القاسم النجاري، وأبي الوفا الديلمي، وابن أبي الديس، وخزيمة، وأبي خزيمة، وأبي عبد الله محمد بن النعمان، فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور، وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق. وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبة رسول الله ﷺ وأهل بيته، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أن عمر قتله، ويذكرون لهم تبديل القرآن والفرائض، ويذكرون ما قد تقدم ذكره من أن خلافهم له وقتالهم إنما هو لعداوته ﷺ وللشك في نبوته «١» ، ويقيمون المنشدين والمناحات في ذلك، ويأخذون على الناس العهود، ويحلفونهم بالأيمان الغليظة، فإذا حصلوا كذلك قالوا لهم: إياكم ومجالسة الفقهاء، واستماع الحديث من أصحاب الحديث، واستماع القرآن من العامة، وعليكم برواية الخاصة، فقد قال جعفر بن محمد كتابة: حديث العامة يعمي القلب، وإياكم وفقه أبي حنيفة ومالك والثوري والحسن البصري وأمثالهم فإنهم كفرة وأعداء أهل البيت، والرشد كله في خلافهم، وإذا عمى على أحدكم الصواب فلينظر ما عليه الفقهاء فيعمل/ بخلافه فإنه يصيب الحق. ثم يأخذونهم في مجلس يسمى مجلس التغذية بأن لكل شيء باطنا علمه عند مولاكم العزيز بالله، يظهره لكم إذا ترقيتم الدرجات في طاعته، ثم يأخذونهم بأن يقولوا لهم: لم صلاة الصبح يجهر بها والظهر لا يجهر فيها، ولم حوصة سعفة النخلة طويلة، وورقة الكرم مستديرة، وورقة الموز طويلة عريضة، فإذا سألوهم الجواب قالوا لهم: أنتم من المجربين ومن المبتدئين، والمبتدىء كالطفل يغذى باللبن ثم بعد اللبن بما هو أقوى منه، ويقولون لهم: أليس قد

عريضة، فإذا سألوهم الجواب قالوا لهم: أنتم من المجربين ومن المبتدئين، والمبتدىء كالطفل يغذى باللبن ثم بعد اللبن بما هو أقوى منه، ويقولون لهم: أليس قد

قال الله: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» ونحن وأنتم لا نأكل لحم الذبيحة حتى تموت، ولا نأكل السمك حتى يموت، وإنما معنى هذا ان النبي ﷺ قد مات وحرام أن تقام شريعته «١» ، وينبغي أن يمتثل أمر العزيز مولانا الذي هو حجة الله، وهذا علم الخاصة. ولكن الفقهاء الحمير وأهل الظاهر لا يعرفون هذا، لذهابهم على إمامهم وليّ الله وحجة الله على خلقه. ويقولون لطائفة أخرى: ما عليكم صلاة ما دام في الدنيا لكم عدوّ يمنعكم من التمكن في الأرض، فإن الله يقول: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» «٢» ويقولون لآخرين الصلاة شخص، والصلاة عذاب على أهل الظاهر ويرقون الناس بحسب طبقاتهم واحتمالهم للشك والحيرة، وهذه مجالس الترقية كما هو مذكور لهم ومرسوم في البلاغ السابع والناموس الأعظم، ثم يرقون من يثقون به بأنه لا يحرم عليه أمه ولا بنته ولا أخته، ولا خمر ولا خنزير ولا زنا ولا لواط ولا ربا، ولا شيء البتة، وأنه لا يحل لك أن تمنع أخاك ومن هو مثلك في البلاغ السابع/ والعلم الباطن من زوجتك فإنها تحل له كما تحل لك، والاشتراك في الزوجات كالاشتراك في الطعام، والكريم هو الذي «٣» تنكح زوجته بحضرته كما يؤكل طعامه بحضرته، وقد قال افلاطن الغيرة شح في الطبيعة. فيقال لهؤلاء الدعاة: قد ادّعيتم على رسول الله ﷺ وعلى إخوانه من الأنبياء أنهم كذابون محتالون طلاب دنيا ورئاسة، ونحن فقد ذكرنا لكم مجيئه وسيرته وطرفا من آياته وأعلامه، وأن أهل الأرض بأسرهم قد خاصموه

وعلى إخوانه من الأنبياء أنهم كذابون محتالون طلاب دنيا ورئاسة، ونحن فقد ذكرنا لكم مجيئه وسيرته وطرفا من آياته وأعلامه، وأن أهل الأرض بأسرهم قد خاصموه

وطلبوا عثرة تكون له فما وجدوا، ولو كان كما قد ادعيتم لكانت سبيله سبيل أئمتكم، فقد علمتم حال سعيد، «١» الذي زعم ان ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح بن ديصان بن سعيد الغضبان الخرميّ، وأبو القاسم بن الأبيض العلويّ، وغيره من أهل هذه الدعوة ويزعمون «٢» ان سعيدا هذا ليس هو ابن الحسين وإنما هو ابن امرأة الحسين هذا، وأبوه يهوديّ حدّاد من أهل سلمية من أرض الشام، وأن الحسين لما تزوج بأمه حظيت عنده، فأحب ولدها سعيدا هذا، وإنما رغب فيها لفرط جمالها وكمالها. [كيف ظهرت الباطنية وقامت دولتهم في المغرب ثم في غيرها] وكان سعيد ابنها هذا يشبهها في الجمال، وكان له ذكاء وفطنة، فتولى الحسين زوج أمه تربيته وتعليمه وتخرجه على ما يحب ويختار، فقبل منه وأخذ عنه، فعرفه حال هذه الدعوة ورجالها وأسرارها ودعاتها، وأين هم وكم هم، وكيف كان أولها وابتداؤها، وزوجة الحسين زوج أمه بنت أبي الشلعلع، وأبو الشلعلع هذا من ولد عبد الله بن ميمون القداح، وكان ذلك، فولدت لسعيد ابن فسماه عبد الرحمن. ثم صار سعيد إلى سجلماسه/ من أرض المغرب «٣» ، وتسمى بعبيد الله «٤» واكتنى بأبي محمد، وادّعى أنه من نواحي الأهواز ومن بناتها ورؤسائها وأنه هرب هو وأبوه من جور عمرو بن الليث، وأن ضياعهم بكور الاهواز كثيرة، ولهم بها «٥» ، وأن المواد تأتيه منها، وكان يقول لمن يثق به ويأنس به في

ابنه عبد الرحمن أنه يتيم في حجره، وأنه وصيّ أبيه، وأن أباه من أهل البيت، وكان يحتال على اليسع ابن المدرار أمير سجلماسة وعلى أهل بيته بالدعاوى. فلما تمكن وأمكنته الحيلة بأبي عبد الله الحسين بن احمد بن زكريا الكوفي الداعية غدر ببني المدرار، وقد كانوا اجاروه وأحسنوا إليه، فغدر بهم ذلك الغدر الفاحش، فقال له أبو عبد الله: قد كانت كتبك ورسائلك تأتيني بأنك مع بني المدرار بكل خير وأنك ما نزلت بأكرم منهم، وقد قتلتهم فما أبقيت منهم رجلا، حتى قتلت صبيا من صبيانهم واستبحت أموالهم ونساءهم فقال له: هو كما كتبت إليك، ولكن اليسع ما ألعقني لعقة عسل إلا ومعها لعقة صبر، وأما هذا الصبيّ، فإنه جاءني برسالة من عمه، أحمد بن المدرار جافية، فكانت هذه أول فضائحه ولها تفصيل طويل. وسمى ابنه عبد الرحمن الحسن، ثم لما تمكن وملك قال هو ابني، وسماه محمدا، وكناه بأبي القاسم. ولما أراد الرحيل من سجلماسة إلى القيروان وأفريقية من أرض المغرب دخل المغاربة أصحاب أبي عبد الله لإخراج رجله، فوجدوا ملابس الحرير والديباج وأواني الذهب والفضة وخصيان رومة وآثار الانبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم مع بلادة البربر، وسألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك، وإنما/ أنكروا ذلك لأن أبا عبد الله هذا كان مقيما سنين كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهديّ الذي هو حجة الله ويزعم أنه صاحبه، وكان أبو عبد الله يتقشف ويلبس الخشن ويأكل الخشب، ويعدهم عن المهديّ بمثل ذلك، فلهذا أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه وكان معه أتباع كثير. ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هرون بن يونس شيخ المشايخ،

أنكروا وسألوا، فقال لهم أبو عبد الله هذه الآثار لأصحابه وأتباعه وكان معه أتباع كثير. ثم إن أبا عبيد الله بعد قتل أبي موسى هرون بن يونس شيخ المشايخ،

وأبي عبد الله الحسن بن احمد بن زكريا الداعية، وأخيه أبي العباس محمد بن أحمد بن زكريا، وأبي زاكى تمام بن معارك وكان من كبار الشيعة، بعد قتله لهؤلاء وتمكنه بالمغرب، استصفى أهل الثروة وأخذ أموالهم كلها، وأرسل ابنه وجعله وليّ العهد بعده والخليفة، وسماه القائم، فكان ينزل في العساكر على بلد بلد فيستصفي أمواله، ويهدم حصونه وقلاعه، ويأخذ ما فيه من الأسلحة والأمتعة، ويقتل الرؤساء والوجوه والفقهاء وأصحاب الحديث، ويتخذ جهالهم ويجعل لهم الاحوال والأموال، ويسلطهم على أهل الفضل، ويضع المكوس والضرائب، ويتوصل إلى ازالة النعم، والتضييق على المسلمين بكل ما يقدر عليه وما يطول شرحه. وكان يرسل على الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى الروم وسلطهم على المسلمين. وكان الشيعة ببغداد، مثل بني بسطام، وبني أبي البغل، وآل الفرات، يرجفون أن المهدي قد ظهر بالمغرب، وهو هناك يحيى الموتى ويقف على المقبرة فينادي الموتى فيقومون من قبورهم، وكان أبو الحسن محمد بن احمد النسفى صاحبهم بخراسان، فذكر لنصر بن أحمد مثل ذلك، وأبو حاتم أحمد بن حمدان يذكر مثل ذلك بالريّ لأسفار بن شيرويه. / وكثرت الروايات عن رسول الله ﷺ وأهل بيته في أن المهدي يظهر بالمغرب ويملك الأرض كلها من أولها إلى آخرها، وينفذ أمره فيها وأحكامه على أهلها في سنة ثلثمائة للهجرة، وهو معنى ما جاء في الحديث من طلوع الشمس من مغربها، وكم كان لهم من الخطب المنسوبة إلى أمير المؤمنين بأن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن هذا موجود في الملاحم. وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن

أن ولده المهدي يظهر من المغرب ويملك الأرض في سنة ثلثمائة للهجرة، وأن هذا موجود في الملاحم. وصدرت رسل بني بسطام وغيرهم من الشيعة إلى المغرب: بادر فإن

الأرض كلها لك والخليفة ببغداد يومئذ جعفر المقتدر بالله، وهو صبي ونحن أجلسناه، وله اثنتا عشر سنة، وأولياؤه ومن حوله شيعته، من آل الفرات وآل بسطام وآل القاسم بن عبد الله وآل أبي البغل والكرخيين وآل نوبخت، فسير ابنه في سنة ثلثمائة في عساكر عظيمة من البر والبحر، وعنده أنه يظهر على الأرض كلها بسبب ما تقدم ذكره، ولأجل من بخراسان والبحرين من أهل هذه الدعوة. فقدم مصر ونزل عليها في سنة اثنين وثلثمائة، وإذا أبو سعيد الجنابي قد قتل بالبحرين وقد ظهرت الفضيحة بها، ولقيه بظاهر مصر القاسم بن سيما الفرغاني في سبعة الاف فردّ تلك العساكر كلها ورجع ابن عبيد الله إلى أبيه بالمغرب بالخيبة والهزيمة، وذهبت تلك الاموال، وجاءت جواسيسه إلى الشيعة المقدم ذكرهم بالعراق تعنفهم فيما كان من إطماعهم له وما كان من القاسم بن سيما الفرغاني، فاعتذروا إليه وقالوا له: ارجع، فرد ابنه في سنة سبع وثلثمائة بأكثر من تلك الجيوش في البر والبحر، فنزل على مصر سنين متوالية، ونزل على/ عسكره في الماء ثممل الخادم من طرسوس في ثمانية عشر مركبا فهزمهم، فرجع إلى أبيه بالخيبة والهزيمة، ثم ردّ العسكر إلى مصر. وقد قتل المقتدر، فرجع بالخيبة والهزيمة. وكان مع هذه الحال يشتد على أهل القيروان وما يملكه من أرض المغرب بالجور وقتل الرجال واستصفاء الأموال وقصد الفقهاء والعلماء، وقد كان بثّ دعاته فيها يدعون الناس إليه وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود، ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم واحتمال كل طبقة منهم، فمنهم من يلقون إليهم أنه المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقي أنه رسول الله وحجة الله، ومنهم من يلقي أنه الله الخالق الرازق، فكان إذا ضج الناس من هذا وظهر منهم الانكار يأخذ

الدعاة، فمرة يحبس بعضهم، ومرة يقتلهم، ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول الدعاة هو أمرنا وبأمره فعلنا، وله أن يمتحننا. وكان من جوره وكذبه وفضائحه ما يطول، فإنه مكث في ملكه نيفا وعشرين سنة. ولما هلك، قام ابنه الّذي قد تقدم ذكره مقامه، وتسمى بالقائم أمير المؤمنين، وزاد شره على شر أبيه أضعافا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق أفريقية والمهدية وهي مدينة كان بناها أبوه وحصنها، فكان يقال: العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى، وقتل الفقهاء والعلماء القتل الذريع، واستولى من بلدان المغرب على أكثر ما استولى عليه أبوه، فإن بلدان المغرب واسعة عظيمة وهي تشبه بخراسان في السعة وكثرة الرجال وهي في يد عدة من الملوك، وكانوا «١» يقولون في هذا أنه هو الذي يظهر ويملك الأرض، وأنه هو الحجة والمهدي، وكتب إلى أبي طاهر القرمطي المقيم بالبحرين البلاغ/ السابع والناموس الأعظم، وهو سر الدعوة وحقيقتها، وبعثه على قتل المسلمين، واحراق المساجد والمصاحف، وكان قد كتب هذا في الكتاب في حياة أبيه، وكان أبوه في أول أمره يقول: إن هذا يتيم في حجري وهو علوي من ولد اسماعيل بن جعفر بن محمد، وكان في أول أمره يظن أنه لا يتم له أمر الملك فلما تمكن وفعل هذا قال: هذا ابني وهو علويّ. وشرح ظلم هذا القائم وقسوته وفجوره يطول، وهو أكثر مما أتى أبوه. وكان لهذا الذي يسمى بأمير المؤمنين القائم بن المهدي ابن يقال له القاسم، وكان قد تأدب وقال الشعر، وكان فارسا، فاستخلفه ونصّ عليه، وقال: هذا القائم الامام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة.

الامام الذي أمر باستخلافه عليكم، وهو القائم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا. فمات هذا القاسم في حياة أبيه، فكان يقال بالقيروان ما أكثر كذب هؤلاء المشارقة.

ولكثرة ما كان من جور هذا وقتله للناس واستصفائه الأموال، اجتمع قوم من أهل الجبل بالمغرب على رجل من الأباضية يقال له أبو يزيد مخلد بن كيداد فبايعوه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا لا يمكنه لضعفه أن يستمسك على فرس. فكان يركب حمارا، وكان له وزير يستشيره أعمى، فأنفذ اليه هذا الذي تسمى بالقائم بن المهديّ بعسكر فكسره وردّه، وتسامع به الناس، وأنه ينكر المنكر، فاجتمعوا إليه وأتوه، وسار من الجبل إلى الأمصار، ولقيته العساكر فكسرها كلها، ودخل أفريقية، وأزال الظلم والمكوس، وملك كل ما كان في أيدي هؤلاء القرامطة من أرض المغرب إلا المهدية، فإنه حاصرهم فيها، والاسقلية وطرابلس من أرض المغرب. ومات هذا المتسمي بالقائم بن المهدي في الحصار وعرض له وسواس وزال عقله مما نزل به من الذل، / وقتل الرجال، وزوال الملك، وجوع من بقي معه بالمهدية بالحصار. وقام بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل، وضمن للناس تغيير سيرة أبيه وجده، وأنه لا يتعرض لدياناتهم، وحلف على ذلك، وأكد واشهد، واستعان بأبي الحسين بن عمار، فأشار عليه بهذه الأمور. وقد كان أبو يزيد مخلد بن كيداد ملك خمس سنين، وكثرت عساكره، فانتشر عليه أمره، وأظهر أصحابه دين الأباضية، فكرهه الناس وخرج أبو طاهر إسماعيل وحاربه وكبسه في صحراء وأخذه وسلمه وصلبه، ووفى للناس بما وعد، وعدل وأنصف وأخذ الدعاة الذين كانوا لهم فحلق لحاهم، ونفاهم، وقال لأهل القيروان: من سمعتموه ينال من أصحاب رسول الله ﷺ فاقتلوه فإني معكم ومن ورائكم. وأطلق المحدثين في الحديث، والناس في إقامة التراويح، وأطلق الناس في غزو الروم، وأذلوهم، وأعزّ المسلمين والثغور على يدي أبي القاسم ابن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده إلى هذه الغاية، وهم قوم

يح، وأطلق الناس في غزو الروم، وأذلوهم، وأعزّ المسلمين والثغور على يدي أبي القاسم ابن أبي الحسن بن عمار، والثغور في يد أولاده إلى هذه الغاية، وهم قوم

مسلمون فيهم خير كثير، والشرك مقموع بهم هناك، ولهم سيرة حسنة طويلة مذكورة. واشتغل اسماعيل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم خوفا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد مخلد بن كيداد، وتقدم إسماعيل إلى الفقهاء بأن يتركوا له حلقة في الجامع خاصة له يقعد فيها أصحابه تكون حلقة لجعفر بن محمد، فجلس فيها جماعة لا يختلطون بالفقهاء، وكانوا يتذاكرون في حلقهم ذكر أفلاطن وبطليموس وأرسطو، فقال الناس: هؤلاء ملحدة وزنادقة وأعداء الأنبياء فكيف تكون هذه الحلقة حلقة جعفر بن محمد، وإذا نية إسماعيل غير صافيه في الاسلام، وإنما أظهر الرجوع عن سيرة أبيه/ وجده خوفا مما جرى. وكان لإسماعيل أخ يقال له يوسف، وكان ينظر في الكتب ويسأل العلماء، وكان فيه فضل، وكان يقول: إنا أولاد النبيّ ولا نعظم إلا أعداء الأنبياء من الفلاسفة، ودعاتنا كل سفلة كذاب، ركاب لكل فاحشة، ولو كنا من أولاد الأنبياء ونحب الأنبياء ما كانت هذه حالنا، ثم يسمى الدعاة واحدا واحدا ويذكرهم بما فيهم، فقد كان فيهم أبو الأسود وكان ينكح بنته. وقصة يوسف هذا معروفة ومات بأحدابيه في مصيره إلى مصر، وفيما أظن أن ولده بمصر إلى هذه الغاية. ثم إن اسماعيل استخلف ابنه أبا تميم معدّا وجعله وليّ عهده، وسماه بالمعز لدين [الله] «١» . ومات إسماعيل في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وقام أبو تميم بعده، وسار سيرته، ورفق بالناس وتمكن، وصفت له المغرب فما تحرك عليه أحد، واتسع ملكه وجبى الأموال. ثم تغيّر وقرّب الدعاة فقالوا: هذا هو المهديّ، وهو الذي يملك، وهو الشمس التي

تطلع من غربها. واتفق أن الروم أخذت ثغور المسلمين من طرسوس وأذنة والمصيصة وعين زربة وغيرها في أيامه، واحتوت عليها، فاشتد طمعه في الاسلام، وسره المصائب التي نزلت بالمسلمين، وبلغه أنه قد كتب على المساجد ببغداد لعن خلفاء رسول الله ﷺ، فطار سرورا بهذا وطغى وتجبر، وهمّ بغزو مصر لأن فيها شيعة كثرا، وإنما سلطانها خصيّ أسود مولى لموالي بني العباس وقال: عقله عقل امرأة، والذين معه من الجند أسوأ حالا منه، قد اعتادوا الترفه والأكل والشرب، وليست لهم بالحرب عادة، ومن بها من الشيعة يكاتبنا ويهون أمر هذا الخصيّ، والثغور فقد ذهبت، وما بقي للاسلام سلطان ولا/ ملك، والديلم الذين بالعراق والجبال شيعة لنا ومن قبلنا. فكان يقول له من حوله مثل ولد أبي الحسين بن عمار وجعفر بن فلاح بن مرزوق، ومحمد بن سليمان: يا أمير المؤمنين، مصر قد أفنت رجالكم وفرغت بيوت أموالكم، وقد طمع فيها آباؤك مرة بعد مرة فما تم ما أرادوا. وكان الدعاة يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود، وليس هذا كغيره، فإن لم نملك هذه الأرض كلها فكلما نقول لكم باطل. يعنون بالحجر الأسود كافورا الخصيّ الأسود أمير مصر. فمات كافور في سنة ست وخمسين وثلثمائة، واختلف العسكر بمصر، وكان أميرهم ابن عبيد الله بن الأخشيد وكان شيعيا قد دخل في الدعوة، وكان رخوا مخنثا، فقال له أبو جعفر بن نصر. أيها الأمير، أمير المؤمنين أبو تميم المعز لدين الله هو لك كالوالد، والجند فقد طمعوا فيك، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال: إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب الأنباري

، فإن شئت أن تدع الأمر له حتى يدبره لك، فإنه أبصر بتدبير الجند وأقدر، فقال: إي والله أريد الراحة منهم، وأقبل على أبي يعقوب بن الأزرق الكاتب الأنباري

فقال له: يا أبا يعقوب، قد جعل هؤلاء الجند في فؤادي كل دودة مثل هذه، وأشار إلى إصبعه، وأخذ ابن نصر كتابه إلى أبي تميم بذلك. فأرسل أبو تميم صاحبه وهو عبد كان لهم من الروم يقال له جوهر، فخرج في مائة ألف فوافى مصر ودخلها بلا حرب ولا قتال ولا خلاف في في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، واستولى على الكنوز وبيوت الأموال، وخرج أميرها أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن الأخشيد فأقام بالرملة، فخرج إليهم جعفر بن فلاح في عسكره فكبسه وأنفذه/ إلى جوهر، فأنفذه إلى المغرب «١» ، إلى أبي تميم. فلما حصل عنده أظهر له البشر والبشاشة وقال له: أنت ولدي ولحمي ودمي، وإنما أنفذت جوهرا لنصرتك وطاعتك، والله يا بني ما حصل جوهر بقلشانة حتى لزمني عليه أربعة ألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وقلشانة هو منزل بالغرب من أفريقيه. فطن أبن عبيد الله أن الأمر كما قال، فقعد يسعى بجوهر والقواد الذين استأمنوا إليه من المصريين، مثل نحرير الأزغلي، ونحرير شويزان، وشمول، وغيرهم من القواد والأمراء، وكان كل واحد منهم كقارون في الغنى، فكتب المعز إلى جوهر فقبض عليهم وغدر بهم أجمعين، وحملهم إلى المغرب وقبض نعمهم وكنوزهم. وحصلوا بالمغرب مع ابن عبيد الله بن الأخشيد فما يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية. ووافى أبو تميم معدّ بن اسماعيل مصر في سنة اثنين وستين وثلثمائة. وقد كان للقرامطة الذين بالأحساء عليه أتاوه وجزية يأخذونها منه عن أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم،

يأخذونها منه عن أعماله وما في يده، فأخرها عنهم واستطال عليهم وعلى الناس كلهم بملكه مصر. وقال جوهر وقد ذكرت له قرامطة الأحساء والجزية التي لهم عليهم،

فقال: من هؤلاء الكلاب، الآن أنفذ كتامة إلى الأحساء فيشدون براذينهم على أبوابهم ويسبونهم. واحتجب المعز بمصر، فكان لا يصل إليه إلا الواحد بعد الواحد من خواصه، وبث جواسيسه وعيونه وثقاته من الرجال والنساء في الناس يتعرفون له أخبارهم، من الجند والعامة، ويأتون بها، ويلقون من الأراجيف في الناس ما يوصيهم به. وطال استئثاره حتى أرجف الناس بموته، وهو متوفر على التنعم والأغذية التي تشحّم وتسمّن، والأطلبة التي تنقىّ/ البشرة وتحسن اللون والصورة. ثم ظهر للناس بعد مدة طويلة، وجلس لهم في حرير فائق رائق أخضر مذهب وعمامته منه، وعلى وجهه الجواهر واليواقيت وهي تلمع كالكواكب، وأوهم أنه كان غائبا في السماء، وأن الله رفعه إليه، وكان يتحدث بما كان يأتيه به أصحاب أخباره في حال استتاره، ويوهم أن الله أطلعه على تلك الغيوب، ويعرض بالجمل دون التفصيل، ويقول: قوم: قالوا كذا، وقوم قالوا كذا، وقوم عزموا على كذا، وبث الجواسيس بالأراجيف بأنه كان في السماء وأن الله استزاره ورفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه، وظنوا ذلك، وأن كل ما يتوعد به ويعد به من تلك الأرض كلها حق. ووافى العراق أبو عليّ الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي من الأحساء في عسكر، والسلطان ببغداد أبو منصور بختيار بن معز الدولة، فسأله أبو عليّ هذا القرمطيّ أن يأخذ له عهدا ولواء من الخليفة المطيع لله ولاية على مصر والشام، وقال لهم: أنا أعرف بهذا الممخرق أبي تميم منكم، وأعرف أصله وأبوته ومخاريق عبد الله بن ميمون القدّاح وأولاده، وأن أبلغ به أقصى المغرب وأردّه من حيث جاء. فقال الخليفة المطيع لله لبختيار وقد سأله ذلك: لا

أفعل هذا، هؤلاء كلهم قرامطة، وهؤلاء قتلوا الحجاج بمكة، فإن تابوا من ذلك وبرئوا ممن فعله وتركوا التسمي بالسادة وليتهم، وإلا لم أفعل. فثقل على أبي عليّ هذا وكان يعترف بالتقصير وبريء من فعل إخوته وبنى عمه من من أبي سعيد وأبي طاهر وغير هما من آبائه وأخذ يعتذر لما صنعوا بمعاذير طويلة، وأنهم ما فعلوا ذلك عداوة للاسلام ولا خروجا عن طاعة الخلفاء من بني العباس، فما قبل/ ذلك المطيع، وأقام على منعهم. وطال خضوع أبي عليّ هذا فما أجابهم المطيع، فأشار عليه بختيار أو غيره بأن يذهب ويدّعي أن المطيع قد ولاك، وقيل له: العسكر الذين معك جندك وأهلك وأصحابك ومن مالك تنفق عليهم، ولست تطمع في أن يعطيك المطيع شيئا من مال ولا جند، فقبل ذلك. وما كان رغبته في تقليد المطيع إلا لتقبله العامة بالشام ومصر، فلما لم يجبه المطيع إلى ذلك اتخذ هو لنفسه اعلاما سودا ورايات، وكتب عليها المطيع لله أمير المؤمنين، وتحته: السادة الراجعين إلى الحق، ثم سار إلى الشام. فلقي عساكر أبي تميم وواقعهم وقتلهم، وقتل أميرهم ابن فلاح، وقتل أصحابه، واستولى على الشام، وأقام الدعوة للمطيع ولخلفاء بين العباس، وأظهر تعظيمهم ووجوب طاعتهم، وأخذ في لعن أبي تميم، وذكر آبائه واحدا واحدا، وأنهم ولد القداح، وأنهم ما كانوا قط إلا كذابين ممخرقين أعداء الإسلام، يذهبون مذاهب الزنادقة. وأبو تميم قد انحجز مع عساكره بمصر، ومع هذا فيبذل له من الجزية والاتاوة أكثر مما «١» كان يأخذ قبل هذا، والحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ويبين فيها عيّه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه،

الحسن هذا يقرأ كتبه على الناس ويبين فيها عيّه ومخاريقه، وبلغ بأبي تميم الخوف منه إلى أن حصن مدينته بمصر وهي التي يسمونها القاهرة، وشيد سورها وأوثقه،

وحفر خندقها وعمقه، والحسن يبلغه ما ينادي به أبو تميم من فضائحهم تحريضا للناس عليه، فيقوم بالشام وينادي بفضائحهم وعداوتهم للاسلام كما هو مذكور في كتبه وأشعاره فيهم. ولكثرة ما قال وبيّن من ذلك، قال أبو بكر النابلسي/ رئيس الفقهاء بالشام: جهاد هؤلاء أولى من جهاد الروم، وغزو هؤلاء أولى وأوجب من غزو الروم، إذ الروم أهل كتاب وهؤلاء كفار مشركون ليسوا أهل كتاب بل هم أعداء جميع الأنبياء وجميع الكتب التي أنزلها الله، والروم لا تكتم دينها بل تفضح بما تدعوا إليه، وهؤلاء يضمرون الشرك ويخدعون الناس بإظهار التشيع. وسار الحسن هذا حتى نزل على خندق القاهرة وحاصر أبا تميم وأشرف على أخذه، فبذل أبو تميم الأموال لابن الجراح الطائي هذا الذي هو حيّ وهو كثير العشيرة، فغدر بالحسن هذا، وأخذ سواده من ورائه وشغله بنفسه، وأفسد تدبيره فانصرف عن الخندق وانهزم بمن معه، ولحق أبو تميم المنهزمين من أصحاب الحسن فأخذهم وأخذ أتباع العسكر وأهل السوق في العسكر، وأرسل إلى الشام وأخذ أبا بكر النابلسي الفقيه، وسأله عما بلغه عنه وما أفتى فيه، فاعترف به وقال له ما هو أغلظ منه، فأمر بسلخه حيا فسلخ، وهذه عادة لهم في سلخ المسلمين أحياء، قد فعل ذلك سعيد وغيره، وأخذ من ظفر به من قرامطة الاحساء فأكرمهم ووصلهم وخلع عليهم وعاتبهم وردهم مكرمين إلى الاحساء. وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان

ين إلى الاحساء. وضمن أبو تميم لابن منجا القرمطي صاحب الحسن الأموال له خاصة إلى أن أصلح بينه وبين الحسن وبين أهل الاحساء فضمن ابن المنجا ذلك له، وكان

من الماسورين فأطلقه وأطلق غيره من الاسارى، فذهبوا وأصلحوا بينهم، وقبلوا الأموال والأتاوة من أبي تميم وأجراها لهم في كل سنة، فكفوا عنه، وأخذوها منه في حياته إلى أن مات، وأخذوها من ابنه هذا المتسمى بالعزيز، وهو نزار أبو المنصور بن معدّ، إلى أن حاصر الأصفر العقيلي/ القرامطة بالاحساء وقتل من يخرج منهم، فهم إلى هذه الغاية ما يحرج لهم سرية خوفا من الأصفر «١» . وبادر نزار بن أبي تميم هذا فهادى الاصفر بهدايا كثيرة نفيسة، وحمل إليه أموالا عظيمة، وسأله أن يرسل إليه ثقة له، فأرسل الأصفر ابن أخته فأكرمه نزار الكرامة التامة، وحمل على سرج من ذهب، وقاد بين يديه الخيول، وأعطاه الأموال على أن يدعو خاله للدخول في دعوتهم على أن يقطعه البلدان العظيمة من أرض الشام. فمنع الأصفر من ذلك رجل معه من أصحاب أبي حنيفة يقال له أبو بكر محمد بن محمد النيسابوري، فقال له: لا تغتر بما يظهره نزار من أنه من المسلمين وأنه يدعو إلى الإسلام وإلى الحق، فإنه شر من هؤلاء القرامطة الذين بالاحساء، وهم الأصل في الفساد الذي وقع في الاسلام، وخذ الاموال التي أعطوك فإنما هي هدايا أهدوها لك، وابتدؤوك بها. فأرسل الاصفر إلى نزار في جواب الرسالة: إني لست أجيبك إلى قبول ما بذلت من الاقطاع بالشام إلى أن أفرع من الاحساء وأهلها وأعرفك ما عندي. فيقال لهؤلاء الدعاة: قد تفرغتم لشتم رسول الله ﷺ، وأكثرتم الطعن فيما أتى به والتعجب من اتباعه والاقامة على دينه، من غير أن تجدوا له كذبة أو عثرة أو زلة كما لم يجده أسلافكم من اعدائه قبلكم، ولو كان كما

تزعمون لافتضح كما تفتضحون في كل طرفة عين فضائح لا تحصى لكثرتها، ولو اعملتم النظر والتفكر والتدبر لعلمتم صدقه ونبوته، وكان علمكم بذلك يزيد على علم غيركم، فإنكم مع تستركم في ابتداء أمركم به صلى الله عليه، وإظهاركم الاعتصام بشريعته والدعاء إلى المهديّ من ولده، ومع أخذكم له العهود والمواثيق بستر ما يلقونه إلى الناس، / ومع كونكم في الاطراف والبوادي ومعدن الجهل والغافلة من المغرب، ومع تجنبكم الفطناء والأدباء وأهل البحث والنظر قد افتضحتم هذه الفضائح، فلو كان كاذبا ومحتالا كما تقولون لكانت سبيله سبيلكم. قالوا: إذا حقت الحقائق وحصلنا مع من قد نظر واعتبر اعترفنا بأنا مبطلون ومحتالون، وأنا قد سخرمنا حين دعينا، وسخرنا من الناس بالتشيع، وخدعناهم كما خدعنا وما ها هنا إلا مبطل. قلنا: أما أنتم فقد صدقتم عن أنفسكم وثبتت فضائحكم، فهاتوا له» ﷺ هفوة أو زلة أو كذبة حتى يكون في مثل حالكم، فإنكم ومن تقدمكم لا تجدون ذلك ولا تهتدون اليه. فقال الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع، كتاب ورؤساء «٢» فأين الشعر الذي هجى به. قيل له: في الشعر الذي هجي به، الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل

الزنجاني القاضي وهو رئيس من رؤسائهم وله أتباع، كتاب ورؤساء «٢» فأين الشعر الذي هجى به. قيل له: في الشعر الذي هجي به، الدعوى عليه بأنه كذاب وساحر مثل

ما تدعي أنت وأمثالك عليه، وفي القرآن مما أدّعوه عليه أكثر مما في شعر أولئك الشعراء، من ادعائهم عليه أنه ساحر وكاهن، وأنه قد اكتتب أساطير الأولين وأعانه على ذلك قوم آخرون، وأحد لا يكون كاذبا بدعوى خصومه عليه كما لا يكون نبيّا بدعوى أوليائه له، وإنما يكون نبيا بالحجة كما قدمنا ويكون كاذبا بأن يشار إلى أكاذيبه وحيله، وتذكر وتفصل كما أشرنا إلى أكاذيبكم وحيلكم وفضائحكم وبيّناها مفصلة. وإنما أشرنا إلى هذا الزنجاني القاضي لأنه كبير فيهم، ومن اتباعه زيد ابن رفاعه الكاتب، وأبو أحمد النهرجورى، والعوقى، وأبو محمد بن أبي البغل الكاتب المنجم، وهؤلاء بالبصرة أحياء وغيرهم في غير البصرة. / ومما يلجئون اليه ويفرحون به وهو عندهم أكبر حجة لهم، قالوا: قلنا لأبي تميم: يا أمير المؤمنين: إن ابن رزام قد وقف على سر الدعوة وعرف أصولها، قال: أليس مع هذا قد صرنا جماعة وصارت لنا مقالة. قالوا: فإذا كنا مبطلين ولنا من الحيل والفضائح والأكاذيب أكثر مما عرفه ابن رزام، وأكثر مما عرفه من بعده، ومع هذا فقد صرنا جماعة وصار لنا ملك وصار الخلق الكثير أتباعا لنا يدّعون لنا المعجزات والآيات والدلالات وأن صاحبنا المهدي وحجة الله على خلقه وإن كان لا أصل لذلك، فأمرنا من أدل الدليل على كذب كل من ادّعى النبوة وأطاعه الناس وكانت له جماعة ومقالة وشريعة. وقد قال أبو تميم مرة: لا يهولنكم ما صنعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها مئتي إنسان يعرف ذلك، فاستغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فاذا ملكتم الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سرّ مقالتكم.

نعه ابن رزام، فما تحوي الأرض كلها مئتي إنسان يعرف ذلك، فاستغلوا بطلب الملك فإن الناس في غفلة، فاذا ملكتم الناس قبلتم هؤلاء الذين يعرفون سرّ مقالتكم.

قالوا: وهذا نزار يخطب له في الحرمين والمواسم، وينادى في الحرمين أمير المؤمنين العزيز نزار صاحب الدلالات والعلامات والمعجزات، فلا ينكر ذلك منكر، وما يعرف له من المعجزات إلا بيع الخمور وإقامة دور الزواني والقوادين ونكاح الذكران وأخذ المكوس. فإن قلتم لنا: إن السيف أسكت الناس عن الانكار، قلنا: وكذا حال من قبلنا من الذين ادّعيتم لهم النبوة. قيل لهم: مع كونكم قاهرين غالبين وتمام حيلكم على الناس لستم تخرجون من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، وإن قل من يعرف فضائحكم، ولو لم يكن واحد من الناس كلهم اشتغل بطلب عيوبكم/ لما خرجتم من أن تكونوا مبطلين مفتضحين، حتى لو رام كل عاقل في الأرض أن يعرف فضائحكم وكيف كان ابتداء أمركم لعرف ذلك، ولو طلبه لوجده ولأحاط به من أوله إلى آخره، فليس تمام حيلكم على من خدعتموه وسخرتم منه بجاعلكم من المحقين، ولو تمت حيلكم على أهل الأرض أجمعين، ولو أسكتهم خوفكم وسيفكم، وهو كما قال بعض الناصحين للملوك الظالمين: إنكم إن قدرتم على ختم أفواه الرجال فلا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. وإن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم، فما أثمرت غلبتكم وتمام حيلكم ووصايا أبي تميم لكم إلا الويل الطويل والخزي المقيم الذي يسكت أولكم وآخركم، وما أنتم في هذا إلا كمن خدع رجلا وعاهده وبذل له غليظ الأيمان أنه من أنصح الناس له، حتى وثق به وائتمنه على نفسه وماله. ثم وثب به فقتله واحتوى على نعمته، ثم أخذ يفتخر بما ملكه واحتوى عليه، فقيل له: أنت وإن وصلت إلى هذا فلست تخرج من أن تكون كاذبا غادرا. وقولكم: إن من ادّعى النبوة في مثل حالنا في الباطل، وقول رئيسكم: أفسد أمور الناس ثلاثة: راعي وطبيب وجمّال وأغيظهم لنا الجمّال «١» فإنه أفسد سائر

الناس، يعنون بالراعي موسى، وبالطبيب عيسى، وبالجمال محمد صلوات الله عليهم أجمعين، فهل معكم إلا الدّعوى والتكذب عليهم والغيظ منهم. وانظروا في أمر هذا الذي غيظكم منه أشد، فعهده أقرب، وأعلامه أظهر وهو ما قد ذكرناه لكم من القرآن ففيه أتم الحجة، وما جاء مجيء القرآن ففيه زيادة الحجة، / فيجدون أول أمره كاخره، وظاهره كباطنه، وسريرته كعلانيته، وكيف يفضح الله الطاعنين عليه من الأولين والآخرين ولا تزداد حجته إلا قوة ولا برهانه إلا إنارة. وانظروا في أول أمركم وفي آخره، وفي ظاهره وباطنه، فإنكم تجدون ذلك في غاية الفضيحة، فإنكم في مبتدأ أمركم وظاهره تدعون اليه وإلى التمسك بشريعته، وباطن أمركم خلاف ذلك، فما لبثّم أن افتضحتم تلك الفضائح. وبعد، فلو صدقتم الناس عن دعوتكم وكاشفتموهم بها، كما فعل رسول الله ﷺ فيما دعا إليه والأنبياء قبله، لما اتبعكم مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ولا كان يتبعكم من يقر بالربوبية، فأمركم أصدق شاهد في سلامة النبوة من كل عيب، فتركتم هذا وقلتم: دعونا منه وخذوا فيما تم لنا وفيمن خدعناه وان افتضحنا، ونحن فما قلنا: إن أحدا لا تتم عليه حيلة ولا يسخر منه ولا يخدع، وان المبطل لا يتبعه أحد. وكانوا قديما إذا وعدوا الناس سرعة خروج المهديّ فأخلف ذلك عن ميقاته الذي ذكروه قالوا لمن يستبطيء ذلك ويسأل عنه، فيقول: ألم تقولوا لنا إن الفرج يكون في هذه السنة وما رأينا فرجا، فيقولون له: استغفر الله وتب اليه فهذا كفر، ويتلون قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي «١»

Bagian 15 dari 18